← Джавами‘

Джавами‘ · id 7708

دروس الشيخ عائض القرني

عائض القرني

Полный текст (10 391 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

قاصمتا أهل الساحل وأصيب هؤلاء المساكين في تهامة الساحل والبادية بخيبتين وقاصمتين: قاصمة فقر العلم والعلماء والدعاة، وقاصمة فقر المال من الأغنياء والتجار، والله يقول عن بني إسرائيل: ﴿الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ وَيَكْتُمُونَ مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [النساء:٣٧] فهذا بخل بالعلم وبخل بالمال، وأمامي هنا طلبة علم وأغنياء وتجار، فطلبة العلم أمامهم أمانة من الله أن يذهبوا بعلمهم ليعلموا هؤلاء، والله إن فيهم من لا يحسن قراءة الفاتحة، ومنهم من لا يعرف الغسل من الجنابة، فاجتمع عليهم فقر الدين وفقر الدنيا، وهي مسئوليتنا نحن. نعم، من عنده زكاة، وعنده صدقة، ومن أراد أن يرفع هذا الفقر، وهذا الضيم عن هذه القرى، وعن هذا الساحل، وعن البادية فليذهب، لينفق أمواله ليجدها عند الله.

стр. 212

عاقبة تكديس الأموال ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ﴾ [التوبة:٣٤] ويدخل فيهم أهل الشركات وأهل الملايين ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ * يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هَذَا مَا كَنَزْتُمْ لانْفُسِكُمْ فَذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَكْنِزُونَ﴾ [التوبة:٣٤ - ٣٥] ذوقوا هذا كنزكم، هذه ملايينكم، رأيتم الفقراء، ورأيتم الأمة الضائعة، ورأيتم المحتاجين فما رفعتم ضيماً، هذا كنزكم، هذا ما كنتم تكنزون. يقول ﵊ في صحيح مسلم: ﴿والذي نفسي بيده ما من صاحب ذهب ولا فضة لا يؤدي زكاته إلا إذا كان يوم القيامة صفحت صفائح، فتكوى بالنار، فيكوى بها جبينه وجنبه وظهره ﴿فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ﴾ [المعارج:٤] حتى يقضى بين الناس فيرى سبيله هل إلى جنة أو إلى نار، ووالذي نفسي بيده ما من صاحب إبل لا يؤدي زكاتها إلا إذا كانت يوم القيامة صففت بصفصف قرقر، فبطح هو -صاحب الإبل يبطح- ثم تأتي عليه فتطؤه بأخفافها، وتعضه بأفواهها، كلما انتهى أولها ردت على آخرها ﴿فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ﴾ [المعارج:٤] حتى يقضى بين الناس، والذي نفسي بيده ما من صاحب بقر ولا غنم لا يؤدي زكاتها إلا إذا كان يوم القيامة بطحت له بقاع قرقر، فبطح هو، ثم أتت ليس فيها عطفاء ولا جلحاء ولا عضباء، تطؤه بأظلافها وتنطحه بقرونها ﴿فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ﴾ [المعارج:٤] كلما انتهى أولها ردت على آخرها حتى يقضى بين الناس﴾. هذا كلام المعلم، هذا كلام المعصوم ﵊، هذا كلام الذي رفع رءوسنا، والذي أتى بهذه الفريضة يطهرنا بها ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ﴾ [التوبة:١٠٣] لماذا لا يتطهر الإنسان قبل أن يكون أول ما يحاربه في القبر ماله، وفي الحديث الصحيح: ﴿ما من صاحب كنز إلا جُعِلَ له شجاعٌ أقرع -ثعبان له زبيبتان- يلدغه في القبر ويقول: أنا كنزك أنا مالك﴾ هذا الكنز وهذا المال. وعند الإمام أحمد: أن الصحابة اختلفوا أي الكنز أحسن؟ أهو الذهب أم هي الفضة أم الإبل أم عروض التجارة؟ فأرسلوا عمر بن الخطاب يسأل رسول الله ﷺ فلما وصل إليه ﴿قال أي الكنز أحسن يا رسول الله؟ قال: من آتاه الله قلباً شاكراً ولساناً ذاكراً﴾ هذا هو الكنز العظيم الذي يكتنزه المسلم لينفعه في ﴿يَوْمَ لا يَنْفَعُ مَالٌ وَلا بَنُونَ * إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ [الشعراء:٨٨ - ٨٩].

стр. 213

رمضان فرصة سانحة للإنفاق وإنها فرصة سانحة في رمضان أن تخرجوا صدقاتكم وزكواتكم؛ لأن من ينظر إلى وضع الفقراء وإلى ما يتقدم به الفقراء من مستندات، ثم لا يجد ما يدفع إليهم ويتساءل أين زكاة الناس؟ إلى أين يدفع هؤلاء صدقاتهم وزكواتهم، إذا كانوا صادقين أنهم يدفعون صدقاتهم وزكاتهم؟ فلماذا يبقى هؤلاء القطيع الهائل من الناس فقراء ومحتاجين، ويبقى أحدهم لا يجد ما يفطِّره في رمضان؟ ولا ينكر هذا إلا أحد اثنين: إما رجل مكابر: أَعْرِضُ عليه هذه المعلومات، التي رأيتها بعيني وعشتها، ويقول: لا. لا يوجد هذا في المنطقة، فهذا مكابر عنيد. أو رجل آخر جاهل لا يعرف الوضع، ولم يداخل الناس ولم يدخل العشش، ولم يرَ كيف يعيش الإنسان في القرن الخامس عشر، هذه مسألة أعرضها عليكم، وأسأل الله أن يرفع الضر عن المستضرين، وأن يقضي حاجة المحتاجين، وأن يسد رمق الفقراء والمساكين. أقول ما تسمعون وأستغفر الله العظيم الجليل لي ولكم ولجميع المسلمين، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.

стр. 214

حِكَمُ الإسلام في الزكاة الحمد لله رب العالمين ولي الصالحين ولا عدوان إلا على الظالمين، والصلاة والسلام على إمام المتقين وقدوة الناس أجمعين، وعلى آله وصحبه والتابعين. أمَّا بَعْد: عباد الله: فإن للزكاة في الإسلام حِكَماً لا يعرفها إلا من اطلع على أسرار هذا الدين:

стр. 215

أداء الزكاة زكاة للنفس أولاً: زكاة للنفس، تزكيها من أوضار البخل، والشح، وترفع قدرها عند الله، وقد وصف ﵊ المتصدق والبخيل برجلين عليهما جبتان من حديد، كلما أنفق المنفق اتسعت الجبة حتى تغطي أثره، وكلما أمسك الممسك ضاقت عليه الجبة حتى تخنقه ﴿ولله مناديان في كل صباح -كما في الصحيح- ملكان الأول يقول: اللهم اعط منفقاً خلفاً، والآخر يقول: اللهم اعط ممسكاً تلفا﴾ ومن لا يستفيد من المال في الحياة، فلن يستفيد منه بعد أن يموت، فإما حلال فللورثة، وإما حرام يعذب به حتى يلقى الله ويدخله هذا المال النار، وقد رأينا كثيراً من التجار، وسمعنا أخبارهم أنهم شقوا بمالهم في الحياة الدنيا وفي الآخرة. أما في الحياة فبالاستقراء من أخبارهم، تاجر عنده من التجارات الهائلة ما الله به عليم، حضرته الوفاة في منطقة نائية عن منطقته التي فيها قصوره وأمواله وبساتينه ودوره، فلما توفي في المستشفى النائي تصدق عليه الناس بكفن، هذه نتيجة الملايين. خذ القناعة من دنياك وارض بها لو لم يكن لك إلا راحة البدن وانظر لمن ملك الدنيا بأجمعها هل راح منها بغير الطين والكفن هكذا هي حياة هؤلاء في الدنيا، وأما بعضهم فقد سعد سعادة بهذا المال ﴿وَسَيُجَنَّبُهَا الْأَتْقَى * الَّذِي يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكَّى * وَمَا لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزَى * إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلَى * وَلَسَوْفَ يَرْضَى﴾ [الليل:١٧ - ٢١]. كان ابن هبيرة الوزير تاجر مشهور، يفطر كل يوم في رمضان عشرة آلاف صائم يبني القناطير المقنطرة، يبني المساجد، يبني البرك للحجاج من العراق إلى مكة يشربون ماءً بارداً، وصل إلى منى يقود الحجاج، وفي اليوم الثامن انقطع الماء على الناس، وانتهى الماء، وأصبحوا في أزمة وأشرفوا على الهلاك، فقام هذا الرجل الصالح -وكان من أغنى الأمة الإسلامية في عهد الدولة العباسية- فرفع يديه، قال: اللهم إنك تعلم أني ما أنفقت أموالي إلا ابتغاء مرضاتك، اللهم إن كنت تعلم أني صادق فأغث الحجاج الآن هذه الساعة. قال الراوي: فوالله لقد نزل الغيث علينا بـ منى وما في السماء قبله سحابة حتى نزل الثلج مع الماء، فأخذ يأكل الثلج ويبكي ويقول: يا ليتني سألت الله المغفرة، هذا صنف من صنف أبي بكر الصديق وعثمان بن عفان الذين دفعوا أموالهم وأعطوها سخية أنفسهم، نعم هناك من يحتاج بناء مساجد، وهناك مقاطعات ليس فيها مسجد واحد، هناك قوم يحتاجون إلى برك لإيصال الماء النقي الصحي إليهم لا الماء الملوث الذي يحمل البلهارسيا والموت والسم الزعاف، هناك أناس يحتاجون لبناء بيوت تكنهم من المطر وتظلهم من الشمس، هناك أناس يريدون الحاجة الضرورية، يريدون الخبز -هذا من حوائجهم الضرورية- والأرز والسكر، لا يريدون الكماليات، هناك أناس يريدون اللباس، يتعيد الناس في الألبسة الجديدة والثياب الفاخرة، والواحد منهم يبقى سنة في الثوب الواحد.

