Полный текст (10 391 стр.). Показаны 2591–2630 · переход к 2596.
стр. 2591
تواضع النبي ﷺ
стр. 2592
حال بعض المتكبرين
التواضع خصلة من أعظم الخصال، والعرب في الجاهلية والإسلام لا تريد المتكبر، ويقولون: من طلب الشرف فعليه بالتواضع، وأصدق من ذلك قوله الله؛ لأنه إذا جاء المثل العربي والقرآن، قلنا: إذا جاء نهر الله بطل نهر معقل، يقول سبحانه: ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْناً وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلاماً﴾ [الفرقان:٦٣] وصح عنه ﷺ أنه قال: ﴿من تواضع لله رفعه، ومن تكبر على الله وضعه﴾ ومن الكلمات الجيدة في هذا الباب ما نقل عن أبي بكر الصديق، أنه قال لـ خالد: يا خالد! فر من الشرف يتبعك الشرف، والسادات عند العرب كانوا أكثر الناس تواضعاً، والقلوب تبغض المتكبر ولا تحبه، وتمقته وتزدريه، ويسمى في أبواب الأدباء: الأحمق، وأحمق الناس المتكبر.
من المتكبرين ما ذكر ابن الجوزي: أن أحدهم كان أميراً فأراد أن يمر على الجسر إلى خراسان، وهو جسر كان على نهر سيحون، فتوقف عند الجسر وتوقف أصحابه، وقالوا: مالك لا تمر على الجسر؟ قال: أخشى أن ينكسر الجسر من شرفي، الله أكبر، ليس من قوته ولا من حجمه ولكن من شرفه.
وأحدهم كان في الشمال وزيراً أمر الناس أن يبسطوا العمائم إذا دخل في طريقه إلى المسجد، وبعض الناس لا يفقه ولا يعقل، فأخذوا العمائم وفرشوها في الطريق، فأخذ يتبسم وينظر إلى أصحابه ويقول: لمثل هذا فليعمل العاملون، إلى غير ذلك من ألفاظ الكبر التي وردت من بعضهم حتى أبلغته في درجة الفجور والعياذ بالله.
وأحياناً قد تجد الناسك ناسكاً ولكن تجده متكبراً، لو سأله فقير أو مسكين فتراه لا يقف ولا يتحدث معه، ويرى أنك لا بد أن تزوره وهو لا يزورك، وأن الحق له دائماً، وأن عليه أن يُخاطب بلفظ يا شيخ، وسماحتكم، وفضيلتكم، فإذا قطع عن هذه الألفاظ غضب، بل روي عن بعض الناس، أنه إذا سُلِّم عليه يرخي رأسه للقبل، يعني أصبح عنده مرونة لإرخاء الرأس من كثرة تعوده، ولذلك تجد الناس لا يقبلون رأسه؛ لأنه يريد هذا ويطلبه ويجعلها من الطرق التي توصله إلى المكانة في قلوب الناس.
стр. 2593
تواضع النبي ﷺ وأصحابه
أيها الإخوة: أكثر الناس تواضعاً محمد ﵊.
جاء عند مسلم من حديث عياض بن حمار، قوله ﷺ : ﴿إن الله أوحى إلي أن تواضعوا حتى لا يبغي أحد على أحد، ولا يفخر أحد على أحد﴾ وكانت هذه المدرسة -مدرسة التواضع- لم تعرف واضحة إلا في الإسلام، أما أهل الجاهلية فكانوا أعظم الناس كبراً وعتواً وعلواً في الأرض.
فمن كان سيجعل عمر ﵁ وأرضاه قبل الإسلام يصنع الطعام للمساكين والفقراء؟ فهل بالإمكان أن يأتي عمر ﵁ وأرضاه، ويحمل الماء للفقراء والمساكين ويطلي إبل الصدقة ويحلب الشياة؟ لا.
لكن هذبه محمد ﵊.
وأبو بكر في القصة المشهورة: [[يدخل على امرأة فيحلب شاتها، ويصنع إفطارها ويكنس كوخها ويخرج، فيأتي عمر بعد دخوله ويقول للمرأة: من هذا الذي يأتيكم؟ قالت: لا أعرفه، قال: لِمَ يأتيكم؟ قالت: يصنع لنا إفطارنا ويحلب شاتنا فيجلس عمر يبكي، ويقول: أتعبت الخلفاء بعدك يا أبا بكر]].
هذه منزلة في التواضع لا يعلمها إلا الله، وهذه مدرسة محمد ﷺ ومن أرادها وجدها، والتواضع يكون باللحظ وباللفظ وفي الطريق وفي المشي والكلام.
стр. 2594
صفات المتكبرين
من صيغ المتكبرين أنهم يحبون ألفاظ التفخيم مثل: نحن، وفعلت وصنعت وقلت وخرجت ودخلت، ودائماً يترجم لنفسه في المجالس، ومنها أنه بعيد عن الناس، حتى إذا سلمت عليه كأنه يتصدق عليك إذا مد إليك يده، وبعضهم لا يمد يده وإنما يعطيهم رءوس الأصابع، وبعضهم لا يرد السلام ولا يشمت العاطس، كبراً وعلواً فتراه يسقط من القلب سقوطاً عجيباً، وفي الآخرة، صح عنه ﵊ أنه قال: ﴿يحشر المتكبرون يوم القيامة، في صورة الذر يطؤهم الناس بأقدامهم﴾ يقول ابن القيم: تجنب ثلاث كلمات: أنا، ولي، وعندي.
فأنا استخدمها الشيطان، فقال، كما حكى الله تعالى عنه: ﴿أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ﴾ [الأعراف:١٢] ولي استخدمها فرعون وقال، كما حكى الله عنه: ﴿أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الْأَنْهَارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي﴾ [الزخرف:٥١] وقارون قال كما قال تعالى: ﴿إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي﴾ [القصص:٧٨] لكن أنا تستخدم، في مثل: أنا مقصر، مثلما يفعل ابن تيمية:
أنا الفقير إلى رب السموات أنا المسيكين في مجموع حالاتي
وعندي ذنوب وخطايا ولي تقصير ولي إساءة، إلى غير ذلك من الأحوال.
стр. 2595
التواضع يكسب قلوب الناس
التواضع -أيها الإخوة- نكسب به شيئاً عظيماً، وهو قلوب الناس، لا نكسب قلوب الناس إلا باللين والتواضع كيف نصل إلى الناس ونحن لا نتواضع، ولعلك تجد ناسكاً وعابداً ومصلياً، لكنه متكبر، ولذلك يخفق في دعوته كثيراً، وإذا وصف الناس الرجل بالكبر فلا تقبل منه القلوب شيئاً.
стр. 2596
كرمه ﵊
وكان كرمه ﷺ منضبطاً بضوابط:
أولاً: أن كرمه كان لوجه الله، وحاتم كريم، لكنه رياء، وابن جدعان كريم، لكن لطلب الشهرة في الناس تقول عائشة، كما في صحيح مسلم: ﴿يا رسول الله! إن ابن جدعان كان يتصدق وينفق ويعتق -إن عبد الله بن جدعان كريم مكة كان صعلوكاً ما عنده شيء، فخرج يرعى الغنم، فوجد في عرفات آجوراً من ذهب فأخذها فجعل ينفق منها ليطلب الصيت في العرب، وكان جاهلياً، وهو المقصود، بقول الشاعر:
أأذكر حاجتي أم قد كفاني حباؤك إن شيمتك الحباء
إذا أثنى عليك المرء يوماً كفاه من تعرضه الثناء
-
فقالت عائشة: يا رسول الله! هل ينفعه عند الله؟ قال: لا.
إنه لم يقل يوماً من الدهر، رب اغفر لي خطيئتي يوم الدين﴾ وعدي بن حاتم يقول: ﴿يا رسول الله! إن أبي -أي حاتم الطائي، ومن الذي لا يعرف حاتم الطائي، فإنه طلب الصيت فأعطاه الله الصيت- قال: يا رسول الله! هل ينفع أبي ما كان يفعل في الجاهلية، فإنه كان يحمل الكل ويعين على نوائب الحق ويكسب المعدوم؟ قال ﷺ : لا.
إن أباك طلب شيئاً فأصابه﴾ طلب الصيت في الدنيا فأعطاه الله الصيت، لكن ليس له عند الله من خلاق، ويأتي كرمه ﷺ وبذله الذي ما وراءه شيء.
ما قال لا قط إلا في تشهده لولا التشهد كانت لاؤه نعم
وبذله ﷺ وقت الحاجة، لأن بعض الناس يبذل لكن في غير وقت الحاجة، تجده يضيف الأغنياء لكن الفقراء لا يدعو أحداً ولا يهدي له شيئاً، فقط رياءً وسمعةً، قال تعالى: ﴿فَسَيُنْفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً﴾ [الأنفال:٣٦] فمن ضوابط إنفاقه ﷺ أنها كانت للحاجة مع الإخلاص، ثم كان لا يوصل إليه في درجة الإنفاق، وفي الصحيحين عن ابن عباس ﵄، قال: ﴿كان ﷺ أجود الناس، وكان أجود ما يكون في رمضان، حين يلقاه جبريل، فكان أجود بالخير من الريح المرسلة﴾ ويبقى مسألة الصبر والحلم والشجاعة والزهد، وسوف أتعرض لها بإيجاز ليبقى وقت للأسئلة.
стр. 2597
صبره ﵊
أما صبره ﵊، فقد كان من أصبر الناس، واختلف العلماء، هل كان رسول الله ﷺ غنياً شاكراً، أم كان فقيراً صابراً؟ وهي تبنى على مسألة، أيهما الأفضل الغني الشاكر أم الفقير الصابر؟
فبعضهم يقول: الفقير الصابر أفضل، ويستدل بأدلة، وبعضهم يقول: الغني الشاكر أفضل، ويستدل على أن الغني الشاكر أفضل بسليمان ﵇، وابن عوف وعثمان والفوا في ذلك كتباً ورسائل، والصحيح ما قاله ابن تيمية في جملة واحدة، لخص هذه الكتب جميعها، وقال: الصحيح أن أفضلهما أتقاهما.
هذا هو الجواب، ولا أغالي فيه، لكن تجد في الناس من يكتبون خمسمائة صفحة أو ستمائة صفحة في مجلدات، فيأتي هو بكلمة فينهي الخصام، واختلفوا في الزهد، ما هو؟ بعضهم قال: ترك الدور والقصور، والتجرد عن الثياب ومفارقة الأحباب، وبعضهم قال: لا، الزهد في الدنيا: أن تقلل من الطعام والشراب، وأن تقلل من لبس الثياب، فأتى هو وقال: الزهد: ترك ما لا ينفعك في الآخرة، ذكره في المجلد العاشر، وابن القيم هام في حبه فقال: ما سمعت أحداً تقدم إلى هذا الكلام، الزهد ترك ما لا ينفعك في الآخرة.
فأقول: صبره ﵊ صبر مضبوط بالشريعة، وقد كان على الصحيح غنياً شاكراً، وفقيراً صابراً مر به الفقر حتى ما وجد ما يسد به رمقه ﷺ ، فصابر ومر به ﷺ الغنى، حتى كان يقول: لك مائة ناقة، ولهذا مائة، ولك مائة غنم وفي حنين أربعة وعشرين ألف ناقة تقريباً، وبعضهم يقول: سبعة آلاف ناقة، وأربعة وعشرين ألفاً من الغنم، فقد أتته أموال فأصبح غنياً شاكراً، وكان فقيراً صابراً، ولكن كان صبره احتساباً.
مسألة: هل الصبر واجب أو مستحب؟ الصحيح أنه واجب عند علماء الإسلام.
وهل الرضا واجب أو مستحب؟ الصحيح أنه مستحب عند علماء الإسلام أو عند أكثر علماء الإسلام، الرضا: أن ترضى عن الله في قضائه وقدره، هذا مستحب، وأما الواجب فهو أن تصبر ﴿وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ﴾ [النحل:١٢٧] على خلاف في المسألة.
стр. 2598
حلم النبي ﵊
ومن ضوابط حلمه ﷺ : أنه كان يحتسب ذاك عفواً في سبيل الله، والناس في الحلم طرفان ووسط، فبعضهم من أضيق الناس صدراً يذوب عند الكلمة ويغضب من هب الريح، فينتقم لنفسه دائماً، وبعضهم بارد الإحساس، ميت، يقول الشافعي: من استغضب فلم يغضب فهو حمار، أي: تجد المنكرات عند رأسه والفجور ولا يغضب، يقول: المسألة فيها سعة ودين الله يسر، والإنسان لا عليه، ولا تغضب وعايش الوقت، والدين هذا يواكب العصر.
