← Джавами‘

Джавами‘ · id 7708

دروس الشيخ عائض القرني

عائض القرني

Полный текст (10 391 стр.). Показаны 2626–2665 · переход к 2631.

стр. 2626

برنامج المحاضرات الصيفية السؤال ما هو برنامج المحاضرات في الصيف؟ الجواب لقد أقبل الناس علينا في هذا الصيف من كل المناطق، ومن كل أنحاء الخليج، وهم ينتظرون منكم يا أهل أبها أن تقدموا صورة المسلم الذي يستقبل ضيفه بالإيمان؛ لأنهم يسمعون عنكم أنكم في مجتمع محافظ، وسمعنا من أهل الكويت وقطر أن أهل أبها تفوقوا في عالم الإيمان والخلق الجم، فأريد أن نري أولئك أننا من أحفاد أبي بكر وعمر وعثمان وعلي حملة الرسالة، ولا نقدم لهم صوراً مزرية -والعياذ بالله- من المعاصي، ولا نطاوعهم على المعاصي وعلى تلطيخ سمعتنا وجاهنا وجمالنا أمام الناس، فدعوتي للجميع أن يحملوا الدعوة في الخلق، الدعوة بالتعامل وبالكلمة وبإهداء الشريط الإسلامي وبالكتيب وبالتأثير فيهم، فإنهم سوف يدخلون البيوت يستأجرون وينزلون المنتزهات كأنهم في منى، وسوف يغلون علينا الأشجار والأسعار، هذه فائدتنا منهم، فغفر الله لنا ولهم، وحياهم الله على كل حال. أما برنامج الصيف فسوف يعلن وسيكون هناك برنامج من مركز الدعوة، وبرنامج آخر من التوجيه أو ما يسمى المصطافين ومن النادي الأدبي، وسوف يكون هناك أمور منسقة وستعلن، وأما الدروس هذه فهي ثابتة إن شاء الله، وسوف تزاد في الصيف؛ لأننا نتوقع عدداً هائلاً من الناس سوف يفدون.

стр. 2627

الذكاء ليس في علوم الدنيا السؤال إنني أتابع المحاضرات وأصلي كل وقت وأعمل بعض الخير ولكني سيء الفهم، فما تنصحني؟ الجواب لست بسيئ الفهم، بل أنت جيد الفهم، ومادمت أنك تصلي وتحضر المحاضرات فأنت ذكي، والذكاء ليس حفظ جدول الضرب كله ثم لا يصلي الفجر، هذه بلادة، يقول الذهبي عن ابن الراوندي: كان ذكياً ولم يكن تقياً. فلعن الله الذكاء بلا تقوى وحيا الله البلادة بالتقوى، تعيش وما تعرف من جدول الضرب شيئاً لكنك تصلي الصلوات الخمس أنت من الأولياء، لكن إنسان يحفظ الجبر والهندسة والرياضيات وهندسة التربة وهو مجرم فهو كلب والعياذ بالله، هذا معروف، ولذلك أنت جيد الفهم. أحد المجانين دخل على عالم سوري في حلب عنده مكتبة، فالعالم هذا ذهب إلى مزرعته في البستان، فأتى المجنون فأخذ كبريتاً فأحرق المكتبة كلها فاشتعلت، فجاء العالم ومسكوا المجنون وقالوا: مالك يا فلان؟ قال: أريد أن أريحك من هذه المكتبة فقد أتعبتك، قال: ولم؟ قال: أتعبت بصرك وأتعبتك، دائماً في المكتبة، ورأيتك خرجت ترتاح في البستان فقلت: أريحك منها، قال: كيف تريحني من كتبي؟ قال: أنا أفهم كل ما في المكتبة، قال: ماذا في المكتبة؟ قال: المكتبة كلها تقول لك: كن جيداً، كن جيداً، فأخذه الناس مثلاً، وهذا الكلام صحيح، كل الكتب والمحاضرات والندوات كلها تقول لك: كن مسلماً مستقيماً جيداً، هذا هو المطلوب، وأنت جيد الفهم لأنك حضرت واستفدت.

стр. 2628

وحشة القلب ودواؤها السؤال أجد في نفسي وحشة، فأرجو نصيحة منك في ذلك والله يحفظك؟ الجواب النصيحة أن تتقي الله ، وأن تثابر على عملك الصالح: ﴿وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْواهُمْ﴾ [محمد:١٧] وقال ﵊ فيما يرويه عن ربه: ﴿وما تقرب إلي عبدي بأحب أليَّ مما افترضته عليه، ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به﴾.

стр. 2629

حكم التبذير في الطعام السؤال اقترب وقت الذبائح التي تذبح في العطلة الصيفية للقادمين من المناطق الأخرى، وأكثرها يرمى في المزابل، وإذا نصحنا الناس احتجوا بحديث الرسول ﷺ : ﴿من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه﴾ فما نصيحتكم؟ الجواب هذا الحديث صحيح، لكن ليس معنى الحديث: أنه من كان يؤمن بالله واليوم الآخر أن يكرم الكلاب والقطط، فإن بعض الناس يكرم الكلاب والقطط في المزارع، وهذا ليس وارداً في الكتاب ولا في السنة، ووصيتنا لإخواننا الاقتصاد، وأظن أن هذا بدأ يحد منه؛ لأنه مرت بالناس طفرة، كان أحدهم إذا أتى عنده ثلاثة ضيوف ذبح لكل رجل منهم شاة واعتذر، وإذا زاد الضيوف ذبح لهم مجموعة وقال: الرأس منكم يستاهل الرأس ولكن المعذرة، بل الله المستعان على هذه المعذرة، كلها رياء وسمعة: ﴿وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بَطَراً وَرِئَاءَ النَّاسِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَاللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ﴾ [الأنفال:٤٧]. هؤلاء الذين يكثرون الذبائح إذا طلبتهم في مشروع خير تجدهم من أبخل الناس، يخرج ريالاً ويفركه عند باب المسجد حتى لا يلصق ريال آخر ويقول: تفضل، وإذا خرج من المسجد قال: اللهم أدخلني به الجنة وارفع منزلتي عندك واجعلني من العشرة!!

стр. 2630

حكم الحناء للرجال السؤال ما حكم الحناء للرجال؟ الجواب ورد عند أبي داود -لكن سنده ضعيف- ﴿أن الرسول ﷺ نفى رجلين إلى غدير الظلمات اختضبوا بالحناء﴾ الحناء الذي تستخدمه النساء لا يجوز للرجال؛ لأنه من باب تشبه الرجل بالمرأة، إلا إذا كان من باب الدواء والعلاج، إذا كان لتبريد حرارة في جسمه أو لعلاج فلا بأس، أما أن يلطخ جسمه بالحناء فهذا من التشبه المنهي عنه ولا يجوز له، تجد رجلاً كفاه ورجلاه مخضبة من أوله إلى آخره هذا لا يصلح، فهو خاص للنساء وليس للرجال، إلا إذا كان لضرورة علاج فليعلم ذلك. وصلى الله على محمد وسلم تسليماً كثيراً.

стр. 2631

الإنجاز العلمي في حياة الرسول كم كان ﷺ مجلاً للعلم والعلماء! وكم حث على العلم والتعلم! ولا غرابة في ذلك فإن أول كلمة أنزلت عليه ﷺ هي كلمة (اقرأ) فعاش ﷺ كما وصف نفسه معلماً، وجعل خير الناس من تعلم القرآن وعلمه.

