Полный текст (10 391 стр.). Показаны 2836–2875 · переход к 2841.
стр. 2836
الحرز السادس: (باسم الله الذي لا يضر مع اسمه شيء)
تُقَال ثلاث مرات، ففي سنن الترمذي: ﴿من قال حين يصبح وحين يمسي: باسم الله الذي لا يضر مع اسمه شيءٌ في الأرض ولا في السماء، وهو السميع العليم ثلاث مرات، لم يمسه سوء ذاك اليوم﴾.
стр. 2837
الحرز السابع: (أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق)
من قالها لم يقربه سوء تلك الليلة.
راوي الحديث في هذا اسمه: حصين بن عبد الرحمن، قال: ﴿سمعتُ الرسول ﵊ يقول: من قال: أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق ثلاث مرات في ليلة، لم يمسه تلك الليلة سوء﴾ ففي ليلة لدغته عقرب، فقيل له: [[أين الحديث الذي رويتَه لنا وقد لدغَتْك العقرب؟ قال: والله الذي لا إله إلا هو ما قلتُها هذه الليلة]].
ثم عوضه الله أن قرأ: ﴿أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق﴾ على لدغة العقرب، فما وجد فيها ألماً ولا ضراً أبداً.
ولله حِكَم أن يذكر العبد وينسيه؛ لكن لكل مسلم وقت يذكر فيه من الأدعية، مثل: بعد صلاة الفجر، حتى يحفظه الله، ويحفظ أسرته وأولاده، ويحفظ عليه إيمانه؛ لأن الحافظ المسدد هو الله.
والإنسان إذا تُرِك ونفسه ضاع في الدنيا والآخرة وضيع أطفاله، لأن الشؤم يسري في الأطفال وفي الذرية، نعوذ بالله من ذلك.
стр. 2838
الحرز الثامن: التهليل مائة تهليلة
وهذه من الحروز التي ذكرها ابن القيم في بدائع الفوائد.
ففي صحيح البخاري: عنه ﷺ أنه قال: ﴿من قال: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير، في يوم مائة مرة كُتِبَت له مائة حسنة﴾ انظر إلى الأجور!
يا عامراً لخراب الدار مجتهداً بالله هل لخراب الدار عمرانُ
ويا حريصاً على الأموال تجمعها أقصر فإن سرور المال أحزانُ
يا متعب الجسم كم تسعى لراحته أتعبتَ جسمك فيما فيه خسرانُ
أقبل على الروح واستكمل فضائلها فأنت بالروح لا بالجسم إنسانُ
﴿من قال: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير، في يوم مائة مرة، كُتِبَت له مائة حسنة، ومُحِيَت عنه مائة سيئة، وكانت له عدل عشر رقاب من ولد إسماعيل، كأنه أعتق عشر رقاب من ولد إسماعيل، وكانت له حرزاً من الشيطان يومه ذلك حتى يُمْسي، ولم يأت أحد يوم القيامة بأفضل مما جاء به إلا أحدٌ عمل بعمله أو زاد عليه﴾.
مائة (لا إله إلا الله) تأخذ عشر دقائق، وقيل: سبع، وقيل: ست.
وأوقاتنا تذهب سدىً في الفكاهات، وفي الطُّرَف، والمزاح، واللعب، والذهاب والإياب، وليتها في هذه وحسب؛ لكن في الغيبة، والنميمة، وشهادة الزور، والوشاية بين الجيران والإخوان والعشائر والقبائل، وفي التناحر، والتكالب على الدنيا، فنسأل الله أن يحسن لنا وإياكم الحال.
فنحن كما قال الأحنف بن قيس عندما قال: [[عرضتُ نفسي على القرآن فوجدتُ الناس ثلاث فئات، وجدتُ أناساً في القرآن:
أبراراً: لستُ منهم.
أخياراً: يقول الله عنهم: ﴿كَانُوا قَلِيلاً مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ * وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾ [الذاريات:١٧ - ١٨] وأنا لستُ منهم.
ووجدتُ طبقة أخرى: وهم كفار فجرة، يكذبون بالله واليوم الآخر، فلستُ منهم والحمد لله.
ووجدت نفسي عند قوله : ﴿وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلاً صَالِحاً وَآخَرَ سَيِّئاً عَسَى اللَّهُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ﴾ [التوبة:١٠٢]]].
فنحن من هذا الصنف، نسأل الله أن يتوب علينا وعليكم.
стр. 2839
الحرز التاسع: ذكر الله مطلقاً
وأوصيك ونفسي -أيها المسلم، يا من يريد الله والدار الآخرة- أن يكون لسانك رطباً من ذكر الله، وشفتَاك متحركة بالتسبيح والتهليل، لا تفتأ أبداً، ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآياتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ * الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ [آل عمران:١٩٠ - ١٩١].
يقول ﵊ -كما في سنن الترمذي، وسنده حسن- يقول الله في الحديث القدسي: ﴿أنا مع عبدي ما ذكرني وتحركت بي شفتاه﴾.
وأتى عبد الله بن بُسْر -كما عند الترمذي، بسند حسن- فقال: ﴿يا رسول الله! إن شرائع الإسلام قد كثرت علينا، فأخبرني بشيء أتشبث به؟ قال: لا يزال لسانك رطباً من ذكر الله﴾.
اذكر الله دائماً، وأنت في بيتك، وفي مكتبك، وسيارتك، تسجل من الحسنات والدرجات والصالحات ما لا يسجله الصائمون، ولا المتصدقون، ولا المجاهدون.
يقول ﷺ كما في صحيح مسلم، عن أبي هريرة قال: قال رسول ﷺ : ﴿سيروا هذا جمدان سبق المُفَرِّدُون، قيل: وما المُفَرِّدُون يا رسول الله؟ قال: الذاكرون الله كثيراً والذاكرات﴾.
стр. 2840
الحرز العاشر: قراءة سورة البقرة في البيت
وهذا الحرز نختتم به، فبيت تُقرأ فيه سورة البقرة لا يقربه شيطان.
والقرآن عموماً؛ ليكن مصحفك في بيتك، لتكن آيات الله ولو قَلَّتْ تدورُ في بيتك، ولو شيئاً قليلاً من القرآن تقرؤه قبل النوم كالمعوذات يفتح الله عليك به.
стр. 2841
أقسام شباب الإسلام في الوقت الحاضر
أريد في هذه الجلسة القصيرة أن أنبه على مسألة طريفة، ولا بد أن يُتَنَبَّه إليها، وأن تُعرض عرضاً جيداً، ونسأل الله لنا ولكم التوفيق والهداية.
هذه المسألة: هي مسألة ما قد يوجد في بعض المجتمعات من بعض التشدد في بعض الأمور، حتى يخرج هذا التشدد بصاحبه عن السنة، ودين الله وسط بين الغالي والجافي، والله يقول: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ﴾ [البقرة:١٤٣] والرسول ﵊ كان ينهج النهج الوسط، في عبادته، وتعامله، ومأكله، وملبسه.
والذي يُلاحَظ في شباب الأمة الإسلامية أنهم الآن ثلاثة أقسام:
стр. 2842
القسم الأول: لا يعرفون من الإسلام شيئاً
قِسمٌ هَمُّهم: الذهاب والإياب والضياع، لا يعرفون ذكراً، ولا قرآناً، ولا حديثاً، ولا تفقه في الدين، لا بناية مستقبل على ما يرضي الله ، لا غضباً على محارم الله؛ لكن إن صلوا فبها ونعمت، وإن تركوا فبها ونعمت أيضاً، الأمر سيان عندهم، أهم شيء عندهم أن يشبعوا غرائزهم وجِماحَهم وطموحاتهم، وأن يشبعوا شهواتهم، وأن يحسنوا هندامهم، وأن يعيشوا على هامش الأحداث.
هذا القسم الأول.
стр. 2843
القسم الثاني: قسم شدد على نفسه
وقِسْمٌ قالوا لمن قبلهم: أخطأتم كل الخطأ، هذا ليس من الدين، وقد انفسختم من الدين، الدين أن تظهروا بما ظهرنا به، فأتوا فأكثروا على أنفسهم في العبادة، وهو شيء محمود؛ لكن ليس المقصود من العبادة هو التشديد على النفس وقتل النفس.
ثم أتوا ببعض المسائل التي هي من السنة، فأقاموا الدنيا وأقعدوها على هذه الأمور، فالناس يكبرون تكبيرة، ويكبرون هم اثنتين، ويتوضأ الناس ثلاثاً، وهم يتوضئون أربعاً، ويستنشق الناس ثلاثاً ويستنشقون أربعاً، ويضع الناس أيديهم على صدورهم في الضم في الصلاة، ويضعون هم أيديهم في حلوقهم، وإزرة المؤمن إلى نصف الساق، فيجعلونها إلى الركبة.
ثم يظن بعضهم أن معنى الإسلام: أنك تظهر بمظهر التقشف، وتُري الناس كأنك زاهد في مظهرك، الثوب -الحمد لله- بخمسين ريالاً.
وبعضهم يأكل من الوجبات أكثر بكثير، ولكنه يُقْتِر على نفسه، وتجد عنده بيتاً طويلاً عريضاً، أو قصراً من القصور؛ ولكن إذا ظهر إلى الناس ظهر بثوب رخيص، ولماذا تظهر للناس كذلك؟ حتى يشيروا بأنك زاهد؟!
نحن أمة جميلة، الله جميل يحب الجمال، الله طيب يحب الطيب، جَمَّل الكون ، حتى السماء ما جعلها مظلمة، جعل فيها كواكب، جعل فيها نجوماً، أبدع حتى إنك تدخل البستان الواحد وفيه الحدائق الغناء والورود والزهور، وتسمع صرير الطيور وخرير الماء.
فلماذا لا يكون الإنسان جميلاً كما كان ﷺ جميلاًَ؟
هل من الأحسن أن يأتي الإنسان منفوش الرأس، غير مُسَوٍّ لغُتْرَتِه، ولا هندامه، ولا عليه ما يستره أمام الناس؟ ثم يأتي يرى أن كَيَّ الغترة وكيَّ الثوب يخرجه من السنة، معنى ذلك: أن يكون في فوضى، أنا لا أقصد فئة من الناس، وربما هم أفضل منا وأحسن وأعلم وأفقه، لكن نحاكمهم إلى السنة، إلى محمد ﵊.
كان الرسول ﷺ يلبس البُرْدَة الحَبِرَة بألف دينار، ويَتَبَدَّى أمام الناس، يَمُر من الشارع إلى الشارع الآخر، فتُشَمُّ رائحة المسك منه ﷺ ، يلبس أحسن ما يجد، وربما يتقشف أحياناً؛ لكن أن نظهر للناس ونقول: نحن زهاد، انظروا إلينا، انظروا إلى ثيابنا، انظروا إلى مساويكنا، انظروا كيف نصلي، فهذا ليس من الحكمة، هذا معناه: أننا نشهر بأنفسنا.
لماذا لا نكون وسطاً في أمورنا؟
وسطاً في عبادتنا؟
وسطاً في تعاملنا؟
وسطاً في أخذنا وعطائنا؟
لِعِلْمِكُم: الخوارج الذين خرجوا من الإسلام كانوا أكثر من أبي بكر وعمر وعثمان وعلي صلاةًَ في الليل، وأكثر قراءة للقرآن، وأكثر صياماً.
يقول ﵊: ﴿تحتقرون صلاتكم إلى صلاتهم، وصيامكم إلى صيامهم، وقراءتكم إلى قراءتهم، يمرقون من الإسلام كما يمرق السهم من الرمية﴾.
لماذا؟ لأنهم ما عاشوا العلم.
فمَفاد العبادة: أنك تتزود من الحسنات فقط، ولكن العلم يُفَتِّح ذهنك، ويظهر لك تجارب الأمم، ويظهر لك المنقولات من الكتاب والسنة، ويظهر لك الخطأ من الصواب، فتكون على بصيرة، ولذلك بُعِث ﷺ معلماً.
فهذا القسم أو هذا المسار لا يُحمَد، وليس مساراً طيباً، وقد طَوَّل ألْسِنَة المنافقين على أهل الخير والدعاة والأخيار.
حتى يقول هؤلاء المنافقون: انظروا إلى الإسلام، الإسلام تقصير الثوب إلى الركبة، والسواك بِطُوْل شِبْرَين، وعدم كَيِّ الغُتْرة، ووضع اليد في الحلق أثناء الضم في الصلاة، ثم تفريج الرجلين، حتى يكاد يسقط، إلا أن يتغمده الله برحمته، وإذا اقتربتَ منه في الصف في الصلاة شَدَّك حتى تسمع لثوبه قعقعة، وهذا الرسول ﷺ كان يقول: ﴿استوُوا﴾ فكان الناس يَسْتَوُون سواءً فإذا سجد مد نفسه حتى يصل إلى آخر الجدار، فإذا أراد أن يرجع أعانه الله على الرجوع للركعة الثانية.
فهذا ليس بشيء، ونتحاكم إلى السنة، وهذه كتب الحديث أمامنا أيها الإخوة.
فذاك الصنف الذي ضيع الإسلام، وعاش على المجلة الماجنة والأغنية الماجنة، ضاع في الدنيا والآخرة.
وهذا الصنف أظهر أن الإسلام يكمن في صورته هو، وأنه مع الإسلام، وأن الإسلام ليس بجميل، وأن معناه: أن تقطب وجهك، وأن تغضب، وإذا سلمت على الناس لا تتبسم؛ لأن التبسم يخالف الزهد والورع والوقار.
كان ابن سيرين يضحك في النهار حتى يتمايل، فإذا أتى الليل بكى حتى يسمع الجيران بكاءه من خشية الله.
وكان أشرف الرسل ﵊ إذا لقي الناس يتبسم، حتى أن أبا هريرة يقول: ﴿والذي نفسي بيده لوجهه كأنه البدر ليلة أربعة عشر﴾ ويقول أيضاً: ﴿كأن الشمس تجري في وجهه﴾ , ويقول جرير بن عبد الله: ﴿ما رآني إلا تبسم في وجهي﴾.