لكن الرسول ﵊ قد مدح الغيرة الشرعية، وقال: ﴿أتعجبون من غيرة سعد، والذي نفسي بيده، لأنا أغير منه والله أغير مني﴾.
والرجل الإسرائيلي يوم خُسيف به وعذب لأنه لم يتمعر وجهه ولم يغضب عندما انتهكت الحرمات.
والوسط في هذا الجانب: أن تغضب في وقت الغضب وتحلم وقت الحلم، ومن غضب في غير موقف الغضب فهو أحمق، تجد بعضهم يغضب بدون غضب، تكنيه فتقول: يا أبا فلان، قال: سامحك الله، تقول لي هذا الكلام! وبعضهم تجده يحلم في غير موقف الحلم، يسمع كلمة نابية ممزقة للأعراض، ويقول: هذه ما تغضب هذه فيها سعة!
стр. 2599
شجاعته ﵊ وزهده
أما شجاعته ﵊، فهي شجاعة قلب وشجاعة إرادة وسعة يد، وهذه الشجاعة تنبع عن الكرم، وأشجع الناس أكرمهم.
يجود بالنفس إن ضن البخيل بها والجود بالنفس أغلى غاية الجود
والغالب أن الكريم شجاع، وأن الشجاع كريم، لكن نادراً أن تجد بخيلاً شجاعاً، أو شجاعاً بخيلاً، وأقول في قسم الشجاعة: من أشجع الناس علي بن أبي طالب ﵁، وإنما أقول ذلك؛ لأن له كلمة، يقول: [[كنا إذا التقينا واشتد الكرب، وحمي الوطيس، اتقينا برسول الله ﵊، فوجدناه أقرب الناس إلى القوم]] ما فر في معركة، وواجب عليه أن يصمد في المعركة ولو فر أصحابه جميعاً، قال تعالى: ﴿فَقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لا تُكَلَّفُ إِلَّا نَفْسَكَ﴾ [النساء:٨٤] لما فر الناس في حنين وقف ﷺ يقاتل وأخذ السيف مردداً:
أنا النبي لا كذب أنا ابن عبد المطلب
وسمع مرة صيحة في ناحية من نواحي المدينة، فأخذ الفرس ﷺ والسيف، حتى اكتشف الحادث، ثم عاد وحده.
كأنه وهو فرد من جلالته في موكب حين تلقاه وفي حشم
كأنه يحاط بهالة من الحراسة، ولكن حراسته من الله، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ﴾ [المائدة:٦٧].
وزهده ﵊، إعراض عن الفاني وإبقاء للباقي وأخذ وقت الحاجة للحاجة، قال ابن القيم: كان لا يتكلف مفقوداً ولا يرد موجوداً، وهذا هو الصحيح، جاع حتى ما وجد كسرة الخبز، ولا حفنة التمر، وأكل ﷺ أحياناً العسل واللحم، وأكل من طيبات ما رزقه الله، فمن أخذ التقشف طريقة دائمةً ورد الطيبات فقد أخطأ، ومن مكث على الطيبات ولم يتقشف أحياناً وطلب أطايب الطعام فقد أخطأ، الوسط سيرته ﵊.
وبعد فإنما هذه جمل وإشارات، ولعل الله أن يسهل بمن يبسطها ويشرحها، ومن أحسن الكتب في ذلك زاد المعاد، والمجلد العاشر والحادي عشر من الفتاوى لـ ابن تيمية.
стр. 2600
الأسئلة
стр. 2601
الذهاب إلى الجهاد بدون إذن الوالدين
السؤال
الذي يقول لوالديه إنه مسافر إلى جدة، أو الطائف أو الرياض، وهو في الصحيح يذهب إلى الجهاد، ويعرف أن والديه سوف يرفضان ذهابه إلى الجهاد لو أخبرهم؟
الجواب
ما أرى إلا أنه قد كذب على والديه وارتكب أمراً محرماً، لماذا يكذب على والديه، الوالدة تأذن له في الظاهر لأنه يريد مكة، وهو في الباطن يريد الجهاد، وهذا من الحيل المحرمة، وهذا إذا أراد أن يعصي فليعص من أول الطريق، ولا أدله على المعصية والعياذ بالله، لكن ترك استئذان الوالدين فيه بأس، فلا تترك استئذان الوالدين، والبأس في هذه المسألة: أن يذهب ويكذب على والديه ويقول: أريد السفر إلى جدة وهو يريد أفغانستان فلابد أن يخبرهم عل الله يسهل أن تلين قلوبهم فيأذنون له، فيكون باراً في الاستئذان، وباراً في جهاده بحول الله.
стр. 2602
حقيقة كتاب بدائع الزهور
السؤال
كتاب بدائع الزهور في وقائع الدهور وما مدى صحته؟
الجواب
هذا كتاب خزعبلات لا يساوي الحبر الذي كتب به، وهو يصلح أن يجمع فيجرد منه الحبر ويوضع فحارة يوضع فيها شعير لأحد الحمير، أو كرتوناً للعلاجات لإحدى الصيدليات، لأنه لا يساوي شيئاً، فلا تثقوا به وبعض الناس إذا كذب كان ذكياً، أي: يكذب كذبات ربما قبلت، لكن هذا يكذب كذبات لا تدخل في العقل في مثل رجل كان طويلاً في أول الزمان، أخذ سمكة من البحر ومدها وأحرقها في الشمس وشواها ثم أكلها، ما وجدت من الأخبار إلا هذه، ونخلة في جزيرة كذا، وسبحان الله! هذه الجزر لم تكتشف إلى الآن، أمريكا اكتشفت وجزر صاحب بدائع الزهور في وقائع الدهور لا أدري من أين أتى بها التي يقول: فيها سمكة من ذهب، مرة تخرج في البر ومرة تنزل في البحر، وقصور ما سمعنا بها وما رأيناها، وقصور معلقة ما بين الأرض والسماء، وكل هذا خزعبلات تلهي وقت طالب العلم.
стр. 2603
هديه ﵊ في لبس الخاتم
السؤال
ما هو هديه ﷺ في لبس الخاتم؟
الجواب
لبس ﷺ الخاتم على الصحيح، في اليمنى واليسرى، صح عنه ذلك، والأولى كان ﷺ في اليمنى، وكان في خاتمه نقش مكتوب عليه محمد رسول الله، ﵊ بأبي هو وأمي.
стр. 2604
قضاء صلاة الوتر
السؤال
متى يصلي من نام عن وتره، وهل يغني فيه القضاء، وهل هذا حديث صحيح: ﴿من نام عن وتره فليصلِ منه ما ذكره أو ما منعه﴾؟
الجواب
الحديث الصحيح عند الخمسة: ﴿فليصل متى ذكره﴾ وعند مسلم في الصحيح عن عائشة: ﴿كان ﷺ إذا نام عن شيء من وتره صلى في النهار اثنتي عشرة ركعة﴾ لأن وتره ﷺ كان إحدى عشرة ركعة، ولا يجمع في يوم، لأن الوتر في اليوم صلاة المغرب كما يقول ابن تيمية، فيكون الوتر الذي في الليل إذا قضي في النهار شفعاً، فلو ترك وتر الليل وكان يوتر بثلاث صلى في النهار أربعاً، وإذا كان يصلي خمساً صلى في النهار ستاً ليكون شفعاً، هذا أقرب الأقوال.
стр. 2605
الحكم على حديث: (إن الله يحب الرجل المشعر)
السؤال
﴿ إن الله يحب الرجل المشعر﴾؟
الجواب
ليس بصحيح وليس بثابت.
стр. 2606
حكم اللقطة إذا لم يجد صاحبها
السؤال
وجدت ساعة يدوية في دورة المياه في السكن الجامعي، وعرفتها لفترة تجاوزت الأسبوع، وهي الآن عندي فماذا أفعل بها؟
الجواب
أرى إذا أيست من صاحبها، أن تبيعها وتتصدق بها على نية صاحبها، وأن تعطي قيمتها للمجاهدين، أو الفقراء والمساكين.
وفي الختام: أسأل الله لي ولكم الهداية وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.
стр. 2607
شباب عادوا إلى الله
ما أروع قصص التائبين! وما أعظم أثرها لمن تدبرها وتأمل فيها! إن نفوسهم منكسرة حياءً من الله ، وإن كلماتهم تسيل خشوعاً وإخباتاً إلى مولاهم، قد تعاظمت ذنوبهم أمام أعينهم فتصاغرت أعمالهم الصالحة، فكانوا مشمرين في الخير على الدوام.
ولا تظن أن هؤلاء لم يكونوا إلا في عصر السلف ثم انقضى زمنهم، فهاهم أولاء أمام عينيك من السابقين ومن تبعهم بإحسان من أهل زماننا وعصرنا.
стр. 2608
أهمية التوبة وذم المجاهرة بالمعاصي
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.
سلام الله عليكم ورحمته وبركاته، وأسعد الله أوقاتكم باليمن والمسرات، وجعلنا وإياكم من التائبين إلى الله، المنيبين إليه، الذين قال فيهم: ﴿أُوْلَئِكَ الَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَنَتَجاوَزُ عَنْ سَيِّئَاتِهِمْ فِي أَصْحَابِ الْجَنَّةِ وَعْدَ الصِّدْقِ الَّذِي كَانُوا يُوعَدُونَ﴾ [الأحقاف:١٦].
محاضرة هذه الليلة بعنوان: (شباب عادوا إلى الله) شباب تمردوا عن الله وابتعدوا عن الله ، وتركوا المساجد وهجروا القرآن، وعقوا الوالدين، وقطعوا الرحم، وأعرضوا عن الذكر، وتناولوا المخدرات، وفعلوا المعاصي في الظلمات، وأغضبوا رب الأرض والسماوات، ثم أدركتهم عناية رب البريات، فعادوا إلى الله قصص والقصص محبب وهو منهج رباني، قال تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لأُوْلِي الأَلْبَابِ مَا كَانَ حَدِيثاً يُفْتَرَى﴾ [يوسف:١١١] وقال تعالى: ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ﴾ [يوسف:٣] والقصص كما قال مجاهد: جند من جنود الله يرسله على من يشاء.
من هذه القصص ما هي مثبتة في كتب أهل العلم بأسانيد صحيحة، ومنها ما سمعتها وأمليتها وكتبتها من إخوة طلبة علم ثقات حدثوني بها، وسوف يصدر كتاب عن قريب بعنوان: شباب عادوا إلى الله، يذكر قصصاً عجيبة وأخباراً غريبة لمعاصرين من شبابنا عادوا إلى الواحد الأحد.
يقول : ﴿حَتَّى إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً قَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحاً تَرْضَاهُ﴾ [الأحقاف:١٥] وهنا يتحدث عن شاب من الشباب عصى وتجبر وتمرد؛ فلما بلغ أربعين تذكر رقابة الله والعرض بين يدي الله وحساب الله: ﴿يَوْمَ لا يَنْفَعُ مَالٌ وَلا بَنُونَ * ِ إلاَّ مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ [الشعراء:٨٨ - ٨٩] ﴿يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لا تَخْفَى مِنْكُمْ خَافِيَةٌ﴾ [الحاقة:١٨] فعاد إلى الله.
ذكر أهل العلم بأسانيد مقبولة، وممن صحح هذا السند الأرنؤوط في كتاب التوابين: أن رجلاً من الصالحين اسمه ذو الكفل غير النبي ﵇، شاب عصى الله حتى بلغ من عصيانه أن خلا بامرأة بالفاحشة الكبرى، امرأة أجنبية والإنسان قد ينحط ويصل إلى درجة البهيمية، ينحط عن رقابة الله وينسى الله ورقابة الله، حتى إن بعضهم يقدر الناس ومرأى الناس ونظر الناس أعظم من نظر رب الناس، فأتى هذا الرجل فخلا بالمرأة وكانت فقيرة محتاجة أعطاها ألف دينار، فلما قرب منها وجدها تبكي، قال: مالك؟ قالت: أبكي لأنني ما فعلت هذه الفعلة إلا لحاجتي لهذا المال فاتق الله؛ فدمعت عيناه، وقال: أتوب إلى الله، فجاء في النهار التالي وإذا على بابه مكتوب: لقد تاب الله على ذي الكفل، وهو من بني إسرائيل، وكانت توبة بني إسرائيل تكتب عليهم، وكانت ذنوبهم تكتب على جباههم، إذا أذنب الرجل ذنباً خرج في النهار الثاني وإذا على جبهته أذنبت، شربت الخمر، تناولت مخدرات، زنيت يا فلان، هذا من ذنوب بني إسرائيل ومن أخبارهم وأعمالهم، أما نحن فالحمد لله قد سترنا الله، يذنب الواحد منا تحت ستار الليل وفي جنح الظلام وبين الحيطان ووراء الجدران، وقد اطلع عليه الواحد الديان، وكشف ذنبه الرحمن، فيستره! فإذا ستر نفسه وتاب يقرره الله يوم العرض الأكبر، يقول له: يا فلان! أما فعلت كذا وكذا يوم كذا وكذا؟ قال: بلى يارب، قال: أما فعلت كذا وكذا يوم كذا وكذا؟ قال: بلى يا رب، قال: فإني سترتها عليك في الدنيا وأنا أغفرها لك اليوم.
