← Джавами‘

Джавами‘ · id 7708

دروس الشيخ عائض القرني

عائض القرني

Полный текст (10 391 стр.). Показаны 1576–1615 · переход к 1581.

стр. 1576

وسائل وأسباب السعادة من الوسائل:

стр. 1577

الإيمان بالله فإن الكافر لا سعادة له مطلقاً بإجماع العلماء والعقلاء، فالكافر لا سعادة له، والفاجر لا طمأنينة ولا سكينة له، كما قال سبحانه: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى * قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيراً * قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى﴾ [طه:١٢٤ - ١٢٦] وقال في المؤمن: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [النحل:٩٧]. فالحياة الطيبة في الإيمان والعمل الصالح؛ والناس يتفاوتون بحسب إيمانهم وعملهم الصالح درجات، وبحسبها تكون السعادة، قال : (فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلامِ) [الأنعام:١٢٥]. ويتكلم ابن تيمية عن بعض المناطقة الفلاسفة أهل الشك والريبة، الذين شكوا في قدرة الباري فأصابهم الله بغمٍ، وهمٍ، وظلامٍ، وقلق، واضطراب، حتى كادوا أن يموتوا. قيل لأحدهم: بماذا تشعر؟ قال: أشعر أن قلبي ظلمات بعضها فوق بعض. قالوا: يقول العلماء: ليس لك علاج إلا العبادة. قال: لا أستطيع العبادة. وهذا هو الخذلان، والعجيب أن بعض الناس يؤلف في السعادة؛ ولا يدرك السعادة، فإن دايل كارنيجي الأمريكي الذي ألف" دع القلق وابدأ الحياة " الكتاب الذي ترجم إلى تسعٍ وخمسين لغة في العالم، وهو من أكثر كتب الكفار انتشاراً، هذا في آخر عمره أخذ سكيناً ونحر نفسه؛ لأنه ما عرف الطريق إلى السعادة، وما عرف الإيمان، فهؤلاء دلُّوا على طريق العبادة فقالوا: لا نستطيع العبادة، فأعظم الناس سعادةً المؤمن الذي يعمل الصالحات. وفي صحيح مسلم عن صهيب أنه ﷺ قال: ﴿عجباً لأمر المؤمن إن أمره كله له خير؛ إن أصابته ضراء صبر فكان خيراً له، وإن أصابته سراء شكر فكان خيراً له، وليس ذلك إلا للمؤمن﴾. قال عمر ﵁: [[والله ما أبالي أيهما ركبت: مطية الفقر أو مطية الغنى، إن كان فقراً فصبرٌ وأجر، وإن كان غنى فشكرٌ وأجر]]. وقال ابن مسعود: [[والله ما أصبح لي من سعادة، إلا أن أتلمح القضاء والقدر، ففي أي موقع يقع القضاء والقدر فهي السعادة]]. وقال عمر بن عبد العزيز وهو ينظر إلى أبنائه كأنهم الدنانير أمامه: [[والله الذي لا إله إلا هو ما أصبح لي من سعادة إلا في القضاء والقدر، ولو استلب هؤلاء من بين يدي؛ ما شعرت بقلق في أمر الله ]] ولهذا بلغوا منزلةً عظيمة في الإسلام، ولذلك حاول الناس في الحصول على السعادة، ونجح منهم من حصل على الإيمان. وبلال ﵁ وأرضاه يوم ذاق حلاوة الإيمان، كان يسحب على الصخور وهو يقول: [[أحدٌ أحد أحدٌ أحد]]. أحدٌ هتفت بها بصوتٍ صارخٍ تثني بقولتها لكل معطل وهو يوم يسحب على الرمال، ويجر على وجهه، يقول: أحدٌ أحد؛ لأنه ذاق حلاوة الإيمان، وارتفع الإيمان في قلبه إلى درجة أنه لا يشعر بالعذاب. وخبيب بن عدي أخذوه على مشنقة فرفعوه ثم أخذوا يضربونه بالسيوف، فقالوا له: أتحب أنَّ محمداً مكانك في مكة، وأنك في أهلك ومالك؟ قال: [[والله ما أحب أني في أهلي ومالي، وأن رسول الله ﷺ تصيبه شوكة]] ثم لما رفعوه قال: ولست أبالي حين أُقتل مسلماً على أي جنبٍ كان في الله مصرعي وذلك في ذات الإله وإن يشأ يبارك على أشلاء شلو ممزع أتي بـ عبد الله بن حذافة الصحابة الشباب -فأخذ أسيراً إلى بلاد الروم فقال ملك الروم: أخرجوا إلي أسرى المسلمين. فأخرجوه. قال: هاتوا زيتاً وأغلوه في قدور، فغلوا الزيت حتى أصبح له أزيز في القدور؛ فأمر بالأسرى، وأخذ يوقعهم مكتفين في القدور، فينفصل اللحم عن العظم، فقال الملك لـ عبد الله بن حذافة أتريد أن تعود عن دينك، وأعطيك نصف ملكي؟! قال: والله الذي لا إله إلا هو لو أعطيتني ملكك وملك آبائك وأجدادك على أن أترك دين محمدٍ ﷺ طرفة عين ما تركته قال: خذوه إلى القدور، وألقوه في القدر، فذهبوا به وهو مكتوف الأيدي، فلما رأى الأسارى تغلي بهم القدور وقد انفصل العظم عن اللحم، بكى! فأعادوه وظنوا أنه سوف يذعن لأمر الملك؛ فقال: مالك تبكي؟ قال: والله ما بكيت جزعاً من الموت، وما أتيت أقاتلكم إلا لطلب الشهادة، لكن أبكي لأنه ليس عندي إلا نفس واحدة، وأحب أن لي بعدد شعر رأسي نفوساً تعذب في سبيل الله فعجب منه! قال: لا أُطْلِقُكَ حتى تقبل رأسي، وأطلق معك الأسارى جميعاً -الذي بقي منهم- فاقترب منه، وأوهمه أنه قبل رأسه، وقد تفل على رأسه؛ فأطلق معه الأسارى، فلما وصل إلى المدينة؛ لقيه عمر، فعانقه وعمر يبكي، وقال: حقٌ على كل مسلم أن يقبل رأس عبد الله بن حذافة، فقال عبد الله، وكان مزاحاً: أتريد أن يكون رأسي من كثرة التقبيل أصلع كرأسك؟ فقام الناس يقبلونه، وكان أولهم عمر ﵁ وأرضاه (حقٌ على كل مسلم أن يقبل رأس عبد الله بن حذافة. ودخل ابن تيمية على أحد السلاطين السلاجقة في دمشق، وكان هذا السلطان إما ابن قطلوبك أو سلطان آخر، فقال له ابن قطلوبك يا ابن تيمية: الناس يقولون: إنك تريد ملكنا، وملك آبائنا وأجدادنا، فضحك ابن تيمية -ضحك المستعلي الشجاع المتحدي- وقال: والله الذي لا إله إلا هو ما ملكك وملك آبائك وأجدادك يساوي عندي فلساً، إني منذ عقلت رشدي أريد جنةً عرضها السماوات والأرض فلما سجنوه؛ أخذه السجان فأغلق عليه باب السجن، فتبسم ابن تيمية، وهو يقول: ﴿فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ لَهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذَابُ﴾ ثم يقول: " ماذا يفعل أعدائي بي؟! أنا جنتي وبستاني في صدري -القرآن والذكر والتسبيح والتهليل والمناجاة- أنا جنتي وبستاني في صدري، أنّى سرت فهي معي، أنا قتلي شهادة، وإخراجي من بلدي سياحة، وسجني خلوة، ثم قال: المأسور من أسره هواه والمحجوب من حجب عن ربه ". يقول القاضي الزبيري: خذوا كل دنياكم واتركوا لي فؤادي حراً طليقاً غريبا فإني أعظمكم ثروة وإن خلتموني وحيداً سليبا وسعيد بن المسيب سيد التابعين، والإمام الكبير للسُنة في عهد التابعين، الذي كان من أعظم عباد الله عبادة، بقي يبكي في مسجد الرسول ﵊ من كثرة التلاوة والعبادة حتى ذهبت عينه اليمنى، فقالوا: نخرج بك إلى العقيق -والعقيق وادٍ وارف الظلال، وبستان أخضر حول المدينة - علَّ بصرك أن يعود إليك، ثم قال: أتخرجون بي لتفوتني صلاة بألف صلاة في مسجد الرسول ﷺ ؟ لا والله، ما بقي لي من لذة إلا البكاء من خشية الله، وإلا المشي في الظلمات!! وقال: [[الحمد لله ما فاتتني تكبيرة الإحرام مع الإمام، وما نظرت إلى قفا إنسان غير الإمام أربعين سنة]]. كان رضي الله تعالى عنه وأرضاه سعادته في سماع الأذان! أتته سكرات الموت، فتلي عليه حديث من أحاديث المصطفى ﷺ فقال: أجلسوني. قالوا: أنت في سكرات الموت. قال: سبحان الله! يذكر الحبيب ولا أجلس، وأنا مضطجع والله لأجلسن فأجلسوه، ثم أضجعوه، فمات ﵁ وأرضاه. ولذلك قال إبراهيم بن أدهم وكان زاهداً عابداً، وما كان يجد إلا كسرة الخبز قال: نحن في عيش لو علم به السلاطين لجالدونا عليه بالسيوف، يعني عيش السعادة، والاطمئنان، والإيمان والرضا بما عنده . فمن لا إيمان له، ولا عمل صالح فهو في عيشةٍ ضنك، ولو ملك من القصور ما ملك، من الدور ومن العمارات والفلل والمناصب ومن الأموال فوالله إنه في ضنك، وفي عنت، وفي مشقة! لأنه ما اهتدى إلى طريق الإيمان.

стр. 1578

العمل الصالح ومن أسباب السعادة: العمل الصالح: فعمل الصالحات هو من أكبر الأمور التي تحصل لك السعادة، وهي قرة العين، فقد كان ﵊ إذا حزبه أمر قال: ﴿أرحنا بالصلاة يا بلال!﴾ وكان يقول: ﴿وجعلت قرة عيني في الصلاة﴾ يقول : ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ﴾ [البقرة:٤٥] قال سيد قطب ﵀: إذا انتهى مدد الصبر وطاقة الصبر أتت الصلاة لتكون معيناً وطاقةً وزاداً، فالصبر ينتهي، ولكن تزيده الصلاة. وفي ترجمة الحافظ ابن حجر أنه خرج للنزهة، فطوقه لصوص يريدون سلبه وقتله، فتوضأ وقام يصلي، فتبدد اللصوص وخافوا وهربوا، فلما سلم قال له تلاميذه: مالك هربت إلى الصلاة. فقال: يقول : ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ﴾ [البقرة:٤٥]. ولذلك كان عباد الله يفزعون إلى الصلاة، ويفرون إلى طاعة الله إذا حزبهم أمر. ومن أعظم ما يسهل الخاطر، ويزيل الهموم والغموم عمل الصالحات -كما قلت- ومن أجلِّها: الصدقة، وجرب ذلك. مَرضَ كثير من الصالحين فتصدقوا، فكشف الله مرضهم؛ وأصابتهم كرب فتصدقوا، فأزاح الله كربهم؛ ولذلك عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: ﴿مثل البخيل والمتصدق مثل رجلين عليهما جبتان من حديد، قد اضطرت أيديهما إلى تراقيهما، فكلما هم المتصدق بصدقته اتسعت عليه حتى تعفي أثره، وكلما هم البخيل بالصدقة انقبضت كل حلقة إلى صاحبتها، وتقلصت عليه وانضمت يداه إلى تراقيه، فسمع النبي ﷺ يقول: فيجتهد أن يوسعها فلا تتسع﴾. والبخيل بالمال، والبخيل بالجاه، والبخيل بالبسمة وبالكلمة الطيبة من أضيق الناس نفساً، ومن أسوئهم خلقاً، ومن أقلقهم حياةً؛ لأنه ما عرف سبيل السعة. ولذلك كان الكرماء أوسع الناس صدوراً، وجرب ذلك! فإنك لا تفعل خيراً للمسلمين إلا ويرزقك سعةً في الصدر، فإنه غفور شكور غفور يغفر الذنب، وشكور يشكر على الحسنات في الدنيا والآخرة.