стр. 216

الزكاة إنقاذ للنفس يوم القيامة فأنقذوا هؤلاء، وقدموا لأنفسكم ما تجدونه عند الله، يقول ﵊ ﴿إذا تصدق العبد من كسب طيب -ولا يقبل الله إلا طيباً- فإن الله يتقبله بيمينه، ثم يربيه لأحدكم كما يربي أحدكم فلوه، حتى إن اللقمة لتبلغ كـ جبل أحد﴾ هذا عند الله ﴿مَا عِنْدَكُمْ يَنْفَدُ وَمَا عِنْدَ اللَّهِ بَاقٍ﴾ [النحل:٩٦] ويقول تعالى: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة:٢٦١] وسوف تكون هناك بعض المسائل في الزكاة وزكاة الحلي وزكاة الفطر وزكاة العروض وزكاة الحبوب والثمار والأنعام والنقدين مجالها في الدروس التي تلقى هنا قبل صلاة العشاء من كل ليلة، لأن المجال لا يتسع للبسط، نسأل الله أن يحفظنا وإياكم من كل مكروه. خاتمة: أيها الناس: صلوا وسلموا على من أمركم الله بالصلاة والسلام عليه فقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ [الأحزاب:٥٦] فقد قال ﷺ فيما صح عنه: ﴿أكثروا من الصلاة علي والسلام ليلة الجمعة ويوم الجمعة، فإن صلاتكم معروضة علي قالوا: كيف تعرض عليك صلاتنا يا رسول الله! وقد أرمت؟ قال: إن الله حرم على الأرض أن تأكل أجساد الأنبياء﴾ اللهم صلِّ وسلم عليه، واعرض عليه صلاتنا وسلامنا في هذه الساعة المباركة يارب العالمين، وارض اللهم عن أصحابه الأطهار من المهاجرين والأنصار ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين وعنا معهم بمنك وكرمك يا أكرم الأكرمين. اللهم اجمع كلمة المسلمين ووحد بين صفوفهم، وخذ بأيديهم لما تحبه وترضاه، وأخرجهم من الظلمات إلى النور، اللهم ولِّ علينا من يخافك ويرجو لقاءك ويحب دينك، اللهم أصلح أئمتنا وولاة أمورنا، اللهم اجمع كلمة المسلمين ووحد صفوفهم وأخرجهم من الظلمات إلى النور، اللهم اعتق رقابنا من النار، اللهم لا تدع لنا في مقامنا هذا ذنباً إلا غفرته، ولا عيباً إلا سترته، ولا هماً إلا فرجته، ولا ديناً إلا قضيته، ولا عدواً إلا خذلته، ولا مريضاً إلا شفيته، ولا مبتلى إلا عافيته، ولا ضالاً إلا هديته، ولا ميتاً إلا رحمته، برحمتك يا أرحم الراحمين. سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين.

стр. 217

رسالة هذه الرسالة تحتوي على عدة قضايا، يحتاج إليها الفرد والمجتمع، وهي سبب السعادة في الدنيا والآخرة، وهي: الصلاة والمحافظة عليها، وبر الوالدين والتحذير من عقوقهما، والتوبة إلى الله من الذنوب والمعاصي، وتربية الأبناء والمحافظة على حقوقهم والقيام بها كما في الشريعة الإسلامية، وسل السخيمة من القلوب، وحب المسلمين والتودد إليهم والتآلف معهم، إلى غيرها من الرسائل والمسائل.

стр. 218

قضايا في الحياة إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً﴾ [النساء:١] ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢] ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١]. اللهم لك الحمد خيراً مما نقول، وفوق ما نقول، ومثل ما نقول، لك الحمد بالإيمان، ولك الحمد بالإسلام، ولك الحمد بمحمد رسول الهدى ﷺ ، عز جاهك، وجل ثناؤك، وتقدست أسماؤك، ولا إله إلا أنت، في السماء ملكك، وفي الأرض سلطانك، وفي البحر عظمتك، وفي كل شيء حكمتك وآيتك، أنت رب الطيبين، لك الحمد حتى ترضى، ولك الحمد إذا رضيت، ولك الحمد بعد الرضا. اللهم صلّ وسلم على من أرسلته هادياً ومبشراً ونذيراً، وداعياً إلى الله بإذنه وسراجاً منيراً، بلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وجاهد في الله حتى أتاه اليقين، فصلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. أيها الإخوة الأبرار الأخيار: سلام الله عليكم ورحمته وبركاته وبعد: فإن أعظم ما أوصي به نفسي وإياكم هذه الليلة تقوى الله ؛ فإنها وصية الله للأولين والآخرين، كما قال: ﴿وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ﴾ [النساء:١٣١] ونتكلم فيما يأتي عن بعض القضايا في الحياة والمجتمع.

стр. 219

السعادة الحقيقة وأسبابها أيها المسلمون! يقول الله ﵎: ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ * لا يَسْمَعُونَ حَسِيسَهَا وَهُمْ فِي مَا اشْتَهَتْ أَنْفُسُهُمْ خَالِدُونَ * لا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الْأَكْبَرُ وَتَتَلَقَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ هَذَا يَوْمُكُمُ الَّذِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ﴾ [الأنبياء:١٠١ - ١٠٣]. من هم الذين سبقت لهم من الله الحسنى؟ هم الذين رضي الله عنهم ورضوا عنه، هم الذين أخلصهم الله بخالصة ذكرى الدار، هم الذين كتب الله لهم السعادة في الدنيا والآخرة - نسأل الله أن نكون منهم- لأن المرء إما سعيد ﵁، وإما شقي غضب الله عليه. الناس إما رجل جعله الله من أهل السعادة أو من أهل الشقاوة، من يوم أن وقع رأسه في الأرض ولدتك أمك يا بن آدم باكياً والناس حولك يضحكون سرورا فاعمل لنفسك أن تكون إذا بكوا في يوم موتك ضاحكاً مسرورا وهذه الحياة ليست للأكل ولا للشرب، ولا للرفث، ولا للهو، والله الذي لا إله إلا هو لقد وجد أناس يصلون ويصومون ويحجون ويعتمرون ويزكون ويذكرون الله، ولا يعرفون معنى الحياة، يقول الله : ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْأِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ * مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ * إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ﴾ [الذاريات:٥٦ - ٥٨] ويقول سبحانه: ﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا﴾ [الأنعام:١٢٢]. ولقد وجد بين أطراف المسلمين من يعتني بدنياه، وبملبسه ومطعمه وسيارته، وبوظيفته أكثر من الإسلام. بل وجد هنا من يعرف كل شيء في الدنيا، فإذا سألته عن صلاته وحجه وعمرته لا يعرف شيئاً! فلماذا خلقه الله؟ ولماذا أوجده الله إذا لم يعرف هذا الشيء؟! فالذين سبقت لهم من الله الحسنى هم الذين سعدوا في الحياة الدنيا وفي الآخرة. وأسباب السعادة: أن تعتقد أن لا إله إلا الله، ولا معبود بحق إلا الله، وأكبر كلمة أتى بها رسول الله ﷺ هي (لا إله إلا الله) بها قامت السماوات والأرض، وصلح عليها أمر الدنيا والآخرة، وبها رضي الله عن المؤمنين، وعلى لا إله إلا الله دمَّرت الدنيا خمس مرات، وبلا إله إلا الله أنزل الله الكتب، وأرسل الله الرسل، وأقام الله سوق الجنة والنار، وعليها مدَّ الصراط، وبنى الحوض. فيا أيها المسلم! يا من رضي بالله رباً، وبالإسلام ديناً، وبمحمد نبياً عليه أفضل الصلاة والسلام أسألك أن تحيا بلا إله إلا الله، وتموت على لا إله إلا الله؛ علَّ الله أن يبعثك على لا إله إلا الله.

стр. 220

الصلاة وأهميتها كثير من الناس يعتقد أن صلاته ليست بذاك الأمر الكبير العظيم في حياته، يصلي في المزرعة، ويصلي في الطريق، ويصلي في البيت، وليس عليه ألا يدرك الصلاة في أي جماعة، ولا في أي مسجد! الصلاة -يا عباد الله- أول ما يسأل عنها العبد، الصلاة يا عباد الله! يترك الإنسان في القبر (الحفرة الضيقة) يأتيه الملكان فيسألانه عن الصلاة. الصلاة -يا عباد الله- عليها قامت شعائر الإسلام. الصلاة -يا عباد الله- الركن الأهم الذي إذا حافظ عليه تمم الله للعبد أموره، وإذا نقص خذل الله العبد، من حفظها وحافظ عليها حفظ دينه، ومن ضيَّعها وأخل بها ضيَّع دينه. تارك الصلاة لا يؤاكل، ولا يشارب، ولا يرافق، ولا يصاحب، ولا يؤتمن، ولا يصدق، ولا تقبل شهادته. تارك الصلاة حلال الدم والعرض والمال. تارك الصلاة مغضوب عليه في السماء والأرض. تارك الصلاة تشتكي منه العجماوات: الحوت والأسماك، الطيور والزواحف، كلها تشكو وتجأر إلى الله من تارك الصلاة، تقول: مَنعنا الرزق بسببك، مُنعنا الرحمة بذنبك، منعنا القطر من السماء بجريمتك. تارك الصلاة حبله مقطوع من ذمة الله ، ولذلك يقول في الحديث القدسي: ﴿أبي تغترون، أم علي تجترئون، فبي حلفت لأنزلن فتنة تجعل الحليم حيراناً﴾ وورد عنه أنه قال: ﴿والله لولا شيوخ ركع، وأطفال رضع، وبهائم رتع، لخسفت بكم الأرض خسفاً﴾. تجد المسلم صحيحاً معافى قوياً شاباً غنياً يسمع: (الله أكبر الله أكبر، الله أكبر الله أكبر) ثم لا يأتي إلى المسجد، حينها يعلن عليه حاله أنه منافق معلوم النفاق. ومن النفاق العملي: أن تسمع الأذان، ثم لا تأتي المسجد، ولذلك يقول ابن مسعود ﵁ وأرضاه: [[كان يؤتى بالرجل يهادى بين الرجلين حتى يقام في الصف، وما يتخلف عن الصلاة إلا رجل معلوم النفاق]] فهذه من المسائل الكبرى يا عباد الله. ومن أعظم ما تخاذل فيه المسلمون هذه الأيام، وهذه السنوات صلاة الفجر: الرسول ﵊ يقول: ﴿من صلى الفجر في جماعة فهو في ذمة الله، فالله الله لا يطلبنكم الله من ذمته بشيء، فإنه من طلبه من ذمته بشيء أدركه، ومن أدركه أهلكه﴾.