إلا المجاهرين، والمجاهرون هؤلاء الذين يمسون في ذنوب وخطايا ويصبحون وقد سترهم الله، فيأتي الرجل إلى أخيه وجاره وصاحبه فيحدثه كما يفعل كثير من الشباب، وقد سمعنا بآذاننا مثل هذا الفعل، الإنسان إذا تكبر وتجبر يبلغ به عدم الإحساس والبرود إلى درجة الحمار، حتى يقول: في زمن كذا وكذا فعلت بفتاة اسمها كذا.
стр. 2609
شعراء الحداثة ومجاهرتهم بالمعاصي
بل بعض الأدباء من شعراء الحداثة أبناء وفروخ العلمانية والشيوعية والماسونية يلقون قصائدهم أمام الناس ويقول أحدهم: هذه فتاة في البرازيل فعلت بها وفعلت ويلك من الله يا عدو الله! هذه شهادة يشهد عليك كل من حضر هذا الحفل.
وشاعر موجود له قصائد مشهورة يقول: أنا كانت لي صديقة في أمريكا الجنوبية، وقلت فيها هذه القصيدة، ما معنى صديقة؟! معناه: أنك اتخذت مسافحة وأنك سافحت، ومعناه: أنك تعديت حدود الله وارتكبت فاحشةً كبرى، وأشهدت الألوف المؤلفة عليك، فكل من يسمع هذه المحاضرة والشريط سيشهدون عليك يوم القيامة: ﴿يَوْمَ لا يَنْفَعُ مَالٌ وَلا بَنُونَ * إِلاَّ مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ [الشعراء:٨٨ - ٨٩].
فتجد بعض الناس يخبر بمعاصيه فهذا لا يغفر الله له، المجاهر الذي يخبر الناس لا يغفر الله له، أي: أنه بلغ به الحال أنه ليس لله رقابة عنده ولا حساب ولا خوف ولا خشية ولا مراقبة، فجزاؤه النكال ألا يقبل الله له توبةً ولا يزكيه ولا ينظر إليه وله عذاب أليم.
стр. 2610
قصص بعض السلف التائبين
ومن الشباب الذين تابوا وسوف أذكر بعض قصص العصريين الذين يعيشون الآن على قيد الحياة.
والآن أذكر بعض النماذج من سير الصحابة الأخيار.
стр. 2611
ممن تاب: الإمام الشافعي
فهذا الإمام الكبير الشافعي الذي نسأل الله له القبول بسبب إخلاصه، يقول: يا ليت أن الناس يستفيدون من علمي وأني في شعب من شعاب مكة لا يعرفني الناس، وبلغ من خشيته وتواضعه وخلقه أن قال: والله ما جادلت أحداً من المسلمين إلا وددت أن ينتصر وأن يغلبني -أكون أنا المغلوب- وكان يأخذ المصحف ويبكي من بعد صلاة العشاء إلى صلاة الفجر، حضرته سكرات الموت وكان شاعراً مجيداً فقال:
فلما قسا قلبي وضاقت مذاهبي جعلت الرجا ربي لعفوك سلما
تعاظمني ذنبي فلما قرنته بعفوك ربي كان عفوك أعظما
ثم فاضت روحه.
стр. 2612
الفضيل بن عياض وتوبته
وهذا الفضيل بن عياض أحد الصالحين الكبار كان يسرق ويعطل القوافل في الليل، يأخذ فأساً وسكيناً ويتعرض للقافلة فيعطلها، كان شجاعاً قوي البنية، وكان الناس يتواصون في الطريق إياكم والفضيل إياكم والفضيل! والمرأة تأتي بطفلها في الليل تسكته وتقول له: اسكت وإلا أعطيتك للفضيل.
وقد سمعت قصةً من رجل تاب الله عليه لكن تحدث بأخبار الجاهلية، قال: كنت أسرق البقر -وهو شايب كبير أظنه في المائة- قال: فنزلنا في تهامة، فأتت امرأة ودعت على بقرتها وقالت: الله يسلط عليك فلاناً، وهو صاحب القصة، قال: فلما حلبت البقرة أخذت البقرة برباطها وطلعت الحجاز، أي: وقعت الدعوة مكانها، فيشتهر -والعياذ بالله- بعض الناس حتى يصبح يضرب به المثل، فالمرأة كانت تقول للولد: اسكت وإلا أخذك الفضيل.
أتى الفضيل بن عياض فطلع سلماً على جدار يريد أن يسرق صاحب البيت، فأطل ونظر إلى صاحب البيت فإذا هو شيخ كبير، وعنده مصحف، ففتحه واستقبل القبلة على سراج صغير عنده ويقرأ في القرآن ويبكي -انظر الفرق بين الحياتين: هذا يقطع السبل، لا صلاة ولا صيام ولا عبادة ولا ذكر ولا إقبال، وهذا يتلو آيات الله ﴿أَفَمَنْ يَعْلَمُ أَنَّمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمَى إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُوا الأَلْبَابِ﴾ [الرعد:١٩] وقال تعالى: ﴿أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِداً وَقَائِماً يَحْذَرُ الآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُوا الأَلْبَابِ﴾ [الزمر:٩] جلس الفضيل ووضع يده على السقف وظل ينظر إلى ذلك الرجل العجوز الذي يقرأ القرآن ويبكي، وعنده بنت تصلح له العشاء، وأراد أن يسرقه وهو بإمكانه؛ لأن ذلك الرجل قوي، وهذا الشيخ لا يستطيع أن يدافع عن نفسه، فمر الشيخ بقوله : ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنْ الْحَقِّ وَلا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمْ الأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ﴾ [الحديد:١٦] فنظر الفضيل إلى السماء وقال: يا رب! أني أتوب إليك من هذه الليلة، ثم نزل فاغتسل ولبس ثيابه وذهب إلى المسجد يبكي حتى الصباح، فتاب الله عليه، فجعله إمام الحرمين في العبادة، هذا السارق أولاً أصبح إمام الحرمين الحرم المكي، والحرم المدني، حتى يقول له عبد الله بن المبارك في قصيدته:
يا عابد الحرمين لو أبصرتنا لعلمت أنك بالعبادة تلعب
من كان يخضب خده بدموعه فنحورنا بدمائنا تتخضب
أو كان يتعب خيله في باطل فخيولنا يوم الصبيحة تتعب
стр. 2613
توبة عبد الله بن المبارك
وسبب القصيدة أن عبد الله بن المبارك أحد الزهاد العباد العلماء الكبار الذين يخشون الله كذلك هو في شبابه ما كان بذاك، ولكنه سمع قارئاً يقول: ﴿فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ﴾ [المؤمنون:١١٦] ثم ذهب فتعلم العلم حتى رفعه الله بالتقوى.
قصة تسبق قصة -ولا بأس في الاستطرادات- يقول أحد تلاميذ عبد الله بن المبارك: قلت في نفسي: ما أدري ما الذي رفع ابن المبارك علينا؟ يصلي كما نصلي، ويصوم كما نصوم، ويقوم الليل كما نقوم الليل، فما أدري ما السبب؟ قال: حتى سافرنا ونزلنا في حجرة في غرفة في الطريق؛ فانطفأ علينا السراج، فذهبنا فالتمسنا سراجاً، فأتينا بالسراج فأشعلناه فإذا دموع عبد الله بن المبارك تقطر من شعر لحيته، فقلت: بهذا رفع، لعله تذكر القبر وظلمته.
هذا الرجل كان مع الفضيل، وكانوا أصدقاء وأصحاباً في الحرم، فلما سمع ابن المبارك داعي الجهاد والقتال في سبيل الله في الجبهات أخذ بغلته وسيفه وترك الحرم، كان يدرس ألوف الطلاب، فأخذ تلاميذه يمسكون بالبغلة ويقولون: يا أبا عبد الرحمن! تتركنا وتذهب؟ قال:
بغض الحياة وخوف الله أخرجني وبيع نفسي بما ليست له ثمنا
إني وزنت الذي يبقى ليعدله ما ليس يبقى فلا والله ما اتزنا
وذهب إلى الجبهة يقاتل في سبيل الله.
يقول أحد أصحابه: لما خرجنا إلى الجبهة خرج علينا فارس وهو ملثم من صف المسلمين لا يرى إلا عيناه - عبد الله بن المبارك كان شجاعاً وقوي الجسم، وأمه تركية كان يهد الجدار، ومع ذلك دموعه تتخذ في خديه خطين أسودين من كثرة خشية الله، زاهد، عابد، تاجر، علاَّمة، محدث، أمير المؤمنين في الحديث- قال: فتلثم فخرج في الصباح وقتل سبعة، فذهبنا وراءه وأتينا إلى الخيمة فوجدناه عبد الله بن المبارك، فلما أتى في الليل نظر إلى فرشنا وظن أنا نمنا وبعضنا ما نام، فقام فتوضأ في ليلة شاتية باردة وأخذ يقرأ سورة التكاثر ويبكي حتى صلاة الفجر، وفي أثناء المعركة كتب له الفضيل بن عياض رسالة يقول له فيها: تركت الحرم الذي الصلاة فيه تعادل مائة ألف صلاة فيما سواه! تركت التلاميذ! تركت الدروس! فرد عليه بقصيدة يقول:
يا عابد الحرمين لو أبصرتنا لعلمت أنك بالعبادة تلعب
من كان يخضب خده بدموعه فنحورنا بدمائنا تتخضب
أو كان يتعب خيله في باطل فخيولنا يوم الصبيحة تتعب
ريح العبير لكم ونحن عبيرنا رهج السنابك والغبار الأطيب
فلما قرأها الفضيل بلها بالدموع هذا الفضيل تاب وأصبح من العباد الكبار وأصبح عابد الحرمين، زاره الخليفة العباسي هارون الرشيد، وكان رجلاً صالحاً ﵀، زار الحرم حاجاً، فقال لأحد وزرائه الفضل بن سهل أو الربيع بن سهل، قال: يا فلان! ابحث لي عن عالم يعظني هذه الليلة، فذهب إلى سفيان بن عيينة فطرق على سفيان وقال له: أمير المؤمنين هارون الرشيد في الباب يريدك.
قال: ليت أمير المؤمنين جلس وكنا أتينا إليه، فأتى فحدثه فأعطاه مالاً، فقال هارون لوزيره: ما شفيتني ابحث لي عن آخر، فذهب إلى الفضيل: فطرق عليه الباب، وإذا الفضيل يبكي في الليل ويناجي الواحد الأحد، فقال الفضيل: من طرق علينا هذه الليلة؟ قال: أمير المؤمنين هارون الرشيد يريدك، قال: مالنا ولـ هارون الرشيد أمير المؤمنين، أما يكفيه ذنوب الأمة، ذنوب أمة محمد ﷺ يسألونه يوم القيامة حتى يدخلنا معه في هذا الذنب، قال: يريدك وطاعته عليك واجبة، قال: ماذا يريد مني؟ يقطعني عن صلاتي وعن عبادتي، قال: يريدك، قال: إن كان يريدني فليأت، فذهب إلى هارون الرشيد وقال: إن كنت تريده فتعال.
قال: فقمنا، فطرقنا الباب، ففتح لنا وهو يبكي من آثار صلاة الليل، قال: ولما دخلنا وإذا بسراجه في طرف البيت فقام الفضيل إلى السراج فأطفأه فأصبحنا في الظلام، قال هارون الرشيد: مالك أطفأت السراج؟ قال: هذا أهون من ظلمة القبر يا هارون الرشيد.
قال: عظني وانصحني، قال: يا هارون! إنك جميل الوجه وصبيح المنظر، فالله الله فلا تخيب وجهك ولا تسيئه بنار جهنم؛ فبكى حتى كادت أضلاعه تختلف، قال: زدني-كان هارون الرشيد رجلاً صالحاً من بني العباس- قال: زدني، قال: يا هارون! يوم القيامة يسأل كل واحد عن نفسه، وأنت تجمع أمة محمد من في عصرك في صعيد واحد فيسألك الله عنهم؛ فبكى حتى كادت أضلاعه تختلف، قال: يا فضيل! تريد منا شيئاً، قال: والله ما أريد منك شيئاً، أريد أن تنقذ نفسك من النار، فخرج الخليفة ثم أخذ يمسح دموعه، وأخذ يقول لوزيره: إذا دللتنا على رجل فدلنا على مثل هذا.
