← Джавами‘

Джавами‘ · id 7708

دروس الشيخ عائض القرني

عائض القرني

Полный текст (10 391 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.

стр. 246

النهي عن حلق اللحية السؤال ما حكم من يحلق لحيته؟ الجواب حلق اللحية حرام، ودين الله ليس فيه مداهنة ولا مجاملة ولا محاباة، هذا أمر أنزله الله من فوق سبع سماوات , والرسول ﵊ ذكر أكثر من عشرة أحاديث، وهو يقول: ﴿خالفوا المجوس﴾ ﴿قصوا الشوارب وأعفوا اللحى﴾ ﴿أرخوا اللحى﴾ ﴿وفروا اللحى﴾ كلها ألفاظ خمسة -كما يقول النووي في شرح صحيح مسلم -: اعفوا واتركوا وأسدلوا وأرخوا كلها للحى، وحفوا وجزوا وقصوا كلها للشوارب. والرسول ﵊ أتاه رسولا باذان العجمي من اليمن، وقد حلقا لحاهما، فقال ﷺ : من أمركما بهذا؟، قالا: أمرنا ربنا - يعني ملكهم - قال: ﴿إن ربي أمرني بإعفاء لحيتي وقص شاربي﴾ أو كما قال ﵊.

стр. 247

حكم إسبال الثياب وتطويل الشعر السؤال ما حكم تطويل الشعر وإسبال الثياب؟ الجواب تطويل الشعر فيه تفصيل: إن كان يطول شعره للتمسك بالسنة فهو حسن، وبشرط أن يربي لحيته؛ لأن بعض الناس الآن يطول شعره على أكتافه -جدائل- ولحيته يحلقها على الصفر من الأذن إلى الأذن، فإذا قلت مالك؟ قال: أتبع السنة، فتح الله عليك ما أحسن هذه السنة! اللحية لا سنة فيها، وشعر الرأس فيه سنة، ﴿أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ﴾ [البقرة:٨٥] ﴿وَقَالُوا هَذِهِ أَنْعَامٌ وَحَرْثٌ حِجْرٌ لا يَطْعَمُهَا إِلَّا مَنْ نَشَاءُ﴾ [الأنعام:١٣٨] لا، وجد من الناس من قال هذا الكلام. إن ربى شعر رأسه مع لحيته فهو مأجور باتباع السنة، والرسول ﷺ ربما ضرب شعر رأسه إلى شحمة أذنيه، وربما وصل إلى كتفيه أحياناً، وهذه جمة ولمة، وتسمى وفرة في بعض الأحاديث. وأما إسبال الثياب فهو من الخيلاء وهو حرام، ولا ينظر الله إلى من جر ثوبه خيلاء، وبعض الناس يقول: أنا لا أجره خيلاء، نقول: هذه العلة سواء أتت أم لم تأت فحرام؛ لقوله ﷺ : ﴿ما أسفل من الكعبين فهو في النار﴾. يسامح العبد حتى يصل ثوبه، أو بشته، أو أي لباس له إلى الكعبين، وأما ما زاد فهو حرام في النار.

стр. 248

حكم وضوء من في يديه أو رجليه حناء السؤال ما حكم من يخضب يديه ورجله بالحناء من جهة الوضوء؟ الجواب خضاب اليدين والرجلين للرجال حرام لا يجوز إلا لحاجة، والحاجة قالوا: مرض لايداويه إلا الحناء، وهذا يسمى التشبه بالنساء، ورأى الرسول ﷺ كما في سنن أبي داود رجلاً مخضوب اليدين فعزره وأخرجه على غدير الخضمات ناحية في المدينة، فلا يجوز الخضاب -بارك الله فيكم- للرجال، وما اشتهر في بعض النواحي من خضب اليدين والرجلين للرجال هذا خطأ، ومخالفة للشريعة، وهو مسنون في حق المرأة، ونهى الرسول ﷺ الرجل أن يختضب ونهى المرأة أن تبقى بلا خضاب، أتت هند بنت عتبة - أحدى المسلمات- تبايع الرسول ﵊ فمدت يدها، قال: ما هذه اليد التي كأنها يد سبع، ثم قال: ﴿إني أكره أن تكون المرأة سلتاء مرهاء﴾. قال أهل العلم: السلتاء التي لا تختضب، والمرهاء التي لا تكتحل، فعلى المسلم أن يأمر أهله بالخضاب والاختضاب إلا التي حدت على زوجها، وهناك رسالة اسمها الاقتضاب في حكم الخضاب ذكر هذا الحديث كلام بعض أهل العلم في هذه الرسالة. وبالمناسبة كثير من الناس اشتهر عندهم أن يخضبوا لحاهم بالخضاب الأسود وهو منهي عنه إلا لذي سلطان، وقد رخص له كثير من السلف ليكون أرهب لعدو المسلمين، أما غيره فلا يجوز أن يختضب بالخضاب الأسود، ولو جوز بعض أهل العلم، فالحديث الصحيح ينص على عدم الخضاب، والرسول ﷺ يقول لوالد أبي بكر: ﴿غيروا شيب هذا وجنبوه السواد﴾ فالمقصود: أنه يغير شيب اللحية بشيء من الألوان كالقتم وكالحناء وكالورس، أما الأسود فلا يغير به، قال أهل العلم: لأن السبب في هذا هو خديعة الناس، فيظهر للناس -من تدليسه- وهو في الثمانين كأنه في الثلاثين، وقد جاءت الشريعة برفع الحيل، لأن فيه دجلاً عليهم.

стр. 249

حد الزنا لغير المحصن السؤال رجل وقع على امرأة وهو غير محصن فما عقوبته؟ الجواب إذا كان بكراً فجلد مائة وتغريب سنة، ولكن عليه أن يتوب ويستغفر الله ويتقي الله ويتذكر موعد الله، ولا يقدم نفسه للسلطان، يستتر بستر الله ولا يقدم نفسه للقضاء، ولا للسلطان، وليبق في بيته وليبكِ على خطيئته علَّ الله أن يتوب عليه إذا تاب وأقلع وندم على ما فات، وتصدق وعمل الصالحات، قبل أن يفضحه الله على رءوس الخلائق، فإن في النار- نسأل الله العافية - أفراناً للزناة يتضاغون فيها من الهم والغم والحميم.

стр. 250

المسلم الملتزم وطاعة الوالدين السؤال ما رأيك فيمن هداه الله إلى الالتزام بأحكام الإسلام، ولكنه يسب والديه؟ الجواب هذا من الفسقة إذا سب والديه كما يقول السائل: إنه يسب والديه ويلعنهما ويعصيهما، فهو من الفسقة لكنه لا زال في دائرة الإسلام، وترد شهادته بعصيانه لوالديه وبلعنه وسبه لهما، وعليه أن يتوب ويستغفر الله ، وما هناك طريق لنا إلا التوبة كما تكرر كثيراً في الكلمة.

стр. 251

ظاهرة الوسوسة في الصلاة السؤال إني أرى نفسي كلما دخلت في صلاة أتتني تفسيرات ووساوس ولا أرى لذلك حلاً، فما هو الحل؟ الجواب الحل، أولاً: أن تدعو الله في أدبار الصلوات والأوقات الفاضلة أن يصلح الله قلبك وحالك. ثانياً: أن تفرغ ذهنك من الوساوس. ثالثاً: أن تتدبر ما تقرأ في الصلاة. رابعاً: إذا زاد الوسواس عليك أن تنفث عن يسارك، وهذا دل عليه حديث في صحيح مسلم عن عثمان بن أبي العاص أنه شكا إلى الرسول ﷺ كثرة الوسواس في الصلاة، قال: ﴿إذا أحسسته فانفث عن يسارك ثلاثاً وتعوذ بالله من الشيطان﴾ والنفث: هواء مع رذاذ قليل من البصاق، إذا كان الوسواس أذهب عليه الصلاة لا يدري هل صلى ثلاثاً أم أربعاً، هل قرأ أم لا، هل ذكر سورة، هل سبح، فإذا بلغ إلى هذه الدرجة فعليه أن ينفث ثلاث مرات لهذا الحديث، وهذه حلول الوسواس.

стр. 252

حكم المشعوذين والكهان ما حكم المشعوذين والكهنة، وما حكم تصديقهم؟ الجواب المشعوذ والكاهن والساحر كفار بالله العظيم، وهم يجتمعون على أن بعضهم يدعي علم الغيب، وأنه ينفع ويضر من دون الله . والرسول ﵊ يقول في الحديث الصحيح: ﴿من أتى كاهناً أو عرافاً فصدقه فقد كفر بما أنزل على محمد﴾ وقال: ﴿من أتى كاهناً لم تقبل له صلاة أربعين يوماً﴾ وهؤلاء الكهنة لا يجوز الذهاب إليهم، ومن ذهب إليهم وصدقهم بما يقولون فقد أبطل دينه وخرج من ربقة الإسلام، فإن لم يصدقهم رد الله عليه صلاة أربعين يوماً لا يقبلها .

стр. 253

خطر هجران المساجد السؤال بني مسجدان في قرية واحدة، والمسجد الأول قرأت قاعدة مكتوبة فيه يقول فيها الأولون: ما دام الغراب أسود فلن يحرفوا هذا المسجد من مكانه، فما رأيك في ذلك؟ الجواب إن كان المسجد الآخر يأخذ الجماعة فيصلون فيه ويكفي عن المسجد الأول وهو أقرب إليهم وأصلح، فكلام الأولين لا يحرم ولا يحلل، وإن هجر المسجد القديم وأصبح الناس في غنية عنه بحيث لا يصلي فيه أحد فيباع ويستفاد من أرضه بأخذ أثاث لتوسعة المسجد الجديد، ودورات المياه، والطريق، وهذا من نقل الأوقاف من مكان إلى مكان، وأما هذه الكتابة (ما دام الغراب أسود وكذا) فلا تنفع ولا تضر، وليست عهداً وميثاقاً حضره أبو بكر ولا عمر ولا عثمان ولا علي فهذا إذا أجمع الناس أنه الأصح، أما إذا كان هناك جماعة، وهنا جماعة، فلا يجوز أن يهجر المسجد ولا أن يعطل، وإذا بقي فيه كبار السن ورأوا أنه أقرب إليهم فيبقى بحاله، لا يغير منه شيء، ويبقى بخدماته، وأنا قلت في كلامي: إذا لم يكن هناك تفرقة ولا شقق لعصا الجماعة، ولا يحدث بغضاء وضرراً، أما إذا أحدث بغضاء أو ضرراً فالأصح أن يجتمعوا في مسجد واحد، وإذا كان بالتي هي فأحسن الاجتماع في مسجد هو الأولى والأحسن، وأما التفرقة فلا تجوز في الإسلام. هذا وفي الختام أشكركم، وأصلي وأسلم على الرسول الهادي ﷺ .

стр. 254

رسالة إلى الموظف المسلم إن الله خلق هذا الكون، وجعله مراتب وطبقات ليتخذ بعضهم بعضاً سِخرياً، يخدم بعضهم بعضاً، وينفع بعضهم بعضاً، لكن جعل الله الأمانة والمراقبة في كتابه وعلى لسان نبيه ﵊، وذلك باسترعاء الناس، وإعطاء كل ذي حق حقه، دون ميل أو مجاملة، وجعل الله العدل أساس كل شيء في جميع المعاملات.