стр. 221

بر الوالدين جعل الله حق الوالدين الأب والأم مع حقه لعظم حقهما في الإسلام يقول: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاهُمَا فَلا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلاً كَرِيماً * وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيراً﴾ [الإسراء:٢٣ - ٢٤]. ويقول ﵊: ﴿كان في من كان قبلكم ثلاثة نفر ذهبوا في الصحراء، فدخلوا في مغارة، فلما دخلوا انطبقت عليه صخرة﴾ فأصبحوا في مقام موحش مقفر، لا أنيس فيه ولا قريب، ولا سامع إلا الله الذي يجيب المضطر إذا دعاه ويكشف السوء ويجعلكم خلفاء الأرض ﴿فقال بعضهم لبعض: لا ينجيكم إلا أن تدعوا الله بصالح أعمالكم﴾ بعد أن دخلوا في الغار وانطبقت عليهم الصخرة، وأظلم عليهم الليل، وابتعدوا من الأهل والجيرة، والأصحاب والقرابة، فأتى أولهم يدعو بصالح عمله والله لا يحفظ العبد المسلم إلا بصالح عمله، نقول: ما لأبنائنا يفسدون؟! ومالهم يضيعون؟ وما لأجسامنا لا تصح؟ وما لدورنا لا تعمر؟! ونحن الذين نخرب دورنا بأنفسنا وبأيدينا. هل من المعقول أن أبناءنا ينامون ويصحون على الأغاني الماجنات؟! ملأنا آذانهم بالأغاني الماجنات -إلا من رحم الله- ثم نقول: فسد أبناؤنا! يقول الله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلائِكَةٌ غِلاظٌ شِدَادٌ﴾ [التحريم:٦]. ففي أمور الدنيا نحزم على أبنائنا فيها، ونشد عليهم، ونحاسبهم حساباً عظيماً شديداً، لكن أمور الدين نقول: الله الهادي، ويذهب أحدنا إلى المسجد ويقول لأبنائه- بصوت ضعيف- مع صلاة الفجر: صلوا هداكم الله، فإذا أتى وهم نائمون قال: اللهم إني أديت ما عليَّ، ووالله ما أدى ما عليه، ولو أداه لأيقظهم بالقوة. ﴿رَبِّ بِمَا أَنْعَمْتَ عَلَيَّ فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيراً لِلْمُجْرِمِينَ﴾ [القصص:١٧] كما لا نرضى أن يضيعوا أموالنا في أمور الدنيا، فلماذا نرضى في حق الله ؟ فنحن السبب، فلذلك من لا يصلح نفسه ويصلح بيته، لن يهديه الله سواء السبيل يقول الله: ﴿فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾ [الصف:٥]. دخل الثلاثة الغار، قال أولهم: ﴿اللهم إنك تعلم أنه كان لي أبوان شيخان كبيران وكنت لا أغبق عليهما أهلاً ولا مالاً - أي: لا أقدم عليهما من أبنائي أحداً في العشاء، ولا في الشرب، ولا في الخدمة- وإنه قد نأى بي طلب الشجر يوماً من الأيام، فلم آتيهما إلا بعد أن ناما فحلبت في الإناء، ثم أتيت به لأقدمه لهما، فبقيت عندهما لم أو قظهما حتى طلع الفجر وأبنائي يتضاغون عند رجلي يريدون اللبن، فلم أسقِ أبنائي، اللهم إن كنت فعلت ذلك ابتغاء وجهك فافرج عنا ما نحن فيه، فانفرجت الصخرة غير أنهم لا يستطيعون الخروج﴾. وأتى الثاني فقال: ﴿اللهم إنك تعلم أنه كان لي ابنة عم﴾ هؤلاء هم الذين حفظوا الله في الغيب، بعض الناس ناسك زاهد عابد أمام الناس، لكنه إذا خلا بمحارم الله انتهكها. وفي سنن ابن ماجة يقول ﷺ : ﴿ليأتين أقوام من أمتي يوم القيامة بحسنات أمثال جبال تهامة يجعلها الله هباءً منثوراً، قالوا: يا رسول الله أليسوا مسلمين؟ قال: بلى، يصلون كما تصلون، ويصومون كما تصومون، ولهم صلاة بالليل، لكن كانوا إذا خلوا بمحارم الله انتهكوها﴾ فهذا الثاني يقول: ﴿اللهم إنه كان لي ابنة عم، وكانت أحب الناس إلي، فراودتها عن نفسها فأبت حتى أتتها سنة قحط وفقر ومسكنة، ثم أتيت بمائة وعشرين ديناراً فطاوعتني، فلما جلست عندها قالت: اتق الله، ولا تفض الخاتم إلا بحقه، فانكففت عنها، اللهم إن كنت فعلت ذلك ابتغاء وجهك؛ فافرج عنا ما نحن فيه، فانفرجت الصخرة شيئاً قليلاً غير أنهم لا يستطيعون الخروج﴾. وأتى الثالث وقال: ﴿اللهم إنك تعلم أنه كان لي أجراء أعطيت كل واحد منهم أجره إلا واحداً ذهب مغاضباً فلم يأخذ أجره، فنميت أجره وثمرته حتى عاد فأصبح عنده من الرقيق، والإبل، والغنم، والبقر الشيء الكثير فلما أتى قال: أعطني حقي قلت: هذا حقك. قال: اتق الله ولا تستهزئ بي، قلت: هذا حقك، قال: فأخذه ولم يترك منه شيئاً، اللهم إن كنت فعلت ذلك ابتغاء وجهك فافرج عنا ما نحن فيه، فانفرجت الصخرة وخرجوا يمشون﴾. وهذا يدل على فضل بر الوالدين، ويوم يسعد الوالدان بولدهما حينها يرضى الله من فوق سبع سماوات، فوالله لا يدخل الجنة قاطع رحم. ﴿لما خلق الله الرحم تعلقت بالعرش وقالت: هذا مقام العائذ بك من القطيعة يا رب! قال: ألا ترضين أن أصل من وصلك وأقطع من قطعك، قالت: بلى. قال: فذلك لك، فأنزلها الله في الأرض، فمن وصلها وصله، ومن قطعها، قطعه﴾.

стр. 222

التوبة وفضلها إذا أذنبت وأخطأت وأجرمت، وأسرفت على نفسك، ثم تفكرت في لقاء الله، وفي القبر المظلم، والعرض الأكبر على الله يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم يا رب عفوك لا تأخذ بزلتنا وارحم أيا رب ذنباً قد جنيناه كم نطلب الله في ضر يحل بنا فإن تولت بلايانا نسيناه ندعوه في البحر أن ينجي سفينتنا فإن رجعنا إلى الشاطي عصيناه ونركب الجو في أمن وفي دعة فما سقطنا لأن الحافظ الله المقصود: أن الذنوب والخطايا لا يسلم منها أحد، ولا يغفر الذنوب إلا الله ولا يستر العيوب إلا هو، ولا يسامح عن الزلل إلا الله، قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ * أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ﴾ [آل عمران:١٣٥ - ١٣٦] قال تعالى: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [الزمر:٥٣] فإذا أذنبنا فررنا إلى الله، قال الله: ﴿فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ [الذاريات:٥٠] فما منا إلا مذنب، وما منا إلا عاصي، وما منا إلا مسرف على نفسه. ويا أيها الإخوة الكرام! واجبنا تجاه الذنوب والخطايا أن نتوب إلى علام الغيوب، وأن نحاسب أنفسنا قبل أن نحاسب، وأن نتزين للعرض الأكبر على الله قبل أن نعرض عليه فلا تخفى عليه منا خافية، ولذلك طالبنا ﷺ بالتوبة. يروى عنه في الحديث القدسي أنه قال: ﴿يا بن آدم إنك ما دعوتي ورجوتني غفرت لك على ما كان منك ولا أبالي، يا بن آدم لو بلغت ذنوبك عنان السماء، ثم جئتني لا تشرك بي شيئاً لغفرتها لك، يا بن آدم لو أتيتني بقراب الأرض خطايا، ثم جئتني لا تشرك بي شيئاً، لأتيتك بقرابها مغفرة﴾. فما هو الواجب تجاه ذنوبنا وخطايانا؟ الواجب أن نستغفر الله وأن نتوب إليه، وقدوتنا ﵊ يقول: ﴿يا أيها الناس! توبوا إلى الله واستغفروه، فإني أستغفر الله وأتوب إليه في اليوم أكثر من سبعين مرة﴾ وفي لفظ: ﴿مائة مرة﴾. فيا إخوتي في الله! كثرة ذنوبنا وخطايانا، وما جف القطر، وفسدت كثير من البيوت، وقست القلوب، وتشتت الأسر، وتفرقت الجماعات والقبائل، إلا بسبب الذنوب والخطايا. الجار لا يسالم جاره، تحدث حرب شعواء بين الجيران وصلت إلى المحاكم، ووصلت إلى القاصي والداني بسبب عدم رقابتنا لله ، وبسبب قسوة قلوبنا، والجار في الإسلام حقه عظيم، ولذلك كان ﵊ يوصي به. يقول أبو ذر ﵁ وأرضاه: ﴿خرجت مع أهلي أريد النبي ﷺ . فإذا به قائم، وإذا رجلٌ مقبلٌ عليه، فظننت أن له حاجة، فجلست، فوالله لقد قام رسول الله ﷺ حتى جعلت أرثي له من طول القيام، ثم قمت إليه، فقلت: يا رسول الله! لقد قام بك هذا الرجل حتى جعلت أرثي لك من طول القيام. قال: أتدري من هذا؟ قلت: لا. قال: جبريل، مازال يوصيني بالجار حتى ظننت أنه سيورثه، أما إنك لو سلمت عليه لردَّ عليك السلام﴾ رواه أحمد بإسناد جيد. وأتى جار فقال: ﴿يا رسول الله! أشكو إليك جاري. قال: ماذا فعل؟ قال: آذاني، وسبني، وشتمني، وما حفظني، ولا رعاني، إن غبت خفت على أهلي منه، قال: اصبر له واحتسب﴾ فذهب فصبر، ولكن ذاك الجار ما اتقى الله، وما خشي من الله، فاشتكى إلى الرسول ﷺ مرة ثانية، قال: ﴿خذ متاعك وقف في الطريق، فأخذ متاعه، ومر الناس عليه مصبحين وممسين فقالوا: مالك؟ قال: أخرجني جاري إلى هذا الطريق، قالوا: عليه لعنة الله. فيصبح الرجل، فيقول: مالك؟ قال: أخرجني جاري، قال: عليه لعنة الله، ويمسي الممسي فيقول: مالك؟ قال: أخرجني جاري، قال: عليه لعنة الله، فعاد هذا الجار بعد أن قال له جاره: عد، والله لا أوذيك بعدها أبداً﴾. ولذلك أكثر ما هضمت حقوق الجيران؛ لما قست القلوب، ونسيت حقوق المسلم على لمسلم، والرسول ﵊ علمنا حقوق المسلم؛ نظر إلى الكعبة ﵊ وقال: ﴿ما أجلك وما أعظمك وما أشد حرمتك عند الله ! والذي نفسي بيده للمؤمن أشد حرمة منك﴾ المؤمن أشد حرمة من الكعبة عند الله وأقدس، ويقول ﵊: ﴿والله لا يؤمن، والله لا يؤمن، والله لا يؤمن، قالوا: من يا رسول الله؟ قال: من لا يأمن جاره بوائقه﴾ هذه قضية الجيران، وحقوق المسلمين تتداخل بعضها في بعض.