هذا هو الفضيل، وقد رزقه الله بابن اسمه علي، تكلم عنه ابن تيمية في الفتاوى وترجم له، يقول ابن تيمية: ثبت أن بعض الناس مات من القرآن سمع القرآن فمات مثل علي بن الفضيل بن عياض، كان فيه خشية الله أعلم بها حتى كان أبوه يصلي بالناس فينظر هل ابنه وراءه في الصف، فإذا كان وراءه يقرأ من الآيات التي فيها رجاء وفيها قصص وما يقرأ من آيات الخوف، وفي يوم من الأيام قام الفضيل لصلاة الفجر وظن أن ابنه ليس معهم، فقرأ من الصافات، حتى بلغ قوله : ﴿وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْئُولُونَ * مَا لَكُمْ لا َتَنَاصَرُونَ * بَلْ هُمْ الْيَوْمَ مُسْتَسْلِمُونَ﴾ [الصافات:٢٤ - ٢٦] قال: فأغمي على ابنه وسقط فحملوه فإذا هو ميت، وقد أوردها الذهبي وابن تيمية وأسانيدها صحيحة، وهو ممن صعق بالقرآن، فلما أخبر الفضيل بموت ابنه بالقرآن ضحك، وقال: الحمد لله، وسئل ابن تيمية: كيف يضحك الفضيل والرسول ﷺ بكى على موت إبراهيم وقال: ﴿إن العين لتدمع، وإن القلب ليحزن، ولا نقول إلا ما يرضي ربنا، وإنا لفراقك يا إبراهيم لمحزونون﴾؟
فقال ابن تيمية: الرسول ﷺ أكمل حالاً؛ لأنه جمع بين الرضا والرحمة في آن واحد، والفضيل ما استطاع أن يجمع بينهما فأخذ الرضا وما أتى بالرحمة، وصدق ابن تيمية ﵀، وهذا هو العلم والذكاء المطلوب، فقال: حال الرسول أكمل.
فهذا أحد الناس الذين توجهوا إلى الله ، وعرفوا طريقه فأنقذهم الواحد الأحد.
والذي يُطْلَب منا أن نصدق مع الله، قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [العنكبوت:٦٩].
стр. 2614
توبة إبراهيم بن أدهم
بشر الحافي سيد الزهاد، كان عندهم ندماء يدور عليهم الكأس بعد صلاة العشاء، لا يعرفون عشاءً ولا فجراً، ليالي بعض الناس مثل ليالي الحمير، لا يدري في أي وقت هو، في العشاء أم في الفجر، أم في الأذان، أم في التراويح وقراءة القرآن، أم في الصلاة، تائه عياذاً بالله، قال تعالى: ﴿ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا وَمَنْ لَمْ يَجْعَلْ اللَّهُ لَهُ نُوراً فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ﴾ [النور:٤٠].
من أين يأتي النور إلا من عند الواحد الأحد، فأتى هذا الرجل فنزل إلى السوق -وهو أمير معه حاشية وجند، ولكن بعض الأمور وبعض الأعمال ترفع صاحبها عند الله- فوجد في السوق ورقة مكتوب فيها (الله) يدوسها الناس بالأقدام لا يدرون عنها، فقال: سبحان الله! اسم الحبيب يداس بالأقدام، والله لأرفعنه! فأخذ هذه الورقة وغسلها وطيبها بالطيب ورفعها في بيته، ولما أمسى في الليل سمع قائلاً يقول: يا من رفع اسم الله! والله ليرفعن الله اسمك، وأتى في اليوم الثاني وإذا قلبه متغير، رأى حياة الجهالة والضلالة، فأصبح عابد أهل بغداد، فرفعه الله، فلا تجد ترجمة في أي كتاب من كتب السلف وتراجمهم إلا تجد بشر الحافي ﵀ رحمة واسعة، وهذا من الطراز العظيم، رفعه الله بصدقه وعودته إليه فتبارك الله أحسن الخالقين، وتبارك الله الذي يقبل التائبين، وتبارك الله الذي بتوب على المنيبين، فنسأله أن يتوب علينا وعليكم، وأن يجعلنا من المقبولين، فإن المحروم صراحة من حرم الثواب والعودة إلى الله.
يقول أبو الفتح البستي:
زيادة المرء في دنياه نقصان وربحه غير محض الخير خسران
يا خادم الجسم كم تسعى لخدمته أتعبت جسمك فيما فيه خسران
أقبل على الروح واستكمل فضائلها فأنت بالروح لا بالجسم إنسان
من يتق الله يحمد في عواقبه ويكفه شر من عزوا ومن هانوا
من استعاذ بغير الله في حدثٍ فإنما ناصره عجز وخذلان
في قصيدة طويلة يقول في آخرها:
يا عامراً لخراب الدار مجتهداً بالله هل لخراب الدار عمران
دار أخربها الله تعمرها أنت! ودار أبغضها الله تحبها! ولو صرف الواحد منا عُشْر ما يصرف لدنياه لدينه لصلحت أمورنا، تجد بعض الناس مهدماً من كل جهة الصلاة مهدومة، قراءة القرآن والصدق والوفاء والأمانة والأكل الحلال والاستقامة والإخلاص، كل شيء مهدم، لكن دنياه معمورة، لو انكسرت حنفية لأقام الدنيا وأقعدها، سيارته عامرة، بيته عامر، ولكن يقول:
يا عامراً لخراب الدار مجتهداً بالله هل لخراب الدار عمران
ويا حريصاً على الأموال تجمعها أقصر فإن سرور المال أحزان
стр. 2615
توبة عمر بن الخطاب
ومن سادات التائبين والعائدين إلى الله عمر بن الخطاب، سلام على عمر، وبيض الله وجه عمر، نشهد الله أننا نتقرب بحبه ﵁ وأرضاه، مثلما يفعل ابن تيمية إذا ذكر عمر قال: رحم الله تلك العظام، حصن من حصون هذا الدين، إنسان وقف سداً منيعاً في وجه كل مبتدع وملحد وزنديق حتى خافته الشياطين، فإن الشيطان العفريت يأتي من طريق وعمر من طريق.
يقول حافظ إبراهيم في عمر:
قد كنت أعدى أعاديها فصرت لها بفضل ربك حصناً من أعاديها
للملوك تنحوا عن مناصبكم فقد أتى آخذ الدنيا ومعطيها
لما اشتهت زوجه الحلوى فقال لها من أين لي ثمن الحلوى فأشريها
يقول ابن كثير في البداية: قال أنس: [[رأيت عمر بن الخطاب أخذ عصا ثم مال وراء جدار من جدار الأنصار، ثم أخذ يضرب أرجله ويبكي ويقول: يا عمر اتق الله، والله إن لم تتق الله ليعذبنك الله عذاباً ما عذبه أحداً من الناس]] يضرب نفسه بالعصا، أي قلب هذا القلب الكبير ﵁ وأرضاه؟!
أول عودة له أخذ السيف يريد أن يقتل الرسول ﵊ كما يقول بعض المفكرين والأدباء العصريين يريد أن يقترف أعظم جريمة في تاريخ الإنسان، فلما ذهب ﵁ وأرضاه لقيه رجل فقال: إلى أين؟ قال: أريد أن أذهب إلى محمد أقتله، قال: هون عليك، أختك أسلمت وهي تقرأ القرآن عند صهرك.
فعاد مغضباً يكاد يهشم الجدران والسيف معه، وأنصت عند البيت وأخته ترفع صوتها مع زوجها؛ فأدخله هذا الموقف الإيمان، وهي تقرأ قوله: ﴿طه * مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى * إِلاَّ تَذْكِرَةً لِمَنْ يَخْشَى * تَنزِيلاً مِمَّنْ خَلَقَ الأَرْضَ وَالسَّمَوَاتِ الْعُلا * الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه:١ - ٥].
كلمات ما أظن أن الإنسان يقف إن كان في قلبه ذرة من الإيمان ويسمعها إلا ويهتدي ويزداد هدىً ونوراً، إلا إنسان أغلق الله قلبه وأغفل عليه.
فدخل ولكنه ما سمع الآيات كما ينبغي؛ فلطم أخته وضرب زوجها، وهم لا يقفون له أبداً حتى أدماهم ثم جلس، وقال: أريد أن أقرأ الصحف، قالت أخته: أنت نجس وهذا القرآن طاهر، قالت: اذهب واغتسل، فاغتسل وأخذ الصحف يقرؤها، فقرأ سورة طه وهو عربي يعرف من أنزل هذا القرآن، قال تعالى: ﴿قُرآناً عَرَبِيّاً غَيْرَ ذِي عِوَجٍ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾ [الزمر:٢٨] وقال: ﴿لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعاً مُتَصَدِّعاً مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَتِلْكَ الأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [الحشر:٢١] ﴿قُلْ لَئِنْ اجْتَمَعَتْ الإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً﴾ [الإسراء:٨٨] فقرأ ولما وصل إلى قوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه:٥] انهد باكياً، وذهب إلى الرسول ﷺ ووضع يده في يده وأعلن إسلامه، وشهد أن لا إله إلا الله، وأعلن النصر معه إلى آخر قطرة من دمه، وبالفعل كان تاريخاً حافلاً، وأنا أوصي إخوتي في الله أن يقرؤا سيرة عمر بكثافة، وأن يقرءوا عجائبه وزهده وعبادته، فإن قراءة قصص هؤلاء العظماء في الإسلام تزيد الإنسان بصيرة في الدين، قال تعالى: ﴿أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمْ اللَّهُ وَأُوْلَئِكَ هُمْ أُوْلُوا الأَلْبَابِ﴾ [الزمر:١٨].
стр. 2616
توبة الطفيل بن عمرو الدوسي
أتى الطفيل بن عمرو الدوسي إلى مكة، وكان شاعراً مجيداً، سمع بالرسول ﷺ ، فدخل الحرم وشياطين الإنس عند أبواب الحرم؛ لأن للجن شياطين وللإنس شياطين -يقول أحد الصالحين: شيطان الجن تستعيذ منه فلا يأتيك، لكن شيطان الإنس يطرق عليك الجرس وتفتح الباب وتدخله، وتجلسه على الفراش وتصب له قهوة ويؤذيك في دارك، ولذلك أمرنا بالاستعاذة من شيطان الجن والإنس- أتت قريش فوزعوا بعض الشياطين من الإنس وقالوا: إذا أتى رجل من العرب فصدوه عن محمد، فأتى الطفيل الدوسي وهو زهراني من بلاد زهران، فوصل إلى الحرم ونزل من على ناقته وتلقوه عند الباب من أين؟ قال: من دوس، ماذا تريد؟ قال: الذي يدعي هنا أنه نبي، قالوا: إنه شاعر، ساحر، كاهن، إياك! لا تقرب منه، فما زالوا يلقون عليه محاضراتٍ وخطباً حتى أخذ القطن من راحلته فوضعها في أذنه -انظر إلى التخويف والإشاعات الباطلة، والاغراضات والحرب المعنوية الباردة- فنزل فأتى الحرم، فقال: كنت أنظر إلى محمد ﷺ ولا أسمع كلامه، لأنه مسدود الأذنين، لكن إذا أراد الله بشيء خيراً تممه، قال: أنظر إليه وأسمعه يتمتم لكن ما أدري ماذا يقول، ثم عدت إلى نفسي وقلت: عجباً أنا شاعر من شعراء العرب -وهو صحيح من شعراء العرب- وأنا أعرف جزل الكلام من هزله، وأعرف فصيحه من رثه، فلماذا لا أنزع القطن وأسمع؛ فإن أعجبني شيء وإلا تركت -أراد الله أن يهديه- فنزع القطن، وهذه بداية الاستجابة، واقترب من الرسول ﷺ والرسول ﷺ يتلو آيات، يقول : ﴿فَلا أُقْسِمُ بِمَا تُبْصِرُونَ * وَمَا لا تُبْصِرُونَ * إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ * وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ قَلِيلاً مَا تُؤْمِنُونَ * وَلا بِقَوْلِ كَاهِنٍ قَلِيلاً مَا تَذَكَّرُونَ * تَنزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ * وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الأَقَاوِيلِ * لأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ * ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ * فَمَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ﴾ [الحاقة:٣٨ - ٤٧] فقام إلى الرسول ﷺ وقال: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أنك رسول الله.
يقول سيد قطب: القرآن يأتي على القلب حتى يطوقه من جميع النوافذ فما يستطيع القلب أن يفر.