стр. 255

عظم الأمانة ومراقبة الله لدى الموظف الحمد لله، الحمد لله الذي كان بعباده خبيراً بصيراً، وتبارك الذي جعل في السماء بروجاً وجعل فيها سراجاً وقمراً منيراً، وهو الذي جعل الليل والنهار خلفة لمن أراد أن يذكر أو أراد شكوراً، وتبارك الذي نزل الفرقان على عبده ليكون للعالمين نذيراً، الذي له ملك السماوات والأرض ولم يتخذ ولداً ولم يكن له شريك في الملك وخلق كل شيء فقدره تقديراً. أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداًَ عبده ورسوله، بعثه ربه هادياً ومبشراً ونذيراً، وداعياً إلى الله بإذنه وسراجاً منيراً، صلى الله وسلم عليه كلما تضوَّع مسكٌ وفاح، وكلما غرَّد حمام وصاح، وكلما شدا بلبلٌ وناح، وعلى آله وصحبه وسلَّم تسليماً كثيراً. إذا قيل أنتم قد علمتم فما الذي عملتم وكلٌّ في الكتاب مرتبُ؟ وماذا كسبتم في شبابٍ وصحةٍِ وفي عُمُر أنفاسُكم فيه تُكتبُ؟ فيا ليت شعري ما أقول وما الذي أجيب به إذْ ذاك والأمر أصعبُ؟ خطبتي هذا اليوم: إلى الموظف المسلم. أيها الموظف المسلم: إن الله استرعاك على رعية، واستأمنك على أمانة، وحمَّلك مسئولية، يقول جل ذكره: ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْأِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُوماً جَهُولاً﴾ [الأحزاب:٧٢] وكل ما كلفنا الله به من عمل فهو أمانة، الموظف مؤتمن، والمدرس مؤتمن، والتاجر مؤتمن، والعالم مؤتمن، والقاضي مؤتمن: ﴿كلكم راعٍ، وكلكم مسئول عن رعيته﴾. أيها الموظف المسلم! إنك تختلف عن الموظف الكافر تماماً، إن الموظف الكافر يعمل من أجل الدنيا، ويراقب الناس، ويخاف الناس، لا يراقب إلا هذه الحياة الدنيا، أما أنت يا مؤمن! فإن رقيبك الله، وحارسك الله، يقول تعالى: ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا﴾ [المجادلة:٧] ويقول سبحانه: ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ * عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الحجر:٩٢ - ٩٣] قال بعض المفسرين: عن لا إله إلا الله، وقال غيرهم: عن الإيمان، وقال ثالث: عن كل ما استرعاك الله عليه. وهو الصحيح. يا أيها الموظف! فوالذي نفسي بيده ليسألنك الله الأحد في يوم تشيب فيه النواصي عن وظيفتك وعن عملك، يقول سبحانه: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَهُ﴾ [الزلزلة:٧ - ٨] إذا كانت الذرة الحقيرة تُسأل عنها عند الله! فما بالك بقوم ضيعوا الله في أعمالهم، ونسوا الله في وظائفهم، خرجوا من الدوائر في غير طاعة، ولم يصيبوا في أعمالهم، وحبسوا المؤمنين والمسلمين بأموالهم، يقول سبحانه: ﴿يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَراً وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَداً بَعِيداً وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ﴾ [آل عمران:٣٠] قال أهل العلم: تجد النفس ما قدمت من خير وما قدمت من سوء. فماذا تقول لربك أيها الموظف المسلم إذا نَشَر لك الصحُف؟! وعَرض عليك الصحائف، ورأيت معاملتك السوداء، وخروجك من دوامك، وتأخيرك للمسلمين، وتنغيصك لحياتهم. ماذا تقول لله ﵎؟! ولذلك جعل الله من نفسه رقيباً على العبد، يقول : ﴿أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ [الملك:١٤]. إذا ما خلوت الدهر يوماً فلا تقل خلوت ولكن قل علي رقيبُ ولا تحسبن الله يغفل ساعة ولا أن ما يخفى عليك يغيبُ إذا أخفيت عن المسئول، أو عن الأمير، أو عن الوزير، فما أخفيت عن عين الله.

стр. 256

نماذج في مراقبة الله مر عمر بن الخطاب ﵁ -ورفع الله منزلة عمر، وجمعنا الله في الجنة بـ عمر - مر براعٍ يرعى غنماً، فقال عمر: [[يا راعي! بعني شاة من غنمك -يريد أن يمتحن إيمانه، وينتظر صدقه مع الله- قال الراعي -وهو مؤمن، وهو مسلم، وهو يراقب الله في الخلوات-: يا أمير المؤمنين! الغنم لسيدي، قال عمر: إذا سألك سيدك عن الشاة فقل: أكلها الذئب، قال الراعي: الله أكبر يا عمر! أين الله؟! فجلس عمر يبكي ويقول: إي والله، أين الله؟!]]. فهل قال الموظف المسلم لنفسه: أين الله؟! وهل قال المسئول لنفسه: أين الله؟!

стр. 257

أبو بكر ومراقبته لله تولى أبو بكر الخلافة، وأول خطبة خطبها على المنبر بكى وأبكى الناس، والبيعة على المسلمين، فردوا بيعتهم في عنق أبي بكر، فأخذها شاردة واردة. كان أزهد الناس، وأخشاهم وأورعهم، ذكر أهل السير: أن عمر كان يتفقد أبا بكر بعد كل صلاة فجر، فإذا هو يخرج من المسجد إلى ضاحية من ضواحي المدينة، فذهب عمر وراءه يوماً من الأيام، فدخل أبو بكر خيمة، ومكث فيها ساعة ثم خرج، فلما خرج؛ دخل عمر بعده إلى الخيمة، فوجد عجوزاً وأطفالاً، قال للعجوز: يا أمة الله! من أنتِ؟ قالت: أنا عجوز حسيرة كبيرة عمياء، وهؤلاء الأطفال مات أبوهم من سنوات، قال: ومن هذا الشيخ الذي يدخل إليكم؟ قالت: لا أعرفه -لا تعرف أبا بكر، ولكن الله يعرف أبا بكر - قال: ماذا يفعل؟ قالت: يدخل عندنا، فيكنس بيتنا، ويحلب شياهنا، ويصنع لنا طعامنا، ثم يخرج، فضرب عمر بيده على رأسه وبكى وقال: [[يا أبا بكر! أتعبت الخلفاء بعدك]]. من يفعل مثل هذا الفعل؟! من يترصد مثل هذا الترصد؟! من يخدم مثل هذه الخدمة؟! إنه الصديق الأكبر، ولذلك تولى عمر فأخذ درساً من أبي بكر لا ينساه [[ولما مات أبو بكر، قال لأهله: خذوا هذه البغلة، وهذه الثياب، والله ما لبست من ثياب المسلمين، وما أخذتُ من طعامهم، واذهبوا بهذه البغلة والثياب إلى عمر بن الخطاب، وقولوا: يا عمر! هذه بقية ميراث أبي بكر، فاتق الله يا عمر في أموال الأمة، لا يصرعنك الله مصرعاً كمصرعي]] فلما تولى عمر أصابه عام وجاع مع المسلمين، فبقي جائعاً شاحباً حزيناً محتاجاً، يقول على المنبر يوم الجمعة وبطنه يُقَرْقِر من الجوع: [[قَرْقِرْ أو لا تُقَرْقِر والله لا تشبع حتى يشبع أطفال المسلمين]].

стр. 258

عمر ومراقبته لله عمر بن الخطاب يبكي ويصيح: [[والله الذي لا إله إلا هو لو عثرت بغلة في ضفاف دجلة بـ العراق؛ لخشيتُ أن يسألني الله يوم القيامة عنها: لِمَ لَمْ تصلح لها الطريق يا عمر؟]] هذه مراقبة الواحد الأحد، ولذلك قال ﵊ فيما صحَّ عنه: ﴿اللهم من وَلِي من أمر أمتي شيئاً فشقَّ عليهم فاشقق عليه﴾ اللهم من وَلِي من أمر أمتي شيئاً ولو يسيراً، ولو وظيفة، أو مشيخة، أو إدارة، أو إمارة، أو وزارة فشق عليهم فاشقق عليه، غداً تكون المشقة عليه يوم العرض الأكبر، يشق الله عليه كما شق على المسلمين، وعلى المساكين والفقراء، وعلى الأرامل والأيتام والمحتاجين، والجزاء من جنس العمل، يوقفه الله نادماً خاسئاً ذليلاً حقيراً، يوم لا حاكم إلا الله يوم ينادي بصوت يسمعه مَن قَرُب كما يسمعه مَن بَعُد: ﴿لمن الملك اليوم؟ لمن الملك اليوم؟ لمن الملك اليوم؟ فيجيب نفسَه بنفسه ويقول: لله الواحد القهار﴾. وصح عنه ﷺ أنه قال: ﴿من ولاه الله أمراً من أمر أمتي فاحتجب عن خُلَّتِهم وحاجتهم احتجب الله عن خُلَّتِه وحاجته يوم القيامة﴾ والمعنى: مَن تولى أمراً صغيراً أو كبيراً فأوصد أبوابه، واعتذر بالمعاذير عن عمله، وعطل أعمال الناس، وأخر إجراءاتهم، وأخر مقاصدهم، ومعاملاتهم، احتجب الله عنه وعن خلته وحاجته ومسألته يوم العرض الأكبر، فلا يقضي الله له حاجة، ولا يؤثره برحمة، جزاء ما نكَّد على الأمة الإسلامية.

стр. 259

سعيد بن عامر ومراقبته لله أرسل عمر بن الخطاب سعيد بن عامر إلى حمص والياً وأميراً، وكان سعيد بن عامر من أزهد الناس وأعبدهم، ومن أصدق الناس مع رب الناس، فذهب سعيد بن عامر فتولى ولاية حمص، ومكث عندهم سنوات، وكان من خيرة الناس، يعيش عيشة الفقير، ومرَّ عمر على أمرائه يسألهم، ويسأل الرعايا عن الأمراء، ويحاكمهم أمام الناس، فلما وصل إلى حمص سأل أهل حمص عن سعيد بن عامر، فقالوا: فيه كل خير، من أصدق الناس، ومن أعبدهم وأزهدهم لولا أن فيه أربع خصال، قال عمر: وما هي؟ قالوا: لا يخرج لنا حتى يتعالى النهار -أي: يتأخر في دوامه- قال عمر: هذه واحدة -وعمر عنده درَّة، يؤدب بها-. قال: والثانية؟ قالوا: وله يوم في الأسبوع لا يخرج إلينا فيه. قال: والثالثة؟ قالوا: لا يخرج إلينا في ليل مهما طرقنا على بابه. قال: والرابعة؟ قالوا: إذا أصبح في مجلس الحكم أُغمي عليه حتى يُرش بالماء. قال عمر وقد ترقرقت عيناه بالدموع: اللهم لا تخيب ظني في سعيد بن عامر، قم يا سعيد! رد على نفسك -هذا حكم ومناصفة، والرعية جلوس- قال سعيد: والله لوددتُ أن أستر هذا الأمر لكن ما دام أنهم تكلموا فأما قولهم يا أمير المؤمنين: أني لا أخرج إلا إذا تعالى النهار، فامرأتي مريضة وليس لي خادم، فأجلس في بيتي، وأصنع طعام إفطاري، وأصلي الضحى، ثم أخرج إليهم. قال: والثانية؟ قال: وأما قولهم: لا أخرج لهم بليل، فقد جعلتُ لهم النهار، وجعلتُ لربي الليل أصلي وأدعو الله حتى السحر. قال: والثالثة؟ قال: وأما قولهم: إن لي يوماً لا أخرج فيه إليهم، فيوم أغسل ثيابي فيه. قال: والرابعة؟ قال: وأما الرابعة فإنني حضرتُ مقتل خبيب بن عدي في مكة وأنا مشرك وهو مسلم فما نصرتُه، فكلما تذكرتُ ذاك اليوم أُغمي علي، فتهلل وجه عمر وقال: الحمد لله الذي لم يخيب ظني فيك، قال سعيد بن عامر: يا أمير المؤمنين! والله لا أتولى لك ولاية بعدها أبداً. ثم ترك الولاية وخرج، ولكن ما تركه عمر يخرج حتى حاسبه في الأموال وفي الخزائن وفي الأحكام، وعرض عليه الدواوين، فوجده ما أخذ درهماً ولا ديناراً، وإنما خرج كما دخل، بصحفة وشملة وعصا. هؤلاء أصحاب محمد ﵊.

стр. 260

نداء إلى الموظف المسلم فيا أيها الموظف المسلم! ويا أيها المسئول المسلم! اعلم إذا جلست على كرسيك أن الله سوف يجلسك يوم العرض الأكبر، فيسألك عما فعلت، وعما تصرفت قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَتَرَكْتُمْ مَا خَوَّلْنَاكُمْ وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ وَمَا نَرَى مَعَكُمْ شُفَعَاءَكُمُ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكَاءُ لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ وَضَلَّ عَنْكُمْ مَا كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ﴾ [الأنعام:٩٤] وقال: ﴿إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْداً * لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدّاً * وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْداً﴾ [مريم:٩٣ - ٩٥]. يا رب عفوك لا تأخذ بزلتنا وارحم أيا رب ذنباً قد جنيناهُ كم نطلب الله في ضر يحل بنا فإن تولت بلايانا نسيناهُ ندعوه في البحر أن ينجي سفينتنا فإن رجعنا إلى الشاطي عصيناهُ ونركب الجو في أمن وفي دعةٍ فما سقطنا لأن الحافظ اللهُ كن كالصحابة في زهد وفي ورعٍ القوم هم ما لهم في الناس أشباهُ عُبَّاد ليل إذا جنَّ الظلام بهم كم عابد دمعه في الخد أجراهُ وأُسْدُ غابٍِ إذا نادى الجهاد بهم هبوا إلى الموت يستجدون رؤياهُ يا رب فابعث لنا من مثلهم نفراً يشيِّدوا لنا مجداً أضعناهُ أقول ما تسمعون، وأستغفر الله العظيم الجليل لي ولكم ولجميع المسلمين، فاستغفروه وتوبوا إليه، إنه هو التواب الرحيم.