стр. 2632

فضل العلم وأهله حمداً لمن بلغنا المراما وزادنا من فضله إكراما ثم صلاة الله تترى ما سرى برقٌ على طيبة أو أم القرى مع السلام يغشيان أحمدا وآله المستكملين الرشدا حمداً لك اللهم علمتنا وما كنا لنتعلم، وفقهتنا وما كنا لنتفقه، رفعت بالإسلام رءوسنا وقد كانت مخفوضة، وشرحت بالإيمان صدورنا وقد كانت ضيقة، وأنرت بالعرفان عيوننا وقد كانت عمياً، وأسمعت باليقين آذاننا وقد كانت صماً. اللهم صل وسلم على رسولك الأمي، الذي فجر من الجزيرة الغبراء العلم للدنيا، الأمي الذي رفع الكلمة للبشرية فأسمع الدنيا، والأمي الذي خطب على منبر الحياة فسمعته الأجيال، والذي تكلم فكان أفصح خطيب، وأجل مفتي، وأحسن مدرس، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً، أمَّا بَعْد: فأشكر الله شكراً جزيلاً، وأثني عليه ثناءً عطراً جميلاً، ثم أشكر أهل الفضل، وعلى رأسهم مدير هذه الجامعة، معالي الدكتور/ راشد الراجح. وأشكر العلماء الأفاضل النبلاء، ثم أشكر هيئة التدريس في الجامعة، وأشكركم أيها الإخوة الزملاء الطلاب، وأشكر الجمع، وأسأل الله أن يكتب هذه الجلسة في ميزان الحسنات، يوم تتساقط صحائف المبطلين، ويوم يندحر الغابرون، ويوم يفشل المهزومون الذين ما رفعوا الإيمان والحب والطموح. ربنا تقبل منا أحسن ما عملنا، وتجاوز عن سيئاتنا في أصحاب الجنة، وعد الصدق الذي كانوا يوعدون. كان حقيقاً أن نتكلم في هذا الموضوع لسببين: السبب الأول: أن الرسول ﵊، شريعته متهمة من الأقزام والحقراء، ومن الذين يسيرون على التراب وهم أرخص من التراب. والسبب الثاني: أنني في جامعة غراء، أبدت نتاجها للعالم، طلابها، وكتبها، فكان أولى ما أقول في هذا العلم، وفي هذا الموضوع وهو الإنجاز العلمي في حياة الرسول ﵊. أما عناصر الموضوع: فأولها: حثه ﷺ على العلم وفضل العلم. الثاني: تشجيعه ﷺ للعلماء وللأساتذة والمربين. الثالث: طريقة تعليمه ﷺ ، كيف علم الناس وتندرج تحتها أربع مسائل: المسألة الأولى: القدوة بالعمل والتعليم بالقدوة. المسألة الثانية: ضرب الأمثلة. المسألة الثالثة: الخطابة والوعظ. المسألة الرابعة: مراعاة المناسبات. الرابع: مبدأ التخصص العلمي كما وضعه ﷺ للناس. لقد قلت: إن من أسباب هذه المحاضرة: أن شريعة الرسول ﵊ تعرضت للنقد اللاذع من أعداء البشرية والإنسانية، أعداء الإنسان يوم يكون مؤمناً، وهذه سنة الله الخلقية الكونية والشرعية الأمنية؛ قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً﴾ [البقرة:١٤٣] وقال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوّاً مِنَ الْمُجْرِمِينَ وَكَفَى بِرَبِّكَ هَادِياً وَنَصِيراً﴾ [الفرقان:٣١]. اسمع معي إلى أبي العلاء المعري في مقطوعة جميلة له عن العظماء والأقزام وعن النبلاء والحقراء يقول: إذا عير الطائي بالبخل مادر وعير قساً بالفهاهة باقل وقال السهى للشمس أنت كسيفة وقال الدجى للبدر وجهك حائل فيا موت زر إن الحياة ذميمة ويا نفس جدي إن دهرك هازل أما قضية فضل العلم، وحثه ﷺ عليه، فأكبر إنجاز وضعه ﷺ للبشرية أنه كان معلماً ﵊، والحديث الذي عند الحاكم، ولو أن فيه نظراً: ﴿إنما بعثت معلماً﴾. إذا علم هذا؛ فليس العجيب أن يبعث معلماً يعلم الناس، وليس العجيب أن يتكلم خطيب في البشرية، لكن العجيب أن يأتي أمي من بين جبال مكة السود فيخاطب البشرية وهو أمي، يقول أحد الشعراء: أتطلبون من المختار معجزةً يكفيه شعب من الأموات أحياه ويقول آخر: كفاك باليتم في الأمي معجزةً في الجاهلية والتأديب في اليتم فيوم أن بعث ﷺ لا قرأ، ولا كتب، وما تعلم، ولكن علمه الله بعد أربعين سنة، ليخرج عالماً ﵊، لكن عالم أعجز العلماء، وعظيم أعجز العظماء، ومربٍ أعجز المربين. الله رباه، والله علمه، والله فقهه. الله ميز بالعلم حتى الكلاب، فالكلب المعلم صيده حلال، لكن الكلب الجاهل غير المعلم صيده حرام؛ ولله در من قال: وميز الله حتى في البهائم ما منـ ها يعلم عن باغ ومغتشم قال تعالى: ﴿مُكَلِّبِينَ تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ﴾ [المائدة:٤] الهدهد حيوان طائر، لكنه يوم أن عرف علماً، تبجح أمام سليمان ﵇، وقال وجئتك من سبأ بنبأ يقين، ولذلك قال الله : ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ [الزمر:٩] ثم ترك الجواب، أي: لا يستوون. وقال تعالى: ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾ [المجادلة:١١] وقال : ﴿وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ﴾ [العنكبوت:٤٣]. أيها الأساتذة الأخيار! يا دعاة العالم! -يوم ألا يكون للعالم إلا أنتم- إن داعيتكم الأول الرسول ﵊ أتى بهذه الآيات، فيوم أراد الله أن يستشهد على ألوهيته استشهد العلماء، قال تعالى: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِماً بِالْقِسْطِ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [آل عمران:١٨] والله يقول في الآيات: ﴿بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ﴾ [العنكبوت:٤٩]. إذا علم هذا؛ فتعال معي إلى تشجيعه ﷺ للعلم، وقد ورد أن الرسول ﵊ كان يذهب بعلمه إلى الحداد الذي ينفخ الكير وهو خباب بن الأرت، فيعلمه وهو على كيره، فيقول الجاهليون: يعلمه خباب القرآن، فيقول الله : ﴿وَلَقدْ تَعْلَمَ أنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ﴾ [النحل:١٠٣] كيف يعلم الأعجميُّ العربيَّ؟! كيف يعلم اللكن اللسنَ؟! كيف يعلم العييُّ الفصيح؟! كيف يعلم التلميذُ الشيخَ؟! لا يكون هذا، لكن الرسول ﵊ هو كما قال الله له مبتدئاً بالعلم؛ قال تعالى: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ﴾ [محمد:١٩] قال البخاري في الصحيح: (فبدأ بالعلم قبل القول والعمل). وفي الصحيحين من حديث أبي موسى قال: قال ﷺ : ﴿مثل ما بعثني الله به من الهدى والعلم كمثل غيث أصاب أرضاً، فكان منها أرضٌ طيبة -وعند مسلم نقية- قبلت الماء، فأنبتت العشب الكثير، وكان منها أرض أجادب أمسكت الماء؛ فنفع الله بها الناس فسقوا وزرعوا، وكان منها طائفة إنما هي قيعان لا تمسك ماءً ولا تنبت كلأً، فذلك مثل من فقه في دين الله ونفعه ما بعثني الله به فعلم وعلَّم، ومثل من لم يرفع بذلك رأساً، ولم يقبل هدى الله الذي أرسلت به﴾ وما أحسن هذه الكلمات. بالله لفظك هذا سال من عسل أم قد صببت على أفواهنا العسلا أم المعاني اللواتي قد أتيت بها أرى بها الدر والياقوت متصلا لماذا قال في الحديث: الغيث، ولم يقل: المطر؟ ولماذا قال: بعثني، ولم يقل: أرسلني؟ ولماذا قال: أرض طيبة، ولم يقل: تربة طيبة؟ ولماذا قال ﷺ : الهدى، والعلم، ولم يقل: الهدى ويسكت، أو قال: العلم، ويسكت؟ هذه أسرار بلاغية في الحديث. أما قوله الغيث ولم يقل المطر، فإن الله لا يذكر الغيث إلا للرحمة مطلقاً أو غالباً في القرآن، وإذا أراد الله العذاب قال: ﴿وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ مَطَراً فَسَاءَ مَطَرُ الْمُنذَرِينَ﴾ [الشعراء:١٧٣] فعدل ﷺ من المطر إلى الغيث قال القرطبي " لأن الغيث صافٍ من السماء " فشبه علمه بالغيث الصافي الذي لم تخالطه الفلسفة، ولم يدخله المنطق، أخزى الله الفلاسفة والمنطقيين، فدحرهم في دورهم وعقر حلوقهم. ابن تيمية يقول: " المنطق لحم جمل غث على رأس جبل وعر، لا سمين فينتقى، ولا سهل فينتقل" وقال: " المنطق لا ينتفع به الذكي ولا يفهمه البليد " وقال: " إن الله سوف يسأل المأمون -الخليفة العباسي- عما أدخل في خلافة المسلمين من المنطق، نحن أمة قال الله وقال رسوله، لا خزعبلات ومفتريات ابن سينا، وأمثال ابن سينا، أذناب الصابئة وأفراخ المجوس.

стр. 2633

تلازم العلم والعمل والإيمان أتى ﷺ بعلمه من السماء، قال: ﴿مثل ما بعثني به الله به من الهدى والعلم كمثل الغيث﴾ والغيث فيه غوث للقلوب وكذلك العلم، وقال ﵊: ﴿من العلم والهدى﴾ لأن رسالته ﷺ أتت بالعلم الذي هو العلم النافع، والهدى العمل الصالح. ولذلك قال ابن تيمية في اقتضاء الصراط المستقيم -نقلاً عن سفيان بن عيينة -: " من فسد من عبادنا ففيه شبه بالنصارى، ومن فسد من علمائنا ففيه شبه باليهود " لأن رسالته ﷺ ليست ساذجةً تعبديةً تقليديةً، وليست علميةً تنظيريةً؛ بل جمعت بين العلم والعبادة، وبين الفكر والإرادة، وبين المعتقد والسلوك، ولذلك ذم الله بني إسرائيل بأنهم تعلموا لكنهم لم يعملوا بعلمهم، قال تعالى: ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ * وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ ذَلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنَا فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ) [الأعراف:١٧٥ - ١٧٦] ووصف الله بني إسرائيل بصفة الحمار: ﴿كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَاراً﴾ [الجمعة:٥] والحمار لا يفهم ولا يعقل ولو حمل الأسفار على ظهره؛ لأن السر فيه أنه حمار. تقول له زيداً فيسمعه عمراً ويكتبه بكرا ويقرؤه فهرا قال الجدار للوتد لم تشقني؟ قال: اسأل من يدقني! لذلك إذا لم يكن هناك إرادة وإيمان فلا ينفع العلم: لعمرك ما تدري الضوارب بالحصى ولا زاجرات الطير ما الله صانع ولذلك لا يكون العلم بحفظ المجلدات والمصنفات، ولكنه إرادة إيمانية، ولذلك قال الله تعالى: (الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَالْأِيمَانَ) [الروم:٥٦]؛ لأن العلم بلا إيمان علمانية أتاتوركية موتاً أتاتورك الدعي كموت تيتو أو جمال وأتاتورك عَبَدَ العلم، وعَبَّدَ الأتراك للعلم، وجعل العلم إلهاً يعبد من دون الله، وقال: لا إله إلا العلم. فعلم بلا إيمان خسارة وتباب، يقول أبو الحسن الندوي ذاك المفكر المحبوب سقى الله عظامه يوم يموت من شآبيب الجنة: " عين بلا إيمان مقلة عمياء، وقلب بلا إيمان كتلة لحم ميتة، ومجتمع بلا إيمان قطيع من البهائم السائمة". ونحن نقول: وقصيدة بلا إيمان كلام مصفف، وكتاب بلا إيمان كلام ملفف، وكلمة وخطبة بلا إيمان صهيل وزمجرة لا فائدة فيها. إذا علم هذا؛ فالرسول ﷺ أراد أن يجمع بين العلم والإيمان، وأراد أن يجمع بين العلم والعمل. والنصارى عبدوا الله لكن لم يتعلموا، واليهود تعلموا ولم يعبدوا، قال تعالى: ﴿فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ﴾ [المائدة:١٣] والنصارى عبدوا الله، صلوا وركعوا وسجدوا، لكنهم متخلفون رجعيون لا يفهمون ولا يعقلون: ﴿وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ﴾ [الحديد:٢٧]. أما أشباه اليهود -كما يقول ابن تيمية - فهم فسقة العلماء. أرأيتم طالب علم يتخرج من جامعة ثم يكون فاسقاً؟! ما أدهاه! لو كان راعي غنم كان أفضل له، لكن يتخرج من الجامعة، ثم يكون فاسقاً عربيداً، هذه هي المشكلة. فأشبه اليهود فسقة علماء الأمة نعوذ بالله من الفسق، وأشبه النصارى غلاة الصوفية، يأتون بأمور تضحك الذي هو في سكرات الموت. يقول الخطابي في كتاب العزلة: " أتى صوفي غالٍ فأخذ شيئاً بغراءٍ ألصقه على عينه اليسرى، فقالوا: مالك؟ قال: إسراف أن ننظر إلى الدنيا بعينين، فقال: انظروا إلى هذا المخرف كيف جحد نعمة الله، والله يمتن على الناس ويقول: ﴿أَلَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ * وَلِسَاناً وَشَفَتَيْنِ * وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ﴾ [البلد:٨ - ١٠]. وقال ابن الجوزي في تلبيس إبليس: " رؤي صوفي يقرأ وهو ينعس في صلاة الظهر، قالوا: " مالك؟ قال: سهرت البارحة في النافلة؛ فما استطعت أن أصلي الظهر إلا وأنا ناعس، قال: فانظر إلى جهله كيف صلى النافلة حتى ترك الفريضة ". إذا علم هذا؛ فشجع ﷺ العلماء بأن الله بعثه معلماً ﵊، يقول لـ معاذ: ﴿إنك تأتي يوم القيامة تقدم العلماء برتوة﴾ والرتوة: رمية بحجر أو بخطوة؛ يقود العلماء، سلام على معاذ! يقول ابن مسعود: [[معاذ كان أمة قانتاً لله حنيفاً ولم يك من المشركين شاكراً لأنعمه اجتباه وهداه إلى صراط مستقيم] ١٠٠٠٠٣٥>معاذ عاش ثلاثاً وثلاثين سنة، لكنها تعادل في ميزان الحق والإيمان ثلاثاً وثلاثين قرناً، كان يتكلم بعلم، ويفتي بعلم، وهو حسنة من حسنات المصطفى ﷺ ، في سنن أبي داود بسند جيد قال: ﴿أخذ ﷺ بأصابعه فشبك أصابعه بأصابعه وقال: يا معاذ والله إني لأحبك﴾ معلم البشرية يقول لأحد تلاميذه: ﴿والله إني لأحبك، فيقول معاذ: فوالله يا رسول الله، إني أحبك، فيقول رسول الله: يا معاذ لا تدع في دبر كل صلاة أن تقول: اللهم أعني على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك﴾. حضرت الوفاة معاذاً في الشام، فلما حضرته سكرات الموت، ما ندم على قصر بناه، ولا على نهر أجراه، ولم يشتغل بالحدائق والقصور لكنه بكى، قالوا: مالك تبكي؟ قال: [[مرحباً بالموت، حبيباً جاء على فاقة، لا أفلح من ندم، اللهم إنك تعلم أني لم أحب الحياة لغرس الأشجار، ولا لجري الأنهار، ولا لرفع القصور، ولا لعمارة الدور، ولكني كنت أحب الحياة لثلاث خصال: لمزاحمة العلماء بالركب في حلق الذكر، ولمجالسة قوم ينتقون أطايب الكلام كما ينتقى أطايب الثمر، ولأعفر وجهي ساجداً لله ]. ومما زادني شرفاً وفخراً وكدت بأخمصي أطأ الثريا دخولي تحت قولك يا عبادي وأن صيرت أحمد لي نبياً خرج ابن المبارك العالم الجليل من أم القرى -يا أهل أم القرى - ببغلته للجهاد، وترك الحلقة في الحرم، قالوا: الفريضة بمائة ألف صلاة؟! فردد بيتيه المشهورين: بغض الحياة وخوف الله أخرجني وبيع نفسي بما ليست له ثمنا إني وزنت الذي يبقى ليعدله ما ليس يبقى فلا والله ما اتزنا وذهب إلى الجبهة وقاتل، وأتته رسالة من العالم الفضيل يشجعه على العلم، لكن العلم يشجع أصحابه على التخصصات في وقتها، فكتب ابن المبارك إليه يقول له: يا عابد الحرمين لو أبصرتنا لعلمت أنك بالعبادة تلعب من كان يخضب خده بدموعه فنحورنا بدمائنا تتخضب