стр. 223

حق الولد على والده ومن القضايا الكبرى التي عشناها، ورأيناها: إهمال تربية الأبناء، وكما أسلفنا ذكر قوله ﵎: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلائِكَةٌ غِلاظٌ شِدَادٌ لا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ [التحريم:٦] تربية الأبناء أهملت إلا في بيوت من رحم الله، وكثير من الآباء يقف حجر عثرة في وجه أبنائه لئلا يهتدوا أو يستقيموا، لا يريد أن يكونوا -على زعمه- مطاوعة متزمتين متطرفين؛ يريد إسلاماً أمريكياً؛ لأن هذا الإسلام يلزمك أن تصلي وفي المثل:" مع الخيل يا شقراء" فلسان حاله: لا نريد إسلاماً متعمقاً يأتي بهذه السنن، نريد إسلاماً نعيش به كالناس، فليعلم هؤلاء أن الله لا يرتضي إلا إسلاماً صافياً على سنة المصطفى ﷺ . أتى اليهود يتعاطفون عند الرسول ﵊ فقالوا: يا رسول الله! إنا نحب الله لكن ما نتبعك، فكذب الله مقالتهم، وقال لهم: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [آل عمران:٣١]. وسبب فساد الأبناء: التربية في البيوت، ولذلك وجد في بيوت المسلمين من داخلتهم الأفلام الخليعة، والأغاني الماجنة، والمجلات السافلة الرخيصة؛ حتى ربت أذهانهم على بغض الله ورسوله ﷺ والتنكر للمساجد. يأتي بالابن إلى المسجد، فلا يريد الانقياد للمسجد، يسمع داعي الله فلا يأتي، يسمع الدروس والندوات والمحاضرات والمراكز والمخيمات فلا يشارك؛ لأنه رُبي على أن هذا الشيء ليس جيداً ولا محموداً ولا طيباً، وأن فيه تزمتاً وتطرفاً. وكلمة (التَّزمت) ونحوها أتت إلينا بها الصهيونية العالمية. ووزعتها على إعلام العرب، وعلى إعلام العالم، تناقلوها وأصبحوا يسمون الدعاة وطلبة الاستقامة، والشباب الذين يريدون الله والدار الآخرة، والمتمسكين بالسنة (متزمتين ومطاوعة) ليصنعوا فصاماً بين الناس، بين المسلمين وبين أبنائهم، وهذا فيه خطورة عظيمة.

стр. 224

حقوق الولد على والده من الجماع إلى التسمية وأول الواجبات على الوالد لولده قد جعلها الإسلام منذ أن يلتقي الرجل بالمرأة، يقول ﵊: ﴿من أتى أهله فليقل: اللهم جنبنا الشيطان وجنب الشيطان ما رزقتنا، فإن قضى الله بينهما ولداً لم يضره الشيطان أبداً﴾. نحن في الإسلام تعلمنا ذكر الله بالدعاء، فلدخول المسجد والخروج منه دعاء، وللقيام وللجلوس دعاء، ولأكل الطعام وللقيام منه دعاء، ولدخول الخلاء وللخروج منه دعاء، وللصباح دعاء وللمساء دعاء، كل شيء بذكر، أمة مسيرة من الله ، ويوم يضع الطفل رأسه في الأرض من بطن أمه أمر في الإسلام أن يؤذن في أذنه اليمنى ويقام في اليسرى؛ لينشأ على لا إله إلا الله؛ ليحب داعي الله، لتغرس في قلبه كلمة لا إله إلا الله، ليكون من أولياء الله. ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ * تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾ [إبراهيم:٢٤ - ٢٥]. يؤذن في إذنه أول مرة حتى يسمع داعي الله، ولا ينشأ كأبناء الخواجة لا يعرفون مبدأً ولا ديناً, ولا منهجاً. ويوم يشبُّ، أو يترعرع قليلاً في سبعة أيام، أو أكثر أمرنا بالعقيقة، ليدرأ الله عنه السوء، وهي تفضل لله وشكر له على نعمه ، عن الذكر شاتان وعن البنت شاة واحدة. يقول ﵊: ﴿كل غلام مرتهن بعقيقته تذبح عنه يوم سابع، ويسمى﴾. وأمر الأب أن يحسن اسم ابنه، فيسميه اسماً جميلاً، لأننا ندعى يوم القيامة بأسمائنا وأسماء آبائنا، نسأل الله أن يعيننا وإياكم على ذلك اليوم، نسأل الله أن يصرف عنا وعنكم بأس ذلك اليوم، وضره وأخذه. إن الفشل والانهزام والعار والدمار والشنار يوم ننهزم ذاك اليوم ﴿أَلا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ﴾ [هود:١٨] ﴿إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ * يَوْمَ لا يَنْفَعُ الظَّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ وَلَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ﴾ [غافر:٥١ - ٥٢] وذاك يوم العرض الأكبر على الله، يوم الفضائح، فهذا آخذٌ كتابه بيمينه، وذاك آخذٌ كتابه بيساره، وباك نادم، وضاحك مسرور، يوم ينادى كل امرئ باسمه واسم أبيه: إن الله يدعوك لتذهب إلى الصراط لتجتازه، إن الله يدعوك إلى المحاسبة، إلى الميزان، تعال خذ كتابك واشهد حسابك. وخير الأسماء عبد الله وعبد الرحمن وما عُبد لله ولو أن حديث: ﴿خير الأسماء ما حمد وعبد﴾ لا يصح لكن يصح: ﴿خير الأسماء عبد الله، وعبد الرحمن﴾ عبد السلام، عبد الفتاح، عبد الوهاب، لينشأ الابن وهو يستشعر العبودية لله ، وكذلك محمد وأحمد وهذه الأسماء الطيبة، أما الأسماء التي لا معاني لها صنهاج، عبيدان، أفكال، شراد، أو أسماء الخواجات، واحد سمى ابنه سيسو، والنو، وفيشار، وجورج هذه وجدت، وأنا سمعت بعض الخطباء والمفكرين نقلوا بعض المنشورات من أسماء بعض البقع الإسلامية وجد فيها ذلك، وهذا أثر الاستعمار والجهل، فينشأ معجباً بهذه الأسماء -نسأل الله العافية والسلامة- ولا يفعل ذلك إلا من في قلبه نفاق عملي، أما الذي يريد الله والدار الآخرة فلا يفعل ذلك.

стр. 225

تربية الولد وتأديبه تؤدبه على تقوى الله، أول ما يفتق لسانه تقول: قل لا إله إلا الله، الله أكبر، سبحان الله، لا يفتق لسانه على الأغاني الماجنة، واللعن والإعراض عن منهج الله، والسب والبذاءة، ولذلك تعرف البيت من ابنه، إذا كان في الشارع فهو صورة للبيت، لا يمر به أحد من الناس -إن كان سيئاً- إلا قال له: لعنك الله، ليس عنده إلا سب وتبجح، وهذا من سوء التربية في البيت، وأنا أظن أن بيوتكم ليس فيها شيء من هذا، وأنها بيوت إسلامية إن شاء الله.

стр. 226

تعليم الأولاد الصلاة ومن حقوق الابن: أنه إذا بلغ السابعة من عمره أن تأمره بالصلاة، وأن تعرفه طريق المسجد، وأن تقوده معك إلى بيت الله ليرى المصلين، من عباد الله وأوليائه، ليسمع القرآن حين يقرأ في بيوت الله ، فينشأ على طاعة الله . ﴿مروا أبناءكم بالصلاة لسبع واضربوهم عليها لعشر وفرقوا بينهم في المضاجع﴾ ففي السبع تبدأ له بالأمر بالتي هي أحسن: يا بني صل هداك الله، أتريد أن تصلي معي؟ لكن إذا بلغ العشر وتخلف فالعصا لمن عصا، يقرع بالعصا مع كل فريضة، لأنه لو أخذ شيئاً من أموالنا أو سبنا، أو شتمنا لاستعملنا العصا وأمر الله أقدم، وأعظم، وأكبر.

стр. 227

التفريق بين الأولاد في المضاجع ويفرق بينه وبين إخوانه من الذكور والإناث؛ الذكور لا ينامون في فراش واحد بعد العاشرة مع الذكور، والذكور لا ينامون مع أخواتهم من الإناث بعد العاشرة، والإناث لا تنام مع الإناث؛ لأن مضرة نوم الذكر مع الأنثى ولو كانت أخته في الليل واردة ومعلومة أعوذ بالله منها، والذكر مع الذكر والأنثى مع الأنثى كذلك يفرق بينهم في المضاجع، ولا بأس أن يناموا في غرفة، أو في حجرة واحدة بشرط أن يكون بين الفراشين مسافة، وهذا تعليم محمد ﵊.

стр. 228

نشأة الولد على العبادة لله لا للدرهم والدينار ثم حين ينشأ تعلمه أن هدفه عبادة الله ، لا تجعله عبداً للدرهم والدينار كما ينشأ أبناء الأمريكان الرأسماليين، فتعلقه بالمال صباحاً ومساء، تعلمه كيف يجمع الريال، وكيف يقتصد في صرفه، وكيف يتوظف وكيف يبني، فينشأ رأسمالياً كأنه من اليهود، واليهود يعبدون الدرهم والدينار من دون الله، كلامهم وفعالهم وحياتهم ومماتهم الدينار. ولذلك ينشأ بعض الشباب لا يجيد الفقه في الدين؛ لا الصلاة ولا سيرة الرسول ﷺ ، ولا التعاليم ولا اليوم الآخر، إنما ينشأ على حب الدرهم والدينار، وهذا يوجد في كثير من الأفلام التي أنتجتها الصهيونية العالمية للناس، حتى أفلام الكرتون تعلم الناس حب الدرهم والدينار تجد بيده فلساً، أو أفرنكاً، أو دولاراً، وهو يطارد أحد الناس ويمسكه بيده ويحاسبه ويضرب على الماسة أنه قد حصل على دولار، فينشأ الأطفال يحبون هذا المال، نحن لا نقول حب المال حرام، لكن نخشى أن يبلغ به حبه إلى أن يعبده من دون الله! قال تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ﴾ [الجاثية:٢٣]. الرسول ﵊ علمنا ألا نعبد الدرهم ولا الدينار، يقول: ﴿تعس عبد الدرهم، تعس عبد الدينار، تعس عبد الخميلة، تعس عبد الخميصة، تعس وانتكس وإذا شيك فلا انتقش﴾. وابن الجوزي يقول: بعض الناس ربوا أطفالهم على حب المال حتى نشأ من الناس من استولى المال على كيانه. تصدقون أن أحد الأغنياء من البخلاء الذين بلغ بخلهم الحد الخطير في التاريخ ماذا فعل بماله؟ يقول ابن الجوزي لما حضرته الوفاة جمع ذهبه وجعله في جنيهات، ثم جعله في طوبة -بلكة من طين- ثم ردم ما عليه وجعله عند رأسه، فلما أتته سكرات الموت قال: ادفنوا هذه الطوبة معي، قالوا: لماذا؟، قال: أريدها أتبرك بها، فأرادوا دفنها معه، ولما أتوا يغسلونه أتى الماء على الطين فظهر الذهب، انظر يدخل بالذهب إلى القبر! وقال: بلغ ببعض الناس يوم رُبيّ على عبادة الدرهم والدينار أنه لما حضرته سكرات الموت أخذ يبتلع الجنيهات في فمه ويدخلها بطنه لتموت وتدخل معه في القبر، وهذه هي من خطورة تربية الأبناء على حب المال، وعلى عبادة المال من دون الله . ومما يؤمر به العبد المسلم في تربية أبنائه: أن يعظم في البيت اسم الله واسم الرسول ﷺ ، لا يذكر إلا في المواطن الرفيعة، يرى المصحف ويقربه من ابنه يقول: قبل هذا، ويضعه على رأسه، ويضع المصحف ويقول: هذا كلام الله، هذا أنزله الله على رسول الله ﷺ ، فإذا ذكر الرسول قال: ﷺ علمنا الهداية ونشر لنا الخير، وقادنا إلى سبل السلام. هذه التربية لا بد منها للأبناء.