стр. 1579

الرضا بالقدر ومن أسبابها كذلك الرضا بالقضاء والقدر: ذكر عن ابن قتيبة أنه قال: ما كان يتسلى الجاهليون في جاهليتهم وأهل الشرك في شركهم إلا بالقضاء والقدر، تموت ناقة المشرك فيقول: قضاء وقدر، يموت ابنه فيقول: قضاء وقدر. قال بعض العلماء: من يؤمن بالقضاء والقدر يتسلى بأجر! وقد قال : (مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ * لِكَيْلا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ) [الحديد:٢٢ - ٢٣]. وهذا عروة بن الزبير وكان عابداً زاهداً من العلماء والفقهاء السبعة، فقرروا قطع رجله من الفخذ، فقالوا: نسقيك كأساً من الخمر علَّ عقلك أن يذهب، فقال: والله لا أذهب عقلاً منحنيه الله، ولكن إذا توضأت ودخلت في صلاتي وناجيت ربي؛ فاقطعوا رجلي فلما دخل في الصلاة، أخذوا المناشير فبتروا رجله، فإذا هو مغمىً عليه! وبقي يوماً كاملاً، فلما استفاق، قالوا له: أحسن الله عزاءك في رجلك، وأحسن الله عزاءك في ابنك؛ فقد رفسته دابة من دواب الخليفة فمات فرفع طرفه وقال: اللهم لك الحمد! إن كنت أخذت فقد أعطيت، وإن كنت ابتليت فقد عافيت أعطيتني أربعة أبناء وأخذت ابناً واحداً، وأعطيتني أربعة أطراف، وأخذت طرفاً واحداً، فلك الحمد حتى ترضى، ولك الحمد إذا رضيت، ولك الحمد بعد الرضا. يقول وهو يتمثل: لعمرك ما مديت كفى لريبةٍ وما حملتني نحو فاحشةٍ رجلي ولا دلني فكري ولا نظري لها ولا قادني سمعي إليها ولا عقلي وأعلم أني لم تصبني مصيبةٌ من الله إلا قد أصابت فتىً قبلي ومرض عمران بن حصين أحد الصحابة الأخيار ثلاثين سنة، فما شكى ولا بكى ولا تذمر، حتى كانت الملائكة تصافحه عند السحر بأيمانها وهذا في الإصابة لـ ابن حجر. ومرض أبو قلابة حتى قطعوا أطرافه الأربعة، أصابه مرض الآكلة في أطرافه -في رجليه ويديه- حتى قطعوها، وكان يتبسم حمداً لله وشكراً! قال ابن الجوزي في" صفة الصفوة " مروا بمولى أسود وهو مريض، وهو في زقاق من زقاق المدينة المنورة، وهو يتبسم، فقال له الناس: نمر عليك وأنت تذكر الله وتتبسم وأنت في مرض وفي حالة لا يعلمها إلا الله، فقال: أنا في سعادة، وكلما أصابني قليل بجانب الإيمان الذي أعطانيه الله والعمل الصالح. وذكروا عن أيوب ﵇ أنه لما ابتلي بالمرض في جسمه قال: اللهم أبق علي قلبي ولساني، قلبي أشكرك به، ولساني أذكرك به فكل شيءٍ دخل فيه المرض إلا لسانه وقلبه، فما كان لسانه يفتر من ذكر الله، وما كان قلبه يفتر من شكر الله. الرضا بالقضاء والقدر، يقول : ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ) [التغابن:١١]. قال ابن عباس ﵁: [[هو العبد تصيبه المصيبة، فيعلم أنها من عند الله، فيرضى ويسلم؛ فيهدي الله قلبه]].

стр. 1580

الإحسان إلى الناس بالقول والفعل ومن أسبابها الإحسان بالبسمة، وبلين الكلمة، والشفاعة الحسنة، والصدقة، والبر، والصلة، والزيارة، وبمساعدته بأي نوع من المساعدة كلها تدخل عليك الطمأنينة، في الدنيا، وقد سلف شيء من هذا.

стр. 1581

النظر في الدنيا إلى من هو أدنى ومن أسبابها: النظر إلى من هو دونه في الحظوظ الدنيوية؛ لأن الحياة قليلة وزهيدة. قالوا: " الحياة قصيرة، فلا تقصرها بالهموم والغموم ". قال: هشام بن عبد الملك الخليفة الأموي، لأحد أصحابه: ما رأيك نعد الأيام التي سعدنا فيها، ولم يأتنا أمر مكدر فعد الأيام -وكان عمره ما يقارب ستين سنة- فما وجد فيها إلا ثلاثة عشر يوماً ذكر ذلك الذهبي، قالوا: عدوا أيامه في حياته التي سلم فيها من الهم والغم والكدر؛ فما وجدوها إلا ثلاثة عشر يوماً، وأما البقية فكانت هماً وغماً وكدراً فالحياة قصيرة، فلا تقصرها بالهم والغم والكدر. فمن أسباب السعادة النظر إلى من هو دونك في الحظوظ الدنيوية فلا في الحظوظ الدينية، لا تنظر إلى من هو دونك في الدين والاستقامة، وقيام الليل، وتلاوة القرآن، والعلم، والتحصيل، والذكر، والصيام، بل ينبغي أن تنظر إلى من هو فوقك؛ لكن انظر إلى من هو دونك في الرزق والمال والصحة والسكن والمعيشة، لترى نعمة الله عليك ولا تزدريها. يقول : (كُلّاً نُمِدُّ هَؤُلاءِ وَهَؤُلاءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُوراً * انْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَلَلْآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلاً﴾ [الإسراء:٢٠ - ٢١]. وقال : ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لا يُبْخَسُونَ * أُولَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ إِلَّا النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [هود:١٥ - ١٦]. وقال : ﴿وَلَوْلا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً لَجَعَلْنَا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفاً مِنْ فِضَّةٍ وَمَعَارِجَ عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ * وَلِبُيُوتِهِمْ أَبْوَاباً وَسُرُراً عَلَيْهَا يَتَّكِئُونَ * وَزُخْرُفاً وَإِنْ كُلُّ ذَلِكَ لَمَّا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةُ عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [الزخرف:٣٣ - ٣٥].

стр. 1582

السعادة في طاعة الله استدعى عمر بن الخطاب ﵁ وأرضاه سعيد بن عامر أحد الصحابة الفقراء الشباب المجاهدين العُبَّاد، وما كان له من المال شيئاً كان له صحفة يأكل ويغسل منه ثوبه؛ وعنده إبريق يغتسل فيه، ويتوضأ فيه؛ وعنده عصا، وعنده شملة يفترشها؛ فاستدعاه عمر وسعيد بن عامر هذا من المهاجرين الكبار، قائم لليل صائم للنهار، فاستدعاه عمر، وقال له: [[يا سعيد بن عامر: إني فكرت في أمر حمص وحمص بلدٌ في الشام في سوريا، وفكرت من أولي عليها أميراً، فما وجدت إلا أنت، فقد أرسلتك عليها أميراً. قال: يا أمير المؤمنين اعفني، لن أتولى، فدمعت عين عمر، قال: تجعلون الخلافة في عنقي، ثم تتركونني، وتتركوها لي، والله لتعينني عليها قال: حسبنا الله ونعم الوكيل، فأرسله أميراً، ثم أعطاه عطاءه- لا أدري ثلاثة آلاف درهم، أو ثلاثة آلاف دينار- فأخذ هذا العطاء، وجمع بعض المال معه، وقال لزوجته: ما رأيك في هذا المال نعطيه شريكاً يعطينا، في الدرهم عشرة دراهم وزيادة، فقالت: وهل تجد من يعطيك هذا، قال: نعم، قالت: هذا مالي مع مالك وتاجر فيه ما دام أنه يعطينا ضعفه؛ فأخذه فأنفقه في سبيل الله مرة واحدة، ثم ذهب بصحفته وشملته وإبريقه وعصاه، ووصل إلى أهل حمص ودخل عليهم في نسك وخشوع لا يعلمه إلا الله، فلما رأوه قالوا: من أين أتيت؟ قال: من المدينة، مدينة الرسول ﵊، قالوا: هل رأيت أميراً، أرسله عمر سمعنا أنه سوف يصل، قال: هو أنا، قالوا: لست أنت أميرنا، وما هيئتك أنك أمير! قال: إن شئتم أن أدخل دخلت المدينة، وإن شئتم أن أخرج خرجت، قالوا: ادخل؛ فدخل، فاستمر في إمرته فما مرت الأيام حتى جلس عمر بن الخطاب يتتبع أخبار الأمراء، وكان يحاسبهم كل سنة والعصا بيده. فكان يجمع عوام الناس وأعيان الناس وأعيانهم وعلمائهم وكبراءهم، ويجمع الأمراء، فلما سأل عن سعيد قال: ماذا تنقمون عليه، وماذا ينقم عليكم؟! فقالوا: يا أمير المؤمنين والله ما أخذنا عليه شيئاً، فقد كان من أحسن الناس سيرة وجهداً وعبادة، إلا أربعة أمور، قال: ما هي؟ وقال عمر في نفسه: اللهم لا تخيب ظني فيه، فإني ما علمته إلا من خيرة أصحاب رسولك ﷺ ، قالوا: أما الأمر الأول فما يخرج إلينا حتى يتعالى النهار فيجلس إلينا أي ما يخرج إلينا إلا ضحى. وأما الأمر الثاني: فإن له يوماً في الأسبوع لا نراه ولا يرانا. وأما الأمر الثالث: فإنه يغمى عليه أحياناً فيصرع في مجالسنا. وأما الأمر الرابع: فلا يخرج إلينا في الليل مهما طرقنا. فقال عمر: أجب عن نفسك يا سعيد! قال: اعفني يا أمير المؤمنين! -لا يريد أن عمله وأوراقه تعلن أمام الناس- قال: والله لتجيبن قال: اللهم إنك تعلم أني ما قمت رياءً أما قولهم: إني لا أخرج حتى يتعالى النهار، فأنا رجلٌ امرأتي مريضة منذ سنوات، فأنا أصلح طعامي، وأجهزه وأهيئه، ثم أفطر، ثم أكنس البيت، ثم أخرج إليهم. قال: هذه واحدة -ودموع عمر تسيل على لحيته- قال: والثانية؟ قال: أما قولهم: لا أخرج بليل فقد جعلت النهار لهم، والليل لربي، فما أصلي العشاء، إلا وأقوم وأتنفل حتى صلاة الفجر، قال: واليوم الذي لا تخرج فيه؟ قال: وأما اليوم الذي لا أخرج فيه؛ فليس لي خادم وامرأتي مريضة، فأنا أغسل ثيابي وثياب أهلي يوماً في الأسبوع. قال: وما لك تصرع ويغمى عليك في المجلس؟ قال: يا أمير المؤمنين! إني حضرت قتل خبيب بن عدي في مكة، وأنا مشرك يوم قتل خبيب بن عدي فحضرت قتله، فلما رفع التفت إلينا جميعاً، وقال: اللهم أحصهم عدداً، واقتلهم بدداً، ولا تغادر منهم أحدا، فما ذكرت ذاك الموقف لأني ما نصرته إلا أغمي عليَّ، فبكى عمر حتى كاد يغمى عليه، وقال: [[الحمد لله الذي لم يخيب ظني فيك]]. ذاك الطراز الرفيع الذي أخرجه ﵊، من مثل هذا الرجل فرضي الله عنهم، وأرضاهم، وألحقنا بهم في دار كرامته.