стр. 2634

حثه ﷺ على العلم الرسول ﷺ يحث العلماء فيقول كما في صحيح البخاري: ﴿رأيت البارحة﴾ ﷺ ، ورؤياه حق، قال البخاري في الصحيح: باب رؤيا الأنبياء حق، وقال الله عن إبراهيم: ﴿إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ﴾ [الصافات:١٠٢] فقام يذبح ابنه فرؤياهم حق، قال ﵊: ﴿رأيت البارحة، كأني أتيت بإناء من لبن فشربته حتى إني لأرى الري يخرج من أظفاري -ري العلم- قال: ثم أعطيت فضلتي عمر بن الخطاب، قالوا: فما أولت ذلك يا رسول الله؟ قال: العلم﴾ فـ عمر بن الخطاب من أعلم الناس، وهو ما شرب إلا فضلة المصطفى ﷺ . وفي الصحيح يقول ﵊: ﴿رأيت البارحة أن الناس عرضوا عليَّ، وعليهم قمص منها ما يبلغ الثدي، ومنها ما دون ذلك، وعرض عليَّ عمر بن الخطاب عليه قميص يجره، قالوا: بم أوَّلت ذلك يا رسول الله؟ قال: الدين﴾ فأقوى الناس ديناً بعد أبي بكر، عمر، نشهد الله على حبه، اللهم اجمعنا بـ عمر في مستقر رحمتك، وسقى الله تلك العظام! ذكر صاحب تاريخ داريا بسند جيد، قال: [[كان عمر يخطب على المنبر يوم الجمعة، وجيشه وراء نهر سيحون، أو قريباً من نهر سيحون، فكشف الله له الغطاء حتى رأى الجيش، وهو على المنبر في المدينة، ورأى سارية يحاصر من كل جهة، وقال: يا سارية الجبل، يا سارية الجبل، ونزل، قال الصحابة: مالك؟! قال: أراني الله سارية فأخبرته، ثم أتى سارية منتصراً بعد شهر، قالوا: ماذا حدث لك؟ قال: حوصرت في مضيق، فسمعت -يوم الجمعة والخطباء على المنابر- صوت عمر الذي لا أنكر، وهو يقول: يا سارية الجبل، فألجأني الله للجبل]].

стр. 2635

ابن عباس ودعاء الرسول ﷺ له بالفقه وابن عباس يشجعه ﷺ على العلم، ولو كان هناك أفضل من العلم، لدعا له ﷺ به، يقول ابن عباس: بت عند خالتي ميمونة وأتى ﵊ ورآه نائماً -وهو لم ينم، لكنه متناوم، ليرى السنة والدعاء في الليل- قال لـ ميمونة: نام الغليم؟ قالت: نعم، وهو ما نام. نامت الأعين إلا مقلة تذرف الدمع وترعى مضجعك قال: فأتى الرسول ﷺ ، فذكر الله، وهلل وكبر، ثم نام، قال: حتى سمعت غطيطه -وفي البخاري خطيطه- والخطيط والغطيط صوت يحدثه النائم- فانظر إلى هذا الذكي يحفظ الغطيط والخطيط والدعاء، وآداب الوضوء، وكيف صلى مع الرسول ﷺ في ليلة. ثم استفاق ﷺ يعرك النوم من عينيه ويقول: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَار﴾ [آل عمران:١٩٠] فعرف ابن عباس أن الرجل إذا قضى حاجته، يحتاج إلى ماء، وهذا من الفقه في الدين، ووضع الماء ورجع ينام، وأتى ﷺ يسائل نفسه وقال: من وضع لي الماء؟ ثم عرف، قال: ﴿اللهم فقهه في الدين وعلمه التأويل﴾ وهذه ليلة الميلاد في حياة ابن عباس، ولد ابن عباس في تلك الليلة، لأن للإنسان مولدين: مولد جسماني، ومولد روحاني، فمولده الجسماني يوم يسقط من بطن أمه: ولدتك أمك يابن آدم باكياً والناس حولك يضحكون سرورا فاعمل لنفسك أن تكون إذا بكوا في يوم موتك ضاحكاً مسرورا ومولده الروحاني يوم يولد في الإسلام، وينغمس في الإسلام، ويرتدي رداء الإسلام، فـ ابن عباس ولد تلك الليلة، قال: ﴿اللهم فقهه في الدين وعلمه التأويل﴾ وسمع ذلك الدعاء وحفظه، وبدأت حياة الفقه في الدين، يأتي عن يساره ﷺ في صلاة الليل؛ فيجره إلى يمينه ويستمر في الصلاة، ودعوة اللهم فقهه في الدين، تطن في أذنه دائماً وأبداً. قال ابن عباس: قال لي أحد الناس من الأنصار: يا ابن عباس، لماذا تطلب العلم، وتجهد نفسك؟ أتظن أن الناس يحتاجون إليك، -أي أنك تبقى حتى يحتاج إليك الناس- قال ابن عباس: فوالله ما زلت أطلب العلم، حتى رأيت ذلك الرجل واقفاً يسألني في مسائل. وقال ابن عباس: [[والله الذي لا إله إلا هو، لقد كنت أخرج من بيتي، فأضع رأسي عند باب الأنصاري؛ فتسف علي الريح بترابها حتى يخرج الأنصاري في القيلولة؛ فأسأله. ولذلك آتاه الله علماً جماً، قال أبو وائل: [[والله لقد رأيت ابن عباس يوم عرفة يشرح سورة البقرة آية آية من صلاة الظهر حتى صلاة المغرب، لو سمعه اليهود والنصارى لأسلموا عن بكرة أبيهم]] العلم شيء عجيب إذا اقترن بالإيمان.

стр. 2636

أبو هريرة وحثيات الرسول ﷺ يأتي أبو هريرة، وهو فقير إلى المدينة وكان يسمع الأحاديث من النبي ﷺ ، وهو لا يكتب ولا يحفظ، فقال: يا رسول الله إني أسمع منك حديثاً كثيراً؛ فادع الله أن يفقهني أو يحفظني، قال: ابسط رداءك، فبسط رداءه، وأتى رسول الله ﷺ يحثو حثواً معنوياً، ويقول: اللهم حفظه أو فقهه -أو كما قال ﷺ وقال: ضم رداءك، قال: فضممت ردائي، فوالله ما نسيت بعدها حرفاً أبداً. ومن أراد أن يعرف حفظ أبي هريرة فليقرأ كتاب دفاعاً عن أبي هريرة لـ عبد المنعم الصالح العلي العزي الذي لو كان في الكتب معجزة، لكان ذلك الكتاب، الذي رد به على أبي رية -رواه الله من نار تلظى- وعلى جولد زيهير المجري الذي تهجم على سنة المصطفى ﷺ . يقول أبو هريرة: ﴿يا رسول الله! من أسعد الناس بحسن شفاعتك﴾ والحديث في البخاري، قال ﵊: ﴿لقد ظننت يا أبا هريرة ألا يسألني أحدٌ عن هذا قبلك، لما علمت من حرصك على الحديث﴾ وقد بوب البخاري على هذا الحديث باباً فقال: باب الحرص على الحديث، فأثنى عليه ﷺ بهذا، ثم أجابه ﴿أسعد الناس بشفاعتي يوم القيامة من قال: لا إله إلا الله مخلصاً من قلبه﴾.

стр. 2637

أبي بن كعب سيد القراء أتى عراقي عند عمر بن الخطاب، وكان أبي أبيض اللحية، وأبيض الرأس، وأبيض الثياب، بياض على بياض، نور على نور يهدي الله لنوره من يشاء فابيضت لحيته وابيض رأسه، قال الذهبي: دعا على نفسه بالحمى؛ لأنه سأل الرسول ﵊، فقال: ﴿يا رسول الله أما يصيبنا من أمراض كفارة؟ قال إي والذي نفسي بيده يا أبا المنذر لا يصيبك هم أو حزن أو مرض، حتى الشوكة تشاكها إلا كفر الله بها من سيئاتك﴾ فقال أبي: [[اللهم إني أسألك حمى لا تعطلني عن فريضة ولا عن حج ولا عن عمرة ولا عن جهاد]] فأصابته حمى أربعين سنة. يقول الذهبي في سير أعلام النبلاء: أكسبته الحمى شراسة ﵁ وأرضاه فكان يقف بجانب عمر وعمر يتحذر بالكلام إذا وُجد أبي، يراقب أبي لأن أبي سيد القراء، وأبي لحدة الحمى كان أبيض اللحية، وأبيض الرأس والثياب، نور على نور. وكان عمر إذا تحدث يقول لـ أبي: أهكذا؟ فيقول أبو المنذر: نعم. فيقول العراقي لـ عمر بن الخطاب: من هذا يا أمير المؤمنين؟! قال: ثكلتك أمك، أما تعرف هذا؟! هذا سيد المسلمين، أبي بن كعب يقول له ﷺ : ﴿يا أبا المنذر! أي آية في كتاب الله أعظم؟﴾ والحديث في مسلم، فيستحي، فانظر إلى الأدب، أصبحت الفتيا عندنا تبرعاً في سبيل الله، ونتسابق في المجلس أيُّنا يفتي، ونحن نتسابق على مزلة من النار، يقول أحد التابعين: [[والله إنكم لتفتون في مسائل، لو عرضت على عمر لجمع لها أهل بدر]] فقال: ﴿يا أبا المنذر! أي آية في كتاب الله أعظم؟ فقال: لا أعلم، فقال الرسول: يا أبا المنذر، أي آية في كتاب الله أعظم؟ فيقول: آية الكرسي، فضرب على صدره -هذا خاتم الشهادة ووسام النبل- وقال له: ليهنك العلم أبا المنذر﴾ إي والله، العلم الذي يحسد عليه. ﴿نزلت سورة البينة، والتي جاء بها جبريل، وقال: يا رسول الله إن الله يأمرك أن تقرأ هذه السورة على أبي، فذهب إلى أبي، وقال: يا أبي، أمرني ربي أن أقرأ عليك هذه السورة، فقال: وسماني؟! قال: نعم. قال: في الملأ الأعلى، فانهد يبكي﴾ أبي رجل من الأنصار ما كان يدرى عنه، لكن جعله الإسلام عظيماً من العظماء، فالرسول ﷺ شجعه، وقال: ﴿ليهنك العلم﴾ وهو العلم الذي يغبط عليه، ولذلك جاء في الصحيحين ﴿لا حسد إلا في اثنتين -يعني غبطة- رجل آتاه الله القرآن فهو يقوم به آناء الليل وآناء النهار﴾ وفي رواية ابن مسعود ﴿رجل آتاه الله الحكمة فهو يقضي بها ويعلمها، ورجل آتاه الله مالاً فسلطه على هلكته في الحق﴾.