стр. 229

الوالد قدوة صالحة لولده ومما يجب للأبناء: أن تربيهم تربية عملية، نحن أصبحنا أمة كلام، نتكلم على المنابر ونخالف - نسأل الله العافية- لكن التربية الحقة، أن إذا أتيت أمام ابنك لتأكل قلت: بسم الله، يراك تسمي فيسمي، وتحمد الله، فيحمده. تقول: يا بني لا تكذب، فلا تكذب أنت، لأنك قدوة له حتى لو استطاع أن يقلد رموش عينك وومضات لسانك لفعل، وهذه مرحلة التقليد التي لا تفوت، وهي تربية الأطفال وتعليمهم كتاب الله . ثم مما يجب على المسلم تجاه ابنه: أن يربيه على أشرف الخصال، فيجنبه اللعن، فلا يلعن أبداً -وليس المؤمن باللعان ولا الطعان- وإذا رأيت الابن يلعن فاعلم أن في قلبه شكاً وشبهة، وأنه ما تربى تربية إسلامية، وتحرف عنه السب والشتم، وهذا أحسن ما كتب فيه تحفة المودود في أحكام المولود لـ ابن القيم ﵀ رحمةً واسعةً.

стр. 230

نزع الغل من الصدور ومن القضايا المهمة في حياتنا -يا عباد الله- قضية: سل السخيمة من القلوب، الضغينة والحقد والحسد، وهذا الذي شتت القرى، وفرق القبائل، ودخل بين الأسر حتى عادى الابن أباه، والأخ أخاه، وتهاجر الجيران وتقاطعوا، والله أمرهم أن يصطلحوا وأن يترافقوا ويتراحموا، يقول : ﴿وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [آل عمران:١٠٥]. تعالوا إلى سيرة الرسول ﷺ ؛ لنأخذ بعض النماذج منها، ومن سيرة أصحابه: الرسول ﵊ علم الناس الألفة والمحبة، يأتيه ضيف في ليلة دامسة فيطرق بابه، فلا يجد ﵊ ما يقدم له من خبز ولا تمر ولا فاكهة، فيقول: من يضيف ضيف رسول الله ﷺ ، وله الجنة. فيأخذه أحد الأنصار فيذهب به إلى بيته فيقول لامرأته: هل عندك شيء، قالت: لا والله، إلا شيء قليل من حب الشعير لا يكفينا. قال: اطحنيه انظر إلى حياة المشقة آنذاك ثم ما أصبحنا فيه من نعم متكاثرة متواترة لا نحصي عدها، ولا نستطيع شكرها إلا أن يعيننا الله على ذلك، أصبحت الموائد تترك وترمى في القمامات للكلاب والقطط، أصبح الناس يصابون بالتخمة والأمراض الباطنية، وكثير من الأمراض الجسمية أصبحت لكثرة الأكل والشرب! قال: فإذا قدمت العشاء أمام الضيف فتظاهري بإصلاح السراج، ثم أطفئيه ليأكل الضيف في الظلام ولا نأكل ويظن أننا أكلنا معه. فلما قدمت العشاء للضيف، قامت إلى السراج لتصلحه فأطفأته، فصاروا في الظلام، وأتى صاحب البيت يرفع ويظهر أنه يأكل، وهو لا يأكل شيئاً حتى أكل هذا الضيف وأمسى شبعان ريان. وفي الصباح استدعاهم ﷺ وقال: لقد عجب الله من فوق سبع سماوات من صنيعكما البارحة بضيفكم، وكان جزاؤهم الجنة. قال تعالى: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾ [الحشر:٩]. ورد أنه في القرون المفضلة قد: أصابهم قحط وجوع لا يعلمه إلا الله، فأهدي إلى رجل من الأنصار رأس كبش ليطبخه، فقال: أنأكله وجيراننا ليس عندهم شيء، فأرسله إلى الجيران، فأرسله الجيران إلى الجيران، والجيران إلى الجيران حتى عاد إلى الرجل الأول الذي أرسله، وما ذاك إلا لقوله تعالى: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾ [الحشر:٩]. عمر ﵁ وأرضاه في عام الرمادة، عام القحط والجوع والجدب قال: والله لا آكل سمناً حتى يكشف الله الضراء عن المسلمين، وكان بطنه يقرقر من كثرة الجوع فيقول: [[قرقري أو لا تقرقري، والله لا أشبع حتى يشبع أطفال المسلمين]] وهذا من الإيثار الذي افتقدناه في مجتمعاتنا. أحد علماء الإسلام وزهاده ابن المبارك كان له جار يهودي جاوره سنة، ثم أسلم بعد السنة، قالوا للجار: لماذا أسلمت؟ قال: وكيف لا أسلم وعبد الله بن المبارك ما شرى لحماً إلا بدأ بأهلي، وما كسا أبناءه إلا كسا أبنائي قبلهم، ولا اشترى فاكهة إلا أهدى لنا قبل بيته. عباد الله! هذه قضايا أحببت عرضها هذه الليلة، ولا أريد الإطالة فإن كثرة الكلام كما قال عمر ﵁: [[ينسي آخره أوله]] وهناك وقت للأسئلة وللحوار، وربما ترجون قضايا، وأسأل الذي جمعنا هذه الليلة على غير ميعاد إلا ميعاد الحب فيه أن يجمعنا في مستقر رحمته في روضة من رياض الجنة، نسأله أن يغدق على قلوبنا وقلوبكم برد اليقين، وأن يرينا سبل السلام، وأن يهدينا طريق الجنة. اللهم بعلمك الغيب، وبقدرتك على الخلق أحينا ما كانت الحياة خيراً لنا، وتوفنا إذا كانت الوفاة خيراً لنا، اللهم إنا نسألك خشيتك في الغيب والشهادة، ونسألك كلمة الحق في الغضب والرضا، ونسألك القصد في الغنى والفقر، ونسألك لذة النظر إلى وجهك، والشوق إلى لقائك في غير ضراء مضرة، ولا فتنة مضلة، برحمتك يا أرحم الراحمين. اللهم أصلح بيوتنا وأبناءنا وزوجاتنا وإخواننا وجيراننا، اللهم أصلحنا ظاهراً وباطناً، اللهم تغمدنا برحمتك، اللهم وفقنا لكل خير واهدنا سبل السلام. سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين، وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. وإن كان من شكر فإني أشكر الله- شكراً جزيلاً، ثم أشكر من كان سبباً في هذه الجلسة الطيبة الخيرة، ونسأل الله أن يتقبل منا ومنكم صالح الأعمال. وسلام الله عليكم ورحمته وبركاته.