стр. 261

ثمرات الصدق مع الله الحمد لله رب العالمين ولي الصالحين ولا عدوان إلا على الظالمين، والصلاة والسلام على إمام المتقين وقدوة الناس أجمعين وعلى آله وصحبه والتابعين. أما بعد: فإن الموظف المسلم إذا صدق مع الله كسب أموراً: منها الدعاء له الذي هو من أعظم الأعمال عند الله، والثناء الحسن يرسله الله للمخلص الصادق، فيدعون له بالتوفيق والهداية، ويدعون له بالتسهيل كما سهَّل أعمالهم ومعاملاتهم، والموظف الصادق يسهل الله عليه الحساب يوم العرض الأكبر، وانتفاعه من ذلك العمل كما يسر على المسلمين أمورهم ييسر الله عليه أمره يوم الحساب.

стр. 262

خيانة بعض الموظفين للأمانة ولكن وُجد من الناس من لا يراقب الله، ولا يرعى الله، ولا يخاف الله في عباد الله، وُجد منهم من يتأخر في دوامه، فيبقى في بيته متخلفاً متأخراً، ومعاملات الناس ومصالحهم مركونة بمكتبه، فإذا حضر سوَّف في عمله، سيئ في خُلُقه، متبجِّح في تصرفاته، لا يراعي حق المسكين، ولا حق الضعيف، ولا حق المسافر المنقطع، بل بعضهم لا تتطلب منه المعاملة وقتاً طويلاً فتكثر الإجراءات، فيَعِدُ الأسابيع بعد الأسابيع، والأشهر بعد الأشهر، فينقطع المسلم ببابه واليتيم والمسكين والأرملة، فيجازيه الله عليه يوم العرض الأكبر. وبعضهم إذا حضر كانت تصرفاته غير سليمة، لا يتعامل بالخلق الحسن، ولا بالرحمة، ولكن تجده معسراً معتباً شرساً متكبراً على عباد الله؛ وهذا لقلة الإيمان في قلبه؛ ولأنه ما عرف سيرة محمد ﵊ ولا سيرة أصحابه. ومنهم من يخرج أثناء الدوام فيترك وظيفته وعمله، ويخرج في أمور ذاتية شخصية لبيته ولأغراضه الخاصة، يخرج إلى المستشفى أو السوق، وما عمل عمله، فقد خان الأمانة ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْأِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُوماً جَهُولاً﴾ [الأحزاب:٧٢]. ومنهم من لا يراعي الله في أعمال المسلمين، فيحيف، وربما ينسى الإنصاف في المعاملة؛ فيقدم قريبه وحبيبه ويُبعد هذا ويُقرب هذا لأمور دنيوية سوف يُسأل عنها يوم يبعثر ما في القبور ويُحصَّل ما في الصدور.

стр. 263

المثالية الإيمانية لبعض الموظفين وقد عُلم من بعض الموظفين أنهم بلغوا المثالية الإيمانية، وأنهم ضربوا أروع الأمثلة، وقد سمعنا عن موظف عظيم من عظماء الإسلام، يعيش في هذا العصر، بلغ من تواضعه وصدقه مع الله أن يحاسب نفسه على الدقائق في الحضور والانصراف، ولذلك أصلح الله له حاله، وترى وجهه فيه النور، ودعا له المسلمون، من قصص هذا الموظف العظيم، وهو معروف: أنه إذا أراد أن يتصل بأهله لا يتصل من مكتبه، يقول: هذا الهاتف للمسلمين، ولم يأذن لي ولاة الأمر أن أتصل على بيتي، وإنما وُضع هذا الهاتف للمصالح العامة، وهذا هو الورع الصادق الذي سوف يجده في قبره يوم يُنَوَّر له قبرُه بعمله الصالح، ولكن يوجد من الآخرَين من يلطخ صحائفه البيضاء بأعمال لا ترضي الواحد الأحد.

стр. 264

على الموظف أن يراقب الله إن التسرع على الانصراف قبل وقته، أو على عمل حسابات ليست بصحيحة، أو على تزوير أوراق، أو على مكالمة لا تمس إلى عمله بصلة، أو على الاشتغال مع زملائه بحديث جانبي، وترك المراجع ولقد تعاطى الساعات الطويلة، وهو ينتظر وراء الباب، وهذا لا يرضي الله، ولا يرضي وُلاة الأمر، الذين قاموا على الحكم بما أنزل الله، ومعنى ذلك: أنها خيانة صريحة وجرح لشعور المسلمين لا يريده الله . والذي ينتظر مراقبة المسئول الذي فوقه ولا يراقب الله ليس بمؤمن، أتراقب العبد ولا تراقب المولى؟! أتراقب الضعيف ولا تراقب القوي؟! ﴿يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لا يَرْضَى مِنَ الْقَوْلِ﴾ [النساء:١٠٨]. وإذا خلوت برِيْبَة في ظُلْمَة والنفس داعيةٌ إلى الطغيانِ فاستح من نظر الإله وقل لها إن الذي خلق الظلام يراني أيها الموظف المسلم: استحل راتبك بالعمل الصالح الصادق، ارحم أمة محمد ﵊، اصدق مع الله؛ لتنال من الله المثوبة والأجر، ومن المسئولين الشكر والثناء، ولتنال من أمة الرسول ﷺ الدعاء. وفقك الله، وسدد الله خطاك، وتولاك في الدارَين، وبصَّرك يوم تعمى القلوب. عباد الله: وصلوا وسلموا على من أمركم الله بالصلاة والسلام عليه، فقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ [الأحزاب:٥٦] وقد قال ﷺ : ﴿مَن صلى عليَّ صلاة واحدة، صلى الله عليه بها عشراً﴾ وقال ﵊: ﴿أكثروا عليَّ من الصلاة يوم الجمعة وليلة الجمعة، فإن صلاتكم معروضة عليَّ، قالوا: يا رسول الله! كيف تعرض عليك صلاتنا؟ قال: إن الله حرم على الأرض أن تأكل أجساد الأنبياء﴾. اللهم فصلِّ وسلم عليه ما ذكره الذاكرون وغفل عنه الغافلون، اللهم صلِّ وسلم عليه ما شَدَت الأطيار وما ترعرعت الأزهار وما تباسقت الأشجار، صلاةً وسلاماً دائمَين أبديين تصله في روضته ﷺ . اللهم وارضَ عن أصحابه الأطهار من المهاجرين والأنصار ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين وعنا معهم بمنك وكرمك يا أكرم الأكرمين! اللهم اجمع كلمة المسلمين، اللهم وحد صفوفهم، اللهم خذ بأيديهم لما تحبه وما ترضاه، اللهم أصلح أئمتنا وولاة أمورنا، اللهم وفق الأمراء والوزراء والمسئولين والموظفين والعلماء والقضاة لكل خير، اللهم ثبت أقدامهم، اللهم فقههم في دينك، اللهم حبب إليهم الإيمان وزينه في قلوبهم يا رب العالمين! اللهم أصلح شباب المسلمين، اللهم ردهم إليك رداً جميلاً، اللهم تب عليهم وكفِّر عنهم سيئاتهم يا رب العالمين! رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ، رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ. رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ، وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ. سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ، وَسَلامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ.

стр. 265

أبو ذر في عصر الكمبيوتر عرض الشيخ حفظه الله مواقف رائعة من حياة أبي ذر، وذكر أن من صنعوا الكمبيوتر وغيره من الأجهزة، لم يعيشوا عيشة أبي ذر؛ لأنهم عاشوا هذه الحضارة بالكفر والجهل، وأما أبو ذر فمع فقره عاش حياة أحسن وأسعد منهم؛ ومنهج هؤلاء يقوم على الكفر والطغيان فلا بد أن ينتهي ويزول، ولا يشك في ذلك عاقل. وقد تطرق إلى سيرته العظيمة، من بداية كيفية إسلامه وبحثه عن الدين الحق ثم إلى مناقبه وفضائله ودعوته وجراءته في الحق وحتى وفاته ﵁.

стр. 266

علاقة أبي ذر بجهاز الكمبيوتر الحمد لله رب العالمين ولي الصالحين، ولا عدوان إلا على الظالمين، والصلاة والسلام على سيد المرسلين، وإمام المتقين، وقدوة الناس أجمعين، وعلى آله وصحبه والتابعين. سلام الله عليكم ورحمته وبركاته. دمعة الزهد فوق خدك خرسا ووجيب الفؤاد يحدث جرسا أنت من أنت يا محب وماذا في حناياك هل تحملت مسا ما لهذي الدموع مالك صبٌ حالكم مأتمٌ وقد كان عرسا شامة الزهد في مُحيَّاك صارت قصةً تطمس الحكايات طمسا لاطفوني هددتهم هددوني بالمنايا لاطفت حتى أُحَسَُا أركبوني نزلت أركب عزمي أنزلوني ركبت في الحق نفسا أطرد الموت مقدماً فيولي والمنايا أجتاحها وهي نعسى قد بكت غربتي الرمال وقالت يا أبا ذر لا تخف وتأسا قلت لا خوف لم أزل في شباب من يقيني ما مت حتى أدسا أنا عاهدت صاحبي وخليلي وتلقنت من أماليه درسا لوحوا بالكنوز راموا محالاً وأروني تلك الدنانير ملسا كلها لا أريد فكوا عناني أطلقوا مهجتي فرأسي أقسى واتركوني أذوب في كل قلب أغرس الحب في حناياه غرسا أجتلي كل روضة بدموعي وأبث الأزهار في الروض همسا هذه مقطوعة من قصيدة: أبو ذر في القرن الخامس عشر، وهو صاحبنا هذه الليلة، وهو ربان الرحلة، وهو أستاذ القصة وبطلها، وسوف نجلس معه أكثر من ساعة، لنسمع أخباره، ولننثر عليكم أسراره، ولنربط بينه وبين حياتنا الآن في عصر الكمبيوتر، فما علاقة هذا الرجل الصحابي المجاهد الزاهد الذي مات في الصحراء بهذا الجهاز الذي اكتشف في هذا العصر؟ ثلاث مسائل: أولها: هل تثقف الإنسان يوم اكتشف الكمبيوتر؟ هل تثقفت روحه؟ هل أشرقت نفسه؟ هل تجلى خاطره؟ هل زاد نوره؛ لأنه اكتشف الكمبيوتر والمكبر والكهرباء والطائرة والصاروخ والثلاجة والبرادة؟ و الجواب لا. إن الذين اكتشفوا هذه الأمور يَشْكُون من ضيق الصدر والقلق والاضطراب والمرض، والتشنج، والانتحار، نشرت صحيفة الظهيرة في الافتتاحية: طبيب يعالج من السرطان قتل نفسه، يقولون: كان يداوي الناس، ثم أخذ الخنجر وذبح نفسه، لأنه ضاق خاطره، فمع هذا العلم والاكتشاف أتى الانتحار، وأتى القلق، وأتى الضيق، قلقٌ وضيق لم يعشه أبو ذر، ولم يجده أبو ذر، بل كان صدره فسيحاً على خبز، وعلى خيمة، ومع قطيعٍ من الماعز، وهو عنده أثمن من الطائرة، ومن الصاروخ، ومن الكمبيوتر. إذن يقول الله سبحانه: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى * قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيراً * قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى﴾ [طه:١٢٤ - ١٢٦] ﴿يَعْلَمُونَ ظَاهِراً مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ﴾ [الروم:٧]. هل خطر لمن اكتشف الكمبيوتر أن الله سوف يجمع الأولين والآخرين إلى يوم لا ريب فيه؟ هل خطر له أن هناك جنةً وحساباً وميزاناً وكوثراً؟ هل سمع في حياته أن هناك نعيماً ورؤيةً لله؟ إنما أسعد البشرية، وأشقى نفسه! وهل تذكر من اكتشف الكهرباء أن الله سوف يبرز للناس يوم القيامة؟ قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ [الأنعام:٩٤] ﴿ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلاهُمُ الْحَقِّ أَلا لَهُ الْحُكْمُ وَهُوَ أَسْرَعُ الْحَاسِبِينَ﴾ [الأنعام:٦٢]. هذا إيمان بالمادة، وهو إيمان مقطوع مبتور، ولذلكم ظهر بعض الناس ممن اكتشف هذه الاكتشافات، ونسوا أنهم نسوا مصيرهم: ﴿بَلِ ادَّارَكَ عِلْمُهُمْ فِي الْآخِرَةِ بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْهَا بَلْ هُمْ مِنْهَا عَمُونَ﴾ [النمل:٦٦]. ثانياً: كان من الوسائل التي أريد أن أربط بينها وبين عنوان المحاضرة، وقد سبقت في محاضرة الأسبوع الماضي من باب التنبيه، بعنوانها "الممتاز في مناقب الشيخ عبد العزيز بن باز " وعشنا مع هذا الرجل العصري الذي نور الله قلبه يوم فقدَ بصره. المسألة الثانية: هل تغير الإنسان باكتشافه؟ هل أكل أكثر مما يأكل؟ هل رأى في الحياة متعاً أكثر مما رآها أبو ذر؟ أما عاش ذاك ستين وهذا ستين؟! أما مات ذاك ومات هذا؟! أما ذاق هذا الماء وذاك الماء؟! ولكن المصير عند الله. ثالثاً: هل السعادة التي بحث عنها الإنسان وجدها؟ أنا قلت: هل يمر بالصحابي مثلما يمر الآن بالمكتشف أو المخترع الأوروبي، أو الفرنسي، أو الأمريكي، أو الياباني من القلق والاضطراب والحيرة والضيق، والأمراض النفسية، هل وجد هذا؟ لا، كان أبو ذر سعيداً، وما هو أكْلُ أبي ذر؟ لم يسكن قصراً، ولم يركب سيارةً، ولم يمتط طائرةً، وما كان عنده ثلاجة ولا برادة ولا سخانة، ولا كهرباء ولا ماء مبرد أو مثلج، إنما كان متاعه شملة، وكسرة خبز، وقربة معلقة، وصحفة وعصا؛ دخلوا عليه، وهو في مرض الموت، قالوا: أين متاعك؟ قال: هذا، فوجدوا شملة يكتسي بشيء منها، ويفرش لضيفه، ويرتديها في المنام، ووجدوا صحفة يغتسل فيها، ويأكل فيها طعامه، يقرب فيها ماءه، وقربة، وعصا، قالوا: وأين بقية المتاع؟ قال: ﴿إن رسولي وحبيبي ﷺ أخبرني أن أمامي عقبةً كئوداً، وأنه لا يجتازها إلا المخف﴾. أمامنا عقبة المخف فيها يصعد، وهي عقبة الآخرة والحساب، يقول الشيخ حافظ الحكمي: هم المقلون الذين أكثروا إلا إذا لم يسرفوا أو يقتروا والمال والأولاد فتنة وما للمرء نافع سوى ما قدما وإنما الغنى غنى النفس ولا عبرة بالتراث بل هو ابتلا لو كان في المال افتخار لم يرا آل الرسول والصحاب فقرا فهذا الشيخ حافظ يدبج لك كلاماً بديعاً، وهو زاهد جيزان وعالم جيزان، يقول: خذ واضح الحل ودع مكسبها مخافة المحذور يا من فقها وازهد بدنياك وأقصر الأمل واجعل لوجه الله أجمع العمل وزهرة الدنيا بها لا تفتتن ولا تغرنك وكن ممن فطن تالله لو علمت ما وراءكا لما ضحكت ولأكثرت البكا