стр. 2638

منزلة العلماء في عصر السلف ابن أبي الجعد مولى، وكلنا عبيد لله، من المدينة، كان مع سيده لا يكنس، ولا يطبخ، ولا يذبح كلٌ على مولاه، أينما يوجهه لا يأتي بخير، قال له مولاه: "قد أعتقتك لوجه الله، والله ما أعتقتك إلا وقد عجزت فيك، ما تجيد شيئاً"، قال: "فماذا أفعل؟! " قال: "اطلب العلم"، قال: "فجلست سنة أطلب العلم، وبعد سنة استأذن علي أمير المدينة في القيلولة، فلم ءاذن له؛ فرجع من عند الباب". وعطاء بن أبي رباح: كان أشل أفطس، يقول أحد التابعين: لو جمعت العيوب في الناس لاجتمعت في عطاء. اجتمع ببابه الناس حتى الخليفة سليمان بن عبد الملك أتى يسأله، فقال لـ سليمان: خذ دورك مع الناس ولا تتقدم عليهم وهو خليفة الأمة الإسلامية، قال: فرجع سليمان حتى أتى دوره ثم سأل عطاء فولى، فقال سليمان لأبنائه: "تعملوا العلم، والله ما ذللت لأحد من الناس كما ذللت اليوم لهذا العبد" لأن عطاء عبد، وكلنا عبيد لله، قال الأندلسي لابنه مشجعاً على العلم: " هو العضب المهند ليس ينبو تصيب به مضارب من أردتا وكنز لا تخاف عليه لصّا خفيف الحمل يوجد حيث كنتا يزيد بكثرة الإنفاق منه وينقص إن به كفاً شددتا فبادره، وخذ بالجد فيه فإن أعطاكه الله انتفعتا وإن أوتيت فيه طويل باع وقال الناس: إنك قد رأستا فلا تأمن سؤال الله عنه بتوبيخ علمت فهل عملتا الرسول ﵊ يشجع ويحث طالب العلم، ويقول: ﴿إن الملائكة لتضع أجنحتها لطالب العلم رضاً بما يصنع﴾ ويقول ﷺ : ﴿من سلك طريقاً يلتمس فيه علماً سهل الله له طريقاً إلى الجنة﴾ رواه مسلم، وعند البخاري ومسلم من حديث معاوية: قال: قال رسول الله ﷺ : ﴿من يرد الله به خيراً يفقهه في الدين﴾ أي من مفهوم المخالفة أن من لم يرد الله به خيراً لا يفقهه في الدين.

стр. 2639

طرق تعليمه ﷺ الرسول ﷺ لا يقارنه أحد في تفوقه وعظمته، ولذلك أخطأ عباس محمود العقاد يوم أن قارنه بـ نابليون. من نابليون؟ إنما هو ملحد من الملاحدة، كيف يجعله في صف محمد النبي الطاهر الصفي ﷺ ؟! لقد أخطأ خطأً بيناً: ألم تر أن السيف ينقص قدره إذا قيل: إن السيف أمضى من العصا وطرقه ﷺ في التعليم أربع طرق:

стр. 2640

الطريقة الأولى: التعليم بالقدوة أولها: التعليم بالقدوة وبالعمل، قال تعالى حاكياً عنه: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيراً﴾ [الأحزاب:٢١]. فكان يعمل العمل ويقول للناس: افعلوا كما أفعل، ففي حديث البخاري عن مالك بن الحويرث: يقول ﷺ : ﴿صلوا كما رأيتموني أصلي﴾ وفي الصحيحين كما في حديث سهل بن سعد أنه قال: ﴿قام رسول الله ﷺ على المنبر، فصلى بنا، فصلى الناس بصلاته﴾. يا أيها الفضلاء! يا أيها الدعاة! يا أيها العلماء! إن الذي ينقصنا اليوم في مدارسنا وجامعاتنا هو التطبيق للعلم، تطبيق بالعمل، والعجيب أن الكافر العميل يعرف هذا المبدأ، فالكفار ينشرونها في كتبهم، حتى يقول الأمريكي دايل كارنيجي في كتابه دع القلق وابدأ الحياة: "إنك إذا لم تطبق للناس علمك؛ فإنهم لن يتعلموا منك أبداً " والرسول ﷺ يقول: ﴿من توضأ نحو وضوئي هذا، ثم صلى ركعتين لا يحدث فيهما نفسه، دخل الجنة﴾ هذا حديث مسلم عن عثمان. وفي الحج: الرسول ﷺ يحج، ويقف بنفسه في عرفات، ويرمى الجمار، ويبيت في مزدلفة، وفي منى، ويقول: ﴿خذوا عني مناسككم﴾. التطبيق للعلم هذا هو الذي عرضه ﷺ للبشر، كان يقول لهم: كونوا صادقين، ويكون هو ﷺ أصدق صادق في الدنيا، يقول: قدموا دماءكم في سبيل الله، ويتلو عليهم قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْداً عَلَيْهِ حَقّاً فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ﴾ [التوبة:١١١] ويكون أول من يقدم دمه صلى الله وسلم عليه، يقول في معركة بدر قبل المعركة بدقائق: ﴿يا أهل بدر! -يعني المسلمين- إن الله اطلع عليكم فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم، والذي نفسي بيده يا أهل بدر! ما بينكم وبين الجنة إلا أن يقتلكم هؤلاء؛ فتدخلون الجنة﴾. فيأتي عمير بن الحمام الزاهد، العابد، الفقير، الذي ما عنده إلا سيفه يوم ترك ذريته وداره في المدينة فقال: يا رسول الله! أسألك بالله ما بيني وبين الجنة إلا أن يقتلني هؤلاء؟! قال: والذي نفسي بيده ما بينكم وبين الجنة إلا أن يقتلكم هؤلاء، فرمى بتمرات كن معه، ثم كسر جفن سيفه، وقال: اللهم خذ من دمي هذا اليوم حتى ترضى، وأخذ درعه، وخلعه من على أكتافه، ولذلك ورد في الأثر: ﴿إن الله يضحك -كما يليق بجلاله- من العبد؛ يلقى العدو حاسراً﴾ مثل عمير بن الحمام - فتقدم فقاتل حتى قتل ﵁، لكن القدوة بالتعليم، يوم يرى الرسول ﷺ في أول القتال يصاب، ويضرب ﷺ ، ويقول للناس: جاهدوا المشركين وهو أول مجاهد، يدعوهم لقيام الليل، وهو يقوم الليل ويبكى من خشية الله وخوفه. في سنن أبي داود وسنده حسن عن مطرف بن عبد الله بن الشخير عن أبيه، قال: ﴿دخلت على رسول الله ﷺ وهو في الصلاة، ولصدره أزيز كأزيز المرجل من البكاء﴾ المرجل: القدر إذا استجمع غلياناً، من البكاء من خشية الله ، هذه من طريقة التعليم بالقدوة. أما القدوة بالعمل فالسلوك والأدب والتقوى، يقول ﵊: ﴿أنا أعظمكم وأتقاكم لله﴾ وصدق، والله إنه أتقانا لله، وأعرفنا به، وأخشانا له، صادق يقول الصدق، مخلص يقول الإخلاص، منيب يعرف الإنابة.

стр. 2641

الطريقة الثانية: ضرب الأمثلة ومن طرق تعليمه ﷺ ضرب الأمثلة، يأتي ﵊ يقول: ﴿إن مثلي ومثلكم كمثل رجل أتى إلى قومه وقال: يا أيها القوم! إن العدو سوف يصبحكم، فأنا النذير العريان﴾ النذير عند العرب، هو: الذي ينذرهم جيشاً أو عدواً أو خصماً، والعريان: كان العرب إذا أرسلوا نذيراً خلع ثيابه وبقي عارياً، فعرفوا أن الخطر مدلهم. وموقف آخر، عندما أتاه أعرابي -وانظر إلى الأعراب- وغلظتهم يقول : ﴿لا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضاً﴾ [النور:٦٣] أي: تأدبوا مع محمد ﷺ ، أتدرون من هو؟ إنه محمد ﷺ ، رسول البشرية، معلم الإنسانية، مزعزع كيان الوثنية، فيأتي الأعرابي، فيمسك بجبته ﷺ -كما في حديث أنس الذي أصله في الصحيحين وكان عليه برد نجراني غليظ الحاشية فجذب به حتى أثر على رقبة المصطفى ﷺ ، فالتفت ﷺ -هل التفت مزمجراً؟ هل التفت مغضباً؟ لا، إنما التفت ﷺ متبسماً ضاحكاً- ولما التفت إلى الأعرابي مبتسماً ﵊ قال: مالك؟ ماذا تريد؟ قال: يا رسول الله! أعطني من مال الله الذي عندك لا من مال أبيك ولا من مال أمك، فضحك ﷺ ، وأعطاه مالاً، فعاد الأعرابي وهو يقول: جزاك الله من أهلٍ وعشيرةٍ خيراً، فقال ﷺ للناس: أتدرون ما مثلي ومثلكم ومثل هذا الأعرابي كمثل رجل كانت له دابة فنفرت فتبعها الناس فازدادت نفوراً، فأتى بخضار الأرض فأتت الدابة فأمسكها. فإن هذا الأعرابي لو تركتكم وإياه؛ لترك الدين ومات كافراً ودخل النار؛ فهذا مثل ضربه ﷺ ؛ لتستقر هذه الحقيقة. وضرب رسول الله ﷺ مثلاً يبين فيه الأجل والأمل للإنسان، فرسم مربعاً، وخط خارج المربع، خطاً، وهو الأمل، والأجل طرف المربع الذي يفصل هذا الخط، والإنسان داخل المربع، وقال: ﴿هذا الإنسان، وهو وهذا أمله، وهذا أجله وهذه العوارض إن أخطأه هذا نهشه هذا﴾. ونحن هنا ذكرنا بعض الأمثلة التي ذكرها ﷺ وإلا فهي كثيرة جداً والمقصود منها هو: أن نعرف كيف نضرب الأمثلة للناس ونعلم أن هذا منهج قرآني، كما يقول تعالى: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً﴾ [النحل:٧٥] ثم يضرب عدة أمثلة في القرآن.

стр. 2642

الطريقة الثالثة: التعليم بالوعظ ثالثها في تعليمه ﷺ للناس: تعليمه بالخطابة والوعظ: وإذا خطبت فللمنابر هزة تعرو الندي وللقلوب بكاءُ وإذا صحبت رأى الوفاء مجسماً في بردك الأصحاب والخلطاءُ وإذا أخذت العهد أو أعطيته فجميع عهدك ذمة ووفاءُ يخطب ﷺ يوم الجمعة؛ فتدمع القلوب قبل العيون، ويتكلم في الناس؛ فتبكي الأرواح قبل المقل، يتكلم ﵊، فتهتز المنابر؛ بل جزع الجذع لما فارقه ﵊، كما في حديث جابر في الصحيح. وكان رسول الله ﷺ يجيد الخطابة، بل هو أعظم خطيب عرفته البشرية، مع أنه ما درس الخطابة، لكن علمه الله إياها، فدعا بها. والوعظ كذلك كان من منهجه ﷺ ؛ ولا بد للمسلمين في الدعوة من أمرين: من منبر للوعظ، ومن حلقة للتدريس، منبر الوعظ يشحن القلوب ويقودها إلى باريها، وحلقة الدرس هادئة تربي العلم التأصيلي في النفس، فلا بد من خطباء ووعاظ، ولا بد من علماء وفقهاء مؤصلين.