стр. 231

الأسئلة

стр. 232

التخلف عن مجالس الذكر بحجة معرفة الدين السؤال ما حكم عدم حضور مجالس الذكر، بحجة أنه يعرف الدين مع قصور علمه؟ الجواب الآن كثرت دعاوي الناس، إذا أتيت تعلمه الصلاة قال: الحمد والشكر لله علمنا الله وانتشر العلم، ولا نحتاج إلى تعليم دائماً، لدينا القرآن والحديث والذكر، ويكفى ما عندنا من العمل. ولذلك تجد أجهل الناس بالله أكثرهم دعاوى، وأقرب الناس من الله أخوفهم له، يقول : ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ [فاطر:٢٨] فأقرب الناس من الله وأكثرهم فقهاً في الدين أكثرهم خشية لله ووجد في علماء الإسلام من اتقوا الله وكثرت فيه الخشية حتى كان سفيان الثوري كما ذكر عنه أهل العلم: يقوم من صلاة العشاء إلى صلاة الفجر بقوله : ﴿إِذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزَالَهَا﴾ [الزلزلة:١] ويبكي حتى الصباح. ابن وهب -عالم مصر - ألف كتاب اسمه كتاب أهوال القيامة فقالوا له: اقرأ علينا الكتاب، قال: والله ما أستطيع أن أقرأ الكتاب، لكن مروا ابني يقرأ الكتاب، فقام أحد أبنائه يقرأ الكتاب، فغشي على عبد الله بن وهب هذا حتى مات، يقول الذهبي في مجلده الثامن: مات في اليوم الرابع. علي بن الفضيل بن عياض أحد الصالحين الكبار، شاب في العشرين من عمره قام يصلي وراء أبيه، وكان أبوه إمام الحرم المكي، فقرأ أبوه سورة الصافات حتى بلغ قوله : ﴿وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْؤُولُونَ * مَا لَكُمْ لا تَنَاصَرُونَ * بَلْ هُمُ الْيَوْمَ مُسْتَسْلِمُونَ﴾ [الصافات:٢٤ - ٢٦] فوقع مغشياً عليه وتوفي. ذكر ذلك ابن تيمية في الفتاوى وفي الفرقان بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان. وهذا عمر بن الخطاب ﵁ وأرضاه مرض من هذه الآية ﴿وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْؤُولُونَ﴾ [الصافات:٢٤] شهراً كاملاً حتى عادوه. يقول الإمام أحمد في كتاب الزهد: دخل أبو بكر ﵁ وأرضاه في مزرعة رجل من الأنصار فرأى طائراً يطير من شجرة إلى شجرة فبكى، قالوا: ما لك تبكي يا خليفة رسول الله؟! قال: [[طوبى لهذا الطائر يرد الماء ويرعى الشجر، ثم يموت لا حساب ولا عذاب وهو يبكي، يا ليتني كنت طائراً يا ليت أمي لم تلدني]]. فلا إله إلا الله ماذا فعلنا نحن؟ وماذا قدمنا لمولانا؟ ويا كثرة معاصينا وخطايانا! لكن نحن برحمة أرحم الراحمين. فهؤلاء العلماء لما أحسوا بقربهم من الله رزقهم الله الإنابة والخوف منه. عمر ﵁ وأرضاه اتخذ الدمع في خديه خطين أسودين من كثرة ما يبكي، وهو خليفة المسلمين، كان لا يرى منظراً إلا بكى، وكان يقوم يوم الجمعة يتكلم على المنبر فيقطع صوته البكاء فيبكي معه المسجد. عمر بن عبد العزيز الشاب الزاهد قام يتكلم على المنبر فبكى، ثم قال: أتدرون مالي؟ قال: والله ما أعرف أحداً عنده من الذنوب والخطايا كالذي عندي، ثم قال: يا موت ماذا فعلت بالأحبة؟ ثم قال: أتدرون ماذا يقول الموت؟ قالوا: لا، قال: يقول ذرفت بالعينين، وفصلت الحدقتين، وفصلت الكفين عن الساعدين، والساعدين عن العضدين. فبعض الناس يقول: أنا لا أحضر مجالس الذكر بحجة أن عنده علماً وأنه مستغنٍ عن هذا، وهذا من الجهل بالله. يقول الشافعي: من اعتقد أنه عالم فقد جُهل، وإذا رأيت الإنسان عنده دعاوى وغرور فاعلم أنه من أجهل الناس. سبحان الله! علماء الإسلام يبلغ أحدهم كالمحيط من كثرة العلم، ويذهب ثلاثة أيام في طلب الحديث. سافر جابر بن عبد الله مسيرة شهر يطلب حديثاً واحداً كما في صحيح البخاري: موسى ﵇ وقف يخطب في بني إسرائيل قال له بنوا إسرائيل: أتعرف في الأرض أعلم منك، قال: ما أعرف أعلم مني - هذا الحديث في صحيح البخاري - وهو نبي ورسول ولا يعرف في الدنيا أعلم منه. لكن لامه الله يوم ادعى العلم فأوحى الله إليه" يا موسى! عبدنا الخضر بمجمع البحرين أعلم منك"، قال: كيف ألقاه يا رب! قال:" خذ مكتلاً -زنبيلاً- واجعل فيه سمكاً وخذ غلامك وسافر، فإذا تحرك الحوت ونزل من المكتل فسوف تلقى الخضر، فأخذ المكتل وفيه السمك الميت وذهب مسافراً، ولما اقترب من الخضر أحيا الله الحوت بإذنه، وسبحان من يحيي العظام وهي رميم! سبحان من يوجد الحياة في الميت! فلما رأى الحوت أخذه عجباً وسرباً فرأى الخضر، فتابعه على ما هو موجود في القصة. ليطلب موسى ﵇ العلم. وبالمناسبة هناك قصة عجيبة: مر أحد بني إسرائيل الصالحين بقرية فإذا هي ميتة، كان قد رآها قبل فترة وفيها الحدائق الغناء والطيور، والزهور، والأشجار والأنهار والناس، ثم مر عليها وقد مات كل من فيها، وتهدمت المنازل وأصبحت تطفى عرصتها، فقال: أنى يحيي الله هذه بعد موتها؟! سبحان الله! يقول: كيف يحيي هذه الله بعد موتها، فأماته الله وأمات حماره - حماره كان عليه شيء من طعام وشراب- فلما أماته الله مكث ميتاً مائة سنة، فأحياه الله بعد مائة سنة، وقال له الله: كم لبثت؟ قال: يوماً أو بعض يوم. ويقول أهل العلم: لما مات مات في الصباح وبعد مائة سنة أحياه الله في العصر، فنظر إلى الشمس وقال: لقد تأخرت عن غرضي وسفري. فقال له الله : أين حمارك؟ فالتفت فما رأى إلا العظام قد انهدت وترممت، والتفت فرأى المتاع الذي يوضع على الحمار فرأى فيها الطعام والشراب لم يتسنه فعجب، يعني ما تغير من الطعام والشراب شيء فعجب. وقال: ﴿وَانْظُرْ إِلَى الْعِظَامِ كَيْفَ نُنْشِزُهَا﴾ [البقرة:٢٥٩] فركب الله له عظام الحمار حتى استقامت، ثم المفاصل حتى أصبح متشابكاً، ثم الأعصاب، ثم أجرى الدم في الشرايين، ثم ركب اللحم، ثم الجلد، ثم هز الحمار رأسه وتحرك، فانذهل الرجل. قال: ﴿وَانْظُرْ إِلَى حِمَارِكَ وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنَّاسِ﴾ [البقرة:٢٥٩] أي: سوف نقص خبرك إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، قال: أعلم أن الله على كل شيء قدير. وإبراهيم ﵇ أستاذ التوحيد ومعلمه، وأكبر عقدي في الدنيا ﵇، رأى حماراً ميتاً على شاطئ البحر، يأتي النسر يأكل منه والحدأة تأكل منه، والصقر يأكل منه، قال: يا سبحان الله! تذهب هذه الجثة في بطون الطيور، فيكف يبعثها الله يوم القيامة؟! قال إبراهيم: ربي أرني كيف تحيي الموتى. قال الله : ﴿أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾ [البقرة:٢٦٠] ليس الخبر كالمعاينة، قال : ﴿قَالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ﴾ [البقرة:٢٦٠] فأخذ الأربعة الطيور فضمها، ثم مزقها بلحمها وريشها وعظامها ودمها، ثم خلطها، ثم قال : ﴿ثُمَّ اجْعَلْ عَلَى كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءاً﴾ [البقرة:٢٦٠] فجعل كل قسم على جبل ثم نزل في الوادي، قال: ﴿ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْياً﴾ [البقرة:٢٦٠] فقال: أقبلي بإذن الله، فأحياها الله، وكانت رءوس الطيور بيده ولحومها وعظامها وجلدها وريشها على تلك الجبال فأقبل كل طائر يدخل في رأسه مركب، ثم أخذت تتحرك، قال تعالى: ﴿وَاعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [البقرة:٢٦٠]. المقصود: هؤلاء طلبوا العلم بالمشاهدة، وطلبوه بالنقلة، وما قالوا: تعلمنا واكتفينا والحمد لله، لأن بعض الناس تدعوه إلى محاضرة فيقول: الحمد لله؛ الناس تعلموا وما جهلنا، فنور على الدرب موجود، والمشايخ يتحدثون والحمد لله بيسر وسهولة، لكن علم الدنيا برع فيه أكثرنا، يسوق السيارة بجدارة وربما يهندسها، وإذا بنشرت أصلحها، ولا يرضى بكل شيء إلا أن يكون على أحسن ما يرام، لكن أمور الدين خلاف ذلك.

стр. 233

حكم الخلوة بالأجنبية السؤال ما حكم الخلوة بالأجنبية؟ وما هي سبل الشيطان التي تؤدي إلى الفاحشة؟ الجواب الخلوة بالأجنبية لا تجوز إلا لحاجة ماسة، وفي هذه الحالة أظن ما هي إلا حالة واحدة حالة المرأة إذا أصبحت في مرض صعب وخطير، وأتاه الطبيب فذاك الوقت يحق للطبيب للمصلحة وهي في هذه الحال أن يخلو بها دون حضور محرم والأولى حضور المحرم، لكن إذا رأى الطبيب المسلم أنه لا يحتاج حضور المحرم فله ذلك، أما الخلوة بالأجنبية فلا تجوز، يقول ﵊: ﴿ما خلا رجل بامرأة إلا كان الشيطان ثالثهما، ولا تسافر امرأة مسيرة يوم وليلة -وفي رواية ثلاثة أيام- إلا بمحرم﴾. وأما سبل الشيطان للفاحشة فمنها: الغناء الماجن، وهو أخطر ما يحدث الفاحشة في القلوب، وما وقع الشباب المسلم في الفاحشة إلا بسبب استماع الغناء. يقول ابن القيم: الغناء بريد الزنا، يحبب إلى الشاب العشق والوله والغزل والهيام، ويخرج حب الله وحب رسول ﷺ وحب الآخرة من قلبه، ثم يقع في الفاحشة. ومن مصائب الغناء أمور منها: أن من استمع الغناء في الدنيا حرمه الله سماع غناء الجنة الذي تنشده الحور العين كما يقول ابن القيم، لأن الله يجعل الحور العين يوم القيامة في الجنة ينشدن كما في مسند أحمد يقلن: نحن الناعمات فلا نبأس، نحن الخالدات فلا نبيد، طوبى لمن كنا له وكان لنا، نسأل الله ألا يحرمنا منهن، وأن يجعلنا من سكان الجنة. قال ابن القيم: قال ابن عباس ويرسل ربنا ريحاً تهز ذوائب الأغصان فتثير أصواتاً تلذ لمسمع الـ إنسان كالنغمات بالأوزان يا خيبة الآذان لا تتعوضي بلذاذة الأوتار والعيدان ومما يعين على ارتكاب الفاحشة: رؤية الأفلام الخليعة الماجنة، رؤية الذين لا يخافون الله ولا يرجون لقاءه، ومما يعين على الفاحشة ونعوذ بالله من ذلك: استصحاب المجلة الخليعة، وقلة الذكر، وقلة مراقبة الله ﵎.

стр. 234

السبيل إلى النجاة من عذاب القبر السؤال عذاب القبر شيء عظيم، فما السبيل إلى النجاة منه؟ الجواب السبيل إلى النجاة من عذاب القبر: إصلاح الصلاة ظاهراً وباطناً، فهي المنجية والكفيلة بإذن الله بالنجاة في الدنيا والآخرة. ومنها: أن تجعل زاداً للقبر، فلا ينفع في القبر إلا العمل الصالح من صدقة وصيام وحج وعمرة وذكر. والقبر فاذكره وما وراءه فمنه ما لأحد براءه وإنه للفيصل الذي به ينكشف الحال فلا يشتبه والقبر روضة من الجنان أو حفرة من حفر النيران إن يك خيراً فالذي من بعده أفضل عند ربنا لعبده وإن يكن شراً فما بعد أشدّْ ويلٌ لعبدٍ عن سبيل الله صدّْ هذا أمر لا بد أن يعلم.