стр. 267

قصص عن السعادة أعرف رجلاً عابداً زاهداً في قرية في جهة نجد له مزرعة، وله بعض الغنم، ومن مسجده إلى بيته، عنده المصحف، ويتنفل، ويصوم، ويعبد الله في سعادة ما سمع بها الناس، وفي نور من الله، كلامه يقودك إلى الجنة، يقولون: يقوم قبل الفجر بساعتين وهمه القرآن، إن مات فإلى جنة - إن شاء الله- وإن عاش عاش سعيداً، لم يصبه القلق من الحشود على الحدود، ولا من التهديدات الدولية، ولا من القوات في الخليج، وإنما يعيش القرآن، وطريق الجنة والصيام والاستغفار، وهو قليل الخلطة بالناس، لا يسمع غيبة، ولا تمر به الشيكات السياحية، ولا كلمة الدولار، ولا التضخم المالي، ولا قلة الموارد الغذائية، ولا مشكلة تلوث البيئة، ولا غير ذلك. وعندنا تاجر شهير في البلاد، عمل عملية في مستشفى في جدة - وجد الأطباء أن عنده سوء تغذية، ووجدوا أن أمعاءه التصقت، وسئل أنه كان يتغدى غداءً خفيفاً، كان يتغدى فولاً وجبناً، والناس يتغدون لحماً وأرزاً، الفقراء الآن الواحد منهم ربما ضحى بدجاجتين في الغداءً سمطاً، ولكن أهل رءوس الأموال أكثر الناس قلقاً، كارنيجي يقول: إن أكثر الناس قلقاً هم أهل رءوس الأموال، لأنه لا يفتأ يفتح السجلات، وعنده تلفونان يتصل بهما، ولا يأتي أهله إلا في ظلام، أو بعد الواحدة، أو الثانية فينام، ثم يصحو متأخراً، فكأنه مبرمج يجمع ويحسب ويسجل ويكتب ويتصل، ونسي نفسه حتى أصيب بسوء التغذية، ولو علم أن المال القليل. ولست أرى السعادة جمع مالٍ ولكن التقيَّ هو السعيدُ وكان أحد الصالحين يقول: ماءٌ وخبزٌ وظلُّ ذاك النعيم الأجلُّ كفرت نعمة ربي إن قلت أني مقلُّ ودخلوا على عالم من علماء العراق فوجدوه يفطر في الصباح، ثم لا يبقى عنده في البيت شيء، عنده خبز وزيتون وماء، قالوا: هذا طعامك الدهر؟! قال: الحمد لله، زيتون من زيتون الشام -انظر شكر النعمة- وماء من ماء دجلة، وخبز من خبز العراق، فمن أنعم مني في الناس؟! إن السعادة ليست في هذا التطور الذي يعيشه الإنسان. وكم رأينا من الناس من باستطاعته أن يغير كل يوم سيارة، باستطاعته أن يركب كل يوم سيارة غير الأخرى، ولكن تجد على وجهه من الغضب والحزن ما الله به عليم، وعلمنا وتيقنا أنه -والله- من أراد السعادة، فلن يجدها إلا في طاعة المولى، وفي العمل الصالح، وفي النور الذي أتى به الرسول ﵊. بحثوا عن السعادة في المنصب، وكان أعظم منصب في الدنيا منصب فرعون، ولكن قتله منصبه، فالذي أدخله البحر منصبه، والذي دكدكه تحت الماء منصبه. وقارون بحث عن المال، وجمع المال، وأصبح أغنى رجل في العالم، ومهما حاول الناس -الآن- أن يتقدموا في جمع الأموال، فلا يستطيعون أن يصلوا إلى ما وصل إليه قارون: ﴿مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ﴾ [القصص:٧٦] أي: المجموعة من الرجال لا يحملون المفاتيح، فكيف بالخزينة، إذا أرادوا أن يفتحوا الباب، أتى ثمانية يحملون المفاتيح، فكيف بما وراء الباب؟ كان كالجبال من الذهب، وهذا لا تملكه الدول ولا الشعوب، ومع ذلك كان ماله سبب فقره وخزيه، ولما قال : ﴿فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الْأَرْضَ﴾ [القصص:٨١] فالميزانية وبيت المال معه، والشرف رد أبا جهل وألحقه بالخاسرين. صاحبنا هذه الليلة عجيب، وفي حياته طرف وغرائب، وفيها ما يدهش، وأنا اخترته عمداً، لنعيش معه قليلاً، ونسمع لآرائه في الحياة.

стр. 268

أبو ذر والمال المدخر قبل ما يقارب عشرين سنة جاء أتباع المجرم استالين -كما تعرفون- وقد كون دولته من قبل في عهد لينين، وأتوا بحثوا ونقروا في الإسلام ليجدوا ولو رأي عالم يوافقهم في رأيهم الاشتراكي في الاقتصاد، فوجدوا أن أبا ذر يوافقهم، فألفوا كتاباً روسياً، وعليه أبو ذر على الكتاب المجلد: شيخ كبير، باللغة الروسية ويحمل عصا، وما على رأسه شيء، وقالوا: زعيم الاشتراكية في العالم: أبو ذر، والسبب في ذلك أنه ﵁ وأرضاه فهم قوله : ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [التوبة:٣٤] قال: ما دام أن الله تهدد من كنز الذهب والفضة، إذن فلا يحل لك، ولا يجوز لك أن تدخر شيئاً من المال أبداً، يعني على رأي أبي ذر إذا جاءك آخر الشهر راتب، وأنفقت وأعطيت أطفالك للمدرسة، واشتريت لهم الدفاتر والخبز والطعام، فما بقي فوزعه في الناس، وهذا مذهب الاشتراكية وهو خطأ وقد خطأه الصحابة، وقالوا: لا، المقصد زك مالك زك ذهبك، زك فضتك، لأنك إذا زكيته فليس بكنز، والرسول ﵊ يقول مرة: ﴿أتؤدين زكاته؟ قالت: نعم، قال: فليس بكنز﴾ فالمال الذي تزكيه ليس بكنز، ففهم أبو ذر ﵁ وأرضاه أن المال يوم يُدَّخَر سواء زُكِّي، أو لم يزك أنه حرام، بل يشاع في الناس، فتلقفوا هذه الكلمة، وحيوا أبا ذر، وترى خالد محمد خالد في كتاب: رجال حول الرسول، وهو لا يزال حياً، وهو مفكر مصري -كما تعرفون- وفيه خير كثير، لكنه كان يؤمن بـ المادية الجدلية، وكان فيه لوثة، ثم هداه الله، وكتبت عنه مجلة المجتمع قبل أكثر من اثني عشرة سنة، ومجدته بعودته إلى الله، لكنه لدغ بكلمة في ترجمة أبي ذر في كتاب" رجال حول الرسول " حتى يقول: أظن الكادحين يؤيدون أبا ذر -كلمة الكادحين أتت من موسكو - في بعض البلاد العربية دخلت الشيوعية، كان الناس مسترزقين، وكانوا يقطفون الأعناب، ويصيدون الأسماك، ويشتغلون، والشعب يتحرك، وكانوا في رخاء، فأتت الشيوعية تحت مظلة نصرة المستضعفين والكادحين فنادت: يا شعوب الأرض، يا مستضعفي الأرض توحدوا، فلما أتوا سلخوا أموال الأغنياء، وتركوا الفقراء بلا عمل، وأغلقت دور الرعاية، ودور الأيدي العاملة، وما وجد الناس حقولاً للعمل، فجلسوا في بيوتهم. حج أحدهم في مكة، فقابله أحد العلماء، قال: كيف وضع الكادحين في بلادكم؟ قال: القائم بطحوه، والتاجر كدحوه، وهذا هو المنهج، فإنها تفلس، ولذلك لما أتى جرباتشوف قال: أفلست الشيوعية أصبحت فقيرة، فصارت الدول العربية تعطيها الأموال وروسيا دولة عظمى في عالم العسكرية عندها قوات تدمر العالم، لكنها في عالم الاقتصاد منهارة تماماً، أصبحت الدول العربية تمد روسيا الآن بالملايين، وأوروبا أرسلت لها ما يقارب ألف مليون دولار غير الحقوق لتنقذ الشعب، نظامهم: أنا أشتغل إلى آخر الشهر وأنت نائم في البيت ثم تأخذ راتبي، أعمل في البطاطس، فإذا أنتجت قاسمتني الثمرة، ففي أي شريعة أو أي عقل، وفي أي منهج في الحياة ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ [المائدة:٤٤] ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْماً لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ [المائدة:٥٠] ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً﴾ [النساء:٨٢] فأتى الآن جرباتشوف وعارضهم. وفي كتاب: البروسترويكا يعني: إعادة بناء الاشتراكية، أعاد بناءه، وقال: هذه الاشتراكية لا تصلح، ولكن ما عنده وقت، ويخاف أن يزحزحوه، وبدأت الجمهوريات الإسلامية تنفصل كما علمت، وسوف تبقى الجمهورية الأصل روسيا فحسب، وبعد سنوات سوف تصبح روسيا مثل بقية الدول ليست عظمى، والآن ألمانيا تجتازها بخطوات وفرنسا، وهذا لا يهمنا في شيء، ولكن صاحبنا أتى بنظرية أخطأ فيها، ونقول: غفر الله له، وما نقصت من قدره، وليس معصوماً، والصحابي قد يخطئ، والعالم قد يزل في مسألة، ومع ذلك يبقى محترماً شريفاً.