ويروي سيد قطب قصة في أول هدايته، وسيد قطب درس في كلورادو في مدينة دنفر، وكان معجباً بالغربيين، وقرأ ثقافاتهم، ووصل إلى مصر بعدما كان مثقفاً متطوراً غربياً، وهذه القصة ذكرها في تفسير سورة النجم في المجلد السادس، قال: كنا أنا ورفقة لي في القاهرة بعد صلاة العشاء وعندنا راديو، ففتحنا الراديو نستمع إلى الأخبار -أول الهداية من الله قد تكون بمقالة، بمحاضرة، بنظرة، ببكاء، بجنازة، بصوت من راديو، بمشهد تقرؤه أو تطالعه- قال: فاستمعنا إلى صوت الراديو ومعي الزملاء، فارتفع صوت راديو الجيران، فإذا مقرئ حسن الصوت يقرأ سورة النجم: ﴿وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى * مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى * وَمَا يَنْطِقُ عَنْ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى * عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى﴾ [النجم:١ - ٥] قال: فأما أنا فسافرت بقلبي في رحلة مع الرسول ﵊ -الرجل أديب يكتب بقلمه ما لا يستطيع الإنسان أن يرسمه بيده، قلمه سحر حلال- قال: فسافرت مع الرسول ﵊ في رحلة الإسراء والمعراج، وتركت جثماني مع زملائي- بعض المقرئين يهزك حتى يذكرك بقيام الساعة- قال: حتى وصل إلى قوله تعالى: ﴿أَزِفَتْ الآزِفَةُ * لَيْسَ لَهَا مِنْ دُونِ اللَّهِ كَاشِفَةٌ * أَفَمِنْ هَذَا الْحَدِيثِ تَعْجَبُونَ﴾ [النجم:٥٧ - ٥٩] قال: فانهديت باكياً حتى يقول في الظلال: -ولكم العودة إليه- قال: والله ما استطعت أن أتحكم في عضلاتي، أصبح يهتز كله، قال: وعلمت أن هذا القرآن يؤثر في القلوب مالا يؤثر فيها شيء آخر أبداً، ثم أعلن هدايته وتوبته وعاد إلى الله، فأصبح قلماً من أقلام الحق، وأصبح شهيداً من شهداء الإسلام إن شاء الله، وهنا قصيدة قيلت فيه، وسبب هذه القصيدة أنه لما أتى يشنق في المشنقة ضحك، فقال له الجلادون: لماذا تضحك؟ قال: أضحك من حلم الله على هؤلاء ومن تجرئهم على الله، فيقول أحد شعراء مصر:
يا شهيداً رفع الله به جبهة الحق على طول المدى
سوف تبقى في الحنايا علماً قائداً للجيل رمزاً للفدا
ما بكينا أنت قد علمتنا بسمة المؤمن في وجه الردى
يقال له في آخر الأيام: اكتب اعتذاراً إلى أحد الطغاة أنك تنازلت عن مبادئك لعله يعفو عنك، قال: والله لا تكتب يدي حرفاً له، إن كنت قتلت بالباطل فأنا أكبر من أن استرحم الباطل، وإن كنت أقتل بحق فأنا أصغر من أن أعترض على الحق، فقتل ﴿وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتاً بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ * فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمْ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ أَلاَّ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [آل عمران:١٦٩ - ١٧٠].
الطفيل أعلن إسلامه، وعاد إلى دوس فدعاهم إلى الله فأعرضوا، فأتى إلى الرسول ﵊ وقال: ادع على دوس سبحان الله! لو كان الواحد منا أتى ببعض الجزئيات التي وقعت للرسول ﷺ لدعا على الناس جميعاً، تصور أن رجلاً يحدث جماعة في مسجد ويختصم معهم فيدعو عليهم، أو يمنعونه من الكلمة، أو يحرمونه من شيء فيجعلهم أعداءً ألداء، لكن الرسول ﷺ يضرب ويرمى ويخرج من دياره، وتضرب بناته، ويؤخذ ماله ويباع عقاره، ويقول: ﴿اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون﴾ حتى يقول الله له من فوق سبع سماوات: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم:٤] ما هذا التحمل والصبر والحكمة والحلم والأناة؟! يقول سبحانه: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم:٤] ويقول له : ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنْ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾ [آل عمران:١٥٩].
دعاهم الطفيل وهو من تلاميذ الرسول ﷺ ، فأعرضوا عنه فقال: ﴿يا رسول الله! ادع على دوس، فشا فيهم الزنا وأكلوا الربا، فرفع يديه واستقبل القبلة، فقال الطفيل: هلكت دوس فقال ﵊: اللهم أهد دوساً وأت بهم، ثم قال ﵊: اذهب إليهم، قال: اجعل لي علامة -أي: بينة وكرامة من الكرامات يصدقونه- قال: اللهم اجعل له علامة -أو كما قال ﵊ فأتى نور في جبينه يضيء في الليل مسافات، قال: يا رسول الله! أخشى أن يقولوا: هذه مُثْلَة، فدعا ﷺ أن تتحول، فتحولت إلى العصا﴾ فكان يقول بالسوط هكذا على جبال زهران فتضيء كلها بنور الواحد الأحد، دخل عليهم فأسلموا جميعاً ودخلوا في دين الله أفواجاً.
فهم المصلحون ببركات ذاك الذي في مكة:
المصلحون أصابع جمعت يداً هي أنت بل أنت اليد البيضاء
ﷺ .
стр. 2617
قصص بعض التائبين المعاصرين
стр. 2618
قصة شاب اهتدى
هذا نموذج ممن اهتدوا، أما هذا الشاب الذي اهتدى فقصته معروفة، وقد سمعتها سماعاً من ثقات، وهي مكتوبة وقد دونتها وجمعت عناصرها، هذا الرجل كان قبل أن يتزوج مسرفاً على نفسه في الخطايا والذنوب، أسرته ثرية عندهم مال، كان يأخذ الأموال من والده والشيكات ويذهب إلى أوروبا، ويذهب إلى أمريكا وإلى فرنسا، فيعصي الله ، ويتحمل من الذنوب والخطايا مثل الجبال؛ لأن بعض الناس سمع من بعض الشباب ووعظهم بعض الدعاة في أمريكا وفرنسا فقالوا: الله في السعودية، جل الله وتبارك الله وتقدس ﴿الَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ * وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ﴾ [الشعراء:٢١٨ - ٢١٩] وقال أيضاً: ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلاثَةٍ إِلاَّ هُوَ رَابِعُهُمْ وَلا خَمْسَةٍ إِلاَّ هُوَ سَادِسُهُمْ وَلا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلا أَكْثَرَ إِلاَّ هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [المجادلة:٧] وقال : ﴿أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ [الملك:١٤] بلى.
فذهب هذا الرجل فكان يفعل الأفاعيل: زنا وخمر وشرود عن منهج الله، أما الصلاة فتركها من زمان وهو في بلاده هنا، وفي الأخير كانت أمه امرأة صالحة، والله لا يضيع أجر من أحسن عملاً، كانت تدعو له وحاولت وصبرت، وفي الأخير كانت تدعو أن يقبض الله روحه؛ لأنها ملت من هذه الحياة، ذهب وعاد كأنه رجل من الخواجات، لا يتكلم إلا في أوروبا، ولا يرى شيئاً من هذه التقاليد، ويرى أننا في تخلف، وأن ديننا رجعية -والعياذ بالله- ويحدث عن أمورهم وعن عجائبهم، وفي لحظة من اللحظات أراد أهله أن يزوجوه، فوافق وتزوج امرأة لكنها صالحة، تقوم الليل وتصوم النهار، وتحفظ كثيراً من القرآن، فتاة قدوة في السلوك والأخلاق رضية الأفعال، وكانت مؤمنة، فأحبها لجمالها، وللأمور أسباب ومداخل، فلما رأته ما صلى تلك الليلة قالت: يا فلان! والله ما جمعني بك دنيا ولا مال ولا جاه، إنما أردت أن يهديك الله على يدي، فإن كنت تريدني امرأة عندك فاعلم أنك لن تنال هذا إلا بالدين والخشية من الله والصلاة، قال: ليس غير هذا الكلام؟ قالت: سمعت هذا الكلام، فصلى أول الليل مجاملة، وقام وصلى الفجر، وفي اليوم الثاني أعطته حقنة من الدعوة إلى الله، وكانت تدعوه على الطعام وبعد الطعام وعلى الشاي وبعد الشاي وتقود قلبه إلى الله، وتحدثه بالقصص عن الصالحين التي سمعت، وفي الأخير اهتدى وحافظ على الصلوات الخمس في المسجد، وقاطع الخمر ثم ترقى به الحال إلى أن أخذ السنن، ثم ترقى به الحال حتى أصبح من الدعاة المؤثرين في غيرهم، فانظر إلى هذه الفتاة المؤمنة التي نسأل الله أن يرفع منزلتها في الآخرة، وأن يجعلها من العابدات الصالحات، وأن يثبتنا وإياه ﴿يَوْمَ لا يَنْفَعُ مَالٌ وَلا بَنُونَ * إِلاَّ مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ [الشعراء:٨٨ - ٨٩] ﴿لأن يهدي الله بك رجلاً واحداً خير لك من حمر النعم﴾ يقول تعالى: ﴿ذلك فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾ [الحديد:٢١].
стр. 2619
توبة محمود شيت خطاب
مفاتيح القلوب يعطيها الله من يشاء، بعضهم عندهم مفاتيح الخزائن لكن لا يستطيع أن يفتح قلباً واحداً، والبعض الآخر يجلس بكلمة فيفتح الله به قلوباً محمود شيت خطاب اللواء الركن العراقي، كان في الجيش العراقي، وهو مؤلف عنده عشرة كتب في العسكرية الإسلامية، مسلم داعية كبير، كان مع الجيش يعربدون ويفجرون ويفسقون ولا تسأل عن ليلهم ونهارهم، ما يعرفون الصلاة بل كانوا يستهزئون بها.
الجيوش العربية حين أن دخلوا فلسطين قيل لأحد القادات وهم يقاتلون إسرائيل: نصلي؟ قال: إذا رجعنا بلادنا صلينا، فنزلت عليهم إسرائيل نزول من لا يخاف ولا يرحم، فترك جزمته في إسرائيل وهرب إلى بلاده، هذا هو الجزاء، قال تعالى: ﴿وَلَعَذَابُ الآخِرَةِ أَخْزَى وَهُمْ لا يُنْصَرُونَ﴾ [فصلت:١٦].
فأتى هذا اللواء الركن يقول: كنت جالساً في ثكنة عسكرية في العراق، وكنا في الليل مع قادات -هو لواء ركن- قال: فمر بنا داعية من الدعاة المسلمين -أراد الله أن يفتح قلبه- قال: فأتى ونحن في ليلةٍ حمراء، مع كل قائد كأس خمر، ويلعبون من البلوت واللعبات التي لا يلعبها إلا الغافلون دائماً، فقال لهم هذا الداعية كلمة واحدة، ما ألقى محاضرة ولا خطبة، قال: أما تخشون الرقيب؟!
فقال اللواء خطاب: وأين الرقيب؛ وما عندنا إلا الكواكب، ما هنا إلا النجوم؟ قال: وأين مكوكب الكواكب؟ قال: ثم تركنا وذهب، لكن دخلت كلمته إلى قرار قلبي، أحسست بحرارتها تلك اللحظة؛ لأن الإنسان مفطور على الخير وعلى الإيمان: ﴿فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ [الروم:٣٠] كل حيوان وكل مخلوق وكل كائن يعرف أن هناك إلهاً.
مر عيسى ﵇ -والقصة صحيحة إلى عيسى ثبتت عنه- مر عيسى ﵇ ببقرة قد اعترض ولدها في بطنها في ساعة الولادة، وإذا البقرة تنظر إلى السماء وتدمع عيناها؛ لأنها تعلم أن الحي القيوم مفرج الكربات في السماء ﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ﴾ [النمل:٦٢] ثم تكلمت وأنطقها الله الذي أنطق كل شيء فقالت: يا روح الله! أسألك بالله أن تدعو لي، فبكى ﵇ وقال: اللهم سهل لها، فأنزل ولدها في تلك الفترة نعم.
كل شيء يعلم أن هناك إلهاً مدبراً، سبحان الخالق الأحد!