стр. 1583

السعادة ليست بالمال دخلوا على أبي ذر وهو في سكرات الموت، وهو يبكي، فقالوا: مالك؟ قال: أخبرنا رسول الله ﷺ أن وراءنا عقبةً كئوداً، وأنه لا يتجاوزها إلا المخف وقد جمعت الدنيا فالتفتوا فما رأوا إلا قعباً وصحفةً وشملةً في بيته. يقول : ﴿فَأَمَّا الْأِنْسَانُ إِذَا مَا ابْتَلاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ﴾ [الفجر:١٥] ومعنى الآية أن بعض الناس إذا أراد الله أن يبتليهم ويمتحنهم أغدق عليهم المال فقال هذا الإنسان -من جهله بالله- أكرمني بكرامتي عنده، وهذا ليس بصحيح! فقد يكون من أفجر الناس، ومن أخبث الناس؛ ولكن يعطيه الله المال فتنة. وبعض الناس يبتليه الله بالفقر، فيقول من قلة قيمتي واعتباري عند الله؛ ابتلاني بالفقر، وهذا ليس بصحيح! فقد قد يكون المرء من أتقى الناس، وأعظمهم وأرفعهم، ولكن ابتلاه الله بالفقر ليرى صبره. يقول المتنبي: وفي الناس من يرضى بميسور عيشه ومركوبه رجلاه والثوب جلده ولكن قلباً بين جنبي ما له سوى المجد مجد الأكرمين يحده يحاول أن يكسى ثياباً ترفه فيختار أن يكسى دروعاً تهده وتعالوا إلى المتنبي هذا الذي طنطن ودندن وأشغل الناس بهذه الهمة العالية. يقول ابن الجوزي: عجبت للمتنبي هذا الذي يقول: أنا مطامحي عظيمة وأنا أريد شيئاً وحتى يقول: وكل ما خلق الله وما لم يخلق مستصغرٌ في همتي كشعر في مفرق أو كما قال! أي أن البشرية كلها شعرة في مفرقة، وكان يقول: أنا في أمة تداركها الله غريب كصالح في ثمود فما هو مطلبه؟ المطلوب هو الإمارة، حتى يقول لـ كافور: ليعلم قوم خالفوني وشرقوا وغربت أني قد ظفرت وخابوا قال ابن الجوزي: خاب وخسر! والله إنها من أخس المطالب في الحياة، وإن الذي لا يطلب رضا الله فليس له من همةٍ في الحياة أبداً، وعجيب أن يطلب هذا الهمة ثم يقع فيما وقع عليه.

стр. 1584

السعادة ليست في القوة والسلطان أبو مسلم الخرساني قتل ألف ألف -مليوناً من المسلمين- حتى تولى السلطان، ثم ما أمهله الله، فما بقي إلا سنوات فأخذه أبو جعفر المنصور، فذبحه كما تذبح الشاه. وذهب الحجاج بن يوسف فقتل مائة ألف، وقتل العلماء، وأهان الصحابة، ثم ابتلاه الله بمرض، فكان يخور كما يخور الثور. وأتى الوليد بن يزيد الفاسق فأخذ المصحف -وهو خليفة أموي كما يقول ابن كثير - فأخذ يضرب المصحف ويهجوه، ويتكلم فيه، فطورد حتى أُدرك، فأخذوا جلد حمار فأحرقوه في جلد الحمار: (وَسَكَنْتُمْ فِي مَسَاكِنِ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ وَتَبَيَّنَ لَكُمْ كَيْفَ فَعَلْنَا بِهِمْ وَضَرَبْنَا لَكُمُ الْأَمْثَالَ * وَقَدْ مَكَرُوا مَكْرَهُمْ وَعِنْدَ اللَّهِ مَكْرُهُمْ وَإِنْ كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ) [إبراهيم:٤٥ - ٤٦] وحضرت الوفاة الخليفة المعتصم وهو العسكري الكبير وهو من أشجع الخلفاء فاتح عمورية الذي يقول فيه عمر أبي ريشة: رب وا معتصماه انطلقت ملء أفواه الصبايا اليتم لامست أسماعهم لكنها لم تلامس نخوة المعتصم أدركته الوفاة وهو فوق الأربعين، وظن أنه سوف يبقى إلى الثمانين؛ فلما حضرته الوفاة وكان العلماء بجانبه قال: أموت اليوم؟ قالوا: نعم تموت فقال للطبيب: انظر إليَّ -ذكر ذلك عبد الحق الأشبيلي في تذكرته. كأنه يقول: غير معقول هذا! أنا شاب، فقالوا: ولو كنت شاباً فأخذ يبكي، ويتخبط بالأرض، ويقول: والله لو كنت أعلم أني أموت في شبابي؛ ما فعلت الفعل الذي كنت أفعله سبحان الله! يكون الناس في غفلة، فإذا ماتوا انتبهوا. يبقى الإنسان في سكار وفي غفلة، وفي إعراض؛ فإذا نزل به الموت؛ انتبه كأنه قام من النوم ولذلك كثير من الشباب -إلا من رحم الله- يرى أنه لا يموت، لماذا؟ لأنه شاب، فكيف يموت وهو شاب؟! وكثير من الأغنياء من السلاطين لا يرى أنه سيموت - نسأل الله العافية والسلامة- وهذا هو الغرور. تنبهوا يا رقود إلى متى ذا الجمود فهذه الدار تبلى وما عليها يبيد الخير فيها قليل والشر فيها عتيد والبر ينقص فيها والسيئات تزيد فاستكثر الزاد فيها إن الطريق بعيد وهذا هارون الرشيد أدركته الوفاة وهو في طوس وقيل طرطوس، فلما أدركته الوفاة؛ نزل في غدير، فرأى سمكةً كأنها خنجر فمد يده؛ فتسمم جسمه، فقال: أخرجوني للجيش، فأخرجوا الجيش له، وهو في سكرات الموت، فبكى حتى بكى الناس، وقال: يا من! لا يزول ملكه ارحم من زال ملكه. وهارون هذا هو ابن المهدي بن أبي جعفر المنصور، وكان يخرج في الشرفات، فإذا رأى السحاب تحداها وقال: أمطري حيث شئتِ فإن خراجك سوف يأتيني. يقول: سيري حيث أردتِ في أي أرض هطلتِ، فإن تلك الأرض أنا أحكمها، لأنه يحكم إلى مشارف أسبانيا، وإلى السند وإلى طاجكستان. فبنى هارون الرشيد قصراً فأدخل عليه الناس يهنئونه العلماء، والوزراء، والأمراء، والشعراء، فدخلوا جميعاً، يهنئونه ويمدحونه فهو الخليفة، ودخل في آخرهم أبو العتاهية، -وهو شاعر الزهد والحكمة- فوقف أمامه، فقال هارون الرشيد: ماذا تقول فيَّ وفي القصر يا أبا العتاهية؟ قال: عش ما بدا لك سالماً في ظل شاهقة القصور قال: ثم ماذا؟ قال: يجري عليك بما أردت مع الرواح أو البكور يعني تأتي عليك الأمنيات والمسرات، مع الرواح مع البكور، قال ثم ماذا؟ فرفع أبو العتاهية صوته يبكي وقال: فإذا النفوس تغرغرت بزفير حشرجة الصدور فهناك تعلم موقناً ما كنت إلا في غرور فبكى حتى نزل من على سريره. نور الدين محمود زنكي من أعدل الحكام في الإسلام. يقول ابن كثير عنه في البداية والنهاية: " رحم الله تلك العظام! أمر جنوده إذا انتصف الليل أن يضربوا له بالصولجان، فيقوم هو وذريته وأزواجه وبناته، فيصلون حتى الفجر، وكان كثير الصيام وكان متجهاً إلى الله من أعدل العدول في الأرض، وقد ذكروا في ترجمته أنه رأى في المنام أن الرسول ﵊ يقول: أنقذني يا محمود! فقام فزعاً من الليل، فتوضأ وصلى ركعتين، ثم عاد فنام، قال: فرأى الرسول ﵊ في صورته يقول: أنقذني يا محمود! فتوضأ وصلى، ثم عاد فنام، فرآه ﵊ يقول: أنقذني يا محمود! وإذا برجلين عليهما من الشعرة والهيئة كلبس المغاربة. فقام في الصباح، فجمع العلماء وسألهم، فقالوا: كأن قبر الرسول ﷺ يؤذى، أو كأنه يحفر حوله، وكأنه يؤذى في روضته ﵊، فأدرك الروضة. فاستنفر الجيش من دمشق، جيشاً عرمرماً وكان هو قائد الجيش، وجعل القواد على الميامن والمياسر في الكتائب، ودلف حتى وصل إلى المدينة، وطوق المدينة، ثم عمل مأدبةً عظيمةً لأهل المدينة، وقال لا يتخلف عنها أحد، ومن تخلف عنها ضربت رأسه. فذهب الجنود يحضرون الناس من بيوتهم للمأدبة خارج المدينة، وبسطت السفر، ومدت بالأطعمة؛ فلما أصبح الغداء، سأل جنوده: هل تخلف أحد؟ قالوا: ولا أحد، قال: ولا أحد! قالوا: ما تخلف إلا رجلان في المسجد النبوي، يذكران الله يقولان: لا يريدان الحضور، ولا يريدان الطعام فقد سئماه فخشينا من إحضارهما وإحراجهما، فتركناهما قال: عليَّ بهما. فأُتي بهما، وإذا هما اللذان رأى في المنام، فجلدهما على رءوسهما وقال: ماذا فعلتما بقبر المصطفى ﷺ فاعترفا، فقالا: نحن نصارى أتينا من عكا، وركبنا القوارب إلى جدة وقد أعطانا ملك عكا -وكان نصرانياً تابعاً لملك فرنسا الذي زحف بالزحوف الهائلة- وأعطانا مالاً هائلاً لحمل الجثمان إلى القارب في جدة، ثم أخذه إلى عكا. قال: وهل حفرتم؟ قالوا: نعم نمد البساط في النهار ونجلس عليه ونحفر في الليل، وقد قاربنا القبر فأمر بهما فضربت رءوسهما على مداخل ثنية الوداع في الميمنة والميسرة، وعلقا بأرجلهما وتقدم ورأى القبر قد قارب؛ فصبه قيل برصاص وقيل بفضةٍ ﵁ ورحم الله تلك العظام. نور الدين هذا كان في حفل عسكري يتهيأ لفتح بعض البلاد، فأعجبته نفسه، كانت الخيول تمر آلافاً مؤلفة وكانت القادات والأعلام أمامها، فأتى أحد العلماء فلبس لباساً، من لباس الزهد، ودخل بيته وتوضأ وصلى ركعتين وقال: اللهم افتح لي قلب هذا الملك، ثم أتى ووقف أمامه بالعصا، وقال: عندي كلمات يا نور الدين محمود! قال: تكلم، قال: مثل لنفسك أيها المغرور يوم القيامة والسماء تمور إن قيل نور الدين جاء مسلِّماً فاحذر بأن تأتي ومالك نور حرمت كاسات المدام تأففاً وعليك كاسات الحرام تدور إلى أن يقول: يوماً يشيب لهوله الولدان من خوفٍ ويأكل عظمه المجبور هذا بلا ذنبٍ يخاف لهوله كيف المصر على الذنوب دهور فسقط مغشياً عليه على الأرض من البكاء، ثم أمر بقطع هذا المهرجان، وكان هذا هو الدخول إلى القلوب التي ما وعت إلا بهذه الحكم، وهذه الاستطرادات من الوعظ من نثر وشعر.