стр. 269

كيف عرف أبو ذر الإسلام ؟ كان في الصحراء في غفار وغفار قبيلة فدائية مهاجمة، تهاجم الحجاج وتختلس ما عندهم من أموال، وتقتحم المنازل، فهم بمفهوم العصر، كانوا إرهابيين. ولا يمشي ماش من مكة إلى الشام إلا اعترضته غفار، حتى كانت المرأة تدس طفلها، فإذا بكى عليها، قالت: خذوه يا غفار -أي: اسرقوه وكلوه- هذا مقصودها، من هذه القبيلة كان ذاك الرجل الذي سمع أن هناك في مكة رجلاً يدعو إلى لا إله إلا الله. فشقت الصمت والأنسام تحملها تحت السكينة من غار إلى غار تطوي الدياجير مثل الفجر في ألقٍ تروي الفيافي كمثل السلسل الجاري الشمس والبدر في كفيك لو نزلت ما أطفأت فيك ضوء النور والنار أنت اليتيم ولكن فيك ملحمة يذوب في ساحها مليون جبار هذا الرجل أتى من الغار يقول: لا إله إلا الله، وبعد خمسة وعشرين سنة، وإذا أسبانيا تدخل معه في الغار والسند، وتركستان وبخارى، وثلاثة أرباع الدنيا، فـ أبو ذر كان يرعى في الصحراء، فهو بدوي ﵁ وأرضاه، فسمع بالنبي وهو كإنسان يحب الاطلاع، طفلك الآن إذا أتيت له بآلة، وأصبح يتحدث، قال: ما اسم هذا المسمار، كذا، وتبقى معه ليلة كاملة، وأنت تسمي له كل غرض، من اتصل بك؟ ما اسمه؟ ما اسم هذا؟ ما اسم ذاك؟ فيحب الاطلاع. قال لأخيه: اذهب إلى هذا الرجل الذي في مكة، وانظر ماذا يدعو إليه حتى نرى، فركب أخوه، ويسمى أنيس حتى وصل إلى الرسول ﷺ ، لكن يظهر أن أنيساً كان مستعجلاً يريد أن يأخذ رءوس الأخبار، من دون تفصيل، جاء وكفار قريش هيئوا وزارة إعلام متنقلة في أنحاء مكة، كلما أتى داخل قالوا: عم صباحاً يا أخا العرب، ماذا تريد؟ قال: أريد محمداً، قالوا: مجنون ساحر، قال: في أمان الله، رجع، قالوا: مجنون ساحر، وكانوا يرشون الناس، أتى الأعشى شاعر نجد يريد أن يسلم، ويدخل في دين الله، أتى بقصيدة رنانة طنانة يقول فيها: ألم تغتمض عيناك ليلة أرمدا وعادك ما عاد السليم مسهدا شباب وشيب وافتقار وثروة فلله هذا الدهر كيف ترددا فآليت لا أرثي لها من كلالة ولا من وجى حتى تزور محمدا يقول: أقسمت أن أترك الناقة تمشي إلى محمد ﷺ . متى ما تناخي عند باب ابن هاشم تراحي وتلقي من فواضله يدا إذا أنت لم ترحل بزاد من التقى ولا قيت بعد الموت من قد تزودا ندمت على ألا تكون كمثله وأنك لم ترصد لما كان أرصدا هو من الشعراء العالميين، واقترب بهذه القصيدة يريد أن يحيي عظمة رسول الله ﷺ ، وليته لقيه، لكن قضاء الله، فلقيه أبو سفيان وهو مشرك، قال أبو سفيان: إلى أين يا أعشى، قال: إلى محمد، قال: ما عندك؟ قال: أمتدحه بقصيدة، قال: كم تظن أنه يعطيك من المال؟ قال: مائة ناقة، أي أنه سمى الجائزة، قال: خذ مائة ناقة، فأخذها فعاد، فلما وصل إلى جراب وقصته ناقةٌ فمات كافراً. كان كفار قريش يرصدون الطرق، يسمى هذا الحظر الإعلامي، لا يصل إنسان إلا وقد غزوه، حتى يقول أحدهم خائفاً وهو الطفيل بن عمرو الدوسي، قال: وضعت القطن في أذني حتى لا أسمع شيئاً -وقصته أخرى- فوصل أخو أبي ذر إلى مكة، فقالوا: احذر الساحر، احذر الكاهن، احذر المجنون، فرجع. ﴿أَفَسِحْرٌ هَذَا أَمْ أَنْتُمْ لا تُبْصِرُونَ﴾ [الطور:١٥] فرجع إلى أخيه قال: رجل يقولون إنه مجنون، أو ساحر، أو كاهن يدعو إلى شيء، وردوه قومه، قال أبو ذر: ما قضيت ما في نفسي، والمثل العامي يقول: "ما قضى حاجة مثل ساقي" فقال: عليك بالغنم، أي: أنا سآتيك بخبره، فركب الناقة، ودخل مكة، وكان ذكياً يسمى الباحث عن الحقيقة، يريد أن يصل إلى الرجل، يريد أن يسمع، ولذلك احذروا من (وكالة أنباء يقولون) فبعض الناس يأتيك بقصة، قلت: من أخبرك حفظك الله؟ قال: يقولون فتصنيف الآراء على هذه المنقولات خطأ: ﴿بئس مطية الإنسان زعموا﴾ يقولها ﵊، (قالوا وقلنا) ليست كلمة (قيل وقال) ممنوعة في الشرع، وبعض الإخوة يأتيك يقول: حدثني شاب أنه وقعت قصة مريبة مدهشة، فنذهب إلى ذاك: من حدثك؟ قال: حدثني شاب، ونذهب إلى الشاب، قال: حدثني شاب، حتى يضيع السند ويتبين أنه معضل وهذا لا يصح، فلابد أن يكون السند قوياً: ﴿وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولاً﴾ [الإسراء:٣٦]. دخل أبو ذر ﵁ وأرضاه مكة، ولما وصل الحرم وفقه الله بـ علي بن أبي طالب -حياه الله، حيا الله علياً - وسوف يكون لنا ليلة مع أبي الحسن لا تغرب نجومها، علي هذا محبوب، لكن نحبه الحب القدسي الطاهر الذي يقربنا منه إلى الله، ويجلسنا معه في الجنة، كان علي ذاك الوقت شاباً يتوقد، أبوه شيخ هو أبو طالب، لكنه رفض الإسلام، لكن هذا الشاب الحي، يقول العقاد في كلمة معناها، قال: إن في قصة علي سلوة، سلوة للمنكوبين في الحياة، وسلوة للصابرين على طريق الجهاد، وسلوة للعلماء المضطهدين، وسلوة للمجاهدين الذين يريدون الحق، وسلوة للمستضعفين في الأرض. وجد أبا ذر، فحياه، قال: من أين أتيت يا أخا العرب؟ قال: جئت ألتمس هذا الرجل، قال: تعال معي، فأدخله عنده، فأعطاه زبيباً، ولم يكن عندهم طعام جاهز إذ ذاك، بل عندهم خبز وزبيب وماء. قال: كل، فأكل، قال: أين هذا الرجل الذي يدعي أنه نبي؟ قال: أنا أنزل أنا وإياك إلى الحرم، فإذا صادفت أو وافقت رسول الله ﷺ سوف أتظاهر أني أخصف نعلي، فهو الرجل الذي أمامي فسلم عليه، والرسول ﵊ يظهر بين الناس، ليس شخصاً عادياً حتى في مظهره، يقول أنس: ﴿والله الذي لا إله إلا هو، لقد نظرت إلى البدر ليلة أربعة عشر وإلى وجهه ﷺ فلوجهه أجمل من القمر ليلة أربعة عشر﴾ وقال أبو هريرة: ﴿كأن الشمس تجري في وجهه﴾ ويقول سيد قطب: كان رسول الله ﷺ مهياً جسمانياً ليقود العالم. يقول ابن رواحة: لما رأى وجه الرسول ﷺ : لو لم تكن فيه آيات مبينة لكان منظره ينبيك بالخبر فعليه المهابة والجلابة والملاحة والنور والجمال، فسبحان من صوره فأحسن تصويره، جميل، أدعج العينين، بياضه مشوب بحمرة، يؤثر فيها أدنى شيء حتى إذا وضع أصابعه أثرت في وجهه، كأنه يخرج من ديماس، ما كأنه خرج من مكة أرض القحط والجفاف والجدب، لأنه مهيأ ليقود العالم. قال: إذا نزلت ووافقته فسوف أتظاهر بإصلاح نعلي، فتقدم وسلم عليه، فنزل علي، وفعل علي ذلك؛ لأنه يخاف من الاستخبارات، فكفار قريش يلاحقونه بالعيون، يقولون: هذا الذي يدل الناس على محمد، وهناك فرقة للضرب، وفرقة للعض وفرقة للمصارعة، وفرقة للملاكمة، والرسول ﷺ يشهد هذه المناظر كل يوم، يرى الأصنام ما كسرها؛ لأنه يريد أن يكسرها من العقول أولاً، ويأتون إليه ﷺ يريدون اغتياله، ويحميه الله ، يأتي ملك الجبال يقول: أأطبق عليهم الأخشبين؟ قال: ﴿لا، إني أرجو أن يخرج الله من أصلابهم من يعبد الله ولا يشرك به شيئاً﴾ يدمون قدمه، ويسيل الدم، فيمسح الدم صابراً، ويقول: ﴿اللهم اغفر لقومي، فإنهم لا يعلمون﴾ فيقول الله: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم:٤]. كيف تمسك أعصابك أمام هذا الهيجان؟ الإنسان منا الآن من أجل متر من الأرض قد يقاتل، أنا أعرف بعض الناس يحمل مسدسه ويقول: أقتله أو يقتلني هذا اليوم، وتجد إما ميزاباً أو غصناً أو سكة ولو أتى اليهود، فر من أمامهم إلى تهامة. وقف علي ﵁ يخصف نعله، فتقدم ورأى الرسول ﷺ ، فلما عرف أنه هو، قال: عم صباحاً يا أخا العرب، وهذه تحية الجاهلية، فما كانوا يعرفون السلام عليكم، الذي أتى بالسلام محمد ﷺ ، الذي أتى ببسم الله محمد، الذي أتى بالحمد لله الرسول ﷺ ، الذي أتى بالله أكبر محمد ﷺ ، وكما قال تعالى في رسوله: ﴿وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ﴾ [النساء:١١٣]. يقول امرؤ القيس: ألا عم صباحاً أيها الطلل البالي وهل يعمن من كان في العصر الخالي وهل يعمن إلا سعيد مخلد قليل الهموم ما يبيت بأوجال قال: عم صباحاً يا أخا العرب، فنظر إليه ﷺ ، وهو جالس، قال: إن الله أبدلني تحية خير من تحيتك، قال: ما هي؟ قال: السلام عليكم ورحمة الله، قال: السلام عليكم ورحمة الله، قال: وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، فجلس، فكان هذا اللقاء الحار. فابتدأ ﷺ ، وهذا من لطفه، ومن حسن خلقه البديع، يقول سُبحَانَهُ تَعَالى: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾ [آل عمران:١٥٩] يقول: كيف دخلت إلى قلوب العرب؟ العربي قبل الإسلام عقله جاف خشب، من يكلم الخشب؟ سيفه معه يذبح أخاه، لا يفهم، لا طهارة، لا فكر، لا أدب، لا رقي، لا احترام. كيف ألفت بين قلوب الناس؟ ﴿وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [الأنفال:٦٣] فكان من هديه أن يسأل القادم، وهذا من حسن الكرم. إذا أتاك ضيف وجلس، فاسأله: كيف حالكم؟ كيف أهلكم؟ جاءكم أمطار؟ أما أن تسكت، وتضرب عن الكلام لهذه المصيبة التي ألمت بك، فلن يفاتحك وسوف يستأذن منك، أو يتوب فلا يعود لك مرة ثانية. أحادث ضيفي قبل إنزال رحله ويخصب عندي والمكان جديب وما الخصب للأضياف أن يكثر القرى ولكنما وجه الكريم خصيب فقال: من الرجل؟ قال: أبو ذر، قال: ممن؟ قال: من غفار، فتبسم ﵊ تبسم الطموح للمستقبل، والنظر إلى هذا الرجل وإلى هذه الأمة، يحاصر في مكة لا جندي ولا حارس، ولا معه مؤيدون، معه شيخ هو أبو بكر، ومعه غلام هو علي، ومعه مولى هو زيد بن حارثة، ومعه امرأته خديجة وهؤلاء أربعة هم حصيلة الدعوة، وينزل عليه وهو على الصفا ﴿ الجواب =٦٠٠٢٥٨٩> وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء:١٠٧] فيضحك كفار قريش، ويبتسم بعضهم إلى بعض، قالوا: رحمة للعالمين وهو ما استطاع أن يمنع نفسه! ولكن والله اجتاحهم، وبعد عشر سنوات أو أكثر دخل والسيف بيده، وهو يقول: جاء الحق وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقاً، فنكس الأصنام وفتح الدنيا: ﴿إِِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحاً مُبِيناً * لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَيَهْدِيَكَ صِرَاطاً مُسْتَقِيماً﴾ [الفتح:١ - ٢]. قال ﷺ : ممن الرجل؟ قال: من غفار، فتبسم ﷺ ، ونظر في السماء، وكفار قريش يلحدون عند البيت، سامراً يهجرون، يشربون الخمر عند الحجر الأسود، يكفرون بالله، يحاربون لا إله إلا الله، ويأتي هذا من غفار سلبة الحجاج، وسرقة العرب، يأتي ليسلم، قال ﷺ وهو يتلفت: إن الله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم، ثم قال أبو ذر: من أنت؟ قال: أنا رسول الله قال: من أرسلك؟ قال: الله، قال: إلى من أرسلك؟ قال: إلى الناس، قال: بماذا أرسلك؟ انظر الأسئلة الحية الرائعة البديعة، لم يسأله عن نسبه، ولا متى ولد، ولا بطاقتك الشخصية لو سمحت، ولا متى تزوجت، ولا كم عندك من طفل، أربعة أسئلة: من أنت؟ رسول الله. من أرسلك؟ الله. إلى من أرسلك؟ إلى الناس. وبماذا أرسلك؟ بأن يعبد الله وحده، ولا يشرك به شيء. قال: أسمعني من هذا الكلام الذي عندك -هذه العرب أمة ذكية تحفظ الشعر، تعرف الخطب، يعرفون السحر والكهانة، يعرفون كل شيء- قال: أسمعني من الكلام الذي عندك، فابتدأ ﷺ ينطلق، وأتى عليه بسورة، وهي مختلفة عند أهل العلم، منهم من يقول: إنه ابتدأ يرتل عليه بصوته الجميل الأخَّاذ، وإذا كان المرتل ﵊ هو الرسول فكفى به: ﴿ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ * بَلْ عَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ فَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا شَيْءٌ عَجِيبٌ﴾ [ق:١ - ٢]. أبو ذر يعزف الكلام فيدخل في قلبه، ويطارد نفسه، ويدخل في كل ذرة من جسمه، ووصل النور إلى عقله، ويستمر ﷺ ، فيقول: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أنك رسول الله، فتهلل وجهه ﷺ . وقال أبو ذر: والله لأقومن منادياً بها عند الصفا، قال ﷺ : لا تقم؛ لأنه يخاف عليه فهم متهيئون حول الحرم، لكنه قام وقال: يا معشر قريش، أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله. فما انتهى من كلامه إلا وهم يطوقونه، فضربوه حتى أصبح مبطوحاً في الأرض، هذه هي النتيجة، لكن في سبيل الله، وإذا دمه يسيل، وأغمي عليه، ورش بالماء، قال العباس لكفار قريش: ويلكم، هذا من غفار وهم على طريق التجارة إلى الشام، بإمكانه وقومه أن يعطلوا قافلتكم، فتورعوا خوفاً من الحصار الاقتصادي، ومن الحظر البحري الذي تعرفونه، وتوقفوا، ولما توقفوا رجع أبو ذر، فعاد إلى غفار، فجمع قومه، وكان شديداً في ذات الله، قوياً، متحمساً، مندفعاً، عنده عاطفة جياشة، أحياناً تنضبط، وأحياناً لا تنضبط، فجمع امرأته قال: جسمي من جسمك حرام، وهدمي من هدمك حرام، ودمي من دمك حرام، حتى تؤمني بالله، قالت: كيف أومن؟ فعلمها، فآمنت، وعلم أهله، فآمنوا، وجمع قومه تحت شجرة كبيرة، فأخبرهم بهذا فآمنوا جميعاً، ثم أتى بموكب من النور، شق الظلام كمثل السلسل الجاري، يمر بهم إلى المدينة، وقد انتقل ﷺ بدعوته، وكون العاصمة إلى المدينة، يرسل النور من المدينة حياً على هواء المحبين مباشرة، فحياه ﷺ ورحب به.