وعائشة رأت شباباً يَنْضُون، أي: يَتَماوَتُون، رأتهم وهم ماشُون في الطريق وهم ينكسون رءوسهم، ويمشون بالهدوء، كأنهم نملة على الأرض، يسبحون، ويتنحنحون، فأشرفت عليهم، فقالت: مَن هؤلاء؟ قالوا: عُبَّاد، قالت: عليَّ بهم، فأتوا، وهم شباب بادئون، فلما اقتربوا منها، قالت: مَن أنتم؟ قالوا: عُبَّاد ونُسَّاك، قالت: كذبتم، -والله- لكان عمر أعبد منكم، وأنسك، وأخشى لله، كان إذا تكلم أسمع، وإذا مشى أسرع، وإذا ضرب أوجع.
стр. 2844
القسم الثالث: أهل الوسط
فالوسط: هم فئة وجدت في الأمة الإسلامية، وهم -إن شاء الله- نحسبهم هؤلاء الحضور بإذنه ، وهم الذين يتفقهون في علم الكتاب والسنة، ويعيشون السنة التي أرادها ﷺ ، وإظهارها للناس بمحاسنها ومحامدها.
فلا تظنوا كلامي -والله أعلم بما في القلوب- أنه يدعو إلى التساهل في الأمور، ويدعو إلى عدم الخشية في الصلاة، وإلى عدم التقشف والزهد، فكلٌّ حسيبه الله ؛ لكننا نتعامل مع الكتاب والسنة، ونقرأ أحوال السلف، حتى أن ابن الجوزي قال: لا تغتر بمن بعد التابعين من الزهاد.
من يقرأ تراجم (حلية الأولياء) لـ أبي نُعيم يظن أن الإسلام معناه: أن تبقى في زاوية تبكي أربعاً وعشرين ساعة، وألا تأكل الطعام.
حتى إن أحد المتصوفة يقول: أين أنتم عني وأنا ما أكلتُ الرُّطَب أربعين سنة؟ والرطب: البلح.
ومن ذا قال له: لا يأكل أربعين سنة، والرسول ﷺ أكله؟!
ويقول آخر: ما أكلتُ اللحم، ولن آكله.
لا يأكله، ومن أجبره حتى يأكله؟ بل ربما في الآخرة لن يأكل لحماً.
فالمقصود -بارك الله فيكم- أن هؤلاء أمْزِجَة، لكن: نتحاكم عند مَن؟ نتحاكم عند الرسول ﵊.
أتى رجل عند الإمام أحمد فقال: يا أبا عبد الله! الزواج خير، أو ترك الزواج أحسن؟ فقال: الزواج أفضل، قال: يقول : ﴿وَسَيِّداً وَحَصُوراً﴾ [آل عمران:٣٩] أي: يمدحه بأنه لم يتزوج، يا إمام، إبراهيم بن أدهم ما تزوج، قال الإمام أحمد: أُوَّة؟ بمعنى: أنه يُحاكمه إلى إبراهيم بن أدهم، أحد الزهاد؟! رجعنا إلى بنيات الطريق، والرسول ﵊ أكثر الأمة زوجات، يقول : ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلاً مِنْ قَبْلِكَ وَجَعَلْنَا لَهُمْ أَزْوَاجاً وَذُرِّيَّةً﴾ [الرعد:٣٨].
فالتحاكم إلى رسول الهدى ﵊.
وأنا أحببتُ أن أخبر بهذا، وإلا فإنني أعلم أن من الدعاة من يوجهون المسيرة، وقد نبَّه بعض العلماء في مناسبات عن هذه المسائل، حتى نُظْهِرَ الإسلامَ في قوة، ونُظْهِرَه في عَظَمَة.
الإمام مالك يلبس بُرْدَة بخمسمائة دينار، فقالوا له: لماذا؟ فقال: لأُظْهِر عَظَمَة الإسلام.
وذكر صاحب طبقات الحنابلة، وعودوا إليه في المجلد الثالث، في ترجمة أبي إسماعيل الهروي، قال: كان يلبس اللباس العجيب، فقيل له: لماذا؟ قال: أريد أن أظهر عظمة (لا إله إلا الله)؛ لأن النصارى والخواجات إذا رأونا في هذه الملابس قالوا: هذا هو الإسلام الذي أتى به محمد ﷺ ؟
فلذلك أنا أدعو نفسي وإياكم إلى تمعُّن هذا الأمر، وهو ليس بالأمر الذي يخفى على مثلكم؛ لكن وُجِدَ من يسيء فهمه في بعض المجتمعات.
أسأل الله لي ولكم القبول والتوفيق والهداية.
سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين.
وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.
стр. 2845
مصائب قوم عند قوم فوائد
المصائب لا بد منها ولا يسلم منها أي شخص، والذكي والفطن من يستفيد من تجارب غيره.
وكم من أناس أصابتهم المصائب بعد أن كانوا في عيش رغيد، ومن هؤلاء: ابن عباد ملك الأندلس، والبرامكة، وابن بقية ﵀ ولا شك أن لذلك أسباباً منها: الظلم، كما فعل أحمد بن أبي دؤاد مع الإمام أحمد بن حنبل، وما فعل عبيد الله بن زياد مع الحسين بن علي، والجزاء من جنس العمل.
стр. 2846
المصائب لا يسلم منها أحد
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على إمام المتقين وقدوة الناس أجمعين، وعلى آله وصحبه والتابعين.
أمَّا بَعْد:
أيها الكرام: عنوان هذه المحاضرة: مصائب قوم عند قوم فوائد، ورقمها [٣٠٢].
تعلمون أن مايصيب الناس من المصائب فيها فوائد وعظات للمتعظين، قيل لأحد الحكماء: نراك مستقيماً في أمرك مسدداً في حالك، قال: رأيت السيئ فاجتنبت إساءته.
стр. 2847
أخذ العبرة من مصائب الآخرين
وذكر أنه يصيب الأقوام ليتعظوا، وألمح أن من الظلمة من يسكن مكان الظلمة ثم لا يتعظ، قال وهو يلوم الكفار والمنافقين والمنحرفين: ﴿وَسَكَنْتُمْ فِي مَسَاكِنِ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ وَتَبَيَّنَ لَكُمْ كَيْفَ فَعَلْنَا بِهِمْ وَضَرَبْنَا لَكُمُ الْأَمْثَالَ﴾ [إبراهيم:٤٥] ومعنى الآية، أن الأبناء سكنوا في أماكن الآباء والآباء في أماكن الأجداد، وقد هلك قرن وأتى قرن، فما اتعظ هذا الحي بما أصاب الميت.
واسمع إلى الآية: ﴿وَسَكَنْتُمْ فِي مَسَاكِنِ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ﴾ [إبراهيم:٤٥] نزلتم قصورهم، وسكنتم دورهم، وورثتم أملاكهم، فما لكم ما اتعظتم بما وقع عليهم، أوَ ما كان هذا لكم نذير؟! ﴿وَسَكَنْتُمْ فِي مَسَاكِنِ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ وَتَبَيَّنَ لَكُمْ كَيْفَ فَعَلْنَا بِهِمْ وَضَرَبْنَا لَكُمُ الْأَمْثَالَ﴾ [إبراهيم:٤٥] ولكن لم يتعظوا بالمثل، ولم يستفيدوا بالتجربة، والتجارب هذه إنما تستفاد من مصائب وحياة الناس، وقد علق البخاري من كلام معاوية ﵁ وأرضاه أنه قال: [[لا حكيم إلا ذو تجربة]] وهذا في باب الأدب في صحيح البخاري.
وهي مدرسة الحياة، قال سفيان الثوري ﵀ رحمة واسعة: "لاعب ابنك سبعاً، وأدبه سبعاً، وصاحبه سبعاً، ثم اتركه مع التجارب" أي: لاعبه حتى يصل إلى السابعة، ثم أدبه من السابعة إلى الرابعة عشرة، ثم من الرابعة عشرة سنة إلى الواحدة والعشرين سنة صاحبه ثم بعد الواحدة والعشرين اتركه مع تجارب الدنيا، يصاب ويصيب، ويأتيه من الأخبار الأمور ما تجعله ملقناً، مجرباً، حكيماً، إذا كان ذو عقل.
تقول عائشة ﵂ وأرضاها: ﴿كان الرسول ﵊ كثيراً ما يتمثل بقول طرفة بن العبد﴾
ستبدي لك الأيام ما كنت جاهلاً ويأتيك بالأخبار من لم تزود
والرسول ﵊ لا يحفظ إلا بيتين، أو أكثر قليلاً، وإلا فهو يحفظ القرآن عن ظهر قلب، لا يسقط منه حرفاً واحداً، ويحفظ السنة، والعلوم التي عند الأمة لا تصل إلى ذرة من علمه ﵊، ولكن يقول الله: ﴿وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنْبَغِي لَهُ﴾ [يس:٦٩] تراثه غير الشعر، فيقول طرفة:
ستبدي لك الأيام ما كنت جاهلاً ويأتيك بالأخبار من لم تزود
يعني: سوف تظهر لك الليالي والساعات أخباراً وعجائب، وقال : ﴿وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ﴾ [آل عمران:١٤٠] أي: مرة رخاء ومرة شدة، ومرة سلم، ومرة حرب، وما وقع في هذه الأيام، اتعاظ ودرس لمن لم يقع عليهم شيء، قال: سبحانه: ﴿(وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا مَا حَوْلَكُمْ مِنَ الْقُرَى وَصَرَّفْنَا الْآياتِ﴾ [الأحقاف:٢٧] أي انظروا إلى القريبين منكم، وانظروا إلى حدودكم، كيف أوقعنا بهم المصائب، ألكم أنتم عهد عند الله ألا يقع عليكم مصيبة! ﴿وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا مَا حَوْلَكُمْ مِنَ الْقُرَى وَصَرَّفْنَا الْآياتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ [الأحقاف:٢٧] ويقول الناظم:
إياك أعني واسمعي يا جارة، يُقال أن سبب هذا المثل: أن صياداً خرج بقوسه يصيد حماماً، وأحمق الحيوانات الحمام، حتى ذكر الجاحظ صاحب كتاب الحيوان أن أحمق الحيوانات الحمام، وأحقد الحيوانات الجمال، وأخونها الثعالب، قال: فسدد الرجل على الحمام ليضربها، وأخذت تصيح، فقالت أختها تسكتها: إن البلاء موكل بالمنطق، فضربها الصياد، فقالت وهي تموت: يالها من سكتة فاتتني، والمقصود من هذا: أن هذا جزاء من لم يتعظ بجيرانه، وما حدث لإخوانه، يقول ابن القيم مما يحفظ للعرب من الأمثال: أنهم قالوا: "في كل وادٍ بنو سعد" وقالوا: " هل رأيت داراً ملئت حبرة وما ملئت عبرة؟ "
وإذا رأيت الدور تمتليء غنىً وبهجةً وترفاً، ثم لا يتصل أصحابها بالله، فاعلم أنه سوف تصيبهم كوارث، وما امتلأت دار حبرة إلا امتلأت عبرة، وسبب المثل "في كل وادٍ بنو سعد": أن رجلاً من العرب ضيع جمله، فذهب يبحث عن الجمل، فنزل بوادٍ فقال: ممن القوم؟ قالوا: من بني سعد، وذهب إلى الوادي الآخر وقال ممن القوم؟ قالوا: من بني سعد، والوادي الثالث قالوا: من بنو بني سعد، قال: في كل وادٍ بنو سعد، فمقصود ابن القيم أن كل إنسان تأتيه لطمة.
وهذا قضاء الله وقدره، ولا يسلم من الكوارث أحد، إما في الدين أو في العرض بالسكنى أو بالتعليم، وهذا أمر حاصل في حياة الناس، ولكن المسلم يختلف عن الآخر أنه: ﴿الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾ [البقرة:١٥٦] ﴿وَالْمَلائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ * سَلامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ﴾ [الرعد:٢٤].
стр. 2848
أهمية الصبر عند المصائب
يقول الشاعر العربي:
صابر الصبر فاستجار به الصبر فقال الصبور للصبر صبراً
ما معنى البيت؟
يقول: هذا البطل صابر كثيراً، حتى قال له الصبر من طول صبر الرجل: أرجوك لا أستطيع أن أصبر معك، قال: فغلب هذا الرجل الصبر، قال:
صابر الصبر فاستجار به الصبر فقال الصبور للصبر صبراً
قالوا لـ عنترة بن شداد: كيف غلبت الرجال؟
عنترة جاهلي كان يحطم رءوس الأبطال في المعركة فقال للرجل: ضع أصبعك في فمي فوضعها، قال: وخذ أصبعي في فمك، وكل منا يعض الآخر، فأخذ يعض هذا هذا، وهذا هذا، حتى صرخ الرجل: فأطلق يده، فقال: بهذا غلبت الرجال، أي: بالصبر.
يقول النابغة الجعدي للرسول ﵊ وهو يمدح قومه:
سقيناهم كأساً سقونا بمثلها ولكنا كنا على الموت أصبرا
يقول: إن القبائل التي نحاربها قبائل شجعان وأبطال وفيهم شهامة، ولكن نحن أصبر منهم: ﴿إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لا يَرْجُونَ﴾ [النساء:١٠٤] ﴿إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ﴾ [آل عمران:١٤٠] فيقول: يا رسول الله! نحن نقاتل الشجعان لكن نصبر قليلاً فنغلبهم، فتبسم ﵊ لما سمع هذا الكلام العجيب.
على كل حال يقول سبحانه في العبر والقصص التي تحدث على الناس ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ﴾ [ق:٣٧] ونريد أن نحلل الأحداث التي وقعت في منطقتنا، ومن رؤية إسلامية، تحليل الكتاب والسنة، لنستفيد من الحدث، ولئلا نقع في الخطأ، لعل الله أن يحرس علينا بلادنا، وأعراضنا وأموالنا، وأن يرد إخواننا إلى بلادهم ورسالتهم وأعراضهم.
أول درس: أن عليك أن تنظر إلى الخطأ، الذي أخطأ فيه الناس فتجتنبه، جاء في كتب أطروحات الأدب: أن رجلاً رأى وزيراً من الوزراء في عهد بني العباس، وهذا الوزير تولى أبوه قبله الوزارة فقتل، وقبله جده فقتل، فتولى الوزارة، فقال هذا الرجل: سبحان الله تولى الوزير؟!
قالوا: نعم.
تولى مع أنه يعلم أنا أباه وجده قتلا، قال: حماري أذكى منه، قالوا: كيف؟
قال: عثر حماري العام الأول قبل سنة في مكان، فلما أتيت إلى ذلك المكان انصرف منه.