стр. 2643

الطريقة الرابعة: مراعاة المناسبات من الحكمة كل الحكمة أن تراعى المناسبات، يقول المتنبي: فوضع الندى في موضع السيف بالعلا مضر كوضع السيف في موضع الندى كان الرسول ﷺ يعرف البيئة التي يتكلم فيها، ويخطئ كثير من الدعاة، فيتكلم لأهل البادية بكلام الحاضرة، ويتكلم لأهل الحاضرة بكلام البادية، وذلك جهل بأسلوب الدعوة، فالرسول ﵊ يتكلم لكل فئة بما يمكن أن تدركه عقولها، قال علي بن أبي طالب: [حدثوا الناس بما يعرفون، أتريدون أن يكذب الله ورسوله]] وقال ابن مسعود: [[إنك لست محدثاً قوماً لا تبلغه عقولهم، إلا كان على بعضهم فتنة]]. الرسول ﵊ يحدث أبا بكر، بحديث خاص، فيخصه، لا بأمر عام تحتاج إليه الأمة، بل يحدثه بأمور في الإدارة لأنه إداري، ويحدث ابن عباس بوصاية للشباب كقوله في الترمذي: ﴿احفظ الله يحفظك﴾ ويحدث زيداً في الفرائض؛ لأنه يقول: ﴿أفرضكم زيد﴾ ويحدث النساء بشئون النساء، والأحكام التي تهمها. فمراعاة المناسبات أمر راعاه ﷺ في العلم، وفي العرض العلمي.

стр. 2644

مبدأ التخصص في حياته ﵊

стр. 2645

دعوة التخصص هي دعوة الرسول ﷺ كثير من الناس اليوم يقولون: التخصص هذا قتل العلم، ولا يصح أن يكون هناك تخصص، والتخصص هو مذموم، وفي كلامه حق وباطل، أما الحق فعلى طالب الحق أن يكون عنده حد أدنى من العلوم، وقدر مشترك من العلوم الإسلامية، لكنه يبرز في ناحية من النواحي، ولا يكون قوته في كل ناحية كقوته في الناحية الأخرى، فهذا ليس موجوداً وليس متحصلاً، ومن قرأ التاريخ واستقرأ العلماء وجد أن كل عالم برع في فن ولم يبرع في الفن الآخر، يقول ﵊ في أحاديث رويت عنه، ولو أن في أسانيدها نظراً: ﴿أقرؤكم أبي وأعلمكم بالحلال والحرام معاذ، وأقضاكم علي وأفرضكم زيد، ولكل أمة أمين وأمين أمتي أبو عبيدة﴾. إذا أتت مسائل القرآن من يسأل؟ قال عمر فيما صح عنه: [[من أراد أن يسأل عن القرآن فليسأل أبياً، ومن أراد أن يسأل عن الفرائض فليسأل زيداً، ومن أراد المال فليأتني]] والرسول ﷺ أُنسي آية في الصلاة، فلما سلم قال الناس: يا رسول الله! أنسيت، أم نسخت هذه الآية؟ -فمن يسأل؟ - قال: يا أبي، يا أبا المنذر أكما يقول الناس؟ (أعطِ القوس باريها) قال: نعم يا رسول الله. وهذا النسيان ليس مستمراً. الرسول ﵊ أقر مبدأ التخصص عند الصحابة. وإذا أتيت إلى فصل الرءوس عن الأكتاف بالسيف، فتعال عند خالد بن الوليد، سيف الله المسلول، مهمته أن يفصل الجماجم عن الأكتاف، جماجم أعداء الله. ومن يقسم المواريث لمن لا يستطيع أن يقسم؟ يقسمها زيد بن ثابت، يقول حافظ إبراهيم في خالد بن الوليد يعتذر في عزل عمر لـ خالد: تسعون معركة مرت محجلة من بعد عشر بنان الفتح يحصيها وخالد في سبيل الله مشعلها وخالد في سبيل الله مذكيها ما نازل الفرس إلا خاب نازلهم وما رمى الروم إلا طاش راميها الأدب: من هو أستاذ الأدب في حياته ﷺ ؟ من الذي يرد على الشعراء الضلال الحقراء؟ علي؟ لا، هو رجل القضاء، أبو بكر؟ لا بل هو رجل الإدارة، أعمر؟ رجل الدواوين وتجنيد الأجناس. أعثمان؟ رجل المال والبذل والعطاء. أثابت بن قيس بن شماس؟ لا، هو رجل الخطابة؟ إنه حسان. أتى وفد بني تميم كما صح في السير، فقالوا: يا رسول الله، عندنا شاعر وخطيب، قبل أن نسلم، نريد أن نفاخرك بشاعرنا وخطيبنا، ونسمع شاعرك وخطيبك، فما قال رسول الله: لا، إنه هذا داعية عالمي، يريد أن يعطي كل أناس ما يحتاجونه، فجمعهم في المسجد، وقال ل حسان: أتستطيع أن ترد على شاعرهم؟ قال: إي والله يا رسول الله، قال: بماذا؟ قال: عندي يا رسول الله لسان لو وضعته على حجر لفلقه، ولو وضعته على شعر لحلقه، ثم أخرج لسانه، فضرب به أرنبة أنفه، ونحن لا نستطيع. من يضرب أرنبة أنفه بلسانه؟! إلا ما ذكر ابن الجوزي: إن أحد الناس قال لقرينه: تعال معي، فخرج معه فوصل إلى السوق، فصعد إلى مكان مرتفع، فقال: يا أيها الناس، اجتمعوا، فاجتمع أهل السوق، قال: سمعت فلاناً حدثنا عن فلان، -وهو كذب على الرسول ﷺ عن فلان عن فلان أنه قال: (من مست لسانه أرنبة أنفه دخل الجنة) فقام الناس في السوق يرفعون ألسنتهم إلى أنوفهم، لكن لم يستطع إلا بعض الشعراء، فـ حسان وصلت لسانه إلى أرنبة أنفه، وجاء ﷺ وقدم له المنبر، والحديث في الصحيح، وقال: ﴿اللهم أيده بروح القدس، اهجهم وروح القدس معك﴾ وبدأ الزبرقان بن بدر، فألقى قصيدته التي أعد لها من شهر يقول: نحن الملوك فلا حي يقارعنا منا الملوك وفينا تنصب البيع إلى أن تلا خمسين بيتاً وبعده قام حسان فقال ستين بيتاً، فسحقه. يقول في قصيدته: إن الذوائب من فهر وإخوتهم قد بينوا سنناً للناس تتبع يرضى بها كل من كانت سريرته تقوى الإله وبالأمر الذي شرعوا فجلس، قال بنو تميم: غلب شاعرك شاعرنا. وقام خطيبهم عطاء بن حاجب بن زرارة، فقام وألقى خطبة، فقال ﵊ لـ ثابت: قُم لأن الخطابة تخصص ثابت، فهو خطيبه، فقام ثابت إلى المنبر، فقصف كالرعود، وألقى كالقذائف كلاماً، فقال بنو تميم: وغلب خطيبك خطيبنا. الرسول ﷺ يقول: ﴿أفرضكم زيد﴾ زيد في الفرائض، هو المقدم فيها لكن علي بن أبي طالب أجاد كل الإجادة في القضاء، يقول علي: ﴿أرسلني ﷺ إلى اليمن -وهذا الحديث في السنن - فقال لي: اللهم ثبت جنانه، واهد لسانه وضرب على صدري، فما اختلجت عليَّ قضية أبداً﴾. علي جمع مع القضاء الكلمة التي تصل إلى القلوب، فكلام علي يصل إلى القلوب بلا ترجمان، حتى يقول ابن كثير في آخر البداية باب في كلماته الحاصلة، التي هي إلى القلوب واصلة. ذكروا عنه في التراجم أنه -اسمع الكلمات- عند ما قيل له: كم بين الأرض والعرش؟ قال: دعوة مستجابة، قالوا: كم بين المشرق المغرب؟ قال: مسيرة الشمس يوماً. كانت كلماته مؤثرة، يقول البخاري: "باب الرقاق وما يحذر من زينة الدنيا وقال الله : ﴿إِنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ﴾ [محمد:٣٦] وقال علي بن أبي طالب: [[ارتحلت الدنيا مدبرة، وارتحلت الآخرة مقبلة، فكونوا من أبناء الآخرة ولا تكونوا من أبناء الدنيا، فإن اليوم عمل ولا حساب، وغداً حساب ولا عمل]]. علي ﵁ وأرضاه، جلس في الكوفة تحت جدار يريد أن ينقض، فمر به رجل وهو يحكم بين رجلين، وقال: "يا أمير المؤمنين! الجدار، لا ينقض عليك! قال علي: حسبنا الله ونعم الوكيل، فلما قضى بين الرجلين، وقام هو والرجلان، سقط الجدار مكانه، ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَاناً﴾ [آل عمران:١٧٣] كما جاء في صحيح البخاري قال ابن عباس: [حسبنا الله ونعم الوكيل قالها إبراهيم لما ألقي في النار، وقالها محمد لما قال له الناس: ﴿إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ﴾ [آل عمران:١٧٣]]].

стр. 2646

التخصص والحاجة إليه التخصص معناه في الإسلام: أن يكون لك حد أدنى من العلم في كل فن تحتاجه، في حياتك كمسلم، ثم تبرز في فن تنفع به المسلمين، لا نقول للفقيه: كن مفسراً بدرجة المفسرين الكبار، ولا للمفسر: كن فقيهاً أو محدثاً، لكن ليكن لك جانب من العلم تشارك فيه، ثم لتنفع الإسلام في مجالك، والذين قالوا: إن مبدأ التخصص ليس وارداً أخطئوا، بل أقر رسول الله ﷺ مبدأ التخصص، وعقلاء الأمم الكافرة يقرون هذا، فإن الحضارة الغربية -كما ترون- بنيت جزئياتها من أناس تخصصوا في كل جزئية، وأحدهم يخصص وقته وحياته ونومه ويقظته لهذه الجزئية؛ أما الذي يتذبذب هنا وهناك، فسوف يكون عمله مرتبكاً، ولن يجيد شيئاً. وهذا هو سبب الضعف عند بعض دعاة الإسلام؛ لأنه ما وجد الطريقة التي يصل إلى الناس بها، يكون خطيباً فيجعل نفسه مفتياً، ويكون مفتياً فيجعل نفسه خطيباً، ويستطيع أن يكون داعية أفراد، فيجعل نفسه داعية عامة، ويستطيع أن يكون صحفياً بارزاً، ويكتب الصحف بقلم سيال جذاب، لكنه يقول: الكتابة في الصحف حرام، ويترك أهل الضلالة يرتعون، ويعبرون عن آرائهم الوقحة بكل بجاحة، ويفرخون بالصحف، يستطيع أن يكون داعيةً في وسائل الإعلام، وينزوي في بيته؛ لأنه ما عرف أن دعوة الرسول ﷺ دعوة التخصص.