стр. 270

موقف الصحابة من أبي ذر عندما وصل إلى المدينة يقول خالد محمد خالد: قام الصحابة يظنون أن هناك جيشاً يريد أن يغزو المدينة، الغبار في السماء، وهي قبيلة غفار أتى يقودها أبو ذر ليدخلوا في الدين. ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ * وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجاً * فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّاباً﴾ [النصر:١ - ٣]. قام ﷺ ، وقام الصحابة بعضهم خاف وفزع، وبعضهم لبس السلاح. حياه ﵊، وكان بعض أهل السير، يقول: كان أبو ذر يلتفت إلى الرسول ﷺ وعيونه تدمع، ويقول: عرفتني يا رسول الله؟ قال: نعم عرفتك؛ لأنه لم يلتق به إلا لقاءً واحداً عرف فيه الدين. قال: نعم عرفتك، وماله لا يعرف محبيه؟! وماله لا يعرف تلاميذه ﵊؟! المصلحون أصابع جمعت يداً هي أنت بل أنت اليد البيضاء أتطلبون من المختار معجزة يكفيه شعبٌ من الأموات أحياه

стр. 271

من مواقف أبي ذر ويدخل أبو ذر الدين، وله مواقف أذكر بعضها:

стр. 272

أبو ذر والحديث أعظم حديث لأهل الشام يرويه أبو ذر، وما أعلم في الأحاديث النبوية أكثر تأثيراً من هذا الحديث، رواه مسلم والإمام أحمد والترمذي، وهو قوله ﵊: ﴿يقول الله : يا عبادي! إني حرمت على نفسي الظلم وجعلته بينكم محرماً فلا تظالموا، يا عبادي! إنكم تذنبون بالليل والنهار، وأنا أغفر الذنوب جميعاً، فاستغفروني أغفر لكم، يا عبادي! كلكم جائع إلا من أطعمته، فاستطعموني أطعمكم، يا عبادي! كلكم عارٍ إلا من كسوته، فاستكسوني أكسكم، يا عبادي! إنكم تذنبون بالليل والنهار، وأنا أغفر الذنوب جميعاً، فاستغفروني أغفر لكم، يا عبادي! إنكم لن تبلغوا ضري فتضروني، ولن تبلغوا نفعي فتنفعوني، يا عبادي! لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أتقى قلب رجل واحد منكم، ما زاد ذلك في ملكي شيئاً، يا عبادي! لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أفجر قلب رجل واحد ما نقص ذلك من ملكي شيئاً، يا عبادي! لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم قاموا في صعيد واحد، فسألوني فأعطيت كل واحد مسألته؛ ما نقص ذلك مما عندي إلا كما ينقص المخيط إذا أدخل البحر، يا عبادي إنما هي أعمالكم أحصيها لكم ثم أوفيكم إياها، فمن وجد خيراً فليحمد الله، ومن وجد غير ذلك، فلا يلومن إلا نفسه﴾ يكفينا شرفاً أن راوي هذا الحديث أبو ذر، كان إذا حدث يقوم على ركبه، من جلالة الحديث، هذا الحديث حديث قدسي رائع يصل إلى القلوب، وكان الراوي عنه أبو مسلم الخولاني، أو أبو إدريس وهو الصحيح؛ يجثو على ركبتيه إذا أراد أن يحدث. قال الإمام أحمد: ليس لأهل الشام أشرف من هذا الحديث، حديث شريف عظيم، يرويه أبو ذر للناس، وكان إذا أراد أن يستفتح خطبته يقوم على ركبه , ويذكره للناس، ويرسله للقلوب، ويحيي به الأرواح.

стр. 273

أبو ذر وبلال هناك قصة وقعت لـ أبي ذر مع بلال: جلس الصحابة يتشاورون، وقائدهم خالد بن الوليد في معركة، فتكلم بلال ﵁ وتعرفون أنه أسود، لكنه منادي السماء، بلال حبيبنا، وكان عمر يقول: [[أبو بكر سيدنا وأعتق سيدنا]] يعني بلالاً الذي رفع الصوت الخالد الله أكبر الله أكبر، والله جعله سيداً من السادات، وله قصر في الجنة، فتكلم أبو ذر فقاطعة بلال، فقال أبو ذر: تقاطعني يابن السوداء، سبحان الله! هل ضل فكره؟ هل ضاع عقله ﵁؟ لماذا هذا الكلام؟ وهل الله يحاسب الناس على الألوان؟ وهل عندنا تمييز عنصري؟ وهل نحن نعود إلى الأنساب؟ وأقول عند هذه المسألة كلمة هي كلمة أهل العلم، وهي ما يوافق كتاب الله وسنة رسول الله ﷺ : إن الطبقية حرام في المجتمع، وإنها تخالف الكتاب والسنة، قضية قبيلي وغير قبيلي، قضية الذين يقولون: هذا خط كذا، وهذا خط كذا، هؤلاء يتزوجون من هؤلاء، وهؤلاء لا يتزوجون من هؤلاء؛ هذا حرام ومنكر، وهذه الطبقية مما يخدش وجه ديننا، وهي تزري بنا أمام الأمم، وأمام الشعوب، وأمام الدول الأخرى، وأمام الديانات، وهذه موجودة في المناطق عندنا كأن الناس مجمعون عليها وراضون بها، وصنفوا الأسر، أسرة قبيلة، وأسرة غير قبيلة، موالي وأشراف، ويسمونها بالمفهوم الساذج الرخيص الحقير: هذا خط مائة وعشرة، وهذا خط مائتين وعشرين، والله تعالى يقول: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات:١٣] ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً﴾ [النساء:١]. بلال هذا تزوج أخت عبد الرحمن بن عوف " هالة " ﵂، والشرف لـ عبد الرحمن بن عوف، ويقول عمر: وددت أني زوجت بلالاً إحدى بناتي -لله درك يا فاروق الدنيا، ويا فاروق التاريخ- يقول: ما زال في قلبي حسرة، وودت أني تشرفت وزوجت هذا الرجل العظيم، صاحب التاريخ الأجل. يقول خالد محمد خالد: بلال يعرفه مسلمو الصين، ومسلمو اليابان , ومسلمو السودان، ومسلمو العراق والمغرب، وكل مسلم على وجه الأرض، الأطفال يعرفون بلالاً، فيقول: يا بن السوداء، قال بلال: والله لأرفعنك إلى رسول الله ﵊ لماذا؟ ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُوا﴾ [آل عمران:١٠٣] ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ [الحجرات:١٠] ﴿المسلم أخو المسلم لا يظلمه، ولا يخذله، ولا يحقره﴾ لماذا انتهاك الأعراض؟ لماذا ذكر الألوان؟ أنحن في جنوب أفريقيا أو في إسرائيل؟ نحن في المدينة، فذهب إلى الرسول ﵊ وأخبره، فامتقع وجهه ﵊، واحمر وتأثر كثيراً، ودخل أبو ذر وهو خائف، دخل يسلم على الرسول ﵊، قال: فسلمت عليه، فوالله ما علمت هل رد علي السلام أم لا من الغضب، والتفت إليه ﷺ مؤنباً ومؤدباً وغضوباً، قال: ﴿أعيرته بأمه؟ إنك امروءٌ فيك جاهلية﴾ أي: بقي فيك رواسب من الجاهلية، فهو ﷺ يقول بلسان الحال: أنا أتيت لأطمس الجاهلية، أتيت أمحو هذه الوثنية وهذا التخلف، أتيت لأقصم رأس الرجعية، أتيت أنور العقول، وأحرر الأبدان والأفكار، أتيت أدعو إلى تحرير الإنسان، وإخاء الإنسان مع الإنسان، لا طبقية، ولا تمييز عنصري، ولا دم ولا لغة ولا لون، أتيت بلافتة لا إله إلا الله، فـ بلال يدخل الجنة، وأبو جهل سيد قريش يدخل النار، وصهيب الرومي المولى يدخل الجنة، وفرعون في النار، فلا فخر. إذا افتخرت بآباء لهم شرف نعم صدقت ولكن بئسما ولدوا فندم أبو ذر وبكى، وقال: يا رسول الله، أعلى كبر سني؟ أي أفي جاهلية على كبر سني؟ قال: نعم، ثم خرج أبو ذر، فمر بلال، فوضع أبو ذر رأسه على التراب، وقال: لا أرفع رأسي حتى تطأه بقدمك؛ أنت الكريم، فبكى بلال واحتضن أبا ذر من فوق التراب وعانقه وتباكيا، وقال: والله، لا أطؤك برجلي. إذا اقتتلت يوماً ففاضت دماؤها تذكرت القربى ففاضت دموعها ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقاً مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ يَرُدُّوكُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ * ﴿وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنْتُمْ تُتْلَى عَلَيْكُمْ آيَاتُ اللَّهِ وَفِيكُمْ رَسُولُهُ وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [آل عمران:١٠٠ - ١٠١] اسمع لـ أبي تمام، شاعر الإبداع، يقول في الإخاء: إن كيد مطرف الإخاء فإننا نغدو ونسري في إخاء تالد أو يختلف ماء الوصال فماؤنا عذب تحدر من غمام واحد ما هناك سوداني ومصري وسعودي ويمني وكويتي ومغربي وباكستاني، لا، فما دمنا رفعنا لا إله إلا الله، ولافتة "إياك نعبد وإياك نستعين" فكلنا سواسية، وأعظمنا المتقي. أو يختلف ماء الوصال فماؤنا عذب تحدر من غمام واحد أو يفترق نسب يؤلف بيننا دين أقمناه مقام الوالد