أي: مع أن الحمار وهو أبلد الحيوانات، إذا عثر في مكان اجتنبه مرة ثانية، ومما يحكى في كتاب كليلة ودمنة: أن الأسد جمع الحيوانات فألقى عليها فكاهة وطرفة، فضحكت إلا الحمار ضحك بعد ثلاثة أيام، قالوا: لماذا لم تضحك إلا اليوم؟
قال: ما فهمت الفكاهة إلا الآن! هذا من الكلام الذي يقال.
سوف أذكر لكم كلام علي وكلام عثمان في مسألة هذه الوحوش.
يقولون: جمع الأسد الوحوش وقال: اذهبوا وصيدوا لي صيداً فذهبوا فصادوا أرنباً وظبياً وغزالاً، وأتوا بها إليه، فقال: من يقسمها بيننا؟
والأسد تعرفونه وقد ذكره الله في القرآن، وله مائة اسم وهو أشجع حيوانات الغابة على الإطلاق، يسمى الملك.
يقول : ﴿كَأَنَّهُمْ حُمُرٌ مُسْتَنْفِرَةٌ * فَرَّتْ مِنْ قَسْوَرَةٍ﴾ [المدثر:٥٠ - ٥١] والأسد اسمه حيدرة ولذلك يقول علي بن أبي طالب.
أنا الذي سمتني أمي حيدرة كليث غابات كريه المنظرة
قال: من يقسم بيننا الأرنب والغزال والظبي، فقال الذئب: أنا.
قال: تفضل، لكنه أخطأ؛ لأنه لا يعرف أنه مع وحش سفاح، فقال له: أما الغزال فلك، قال: طيب، وأما الظبي فلي -للذئب- والأرنب للثعلب، قال: كذبت يا عدو الله، ثم أخذ مخلبه وأنشبه في رأس الذئب فخلع رأسه في الأرض، قال: من يقسم بيننا؟
قال: الثعلب أنا -أبو معاوية- قال: تفضل، قال: الأرنب فطور لك، والظبي غداء لك، والغزال عشاء لك، قال: من علمك هذه الحكمة، قال: رأس الذئب المخلوع.
فالمقصود: أن الإنسان يتعلم دروساً من الزمن، وهذه من الحكم التي يلقيها العلماء، وتجد بعض الناس يقول: ما فائدة هذا المثل؟ وهو ليس في صحيح البخاري ولا صحيح مسلم؟
فكتاب كليلة ودمنة ألفه أحد الحكماء، إن ملكاً من الملوك طلب من أحد الحكماء أن يكتب له نصائح، فبدلاً من أن يتحدث عنه وعن حاشيته، تحدث عن الحيوانات، ثم أعطاه المجلد يقرؤه، ليكون له رواج عنده، على كل حال هذه من العظات حتى لا تقع في الخطأ الذي وقع فيه غيرك، وأن تتنبه لها، فإن مصائب قوم عند قوم فوائد.
واعلموا أنه لا يسلم من النكبات أحد، يقول عبد الله بن المبارك ﵀ وقد ذهب يجاهد في سبيل الله فرأى قصراً للأمير عبد الله بن طاهر في خراسان فقال: والله لقصيدة عدي بن زيد خير عندي من هذا القصر، تدري ماذا يقول عدي بن زيد، وهو جاهلي يقول:
أيها الشامت المعير بالدهر أأنت المبرأ الموفور
يقول: يا من يعيرنا! يا من يسبنا بالنكبات والمصائب! انتظر قليلاً، بعض الناس شامت والعياذ بالله، يشمت بإخوانه أنهم أصيبوا في أعراضهم، وأموالهم، ودورهم، وقصورهم، فيقول:
أيها الشامت المعير بالدهر أأنت المبرأ الموفور
من رأيت المنون خلفن أم من ذا عليه من أن يضام خفير
أين كسرى كسرى الملوك أنو شروان أم أين قبله سابور
إلى آخر ماقال، يقول: أين الناس؟ أين السلاطين؟
لماذا تعير الناس؟ أعندك عهد من الله ألا تصيبك مصيبة؟
هذا عدي بن زيد كان جاهلياً لكنه كان عاقلاً لم يكن يشرب الخمر.
نزل مع النعمان بن المنذر ملك العراق، فلما نزلوا أخذ النعمان بن المنذر يشرب الخمر، قال: أيها الملك أبيتُ اللعنة -وهذه كلمة استئذان عند الملوك في الجاهلية، أبيت اللعن- أي: اسمح لي أن أتكلم -قال: تفضل، قال: أتدري ماذا تقول هذه الشجرة؟ قال: تقول:
رب ركب قد أناخوا حولنا يخلطون الخمر بالماء الزلال
قد مضوا عاماً وعاماً ثانياً ثم ساروا جثثاً تحت الرمال
فبكى النعمان وترك الخمر، وهذه من الحكمة في الموعظة، يقول: تقول الشجرة، والشجرة لا تتكلم لكنه أخبره أنها تقول: قد جلس قبلك ملوك شربوا الخمر، وأصبحوا تحت الرمال أخذهم هادم اللذات، وآخذ البنين والبنات، ومشتت الجماعات.
قدموا كوباً من فخَّار -آنية- هذا الذي يصنع من الطين، فيه ماء بارد لـ علي بن أبي طالب، فنظر في الكوب، قالوا: مالك يا أمير المؤمنين؟
قال: كم في هذا الكوب من طرف كحيل، وخد أسيل!
ومعنى كلامه: إن جثث الناس التي أصبحت في الطين، ربما صاغوها في هذا الكوب الفخار من الطين، ويمكن أن عيون الآباء والأجداد أصبحت هنا، وأن بعض لحومهم أصبحت في هذا الكوب، ولذلك يقول أبو العلاء المعري:
صاح هذه قبورنا تملأ الرحب فأين القبور من عهد عاد
خفف الوطء ما أظن أديم الأرض إلا من هذه الأجساد
يقول: أنت تقول: قبورك تملأ الرحب، لكن أين قبور القرون السالفة، أين القرون التي ذهبت، أين هم؟!
ما نحن في الأمم إلا كالشعرة البيضاء في الثور الأسود، يقول فرعون المجرم لموسى: ﴿قَالَ فَمَا بَالُ الْقُرُونِ الْأُولَى﴾ [طه:٥١] انظر إلى السؤال الخائب، يقول: أين القرون الأولى أين أجدادنا؟
أنت تقول: يبعثهم الله فأين هم؟!
من يبعثهم؟! قال موسى: ﴿قَالَ عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي فِي كِتَابٍ لا يَضِلُّ رَبِّي وَلا يَنْسَى﴾ [طه:٥٢] هل سمعت أفصح من هذا الكلام؟ ﴿قَالَ عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي فِي كِتَابٍ لا يَضِلُّ رَبِّي وَلا يَنْسَى﴾ [طه:٥٢] وسوف يبعثهم ويحاسبهم.
ولو أنا إذا متنا تركنا لكان الموت غاية كل حي
ولكنا إذا متنا بعثنا ويسأل ربنا عن كل شيء
стр. 2849
نماذج من أهل المصائب
ما من دولة من دول الإسلام ولا مجتمع إلا أصيب بمصيبة.
стр. 2850
مصيبة ابن عباد ملك الأندلس
ابن عباد هذا ملك الأندلس كان عنده من الحدائق والقصور ما الله به عليم، يقولون: كان يسكن في إشبيليا وله منازل في قرطبة، قالوا: كان نصف المدينة له والنصف الآخر للناس، ونذرت امرأته نذراً، أن تحمل الماء وأن تطأ في الطين -يعني: من باب الترف- يعني: تذكرت أحوال الفقراء وهي امرأة ملك، فنذرت وحلفت أن تنزل وتحمل الماء في القرب وتطأ في الطين، فأتى ابن عباد وقال: لا يصلح نحن أسرة عارمة متقدمة ولا يمكن هذا، فاستفتى بعض الفقهاء وقالوا: مادام أنها نذرت نرى أن تملأ لها ماء المسك في القربة، وأن تعجن لها طيناً من المسك والكافور في القصر، يملئون لها قربة من العطر بدل الماء، وتأخذ هذا ثم تمرون على المرمر، فتصبغون لها مسلكاً كالطين، وتمشي وهي حافية وتذهب وتأتي، وقالت: وفيت بنذري، وهو ليس بصحيح، وأتت الأيام ودارت دورتها، وأتى ابن تاشفين من بلاد المغرب ودخل ضيفاً على ابن عباد، وبعد أن ضيفه وأكرمه ثلاثة أيام طوقه كما فعل حاكم العراق بـ الكويت:
أعلمه الرماية كل يوم فلما اشتد ساعده رماني
وكم علمته نظم القوافي فلما قال قافية هجاني
وبعد ثلاثة أيام، طوق قصر ابن عباد واحتل القصر بما فيه، وأخذ صاحب المنزل الذي ضيفه وأكرمه فطوقه بالحديد، وأخذ بناته وجعلهن جواري له، وأصبح ابن عباد في أغمات فقيراً لا أهل ولا مال ولا ولد ولا ثياب ولا منصب، وسجنه، وفي يوم العيد -اسمع إلى الموقف- وينتظر ابن عباد وإذا من يطرق عليه الباب، ففتحوا الباب فإذا هو ببناته الأربع، وإذا هن حافيات ما عليهن إلا ما يستر عوراتهن، فبكى بكاء مراً حتى سمع من في السجن ثم قال قصيدته المشهورة، يقول وهو يخاطب نفسه:
فيما مضى كنت بالأعياد مسرورا فساءك العيد في أغمات مأسورا
ترى بناتك في الأطمار جائعةً يغزلن للناس ما يملكن قطميرا
أصبحن يغزلن للناس، وينسجن لهم الخزف، ويخرزن لهم الجلود.
يطأن في الطين والأقدام حافية كأنها لم تطأ مسكاً وكافورا
أصبحن بلا حذاء، كل واحدة كأنها ما وطأت المسك والكافور، إلى آخر ما قال، وهي قصيدة تفجع القلوب.
دخل عليه أحد الشعراء فرأى ابن عباد في السجن، فبكى الشاعر وقال:
تنشَّق رياحين السلام فإنما أخض بها مسكاً عليك مختماً
وقل لي مجازاً إن عدمت حقيقة فقد كنت ذا نعم وقد كنت منعما
فشقت عليك الريح ثوبك بعدها وهز عليك الرعد ثوبك معلما
إلى آخر ما قال، وهؤلاء ممن نكبوا.
стр. 2851
مصيبة رجل من بني عبس
وقيل لرجل من بني عبس -وكان من أغنى الناس، وجد وهو فقير، وهو أعمى يمسك بعصاه- قالوا: يافلان! أما كنت أغنى الناس؟
قال: والله لقد أتى علي يوم من الأيام وأنا من أغنى الناس على الإطلاق، ثم ذهبت في طلب إبل سرحت مني وضاعت، فطلبتها وأتيت إلى مسارح أهلي ودوري في الوادي، ووجدت السيل قد حمل منازلي وأهلي ومالي جميعاً، بما فيها الذهب والبقر والغنم والبساتين والدور، قال: فما وجدت شيئاً من أهلي، إلا طفلاً تركته أمه معلقاً في شجرة وقد سلم من السيل، فأتيت إلى الطفل فهرب البعير، فأردت أن أدرك البعير فسمعت بكاء الطفل وإذا بذئبٍ قد أخذ الطفل، وأصبح رأس الطفل في فم الذئب، فرجعت، وإذا بالذئب قد فر برأس الطفل وألقى جثته في الأرض، فعدت إلى البعير فدهسني برجله فأعمى بصري، فأصبحت أعمى لا أملك أهلاً ولا مالاً ولا داراً ولا عقاراً.
стр. 2852
مصيبة تاجر من أهل الكويت
وحدثنا أحد المحسنين في الرياض -وهو ثقة مشهور- يقول: التقيت ببعض التجار الكبار في الكويت قال: وكنت أوزع بعض المال وأباشر على الناس عندما خرجوا من الحدود، وهم في مجاعة وفي ظمأ وضنك لا يعلمه إلا الله، وفي وسط الشمس، فوجئت بأحد التجار الكبار، بل هو من أكبر التجار في الكويت، فتجاهلت أنا حتى لا أحرجه ولا أخجله، فمددت له بمائة ريال يشتري بها ماء وببسي وبارد، فنظر إلي ثم دمعت عيناه، وقال: أنا والله ما تعودت آخذ وإنما تعودت أعطي، والله ما خرجت بشيء من الكويت، وإني تركت أموالي ملايين مملينة، ولكن فصبرٌ جميل والله المستعان.
يقول: ابن عيذون وهو يرثي ملوك الأندلس يقول:
الدهر يفجع بعد العين بالأثر فما البكاء على الأشباح والصور
أنهاك أنهاك لا آلوك موعظة عن نومة بين ناب الليث والظفر
يقول: احذر من الدمار، واحذر من المخالفات، فإن الله للعصاة بالمرصاد، ﴿إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ﴾ [الفجر:١٤].
стр. 2853
مصيبة البرامكة
البرامكة وزراء بني العباس كانوا في نعيم بلغ بهم الترف إلى أن أخذوا قصورهم وطلوها وموهوها وزوقوها بالذهب، ترف وبذخ، وإلا لماذا لا يضربه بالجص؟
ولذلك شاة إيران يقول: كان مقعده في دورة المياه من ذهب خالص: ﴿فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الْأَرْضَ فَمَا كَانَ لَهُ مِنْ فِئَةٍ يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ مِنَ الْمُنْتَصِرِينَ﴾ [القصص:٨١] وإلا لماذا لا يجعل مقعده ودورة المياه مثل الناس، فهؤلاء طلوا كل القصور من الذهب فكانت تلمع مع الشمس، ومرت الأيام، وفي ساعة واحدة قرر هارون الرشيد أن يستولي عليهم فسفك دماءهم، وجعل أطفالهم في السجون، واستولى على أموالهم، وترك أباهم يحيى بن خالد الشيخ الكبير في السجن سبع سنوات، حتى يقول: والله ما رأيت الشمس سبع سنوات، وطالت أظافره وشاربه، حتى اختلط بلحيته وكان يبكي حتى أغمي عليه، فدخل عليه أحد أبناء أبنائه فقال: "يا جداه! ما هذه المصيبة التي حلت بنا؟
قال: دعوة من مظلوم سرت في ظلام الليل، غفلنا عنها وما غفل الله عنها" انظر إلى التعبير! سرت في ظلام الليل غفلنا عنها وما غفل الله عنها، قيل لـ علي بن أبي طالب: [[كم بين الأرض والعرش؟ قال: دعوة مستجابة]]
إلى ديان يوم الحشر نمضي وعند الله تجتمع الخصوم
سجن المهدي أبا نواس الشاعر، ويوم أودعه في السجن كتب له قصيدة قال فيها:
أما والله إن الظلم شينٌ وما زال المشين هو الظلوم
إلى ديان يوم الحشر نمضي وعند الله تجتمع الخصوم
فلما قرأها قال: أطلقوه أطلقوه، فهذه نكبة البرامكة التي عنون لها العلماء ورثاها الشعراء وبكاها الأدباء.