стр. 1585

حفظ الوقت هذا الذي أخفقنا فيه إلا من رحم الله، حفظ الوقت، الساعات الطويلة تمر علينا بلا استثمار بلا تلاوة وبلا تسبيح وبلا مطالعة في الكتب وبلا سماع للشريط الإسلامي وبلا جلوسٍ مع طلبة العلم، وبلا زيارة للأخيار؛ كل هذا نشكو حالنا فيه إلى الله. يقول : (أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لا تُرْجَعُونَ * فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ [المؤمنون:١١٥ - ١١٦] وقال ﵊ كما في صحيح البخاري عن ابن عباس ﵄: ﴿نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس: الصحة، والفراغ﴾.

стр. 1586

قصر الأمل ويعلق على هذا دايل كارنيجي (يومك يومك) فيقول: " لا تعش إلا في حدود يومك " لكن أغنانا الله بما عندنا عن بضاعتهم؛ وبضاعتهم مزجاة وميراثنا يغنينا ويغني غيرنا. هو يقول: يومك يومك، عش في حدود يومك، قال محمد الغزالي في كتاب جدد حياتك: يغني عن هذا قوله ﵊ -رفع هذا الحديث مرة ووقف عن ابن عمر - ﴿إذا أصبحت فلا تنتظر المساء، وإذا أمسيت فلا تنتظر الصباح﴾. وفي بعض الآثار: ﴿صلوا صلاة مودع﴾ ونحن لو عشنا في حدود اليوم، لكثرت أعمالنا، ولعظمت موازيننا عند الله ولجدينا واجتهدنا في أعمالنا إذا عرفنا أننا سوف نموت. قال السعدي في الوسائل المفيدة للحياة السعيدة: الاشتغال بالماضي حمق وجنون، والاشتغال بالمستقبل من السخف، نحن نجني للمستقبل، لكن نشتغل بالماضي فتجد بعض الناس حزيناً، دائماً حزين، تقول له: مالك؟ قال: أخطأت قبل شهر، تكلمت مع فلان في كلمة فأخطأنا فيها؛ قضى الله واستغفر! وتجد الآخر ذاته حزيناً، مالك؟ قال: ماتت ناقتي قبل ثلاث سنوات. ما مضى فات والمؤمل غيب ولك الساعة التي أنت فيها قال أهل التربية: " الاشتغال بالماضي تفويت للحاضر الحاضر " وأكثر ما هد الشباب هذه الهواجس والخواطر، حتى تبلغ إلى درجة الجنون. ولذلك يقول كارنيجي: المستشفيات في أمريكا وجد أن أكثر من نسبة (٨٠%) من الهواجس لا حقيقة لها وأنها أوهام. ولذلك لما قل الإيمان، وقلت تلاوة القرآن عند كثير من الشباب، وقلَّ الاستغفار، والذكر، وقيام الليل؛ أتت هذه الهواجس والخطرات حتى وصلت إلى درجة الجنون، ولا يمكن التخلص منها إلا بأن نعود إلى الكتاب والسنة، ثم نأتي إلى قصر الأمل فنعيش في حدود اليوم. ﴿إذا أصبحت فلا تنتظر المساء، وإذا أمسيت فلا تنتظر الصباح﴾. وقد ذكر الذهبي أن ثلاثة من السلف كانوا يوصفون بقصر الأمل، قيل لأحدهم: ما بلغ من قصر أملك؟ قال: والله ما دخلت في صلاة إلا ظننت أني لا أصلي الصلاة الأخرى، قال له صاحباه وهما يحاورانه: أنت طويل الأمل، قالوا للثاني: وأنت، قال: والله ما رفعت لقمةً إلا ظننت أنها لا تبلغ فمي حتى أموت، قال: طويل الأمل. وأنت أيها الثالث قال: ما خرج نفس من أنفاسي إلا ظننت أنه لا يعود إلا وقد توفيت. وهؤلاء بلغوا في قصر الأمل مبلغاً عظيما ً، وهو الذي مدحه ﵊. قيل للإمام أحمد: كيف يُحصل على قصر الأمل؟ قال: " هو توفيق من الله " أي ما يوفِّق إليه إلا الله؛ ولذلك تجد بعض الناس طموحاته أكثر من عمره بكثير، ولو تيقن أحدنا أنه لا يعيش إلا سنتين وسوف يموت بعدها قطعاً لرأيت من اجتهاده وعباداته وأذكاره وسموه وأخلاقه ما الله به عليم. فاستحضر أنك سوف تموت لا محالة.

стр. 1587

كثرة الذكر ومن أسباب السعادة: كثرة ذكره ودعائه ومناجاته واللجوء إليه: وإذا أردت أن تعرف المؤمن من غير المؤمن، أو زيادة الإيمان ونقصه عند الناس، فانظر إلى يديه، وإلى أذكاره، ولسانه، وشعوره، وإلى اتصاله بالحي القيوم، فإذا رأيته دائماً يقول: يا رب! يا حي يا قيوم! يا الله! أسألك التوفيق. وإذا رأيته دائماً في التسبيح، والاستغفار، والمناجاة، والابتهالات، وإذا رأيت لمحاته ترتفع دائماً إلى الحي القيوم؛ فاعرف أنه مؤمن. أما إذا رأيت الإنسان مغفلاً، مصمتاً، مغلقاً عليه يذهب سبهللاً، ويأتي سبهللاً، فاعرف أن قلبه مات! صحيح أن قلبه موجود، لكنه كتلة لحم، ميت ليس فيه حراك. من يهن يسهل الهوان عليه ما لجرحٍ بميتٍ إيلام إن ميزان العبادة الذكر، وإن ميزان قوة الإيمان الذكر، فأنا أوصي نفسي وإياكم بكثرة الذكر والابتهال والمناجاة وكثرة الاستغفار، وقد قالوا عنه: يكون كلفة، ثم يكون ألفة أي: يكون كلفة في أول الطريق هي أشهر سوف تتكلف فيها وتحاول أن تجهد نفسك؛ لكنه سوف يكون ألفةً لك؛ لأن من كلف نفسه التسبيح دائماً، سوف تمر عليه أشهر وهو يسبح ولا يشعر بكلفة. كان أحد العلماء ذكره صاحب روضة الناظرين في ترجمة علماء نجد وعبرها ومن بعدها من السنين يقولون: كان له الذكر كلفة، ثم أصبح ألفة فكان يذكر الله على مر الأنفاس، وكان يقول في المحبة لله : إذا كان حُبَّ الهائمين من الورى بـ ليلى وسلمى يسلب اللب والعقلا فماذا عسى أن يصنع الهائم الذي سرى قلبه شوقاً إلى العالم الأعلى قال ابن كثير: سئل أحد العلماء لماذا رفع الله إدريس مكاناً عليا؟ قال : ﴿وَرَفَعْنَاهُ مَكَاناً عَلِيّاً﴾ [مريم:٥٧]. فنقل عن بعض الصحابة كـ ابن عباس وغيره، قالوا: كان إدريس! ﵇ خياطاً، يخيط الأقمشة، قالوا: ما غرس الإبرة في مكان -يعني ما بين الثقبين- إلا قال: سبحان الله، فقال له الله في ليلة من الليالي عند المساء: يا إدريس، لأرفعنك مكاناً علياً، فبكى وسجد، قال: ولم يا رب! وقد رفعتني في الدنيا رفعةً ما بعدها رفعة- نبي من الأنبياء، ورسول من الرسل- قال: لقد نظرت إلى صحائف الناس كل ليلة فوجدتك دائماً أكثر الناس تسبيحاً واستغفاراً. كان لا يغرس الإبرة إلا ويقول: سبحان الله، ونحن نتكلم كلاماً من السفه، والسخط، ومن الهذر الذي لا يزن جناح بعوضة في ميزان الحق؛ فلماذا لا نجعل ذلك الكلام في ميزان الحسنات؟! وفي سنن الترمذي بسندٍ صحيح: ﴿من قال سبحان الله وبحمده غرست له نخلةٌ في الجنة﴾ قال ابن الجوزي: لا إله إلا الله كم يفوتنا من النخلات! إن قلت سبحان الله غرست نخلة. يقول ﷺ : ﴿لأن أقول: سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر أحب إلي مما طلعت عليه الشمس﴾. وكان موسى ﵇ إذا مشى ليكلم الله في طور سيناء؛ يمشي قليلاً ويسجد على الأرض، ويبكي ويقول: [[اللهم إليك المشتكى، وأنت المستعان، وبك المستغاث، وعليك التكلان، ولا حول ولا قوة إلا بك]]. فكان يرفعه الله درجة حتى كلمه. ويقول ابن كثير في تفسيره وأهل الأثر: كان الله إذا كلم موسى وجد النور على وجهه أربعين يوماً من آثار ذاك الكلام وذكر ابن كثير في سورة طه: أن الله قال لموسى: أتدري لماذا اخترتك من بين الناس رسولاً ونبياً؟! قال: لا، قال: نظرت إلى قلوب الناس فوجدت قلبك يحبني أكثر الناس، ووجدت قلبك أكثر الناس تواضعاً لي. ولذلك ضرب السلف الصالح في هذه المبادئ السمة العليا؛ ومنهم أبو مسلم الخولاني فقد ترجم له الذهبي في المجلد الرابع من سير أعلام النبلاء، فقال: كان لسانه لا يفتر من ذكر الله أبداً، دخل على معاوية، وهو خليفة، فكان يتمتم، فقال له معاوية: أجنون هذا يا أبا مسلم! قال: جنون يا معاوية! وقال آخر قيل له وهو يسبح: أجنون هذا؟ قال: هذا طب الجنون. وفي بعض الآثار وفيها ضعف ذكرها الشوكاني في تحفة الذاكرين في شرح الحصن الحصين لـ ابن الجزري: [[اذكر الله حتى يقول الناس: مجنون]] وهذا لا يتأتى إلا بألا تجعل للناس قيمة؛ لأنك إذا نظرت إليهم فسوف يأخذون عليك وقتك، لأن بعض الناس لا يريد أن يسبح في المجلس؛ لئلا يقولوا: راءى، أو لأنهم ينظرون إليه، أو موسوس، دعهم يقولون ذاك. فليتك تحلو والحياة مريرةٌ وليتك ترضى والأنام غضابُ وليت الذي بيني وبينك عامرٌ وبيني وبين العالمين خرابُ إذا صح منك الود فالكل هينٌ وكل الذي فوق التراب ترابُ أبيات لـ أبي فراس، ونسبت إلى رابعة العدوية، والصحيح أنها لـ أبي فراس قالها في البشر، قال أحد العلماء: أحسن كل الإحسان في نظم الأبيات، وأساء كل الإساءة يوم جعلها للبشر. أتى ابن هانئ الأندلسي الشاعر أتى إلى ملك من الملوك فقال: ما شئت لا ما شاءت الأقدار فاحكم فأنت الواحد القهار نعوذ بالله من الخذلان! فأخذه الواحد القهار أخذ عزيزٍ مقتدر، الذي لا يعذب عذابه أحد ولا يوثق وثاقه أحد، عطله بعد القصيدة مباشرة بمرض، فكان ينبح كما ينبح الكلب، ويخور كما يخور الثور، ويتقلب على فراشه، ولما علم أن المرض بسبب هذه الأبيات، قال: أبعين محتقرٍ إليك نظرتني فأهنتني ورميتني من حالق لست الملوم أنا الملوم لأنني علقت آمالي بغير الخالق فمن علق أمله بغير الله؛ خذله الله في أحرج الأوقات، وجعل كيده في نحره، وسلبه من قدراته، وعطله من معطياته، وجعله طريداً بعيداً، ومن توكل على الله؛ كفاه وسدده.