قال: فذهبنا تلك الليلة وبقيت أقول كلما قمت من نومي: أين مكوكب الكواكب؟
آتي أنام فما أستطيع أن أنام وأقول: أين مكوكب الكواكب؟
أخرج في الليل وأنظر إلى الكواكب وأقول: أين مكوكب الكواكب؟
وفي الأخير أعلن توبته وانصدع باكياً في ليلة من الليالي، فأتى وتاب من حياة الجهل والخرافة والظلام، وجدد إيمانه وطريقه وأصبح من دعاة الإسلام، وهو الذي سد مساحة العسكرية الإسلامية في كتبه، نسأل الله أن يجزيه عن الإسلام خير الجزاء يقول تعالى: ﴿أُوْلَئِكَ الَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَنَتَجاوَزُ عَنْ سَيِّئَاتِهِمْ فِي أَصْحَابِ الْجَنَّةِ وَعْدَ الصِّدْقِ الَّذِي كَانُوا يُوعَدُونَ﴾ [الأحقاف:١٦] وقال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ * تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا وَيَضْرِبُ اللَّهُ الأَمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ * وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ اجْتُثَّتْ مِنْ فَوْقِ الأَرْضِ مَا لَهَا مِنْ قَرَارٍ * يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ﴾ [إبراهيم:٢٤ - ٢٧] فنسأل الله لنا ولكم الثبات والاستقامة حتى نلقاه.
стр. 2620
قصة شابين عادا إلى الله
ومما يؤثر في هذا الجانب شاب من الشباب هو في منطقة قريبة منا، يقول الذي روى لي القصة -وهو طالب علم في أصول الدين، ثقة وعدل- قال: هذا الشاب كان مشهوراً في قريته بالتمرد على آيات الله وأحكامه وعلى فرائضه وسننه، والعجيب أنه يروي القصة ويحلف عن نفسه أنه كان يلعب بالبلوت من بعد صلاة العشاء إلى بعد صلاة الظهر من اليوم الثاني، يجلس مع الزملاء من استمراء هذه الفعلة ومن ضياع الوقت وعدم الصلاة وعدم الإقبال على الله وعدم الشغل والدراسة، والنسب الموجودة في مجتمعاتنا الآن أن أكثر من يفشل في الأعمال والوظائف والمدارس هم الذين أعرضوا عن الله، وهذا معروف بنسب عالية، أعرضوا عن الله ففشلوا في كل شيء، قال: فكان يجلس من بعد صلاة العشاء إلى بعد صلاة الظهر في اليوم الثاني يلعب بلوت، أما الصلاة فيقول: ما صلى ولا سجد لله سجدة، ولا شهد جمعة ولا عيداً ولا أي صلاة أبداً، ولا يعرف من القرآن شيئاً، ومعرض عن الله ، وأكره شيء إليه الدين.
وفي ليلة من اليالي أراد الله أن يهديه -ولله حكم ولطائف- قال: نمت تلك الليلة وأتاني اختناق حتى أشرفت على الموت، وأحسست باليوم الآخر، انتهى الأمر وأنا في يقظة، استيقظت وإذا بمن يخنقني، وإذا بالخنق في رقبتي وفي عنقي، وأنا قد شعرت بالموت تماماً واستيقنت أني لقيت الله، وفي تلك الأثناء أتذكر قدومي على الله، ما عندي صلاة ولا ذكر ولا قرآن ولا توبة ولا صلاح، بماذا ألقى الله؟ وتذكر القبر وتذكر هذه الأمور؛ فعاهد الله وهو يختنق، كأن إنساناً يخنقه وهو لا يرى شيئاً لكن لله أسباب، قال: أعاهدك يا رب إن نجيتني أن أتوب إليك وأكون عبداً صالحاً، واستمر يعاهد الله حتى أخذ الله منه الميثاق ثم أفلته فاستيقظ، وقال: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً رسول الله، أتوب إلى الله، وقام فاغتسل وغير ملابسه وبدأ يصلي من تلك اللحظة قبل صلاة الفجر بساعات، وأخذ يصلي ويبكي حتى أتت صلاة الفجر، وسمع الأذان (الله أكبر) لكن ليس كالأذان كل يوم، اليوم له طعم، دخل الأذان إلى قلبه، فقام يجيب داعي الله ويذهب إلى المسجد، ورحب به المسجد في أول لقاء وبدأ يصلي، قال: أول صلاة صليتها كانت صلاة الفجر.
وأحد المفكرين له مفكرات كنت أطالعها فإذا فيها يقول: كنت في بيروت فركبت في سفينة فيها فتيات راكبات -أعوذ بالله-، قال: فانغمست بنا السفينة فكدنا نغرق، فأشرفت على الهلاك وأصبحت في غيبوبة، وكان في حالة اختناق، فرفع إصبعه وقال: أشهدك -يا رب- إذا أخرجتني أن أتوب، فأخرجه الله تعالى ليرى هل يتوب؟ فتاب الله عليه فأصبح مفكراً وداعيةً من دعاة الإسلام.
يقول ﵊: ﴿إن الله يبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار، ويبسط يده بالنهار ليتوب مسيء الليل حتى تطلع الشمس من مغربها﴾ ويقول ﵊: ﴿يقول الله : يا عبادي! إنكم تذنبون بالليل والنهار وأنا أغفر الذنوب جميعاً فاستغفروني أغفر لكم﴾ ويقول ﵊: ﴿لو لم تذنبوا لذهب الله بكم ولجاء بقوم آخرين يذنبون فيستغفرون الله فيغفر لهم﴾ وهذه الثلاثة الأحاديث عند مسلم في الصحيح، وعند الترمذي بسند صحيح، يقول : ﴿يا بن آدم! إنك ما دعوتني ورجوتني غفرت لك على ما كان منك ولا أبالي، يا بن آدم! لو بلغت ذنوبك عنان السماء ثم استغفرتني غفرت لك ولا أبالي، يا بن آدم! لو أتيتني بقراب الأرض خطايا ثم لقيتني لا تشرك بي شيئاً لأتيتك بقرابها مغفرة﴾ مع العمل الصالح، مع الإنابة والاستغفار والتوبة إلى الله الواحد الأحد.
الشاب الثاني: اهتدى، وهذا الأخ أصبح الآن يعمل أستاذاً في مدرسة وهو داعية لكنه قبل ذلك أعرض عن الله طويلاً، وترك أمور الإسلام حتى بلغ درجة الكفر، أصبح كافراً لأنه من ترك الصلاة فقد كفر، كافر لكنه موجود في مدن المسلمين، ويأكل مع أهله ويروح ويأتي في السيارة لكنه كافر مثل الكلب، قال: واستمر بي الحال وأتاني بعض الدعاة لكن ما نفع شيئاً؛ لأن هداية الله تأتي في أوقات، والله هو الذي يفتح القلوب، قال: وأتاني رجل حبيب ما أنسى جميله، فأخذ الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي لـ ابن القيم -جزى الله ابن القيم خيراً، وجزى الله هذه الداعية خيراً، وجزى الله هذا التائب خيراً- قال: فأتى بـ الجواب الكافي، وقال: تفضل يا أخي هذا الكتاب، ببسمة، وبعض البسمات تشتري القلوب، يقول جرير بن عبد الله البجلي: ما رآني الرسول ﷺ إلا تبسم في وجهي، يشتري ﷺ القلوب بالبسمات، السحر الحلال، قيل لأحد العلماء: ما هو السحر الحلال؟ قال: تبسمك في وجوه الرجال.
يقول سبحانه لرسوله ﵊: ﴿وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنفَقْتَ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعاً مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [الأنفال:٦٣] قال: فتبسم وأعطاني هذا الكتاب، فكان لهذه الهدية أعظم أثر في قلبي.
يا أيها الناس: الهدايا هي هذه الهدايا، الكتاب الإسلامي، الشريط الإسلامي، الموعظة، النصيحة، الخطب، التوجيه، الزيارة في الله، التأثير في الناس، أما هدايا الدنيا فقد امتلأت بيوتنا منها وما نفعتنا لا في الدنيا ولا في الآخرة، هدايا الأنعام والأقمشة والأحذية والأشربة والمشهيات: ﴿ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ﴾ [النور:٤٠] إذا لم تكن لوجه الله فما تنفع قال: فأعطاني الكتاب فأخذته معي وذهبت وبدأت أقرؤه وبدأ الإيمان ينصب، كأن ابن القيم يحدد هذا الرجل المعرض، وبدأ يتأثر وما مر عليه إلا يوم وأعلن توبته، وأعلن أنه كان مخطئاً واعترف بالذنب أمام الله، وأشهد الله على الاستمرار في الطريق ومن الذي أقبل على الله فلم يقبله الله؟! هل رأيت إنساناً أقبل على الله فرده الله؟ هل رأيتم إنساناً فعل الأفاعيل ثم أقبل على الله وتاب فلم يقبله، سبحان الله! الله يقبل توبة العبد ما لم يغرغر، أي: تبلغ نفسه حنجرته، قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلاَّ اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [آل عمران:١٣٥].
стр. 2621
توبة مالك بن الريب
وهذا مالك بن الريب الشاعر، ولا أعرف قصيدةً في الرثاء أجمل ولا أحسن ولا أجل من قصيدة مالك بن الريب، تبكي العيون، كتبتها لأقرأها وكأنه يقطع من قلبه، هذا الشاب خرج ضالاً معرضاً عن الهداية، لا يصلي ولا يسجد لله سجدة ولا يركع لله ركعة، خرج مع شباب إلى طريق العراق وخراسان، إذا أتت القافلة ترصد لها ثم قبض على أهل القافلة وأخذهم وذبحهم وأخذ القافلة، إذا مرت ظعينة أخذ الظعينة، إذا مر الرجل على دابة ذبح الرجل وأخذ الدابة، سارق وقاطع طريق، والله مهما تمرد العبد فإنه فتح باب التوبة، وسبحان الله ما أحلم الله! تصور أن إنساناً يحمل في نفسه بعض الإساءات من الإنسان، لكن الله حليم، قال تعالى: ﴿وَلا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلاً عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ﴾ [إبراهيم:٤٢] لكن الله صاحب الحلم الواسع ﵎، حتى مهما قتل الإنسان ومهما اعتدى ثم عاد قبله الله، فهذا كان يفتك في العباد فتكاً، وفي صباح يوم مشرق أرسل خيوط شمسه الذهبية على الكون ليكون يوم الميلاد لهذا الشاعر، ليكون يوم الهداية والرجوع والتوبة إلى الله، أتت القافلة وقائدها سعيد بن عثمان بن عفان ابن أمير المؤمنين، هؤلاء الشباب على سيماهم أنوار الهداية وعلى وجوههم إشراقات، شباب يريدون الجهاد رافعين سيوفهم وحاملين رماحهم يريدون القتال في سبيل الله، مروا بهذا الشاب فقالوا: يا فلان! من أنت؟ قال: أنا مالك بن الريب.
قالوا: ما أجلسك هنا؟ قال: لي أغراض -هم لا يدرون ما هي الأغراض- قال تعالى: ﴿وَلِيَ فِيهَا مَآرِبُ أُخْرَى﴾ [طه:١٨] قال: وأنتم إلى أين خرجتم؟ قالوا: خرجنا نقاتل في سبيل الله، قال: كيف تقاتلون في سبيل الله؟ قالوا: نقاتل، قال: وماذا جزاؤكم إذا قاتلتم في سبيل الله؟ يريد أن يعرف ما هي الثمرة من ذلك، قالوا: شرى الله أنفسنا بالجنة، قال: في ماذا؟ قالوا: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنْ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمْ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْداً عَلَيْهِ حَقّاً فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنْ اللَّه ِ) [التوبة:١١١] قال: هذا كلام الله؟ قالوا: نعم هذا كلامه.
قال: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً رسول الله ﷺ ، أتوب إلى الله، ثم وضع يده في يد القائد وتاب إلى الله وذهب معهم وباع نفسه من الله، ولما عاد -وقد قاتل في المعركة- يريد أهله وفي الطريق لدغته حية، فورم جسمه وأخذ يرتعش من السم، فبكى من الفرح، وقال: الحمد لله الذي توفاني على توبة قبل أن يتوفاني على ضلال، وقبل سكرات الموت سجل قصيدةً من أجمل وأحسن القصائد! قصيدة الصدق والإنسان في سكرات الموت، قصيدة تصل إلى القلوب لمن يعي الأدب العربي يسمونها: مالك بن الريب يرثي نفسه، أو القصيد المبكية المحزنة، يقول من ضمن أبياتها:
دعاني الهوى من أهل أود وصحبتي بـ ذي الطبسين فالتفت ورائيا
يقول: أتاني الضلال وجنون الشباب والغرور وزملاء السوء ورفقة الضلالة والمجرمون -عصابات الإجرام- دعوني فأخذوني من بيت أهلي وذهبت إلى الطبسين وتركت أهلي في العراق لأفسق، قال: فوصلت إلى هناك
دعاني الهوى من أهل أود وصحبتي بـ ذي الطبسين فالتفت ورائي
فما راعني إلا سوابق عبرة تضعضعت منها أن ألوم ردائيا
ألم ترني بعت الضلالة بالهدى وأصبحت في جيش ابن عفان غازيا
رحمك الله ورحم الله ابن عفان وأباه
ألم ترني بعت الضلالة بالهدى وأصبحت في جيش ابن عفان غازيا
فلله دري يوم أترك طائعاً بني بأعلى الرقمتين وماليا
ما أحسن هذه الخاتمة الحسنة؛ يوم تركت أبنائي وأطفالي وزوجتي وأمي وأخواتي ومت في سبيل الله! لأن المقصد أن نلتقي في الجنة، قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَمَا أَلَتْنَاهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ﴾ [الطور:٢١].