стр. 235

لعن المسلم والعقوبة المترتبة على ذلك السؤال ما حكم من لعن والد أخيه المسلم، وما الحكم عليه , وما ينطبق عليه من عقوبات من الله تعالى؟ الجواب الرسول ﵊ يقول: ﴿لا يسب أحدكم والديه، قالوا: كيف يسب الرجل والديه يا رسول الله؟! قال: يسب أبا الرجل فيسب أباه، ويسب أمه فيسب أمه﴾ واللعن حرام ﴿ليس المؤمن بالطعان ولا اللعان ولا الفاحش البذيء ﴿ h=٧٠٠١٠٤٩>> واللعانون لا يكونون شفعاء ولا شهداء يوم القيامة﴾ واللاعن مطرود من رحمة الله، وقد تقع لعنته على نفسه، وهذا جزاء من الله، أما إن استحقها الملعون فبها وتقع عليه، وإن لم يستحقها ارتفعت إلى السماء فأوصدت أمامها أبواب السماء، ثم عادت كالثوب الخلق، الثوب الأسود المنتن فلفت، ثم ضرب بها وجه صاحبها حتى يلقى الله فلا ينظر إليه ولا يزكيه وله عذاب عظيم، فاللعنة من الكبائر نعوذ بالله من ذلك، ولا يلعن إلا من قل إيمانه ويقينه. والرسول ﷺ سمع امرأة تلعن ناقتها، قال: ﴿اتركيها، لا تصحبنا دابة ملعونة﴾ أو كما قال ﵊، فنسأل الله العافية، هذا عليه أن يتوب ويستغفر ويراجع حسابه مع الله، وإن لعن مسلماً فعليه أن يذهب إلى ذاك المسلم ويطلب منه العفو والصفح، قبل أن يؤخذ منه يوم لا يكون درهم ولا دينار.

стр. 236

حكم الحجاب الإسلامي السؤال ما هو حكم الإسلام في الحجاب الإسلامي؟ الجواب الحجاب الإسلامي واجب من الواجبات التي أمر الله بها النساء المسلمات وأمر به النبي ﷺ ، والحجاب في الإسلام: هو أن تغطي المرأة كل شيء فيها إلا ما ظهر منها -كالثياب- فتغطي وجهها وكفيها إلا في الصلاة إذا لم يكن أجانب وتكون في مكان خارج بيتها تكشف عن وجهها وكفيها، أما إذا كانت في مثل الحرم، أو في مجمع عام فلها أن تغطي حتى وجهها وكفيها ولو كانت في الصلاة، كالحج مثلاً والعمرة والطواف والسعي، وإذا رأت الأجانب عليها أن تسدل جلبابها وحجابها على وجهها، ويوم ترخَّص الناس في الحجاب عمت الفاحشة، وذهب الأدب، وذهبت الحكمة. وبعض الناس يعارض بعاداته الحجاب الإسلامي، ويقولون: نساؤنا نشأن على حب الله وحب رسوله، وليس في قلوبنا سواد ولا خبث والحمد لله، وقلوبنا وقلوب نسائنا طاهرة. فنقول: هل قلوب نسائكم أطهر من قلوب نساء المصطفى ﷺ ؟ لا، والله, ولكنها - كما يقول ابن القيم - معارضة الشرائع بالعادات قال تعالى: ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْماً لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ [المائدة:٥٠] وحين يفعل الإنسان ذلك يرميه الله بالنفاق.

стр. 237

ظاهرة الغيبة والنميمة السؤال ما حكم الغيبة والنميمة، علماً بأننا نعاني منها في مجتمعاتنا بعد الالتزام بالحجاب فما نصيحتكم نحو الغيبة والنميمة؟ الجواب أنصح نفسي وإياكم بالتوبة من الغيبة والنميمة، والعلم بأنهما من الكبائر، فالغيبة: هتك لأعراض المسلمين بلا داعي، فإن كانت فيهم فقد اغتبناهم وإن لم تكن فيهم فقد بهتناهم، والرسول ﷺ كان معه رجلان في سفر فقال: ﴿انزلا إلى جيفة هذا الحمار فكلا منها، قالا: غفر الله لك يا رسول الله! قال: والذي نفسي بيده ما أكلتما من لحم أخيكما المسلم شرٌ مما تأكلان من هذه الجيفة﴾ نعوذ بالله من ذلك. والنميمة: وشاية بين الناس ولا يفعلها إلا من قل إيمانه ويقينه، وذهبت مروءته وشهامته.

стр. 238

حكم الصيام تطوعاً بدون سحور السؤال من نوى الصوم تطوعاً، ثم لم يستيقظ إلا بعد أذان الفجر، ثم نوى الصيام، فهل صومه مقبول مع العلم أنه لم يتسحر؟ الجواب صومه إن شاء الله مقبول، ولا يلزم في صومك تطوعاً نية من الليل، بل لو عقدت النية من قبل الظهر لجاز ذلك، ولا يلزم أن يتسحر إذا قام ولم يتسحر، فصومه صحيح، والدليل على ذلك الحديث الصحيح عن عائشة ﵂ قالت: ﴿ربما دخل علينا رسول الله ﷺ فقال: هل عندكم من طعام، فإن قلنا لا، قال: فإني صائمٌ إذاً﴾ وهو وسط النهار. وأما الفريضة فلا بد أن تبيت نيتها من الليل لحديث حفصة الذي رواه الخمسة: ﴿من لم يبيت النية من الليل، فلا صيام له﴾.

стр. 239

كفارة اليمين السؤال هل من يحلف يميناً وهو مكره عليه كفارة؟ كأن يحلف رجل على الآخر أن يتناول عنده طعام الغداء، ثم يحلف الآخر ألا يتناول الغداء عنده؟ الجواب هذه الصورة التي ذكرت فيها كفارة، كأن يدعوك أحد إلى طعام فتحلف ألا تذهب، ثم يحلف أن تذهب إليه، فأنت بالخيار أنت وإياه، إما أن تذهب وتكفر، وإما أن يتركك ويكفر هو، فلابد من الكفارة لأحد المتحالفين، والكفارة إطعام عشرة مساكين، أو كسوتهم، أو صيام ثلاثة أيام، فإن لم يستطع فعتق رقبة كما بين ، وقد انتشر في الناس كثرة اليمين -نعوذ بالله من كثرة الحلف بلا إيمان وبلا يقين- ولا يكثر الحلف إلا ممن قل إيمانه ويقينه، ولذلك قال : ﴿وَلا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ مَهِينٍ﴾ [القلم:١٠] والحلاف هو: الذي يكثر اليمين سواءً صادقاً، أو كاذباً. قال الشافعي: والله ما حلفت بالله صادقاً ولا كاذباً، قالوا: لكثرة خشيته لله .

стр. 240

حكم بيع المسجد السؤال قرية صغيرة يوجد بها مسجدان مسجد قديم لا يُصلى فيه بعد أن أقيم في القرب منه مسجد حديث، فهل يمكن أن يباع القديم وتوضع قيمته في المسجد الجديد لخدمته ونظافته؟ الجواب إذا تعطل المسجد القديم وأصبح لا يصلي فيه أحد من الناس، ولا يستفاد منه -وهذا تدخل في مسألة وقاعدة نقل الوقف إلى أصلح منه- فيباع مكان هذا المسجد، وما في هذا المسجد وينقل بشرط أن ينقل المال أو ما يستفاد منه إلى المسجد الجديد ولا بأس بذلك، وهذا نقل الوقف من مكان إلى مكان لمصلحة المسلمين، لا لشرط أخذ الأرض، لأن بعض الناس إذا أعجبته أرض المسجد أتى يتحيل عليها من كل جهة، ويقول: يا أيها الناس! نريد نقل المسجد إلى مكان أوسع عسى الله أن يرحمنا، وليس في قلبه رحمة بل مقصوده أرض المسجد، فيأتي بهذا الكلام، ولا يفعل هذا إلا من قل إيمانه ويقينه، وهذا ليس موجوداً إن شاء الله عندنا ولا في أوساطنا.

стр. 241

بعض الأمور التي تساعد على الحفظ السؤال يقول: أنا شاب أرغب في حفظ القرآن الكريم، وأجد همة للحفظ، ولكن ما تلبث أن تنطفئ هذه الهمة، فأترك القراءة إلى ثلاثة أو أربعة أيام وهكذا، فما هو الحل؟ الجواب أكثر شباب الإسلام مشاريعهم في حفظ كتاب الله وفي القراءة تسويف، تأتي العطلة الصيفية قالوا: إن شاء الله بعد العطلة لأنها فترة نقاهة واستجمام وراحة، فإذا بدأت الدراسة رتبنا أمورنا، فإذا أتت الدراسة قالوا: لا، في العطلة. يقول: من زرع بذرة سوف أنتجت له شجرة لعلَّ فيها أغصان ليت لها زهر، وطلع اسمها الخيبة والندامة نعوذ بالله من ذلك. ولذلك لام الله المشركين، وقال: ﴿ذَرْهُمْ يَأْكُلُوا وَيَتَمَتَّعُوا وَيُلْهِهِمُ الْأَمَلُ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ [الحجر:٣] لأنهم استخدموا (سوف) كثيراً، ومن أراد منا أن يحفظ القرآن، فعليه بأمور: أولها: تقوى الله ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ﴾ [البقرة:٢٨٢]. وثانيها: كثرة الاستغفار والتوبة. وثالثها: أن يقلل من المحفوظ، لا يحفظ كثيراً ويكفيه أن يحفظ خمس آيات ويكررها كثيراً. رابعها: أن يقرأ بما حفظ في النوافل والصلوات. وخامسها: أن يقرأ تفسير ما حفظ من مثل: تفسير ابن كثير، لأن معرفة معاني القرآن تنفع بإذن الله في حفظه.

стр. 242

ظاهرة تكرار الوقوع في المعاصي السؤال أنا عبد ضعيف السيطرة على نفسي عند التعرض للمعاصي، وبعد الانتهاء كأني أفيق من غفوة، فأتوب وأستغفر وأتحسر على فعلها، علماً أني أحاول التمسك بديني وأحب الصالحين، فما تنصحني؟ الجواب أنصحك ونفسي بتجديد التوبة، وبالعزيمة الصادقة على عدم العودة، وبالندم على ما فعلت، وأما قضية أن الإنسان يستغفر هذا استغفار الكذابين. قيل لأحد الناس: رجل يزاول المعصية ويستغفر، قال: استغفار الكذابين، وكذلك يشرب الخمر فكلما أخذ منه قدراً قال: أستغفر الله، أو يسرق ويوم يسحب الكبش من الحوش يقول: أستغفر الله وأتوب إليه، أي استغفار هذا؟! يخادعون الله وهو خادعهم. قال الجنيد: من زاول المعصية وهو يستغفر، فقد ضحك على نفسه، إي والله، فما علينا إلا أن نتوب ونستغفر الله ونندم على ما فعلنا. ومن الحلول: أن ندرأ بالحسنات السيئات قال تعالى: ﴿وَيَدْرَأُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ﴾ [الرعد:٢٢] ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ﴾ [هود:١١٤] فأنا أوصيك ونفسي بأمور حتى تقف قوياً أمام المعاصي: أولاً: الدعاء في أدبار الصلوات، وآخر الليل، وفي السجود، تدعو الله أن يصرف قلبك عن المعاصي، وأن يهديك سواء السبيل، وأن يثبتك حتى تلقاه، وإن كان لك أم فاسألها أن تدعو لك. أتى رجل مقعد يحمل على المحثة -كالدراجة- ولا يستطيع المشي إلا بهما، فقال للإمام أحمد: يا أبا عبد الله! ادع لي، قال: هل لك أم؟ قال: نعم، قال: أخبر العجوز أن تدعو لك، فذهب هذا الرجل قال: أخبرني الإمام أحمد وأوصاني أن تدعي لي، فقالت: اللهم أطلق قيده، فقام يمشي في لحظة، هذا في سيرة الإمام أحمد موجود، فمن كان له أم، أو أب فعليه أن يدعو له ليصرف قلبه الله عن المعاصي، وأن يثبته على الطاعة. ثانياً: أن تكثر من الاستغفار دائماً وأبداً. ثالثاً: أن تتصدق بشيء من المال. رابعاً: أن تقرأ كتاب الله بتدبر، وأن تزور القبور وتتذكر لقاء الله.