стр. 1588

الأسئلة

стр. 1589

عقد التسبيح باليدين السؤال يقول الأخ: ما رأيكم بالتسبيح باليد اليمنى فقط دون اليسرى؟ وهل يترك التسبيح باليد اليسرى، أم هو جائز، أم ماذا؟ الجواب الأمر فيه سعة والحمد لله؛ فالرسول ﵊ مر بنساء فقال: ﴿اذكرن الله -أو كما قال ﷺ وسبحن، واعقدن بالأنامل، ولا تغفلن فتنسين؛ فإنهن مستنطقات﴾. ولكن ورد عند أبي داود من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص: ﴿أنه ﷺ كان يعقد التسبيح بيمينه﴾ فلك أن تأخذ باليمين، وهذا يفعله كثير من العلماء والسلف وإن فعلت باليسار فالأمر فيه سعة- والحمد لله- لكن هذه الرواية عند أبي داود.

стр. 1590

لبس الساعة في اليد اليمنى أم اليسرى السؤال ما رأيكم في لبس الساعة في اليد اليمنى؟ هل الأفضل لبسها في اليد اليمنى أم في اليد اليسرى؟ الجواب هذا والحمد لله من المسائل السهلة، والذي يلبسها في اليد اليسرى فلا يخرج من أهل السنة والجماعة، وكذلك من لبسها في اليد اليمنى، فيجوز لك أن تلبسها في اليد اليمنى، أو في اليد اليسرى، أو في الجيب، أو في الرجل، حتى الرجل من لبسها في رجله فإن شاء الله أنه ما زال على خير، فالمسألة فيها سعة. أما من يلبس في اليد اليمنى سمعت من بعضهم وجهة نظر يقول: إن رسول الله ﷺ : ﴿كان يحب التيمن في طهوره وتنعله وترجله وفي شأنه كله﴾ لكن ما ورد في الحديث: (وفي لبس ساعته)؛ لأن الساعة محدثة فالمسألة فيها سعة، فلا ينكر على من لبسها في اليد اليمنى، أو في اليد اليسرى أو جعلها في جيبه، أو جعلها في رجله، إنما المقصود أن تعلم بالوقت؛ لأن بعض الناس يقول: إنها من علامة الاستقامة أن تلبس في اليد اليمنى؛ لأن في السنة التيامن، ونحن رأينا بعض المنحرفين يلبسونها في اليمنى، وبعضهم يلبس في اليسرى قال: لأن اليسرى كذلك ليست مشغولة، واليمنى للعبادة وللأخذ والعطاء، فالأمر فيه سعة والحمد والشكر لله.

стр. 1591

الخشوع في الصلاة السؤال هل يأتي الخشوع والإخبات وشدة الخوف من الله والشوق إلى الدار الآخرة وإلى لقاء الله بالتكلف أم يأتي رزقاً من الله؟ الجواب يأتي منك ومن مجاهدتك كما قال سبحانه: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [العنكبوت:٦٩] فإذا علم الله أنك تريد ذلك وأنك صدقت، أعطاك الله فوق ما تتمنى، عطاءً لا يدور في الخيال ولا يحظر في البال، فابذل جهدك وسوف ترى الفتح من عنده .

стр. 1592

حكم الصفير السؤال ما حكم الصفير؟ وهل يجوز إذا كان هناك أحدٌ لا يحب الغناء، فصفر كي لا يسمع الغناء؟ الجواب لا أعرف نصاً، لكن ورد في التفسير أن من صفات قوم لوط - أعوذ بالله من تلك الصفات - أنهم كانوا يناقرون بين الديكة، يجمعون الذكران من الديكة ويحارشون بينها تتلاطم قبلهم، ويراهصون بين الكلاب، ويناطحون بين الخراف، وكانوا يصفرون، والصفير من قلة المروءة يفعله خفاف العقول، ولا يفعله أهل الرزانة والحكمة وأهل الهدوء. فأنا أنصحك بتركه؛ لأنه من خوارم المروءة، ولأن فيه رجة، وقد ذكر المفسرون أنه من صفات قوم لوط، ولكني إلى الآن لا أعرف فيه نصاً.

стр. 1593

حكم تعلم اللغة الإنجليزية السؤال ما حكم تعلم اللغة الإنجليزية؟ الجواب تعلمها من حيث هو جائز مباح؛ لكن إذا بلغت درجة الضرورة، أي إن احتاج المسلمون إلى هذه اللغة، واحتاجوا إلى ترجمة دعوتهم، أو أخذ علوم من العلوم الضرورية في حياتهم؛ أصبحت فرض كفاية، لابد من قيام بعض الناس بتعلمها؛ ليأخذوا هذه العلوم، وينقلوا هذه التكنولوجيا إلى بلاد المسلمين ويستفيدوا من هذه الخبرات والطاقات؛ لأنهم غلبونا وبرعوا في هذا المستوى وفي هذه المادة. منهم أخذنا العود والسيجارة وما عرفنا نصنع السيارة أما العود واللهو والموسيقى وهذه الأمور فأجدنا وقلدناهم فيها؛ لكن ما صنعنا شيئاً حتى الطباشير فكلها مستوردة؛ فإذا أتى بعض طلبة العلم أو بعض الأخيار وعنده طاقة فليتعلم، والرسول ﷺ كلف زيد بن ثابت بتعلم اللغة العبرية، فتعلمها في خمس عشرة ليلة، أما أن يسرف في تعلم الإنجليزية، فليس بصحيح. ومن استخدمها كما يقول ابن تيمية: من يتعلم اللغات غير اللغة العربية لا لفائدة وإنما للإعجاب والاضرار بالعربية؛ فهي من علامة النفاق، وتجني علامة قصور الإيمان؛ وقلة الاعتزاز بالإيمان، وتجد بعضهم يدخل على المجلس ويقول: (هلو جودمورنينج) ليظهر للناس أنه مثقف، وتجد كثيراً من الناس من هذه الطبقة يجدون في المجتمع فمن فعل ذلك فهي شعبة من النفاق، وإن أردتم البحث فاقرءوا اقتضاء الصراط المستقيم لشيخ الإسلام ابن تيمية.

стр. 1594

حكم صبغ الشعر السؤال يقول هناك حنا سوداني اللون هل يجوز صبغ الشيب به وهل ورد وعيد شديد لمن صبغ شيبه بالسواد؟ الجواب أولاً: الحناء فيما أعلم أنه أحمر، إلا إذا كان اكتشف في هذا العصر مع القنبلة الذرية أن هناك حناء أسود، فقد يكون وأما الصبغ بالسواد من حيث هو؛ فهو منهيٌ عنه، وبعض الناس يقولون: زيادة مدرجة لا تصح؛ فيصبغون بالسواد، يريدون أن يدرجوا الزيادة، إذا أراد الإنسان أن يفعل شيئاً قال: زيادة مدرجة، والحديث فيه نظر، وفيه ضعف، والمسألة فيها سعة، ويجوز للضرورة هذه فتاوى جاهزة أصبحت ترفرف في كل مكان، أما الصبغ بالسواد فنهى ﷺ في حديث ابن أبي قحافة أبي بكر الصديق ﵁ قال: ﴿غيروا شيب هذا وجنبوه السواد﴾. وفي سنن أبي داود بسند فيه كلام: ﴿يكون قوم يخضبون في آخر الزمان بالسواد كحواصل الحمام لا يريحون رائحة الجنة﴾. وهذا فيه تدليس وتغيير لعباد الله، رجل عمره تسعون سنة يريد أن يخطب امرأة، فيصبغ رأسه ولحيته فيصبح كأنه شاب، فيغرر بها، وبعد أن يتزوجها يموت بعد شهر ونصف. هذا من التغيير ومن خديعة عباد الله، والصحيح في حكم السواد أنه لا يجوز، لكن يصبغ بالأحمر، وبالأصفر، وإن تركها بيضاء فلا بأس لكن الأحسن أن يغير الشيب؛ أما بالسواد فلا يصبغ. وهناك رسالة للشيخ: مقبل الوادعي جيدة في هذا الباب، ورسالة لـ ابن الجوزي ورسائل في هذا الباب وبحوث طيبة، ورسالة اسمها الاقتضاب في حكم الخضاب نسأل الله أن يسهل طبعها ونشرها. وفي الختام نسأل الله لي ولكم التوفيق والهداية، والرشد، والسداد، وأعتذر عما بقي من الأسئلة لضيق الوقت. وصلى الله وسلم على محمد وعلى آله وصحبه.

стр. 1595

آفاق لا إله إلا الله إن الأمة العربية كانت تعيش قبل الإسلام في جهل وظلام، فجاء الإسلام بـ (لا إله إلا الله) التي رفعت الأمة، وجعلتها أمة قائدة لا مقودة، وأمة متبوعة لا تابعة، فيجب علينا أن نعرف (لا إله إلا الله) ونعرف فضلها ومعناها في حياتنا، ونعرف نواقضها وشروطها ومقتضياتها، حتى نحذر مما يلبسه علينا أصحاب الاعتقادات الباطلة الذين يغالطون في فهمها، ويجب أيضاً أن نعرف ما هي العوامل التي تثبتنا على (لا إله إلا الله) حتى نلقى الله عليها.

стр. 1596

فضل لا إله إلا الله إن الحمد لله، نحمده ونستغفره ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. إن الاجتماع تحت مظلة (لا إله إلا الله) من أسعد الفرص في الحياة، وإن النسب الذي جمعنا بكم والذي ألف بين قلوب هذه الأمة هو نسب (لا إله إلا الله) وإنني بهذه المناسبة أشكر أهل الفضل على فضلهم، وعلى رأسهم فضيلة الشيخ سليمان الجمعان الذي دعا لهذه المحاضرة ونظَّم لها، فعسى الله أن يجعل هذه المحاضرة في ميزان الحسنات، وأن يجعلها عربون مودة نجتمع بها وإياكم في دار المودة، ﴿فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ﴾ [القمر:٥٥]. وعنوان هذه المحاضرة: (آفاق لا إله إلا الله) وعناصرها هي: الأول: فضل لا إله إلا الله وحديث معاذ ﵁ وأرضاه. الثاني: أحاديث في لا إله إلا الله. الثالث: الأمة قبل لا إله إلا الله. الرابع: ومعنى لا إله إلا الله في حياة المسلم. الخامس: نواقض لا إله إلا الله. السادس: الفهم الخاطئ الذي يفهمه بعض الناس في لا إله إلا الله. السابع: لا إله إلا الله والمرجئة. الثامن: من لوازم قول: لا إله إلا الله قول: محمد رسول الله. التاسع: أول واجبات المكلف: الشهادة لا النظر والاستدلال. العاشر: عوامل الثبات بلا إله إلا الله وكيفية الثبات بها حتى نلقى الله.