يقول عبد الله بن أنيس: ﴿أين ألقاك يا رسول الله غداً؟ قال: في الجنة إن شاء الله، قال: أعطني علامة، قال: خذ هذه العصا فتوكأ بها في الجنة﴾ والمتوكئون بالعصي قليل فأخذها ودفنت معه.
أتى إعرابي وقال: ﴿يا رسول الله! أين ألقاك يوم الزحام؟ -يقول: المسألة صعبة ما أدري كيف أهتدي لك؟ من أسأل عنك يوم الحشر يوم يجمع الله الأولين والآخرين؟ - فدمعت عينا الرسول ﷺ ، وقال: تلقاني عند ثلاثة مواقف:
إما عند الحوض- يوم يسقي الناس ﵊.
وإما عند تطاير الصحف فآخذ باليمين وآخذ باليسار.
وإما عند الصراط وهو يقول: اللهم سلم سلم، اللهم سلم سلم﴾ فناج مسلَّم ومكردس على وجهه في النار
واستشفع الناس بأهل العزم في راحة العباد منذ الموقف
وليس فيهم من رسول نالها حتى يقول المصطفى أنا لها
فيقول:
فلله دري يوم أترك طائعاً بني بأعلى الرقمتين وماليا
يقول: كل الدنيا تهون يوم ذقت الهداية، وذقت النور لا تساوي الدنيا شيئاً، قال:
ودع خليلي اللذين كلاهما علي شفيق ناصح لو نهانيا
يقول: وسلام على أبي وأمي وهما شيخان كبيران، فيقول: الحمد لله! أخبروهم أنني مت على هداية ونور، فلا يبكون علي، وإنما البكاء على من مات معرضاً، ثم قال لإخوانه:
ولا تحرماني بارك الله فيكما من الأرض ذات العرض أن توسعا ليا
يقول: وسعا في القبر قليل، لا تحرماني من الأرض فقد أصبحت منزلي:
ولا تحرماني بارك الله فيكما من الأرض ذات العرض أن توسعا ليا
خذاني فجراني ببردي إليكما فقد كان قبل اليوم صعب قياديا
يقول: الآن أصبحت ليناً ما عندي منعة ولا قوة -كما قال الوليد بن عبد الملك عندما كان خليفة، كان جباراً قوياً حتى يقول الذهبي: كان غشوماً ظلوماً، فلما أتته سكرات الموت أصبح كالحبل انقطع، فقال: ﴿مَا أَغْنَى عَنِّي مَالِيَهْ * هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيَهْ﴾ [الحاقة:٢٨ - ٢٩].
قال:
خذاني فجراني ببردي إليكما فقد كان قبل اليوم صعب قياديا
قال: كنت شجاعاً لكن:
إذا المنية أنشبت أظفارها ألفيت كل تميمة لا تنفع
ثم يقول:
وأشقر خنذيذ يجر لجامه إلى الماء لم يترك له الموت ساقيا
يقول: فرسي -والحقيقة هذا تصوير عجيب- يقول: حتى الفرس بعد قليل سوف يذهب إلى الماء وهو بلجامه ما ترك له الموت ساقيا
يقولون لا تبعد وهم يدفنونني وأين مكان البعد إلا مكانيا
العرب إذا دفنوا حبيبهم يقولون: لا أبعدك الله! يدفنونه في التراب ويقولون: لا أبعدك الله! فيرد عليهم بقوله:
يقولون لا تبعد وهم يدفنونني وأين مكان البعد إلا مكانيا
أحد الشعراء وهو التهامي دفن ابنه، ومن حبه لابنه بكى عليه في أعظم قصيدة في تاريخ الرثاء، أي: في رثاء الأبناء، وهذا في رثاء النفس، فقال من حبه له: والله لا أدفنه في المقابر إنما أدفنه هنا في بيتي، فحفر له عند منامه، فدفنه وقال: لا أبعدك عني، والله إن بعد ما بيني وبينك بعد ما بين المشرقين، والحي الذي في الأندلس أقرب منك، حتى يقول في قصيدته:
إني وترت بصارم ذي رونق أعددته لطلابة الأوتاري
جاورت أعدائي وجاور ربه شتان بين جواره وجواري
يقول ابن القيم في ترجمة التهامي: رئي التهامي في المنام بعدما مات فقالوا: ما فعل الله بك؟ قال: غفر لي وأدخلني الجنة.
قالوا: بماذا؟ قال: ببيتي الذي قلت فيه:
جاورت أعدائي وجاور ربه شتان بين جواره وجواري
يقول: تركتني في الحياة للحساد وللأعداء وللظلمة وللمنغصين وجاورت أنت الله، شتان بين جواري وجوارك
طول الحياة إذا مضى كقصيرها والعز للإنسان كالإعسار
أو كما قال فالمقصود أنه يقول:
لعمري لئن غالت خراسان هامتي لقد كنت عن باب خراسان نائيا
إلى أن يقول:
يقولون لا تبعد وهم يدفنونني وأين مكان البعد إلا مكانيا
وبالرمل لو يعلمن علمي نسوة بكين وفدين الطبيب المداويا
عجوزي وأختاي اللتان أصيبتا وباكية أخرى تهيج البواكيا
ذكر الأسرة والأحداث التي سوف تمر، ثم عد نفسه أنه مات -إن شاء الله- في سبيل الله، وقال: لا لوعة ولا فراق ولا خوف وأنا مقبل على الله، فلله الأمر من قبل ومن بعد، فالمخذول من خذل عن طريق الاستقامة، والمحروم من حرم هذا النور الذي أتى به محمد ﷺ ، والمقطوع حبله من لم يعرف طريق الجنة: ﴿الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً﴾ [الكهف:١٠٤] فنعوذ بالله من الخذلان.
وهذه -أيها الإخوة- دروس على طريق التوبة يشاهدها الإنسان صباح مساء، يشاهدها حين يذنب وحين يخطئ، ثم يتفكر أنه لا بد له من واحد أحد إله رحيم يتلجئ إليه.
وما نعلم أحداً من الناس إلا وهو مذنب؛ متكلم وسامع وصالح وعالم وداعية، يقول ابن عباس: [[تحترقون تحترقون ثم تصلون فيكشف ما بكم]] أي: من الذنوب والخطايا، وقال في أثر آخر: [[إنكم لا بد لكم من الذنوب، فأصبحوا تائبين وامسوا تائبين]].
أيها الإخوة في الله: علينا أن نجدد المسيرة والإقبال إلى الله، وعلينا أن نكون رسل خير وهداية، وأن نؤثر في الناس عل الله أن يهدي على أيدينا عباده الصالحين، فإن من اهتدى وعرف الطريق وأصاب ليس كالذي ظل وركب رأسه، نعوذ بالله من الخذلان! ﴿وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْراً لأَسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوا وَهُمْ مُعْرِضُونَ﴾ [الأنفال:٢٣] يقول عن هؤلاء: ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنْ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ أَفَلا تَذَكَّرُونَ﴾ [الجاثية:٢٣].
стр. 2622
شاب يعود من الشيوعية إلى الله
أحد الشباب ذهب إلى بلد من البلدان، فكسبه الشيوعيون الملاحدة، فأخذوه في الجلسات والروحات والجيئات والموسيقى وضيعوا شبابه، حتى إذا سُمع الأذان استهزءوا بالله ، يتناولون رب العزة من فوق سبع سماوات: ﴿كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ إِنْ يَقُولُونَ إِلاَّ كَذِباً﴾ [الكهف:٥] قال: فإذا قال المؤذن: أشهد أن محمداً رسول الله استهزءوا بالرسول ﵊، ساءت تلك الوجوه وقبحت وشاهت، قال: ولما وصلت إلى هذا المستوى، استيقظت الفطرة في قلبي وثار الإيمان في وجداني، الإنسان يصل إلى حد لكن عنده فطرة الإيمان ﴿فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا﴾ [الروم:٣٠] قال: فذهبت فقلت: الطريق يمكن أنه خطأ، قال: وسمعت بندوة في مسجد، فأتيت -وهذه هي فائدة الندوات، وأنا أعرف أن من الناس من هو أعلم من المتكلم، لكن رحمة الله تغشاه ورعايته والأجر والمثوبة عنده لمن يحضر ويهتدي ويزداد إيماناً- قال: فحضرت إلى رجل تكلم في ندوة، فأسر قلبي وتحدث عن اليوم الآخر، قال: فبعت نفسي تلك الليلة، وعاد إلى الله يبكي من صلاة العشاء إلى الفجر وأعلن توبته، وبدأ يشتري الأشرطة والكتيبات، وبدأ يواصل طريقه ويدعو إلى الله على بصيرة، وهذا من هداية الله التي يكسبها الناس صباح مساء.
بعض الناس شكوا إلي -وبعض الإخوة من الدعاة وطلبة العلم- أن أبناءهم تركوا الصلاة، وما صاموا رمضان، المجلة الخليعة عند رأسه، أشرطة الجنس والغناء والمسرحيات والمسلسلات عند رأسه فماذا أعمل؟ قلنا له: أدعه باللين، وابتهل إلى الواحد الأحد، فالمفاتيح عنده سبحانه ﴿إِنَّهُ لا يَيْئَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلاَّ الْقَوْمُ الكَافِرُونَ﴾ [يوسف:٨٧] فأنت تيأس، والله سوف يهدي ابنك، ولعل الله أن ينفح عليه من النفحات ﴿رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِياً يُنَادِي لِلإِيمَانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ الأَبْرَارِ﴾ [آل عمران:١٩٣].
هذه المحاضرة بعنوان: شباب عادوا إلى الله، نسأل الله أن نكون من العائدين إليه.
стр. 2623
الأسئلة
стр. 2624
حكم العادة السرية
السؤال
إنني شاب أحب الله ورسوله وأعمل أحياناً بعض الأعمال منها: العادة السرية، وقد عزمت على الزواج رغم أنني لا أملك سوى ألفي ريال، هل تؤيدني على الفكرة لأني أخشى على نفسي العنت والتفكير الكثير في الأشياء الجنسية؛ مما يجعلني أقدم على ارتكاب المحرمات، رغم أنني أعرف حرمتها وأخاف من الله أن ينتقم مني؟
الجواب
يا أخي أما حبك لله ورسوله فهذه من أعظم أعمالك عند الله، ونسأل الله أن ينظر إليك بنظرة الرحمة وأن ينقذك من المعاصي والذنوب، وأما ماذكرت من العادة السرية فهي محرمة في القول الصحيح من أقوال أهل العلم، وأما قولك: إنك عازم على الزواج فإني أأيد هذه الفكرة، وبالمناسبة أقول هذا الكلام وقد قاله غيري من هو أعلم وأفضل وأفقه، وقد نادوا عبر وسائل الإعلام ومن المحاضرات والندوات والخطب، نادوا البيوت الإسلامية والمسلمين في مسألة تعجيل الزواج للفتيان وللشابات، وعدم مسك الفتيات في البيوت وعدم تأخير زواجهن أو زواج أبنائهم؛ فإن في ذلك الفساد العظيم والشناعة التي لم يأت بها كتاب ولا سنة وإنما أخذت من الأمم الكافرة، وأكثر ما وقع من الإجرام والفواحش التي تقع في بعض الأماكن بسبب كثرة العنوسة وتأخير الزواج، فالحسيب هو الله .
أحد الدعاة الثقات يحدثنا قبل أيام، بل ألقى هذا الكلمة في مسجد في ثلاثة صفوف أو أربعة صفوف، قال: حصلت عندنا قصة في الحارة، بنت شابة حرمها أبوها من الزواج حتى بلغت الأربعين من عمرها، حتى توسطت من بعض قرابتها أن يزوجها لكنه رفض، الرجل رأسمالي إقطاعي مجرم أحرمها الزواج؛ فأصابها مرض عضال نقلت إلى المستشفى التخصصي، فأتى أبوها وهي في سكرات الموت، وكانت عاقلة مؤمنة دينة صائمة قائمة، قالت: يا أبي! حضر الحق واليقين، وحضرت ساعة الفراق، قالت: قل آمين، قال: آمين، قالت: قل آمين، قال: آمين، قالت: قل آمين، قال: آمين، قالت: أسأل الله ألا يغفر لك ذنبك، وأن يحرمك الجنة كما حرمتني الزواج.