стр. 2647

أهمية الدعوة على علم وأهمية التخصص أيها الإخوة، إن خلاصة هذه المحاضرة يمكن أن نلخصها في ثلاثة أمور: أولها: لا دعوة إلا بعلم، ومن زعم أنه يدعو الناس بلا علم، أفسد أكثر مما أصلح. ثانيها: أن من توقف عن الدعوة لكي يكون حبراً من الأحبار في العلم فقد أخطأ، بل يدعو بما عنده من العلم، ولا يزيد على ما عنده من العلم، بل هو في الآية عالم فيها، جاهل في غيرها، فيدعو بهذه الآية كما قال ﷺ : ﴿بلغوا عني ولو آية﴾. ثالثها: أننا نؤمن بالتخصص، ونصنف الناس على حسب تخصصاتهم، فحق على القائمين على الدعوة والجامعات، من أساتذة وعمداء ومدراء الجامعات، أن يصنفوا نتاجهم للناس من باحث خبير، ومن كاتب صحفي، ومتكلم على المنبر، ومن مفت للناس لتنهض الأمة الإسلامية ثم أعود فأقول: "إن العلم أيها الأبرار أفضل من أي نافلة أخرى"، وقد هون بعض الناس من فضل العلم الشرعي، وقالوا: لمن يقرأ الكتاب في البيت زاد نسخة في البلد، فأماتوا العلم بهذا. لا والله ما زاد نسخة في البلد؛ بل والله زاد عالماً جليلاً، وحبراً مفيداً نافعاً، وأما الذين يهونون من جانب العلم فهم عجزوا عن طلب العلم فهونوا من شأنه. ثم أنبه أيها الإخوة، إلى أنه وجد في الساحة وفي الصحوة أناس يعيشون على الفكر، ويصبحون على الفكر، أصبحنا وأصبح الفكر لله، وأمسينا وأمسى الفكر لله، فكر وإنشاء، وهذا الفكر كالبالونات، التي تأتي من تايوان، فتنفجر بالجو، ليس فيها طعام ولا شراب ولا غذاء: ﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لا يَرْجِعُونَ﴾ [البقرة:١٨] وأمة تعيش على الفكر ليست بأمة، ونحن أمة علم ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ﴾ [محمد:١٩] والعلم طلبه فريضة، فعلينا أن نعود إلى العلم الشرعي. إن الأخبار والوقائع التي تقع في حوادث الناس تسمى كما سماه ابن تيمية الماجريات؛ هذه الأخبار ليست بعلم، والذي يأخذ أخبار الناس يقرؤها ليس عالماً، هو مثقف، يعرف أخبار الناس، فندعو أنفسنا وإياكم إلى العلم الشرعي، وأن ندعو الناس على بصيرة، وأن نجدد مسيرة الأمة. كان عبد الحميد بن باديس داعية الجزائر وعالمها يعلم الناس، يريد أن يثور على الفرنسيين؛ فرأى الناس جهلة، قال: "لن ننتصر على فرنسا ما دمنا جهلة، إننا لن ننتصر على العدو إلا بالعلم والإيمان"، فأسس الحلقات، ووزع الدعاة، وأقام الندوات، وتعلم الناس؛ فدكوا فرنسا الطاغية، فأمة بلا علم أمة جهل وضلالة وخرافة. أسال الله لي ولكم التوفيق، وإن نقص شيء فإنها علالة مغترب، وقيد في جيد، وحسبك من القلادة ما أحاط بالعنق. فإن تجد عيباً فسد الخللا فجل من لا عيب فيه وعلا من ذا الذي سوى الرسول كامل أو جمعت لغيره الفضائل صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين.

стр. 2648

الأسئلة

стр. 2649

حكم التسرع في الفتوى بغير علم السؤال سمعنا من فضيلتكم أن الفتوى خطيرة وكيف أن عمر بن الخطاب إذا سئل عن مسألة جمع لها أهل بدر؟ وفي زماننا هذا نرى أن أكثر من يدعون العلم يتسرعون في الفتوى وبقولهم: هذا حلال وهذا حرام دونما تمهل، فنرجو أن توضح لنا طريقاً سليماً نسلكه في فتوانا؟ الجواب يقول : ﴿وَلا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لا يُفْلِحُونَ﴾ [النحل:١١٦]. والناس في الفتيا علىجانبين ووسط؛ فأناس يتطرفون في جانب الفتيا حيث يفتون في كل شيء وفيما لا يعرفون، ليس عندهم سؤال صعب. وطرف آخر بلغ به الورع البارد إلى أن يقول: الله ورسوله أعلم حتى في البديهيات، كم يتمضمض المسلم؟ قال: الله أعلم. كم أركان الإسلام؟ قال: الله أعلم! أين يستقبل المصلي؟ قال: الله أعلم! فهذا ورعع بارد أضر بالإسلام. والحكمة التوسط، من أجاد مسألة، وعرف دليلها؛ فليفتِ على بركة الله: ﴿دعها فإن معها سقاءها وحذاءها ترد الماء، وترعى الشجر، حتى يلقاها ربها﴾ والذي لا يعرف يقول: لا أدري، قالوا لـ علي بن أبي طالب وسألوه سؤالاً، قال: [["لا أدري" ما أبردها على قلبي، سئلت عما لا أدري فقلت: لا أدري]]. وسئل ابن عمر في ثمان مسائل، وقال: [[لا أدري، قال أعرابي: أذهب إلى الناس، وأقول: إن ابن عمر لا يدري؟! قال: اذهب إلى من عرفت وقل: إن ابن عمر لا يحسن شيئاً]] والإمام مالك عرضت عليه أربعون مسألة، فأجاب في ثمان، وقال في اثنتين وثلاثين مسألة: لا أدري. وقال الشعبي: [[لا أدري نصف العلم]] ومن لا يستخدم كلمة: لا أدري؛ فقد أصيبت مقاتله، وإذا أراد الإنسان أن يفتي؛ فليتذكر الله والعرض بين يديه، وليعرف أنه سوف يحلل الفروج أو يحرمها، والدماء أو الأموال، ولذلك قال ابن القيم: "المفتون هم الموقعون عن رب العالمين ". وللفتيا آداب منها: أن يستحضر عظمة الله ثم يخلص له، ومنها: أن يستغفر كثيراً، ومنها: أن يسأل العون من الله، ومنها: أن يتلبث مع السائل ويراجع المسألة، ومنها: إذا كان في المسائل أقوال ألا يوردها، لكنه يرجح ويحقق لأن إيراد الأقوال على الناس لا ينفع، مثلاً جاء عامي يسأل عن مسألة فيقال له: قال مالك، لكن أبو حنيفة قال كذا، أما الشافعي فرأى كذا، ولكن أحمد رأى كذا وكذا، وابن حزم يخالف، هذه حيص بيص، ويخرج كما دخل: تكاثرت الظباء على خراش فما يدري خراش ما يصيد قال ابن تيمية: "من عرض الأقوال للناس بدون ترجيح، فهو كالمتشبع بما لم يعط"، فهو يظهر أن عنده حفظاً أقوى، لكنه ما رجح، لا في دليل ولا في سير، والتحقيق العلمي ذكر الآيات إن كان هناك آيات، أو الحديث صحة وضعفاً، والحديث إن كان منسوخاً أو ناسخاً، ثم أقوال العلماء، ثم الترجيح في آخر المسألة.

стр. 2650

الطريق الصحيح لمقاومة الشهوة السؤال أنا شاب مبتلى بالجنس أو الشهوة؛ فلا أقدر على رد الشهوة، فما هو الطريق الصحيح في رأيكم لكبح جماح الشهوة؟ الجواب أمامك طريقان: الطريقة الأولى: الزواج، قال رسول الله ﷺ : ﴿يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج﴾ فعليك أن تجتهد حتى تحصل على زوجة وتغض بصرك وتحصن فرجك، نسأل الله أن يحصن فرجك وبصرك. الطريقة الثانية: إذا لم تستطع هذا، وحالت دونك عوائق، فقد قال رسول الله ﷺ : ﴿فمن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وجاء﴾ فعليك بالصيام وذكر الله ، وقد سئل ابن تيمية عن سؤال يشبه هذا، فقال: "عليك بالمرهم" والمرهم هو الدعاء، أن تقول: ﴿يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك، ويا مصرف القلوب والأبصار صرف قلبي على طاعتك﴾ ثم إني أنصحك بمجانبة وسائل الفساد، التي تثير الشهوة مثل: المجلة الخليعة، أو الأغنية الماجنة، أو مجالسة الفسقة والمتفحشين والمسرفين على أنفسهم، وأنصحك أن تجالس المتقين الأخيار أهل العلم والتقوى والخير، وأن تلتزم المصحف والذكر والصيام. وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.

стр. 2651

ثلاثون علامة للمنافقين النفاق داء خطير خاف منه الصالحون والمخلصون، وأما الكاذبون في إيمانهم فقد فضحهم الله وكشف سرائرهم ومكائدهم، ولهم علامات ذكرت في كتاب الله وسنة نبيه ﷺ ، ومنها: الكذب، والغدر، والفجور، وخلف الوعد، والكسل في العبادات، والرياء، وقلة الذكر، وقلة الصلاة، ولمز المطوعين، والاستهزاء والسخرية، والإنفاق كرهاً، والتخذيل، والإرجاف، والاعتراض على أقدار الله، والوقوع في أعراض الصالحين، والتخلف عن صلاة الجماعة، والإفساد في الأرض، ومخالفة الظاهر للباطن، والتخوف من الحوادث.

стр. 2652

النفاق وخطره الحمد لله الذي كان بعباده خبيراً بصيراً, وتبارك الذي جعل في السماء بروجاً وجعل فيها سراجاً وقمراً منيراً, وهو الذي جعل الليل والنهار خلفة لمن أراد أن يذكر أو أراد شكوراً. وأشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، بعثه ربه هادياً ومبشراً ونذيراً, وداعياً إلى الله بإذنه وسراجاً منيراً, بلغ الرسالة، وأدَّى الأمانة، ونصح الأمة، وجاهد في الله حتى أتاه اليقين. فصلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. إخوتي في الله سلام الله عليكم ورحمته وبركاته ومع أول مستهل هذا الدرس بمدينة الخميس أحيي وأشكر فضيلة الشيخ أحمد الحواش إمام هذا الجامع، على استضافته لهذه الدروس. وعنوان هذا الدرس: "ثلاثون علامة للمنافقين" نعوذ بالله من النفاق, ونسأل الله أن يشافينا منه، وأن يبرأ قلوبنا من هذا المرض الخطير. ثلاثون علامة للمنافقين في كتاب الله , وفي سنة رسوله ﷺ , وأنا أسردها سرداً، ثم أعود أفصلها بالأدلة، والله المستعان والموفق. والمقصود من هذا: أن يتنبه المؤمن من النفاق, وأن يخشاه، ففي صحيح البخاري في كتاب الإيمان تعليق من كلام الحسن البصري [[ما خافه إلا مؤمن وما أمنه إلا منافق]] أي: ما خاف النفاق إلا مؤمن, فالمؤمن دائماً يخاف النفاق, وأما من يأمن النفاق فهو المنافق. قال عمر لـ حذيفة في الصحيح: [[أسألك بالله يا حذيفة! أسماني رسول الله ﷺ من المنافقين؟ قال: لا. ولا أزكي أحداً بعدك]]. والنفاق هذا إذا لم يتنبه له المسلم وقع فيه وقعة ما بعدها وقعة، تودي به إلى نار تلظى.

стр. 2653

أقسام النفاق النفاق قسمان عند أهل السنة:

стр. 2654

النفاق الإعتقادي أولاً: نفاق يخرج من الملة, وصاحبه في الدرك الأسفل من النار, وهو الذي يكذب في الباطن برسالة الرسول ﵊، ولو أظهرها في الظاهر، أو يكذب بالكتب، أو بالملائكة، أو بأي أصل من أصول أهل السنة , ودليل ذلك قوله : ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ * يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ * فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضاً وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ﴾ [البقرة:٨ - ١٠].

стр. 2655

نفاق العمل ثانياً: نفاق لا يخرج من الملة، وقد دل عليه قوله ﵊ في الصحيحين ﴿آية المنافق ثلاث: إذا حدث كذب, وإذا وعد أخلف, وإذا أؤتمن خان﴾.