стр. 1597

حديث معاذ أصل من أصول التوحيد جاء في الصحيحين عند البخاري ومسلم وأصل الحديث عند أحمد في المسند، عن معاذ ﵁، وأنا أذكره بلفظ قريب من لفظ المسند، قال: ﴿ردفت رسول الله ﷺ على حمار اسمه: عفير أو يعفور﴾ هذا اسم حمار الرسول ﵊، يقول بعض الزنادقة: لماذا يذكر المحدثون اسم الحمار؟ وما هي الفائدة من ذلك؟ ولماذا يذكرون لنا أن الرسول ﷺ ركب الحمار؟ وهذا خطأ في فهمهم فإنه يترتب على ذلك فوائد جمة: منها: جواز الركوب على الحمار. ومنها: أن ملامسة الحمار لا تنجس. ومنها: طهارة لعاب الحمار عند بعض أهل العلم وسؤره. ومنها: جواز الإرداف على الدابة. ومنها: تواضعه ﵊. هذا الرسول -بأبي هو وأمي- الذي يركب الحمار؛ أنقذ الله به الأمة من النار إلى الجنة؛ وأخرجها من الظلمات إلى النور، قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولاً مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ [الجمعة:٢] قال معاذ: ﴿فركب ﷺ ، فقال -لما ركب الحمار- اركب يا معاذ!﴾ وعند أبى داود: ﴿الرجل أحق بصدر دابته﴾ والرسول ﷺ هو صاحب الدابة، وهذا الحمار أهداه إليه مقوقس مصر، قال: ﴿اركب يا معاذ! قلت: امض يا رسول الله -رفض أن يركب معاذ خجلاً وحياءً من الرسول ﷺ قال: اركب، فركبت فمضينا قليلاً، فعثر الحمار فسقطنا﴾. هذه رواية أحمد تجدونها في الفتح الرباني في المجلد الأول- قال: ﴿فقمت أذكر أسفاً وخجلاً، وقام ﷺ يضحك﴾. انظر التواضع! وانظر هذا الإنسان الذي عصم الله سمعه وفؤاده وبصره! قال تعالى: ﴿وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى * مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى * وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى﴾ [النجم:١ - ٣]. قال: ﴿فركبنا مرة ثانية فعثر الحمار فسقطنا، فقام ﷺ يضحك وقمت خجولاً -يقول معاذ ﵁ ثم ركبت مع الرسول ﵊، فمضى قليلاً، فقال: يا معاذ! قلت: لبيك وسعديك يا رسول الله! -وهذه أحسن كلمة يقولها المسلم- قال: أتدري ما حق الله على العباد؟ قلت: الله ورسوله أعلم، قال: حق الله على العباد أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئاً، ثم مضى قليلاً، وقال: يا معاذ! أتدري ما حق العباد على الله إذا فعلوا ذلك؟ قلت: الله ورسوله أعلم، قال: فإن حقهم إذا فعلوا ذلك ألا يعذبهم﴾ وهذا الحديث أصل من أصول التوحيد، وهي الكلمة العليا التي أتى بها ﷺ .

стр. 1598

فضل كلمة التوحيد وأما فضلها فإن العبد يخرج بها من الكفر إلى الإيمان، وقد صح عنه ﵊ من حديث معاذ أنه قال: ﴿من كان آخر كلامه من الدنيا لا إله إلا الله دخل الجنة﴾ والمعنى: من كان آخر كلامه: لا إله إلا الله محمد رسول الله؛ فنسأل الله أن يتوفانا وإياكم على هذه الكلمة. وقد قرأت لـ أبي زرعة قصة عن لا إله إلا الله؛ وهذا المحدث الكبير ذكر عنه الذهبي في التذكرة، وفي غيرها من الكتب: أنه لما حضرته الوفاة أُغمي عليه، فقال أصحابه وتلاميذه: نريد أن نُذكِّر الإمام بلا إله إلا الله، واستحيوا أن يقولوا: قل: لا إله إلا الله؛ لأنه عالم وفقيه، فقالوا: نتذاكر سندها فإذا ذكرنا السند فسيذكر هو لا إله إلا الله، فأتوا يتذاكرون السند فنسوه، قالوا: فاستفاق من إغمائه وكان مغمىً عليه، وقال: حدثنا فلان عن فلان عن فلان، عن معاذ عن رسول الله ﷺ أنه قال: ﴿من كان آخر كلامه من الدنيا لا إله إلا الله دخل الجنة﴾ ثم مات، وهذا من التثبيت الذي يقول عنه: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ﴾ [إبراهيم:٢٧]. وقد سمع ﵊ -فيما يروى عنه- أعرابياً خرج من بيته في ظلام الليل يقول: لا إله إلا الله محمد رسول الله، قال ﵊: ﴿نجوت من النار ورب الكعبة﴾ وسوف نذكر الفهم الخاطئ الذي يفهمه بعض الناس، وهو أن يقول: لا إله إلا الله ثم يرتكب المنهيات ويترك الواجبات، فإن هذا فيه تفصيل.

стр. 1599

أحاديث في فضل لا إله إلا الله أولاً: اعلم أن القرآن والسنة والرسل -عليهم الصلاة والسلام- إنما جاءوا من أجل لا إله إلا الله محمد رسول الله؛ بل الأرض ما دمرت إلا بسب الكفر بلا إله إلا الله؛ بل إن الجنة والنار ما أقيم سوقهما إلا من أجل لا إله إلا الله، فهي أعظم كلمة أتى بها ﵊، وهي كلمة التوحيد، وليس في الدنيا كلمة أعظم منها، نسأل الله أن يتوفانا عليها.

стр. 1600

حديث عبد الله بن عمرو في فضل لا إله إلا الله جاء عند الحاكم وغيره، عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: قال رسول الله ﷺ : ﴿قال موسى ﵇ -وكان موسى يكلم الله كفاحاً بلا ترجمان-: يا رب! أسألك كلمةً أدعوك بها وأناجيك، قال الله : يا موسى! قل: لا إله إلا الله، قال موسى ﵇: يا رب! كل عبادك يقولون: لا إله إلا الله -يريد كلمة جديدة لم يسمع الناس بمثلها- قال: يا موسى! لو أن السماوات السبع وعامرهن غيري والأرضين في كفة، ولا إله إلا الله في كفة لمالت بهن لا إله إلا الله!!﴾. الله أكبر كل هم ينجلي عن قلب كل مكبر ومهلل وقد قدم أصحاب محمد ﷺ أرواحهم من أجل لا إله إلا الله، وقطعت رءوسهم من أجل أن ترتفع لا إله إلا الله، ومزقت لحومهم من أجل بقاء لا إله إلا الله، وهي الكلمة التي من أتى بها يوم القيامة فقد سعد سعادةً لا يشقى بعدها أبداً، ومن أعرض عنها وكفر شقي شقاوة لا يسعد بعدها أبداً. قال تعالى: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا قِيلَ لَهُمْ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ﴾ [الصافات:٣٥] وأنزل على رسولنا ﵊، كلمة التوحيد وقرنها بالاستغفار من الذنب، فقال: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ﴾ [محمد:١٩]. قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: قرن بين التوحيد والتنزيه عن الأنداد والأضداد، وبين الاستغفار من الذنوب، فقال: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ﴾ [محمد:١٩]. وقرن بين ذلك في قصة ذي النون بن متى في قوله: ﴿لا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ [الأنبياء:٨٧] فانظر كيف اعترف بالوحدانية، ثم اعترف بالذنب، فإنه لما أصبح في ظلمات ثلاث، انقطع حبله عن الأولاد، وعن الزوجة، وعن الأحباب، وعن الأقارب، وما بقى إلا حبل الله، وهذه الكلمة التي تستخدم في وقت الأزمات؛ قالها ﷺ وهو يعتدى عليه، ويقول: لا تحزن إن الله معنا ويقول: ﴿يا أبا بكر ما ظنك باثنين الله ثالثهما﴾ وقالها فرعون في غبة البحر، فلم تنفعه، يقول: ﴿قَالَ آمَنْتُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرائيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [يونس:٩٠] فلم تنفعه: ﴿َ كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [القصص:٨٨]. وورد عن نوح ﵇ أنه جمع أولاده عند الوفاة، وقد عاش ألف سنة إلا خمسين عاماً في صبر وجاهد من أجل لا إله إلا الله، وما أسلم معه إلا رهط قليل، قيل: اثنان، وقيل: ثلاثة، وفي هذا درس للدعاة وطلبة العلم والعلماء ألا يستعجلوا الثمار، وأن يعلموا أن أجرهم عند الله ؛ سواءً استجاب لهم الناس أم لم يستجيبوا لهم، وسواءً تاب الناس على أيديهم أو لم يتوبوا، المهم أن تُبلِّغ وتدعو وتسمع الناس لا إله إلا الله محمد رسول الله، فلما حضرته الوفاة قال: يا أبنائي! قولوا: لا إله إلا الله، فإن لا إله إلا الله لو كانت في حلقة من حلقات الحديد لقصمتها لا إله إلا الله، والمعنى: أن لا إله إلا الله تنقذ صاحبها إذا أتى بها صادقاً مخلصاً.

стр. 1601

أسعد الناس بشفاعة النبي ﷺ جاء عند البخاري من حديث أبي هريرة قال: ﴿قلت: من أسعد الناس بحسن شفاعتك يوم القيامة يا رسول الله﴾ ومعني الحديث: يقول: يا رسول الله! من هو السعيد بحسن شفاعتكم؟ وجاء أيضاً في حديثٍ حسن أن الرسول ﵊ قال: ﴿شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي﴾ والظاهر أن الله -كما نطق بذلك القرآن- يغفر لهم باجتنابهم الكبائر، ففي سورة النساء قوله : ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلاً كَرِيماً﴾ [النساء:٣١] وقد جعل شيخ الإسلام المكفرات للكبائر عشر مكفرات وقد ترد إلى سبع: منها: المصائب التي يبتلي الله بها العبد. ومنها: الحسنات الماحية. ومنها: ما يصيب المؤمن عند سكرات الموت. ومنها: ما يبتلى به المؤمن في القبر من سؤال منكر ونكير، وهي الفتنة الفتانة. ومنها: شفاعة سيد الخلق ﵊. ومنها: دعاء المؤمنين له. ومنها: رحمة أرحم الراحمين. يقول ابن تيمية بعد أن ذكر هذه العشر المكفرات: "ولا يفوت عن هذه العشر المكفرات إلا شارد عن الله كما يشرد البعير عن أهله"، والذي لا يريد أن يتوب، ولا يريد أن يُكفر عن سيئاته، لا يمكن أن يحصل له شيء. قال: ﴿من أسعد الناس بحسن شفاعتك يوم القيامة يا رسول الله؟ قال: لقد ظننت ألا يسألني أحد قبلك يا أبا هريرة -لما رأيت من حرصك على الحديث- أسعد الناس بشفاعتي يوم القيامة من قال: لا إله إلا الله مخلصاً من قلبه﴾. كيف يكون مخلصاً من قلبه؟ قالوا: من عمل بمقتضى لا إله إلا الله، هذا هو المخلص من قلبه، ولذا فإننا نجد بعض الناس يقول: لا إله إلا الله، لكن عمله في واد ولا إله إلا الله في وادٍ آخر.