стр. 274

أبو ذر والإمارة ويصلح أبو ذر ﵁، وتستمر به الحياة، ويولي الرسول ﵊ بعض الصحابة الإمارة والمنصب، وبعض الناس ولو كان صالحاً لو رعى شاتين ضيعها، حتى الدبابيس ربما تضيع من مكتبه، ويقول عمر: [[اللهم إني أشكو إليك جلد الفاجر، وعجز الثقة]]. فلابد مع الصلاح من القوة والفهم والإدراك، فالرسول ﷺ كان يعين الناس حسب طاقاتهم فهو الذي ربى الصحابة، ويعرف أين يصلح كل واحد منهم، فهذا خالد بن الوليد لو جعله ﷺ فرضياً فلن يعرف كيف يقسم ما سمعنا أن خالد بن الوليد يقسم الفرائض، فهو لا يعرف نصيب الجدة ولا الخالة ولا العمة، هو لا يعرف إلا قطع الرءوس، وزيد يقسم للموتى. إذا قطع الرأس يقول: خالد: أنتم تصرفوا في الميراث، أنا علي أقطع لكم الرءوس، وأنتم تصرفوا في المواريث حفظكم الله، فهو رئيس قسم الجهاد، وهو متخصص في ضرب الأعناق في سبيل الله. تسعون معركة مرت محجلة من بعد عشر بنان الفتح يحصيها وخالد في سبيل الله مشعلها وخالد في سبيل الله مذكيها ما نازل الفرس إلا خاب نازلهم ولا رمى الروم إلا طاش راميها هذا خالد. حسان بن ثابت، ماذا يجيد؟ هو لا يفسر القرآن، لكن عنده قوافي، فهو في قسم الأدب، يدخل الجنة بالأدب، يقرب إليه ﷺ المنبر، يقول: ﴿اهجهم وروح القدس معك﴾. زيد بن ثابت ﴿أفرضكم زيد﴾ ﴿معاذ: أعلم أمتي بالحلال والحرام﴾ أبي ﴿أقرأ أمتي أبي﴾ سيد القراء أبي، هكذا التخصصات، هذا يجب أن يعيه المربون والأساتذة، لا تجعل طالباً خطيباً، وهو لا يستطيع أن يقول كلمتين، فلما رأى أبو ذر رسول الله ﷺ يولي بعض الصحابة ولا يوليه ظن أن الأمر حسب الأفضلية، فذهب إلى الرسول ﷺ ، قال: يا رسول الله، وليت فلاناً، ووليت فلاناً، أريد أن توليني، أي يريد مرسوماً في الصباح يصدر مبكراً أنه: قد وليناه كذا وكذا، فتبسم ﷺ ، فهو يعرف الطاقات، ويعرف الاستعدادات، ويعرف الناس، ونعرف أن أبا ذر أمين وصادق، لكن المسألة يراد لها تخصصات، فتبسم ﷺ وضرب على كتفه، قال: ﴿إنك امرؤ ضعيف، وإنها أمانة، وإنها خزي وندامة يوم القيامة، فنعمت المرضعة، وبئست الفاطمة﴾. هذه الإمارة دائماً: (نعمت المرضعة، وبئست الفاطمة) كيف؟ أول ما يتولى الإنسان، وأول ما يأتيه مرسوم التعيين، يكون في عيد، والحارات تشتبك باللمبات الكهربائية، والبرقيات: (نهنئكم بمنصبكم الجديد، فسيروا على بركة الله باليمن والمسرات) وبعد سنة يأتي مرسوم العزل، فيجلس يبكي في غرفة، والوالدة في غرفة، وزوجته في غرفة، والأطفال في غرفة والأصدقاء تفرقوا، بئست الفاطمة، هذه مناصب الدنيا، لأن الذي يؤتيها بشر، وينزعها بشر، لكن الله إذا آتى الإنسان لا ينزعه إلا هو. يقول إبراهيم بن أدهم: إنا في عيش لو علم به الملوك لجالدونا عليه بالسيوف. كان إبراهيم بن أدهم ينام على الرصيف، لكن عنده إيمان وقوة واتصال بالله ، مثلما فعل ابن تيمية: يوم دخل على ابن قطلوبك -السلطان السلجوقي- قال: أعلن الجهاد، وكان سلطاناً مسلماً لكن يشرب الخمر، اجتاح التتار العالم الإسلامي فدخل ابن تيمية على السلطان السلجوقي، يقول له: أعلن الجهاد الآن. قال: والله لتعلننَّ الجهاد، قاتلهم بالسيوف الشرعية المحمدية، أعلن الجهاد. قال: يهزموننا. قال: والله لننتصرن. قال: قل إن شاء الله. قال: إن شاء الله تحقيقاً لا تعليقاً. قال: يـ ابن تيمية سامحنا وددنا لو زرناك في بيتك. قال: دعنا من كدراتك يـ ابن قطلوبك، كان موسى يزور فرعون في اليوم مراراً، ثم قال: سمعنا أنك تريد ملكنا، فضحك ابن تيمية وقال: ملكك؟! قال: نعم. قال: والله ما ملكك وملك أجدادك يساوي عندي فلساً، إني أريد جنة عرضها السماوات والأرض. خذوا كل دنياكم واتركوا لي فؤادي حراً طليقاً غريبا فإني أعظمكم ثروة وإن خلتموني وحيداً سليبا الشاهد أن الرسول ﷺ ما ولاه منصباً، وقال له: أنت ضعيف. قالوا: ضعيف الرأي ﵁، قد يكون الإنسان صالحاً، لكن تختلط عليه الأمور، أحياناً قد تغيب من مكتبك وتأتي بأحد الموظفين، وإن كان صالحاً يصوم ثلاثة من كل شهر، يصلي الضحى، لكن يضيع عليك المعاملات، يجعلها حيص بيص وهو صالح، لكن الأمور لابد أن تعطى إلى أهلها الذين يدركونها، وهذا أمر معلوم في سيرة الرسول ﷺ . في نص الحديث عند مسلم وأحمد: ﴿يا أبا ذر، إني أراك ضعيفاً، وإني أحب لك ما أحب لنفسي، لا تأمرن على اثنين، ولا تولين مال يتيم﴾. كان أبو ذر حتى في الإمامة لا يتقدم، يقول: لا يتولى على اثنين، وما كان يتولى في السفر، يكره الإمارة؛ لأنها كُلفة ولأنها تكثر أوجاع الرأس، ولأنها حمل للمغرم. كان عمر بن عبد العزيز وهو أمير المؤمنين لا ينام بعض الليالي، فتقول زوجته فاطمة: لم لا تنام يا أمير المؤمنين؟ قال: كيف أنام وأمة محمد في ﵊ في عنقي. أي ففيهم الفقير، والمسكين، والأرملة، والمحتاج فكيف أنام والله يسألني يوم القيامة عنهم؟ وكان عمر يبكي ويقول: يا ليت أمي لم تلدني، يا ليتني كنت شجرة، يا ليتني ما عرفت الحياة، يا ليتني ما توليت الخلافة. وعند أحمد في المسند: ﴿ما من والٍ يلي إلا غُل يوم القيامة، فإن عدل أطلق، وإن لم يعدل دهده على وجهه في النار﴾ فالرسول ﷺ حذر أبا ذر بأنه لا يصلح لهذا ونهاه , وأبعده عن هذا، فرضي الله عنه وأرضاه.

стр. 275

شخصية أبي ذر عند رسول الله ﷺ أبو ذر يقول: ﴿بايعني رسول الله ﷺ خمساً -يعني خمس بيعات- وواثقني سبعاً، وأشهد الله علي تسعاً، ألا أخاف في الله لومة لائم﴾ رواه أحمد بسند جيد. ولذلك كان يقول الحق، وأحياناً يكاد رأسه أن يطير، لكن مثلما يقول الشعر النبطي: في سوق جاتك ما هي في سوق هونا فهو من الله على بصيرة، فقد بايع على ذلك. يذهب في دمشق ينهى عن المنكر يذهب في عهد عثمان فيرى أهل الأموال: فيتكلم معهم، ما يقف موقفاً إلا ويتكلم، لأنه دائماً يقول: ألا أخاف في الله لومة لائم، ويقول: أتيت رسول الله ﷺ في المسجد، فجلست إليه، فقال: أصليت؟ قلت: لا، فقام فصلى، ثم جلس مع الرسول ﷺ . وفي الرواية الأخرى أنه قال: دخلت على رسول الله ﷺ ، أو دخل علي رسول الله ﷺ ، فوجدني منجدلاً في المسجد، وهذا عند أحمد والطبراني وفيه شهر بن حوشب، وهو ضعيف، فقال: فاستويت جالساً، فقال ﷺ : أتنام في المسجد؟ -وهو جائز النوم في المسجد، لكن يسأله ﷺ : هل أنت دائماً تنام هنا في المسجد- قال: يا رسول الله! وهل لي بيت غير المسجد؟! يقول: أين أنام -لا فندق ولا بيت- يقول: كيف بك إذا أخرجوك من المسجد؟ -يخبره عن المستقبل- يقول: كيف بك أنت إذا مر يوم يقول: اخرج من المدينة؟ قال: يا رسول الله، أخرج إلى الشام أرض الغزو وأرض الأنبياء، وبيت المقدس، قال: فكيف إذا أخرجوك من الشام؟ قال: أعود إلى هذا المسجد. قال: كيف إذا أخرجوك من المدينة؟ آخذ سيفي فأقاتلهم، فتبسم ﵊، قال: لا. تصبر وتحتسب، قال: فأنا صابر محتسب، وأتى ما أخبر به ﷺ .