стр. 2656

علامات المنافقين وأسرد لكم علامات المنافقين الثلاثين: ١/ الكذب. ٢/ الغدر. ٣/ الفجور. ٤/ الخلف في الوعد. ٥/ الكسل في العبادة. ٦/ المراءاة. ٧/ قلة ذكر لله ٨/ نقر الصلاة. ٩/ لمز المطوعين من المؤمنين والصالحين. ١٠/ الاستهزاء. ١١/ الحلف مداجاة (مطاولة ومداراة). ١٢/ الإنفاق كرهاً. ١٣/ التخذيل. ١٤/ الإرجاف. ١٥/ الاعتراض على القدر. ١٦/ الوقوع في أعراض الصالحين. ١٧/ التخلف عن صلاة الجماعة. ١٨/ الإفساد في الأرض بزعم الإصلاح. ١٩/ مخالفة الظاهر للباطن. ٢٠/ التخوف من الحوادث. ٢١/ الاعتذار كذباً. ٢٢/ يأمرون بالمنكر وينهون عن المعروف. ٢٣/ يقبضون أيديهم بخلاً وشحاً. ٢٤/ نسيان الله . ٢٥/ التكذيب بوعد الله، وبوعد رسوله ﷺ . ٢٦/ الاهتمام بالظاهر وإهمال الباطن. ٢٧/ التفاصح والتملق والتشدق. ٢٨/ عدم الفقه في الدين. ٢٩/ الاستخفاء من الناس ومبارزة الله بالذنوب والخطايا. ٣٠/ الفرح بمصيبة المؤمنين والتضايق من مسراتهم. شكى الصالحون من النفاق, وبكوا منه, وخافوا على أنفسهم, وتبرءوا إلى الله منه، وسألوا الله أن يشافيهم من النفاق, والنفاق كثير، خاصة مع هذا العصر، وكثرة الفتن والمفاسد, وما طمت به المادة الغربية الملحدة المتزندقة, من ثقافات وسموم وانحرافات. وقد ذكر الله المنافقين في أكثر من سورة, بل خصص لهم سورة كاملة، هي: سورة التوبة، تسمى: الفاضحة لأنها فضحتهم, ذكر فيها خمس مرات: ومنهم ومنهم ومنهم! وخصهم الله بسورة المنافقين, فابتدأها بقوله: ﴿إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ﴾ [المنافقون:١]. أحدهم أتى إلى الرسول ﵊، فقال: يا رسول الله! لن أخرج معك في غزوة تبوك؛ لأني رجل إذا رأيت بنات بني الأصفر لا أصبر عن النساء, فعذره ﵊, فأنزل الله قوله: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ ائْذَنْ لِي وَلا تَفْتِنِّي أَلا فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُوا وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكَافِرِينَ﴾ [التوبة:٤٩]. جاء ابن جميل فقال: يا رسول الله! أنا فقير؛ فادعُ الله أن يغنيني من خزائنه , فوالله يا رسول الله! لئن أغناني الله لأتصدقن ولأعطين ولأبذلن, فدعا له, فلما أتت عليه الزكاة كفر بها، ورفضها، ومنع وبخل وقبض يده, فأنزل الله قوله: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتَانَا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ * فَلَمَّا آتَاهُمْ مِنْ فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ وَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ﴾ [التوبة:٧٥ - ٧٦]. قال عبد الله بن أبي -وقد تضارب مهاجري وأنصاري-: والله لئن رجعنا إلى المدينة من تبوك ليخرجن الأعز منها الأذل, فأنزل الله على رسوله الآيات، وكذبه، وجعل الدائرة عليه، ومات منافقاً رعديداً زنديقاً.

стр. 2657

الكذب أيها المسلمون! أول علامة من علامات النفاق: الكذب, قال ابن تيمية: الكذب ركن من أركان الكفر. وذكر ﵀ أن الله إذا ذكر النفاق في القرآن ذكر معه الكذب, وإذا ذكر الكذب ذكر النفاق, قال : ﴿يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ * فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضاً وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ﴾ [البقرة:٩ - ١٠] وقال سبحانه -كما أسلفت- في سورة التوبة: ﴿وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾ [التوبة:١٠٧] فذكر الله الكذب, وإذا ذكر النفاق ذكر قلة الذكر, قال : ﴿وَلا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلاً﴾ [النساء:١٤٢] وقال في آخر سورة المنافقين: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلا أَوْلادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [المنافقون:٩] فنفى الله عن المؤمنين النفاق بذكرهم, ووصف الله نفاق المنافقين بقلة ذكرهم. والكذب, يقول ﵊ في الصحيحين: ﴿آية المنافق ثلاث، وذكر منها: وإذا حدث كذب﴾ فمن كذب مازحاً أو جاداً، أو كذب لأمر، أو لحيلة، ففيه شعبة من النفاق, وما كذب إلا لنفاق في قلبه والله المستعان! وهو علامة صارخة تشهد على صاحبه بالنفاق. وكذلك من كذب مازحاً، فإن بعض الناس يتساهل في ذلك, وعند أحمد في المسند بسند جيد: ﴿ويل له, ويل له, ويل له, من كذب الكذبة ليضحك القوم﴾ أو كما قال ﵊. والكذَّاب ملعون، سواء كان جاداً أو مازحاً، فليتنبه لهذه الخصلة الذميمة، فإن مبنى النفاق وركن النفاق الأعظم وقطبه ودائرته وبركانه وعموده هو الكذب, وما نافق المنافقون إلا بكذب في قلوبهم، وهو يبدأ كالقطرة في القلب، ثم يتعمق ويتطور حتى يصبح فسطاطاً عظيماً, ويصبح حصناً من حصون النفاق والعياذ بالله, فأحذركم ونفسي من الكذب, إياكم والكذب فإن الكذب مدد للنفاق, والله وصف المنافقين بالكذب، فقد كذبوا في أقوالهم وأعمالهم وأحوالهم.

стр. 2658

الغدر العلامة الثانية: الغدر, والدليل على ذلك قوله ﵊: ﴿وإذا عاهد غدر﴾ من أعطى المسلمين بيمينه أو عاهده أو ولي الأمر أو مسلماً أو كافراً في حرب في معاهدة ثم غدر؛ فقد أشهد على نفسه بالنفاق, ولذلك ثبت في حديث بريدة يوم قال لهم الرسول ﷺ كما في صحيح مسلم يوم ولى الأمير وقال: ﴿وإذا سألك أهل حصن أن تنزلهم في ذمة الله، فأنزلهم في ذمتك أو ذمة أصحابك، فإنكم أن تخفروا ذممكم أهون -أو أسهل- من أن تخفروا ذمة الله﴾. فمن أعطى عهده رجلاً أو امرأته أو ولده أو صاحبه أو صديقه أو ولي أمر ثم خانه وغدره بلا سند إسلامي، فهذا علامة وركن من أركان النفاق والعياذ بالله.

стр. 2659

الفجور العلامة الثالثة: الفجور في الخصومات؛ لقوله ﵊ في الصحيحين ﴿وإذا خاصم فجر﴾. قال أهل العلم: "من خاصم مسلماً -لأن مخاصمة الكفار لها باب آخر يفصلونه عن مخاصمة المسلمين- ثم فجر في خصومته، فقد أشهد الله على ما في قلبه أنه فاجر منافق". وأما الكافر فهناك حديث: ﴿الحرب خدعة﴾ وقد عمل به علي ﵁ مع الكفار, وله تفصيل آخر إذا خان الكفار, فغدرهم أو اللعب بهم والاحتيال عليهم وارد لا غدراً ولا فجوراً, وإنما من باب الحيلة، ولها بحث.

стр. 2660

خلف الوعد الأمر الرابع: الخلف بالوعد فمن وعد ثم أخلف وعده فقد ورث شعبة من شعب النفاق, يذكر عنه ﷺ في السير بأسانيد تقبل التحسين, أنه وعد رجلاً ﵊ أن يلاقيه, فأتى ﵊ للموعد فأخلف ذاك الرجل, فبقي ﷺ في المكان ثلاثة أيام بلياليها, فتذكر الرجل فجاء, فقال له ﷺ : ﴿لقد شققت عليّ﴾ فمن أخلف في ميعاده ولم ينضبط ففيه علامة من النفاق, من وعدك في ساعة أو في يوم أو في مكان, ثم أخلف ميعادك بلا عذر، فاعلم أن فيه شعبة من النفاق, فاغسل يديك منه. كان أحد الصالحين إذا وعد أخاه، قال: إن شاء الله ليس بيني وبينك موعد, إن استطعت حضرت وإن لم أستطع فالعذر, لئلا تكتب عليه شعبة من شعب النفاق والعياذ بالله, وهذا النفاق العملي الذي يأتي كثيراً، وذلك لقلة الإيمان في بعض المسلمين، أصبحوا يخلفون الميعاد، ويكذبون، ويفجرون، ويغدرون, فإذا سافر المسافر إلى دول الكفر ورأى انضباطهم -في النفع من أجل المادة- وانضباط مواعيدهم, قال: عجيب! وجدت هناك الإخلاص والصدق والأمانة, وأتى يمدح في أعداء الله، وأذناب كل ملحد رعديد، ويسب المسلمين, فنقول له: وجدت هناك قوماً يتعاملون بالدرهم والدينار، ويعبدون المنفعة، فانضبطوا, ووجدت هنا قوماً ليس عندهم إيمان، فخالفوا شرع الله، فقبحوا صورة هذا الدين في عيون المسلمين. والعجيب أن هناك كتاباً في الساحة مذكرات للرئيس الأمريكي " ريجن " الهالك المتزحلق من الرئاسة, يذكرون عنه أن مواعيده كانت بالدقيقة بل بالثواني, وكان يدخل البيت الأبيض -وهذا من باب: الحكمة ضالة المؤمن- في الساعة الثانية والثامنة والخمسين دقيقة، فيتكلم مع نائبه دقيقتين ثم يجلس على مكتبه, فينقل بعض المعلقين الصحفيين، فيقول: هذا هو الانضباط, والصدق والإخلاص, وأي صدق عند ذلك الفاجر؟ وأي إخلاص عن رجل باع ذمته وعهده ووقته وأيامه؟ بل هو عدو لله، ولكنه نفعي، يعبد كرسيه وهو بعيد عن الله.

стр. 2661

الكسل في العبادة العلامة الخامسة: الكسل في العبادة, قال سبحانه: ﴿وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلاةِ قَامُوا كُسَالَى﴾ [النساء:١٤٢] إذا رأيت الإنسان يتكاسل عن الصلاة، وعن الصف الأول، وعن الذكر، وعن الدعوة، والعلم، وعن مجالس الخير, فاعلم أن في نفسه وسوسة وأن الشيطان يريد أن يفرخ ويبيض في قلبه, فليتنبه لذلك, ليس المعنى أن من صلّى فهو بريء من النفاق, والمنافقون كانوا يصلون مع النبي ﷺ , لكن علامة صلاتهم كسالى: يقومون بكسل وببطء وببرود لا يعرفون القوة, ولا الحياة, والله يقول: ﴿يَا يَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ﴾ [مريم:١٢] أما هؤلاء فيجر أحدهم أقدامه، فكأنما يجر بالسلاسل إلى المسجد, فيقف في طرف الصف أو في آخر المسجد, لا يدري ماذا قرأ الإمام, لا يتدبر ولا يعي. فقل للعيون الرمد للشمس أعين تراها بحق في مغيب ومطلع وسامح عيوناً أطفأ الله نورها بأبصارها لا تستفيق ولا تعي وقد ورد في صحيح مسلم من حديث الأسود بن يزيد العراقي العابد ﴿قال: قلت لـ عائشة: متى كان ﷺ يستيقظ لصلاة الليل؟ -أي: قيام الليل- قالت عائشة: كان يستيقظ إذا سمع الصارخ﴾ -الصارخ: هو الديك- وقالت عائشة: ﴿وكان ﷺ يثب وثباً﴾ -ما قالت يقوم قياماً- إنما يثب وثباً, وهذا يدل على الشجاعة, والحيوية, وحرارة الإيمان, وعلى قوة الإرادة, يأتي إلى العبادة بطاعة, ولذلك تجد الصالح ينظر دائماً في عقارب ساعته, متى يؤذن؟ هل حان وقت الصلاة؟ هل أقبل الوقت؟ ثم يقوم مبادراً. قال الإمام أحمد في كتاب الزهد في ترجمة عدي بن حاتم: [[والله ما قربت الصلاة إلا كنت لها بالأشواق]] , وقالوا عن سعيد بن المسيب عن سيرته: [[ما أذن المؤذن من أربعين سنة إلا وأنا في مسجد الرسول ﵊]]. وهذا هو الإيمان والله! وإذا رأيت الرجل في الروضة، وفي الصف الأول, فاشهد له بالإيمان. وعند الترمذي بسند فيه مقال، فيه دراج أبي السمح عن أبي الهيثم وفيه ضعف, قال ﷺ : ﴿من رأيتموه يعتاد المسجد فاشهدوا له بالإيمان﴾ لكن معناه صحيح عند أهل العلم, فإن من أتى المسجد وداوم على ذلك, برئ -إن شاء الله- من النفاق الاعتقادي, وعليه أن يبرأ نفسه من النفاق العملي. فالكسل يا إخوتي في الله! علامة من علامات النفاق، وتظهر في العلامات الثلاث, في العبادة، في الصيام، في الذكر، في الإقبال للدروس وإلى العلم النافع، إلى الدعوة, فليتنبه العبد, وليحذر على نفسه من الكسل, فإنه والله داء خطير وصف الله به المنافقين والعياذ بالله.