стр. 1602

فضل قول لا إله إلا الله في اليوم مائة مرة ومن فضائل لا إله إلا الله ما رواه البخاري ومسلم عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : ﴿من قال: لا إله إلا الله وحدة لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير في يومه مائة مرة، كتبت له مائة حسنة، ومحيت عنه مائة سيئة، وكانت له عدل عشر رقاب، وكانت له حرزاً من الشيطان يومه ذلك حتى يمسي، ولم يأتِ أحد بمثل عمله إلا رجل عمل مثل عمله أو زاد عليه﴾ وهذه هي من فضائل لا إله إلا الله. ولذا فإني أوصيك ونفسي أن تكررها كثيراً، وأن تبعد بها الهموم، وتزيل بها الغموم، وتذهب بها الأحزان، وأن ترددها صباح مساء، فإنها -بإذن الله شافية للأمراض التي يعيشها الناس ويشكون منها وخاصة الشباب لما انحرفوا عن المساجد، والقرآن، واستبدلوا المجلة الخليعة، وعاشروا جلساء السوء، فابتلوا بالهموم والغموم؛ لأن الله أخذ على نفسه أنه من يعرض عن القرآن، والسنة فلا يسعد أبداً، قال تعالى: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى * قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيراً * قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى﴾ [طه:١٢٤ - ١٢٦] وقال سبحانه: ﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيراً مِنَ الْجِنِّ وَالْأِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ﴾ [الأعراف:١٧٩].

стр. 1603

العرب قبل لا إله إلا الله كانت العرب قبل لا إله إلا الله أضعف وأذل وأبعد أمة عن الله؛ أمة تسفك الدم، وتزني، وتخون، وتعبد الصنم، وتسلب وتنهب، فأراد الله أن يرفع قدرها، فأنزل لها (لا إله إلا الله). إن البرية يوم مبعث أحمد نظر الإله لها فبدل حالها بل كرم الإنسان حين اختار من خير البرية نجمها وهلالها لبس المرقع وهو قائد أمةٍ جبت الكنوز فكسرت أغلالها فالأمة قبل لا إله إلا الله لا تساوي شيئاً، وسمعت بعض الناس يكتبون في بعض الصحف، وهؤلاء يعبدون القومية من دون الله، ويسمونها وحدة العرب، واشتراكية العرب، وحدة صدام حسين، واشتراكية صدام حسين، وقومية صدام حسين: وحدويون والبلاد شظايا كل جزء من لحمها أشلاء ماركسيون والجماهير جوعى فلماذا لا يشبع الفقراء؟ ناصريون والهزائم تترى فلماذا لا ترفع البيضاء؟ لماذا لا ترفع (لا إله إلا الله) إذا كانوا ناصريين؟ لكن هؤلاء لما تولى الناس أتوا يكتبون اليوم عن وحدة ودم ولغة العرب.

стр. 1604

الإسلام سبب الرفعة من هم العرب بغير لا إله إلا الله محمد رسول الله؟ ماذا يساوي العرب بغير الإسلام؟ لا يساوون شيئاً. فالعرب بغير لا إله إلا الله استذلتهم إسرائيل ذلة ما سمع التاريخ بمثلها، وعاشوا وأنوفهم في التراب، وأصبحت عجوز تسمى جولدا مائير تهجيهم وتحتقرهم لأنهم فقدوا لا إله إلا الله. إذاً العروبة بدون لا إله إلا الله محمد رسول الله عروبة خاطئة لا تساوي شيئاً، فأريد أن أقول للذين قد يغترون بهذه الكتابات، وأنا سمعت حتى من بعض الملتزمين يقولون: تاريخ العرب، وأمة العرب. يقول : ﴿فَإِنْ يَكْفُرْ بِهَا هَؤُلاءِ فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا قَوْماً لَيْسُوا بِهَا بِكَافِرِينَ﴾ [الأنعام:٨٩] إذا ترك العرب لا إله إلا الله محمد رسول الله، أعطاها الله الأكراد، وإذا تركها الأكراد أعطاها الأتراك، وإذا تركها الأتراك أعطاها الهنود، وإذا تركها الهنود أعطاها الأفغان، هذا هو التاريخ. من الذي فتح بيت المقدس؟ من الذي أخذه من الصليبية؟ إنه صلاح الدين. أهو عربي؟ لا. بل هو كردي من الأكراد، لكن يعرف لا إله إلا الله محمد رسول الله، يعرف الصلوات الخمس جماعة، ويخاف الله. صلاح الدين ونور الدين ﵄ ورحم الله تلك العظام. محمد الفاتح تركي، وإقبال هندي، وبلال حبشي، وسلمان فارسي، وصهيب رومي، قال تعالى: ﴿وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [الأنفال:٦٣] أقول: نبهوا المسلمين ألا يغتروا بهذه الصيحات، كـ (وحدة العرب، وعلاقة العرب، وإخاء العرب) ما العرب إلا أمة من الأمم، إذا تركت لا إله إلا الله محمد رسول الله لا تساوي شيئاً؛ بل نحن العرب إذا وازنا أمورنا بمستوى الحضارة والفن ليس لنا قبل الإسلام شيء، فيلس عندنا حضارة ولا فن ولا معارك، وإذا نظرنا في الأمم الأخرى نجد عند اليابانيين فنون، وعند الصينيين فنون، وعند الإنجليز فنون، إلا العرب، فنوننا وحضارتنا لا إله إلا الله، وثقافتنا لا إله إلا الله. تاريخنا من رسول الله مبدؤه وما عاداه فلا ذكر ولا شان فهذا هو واقع الأمة.

стр. 1605

محاربة كفار مكة لدعوة الإسلام ﴿أتى ﷺ ووقف على الصفا، فجمع الناس فاجتمعوا جميعاً عند الكعبة، فقالوا: لماذا جمعتنا؟ قال: أرأيتم لو أني أخبرتكم أن خيلاً بهذا الوادي تصبحكم، أكنتم مصدقي؟ قالوا: ما جربنا عليك كذباً -يقولون: أنت الأمين الصادق- قال: فإني نذير لكم بين يدي عذاب شديد قولوا: لا إله إلا الله تفلحوا﴾ قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولاً مِنْهُمْ﴾ [الجمعة:٢] هذا الأمي يعلمهم لا إله إلا الله، قال أبو لهب: تباً لك ألهذا جمعتنا -من أجل هذا الكلام؟ - فأنزل الله ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ﴾ [المسد:١]. وفي السيرة أن أبا جهل جمع رؤساء قريش، وذهبوا إلى أبي طالب -عم الرسول ﵊ فقالوا: يا أبا طالب، قال: نعم، قالوا: إن ابن عمك هذا سب آلهتنا -يقصدون الأصنام لعنهم الله- ﴿وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلاً﴾ [الفرقان:٥] سب آلهتنا وسفه أحلامنا، وشتم أجدادنا، فماذا يريد ابن عمك هذا؟ ماذا يريد ابن أخيك؟ إن كان يريد ملكاً ملكناه، وإن كان يريد زوجة زوجناه أجمل فتاة، وإن كان مطبوباً -أي: مسحوراً- عالجناه، فقال أبو طالب: أعرض عليه الأمر، والحديث في سنده نظر لكنه من حديث السير، فعرض على الرسول ﷺ الأمر، فقال الرسول ﷺ : ﴿والذي نفسي بيده لو وضعوا الشمس في يميني والقمر في يساري على أن أترك هذا الأمر ما تركته حتى يظهره الله أو أهلك دونه﴾. الشمس والبدر في كفيك لو نزلت ما أطفأت فيك ضوء النور والنار أنت اليتيم ولكن فيك ملحمة يذوب في ساحها مليون جبار ورجع ﵊ يقول: أريد كلمة، قال قائل: أهبك عشر كلمات، ما دام أن كلمة واحدة تصلح ما بيننا وبينك قال: (قل لا إله إلا الله محمد رسول الله) قال: أما هذه فلا، أعوذ بالله ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا قِيلَ لَهُمْ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ﴾ [الصافات:٣٥] وقال تعالى: ﴿أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهاً وَاحِداً إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ﴾ [ص:٥]. العربي هذا الذي يفتخرون به، كان يجمع التمر ويعبده، فإذا جاع أكله، وقد روي أن أعرابياً ذهب بلبن يريد أن يضعه بنصب من الحجارة يعبده فلما ذهب باللبن أتى وإذا الثعلب قد بال على هذا الصخر فقال: أرب تبول الثعلبان برأسه لقد خاب من تبول عليه الثعالب يقول أهذا إله يدفع، وينفع ويضر؟ قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ عِبَادٌ أَمْثَالُكُمْ﴾ [الأعراف:١٩٤] وذكر الله : أنها ليس لها أسماع، ولا أبصار، ولا تعي، ولا تضر، ويقول : ﴿وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً لا يَخْلُقُونَ شَيْئاً وَهُمْ يُخْلَقُونَ وَلا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ ضَرّاً وَلا نَفْعاً وَلا يَمْلِكُونَ مَوْتاً وَلا حَيَاةً وَلا نُشُوراً﴾ [الفرقان:٣]، وذكر نفسه فقال: ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ * تُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَتُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَتُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَتُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَتَرْزُقُ مَنْ تَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [آل عمران:٢٦ - ٢٧]. وعربي آخر أتى يعبد صنماً اسمه سعد فأتى بأبله حول سعد، يريد أن يصلي لسعد، فلما اقترب خافت الإبل من الصخرة ففرت، قال: أتينا إلى سعد ليجمع شملنا ففرقنا سعد فما نحن من سعد يقول: أتينا ليجمع علينا الإبل والرحمة، فشردت علينا الإبل منه، أنا لا أريد هذا الإله، عقول ضحكت بها الجاهلية والخرافة.