قال: ولم؟ قالت: حرمتني حياتي والله لقد كانت تمر بي الليالي الطوال وأنا أصارع أموراً لا يعلمها إلا الله حتى وصلت إلى هذا المرض!
وإننا نعلم من بعض الناس أخروا بناتهم تأخيراً لا عذر لهم عند الله ثم عند خلقه أبداً، إنما هناك أناس يقولون: تتوظف؛ وقد كذبوا، فتربيتها أن يبلغوا إلى هذا المستوى من الرذيلة والفاحشة الكبرى، زوجها ثم تتوظف أولا تتوظف أو تموت أو تحيا أو تشل أو تجن، إنما استرها لأن الله يقول: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلاً مِنْ قَبْلِكَ وَجَعَلْنَا لَهُمْ أَزْوَاجاً وَذُرِّيَّةً﴾ [الرعد:٣٨].
والبعض يقول: تكمل دراستها المرأة إذا بلغت لا يسترها إلا زوجها، قالت العرب: لا يستر المرأة إلا زوجها أو قبرها، وأنا أعرف في المجتمعات آلاف الفتيات والله، ومن يتصدى للدعوة يجد رسائل من الفتيات يشكين آباءهن، ويشكين بعض الأمور التي لا يعلمها إلا الله ، ثم يتصدى بعض الناس الذين لا يعرفون الكتاب ولا السنة ولا الفقه في الدين ويقف في البيت كالصنم حجر عثرة يأتيه الشخص فيقول له: ما عملك؟ ماذا تعمل؟ يقول له: في كلية الشريعة، قال: كم راتبك؟ قال: ثلاثمائة، قال: الله يفتح عليك، بنتنا صغيرة ما تصلح للزواج، وعمرها اثنتان وخمسون سنة!! ويأتي الآخر فيسأل عن السيارة وعن المرتب تبيع بنتك! هل هي سيارة؟ هل هي أرض؟! هذا عرضك وشرفك، يقول أحد العرب: والله لو كان المهر يدفع من الأب لدفعت مهري على بنتي، وكان الصالحون يجد أحدهم الرجل الصالح فيقول: تعال يا فلان فأزوجك بنتي الصائمة القائمة.
الوليد بن عبد الملك خطب بنت سعيد بن المسيب فرفض، وهو ولي عهد المسلمين، وأتى ابن أبي وداعة رجل فقير عنده درهمان وقال: أريد أن أتزوج ولكن من يزوجني؟ قال: تعال وخذ الصائمة القائمة التي تحفظ القرآن والحديث، وهي فقيهة كأبيها فتزوجها، لكن الآن أصبح الزواج بيعاً وشراءً نعوذ بالله! كأنه يعرضها في السوق.
يقول: بنتي مالها وصف، أنت ما تعرفها، سل عنها الجيران أصبحت في سوق الدعاية! ملكة جمال العالم! تعرض على الصحف لا تنطح ولا ترمح بقرة مسلمة!
ثم بعض الشباب يشترط شروطاً ما أنزل الله بها من سلطان، المرأة تكون دينة عاقلة فيها جمال يرد النفس، أما أنه يشترط في أظفارها وفي شعرها وطولها بالسنتيمتر؛ فهذا لم يأت وهذا وسوسة وتبجح، فدعوتي من هذا المكان ألا يتأخر الشباب ولا الفتيات، وأن يعلن في المجتمع إنفاق هذه الفتيات من البيوت إلى متى ينتظر الإنسان يمسك سرباً من البنات؟ هل هو واقف عند رءوسهن دائماً؟ نحن في عصر مظلم عصر الفتنة، الهاتف فتنة، والمسلسل والمجلة والأغنية كلها فتن، وكثير من الجيران فتنة، والنزول إلى السوق فتنة، آلاف مؤلفة والعياذ بالله، يعرف ذلك من عنده وثائق ويعرف الدعوة، ويتصل ويشاهد أحوال الأمة التي تموج كالبحر في الفتنة وبعض الناس يقول: إذا تزوجت افتقرت، هذا خطأ، يقول عمر لأحد الناس هل تريد أن تغتني يا فلان؟ قال: نعم، قال: تزوج يغنك الله من فضله.
فتزوج فكان من أغنى الناس، وما سمعنا أن أحداً مات وزوجته جائعة، بل أعرف من الشباب من ليس عنده ما يكفيه من الإيجارات، ولما تزوج أغناهم الله من فضله وعندما كانوا عزاباً كان الفقر في رءوسهم، ما يجد الواحد منهم ثمن الثوب فلما تزوجوا أغناهم الله.
ومن الأمور التي رصدت المهر، وقد حدد من ولاة الأمور وأرشد إليه، لكن بعض الناس له طرق ملتوية حتى يعطل الزواج والله المستعان، وعسى الله أن يهدي هذه القلوب وأن يبصرها بالحق.
стр. 2625
تصحيح كلمة: داعية لغوياً
السؤال
هل كلمة (داعية) صحيحة لغوياً؟ وإذا كانت صحيحة فماذا يطلق على الأنثى؟
الجواب
نقول: في العربية يصح من باب المبالغة، تقول: رجل داهية إذا بلغ الحد الأعلى من الدهاء، وتقول: داعية إذا تمكن في الدعوة، وتقول: علامة إذا بلغ العلم مستواه، وفهامة إذا بلغ في الفهم منتهاه، ويطلق على المرأة كذلك داعية، وهذا ليس فيه إلباس، فهي صحيحة لغوياً فيعلم ذلك، ويسمى داعياً كذلك.
стр. 2626
برنامج المحاضرات الصيفية
السؤال
ما هو برنامج المحاضرات في الصيف؟
الجواب
لقد أقبل الناس علينا في هذا الصيف من كل المناطق، ومن كل أنحاء الخليج، وهم ينتظرون منكم يا أهل أبها أن تقدموا صورة المسلم الذي يستقبل ضيفه بالإيمان؛ لأنهم يسمعون عنكم أنكم في مجتمع محافظ، وسمعنا من أهل الكويت وقطر أن أهل أبها تفوقوا في عالم الإيمان والخلق الجم، فأريد أن نري أولئك أننا من أحفاد أبي بكر وعمر وعثمان وعلي حملة الرسالة، ولا نقدم لهم صوراً مزرية -والعياذ بالله- من المعاصي، ولا نطاوعهم على المعاصي وعلى تلطيخ سمعتنا وجاهنا وجمالنا أمام الناس، فدعوتي للجميع أن يحملوا الدعوة في الخلق، الدعوة بالتعامل وبالكلمة وبإهداء الشريط الإسلامي وبالكتيب وبالتأثير فيهم، فإنهم سوف يدخلون البيوت يستأجرون وينزلون المنتزهات كأنهم في منى، وسوف يغلون علينا الأشجار والأسعار، هذه فائدتنا منهم، فغفر الله لنا ولهم، وحياهم الله على كل حال.
أما برنامج الصيف فسوف يعلن وسيكون هناك برنامج من مركز الدعوة، وبرنامج آخر من التوجيه أو ما يسمى المصطافين ومن النادي الأدبي، وسوف يكون هناك أمور منسقة وستعلن، وأما الدروس هذه فهي ثابتة إن شاء الله، وسوف تزاد في الصيف؛ لأننا نتوقع عدداً هائلاً من الناس سوف يفدون.
стр. 2627
الذكاء ليس في علوم الدنيا
السؤال
إنني أتابع المحاضرات وأصلي كل وقت وأعمل بعض الخير ولكني سيء الفهم، فما تنصحني؟
الجواب
لست بسيئ الفهم، بل أنت جيد الفهم، ومادمت أنك تصلي وتحضر المحاضرات فأنت ذكي، والذكاء ليس حفظ جدول الضرب كله ثم لا يصلي الفجر، هذه بلادة، يقول الذهبي عن ابن الراوندي: كان ذكياً ولم يكن تقياً.
فلعن الله الذكاء بلا تقوى وحيا الله البلادة بالتقوى، تعيش وما تعرف من جدول الضرب شيئاً لكنك تصلي الصلوات الخمس أنت من الأولياء، لكن إنسان يحفظ الجبر والهندسة والرياضيات وهندسة التربة وهو مجرم فهو كلب والعياذ بالله، هذا معروف، ولذلك أنت جيد الفهم.
أحد المجانين دخل على عالم سوري في حلب عنده مكتبة، فالعالم هذا ذهب إلى مزرعته في البستان، فأتى المجنون فأخذ كبريتاً فأحرق المكتبة كلها فاشتعلت، فجاء العالم ومسكوا المجنون وقالوا: مالك يا فلان؟ قال: أريد أن أريحك من هذه المكتبة فقد أتعبتك، قال: ولم؟ قال: أتعبت بصرك وأتعبتك، دائماً في المكتبة، ورأيتك خرجت ترتاح في البستان فقلت: أريحك منها، قال: كيف تريحني من كتبي؟ قال: أنا أفهم كل ما في المكتبة، قال: ماذا في المكتبة؟ قال: المكتبة كلها تقول لك: كن جيداً، كن جيداً، فأخذه الناس مثلاً، وهذا الكلام صحيح، كل الكتب والمحاضرات والندوات كلها تقول لك: كن مسلماً مستقيماً جيداً، هذا هو المطلوب، وأنت جيد الفهم لأنك حضرت واستفدت.
стр. 2628
وحشة القلب ودواؤها
السؤال
أجد في نفسي وحشة، فأرجو نصيحة منك في ذلك والله يحفظك؟
الجواب
النصيحة أن تتقي الله ، وأن تثابر على عملك الصالح: ﴿وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْواهُمْ﴾ [محمد:١٧] وقال ﵊ فيما يرويه عن ربه: ﴿وما تقرب إلي عبدي بأحب أليَّ مما افترضته عليه، ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به﴾.
стр. 2629
حكم التبذير في الطعام
السؤال
اقترب وقت الذبائح التي تذبح في العطلة الصيفية للقادمين من المناطق الأخرى، وأكثرها يرمى في المزابل، وإذا نصحنا الناس احتجوا بحديث الرسول ﷺ : ﴿من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه﴾ فما نصيحتكم؟
الجواب
هذا الحديث صحيح، لكن ليس معنى الحديث: أنه من كان يؤمن بالله واليوم الآخر أن يكرم الكلاب والقطط، فإن بعض الناس يكرم الكلاب والقطط في المزارع، وهذا ليس وارداً في الكتاب ولا في السنة، ووصيتنا لإخواننا الاقتصاد، وأظن أن هذا بدأ يحد منه؛ لأنه مرت بالناس طفرة، كان أحدهم إذا أتى عنده ثلاثة ضيوف ذبح لكل رجل منهم شاة واعتذر، وإذا زاد الضيوف ذبح لهم مجموعة وقال: الرأس منكم يستاهل الرأس ولكن المعذرة، بل الله المستعان على هذه المعذرة، كلها رياء وسمعة: ﴿وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بَطَراً وَرِئَاءَ النَّاسِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَاللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ﴾ [الأنفال:٤٧].
هؤلاء الذين يكثرون الذبائح إذا طلبتهم في مشروع خير تجدهم من أبخل الناس، يخرج ريالاً ويفركه عند باب المسجد حتى لا يلصق ريال آخر ويقول: تفضل، وإذا خرج من المسجد قال: اللهم أدخلني به الجنة وارفع منزلتي عندك واجعلني من العشرة!!
стр. 2630
حكم الحناء للرجال
السؤال
ما حكم الحناء للرجال؟
الجواب
ورد عند أبي داود -لكن سنده ضعيف- ﴿أن الرسول ﷺ نفى رجلين إلى غدير الظلمات اختضبوا بالحناء﴾ الحناء الذي تستخدمه النساء لا يجوز للرجال؛ لأنه من باب تشبه الرجل بالمرأة، إلا إذا كان من باب الدواء والعلاج، إذا كان لتبريد حرارة في جسمه أو لعلاج فلا بأس، أما أن يلطخ جسمه بالحناء فهذا من التشبه المنهي عنه ولا يجوز له، تجد رجلاً كفاه ورجلاه مخضبة من أوله إلى آخره هذا لا يصلح، فهو خاص للنساء وليس للرجال، إلا إذا كان لضرورة علاج فليعلم ذلك.
وصلى الله على محمد وسلم تسليماً كثيراً.
следующие страницы →