стр. 2662

الرياء والسمعة العلامة السادسة: المراءاة في العبادة، قال تعالى: ((يُرَاؤُونَ النَّاسَ وَلا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلاً﴾ [النساء:١٤٢] في الصحيحين عنه ﷺ قال: ﴿من راءى راءى الله به، ومن سمّع سمّع الله به﴾. كيف الرياء؟ يخشع أمام الناس، وينقر صلاته في الخلوة, إذا جلس مع الناس، عليه زهد وعبادة, ويتأدب في مجلسه, وفي كلامه ومنطقه, فإذا خلا بمحارم الله انتهكها, وعند ابن ماجة من حديث أبي هريرة بسند يقبل التحسين، قال ﵊: ﴿ليأتين أقوام يوم القيامة بحسنات أمثال جبال تهامة , يجعلها الله هباءاً منثوراً, قال الصحابة: يا رسول الله! أليسوا بمسلمين؟ قال: بلى، يصلون كما تصلون, ويصومون كما تصومون, ولهم أموال يتصدقون بها وكان لهم حظ من الليل, لكنهم كانوا إذا خلوا بمحارم الله انتهكوها﴾. فعلامة المنافق الرياء, يعمل لأجل الناس، ويتكلم لأجل الناس, ونحن نسأل الله أن يطهرنا من الرياء والسمعة, فإنها أخطر الأمراض, وإذا وقعت على العبد أفسدت عمله. وقد صح عنه ﷺ : ﴿أن الله يقول يوم القيامة: أنا أغنى الشركاء عن الشرك, من أشرك معي في عمل تركته وشركه﴾ فلا يقبل الله من عمل المرائي قليلاً ولا كثيراً, وعند أحمد في المسند قوله ﷺ : ﴿الرياء شرك﴾ وقد بكى الصالحون من تخوفهم من الرياء، وشكوا إلى مولاهم، وسألوا الله أن يبرأهم من الرياء, فقد يدخل النفقة رياء، والصلاة رياء، والذكر والصيام ولا مفر لنا من الرياء إلا بثلاثة أمور: ١/ أن تعلم أنه لا ينفع ولا يضر إلا الله, ولا يعافي ولا يشافي، ولا يحيى ولا يميت، ولا يبسط ولا يجزي، ولا يعاقب إلا الله. ٢/ أن تعرف قدر المخلوق، وأنه ضعيف هزيل، لا يملك ضراً ولا نفعاً، ولا موتاً ولا حياة ولا نشوراً، ولا أجراً ولا عقوبة, فعليك أن تهدأ. ٣/ أن تدعو بالدعاء الحسن الذي قاله ﵊ معلماً أصحابه أن يقول أحدهم: ﴿اللهم إني أعوذ بك أن أشرك بك شيئاًَ وأنا أعلم وأستغفرك لما لا أعلم﴾. قال الحسن البصري: [[اللهم إني أعوذ بك من الرياء والسمعة]] وفي لفظ عنه في الترجمة أنه قال: [اللهم اغفر ريائي وسمعتي]]. فالله الله!! أما السمعة فهو طلب الصيت والعمل من أجل الشهرة, وهؤلاء يفضحهم الله على رءوس الأشهاد, نسأل الله أن يشافينا من الرياء والسمعة.

стр. 2663

قلة الذكر العلامة السابعة: قلة الذكر. سبحان الله! يذكرون الله لكن قليلاً, قال : ﴿وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاؤُونَ النَّاسَ وَلا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلاً﴾ [النساء:١٤٢] ولم يقل: لا يذكرون الله, يذكرون الله لكن قليلاً, ربما المنافق يذكر الله، ويسبح قليلاً, لكن لسانه ميت، وليس عنده نشاط على الذكر, وقد صح عنه ﷺ في حديث أبي الدرداء ﴿تلك صلاة المنافق, تلك صلاة المنافق, تلك صلاة المنافق يرقب الشمس حتى تدنو من الغروب -وفي لفظ: حتى تَصْفَر - ثم يقوم فينقر أربع ركعات لا يذكر الله فيها إلا قليلاً﴾ سبحان الله! يصلي ويذكر الله قليلاً ومنافق. أما علامة الإيمان فكثرة الذكر, قال ابن القيم في كتاب " الوابل الصيب ": لو لم يكن من فوائد الذكر إلا أنه ينفي عن صاحبه النفاق لكفى به فائدة، قيل لـ علي: الخوارج منافقون؟ الخوارج الذين قتلهم ﵁ وأرضاه، قال: [[لا. هؤلاء يذكرون الله كثيراً, والمنافق يذكر الله إلا قليلاً]] وقال سبحانه: ﴿أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ [الرعد:٢٨] وقال سبحانه: ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ﴾ [البقرة:١٥٢] وقال تعالى: ﴿يَذْكُرُونَ الذينَ اللَّهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَى جُنُوبِهِمْ﴾ [آل عمران:١٩١] وقال سبحانه: ﴿وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيراً وَالذَّاكِرَاتِ﴾ [الأحزاب:٣٥] ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْراً كَثِيراً﴾ [الأحزاب:٤١]. قيل لـ ابن الصلاح المحدث الشافعي: كيف يذكر الله كثيراً؟ قال: من حافظ على الأذكار المأثورة عن معلم الخير ﷺ ، فقد ذكر الله كثيراً، من حافظ على أذكار أدبار الصلوات وفي الصباح والمساء, ومع الطعام والشراب, ومع النوم والاستيقاظ, ومع رؤية البرق وسماع الرعد ونزول الغيث, ومع دخول المسجد والخروج منه وأمثالها, فقد ذكر الله كثيراً. ونسب إلى ابن عباس أنه قال: [[من ذكر الله في الحل والترحال، والإقامة والظعن، والصحة والمرض، فقد ذكر الله كثيراً]]. وذكر عن بعضهم أنهم قالوا: ذكر الله كثيراً ألا يزال لسانك رطباً من ذكر الله، وعند الترمذي بسند صحيح عن عبد الله بن بسر قال: ﴿يا رسول الله! إن شرائع الإسلام قد كثرت عليّ, فأخبرني بشيء أتشبث به؟ قال: لا يزال لسانك رطباً من ذكر الله﴾ وعند مسلم في الصحيح, قال ﵊: ﴿لأن أقول: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر, أحب إليّ مما طلعت عليه الشمس﴾ وفي لفظ ﴿أو غربت﴾ وعند مسلم عن أبي هريرة قوله ﷺ : ﴿سيروا هذا جمدان، سبق المفردون، قالوا: وما المفردون يا رسول الله؟ قال: الذاكرون الله كثيراً والذاكرات﴾. فيا إخوتي في الله أوصيكم بالذكر، قليل الذكر يخشى عليه من النفاق, علقوا قلوبكم بالتسبيح، والتهليل، وقراءة القرآن، والاستغفار، والتوبة، والصلاة على محمد ﷺ . ومن أحسن كتب الذكر والأذكار ثلاثة: الأذكار للنووي والوابل الصيب لـ ابن القيم والكلم الطيب لـ ابن تيمية.

стр. 2664

نقر الصلاة وأما المسألة الثامنة من علامات المنافقين: فنقر الصلاة تلك صلاة المنافق، وقد ثبت في الحديث الصحيح: ﴿ينقر أربع ركعات﴾ أي: ومعنى نقر الصلاة: أي السرعة في الصلاة، وعدم الخشوع فيها، والتؤدة، وعدم التريث، وقلة الذكر في الصلاة، وشرود القلب، وعدم استحضار عظمة الله وهيبته ومقامه كل هذا من علامات المنافقين. يقول ابن القيم في المدارج: يصلي المصلي بجانب أخيه في صف واحد، ووراء إمام واحد، وبين صلاتيهما كما بين السماء والأرض، لأن هذا في قلبه إخلاص وحب وأشواق ومراقبة وخشية, وفي قلب هذا شرود وبعد وموت والعياذ بالله. فالله الله بالانتباه في الخشوع في الصلاة, ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾ [المؤمنون:١ - ٢] وأدلكم على رسالة الخشوع في الصلاة لـ ابن رجب , فهي أحسن ما كتب في الصلاة.

стр. 2665

لمز المطوعين ومن علامات النفاق، وهي التاسعة: لمز المطوعين من المؤمنين والصالحين, اللمز: نيل الأعراض منهم، وسل الألسنة عليهم, والمطوعين يدخل فيهم: المتصدقين طاعة, والباذلين أنفسهم في سبيل الله, تجد المنافق في كل مجلس لا هم له إلا الصالحين, المطاوعة المتزمتين المتطرفين!! لا يتكلم في اليهود، ولا في النصارى، ولا في الشيوعيين، ولا في الزنادقة, إنما همه صباح مساء, الصالحين من أولياء الله يتكلم فيهم وينالهم في المجالس ويجتهد بهم, مثل بعض الكتبة العصريين في كتاب له يقول: سألني رجل في الإمارات كث اللحية عن الكولونية!! -هو داعية في الظاهر نسأل الله أن يغفر لنا وله- مقصوده اللحية يحاربها والثياب, لا أدري كيف يفهم السنة إلا أن تكون سنة عوجاء؟ قال: وفي الجزائر سألني سائل كث اللحية عن مسألة تقصير الثياب؟ وسألني ساءل آخر كث اللحية عن مسألة الحجاب؟ فنقول له: ما علاقة السؤال وكث اللحية والحجاب؟ إلا الهمز واللمز. فيا إخوتي فلينتبه المؤمن، فإن علامة المنافق أن ينال من الصالحين، يتتبع آثارهم، ويستهزئ بهم، مثل: العلماء، والدعاة، وطلبة العلم والعباد والمستقيمين, ولذلك يقول الأول -وقد تكرر هذا كثيراً- وذكره ابن القيم في كتاب شفاء العليل , قال لما ذكر المبتدعة وهم يهاجمون أهل السنة , قال: نحن وإياهم كما قال الأول: ولو أني بليت بهاشمي خئولته بنو عبد المدان لهان عليّ ما ألقاه لكن تعالوا فانظروا بمن ابتلاني وقال العربي لأخيه، يعني ليكون أخوه واضحاً, قال: فإما أن تكون أخي بصدق فأعرف منك غثي من سميني وإلا فاطّرحني واتخذني عدواً أتقيك وتتقيني فإني لو تخالفني شمالي ببغض ما وصفت بها يميني إذاً لقطعتها ولقلت بيني كذلك أجتوي من يجتويني من يسبب في إرباك الصالحين والنيل منهم ومن سننهم, فهو علامة النفاق والعياذ بالله.
следующие страницы →