стр. 2854
مصيبة ابن بقية
ابن بقية وزير من الوزراء العباسين، كان ينادي مناديه من على قصره في الصباح: من أراد الفطور المبارك فليتفضل؟ فيدخل الناس زرافات ووحداناً، الفقراء والأغنياء والكبار والصغار فيطعمهم، فإذا أتى بعد الظهر نادى مناديه من على القصر من أراد الغداء المبارك فهلم، فيدخلون، وهكذا العشاء، فلما تولى عضد الدولة ملك العراق البويهي حسده وانتقم منه، وقال: هذا أصغر مني شأناً وعليه الناس زرافات ووحداناً، لأبطشن به، وبالفعل بطش به، ماذا فعل به؟
قتله شر قتله، جوعه ثلاثة أيام، ثم أتى بالفيل وأغضبه، يقول: ضرب رأس الفيل حتى سال دم خرطوم الفيل في الأرض، وإذا سال دم الفيل حطم الدنيا، يصبح بلا عقل ويرفع عنه القلم، فأتى بهذا الفيل فأدخل الرجل وابن بقية الوزير ﵀ من الصالحين، لكن يقولون: كان فيه تجبر في بعض المواقف، فأدخله وجوعه ثم أدخله شبك الحديد وخرج عضد الدولة يتفرج في المصارعة، وأدخل الفيل ودمه يسيل في الأرض، فما أن رأى الفيل ابن بقية حتى هجم عليه وبطحه في الأرض ثم ضربه بخفافه وخرطومه حتى قطعه، وبقي من صدره وما فوق، فأخذه عضد الدولة ونصبه عند مدخل بغداد، يقول: تفرجوا في مضيفكم هذا الذي يطعمكم عند باب الطاق عند النهر، فيخرج الناس في الصباح فينظرون، ويأتون في المساء ينظرون إليه ويبكون، فأتى أبو الحسن الأنباري يمدحه في قصيدة رائعة يلقيها وهو مصلوب نصف الجثمان فقط على العود:
علو في الحياة وفي الممات بحق أنت إحدى المعجزات
هذه من أجمل القصائد! يقول: حتى في الموت علو، ما دفنوك مثل الناس، لا تحب إلا العلو في الحياة وفي الممات.
علو في الحياة وفي الممات بحق أنت إحدى المعجزات
كأن الناس حولك حين قاموا وفود نداك أيام الصلات
يقول: الآن الناس وهم يبكون حول جثمانك وأنت على الخشبة، كأنهم يزدحمون على قصرك وأنت تضيفهم وتعطيهم الأموال:
كأن الناس حولك حين قاموا وفود نداك أيام الصلات
مددت يديك نحوهم احتفاء كمدهما إليهم بالهبات
كأنك تعطيهم
ولما ضاق بطن الأرض عن أن يواروا فيه تلك المكرمات
أصاروا الجو قبرك واستعاضوا عن الأكفان ثوب السافيات
عليك نفائح الرحمن تترى برحمات غوادٍ رائحات
وهي من أعجب ما قيل في هذا الوزير الذي يستحق ذلك! وقد أحسن أبو الحسن الأنباري في هذه القصيدة التائية -على كل حال- هذه عاقبة الدنيا وكل شيء يأتيه قاصمة إلا الدين، فإن الخاتمة والعاقبة للمتقين ولو أصابهم ما أصابهم من النكبات، لكنها تصفي لهم بإذن الله الخاتمة الحسنة ولا يضيعهم الله فإن الله لا يضيع أولياءه.
أبو الطيب الطبري عالم شافعي كان فُكاهياً دعوباً، ذهب إلى الخراز -خراز الأحذية- قال: أصلح لي حذائي، وذهب ثم مضى عليه اليوم الثاني قال: أين الحذاء؟
قال: إن شاء الله غداً، فأتى بالغد وقال: أين الحذاء؟
وكلما رآه الخراز جعلها في الماء حتى يتظاهر أنه يريد إصلاحها، فأتى بعد غد قال: أين الحذاء؟
قال: أرشها وأصلحها إن شاء الله، قال: أعطيتك لتصلحها لا لتعلمها السباحة، لأنها دائماً في البرميل، هذا أبو الطيب الطبري.
أبو الطيب الطبري قفز من السفينة إلى الشاطئ خطوات، فأتى الشباب يقفزون فما استطاعوا قالوا: مالك استطعت وما استطعنا؟
قال: هذه أعضاء حفظناها في الصغر فحفظها الله علينا في الكبر: ﴿فَاللَّهُ خَيْرٌ حَافِظاً وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾ [يوسف:٦٤] ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ﴾ [إبراهيم:٢٧].
стр. 2855
مصيبة فقد الأندلس
الأندلس اجتيحت في يوم واحد، قلوبنا ودماؤنا، ومساجدنا ومصاحفنا في الأندلس، الأندلس جزء منا وهي تسمى حالياً: أسبانيا، فقدناها يوم فقدنا مصداقية لا إله إلا الله، اجتاحها العدو، وأتى أبو البقاء الرندي يبكيها ويقول في قصيدته المشهورة:
لكل شيء إذا ما تم نقصان فلا يغر بطيب العيش إنسان
هي الأمور كما شاهدتها دول من سره زمن ساءته أزمان
وهذه الدار لا تبقي على أحد ولا يدوم على حال لها شان
ثم يقول في آخر القصيدة:
أعندكم خبر من أهل أندلس فقد مضى بحديث القوم ركبان
لمثل هذا يذوب القلب من كمد إن كان في القلب إسلام وإيمان
ماذا التقاطع في الإسلام بينكم وأنتم يا عباد الله إخوان
يقول: أدركوا أهل الأندلس، أخذن النساء من البيوت والقصور وبيع الخمر على المنبر يوم الجمعة، لما استولى النصارى على الأندلس فقاموا بأفعال عجيبة قد مر ذكرها في مثل محاضرة (الذنوب خراب الشعوب) وأمثال ذلك.
стр. 2856
أسباب النكبات والمصائب
فتح المسلمون قبرص في عهد أبي الدرداء ﵁ وأرضاه، ففرح المسلمون وضحكوا وانشرحوا وبكى أبو الدرداء، قالوا: مالك؟!
قال: [[أبكي من خاتمتنا أن تقع مثل خاتمة هؤلاء، بينما هم في الدور والقصور عصوا الله فسلطنا الله عليهم، فأخشى أن نعصي الله فيسلطهم علينا]] وبالفعل مرت السنوات فلما انحرف المسلمون، تسلط عليهم النصارى فأبادوا خضراءهم واستولوا على بيت المقدس حتى أتى صلاح الدين ففتحه باسم الله.
صلاح الدين كردي ليس من العرب، وابن الصلاح -صاحب مقدمة ابن الصلاح - المحدث كردي، وأحمد شوقي كردي، وابن خلكان كردي، وابن الأثير كردي، ﴿إِنْ يَكْفُرْ بِهَا هَؤُلاءِ فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا قَوْماً لَيْسُوا بِهَا بِكَافِرِينَ﴾ [الأنعام:٨٩] أقول هذا الكلام رداً على القوميين، الذين يقولون إنه لا يصلح للدين إلا العرب، فإن دين الله يعطيه من يشاء .
لما فتح صلاح الدين الأيوبي بيت المقدس فلما أذن المؤذن ما بقي أحد من المسلمين إلا بكى، ثم قام الخطيب الحلبي فاستفتح بحمد الله وقال في الخطبة يوم النصر:
تلك المكارم لا قعبان من لبن وهكذا السيف لاسيف ذي يزن
القصيدة لـ أبي الصلت، يمدح ملك اليمن ذي يزن وهو جاهلي، يقول:
تلك المكارم لا قعبان من لبن شيبا بماء فعادا بعد أبوالا
قصيدة طويلة، فأخذ العالم نصف البيت فقال:
تلك المكارم لا قعبان من لبنٍ وهكذا السيف لا سيف ذي يزن
يقول: أنت يا صلاح الدين الولي العابد، ولا ينصر الله إلا أولياءه، وصلاح شرف لنا ولو أنه كردي، بطولاته وانتصاراته تاريخ لنا، غفر الله له وجمعنا في دار الكرامة، وما ترك إلا سيفاً ورمحاً ودرعاً وفرساً.
стр. 2857
الظلم من أسباب النكبات
يقول عن الظالمين وأخذهم: ﴿فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خَاوِيَةً بِمَا ظَلَمُوا﴾ [النمل:٥٢] قال ابن عباس: [[الظلم خراب البيوت، أما سمعتم قوله تعالى: ﴿فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خَاوِيَةً بِمَا ظَلَمُوا﴾ [النمل:٥٢]]] قال شيخ الإسلام ابن تيمية -نظر الله سعيه-: إن الله ينصر الأمة العادلة ولو كانت كافرة، ويمحق الأمة الظالمة ولو كانت مسلمة، فالعدل إقامة الشعوب وسلامها واستمرارها والظلم خرابها، ظلم أحمد بن أبي دؤاد الإمام أحمد، الإمام أحمد بن حنبل إمامنا، وأحمد بن أبي دؤاد إمام أهل البدعة إمام المعتزلة، كان أحمد بن أبي دؤاد هذا قاضي القضاة في عهد المعتصم، من أفصح الناس وأعجبهم، كريم: يقولون يوقع على الصك الواحد ألف ألف درهم، أعطاه الله أموالاً، حتى يقول أبو تمام يمدحه:
لقد أنست محاسن كل حسنٍ محاسن أحمد بن أبي دؤاد
وما سافرت في الآفاق إلا ومن جدواه راحلتي وزادي
هذا وقف للإمام أحمد بالمرصاد وظلمه، وكان كلما أراد الخليفة المعتصم أن يسمح الإمام أحمد ويخرجه من فتنة القول بخلق القرآن، قال: لا.
يا أمير المؤمنين عليك به، وهو مستشار للمعتصم، فيأتي المعتصم ويدمغ الإمام أحمد، كلما فكر قال: يا أمير المؤمنين: الله الله اقتله ودمه في عنقي، انظر إلى الخائن! يقول جلاد الإمام أحمد -رجل اسمه عدرس - والله الذي لا إله إلا هو، لقد جلدت الإمام أحمد جلداً لو جلد بعير لمات.
لكن الإمام أحمد كان دائماً متصلاً بالله، كانت دماؤه تسيل، ويخرج من القصر ويقول: اللهم اغفر لأمير المؤمنين، هذا الإمام أحمد، وكلما أراد أن يسمح المعتصم أتى أحمد بن أبي دؤاد، قاضي القضاة المعتزلي، قال: يا أمير المؤمنين! دمه في عنقي، دمه حل وبل وطل، اقتله يا أمير المؤمنين، فيستدعيه ويضربه، في الأخير صبر الإمام أحمد ثم توجه إلى القبلة ودمعت عيناه وقال: اللهم عليك بـ أحمد بن أبي دؤاد، اللهم احبسه في جسده، فأجاب الله دعوته في سنوات، فحبس أحمد بن أبي دؤاد في جسده، أما نصفه الأيمن فمشلول يقول أحمد بن أبي دؤاد: والله لو قطعت بالمقاريض ما أحسست بشيء في نصفي هذا، وأما نصفي هذا فو الله لو قع عليه ذباب كأن القيامة قامت، فكان يبكي الليل والنهار، فيدخل عليه تلاميذ الإمام أحمد، قالوا: ما دخلنا نزورك وإنما دخلنا نشمت بك، يقولون: لا تظن أننا نحتسب الأجر في الزيارة لا، لكن نتفرج في هذا المنظر وفي دعوة الإمام أحمد، فأخذه الله وذهب إلى الله، لكن انظر إلى عاقبة الظلم وانظر إلى النتيجة والخاتمة.
أتى ابن الزيات أحد الوزراء فاعترض على الإمام أحمد وكان من المتسببين في تعذيب الإمام أحمد وقال: اللهم نكل به: فأصابه الله بقارعة، أخذه الخليفة المتولي بعد المعتصم ثم جعله في فرن فلما كبته في الفرن، ضرب المسامير في رأسه حتى خرج دماغه من أنفه، فنعوذ بالله من الخذلان، ونعوذ بالله من الظلم، ومن الانحراف عن منهجه جل وعلا.
يقول ابن مسعود: [[ما امتلأت دار حبرة إلا امتلأت عبرة]] أي: ما امتلأت غنى وبسطة، ثم انحرفت عن منهج الله؛ إلا امتلأت نكبة ومصيبة.
ويقول ابن الوردي:
أين من شادوا وسادوا وبنوا هلك الكل ولم تغن القلل
ويقول أحدهم:
باتوا على قلل الأجبال تحرسهم غلب الرجال فما أغنتهم القلل
واستنزلوا بعد عز من منازلهم إلى مقابرهم يا بئسما نزلوا
تلك الوجوه التي كانت مكرمة أضحى عليها جموع الدود تقتتل
ذكر الترمذي في سننه ﵀ من طريق عطاء بن أبي رباح أن عائشة: ﵂ -أم المؤمنين- مرت بقبر أخيها عبد الله بن أبي بكر الصديق في مكة -دفن في مكة - فلما رأت قبره بكت، وقالت: " مثلي ومثلك يا عبد الله كمثل قول: متمم بن نويرة في مالك أخيه:
وكنا كندمان في ديمة برهة من الدهر حتى قيل لن يتصدعا
وعشنا بخير في الحياة وقبلنا أصاب المنايا رهط كسرى وتبعا
فلما تفرقنا كأني ومالك لطول الاجتماع لم نبت ليلة معا
هذه من أرق ما قيل، وكان عمر إذا رددها وذكر أخاه، بكى ويقول: يا ليتني كنت شاعراً فأرثي لأخي زيد.