стр. 276

أبو ذر في خلافة عثمان تولى عثمان ﵁، وقام أبو ذر يناشد الناس بألا يدخروا الأموال، وهو رأي خطأ، وكلما أتى إلى مجلس في المسجد صاح فيه، وصاح في التجار، وفي السوق، فأراد عثمان ﵁ أن يسيره للشام ليْعلِّم الناس، ولتهدأ المدينة نسبياً، فذهب إلى الشام، فجلس في المجالس في الشام يقول: لا تكنزوا، وكلما رأى منكراً عدا عليه، وعنده سكين كلما رأى جرة خمر في دمشق شقها، وكلما رأى نصرانياً لا يتقيد بأحكام الإسلام ضربه، فكتب معاوية إلى عثمان: إن كان لك حاجة في الشام، فخذ أبا ذر إليك، فكتب عثمان إلى أبي ذر أن تعال. فأتى فدخل على عثمان، فلما أجلسه شاوره الصحابة، فقال أبو ذر: يا أمير المؤمنين -يقصد عثمان - إن الرسول ﷺ قال لي: ﴿إذا بلغ البناء سلعاً، فاخرج منها﴾ سلع جبل في المدينة - يقول: إذا امتدت البيوت والسكنى إلى سلع فاخرج من المدينة، قد تغير الحال، حتى تبقى صافياً نقياً طاهراً، وأنا خارج، قال: اذهب، فأخذ غنمه، وأخذ خيمته، وأخذ زوجته، وذهب إلى الربذة على ثلاثة أميال من المدينة، فنصب خيمته هناك. لوحوا بالكنوز راموا محالاً وأروني تلك الدنانير ملسا كلها لا أريد فكوا عناني أطلقوا مهجتي فرأسي أقسى واتركوني أذوب في كل قلبٍ أغرس الحب في حناياه غرسا أجتلي كل روضةٍ بدموعي وأبث الأزهار في الروض همسا هذه خيمتي وهذا نشيدي ونشيدي الرياح لحناً وهمسا إلى آخر ما قال. ذهب إلى الربذة وكان يأتي عند الجمرات في الحج فيعظ الناس، فيقول له أحد الناس: لا تتكلم، أمير المؤمنين ينهاك، فيقول أبو ذر، وهي في صحيح البخاري: [[أأنت رقيب علي؟! والله لو وضعتم الصمصام على هذه وظننت أني أنفذ كلمة سمعتها من رسول الله ﷺ قبل أن تجهزوا على لأنقذتها]] يقول: والله لو وضعتم السيف على هذه، وبقي عندي كلمة من الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر لأطلقتها، يقول: لا تخوفني بالموت؛ لأن الرسول ﷺ بايعه ألا يخاف في الله لومة لائم، وجلس في الربذة، وكان يزوره الصحابة هناك، وكان يأتي أحياناً يحضر صلاة الجمعة أحياناً، وأحياناً يزور عثمان. وعند الذهبي في السير أن ابن عباس كان حارساً على باب عثمان ﵁، فإذا أبو ذر يستأذن، وكان الناس يخافون من أبي ذر فهو ساطٍ قوي حار. فطرق الباب، فقال: من؟ قال: أبو ذر. قال ابن عباس لـ عثمان، والصحابة جلوس: أبو ذر يستأذن، قال: ائذن له إن شئت أن تحزننا هذه الليلة، وتهممنا وتبرح بنا، وهذه موجود في السير، يقول: إن شئت أن تدخل علينا الهم هذا اليوم، لأن هناك تجاراً جالسون، وسوف يهاجمهم، وهناك أناس ما عدلوا سوف يخاصمهم، وهو يعطي كل إنسان حقه، قال: إن شئت أن تهممنا هذا اليوم فائذن له، لكن الله المستعان يرد أبا ذر، ائذن له، فدخل ومعه العصا. - سلام عليكم. - وعليكم السلام. - تفضل. - جلس، سكت المجلس، وبدأ عثمان ﵁ يتكلم في مسألة فرضية مالها علاقة بالتجارة ولا بالصناعة ولا بالزراعة ولا بالبلديات، قال: ما رأيك يا كعب -هذا كعب الأحبار يقسم فرائض- ما رأيك يا كعب في عبد الرحمن بن عوف ﵁ وأرضاه، مات وترك مالاً، ما رأيك في هذا المال؟ أتى كعب الآن يقسم، وهو صحيح، قال: تقضى ديونه، وتقسم في ورثته، فقام أبو ذر: فضربه في رأسه -هكذا في السير، وهي والله موجودة بنصها في السير المجلد الثاني- فضربه في رأسه بالعصا، قال: تضلل الناس، لا بل يوزعه في الناس. على مبدأ الاشتراكية، وأجله الله، وأعزه الله عن الاشتراكية، ورفعه الله وكرمه. لكن دخل منها استالين فيقول: لا بل يوزع كله، قال عثمان: هذا ما تحرينا منك منذ اليوم، يعني هذا الذي انتظرناك، وبدأ يحاج ﵁، ويقول: كذا وكذا وكذا، كلما تكلم أحد قام أبو ذر، يرد عليه، وفي الأخير هدأ عثمان ﵁ المسألة.

стр. 277

موت أبي ذر ﵁ ثم عاد إلى الربذة، وأتاه الموت: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ﴾ [العنكبوت:٥٧]. لكنه كان صافياً لم يتعلق من الدنيا بشيء، ما تولى إمارة ولا جمع مالاً، ولا عنده ذهب ولا كنوز، مثلما أخبرتكم هذا رأس المال عنده، وأتته سكرات الموت، فبكت امرأته، قالت: يا أبا ذر: بعد صحبة الرسول ﵊ وصحبتك لـ أبي بكر وعمر تموت وحدك في الصحراء، فالتفت إليها، قال: لا عليك، أن أموت وحدي، إن الرسول ﷺ أخبر أني أموت في الصحراء، وسوف يشهدني عصابة من المؤمنين، وهذا أمر الله، ثم أوصى وودع الحياة باسماً راضياً عن الله، وهو يحمل المنهج الرباني: ﴿يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ * ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً * فَادْخُلِي فِي عِبَادِي * وَادْخُلِي جَنَّتِي﴾ [الفجر:٢٧ - ٣٠]. وفي حديث الرسول ﵊ يقول: ﴿رحمك الله يا أبا ذر تعيش وحدك، وتموت وحدك، وتبعث وحدك﴾ وذكر ابن حجر هذا الحديث في الإصابة ورواه البخاري في الكبير وغيره، ولكنه ضعيف، لأن في سنده بريدة بن سفيان ضعفه أهل العلم. وسياق الحديث أن أبا ذر ﵁ تخلف في معركة تبوك، وأتى إلى الرسول ﷺ ، وهو يحمل متاعه وحده، قال: ﴿رحم الله أبا ذر، يعيش وحده ويموت وحده ويبعث وحده﴾ أو كما قال ﷺ ، والحديث كما قلت ضعيف. مات وحده في الصحراء، وأتاه عصابة من المؤمنين، يقول الذهبي وأمثاله: كان منهم ابن مسعود، فلما مات وغسل وطيب وكفن وضعه أهله على قارعة الطريق، وأتى ابن مسعود من العراق يريد المدينة، فرأى الجنازة على الطريق، فأخذ يولول ويبكي، ويقول: واحبيباه! ووا أبا ذراه! ثم قال: صدق حبيبي ﷺ : تموت وحدك، وتعيش وحدك، وتبعث وحدك. شيعوه، وصلوا عليه، ودعوا له، وذهب إلى الله، ولكنه بقي في أرواحنا، وبقي في قلوبنا، وبقي في تاريخنا، بزهده، بصدقه مع الله، بإخلاصه في الدعوة، بجهره بالحق، بأمره بالمعروف ونهيه عن المنكر، بحمله للقرآن، بتشرفه بحمله للسنة، بثباته، بصبره، بكل خصلة جميلة. إنه قدوة للجيل، إنه أستاذ في هذا الفن، ولعله يكون كتاب فيه يتكلم عن نظرياته في الاقتصاد، وفي العلم، وفي الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، وفي الحياة والتربية، غفر الله له، وجمعنا به، وسلام عليه يوم أسلم، وسلام عليه يوم جاهد، ويوم مات، ويوم يبعث حياً.

стр. 278

الأسئلة الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.

стр. 279

سبب تكنيته بأبي ذر السؤال ما سبب تكنيته بـ أبي ذر؟ الجواب لا ندري والله: ﴿وَمَا كُنَّا لِلْغَيْبِ حَافِظِينَ * وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيهَا وَالْعِيرَ الَّتِي أَقْبَلْنَا فِيهَا وَإِنَّا لَصَادِقُونَ﴾ [يوسف:٨١ - ٨٢].

стр. 280

اسم زوجة أبي ذر السؤال من هي زوجة أبي ذر؟ الجواب هي أم ذر.

стр. 281

تولي أبي ذر الإمارة السؤال هل تولى أبو ذر ﵁ الإمارة؟ الجواب لا، أخبرناك أنه ما تولى، وأن الرسول ﷺ لم يوله.

стр. 282

الشيخ حافظ الحكمي في سطور السؤال نريد نبذة عن الشيخ الحكمي؟ الجواب من العلماء الفضلاء، وعسى أن يكون هناك فرصة لأتكلم في سلسلة علمائنا، وأتكلم عنه بإذن الله، ﵀، وأسكنه فسيح الجنات.

стр. 283

الصحابة هم القدوة السؤال لماذا تركز على الصحابة في المحاضرات؟ الجواب لأنهم صحابة، أصحاب الرسول ﷺ لنتعلم منهم: الأدب، والحكمة، والعلم، والتربية، لنعيش معهم، والمرء يحشر مع من أحب، أتريد أن أتكلم عن هتلر أو استالين أو لينين!

стр. 284

فهم الزهد عند البعض خاطئ السؤال تكلمت عن الزهد، فتاقت أنفسنا إلى ذلك، ولكن نظام حياتنا يمنعنا من ذلك فما هو العمل لذلك؟ الجواب ظهر لي أنه تقصد أن العصر متطور، وأن الزهد قد لا يتحقق مثل زهد أبي ذر، وهذا صحيح، والزهد كلمة نسبية، وأحسن من عرف الزهد هو ابن تيمية قال: الزهد ترك ما لا ينفع في الآخرة، أما ما ينفع فلا تزهد فيه، هل تظن أني أريد منك في هذا التطور المادي: البنايات، الكهرباء، الماء، الهاتف، أطلب منك أن تذهب إلى الصحراء وتسكن في خيمة أو بيت من طين، وإذا ركب الناس سيارات، كذلك أن تركب حماراً، لكنك تعيش بزهد لا يعطلك عن الآخرة، وإلا فاسكن في عمارة، وخذ ماء وكهرباء. وسمعنا أن أناساً عندهم سوء فهم للزهد في بعض المناطق، يقولون: هذه كلها جاءت من الكفار، وهي محرمة، فسكنوا في بيوت طين، وهذا أمر معلوم، أنا لا أنقله عن فراغ، سكنوا في بيوت طين، وحتى طريقة النوافذ لم تكن مثل نوافذنا، والكهرباء ما دخلت إليهم، عندهم فوانيس بدل من هذه اللمبات، إلا أحدهم أخذ ماسورة مرة، ووصل ماء بالصنبور إلى داخل البيت، فقال له أحد الشباب: هذه الماسورة صنعها الكفار، نرى أن تتركها، قال: للضرورة، قال: خذ الكهرباء للضرورة والسيارة للضرورة، فالمقصد أنا لا أطالب بهذا، ولكن يعيش الإنسان بنسبية عصره، ويكون زاهداً فإننا نعرف بعض الناس عنده عشرة أثواب، يفطر في ثوب، ويتغدى في ثوب، والنوم في ثوب، والنهار في ثوب، وكثرة سيارات، وكثرة شهوات، وما عنده من علم الله، ولا من الفقه في دين الله، ولا من الخوف من الله ولو ذرة.

стр. 285

تخصيص درس لشخصية رسول الله ﷺ السؤال أوقفتنا أمام الذكريات، فأين شخصية الرسول ﵊، أبو الذكريات، وقدوة السالكين ﷺ ، نرجو أن تخصص له محاضرة؟ الجواب نشير إلى التنوفة وهي قفرٌ ومن بالسفح يعرف من عنينا هؤلاء الذين أتحدث لكم عنهم إنما هم قطرات من بحره ﷺ ، أنا تحدثت الليلة عن أبي ذر، لكني أتحدث عن الرسول ﷺ ، وتحدثت عن عمر، وتحدثت عن الرسول ﷺ ، القرآن يتحدث عنه والسنة ومرت خطب ومحاضرات- الله أعلم بها- كثرة كاثرة، هل سمعتم قصة لم تربط بالرسول ﷺ ؟ هل سمعتم تعليماً ما كان المؤثر الأول فيه الرسول ﷺ بعد الله؟ هل سمعتم أدباً، أو خطأ لم ينبه عليه الرسول ﷺ ؟ بلى، فجلوسنا مع الصحابة هو جلوس مع الرسول ﷺ .
следующие страницы →