стр. 243

حكم خروج الدم في الصلاة السؤال ما حكم من خرج دمه في الصلاة وهو في التشهد الأخير؟ الجواب من خرج دمه في الصلاة فالصحيح أن يتم صلاته ولو أن في بعض المذاهب أنه يقطع صلاته ويخرج منها ويعيد الصلاة، لكن الصحيح: لا، لأن الأدلة دلت على أنه من خرج منه دم في الصلاة فليستمر وصلاته صحيحيه، ثم بعدها يتوضأ. والدليل أن عمر ﵁ طعن وهو في الصلاة فأتم صلاته وهو مطعون، ويقول البخاري: وكان أصحاب محمد ﷺ يصلون في جراحاتهم، قال: وأخذ ابن عمر بثرة من جسمه، فخرج الدم وصلى ولم يعد الصلاة، إلى غير ذلك من الأدلة.

стр. 244

الالتفات والضحك في الصلاة لغير حاجة السؤال ما حكم من تهاون في الصلاة بالالتفات والضحك؟ الجواب من التفت في الصلاة لا لحاجة، وإنما للاستهزاء والاستهتار بالصلاة فهو كافر أي: أن من استهزأ بشيء من أمر الله ومن شرع الله، فقد كفر، قال تعالى: ﴿قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ * لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾ [التوبة:٦٥ - ٦٦] فهذا كفر بواح وما له إلا أن يتوب ويراجع دينه، ومن استهزأ بشيء من القرآن، أو سنة الرسول ﷺ فهذا هو الكفر، وأما الالتفات للحاجة فهو جائز على وجه الندور، مثل: أن ينظر لمحاً إلى قبلته أو لحاجة، أو ينظر إلى الإمام بشرط أن يكون في الصف الأول، أما من التفت فيعد سقف المسجد، أو ينظر إلى المصلين عن يمينه ويتفقد الجيران، أن ينظر خلفه، فقد أبطل صلاته. والرسول ﷺ أحدث بعض الحركات لكن لحاجة الصلاة، ونهى ﷺ عن كثرة الحركات، ومما يفهم من الحديث أنها تبطل الصلاة بكثرة الحركات.

стр. 245

السلام على من يقرأ القرآن السؤال ما حكم السلام على من يقرأ القرآن؟ وهل يرد من يقرأ القرآن على كل من سلم في المسجد؟ الجواب السلام على من يقرأ القرآن سنة، وبعض الناس يقولون: لا يسلم على من يقرأ القرآن وليس هناك دليل على أنه لا يسلم على من يقرأ القرآن؟ بل ورد أن كثيراً من الصحابة كانوا يسلمون على الرسول ﷺ وهو في الصلاة، فما بالكم إذا كان يقرأ القرآن بغير صلاة. وقيل: يتوقف القارئ ويقول وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، وإن كان عنده جماعة في المسجد وهو يقرأ وهم لا يقرءون فإن ردوا فقد كفوه، لكن لو رد كان أفضل الأجر وأحسن مآلاً في السنة.

стр. 246

النهي عن حلق اللحية السؤال ما حكم من يحلق لحيته؟ الجواب حلق اللحية حرام، ودين الله ليس فيه مداهنة ولا مجاملة ولا محاباة، هذا أمر أنزله الله من فوق سبع سماوات , والرسول ﵊ ذكر أكثر من عشرة أحاديث، وهو يقول: ﴿خالفوا المجوس﴾ ﴿قصوا الشوارب وأعفوا اللحى﴾ ﴿أرخوا اللحى﴾ ﴿وفروا اللحى﴾ كلها ألفاظ خمسة -كما يقول النووي في شرح صحيح مسلم -: اعفوا واتركوا وأسدلوا وأرخوا كلها للحى، وحفوا وجزوا وقصوا كلها للشوارب. والرسول ﵊ أتاه رسولا باذان العجمي من اليمن، وقد حلقا لحاهما، فقال ﷺ : من أمركما بهذا؟، قالا: أمرنا ربنا - يعني ملكهم - قال: ﴿إن ربي أمرني بإعفاء لحيتي وقص شاربي﴾ أو كما قال ﵊.

стр. 247

حكم إسبال الثياب وتطويل الشعر السؤال ما حكم تطويل الشعر وإسبال الثياب؟ الجواب تطويل الشعر فيه تفصيل: إن كان يطول شعره للتمسك بالسنة فهو حسن، وبشرط أن يربي لحيته؛ لأن بعض الناس الآن يطول شعره على أكتافه -جدائل- ولحيته يحلقها على الصفر من الأذن إلى الأذن، فإذا قلت مالك؟ قال: أتبع السنة، فتح الله عليك ما أحسن هذه السنة! اللحية لا سنة فيها، وشعر الرأس فيه سنة، ﴿أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ﴾ [البقرة:٨٥] ﴿وَقَالُوا هَذِهِ أَنْعَامٌ وَحَرْثٌ حِجْرٌ لا يَطْعَمُهَا إِلَّا مَنْ نَشَاءُ﴾ [الأنعام:١٣٨] لا، وجد من الناس من قال هذا الكلام. إن ربى شعر رأسه مع لحيته فهو مأجور باتباع السنة، والرسول ﷺ ربما ضرب شعر رأسه إلى شحمة أذنيه، وربما وصل إلى كتفيه أحياناً، وهذه جمة ولمة، وتسمى وفرة في بعض الأحاديث. وأما إسبال الثياب فهو من الخيلاء وهو حرام، ولا ينظر الله إلى من جر ثوبه خيلاء، وبعض الناس يقول: أنا لا أجره خيلاء، نقول: هذه العلة سواء أتت أم لم تأت فحرام؛ لقوله ﷺ : ﴿ما أسفل من الكعبين فهو في النار﴾. يسامح العبد حتى يصل ثوبه، أو بشته، أو أي لباس له إلى الكعبين، وأما ما زاد فهو حرام في النار.

стр. 248

حكم وضوء من في يديه أو رجليه حناء السؤال ما حكم من يخضب يديه ورجله بالحناء من جهة الوضوء؟ الجواب خضاب اليدين والرجلين للرجال حرام لا يجوز إلا لحاجة، والحاجة قالوا: مرض لايداويه إلا الحناء، وهذا يسمى التشبه بالنساء، ورأى الرسول ﷺ كما في سنن أبي داود رجلاً مخضوب اليدين فعزره وأخرجه على غدير الخضمات ناحية في المدينة، فلا يجوز الخضاب -بارك الله فيكم- للرجال، وما اشتهر في بعض النواحي من خضب اليدين والرجلين للرجال هذا خطأ، ومخالفة للشريعة، وهو مسنون في حق المرأة، ونهى الرسول ﷺ الرجل أن يختضب ونهى المرأة أن تبقى بلا خضاب، أتت هند بنت عتبة - أحدى المسلمات- تبايع الرسول ﵊ فمدت يدها، قال: ما هذه اليد التي كأنها يد سبع، ثم قال: ﴿إني أكره أن تكون المرأة سلتاء مرهاء﴾. قال أهل العلم: السلتاء التي لا تختضب، والمرهاء التي لا تكتحل، فعلى المسلم أن يأمر أهله بالخضاب والاختضاب إلا التي حدت على زوجها، وهناك رسالة اسمها الاقتضاب في حكم الخضاب ذكر هذا الحديث كلام بعض أهل العلم في هذه الرسالة. وبالمناسبة كثير من الناس اشتهر عندهم أن يخضبوا لحاهم بالخضاب الأسود وهو منهي عنه إلا لذي سلطان، وقد رخص له كثير من السلف ليكون أرهب لعدو المسلمين، أما غيره فلا يجوز أن يختضب بالخضاب الأسود، ولو جوز بعض أهل العلم، فالحديث الصحيح ينص على عدم الخضاب، والرسول ﷺ يقول لوالد أبي بكر: ﴿غيروا شيب هذا وجنبوه السواد﴾ فالمقصود: أنه يغير شيب اللحية بشيء من الألوان كالقتم وكالحناء وكالورس، أما الأسود فلا يغير به، قال أهل العلم: لأن السبب في هذا هو خديعة الناس، فيظهر للناس -من تدليسه- وهو في الثمانين كأنه في الثلاثين، وقد جاءت الشريعة برفع الحيل، لأن فيه دجلاً عليهم.

стр. 249

حد الزنا لغير المحصن السؤال رجل وقع على امرأة وهو غير محصن فما عقوبته؟ الجواب إذا كان بكراً فجلد مائة وتغريب سنة، ولكن عليه أن يتوب ويستغفر الله ويتقي الله ويتذكر موعد الله، ولا يقدم نفسه للسلطان، يستتر بستر الله ولا يقدم نفسه للقضاء، ولا للسلطان، وليبق في بيته وليبكِ على خطيئته علَّ الله أن يتوب عليه إذا تاب وأقلع وندم على ما فات، وتصدق وعمل الصالحات، قبل أن يفضحه الله على رءوس الخلائق، فإن في النار- نسأل الله العافية - أفراناً للزناة يتضاغون فيها من الهم والغم والحميم.

стр. 250

المسلم الملتزم وطاعة الوالدين السؤال ما رأيك فيمن هداه الله إلى الالتزام بأحكام الإسلام، ولكنه يسب والديه؟ الجواب هذا من الفسقة إذا سب والديه كما يقول السائل: إنه يسب والديه ويلعنهما ويعصيهما، فهو من الفسقة لكنه لا زال في دائرة الإسلام، وترد شهادته بعصيانه لوالديه وبلعنه وسبه لهما، وعليه أن يتوب ويستغفر الله ، وما هناك طريق لنا إلا التوبة كما تكرر كثيراً في الكلمة.
следующие страницы →