بكت عيني اليمنى فلما زجرتها عن الجهل بعد الحلم أسبلتا معا
بنفسي تلك الأرض ما أحسن الربا وما أحسن المصطاف والمتربعا
ثم يقول:
فليت المنايا كن خلفن مالكاً فعشنا جميعاً أو ذهبن بنا معا
هذا متمم بن نويرة يقول: يا ليتني مت مع أخي، أو ليته عاش معي.
стр. 2858
التفرق والاختلاف من أسباب النكبات
ومن أسباب النكبات: التفرق، يقولون: كل يعرف النكبة، لكن ليس الكل يعرف كيف يخرج منها، أي: أكثر الناس الآن يعرفون أن من أسباب النكبات أموراً، لكن لا يعرفون كيف يتخلصون منها.
يذكر ابن القيم في الفوائد أن ثعلبين دخلا في مدجنة -في كرس دجاج- فلما دخلا، أول ما يدخل الثعلب، يدخل خفيف يدخل جائع، أي نافذة صغيرة يدخل وهو جائع، فدخل الثعلبان من هذا فلما أكلا الدجاج كله، أتيا لكي يخرجا فما استطاعا، أصبح الواحد منهما مثل البرميل، وإذا بصاحب الدجاج مقبل معه ساطورة بيده، فطرق الباب يستأذن على الثعلبين، فيقول الثعلب لصاحبه: أين الموعد يا صاحبي؟
قال: نلتقي في المدبغة أي: المجزرة.
من أسباب النكبات التفرق، تفرق الأمة وتفرق الشعوب على مناهج مختلفة، أي: قطيع علماني، وقطيع بعثي، وقطيع ماركسي، وقطيع مسلم، ويقولون: لهم حرية الرأي، أنت تكلم على الماركسية وامدح استالين ولينين، وأنت لا بأس أن تسب الله، وأنت اخطب الجمعة، وأنت صلِّ، وأنت بع مساويك وأنت بع خمراً، أي: ديمقراطية -يعني: عش حراً، وهذه هي قاصمة الشعوب، قال: أولاً عن مبدأ التفرق ﴿وَلا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ﴾ [الأنفال:٤٦] ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [آل عمران:١٠٤] وقال سبحانه: ﴿وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ﴾ [آل عمران:١٠٥] أرسل عثمان ﵁، وقد طوقوا قصره.
جرحان في كبد الإسلام ما التأما جرح الشهيد وجرح بالكتاب دُمي
فلما طوقوا عليه بيته وأرادوا قتله وكان صائماً ذاك اليوم، وقد نام بعد الظهر ورأى الرسول ﵊ في المنام وقال: يا عثمان سوف تفطر عندنا هذا اليوم، وبالفعل قتل قبل صلاة المغرب، فكتب عثمان قبل أن يقتل إلى علي رسالة مبكية يقول:
فإن كنت مأكولاً فكن خير آكل وإلا فأدركني ولما أمزقي
هذا البيت لرجل جاهلي قديم يقول: فإن كنت مأكولاً أنا، أنت كلني بالتي هي أحسن، يقول: إن كنت أنت تريد الخلافة بعدي فكل بالتي هي أحسن أنا أسلم الخلافة الآن، لكن علياً بريء من دم عثمان وهو وأخوه وصنوه ويجمعهم الله في الجنة، وهم شهداء أبرار، ونشهد الله على حبهم يقول:
فإن كنت مأكولاً فكن خير آكلِ وإلا فأدركني وإلا أمزقي
يقول: أدركني قبل أن أمزق، وأتى علي ﵁ يجمع الأمر ويدرك عثمان، فوجده قد مزق، حتى قتلوه وانسكب دمه على المصحف وكان يفتح على قوله : ﴿فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [البقرة:١٣٧] فقطرت هذه الدماء الطاهرة على هذا الآية، قالوا: ولا زالت هذه الآية الآن على المصحف وهي موجودة في اسطنبول في متحف هناك، دم عثمان على الآية، انظر اختيار الآية، المقصود: أنه لما قتل عثمان بكى علي وقال: [[أكلت يوم أكل الثور الأبيض]] وهذا مثل في الجاهلية، يقولون: كان هناك ثلاثة ثيران قوية، أحمر وأبيض وأسود: كانت ترعى سواء تسرح إلى الماء سواء، وتمشي وتقوم وتشرب سواء، جاء الأسد وأراد أن يفترسها فاجتمعت عليه فناطحته فقتلته، فجاء أسد آخر فطردته، جاء النمر فاجتمعت عليه، فجاء أسد ذكي وأخذ الثور الأسود وقال: أريدك في أمرٍ، قال: ما هو؟ قال: هذا الثور الأبيض يأكل عليك المرعى دائماً، دائماً ينكد عليك، فأريد أن أتعاون أنا وإياك والأحمر ونقتل هذا الأبيض، قال: أصبت أصاب الله بك الخير، فاجتمعوا على الأبيض فقتلوه، فلما أتى رجع إلى الأسود وقال: هذا الأحمر يفعل فعل ذاك، ما رأيك نقتله، قال: نقتله فاجتمعوا عليه فأبادوه، فقال: الأسد للأسود بقيت أنت يا عدو الله، قال: أكلت يوم أكل الثور الأبيض.
وبالفعل استمر علي ﵁ فقتل، قتله بعض أولئك الشرذمة، يقول: ما دام قتل عثمان أنا سوف أقتل وهذه حكمة الله ، فأما مثل علي وعثمان فهي درجات عند الله وحسنات، وأما أعداء الله فإنه يعذبهم في الدنيا ﴿وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَخْزَى وَهُمْ لا يُنْصَرُونَ﴾ [فصلت:١٦].
стр. 2859
الانغماس في الملذات من أسباب النكبات
من أسباب النكبات الانغماس في الملذات، يقول الله تعالى: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ عَتَتْ عَنْ أَمْرِ رَبِّهَا﴾ [الطلاق:٨] وهنا يقول: ﴿بَطِرَتْ مَعِيشَتَهَا﴾ [القصص:٥٨] أي عاشت البطر والترف والتفسخ، وعاشت شيئاً من التنعم الذي هو فوق ما يمكن أن يتصوره الإنسان، وفوق مستوى بعض الشعوب، مثلاً هذه الكبكات تباع إلى ثلاثة آلف عندهم، وهي موجودة الآن في بعض المجتمعات أي ترف فوق العادة، يذكرون عن بعض الناس أنه: كان يلبس ثوباً فإذا خلعه للغسل لا يلبسه مرة ثانية لأنه دائماً يلبس جديداً، هل بعد هذا الترف من ترف!
عمر بن الخطاب -أمير المؤمنين- ما عنده طيلة الخلافة إلا بردة مرقعة، يقولون أنه يصلي بها الجمعة وفيها أربعة عشر رقعة، مرقوعة بيده، ويوم جاء الهرمزان مبعوث كسرى وجد عمر وهو نائم تحت الشجرة بلا حراسة فارتعد، وقال: حكمت فعدلت فأمنت فنمت، ولذلك يقول حافظ إبراهيم:
فوق الثرى تحت ظل الدوح مشتملاً ببردة كاد طول العهد يبليها
فقال قولة حق أصبحت مثلاً وأصبح الجيل بعد الجيل يرويها
أمنت لما أقمت العدل بينهم فنمت نوم قرير العين هانيها
دخل الربيع بن زياد الحارثي على عمر -أمير من الأمراء- فجلس أمام عمر قال: [[وكنت أتحذر في كلامي لا أسقط في كلمة -لأنه أمام عقلية جبارة ومن عظماء الدنيا- قال: فسلم الله وسدد حتى قدم لـ عمر إفطاره فإذا هو شيء من ملح مجروش مع شعير مع ماء، قلت: يا أمير المؤمنين! أنت أولى الناس بالمطعم الهنيء والمركب الوطيء والملبس الثري، قال عمر: فأخذ خشبة فضرب ِأميره في رأسه، قال: أولاً: والله لن أوليك إمارة بعد الآن، وأما وصاياك لي هذه فاحتفظ بها لنفسك.
ثانياً: والله إني أعلم الناس بلباب البر، وتسيل العسل وأشهى اللحم لكن أخشى أن أعرض على الله يوم القيامة فيقول لي: ﴿أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا﴾ [الاحقاف:٢٠] فقال هذا الأمير: ووددت أن الأرض ساخت بي وماتكلمت]].
هكذا كان عمر، ولذلك حققت الأمة في عهده انتصاراً ما سمع التاريخ بمثله حتى كان ملوك الكفار إذا سمعوا بـ عمر يغمى على الواحد منهم من الخوف، أنزل الله رعبه في قلوب الشياطين، شياطين الإنس وشياطين الجن، فهذا الانغماس في الملذات ردى ﴿وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً﴾ [الإسراء:١٦] يعني: الإرادة الكونية، ماذا يفعل الله؟
هل يدمر هذه القرية؟
لا، ﴿أمَرْنَا مُتْرَفِيهَا﴾ [الإسراء:١٦] وفي بعض القراءات (أمّرنا) أي: كثرنا ﴿أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيراً﴾ [الإسراء:١٦].
ومما يذكر أن القاهر الخليفة العباسي يقولون: تولى الخلافة ونصحه الناس: اتق الله! فأخذ حديقة وجعل كل الحديقة من فضة، شجرها من فضة -أي- وهمية، مثل المدن الوهمية، وجعل أسوداً، وثعالب ودجاجاً من فضة، ثم يأتي يصب الماء من أذناب الأسود فيخرج الماء من فم الأسود فيصب في البرك، ما الداعي لهذا الكلام؟
ثم أتى إلى برك في بيته، خزانات مثل خزانات الماء فحفرها ثم ملأها ذهباً وفضة، ثم جمع أبناءه وبناته، وقال: لا تخافوا من الدهر، سبحان الله.
هذا المال عندكم فلا تخافوا من شيء، افعلوا ما شئتم، فعلمه الله الذي يصرف الدهر ولا يصرفه الدهر، والذي يغير ولا يتغير، دخل عليه ابن عمه فخلعه في تلك الساعة، ثم أتى عليه فسمل عينيه بالحديد المحمي -أخرج عينيه حتى أصبح أعمى- ثم أخرجه من ملكه وأخرج أبناءه، وطردهم وأتى بعد سنة هذا القاهر يمد يده في المسجد، -مسجد المنصور بدار السلام بـ بغداد - يقول: من مال الله يا عباد الله.
علمه الله أين البرك وأين دجاج الفضة، وثعالب الفضة، وأسودها ﴿وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا﴾ [الإسراء:١٦] وقال: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ عَتَتْ عَنْ أَمْرِ رَبِّهَا وَرُسُلِهِ فَحَاسَبْنَاهَا حِسَاباً شَدِيداً وَعَذَّبْنَاهَا عَذَاباً نُكْراً﴾ [الطلاق:٨].
ويقولون: إن عجوزاً كانت في الأندلس بنت ابن جحوان، كانت صالحة، تصلي الليل والنهار وابنها كان من أفسد الناس، لا يعرف إلا الغناء وشرب الخمر، فكانت تتعاهده دائماً بالنصيحة: اتق الله، حافظ على الدين، حافظ على الصلاة، فيقول: لا.
وفي الأخير استولى عليه ملك آخر، فحطمه واستولى على قصره، وأخذه وأمه وأودعهم السجن، فتقول له أمه كلما أصبحت تريد تصبح عليه، وهو في زنزانة وهي في زنزانة فتقول له:
ابكِ مثل النساء مجداً تولى لم تحافظ عليه مثل الرجال
ولا يحافظ على المجد إلا بتقوى الله ، قال سبحانه: ﴿وَأَتْرَفْنَاهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [المؤمنون:٣٣] ﴿ذَرْهُمْ يَأْكُلُوا وَيَتَمَتَّعُوا وَيُلْهِهِمُ الْأَمَلُ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ [الحجر:٣] وقال سبحانه عن أوليائه: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ مَوْلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَأَنَّ الْكَافِرِينَ لا مَوْلَى لَهُمْ * إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الْأَنْعَامُ وَالنَّارُ مَثْوىً لَهُمْ﴾ [محمد:١١ - ١٢].
стр. 2860
عدم تحكيم الكتاب والسنة من أسباب النكبات
ومن الأسباب: عدم أخذ نصح كتاب الله وسنة رسوله، وعدم تحكيمهما في دنيا الناس وواقعهم وفي معتقدهم وعباداتهم وأخلاقهم وسلوكهم، قال: سبحانه عن أحد رسله عليهم الصلاة والسلام يوم أنذر قومه قال: ﴿وَلَكِنْ لا تُحِبُّونَ النَّاصِحِينَ﴾ [الأعراف:٧٩] ننصحكم صباح مساء، ولكن لا تحبون الناصحين، وقال شعيب: ﴿وَأَنْصَحُ لَكُمْ﴾ [الأعراف:٦٢] ﴿وَأَنَا لَكُمْ نَاصِحٌ أَمِينٌ﴾ [الأعراف:٦٨] لكن ما قبلوا النصيحة.
دريد بن الصمة أتى عند قومه، وقبيلته من غطفان، وهو شاعر ماجد، فأتى في الليل وقال: انتبهوا! البسوا السلاح ولا تناموا هذه الليلة، العدو سوف يصبحكم قالوا: لا نأخذ كلامك وأنت شيخ قد خرفت -أي: أصابك هرم في عقلك- قال: خذوا سلاحكم، قالوا: لا نأخذ السلاح، وفي الصباح وإذا بالجيش يجتاحهم اجتياحاً هائلاً، ودائماً الهجوم ما يأتي إلا في الصباح يقول على لسان لوط: ﴿أَلَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ﴾ [هود:٨١] بلى، ولذلك ليل المنكوبين طويل، إذا أراد الله أن ينكب قوماً طال عليهم الليل، وليل السعداء قصير، حتى يقول أحدهم:
لا أسأل الله تغييراً لما فعلت نامت فقد أسهرت عيني عيناها
فالليل أطول شيء حين أفقدها والليل أقصر شيء حين ألقاها
ويقول:
فقصارهن مع الهموم طويلة وطويلهن مع السرور قصار
فاجتاحهم الجيش فيقول هذا الشاعر:
أمرتهم أمري بمنعرج اللوى فلم يستبينوا النصح إلا ضحى الغد
وهل أنا إلا من غزية إن غوت غويت وإن ترشد غزية أرشد
فقلت لهم ظنوا بألفي مدجج سراتهم في الفارسي المسرد
يقول: ناصحتهم وقلت: الجيش سوف يهاجمكم وقوته ألفين، وما يلعبون كرة، عندهم رشاشات بأيدهم، ودبابات وصواريخ.