стр. 1606

الإسلام دين الفطرة يقول ﷺ كما في سنن أبي داود لـ حصين بن عبيد الخزاعي: ﴿كم تعبد يا حصين؟ -كم عندك من آلهة؟ لأن العربي أحياناً كان عنده خمسة أو ستة أو سبعة من الآلهة؛ إله في الخرج -في خرج الحمار- وإله في السفر، وإله عند مرعى الغنم، وإله عند مربط الثور، وإله عند النوم- قال: كم تعبد؟ قال: سبعة، قال: أين هم؟ قال: ستة في الأرض وواحد في السماء، قال: من لرغبك ولرهبك؟ -يقول: من الذي إذا اشتدت عليك الضوائق، وضاقت عليك الحيل، وانقطعت عنه الحبال، من الذي إذا دهتك الكوارث؟ - قال: الذي في السماء﴾ وقد ذكر الله ذلك فقال: ﴿فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ﴾ [العنكبوت:٦٥] وقال : ﴿وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلَّا إِيَّاهُ﴾ [الإسراء:٦٧]. هل سمعت أن أحداً في لجة البحر يدعو رئيساً أو عالماً أو أميراً؟ لا. لا يدعو إلا الله، يقول: يالله، وقد فعل ذلك فرعون وكان ينكر التوحيد في الظاهر، يقول ابن تيمية: "ينكر الصانع في الظاهر" يقول فرعون: [أنا الإله] ويُقال له: قل: (لا إله إلا الله) فيقول: لا. ﴿مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي﴾ [القصص:٣٨] اسمع الدجال الخبيث، مجرم إلى هذه الدرجة، قالوا: كيف تكون إلهاً؟ قال: ﴿أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الْأَنْهَارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي﴾ [الزخرف:٥١] فوافقه قومه: ﴿فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْماً فَاسِقِينَ﴾ [الزخرف:٥٤] لكن يقول له موسى: ﴿قَالَ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنْزَلَ هَؤُلاءِ إِلَّا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ بَصَائِرَ وَإِنِّي لَأَظُنُّكَ يَا فِرْعَوْنُ مَثْبُوراً﴾ [الإسراء:١٠٢]. يقول: والله -يا مجرم- إنك تعلم في قرارة نفسك أنك ما خلقت السماوات والأرض، ولا خلقت الليل والنهار، ولا شافيت ولا عافيت، ولكنك تكبرت، فلما أتت المحاقة، وساعة الصفر، قال -وهو في آخر نفس-: ﴿آمَنْتُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرائيلَ﴾ [يونس:٩٠] هل ينفع هذا؟ مثل إيمان بعض الناس -نسأل الله أن يصلح ظاهرهم وباطنهم- يبقى أحدهم في المعاصي، فإذا أصيب بحادث سيارة ثم أصبح في المستشفى، قال: ﴿آمَنْتُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرائيلَ﴾ [يونس:٩٠]. فعلى الإنسان يستخدم قوته وشبابه في طاعة الله قبل أن تذهب منه، أما أن يأتي وهو مريض في حالة سيئة؛ فيقول: ﴿آمَنْتُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرائيلَ﴾ [يونس:٩٠]. فهذا هو واقع العرب قبل لا إله إلا الله، وهو واقع سيء، لا يُرضي، فلما أتى الرسول ﷺ بلا إله إلا الله محمد رسول الله، خرج لنا أبو بكر وعمر وعثمان وعلي وابن عباس؛ تلك الأمة التي أخرجتها لا إله إلا الله: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ [آل عمران:١١٠].

стр. 1607

معنى لا إله إلا الله في حياة المسلم معنى لا إله إلا الله في حياة المسلم أنه لا معبود ولا مقصود ولا مرهوب ولا مرغوب بحق إلا الله ، فوجب على المسلم أن يصرف عبادته إليه ، وأن يتوجه إليه، وأن يدعوه رغبة ورهبة، وألا يخاف إلا منه، ولا ينذر ولا يذبح إلا له، ولا يتقرب إلى غيره بما يخدش لا إله إلا الله محمد رسول الله. فمعناها: أن الحياة تصرفها لا إله إلا الله، قال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * لا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ﴾ [الأنعام:١٦٣] فهذه معنى الحياة. وبعض الناس يتصور أن معنى الحياة في المسجد، لكنه يرفض أن يدخل لا إله إلا الله في الأدب، فتجد الأديب وهو يكتب في الصحيفة ينسى لا إله إلا الله؛ يكتب أي كلام، حتى يقول بعضهم: لماذا تدخلون الدين حتى في الفن؟! وما هي علاقة الفن بلا إله إلا الله؟! وما هي علاقة الدين بالغناء؟ سبحان الله! ما هي حياة المسلم؟ من الذي يسأل عما اقترفته الجوارح -السمع والبصر- إلا الله ، هل لك حياة غير حياة لا إله إلا الله، في المسجد عبد، وفي خارج المسجد مجرم ومعرض عن الله، وهذا هو الفهم الخاطئ، وهذا هو فصل الدين عن الحياة وجعله طقوساً تعبدية فقط، وهذه قاصمة الظهر. فمعنى لا إله إلا الله في حياة المسلم أن يكون معتقده، وأخلاقه، وعبادته وسلوكه، واتجاهاته وآماله كلها لوجه الله ، وقد ورد عند الدارقطني وغيره، أن رسول الله ﷺ قال: ﴿لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعاً لما جئت به﴾ قال النووي: حديث حسن رويناه في كتاب الحجة بإسناد صحيح. فإذا كان الهوى تبع للرسول ﵊ لا يأمر بشيء إلا وافقته، ولا ينهى عن شيء إلا تركته، فقد آمنت بلا إله إلا الله محمد رسول الله.

стр. 1608

نواقض لا إله إلا الله محمد رسول الله لا إله إلا الله محمد رسول الله لها نواقض منها:

стр. 1609

أولاً ترك الفرائض من نواقض لا إله إلا الله: ترك فريضة من فرائض الدين التي قام عليها الدليل، وقام عليها الوجوب من الشارع الحكيم، فإن بعض الناس يظن أنه إذا قال: لا إله إلا الله كفته ثم يترك الصلاة، ويقول: لا إله إلا الله ويجحد الزكاة، ويقول: لا إله إلا الله، ويجحد وجوب الصيام، فبعض الناس يؤمنون إيمان المرجئة الذين يقولون: من قال: لا إله إلا الله كفتك، ويستدلون على ذلك بقوله ﷺ : ﴿من قال: لا إله إلا الله مخلصاً من قلبه دخل الجنة﴾ نقول: أنت لو كنت مخلصاً لفعلت الطاعات واجتنبت المحرمات.

стр. 1610

ثانياً الاستهزاء بالدين الاستهزاء بشيء مما أتى به رسول الهدى ﵊ من نواقض لا إله إلا الله قال تعالى: ﴿قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ. لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾ [التوبة:٦٦]. فإن كثيراً من الناس يكفر ببعض الكلمات أو بكلمةٍ واحدة، يستهزئ بالدين، أو بالقرآن، أو بالرسول ﵊، أو بأهل العلم فيكفر، وسبب نزول الآية السابقة: أن الرسول ﷺ -كما ذكر ذلك ابن جرير وغيره- كان في غزوة تبوك فأتى المنافقون وجلسوا في طرف المخيم وأخذوا يتحدثون، فيقول أحدهم لغيره وهم يتضاحكون: ما رأينا كقرائنا هؤلاء أرغب بطوناً وأكذب ألسنة، وأجبن عند اللقاء -والمعنى: أن أصحاب رسول الله من العلماء ما رأينا أكثر أكلاً ولا أكثر جبناً وفراراً من المعركة منهم- فأخبر الله رسوله بهذه المقالة الشنيعة وأتى جبريل فأخبره، فقام المنافقون وأخذوا بزمام ناقة الرسول ﵊، وقالوا: يا رسول الله! أعفوا عنا، إنما كنا نخوض ونلعب ونمزح؛ وكنا نقطع الليل؛ وكنا نتحدث، فأنزل الله فيهم ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ * لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾ [التوبة:٦٥ - ٦٦]. فحذار -أيها الإخوة- من الاستهزاء بالدين، وكثير من الناس في مزحه يجرح (لا إله إلا الله) ويجرح دينه، وربما يكفر. وقد رأينا وسمعنا عن بعض الناس أنه يستهزأ ببعض الآيات من القرآن -والعياذ بالله-. وسمعت عن مجرم من المجرمين، بلغ من عتوه أنه ترك الصلاة، وكان يخرج للفسح ويدرّس في مستوى جامعي فيجلس مع طلابه - مثل ما جمع المنافقون فريقهم في تبوك - يجمعهم ويمزح معهم استهزاءً بالدين، واستهزاءً بالصالحين، واستهزاءً بالأحاديث. يقول ذات مرة وقد جمع زملاءه عن أبي هريرة قال: جمع رسول الله أصحابه يوماً، فقال: أتدرون ما الببسي؟ قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: أتدرون ما السيكل؟ قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: قوموا عني لا تعرفون لا الببسي ولا السيكل. قال بعض أهل العلم لما بلغتهم مقالته: كفر بها، وخرج من الملة وأصبح دمه حلالاً وهذا هو الصحيح. بل مر في التاريخ أن بعض الخلفاء قتل كثيراً من الزنادقة لكلمات أقل من هذه، وقد قرأت عن القاسم بن عبيد الله -الله يتولاه بما هو به أعلم إن لم يكن تاب- وقد ترجم له الذهبي وقال: "إنه كان يستهزئ بالقرآن الكريم"، دخل عليه أحد العلماء، فقال: ماذا قال الله في بقرتكم؟ -أي: في سورة البقرة- وهذا كفر. وحذار حذار أن يتعرض الإنسان لشيء من الإسلام، أو يستهزئ بشيء من الملة أو الدين؛ كاللحى، وتقصير الثياب، ومشية الرسول ﷺ ، ومشية الصالحين الذين يتبعونه لأجل أنهم يتبعونه، أو شيء مما أتى به ﷺ . الحذر الحذر، فإنه قد يترك ويفارق الإنسان الإسلام وهو لا يشعر، وهذه هي الكلمة التي تكب صاحبها على وجهه في النار، ولها أمثلة كثيرة.

стр. 1611

اعتقاد أن شريعة غير الله أفضل ومن نواقض لا إله إلا الله أن يعتقد الشخص أن شريعة غير الله أحسن من شريعة الله ، وأن شريعة الله لا تليق بالزمن ولا تناسبه ولا تواكب الدهر، ولا تستطيع أن تكفل حاجة الإنسان، وهؤلاء في قلوبهم مرض، مثل ما يقول بعض الناس -الآن- ولو سألته: هل تصلى في المسجد الصلوات الخمس الآن؟ يقول: لا. بمعنى: أن الشريعة كانت في عهد الرسول ﷺ ، ولكن تطورت الأزمنة الآن، وتطورت المنتجات والتكنولوجيا والصناعات؛ إذا اعتقد هذا الكلام الذي قاله فقد كفر، قال تعالى: ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْماً لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ [المائدة:٥٠] ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ [المائدة:٤٤] ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [المائدة:٤٥] ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [المائدة:٤٧].

стр. 1612

المساواة بين شريعة الله وغيرها من نواقض لا إله إلا الله أن يرى أن غير شريعة الله مثل شريعة الله ، كأن: يساوى بين القرآن وبين قانون نابليون الفرنسي أو قواعده وشريعته التي تُحكم بلاد المسلمين الآن، ويا للأسف! ويا للخيبة! ويا للضياع! أن يأخذوا قوانين نابليون، ويتركون قوانين: إياك نعبد وإياك نستعين. فهذه بعض النواقض وتركت بعضها لمتابعة العناصر؛ لكي يكون الموضوع في قضية ومسار واحد.

стр. 1613

الفهم الخاطئ لكلمة لا إله إلا الله العنصر السادس: مسألة الفهم الخاطئ الذي يفهمه بعض الناس عن لا إله إلا الله، بمعنى أنهم يفهمون أن هذه الكلمات تنجيهم من النار، ولو تركت الأعمال أو ناقضتها، ولو كان كما قالوا لكان الكافر الذي يقول: لا إله إلا الله داخل في الإسلام، والوثنيون يقولون: لا إله إلا الله ولكن لا يعتقدونها، فلا بد -أولاً- من اعتقادها، ولا بد -أيضاً- من النطق بها للمستطيع، ولا بد من العمل بمقتضاها.

стр. 1614

مقتضى لا إله إلا الله يعرف أهل السنة الإيمان: بأنه اعتقاد بالجنان، ونطق باللسان، وعمل بالأركان. والاعتقاد بالجنان -بالقلب-: أن تعتقد أن لا إله إلا الله ؛ ولا رسول إلا رسوله ﷺ . والنطق باللسان: أن تشهد بلسانك أن لا إله إلا الله، وتشهد برسالة الرسول ﷺ . وتعمل بالأركان؛ أي: تزاول بجوارحك الأعمال التي تقتضيها لا إله إلا الله محمد رسول الله.

стр. 1615

لا إله إلا الله والمرجئة
следующие страницы →