سراتهم أي: القادة فيهم كالفرسان، من مشاش رأسه إلى أخمص قدميه لباس حديد، لكن ما اتعظوا، ثم يقول في الأخير: فأنا انهزمت معهم وما أنا إلا منهم، إن غووا غويت وإن رشدوا رشدت، وهذا خطأ، منطق المسلم لا يقول هذا، بل يقول: أبرأ إلى الله من أهل الانحراف، وأنا أتولى الله ولا أذهب مذهب المنحرفين.
والأمم يوم تتنكر الناصحين تقع في للنكبات، يقول قوم عن نبيهم: ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا رَجُلٌ بِهِ جِنَّةٌ﴾ [المؤمنون:٢٥] مجنون، وقالوا للرسول ﷺ : مجنون، شاعر، كاهن، والله يقول: ﴿وَمَا صَاحِبُكُمْ بِمَجْنُونٍ﴾ [التكوير:٢٢] واعترضوا على رسالته واختياره، ﴿يَا صَالِحُ قَدْ كُنْتَ فِينَا مَرْجُوّاً﴾ [هود:٦٢] قال بعض المفسرين: قد كنا نرجوك أن تكون عاقلاً، إذا بك تأتي تنصحنا الآن وتسب آلهتنا، كنا نأمل فيك أن تكون رجلاً عاقلاً، لكنك انحرفت.
وهم المنحرفون المهلوسون.
إذا عير الطائي بالبخل مادر وعير قساً بالفهاهة باقل
وقال السهى للشمس أنت كسيفة وقال الدجى للبدر وجهك حائل
فيا موت زر إن الحياة ذميمة ويا نفس جدي إن دهرك هازل
قصة: عبيد الله بن زياد وكان رجلاً ظالماً تولى على العراق، وهو الذي دبر مقتل الحسين بن علي بن أبي طالب، هل تدرون ماذا فعل؟
أمير العراق؟ يوم قطعوا رأس الحسين أتي به فأتى بكبر وعنجهية وأخذ عصا في يده ثم جعل رأس الحسين، رأس الحسين بن علي، ابن فاطمة، الذي كان يقبله الرسول ﵊ صباح مساء، يقبله ويقول أبو هريرة: ﴿رأيت الحسن على يد الرسول اليمنى والحسين على يسراه يقبل هذا مرة وهذا مرة، يقول: اللهم إنهما ريحانتاي في الدنيا، اللهم فحب من أحبهما -نشهد الله على محبتهما- فكان يقبل الحسن مرة والحسين مرةأخرى﴾.
هذا الحسين العابد الولي قطع رأسه عبيد الله بن زياد، ثم وضع رأسه في صحن أمامه وجمع وزراءه وحاشيته وأخذ عصا يخرجها ويقول هذا فعل بنا يضعها بأنفه، وفعل بنا وخرج علينا، وعصانا وفعل، فقام أبو برزة الأسلمي أحد الصحابة يبكي وهو واقف قال: [[ارفع عصاك، لا تضع عصاك على أنفه، والذي نفسي بيده، لقد طالما رأيت الرسول ﵊ يقبل ذاك الموضع، ويقول: هما ريحانتاي من الدنيا]] فرفع عصاه كالخجلان، وبعد سنة أتى المختار بن عبيد الثقفي فهاجم عبيد الله بن زياد في قصره، فقطع رأسه، ثم وضعه في نفس الصحن ذاك، ولكن ما كان عند المختار عصا يشير بها، فأرسل الله حية، ثعبان صغير، كانت تدخل في أنفه وتتجامع الحية، حتى تحشره في أنفه وفمه، مكان تلك العصا، هذه بتلك، ﴿وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ﴾ [آل عمران:١٤٠].
دخل عليه عمرو بن عايذ قال: يا عبيد الله بن زياد اتق الله! فإني سمعت الرسول ﵊ يقول: ﴿إن شر الرعاة الحطمة﴾ معنى الحديث: إن شر الناس المسئول إذا حطم الناس وأرهقهم وكلفهم، قال الأمير -هذا المتكبر عبيد الله بن زياد - اجلس إنما أنت نخالة أصحاب محمد، قال: وهل فيهم نخالة؟ إنما النخالة في غيرهم وفي من بعدهم.
стр. 2861
السكوت عن المنكر من أسباب النكبات
ومن الأسباب في النكبات: ظهور المنكر بلا إنكار، يقول ﵊: ﴿إنما هلك الذين من قبلكم أنه كان الرجل يلقى أخاه فيقول: اتق الله! لا تفعل كذا، ثم لا يمنعه ذلك أن يكون أكيله وشريبه﴾ أو كما قال ﵊ والحديث صحيح، قال سبحانه: ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرائيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُدَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ * كَانُوا لا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾ [المائدة:٧٨ - ٧٩] وقال سبحانه: ﴿وَاسْأَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ﴾ [الأعراف:١٦٣] اسمع أسلوب القرآن! انظر إلى الروعة والجمال والإبداع! يتكلم في سورة الأعراف، وفجأة بعد أن انتهى من قصة موسى قال: ﴿وَاسْأَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ﴾ [الأعراف:١٦٣] جمال القرية.
بأنها تسكن على شاطئ البحر، اسألهم عنها هل سمعوا بخبرها وماذا فعلنا فيها؟
ثم وصف الله من أخبارها وكيف دمرها؛ لأنها فعلت المنكر، وكان كثير منهم يستمريه، فأخذهم الله أخذ عزيز مقتدر.
العرب تقول: من أنذر فقد أعذر، ويقول ﵊ في الصحيح: ﴿يغزوا جيش الكعبة، فإذا كانوا ببيداء من الأرض خسف بأولهم وآخرهم، قالت: أم المؤمنين أم سلمة وقيل: عائشة: يا رسول الله! كيف بمن لا ذنب له فيهم والصالحين -يعني: من الخدم والأتباع- قال: يهلكون مهلكاً واحداً ثم يبعثون على نياتهم﴾ أي: يبعثهم الله.
فالزلازل الذي يصيب بعض المدن بسبب فجور كثير من الناس، فيموت الصالحون والطالحون، فأما الصالح فيبعثه الله على نيته شهيداً، وأما هذا المجرم فيبقى مجرماً إلى يوم يلقى الله في يوم العرض الأكبر.
يقول أهل العلم: دخل هارون الرشيد على الفضيل بن عياض فقال: انصحني، قال: يا جميل الوجه! احذر أن يعذب الله وجهك بالنار، أو أن تغير النار وجهك الجميل -لأن هارون الرشيد كان جميل الوجه- فيقول له الفضيل: إن كنت تتقي الله فاحذر على وجهك أن يتغير من عذاب الله -أي: النار- فبكى هارون حتى كادت أضلاعه تختلف، فيقول وزيره: يا فضيل! لا تقتل أمير المؤمنين قال: سبحان الله! تقتله أنت وتنسب القتل لي، يقول: أنت المسئول، أنت الذي دائماً يغريه بالأفعال، ثم تقول: أنا الذي أقتله، تقتله أنت وأصحابك ثم تدعي أنني قتلته! أو كما قال.
стр. 2862
الدروس المستفادة من أحداث غزو الكويت
أيها الإخوة! من الحدث الذي مر معنا نستفيد أموراً:
стр. 2863
من الدروس المستفادة أن الظالم لابد له من نهاية
أولاً: نستفيد: أنه لا قرار للمجرم أبداً، مهما طالت به الأيام، وقد صح عن الرسول ﵊ أنه قال: ﴿إن الله ليمهل للظالم فإذا أخده لم يفلته﴾ وهذا الحديث صحيح، ومعنى ذلك: أن الظالم ولو رأيناه أرغى وأزبد، وفعل ونكل فإن الله سوف يقتلعه، فمهلاً أليس الصبح بقريب، وصبراً وسوف ترون العاقبة، وهذا المجرم الذي أحدث هذه الأحداث سوف تكون نهايته مأساوية، وسوف تنظرون له بعد أوقات، إما أن يجتاح بلاده ويدمر مع أهله تدميراً عجيباً، وإما أن يغتال، وإما أن يصاد في مكان ضيق ويخنق أمام العالم، وهذه نهاية الطغاة، وهذه سنة الله في الكون.
فرعون أين مات؟
مات وأنفه في الطين، والنمرود مات ببعوضة، وهتلر مات منتحراً، وملك إيطاليا مات مسموماً، وهم الذين دبروا الإجرام في الحرب العالمية الماضية: ﴿وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ﴾ [هود:١٠٢] وهذا مصير الظلمة.
стр. 2864
من الدروس المستفادة: أهمية اللجوء إلى الله منه
ومن الدروس والعظات: أن العبد عليه أن يلجأ إلى الله وأن يطلب منه النصر وحده، ويطلب منه أن يجنبه المصائب والكوارث والفتن ما ظهر منها وما بطن، كان عمار بن ياسر يقول: [[أعوذ بالله من الفتن، أعوذ بالله من الفتن، أعوذ بالله من الفتن]] والسبب: أنه كان يبني المسجد مع الرسول ﵊ فرءاه ﷺ قال: ﴿ويح عمار! تقتله الفئة الباغية﴾ فيقول عمار: أعوذ بالله من الفتن، وبالفعل وصل -لكنه سليم من الفتن- وقتل في صفين ﵁ وأرضاه.
стр. 2865
من الدروس المستفادة: ضرورة إصلاح الواقع
الدرس الثالث: أن الأمة إذا لم تغير حالها من السيئ إلى الأحسن فلتنتظر عقوبة الله ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾ [الرعد:١١] وقال: ﴿وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيراً﴾ [الإسراء:١٦] وقال: ﴿وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ﴾ [إبراهيم:٧].
стр. 2866
آثار ونتائج حادثة غزو الكويت
أيها الإخوة الكرام: هذا الحادث الذي وقع في المنطقة أصاب العالم الإسلامي بمآسٍ.
стр. 2867
من الآثار: شماتة الأعداء بالمسلمين
من هذه المآسي: شماتة الأعداء بنا، أي: أصبح الشرق والغرب يشمت بالمسلمين وبوضعهم وتفرقهم، وتشتت كلمتهم، وأصبح يضحك عليهم، وأصبحنا بدل أن كنا نسير الرأي العام أصبح الرأي العام يسيرنا.
كم صرفتنا يد كنا نصرفها وبات يملكنا شعب ملكناه
كان تاريخنا الأول، الذي تكلم في العالم وهو الذي يسيطر على مجريات العالم ويوجهه، مشايخ الإسلام وأمته، في عهد الخلفاء الراشدين والأمويين والعباسين، لكن أضمر لنا هذا الحادث، أن الأعداء يشمتون بنا، وأصبحنا شذر مذر، وفرقاً مشتتين موزعين، ليس لنا كلمة ولا رأي ولا وزن ولا ثقل.
الآن الدول الخمس دائمة العضوية في هيئة الأمم، كلها كافرة، والعالم الإسلامي مليار ليس لهم عضو دائم ولا يملكون حق الفيتو -النقض- وأمريكا والاتحاد السوفيتي و C= ٣٠٠٠٠١٢>> فرنسا وبريطانيا والصين، هذه الدول الخمس دائمة العضوية، أما الدول الإسلامية فأعضاء، كما قيل:
ويقضى الأمر حين تغيب تيم ولا يستشهدون وهم شهود
سواء كانوا حاضرين أم غائبين، يقولون: أحد الوفود من الدول النامية يحضر في مجلس الأمن في انعقاد الجلسة: ومن عادته أنه كثير النوم، ينام ما اكتشفت دولته أنه ينام حتى وصل في نيويورك، فكان ينام في طول الجلسة، فيقوم في أثناء نومه فيقول: موافق، لأنه متعود من بلاده أنه يوافق على كل قرار ولا يعترض؛ لأنه سواء اعترض أو ما اعترض، فليس له صيت، فقالوا: يتوهم أن صاحب الجلسة طلب التصويت فمد يده: وقال: موافق.
بلغت الشماتة بالعالم الإسلامي أن لا يملك أحد حق النقض أو حق الفيتو، يصوت المجلس على قرار فتأتي أمريكا تعترض وما اعترض على قرارات إدانة إسرائيل طول التاريخ إلا أمريكا، يقولون نحاصر إسرائيل؟
قالت: لا.
ندمر إسرائيل؟ لا.
ندينها؟ لا.
نرسل لها؟ لا.
نفاوضها؟ لا.
والمسلمون على كثرتهم:
عدد الحصى والرمل في تعدادهم فإذا حسبت وجدتهم أصفارا
ولذلك هم سواء يغيبون أو يحضرون ليس لهم أثر في القرار أبداً، وإنما هذه الدول الخمس هي التي تنفذ القرار، وتسيطر على الرأي العام، ولذلك يتمزق قلب المسلم إذا قال الدول دائمة العضوية، فينظر أين أبناء خالد، وأين أبناء طارق، وأين أبناء عمر؟!!
أين الفاتحون الذين فتحوا الدنيا؟!
لا شيء، أمريكان وإنجليز وفرنسيون وصينيون وروس هم الذي يسيطرون على العالم، ليس فيهم مسلم ولا ساجد ولا ولي لله، ثم نبقى نحن يتحكم فينا هؤلاء في قراراتهم وتوجيهاتهم والسبب: أنهم اعتنوا بأنفسهم ووحدوا أمرهم وسيطروا على العالم بالقوة، هذا الحادث بين لنا هذا الأمر.
стр. 2868
من الآثار: تدهور الاقتصاد
الأمر الثاني: أن هذا الحادث له نتائج خطيرة في عالم الاقتصاد، فالعالم الإسلامي الآن يعيش فقراً، وأصلاً بلاد المسلمين كلها بلاد يذكر فيها لا إله إلا الله، وهناك أطفال تضرروا وسبب تضررهم المجرمون المفسدون البغاة الظالمون، وهناك دول إسلامية بعيدة عن الحادث ومع ذلك وتضررت وهذا هو الحادث الذي سبب لنا هذه الكارثة بفعل ذاك المجرم الذي نسأل الله أن يزيله وأن يكفينا شره.
стр. 2869
الإيجابيات التي تؤخذ من الأحداث
أثبت لنا هذا الحادث أن هناك أناساً يعيشون على غير قيم ولا مبادئ، يتجهون مع الريح في كل اتجاه، ما لهم كلمة منضبطة مثل أهل الأدب، لم يصوروا الأشخاص على حقيقتهم، حاكم العراق هذا من يوم أتت به أمه وهو عدو لله، فلماذا لا يأتي هؤلاء الشعراء والأدباء والمفكرون يصورنه للناس من قبل غزو الكويت؟ بل كانوا يمدحونه، وأحدهم مدحه في المربد بقصيدة هائلة رنانة طنانة وسلمه هو الوسام وألبسه أمام الجماهير، ثم بعد الغزو نزل هذا عليه وسبه ورد جائزته، فقط من سيئاته غزو الكويت، وله سيئات أعظم وأدهى وأمر منها.
وفي هذا الحادث اكتشفنا أن في العالم الإسلامي غثائية في العدد، مليار مسلم، لكن تعال عد، منهم فريق صوفية في الزاوية، عليهم مرقعات لا يعرفون إلا نشيداً في مدح الرسول ﵊:
طلع البدر علينا من ثنيات الوداع
وجب الشكر علينا ما دعا لله داع
وليس لهم تعلق بالجهاد ولا بالاقتصاد، ولا بالإعلام، ولا بالساحة، ولا بمجريات الأحداث فقط في الزوايا، وفريق من هؤلاء مترفون ليس لهم هم إلا التزلج على الثلج والسفر إلى باريس وبانكوك وصيد الأرانب ومطاردة الحمام، والهواية بيع القيم في سوق الخسارة.
اكتشفنا أن هناك فريقاً لكنه هزيل عنده توجه وخير لكن لا يعرف إلا نفسه، نفسي نفسي، يصلي ويعود إلى المسجد، وإذا رأى فتنة قال: ﴿أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق﴾ ولا يدعو ولا يعلم ولا يتعلم.
وهناك ثلة باقية رائدة، هي التي تسمى: الصحوة الإسلامية، إن بني عمك فيهم رماح، وهذه التي أقضت مضاجعهم، مضاجع الكفار وحسبوا لها ألف حساب، وهي مخيفة؛ لأنها سيطرت على العالم الإسلامي، ولأنها موجهة ومنضبطة، وليس بصحيح من يقول: إن فيها تطرفاً وقد سبقت الإشارة إليه بخطبة جمعة، ليس فيها تطرف، يمكن أن يكون صوراً، أما أن يكون ظاهرة فخطأ، وما سمعنا بتطرف والحمد لله.
واكتشفنا من هذا الحادث: أن العدو لابد أن نعرفه من قبل أن نصادقه وأن نعرف كيف نتعامل مع الناس بالكتاب والسنة وبلا إله إلا الله، فأما الولي فنواليه، وأما العدو فنعاديه.
أيها الإخوة الفضلاء! عسى الله أن يجعمنا بكم مرات ومرات بإذنه ، وسلام الله عليكم ورحمته وبركاته.
стр. 2870
سبعة يظلهم الله في ظله
يتحدث النبي ﷺ إلى كل مؤمن ومؤمنة إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، ويتحدث إلى الأجيال تلو الأجيال، ويخبرهم بفضائل الأعمال، ومن هذه الأحاديث قوله ﷺ : (سبعة يضلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله) الحديث.
وفي هذه المادة شرح تفصيلي لهذا الحديث وبيان لما فيه من الدروس والعبر.
стр. 2871
شرح حديث: (سبعة يظلهم الله في ظله)
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.
أمَّا بَعْد:
فسلام الله عليكم ورحمته وبركاته.
أيها الإخوة! إن كان للحياة لذة وللعيش سعادة؛ فإنما هو بالجلوس في مجالس الذكر التي إذا انقطع عنها القلب شعر بقسوة ووحشة وغربة.
يا من يعز علينا أن نفارقهم وجداننا كل شيء بعدكم عدم
إذا ترحلت عن قوم وقد قدروا ألا تفارقهم فالراحلون هم
نعود إلى البخاري ومسلم، إلى حفظة الإسلام، وإلى كتب هذا الدين الذي شرفنا الله به والشريعة التي بعثها ﷺ للبشرية، فهدى الله بها من شاء، وأخرج بها من شاء من الضلالة إلى الهدى، ومن العمى إلى النور، ومن الغي إلى الرشاد، فنسأله سبحانه تعالى، فإنه هو ولي المؤمنين الذي يخرجهم من الظلمات إلى النور؛ أن يخرجنا وإياكم من ظلمات الجهل والشبه والشهوات إلى نور اليقين.
معنا في هذا الدرس حديث مشرق من كلامه ﵊، وهو يتحدث إلى كل مؤمن إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، يتحدث إلى الأجيال تلو الأجيال، وهو أبونا ﵊، بل هو الأب الروحي كما يقول ابن تيمية، وأما آباؤنا فإن كل أب جثماني ننتسب إليه، أما الانتساب في مبدأ (لا إله إلا الله) والانتساب الحق، إنما هو إليه ﷺ .
قال أبو هريرة: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ﴿سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله: إمام عادل، وشاب نشأ في عبادة الله، ورجلان تحابا في الله اجتمعا عليه وتفرقا عليه، ورجل ذكر الله خالياً ففاضت عيناه، ورجل قلبه معلق بالمساجد، ورجل تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه، ورجل دعته امرأة ذات منصب وجمال فقال: إني أخاف الله رب العالمين﴾ نسأل الله بأسمائه الحسنى وبصفاته العلى أن يجعلنا وإياكم من هؤلاء السبعة.
وهؤلاء السبعة -كما يقول أهل العلم- هم سبعة أصناف وليسوا سبعة أفراد؛ لأنهم لو كانوا سبعة أفراد، فإذا اكتملوا حرم البقية من الأمم ومن الألوف المؤلفة هذا الفضل، ولكنهم سبعة أصناف يأتي في صنف الإمام العادل آلاف، فكل من عدل في رعيته، سواء كان أمير عامة كما يقول ابن تيمية، أو أمير خاصة، وحتى لو كان في بيته، حتى يقول ابن تيمية في فتاويه: من عدل بين طالبين فهو إمام عادل.
فإذا صحح الأستاذ لطالبين فعدل بينهما؛ فهو من هؤلاء الذين يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله، فإن خان حرم وكان ممن جار في الحكومة عند الله .
إذاً: فهؤلاء السبعة أصناف وليسوا بأفراد، فالإمام العادل يأتي منه آلاف مؤلفة، والشاب الذي نشأ في عبادة الله يأتي منه آلاف مؤلفة، وكذلك الرجلان اللذان تحابا في الله اجتمعا عليه وتفرقا عليه، يأتي منهم ألوف مؤلفة.
والذي ينبغي على المؤمن أن يحرص كل الحرص أن تكون فيه صفة من هذه الصفات إذا لم تكن فيه صفتان أو ثلاث، وهي سهلة ويسيره على من يسرها الله عليه، ولذلك يقولون: إن عمر بن عبد العزيز ﵁ وأرضاه الخليفة الأموي الذي يعتبر من الخلفاء الراشدين، اجتمعت فيه صفات، منها: أنه نشأ في عبادة الله، ومنها: أنه إمام عادل، ومنها: أن قلبه معلق بالمساجد، ثم قالوا: ولا يبعد أنه ذكر الله خالياً ففاضت عيناه، ولا يبعد كذلك أنه أحب قوماً في الله، اجتمع معهم في محبة الله وفارقهم على محبة الله إلى غير تلك الصفات.
قال ﵊: ﴿سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله﴾ فلا ظل يوم القيامة ويوم العرض إلا ظل الله، ولا فيء إلا فيئه تعالى، ولا كنف إلا كنفه، فإنه لا يوجد هناك مظلة، ولا شجر، ولا ظلال، ولا شيء يقي من حر الشمس التي تدنو من الرءوس.
يقول عقبة بن عامر: والله الذي لا إله إلا هو لقد سمعت رسول الله ﷺ يقول: ﴿تدنو الشمس يوم القيامة من الرءوس حتى ما يكون بينها وبين الناس إلا ميل.
قال: فوالله ما أدري هل هو ميل المكحلة أو الميل المعروف هذا﴾ ويبلغ الكرب من النفوس مبلغاً عظيماً لا يعلمه إلا الله، حينها ينزل الجبار ﵎ نزولاً يليق بجلاله على عرشه، يحمل عرشه ثمانية وهو مستو على عرشه استواء يليق بجلاله، لا كيف ولا أين ولا شبيه، بل هو مستو على عرشه كما أخبر بذلك ﵎، فإذا نزل نادى بصوت يسمعه من بعد كما يسمعه من قرب: أنا الملك، -فهو الملك كما قال: مالك يوم الدين، ملك يوم الدين، فلا مالك إلا هو، وفي الحديث الصحيح: ﴿أنا الملك فأين ملوك الأرض﴾ ثم يعيد : أنا الملك أين ملوك الأرض؟ ثم يقول تعالى: ﴿لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ﴾ [غافر:١٦] حينها ينادي ﵎ أول نداء، يقول: ﴿أين المتحابون بجلالي اليوم أظلهم في ظلي يوم لا ظل إلا ظلي﴾ وهذا الحديث عن معاذ بن جبل في صحيح مسلم، فيقومون يتخطون الناس حتى يستظلون بظل العرش.
والسبعة في الحديث الذين قال عنهم ﵊ أنهم سبعة، وعدد السبعة محبوب في الإسلام، فأيام الأسبوع سبعة، والطواف سبعة أشواط والسعي سبعة، ورمي الجمار سبع، وكثير ما يعلق الشارع بعدد سبعة، لأنه وتر والله يحب الوتر، واختار الله ورسوله ﵊ هذا العدد، فالرسول ﵊ يقول: سبعة يظلهم في ظله يوم لا ظل إلا ظله، فلنستمع ولنعش مع هؤلاء السبعة؛ عل الله أن يرزقنا أن نكون من صنف ولو واحد منهم، وهو والله سهل بسيط، ولو أن تقوم من مجلسك هذا فتتصدق بصدقة تخفيها حتى لا تعلم شمالك ما تنفق يمينك، أو تنزوي في زاوية فتذكر الله وتتباكى، أو تحب الصالحين في محبة الله تعالى، أو تشعر قلبك كلما سمعت (الله أكبر) في النداء؛ أن قلبك في المسجد، فتعلقه في المسجد، وهذا وجه بلاغي سوف يأتي عند شرح الحديث.
стр. 2872
الإمام العادل
والإمام العادل: هو من عدل في رعيته، وحكم فيهم بكتاب الله وسنة نبيه ﷺ ؛ فهذا يدعوه الله يوم القيامة على رءوس الخلائق، وفي مسند أحمد عن عبد الله بن مغفل، أن الرسول ﷺ قال: ﴿ما من أمير ولا والي ولي من أمر الأمة شيئاً إلا أتى ويداه مغلولتان وراء ظهره﴾ يأتي يوم القيامة ويداه مغلولتان وراء ظهره، اليمنى فوق اليسرى، سواء عدل أو لم يعدل، فإذا حوسب وكان عادلاً أظله الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله، وإذا كان جائراً رده الله على وجهه ويداه مغلولتان وراء ظهره.
والإمام العادل يكون في البيت، وفي المدرسة، وفي الدائرة، وفي الأمة، وفي أي مكان، ولذلك يقول ﵊ كما في الصحيحين: ﴿كلكم راعٍ وكلكم مسئول عن رعيته﴾ إذا علم هذا فأعدل الأئمة رسول الله ﷺ ، هو أعدل من خلق الله، وهو الذي حكم على نفسه قبل أن يحكم عليه غيره ﵊، وأنصف من نفسه، بل كان في آخر أيامه يقف على المنبر ويقول للناس: يا أيها الناس! اللهم من سببته أو شتمته أو ضربته، اللهم اجعلها كفارة له، ثم قال: يا أيها الناس! من سببته أو شتمته أو ضربته، أو أخذت شيئاً من ماله، فليقتص مني اليوم، قبل ألا يكون درهم ولا دينار، هذا عرضي فاقتصوا منه، فتراد المسجد بالبكاء في عهده ﵊.
стр. 2873
قصص تمثل عدل الرسول ﷺ
وقعت له ﵊ قصص في العدالة، ولذلك ورد في الصحيح من حديث عبد الله بن الزبير، قال: ﴿اختصم أبو عبد الله الزبير بن العوام حواري الرسول ﷺ ، هو ورجل من الأنصار في مزرعة في شراج الحرة -وهي ضاحية من ضواحي المدينة - فلما اختصم الزبير هو وهذا الرجل الأنصاري، ذهبوا إلى أعدل الخلق، وإلى الحاكم ﵊، الذي ائتمنه الله على الوحي من السماء، فكيف لا يأتمنه الناس على الدرهم والدينار، والذي قال الله فيه: ﴿وَمَا هُوَ عَلَى الْغَيْبِ بِضَنِينٍ * وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَيْطَانٍ رَجِيمٍ﴾ [التكوير:٢٤ - ٢٥] وقال في سورة الحاقة ﴿وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ * لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ * ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ﴾ [الحاقة:٤٥ - ٤٦].
نزه الله سمعه وبصره، ومدح قلبه ويده ورجله، فهو الممدوح المعصوم ﵊.
حضر ليحكم في القصة؛ فأتى فإذا مزرعة الزبير فوق مزرعة الأنصاري، والزبير بن العوام ابن عمة الرسول ﵊ صفية بنت عبد المطلب، والناس تسرع إليهم الشبه والريب، فأتى ﵊ رحمة بالأنصاري وعطفاً عليه، فأراد أن يكون صلحاً ولا يكون حكماً، لأن للقاضي عليه أن يقدم الصلح قبل الحكم، بشرط أن يكون الصلح غير منافٍ لكتاب الله ولا سنة النبي ﷺ ، فقال: يا زبير! اسق، فإذا سقيت فاترك الماء ينزل إلى مزرعة الأنصاري.
فغضب الأنصاري، وهو مسلم ولكن الشيطان راوده، يغضب على سيد الخلق ﵊، فالتفت الأنصاري والصحابة وقوف، وقال: أن كان ابن عمتك حكمت له؟ سبحان الله! الرسول يميل مع ابن العمة وابن الجدة وابن الخالة، وينسى الله وهو أتقى الناس لله! فاحمر وجهه ﵊ وسكت، فقام عمر ﵁ وأرضاه، فقال: يا رسول الله! نافق هذا الرجل دعني أضرب عنقه.
ثم ما دام أن الأنصاري اتهم النبي ﷺ بالجور فالآن يأتى الحكم، كان في صالحه أول النهار، ولكن الآن أتى الحكم، فقال: اسق يا زبير حتى يعود الماء إلى الجدر -يعني إلى الجدار- ثم اترك الماء يمر.
فما رضي الأنصاري أول مرة بالصلح الذي هو لصالحه، ولكن غاضب الرسول ﵊ فحاكمه إلى السنة، فقال: والسنة أن يسقي حتى يعود إلى الجدار، ثم اترك الماء.
فذهب ﷺ ، فأنزل الله عليه وهو في طريقه إلى المدينة قوله تعالى: ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ [النساء:٦٥] معنى الآية: والله لا يدخل الإيمان في قلوبهم، ولا يذوقون طعم اليقين حتى يحكموك ويجعلوك حكماً عادلا ًمنصفاً يرضونك، حتى يقول بعض العلماء: يرضونك في لا إله إلا الله، كما رضوك في أقل شعائر الدين.
فمن لم يرض به ﷺ حاكماً في عبادته، وعقيدته، وسلوكه، وأخلاقه، فوالله ما آمن ولا رضي بالله رباً، ولا بالرسول ﷺ إماماً.
ووقعت له ﷺ قصة أخرى وهو يقسم الغنائم بين الناس، فكان يعطي هذا ليتألفه للإسلام كما تعرفون، ويقلل لهذا لأن في قلبه إيماناً ويقيناً وصدقاً، فيأتي بعض المنافقين ويجلس ويقول: هذه قسمة ما أريد بها وجه الله تعالى.
فيذهب ابن مسعود فيقول: أتيت إلى رسول الله ﷺ فساررته في أذنه بالخبر، فتغير وجهه حتى أصبح كالصرف.
قيل: الصرف النحاس الأحمر، وقيل: الذهب الأحمر، وقال: رحم الله أخي موسى لقد أوذي بأكثر من هذا فصبر، قال ابن مسعود قلت في نفسي لا جرم والله لا أرفع إليه بعدها كلمة.
قال: فذهبت، فأتى خارجي ناتئ الجبين، أي: مقدم الجبين، فقال: يا محمد! اعدل -يأمر الرسول ﷺ بالعدل- فقال رسول الله: خبت وخسرت إن لم أعدل، ألا تأمونني وأنا أمين من في السماء، فقال عمر: دعني أضرب عنقه يا رسول الله! قال ﷺ : لا.
يخرج من ضئضئ هذا -قيل ثديه وقيل يده؛ لأنه كان في يده كحلَم الشاة، وقيل: كحلَم الشاة وعليها شعرات، قال: ﴿يخرج من ضئضئ هذا قوم تحقرون صلاتكم إلى صلاتهم، وقراءتكم إلى قراءتهم، وصيامكم إلى صيامهم، يمرقون من الإسلام كما يمرق السهم من الرمية، لئن أدركتهم لأقتلنهم قتل عاد﴾ وهؤلاء هم الخوارج، أخذوا بالحكم الظاهر وتركوا حقائق الأمور، فأدركهم سيف الله المنتضى أبو الحسن، فقتلهم قتل عاد، وكانت من حسناته.
فالإمام العادل وأعدل الناس هو الرسول ﵊، ثم أتى الأئمة العدول بعده ﵊، وإنما المقصود من هذا أن من ولاه الله أمراً من أمور هذه الأمة فليتق الله وليعدل؛ إن كان مديراً في مدرسة، أو مسئولاً في الحكومة، أو موظفاً أو رائداً في بيته، أو مسئولاً وأميراً في سفر، أو إماماً عاماً أو قاضياً؛ فليعلم أنه يأتي يوم القيامة إما عادلاً يظله الله في ظله أو جائراً يتلفه الله .
стр. 2874
صور من حياة الصحابة في العدل
أورد أهل السير عن علي بن أبي طالب ﵁ وأرضاه - وسيره وسير أبي بكر وعمر وعثمان؛ هؤلاء الصفوة هي التي تحيي القلوب بإذن الله ، والذي يريد أن يعرف ويتعرف على الإسلام؛ فعليه أن يقرأ سير هؤلاء فإنهم هم الذين هداهم الله وذكرهم في كتابه.
فَقَدَ علي بن أبي طالب درعه، فأخذه يهودي، فمر علي ﵁، فرأى درعه على اليهودي، فأمسكه بتلابيبه، وقال: درعي يا يهودي! وعلي في ذلك الوقت خليفة المؤمنين من شرق الأرض إلى غربها، وبإمكانه أن يدعو الجنود فيضربوا هذا اليهودي حتى لا يدري أين الشرق من الغرب، لكن لا.
فالأمر شورى والخلافة بيعة والحق حق والحقوق قضاء
فقال اليهودي: ليس هذا بدرعك.
فقال علي: بل درعي والله.
والواجب أن يصدق، فقال اليهودي: أتحاكم أنا وأنت.
قال: أنا الخليفة.
قال: لا.
أنت ستحكم لنفسك.
وأراد اليهودي أن يمتحنه، فذهبوا إلى شريح القاضي، وهو أحد قضاة علي ﵁ وأرضاه، فلما أتوا إليه قام فرحب بـ علي بن أبي طالب، قال علي: لا ترحب بي، لأنني خصم.
أنا جئتك اليوم خصم، وما جئتك خليفة، إذا جئتك خليفة فرحب بي، ولكن ساو بيننا في لحظك ولفظك.
فقال شريح: اجلس هنا يا أمير المؤمنين! قال: لا.
لأنني خصم، إما أن تجلسنا سوياً في مكان واحد، أو أجلسنا على الأرض في مكان واحد، فأجلس علياً بجانب اليهودي على الأرض، وجلس شريح على كرسي القضاء.
ثم قال: هل لك بينة يا أمير المؤمنين أن الدرع درعك؟ قال: نعم.
يشهد لي شاهد.
قال: من شاهدك؟ قال: ابني.
قال: أنت تعلم أن الابن لا يشهد لأبيه.
وعلي يريد أن يختبر القاضي، قال: إذاً ليس عندي شاهد.
قال: إذاً فالدرع درع اليهودي، لأنك لم تأت ببينة، فأخذه اليهودي فولى، ثم التفت وقال: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً رسول الله، آمنت بهذا الدين الذي أجلسك يا أمير المؤمنين بمجلس معي، والله الذي لا إله إلا هو إن الدرع درعك، فأعطاه وسلمه ودخل في الإسلام.
فهذا وأمثاله من أئمة الإسلام، هم الذين يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله، ولذلك يقول أحمد شوقي يمدح الرسول ﵊:
وإذا حكمت فلا ارتياب كأنما جاء الخصوم من السماء قضاء
وعمر ﵁ وأرضاه مثَّل العدل في الإسلام، وقصصه لا تنتهي أبداً، ولكن نكتفي ببعض المواقف.
منها: أنه جلس مع الصحابة رضوان الله عليهم في المدينة في ضحى النهار، وإذا برجل يقدم من البادية مسحوباً بيده من قبل شباب ثلاثة، فقال لهم عمر: مالكم ماذا وقع؟
قالوا: هذا قتل أبانا.
قال: وما الخبر؟
قالوا: أتى أبونا بجمل معه، فرعى في مزرعة هذا الرجل، فقام وأخذ حجراً فألقاه على رأس أبينا فقتله، فالتفت عمر إلى الرجل وقال: أقتلت أباهم؟
قال: نعم.
قتلت أباهم.
قال: وما حملك؟ قال: عدى بجمله على مزرعتي فظننت أنني سوف أبعده بالحجر فرميته فقتلته.
قال القصاص: حكم الله بالقتل.
قال: يا أمير المؤمنين! أسألك بالله الذي لا إله إلا هو أن تمهلني ثلاثة أيام، فوالله الذي لا إله إلا هو أن أهلي في الصحراء، ما معهم معول إلا أنا بعد الله ، ولا خليفة لهم بعد الله إلا أنا، لا يعلمون أين ذهبت من أرض الله، لأنني لما قتلت أباهم، اقتادوني إليك ولم أخبر أهلي، قال عمر: لن تذهب، لأنك خصم، وقد حكم عليك بالقصاص إلا أن تأتي بكفيل.
فالتفت إلى الصحابة فلم يعرف أحداً منهم أبداً، فأعاد النظر إليهم -ويا سبحان الله! فتيه ونساء وراءه، كيف يقتل في المدينة وهم ليس عندهم خبر، ولا خليفة لهم بعده ولا والي إلا الله ؟! - فالتفت إلى الصحابة ثم نظر إليهم، فرأى أبا ذر ﵁، وإذا على وجهه النور والخشية والزهد، فقال: يا شيخ! أنا ما عرفتك لكن أسألك بالله الذي لا إله إلا هو أن تكفلني، فإني سوف أعود.
قال أبو ذر: ومن بيني ويبنك؟ قال: بيني وبينك الله.
قال: أبو ذر، وعيناه تدمع: كفى بالله ولياً وكفى بالله حسيباً.
فقال عمر ﵁: أكفلته يا أبا ذر؟ قال: نعم.
يا أمير المؤمنين! والله لو كنا في الجاهلية لكفلته، كيف وقد أتاني بموثق من الله.
ولذلك لما أتى يعقوب ﵇ قال لأبنائه: أعطوني موثقاً، فأتوه بموثق من الله ، فقال: الله على ما نقول وكيل، ومن رضي بالله وكيلاً، كفاه الله .
فذهب الرجل وبقي أبو ذر، وجلس الصحابة رضوان الله عليهم، ومضت ثلاثة أيام وهم ينتظرون، وفي اليوم الرابع جلس عمر ﵁ الذي لا تأخذه في الله لومة لائم، حتى يقول: والله لو فصل عظمي عن لحمي لأعملن بسنه سنها رسول الله ﷺ .
فجلس ودعا الشباب الذين يطالبون بدم أبيهم، ودعا أبا ذر، فخرج أبو ذر، فقال: أجاء الرجل؟ قالوا: لم يأت من البادية.
قال: الله المستعان! لأن القصاص في ذلك الوقت، فجلس الصحابة يطالعون وينظرون في الصحراء، وتأخر الرجل حتى قرب الغروب، وقال عمر ﵁: إن غربت الشمس فالقصاص يا أبا ذر.
قال: يا أمير المؤمنين! كيف؟ قال: والله لا أمهلك، حكم الله ، أنت عن أبيهم لأنك كفيل، فلما أوشكت الشمس على الغروب، وإذا بذلك الرجل يقبل وهو يجري جرياً، فلما دخل ألقى نفسه وقال: والله ما أكلت من الصباح وما شربت؛ لأدرككم، في هذا اليوم، ذهبت إلى أهلي، والله لقد تركت صبيتي وبناتي يتباكون، فتأثر الصحابة كثيراً، والتفت عمر ﵁، وقال: القصاص، حكم الله .
فقام الشباب، وقالوا: ما دام أن هذا أوفى مع الله ، فلا يكون أوفى منا، قد عفونا عنه وسامحناه، فقام عمر وقال: عفا الله عنكم يوم العرض الأكبر، وجزاك الله بوفائك خيراً يوم أتيت، وبارك الله فيك يا أبا ذر؛ لأنك كفلته في ذات الله .
فهذه صورة رائعة من صور العدل التي مثلها عمر ﵁ وأرضاه للأمة، والله يقول لداود ﵇: ﴿يَا دَاوُدُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ﴾ [ص:٢٦].
стр. 2875
الالتزام بالعبادة منذ الصغر
وأما الصنف الثاني: فهو الشاب الذي نشأ في طاعة الله وعبادته، لا يعرف إلا القرآن، وذكر الله ، وهذا الأمر عزيز ونادر، حتى يقول الغزالي: إنه نادر جداً في الأمة.
لكن من الناس من ينشئه الله نشأة حسنة ويربيه على طاعته، وفي الحديث: ﴿يعجب ربك من الشاب ليس له صبوة﴾ معنى الحديث: أن الله يتعجب فوق سبع سماوات من شاب لا يعصي الله ، يتعجب أن هذا الشاب عنده قدرات وطموح وقوة وفتوة، ثم لا يعصي الله ، فيتعجب الله منه.
ويروى عنه ﷺ أنه قال: ﴿إن الله يستحي أن يعذب شاباً في الإسلام﴾ فإذا كان الله يستحي من فوق سبع سموات أن يعذب شاباً في الإسلام؛ فما بالك بالذين لا يستحون من الله ؟!
ومن الشباب الذين نشئوا في عبادة الله -كما في السير والأخبار- أيوب بن أبي تميمة السختياني، وهو من رواة البخاري ومسلم، كان في العشرين من عمره وكان إذا خرج إلى السوق ونظر الناس إلى وجهه، تركوا بضائعهم وقاموا على أرجلهم، وقالوا: لا إله إلا الله، حتى يقول الحسن البصري: [[هذا سيد شباب أهل البصرة، وإني لأظنه من أهل الجنة]] أيوب هذا كان لا يعرف إلا الله ، فكان من بيته إلى مسجده، وكان يقرأ الحديث على الناس فتغلبه عيناه بالدموع، فيميط عن أنفه ويقول: ما أشد الزكام! يظهر أن هناك زكاماً وهو البكاء، يقول الإمام مالك: ما ظننت أن في أهل العراق خيراً حتى رأيت أيوب بن أبي تميمة وهو شاب قدم علينا، فسلم على رسول الله في قبره، ثم بكى حتى كادت أضلاعه تختلف.
فهذا من الشباب الذين نسأل الله أن يظلهم وإيانا في ظله يوم لا ظل إلا ظله.
وذكر الذهبي وغيره من أهل التواريخ والسير: أن سهل بن عبد الله التستري كان شاباً صغيراً، فكان يقرأ القرآن في المسجد مع شيخه، فكان شيخه يحبه كثيراً، فذهب زملاؤه إلى آبائهم وقالوا: يا أبانا! شيخنا يحب سهلاً أكثر منا، فذهب آباؤهم وقالوا: كيف تقدم سهلاً على أبنائنا دائماً وهم سيان في القراءة والتلاوة، قال: لأن سهلاً يخاف من الله أكثر من أبنائكم.
قالوا: دلل لنا على ذلك.
فقال: سوف أدلل لكم على ذلك -وكان هذا الشيخ حكيماً- فقال لهؤلاء الطلاب: ليأتي كل منكم بدجاجة، فأتوا في الصباح كل واحد منهم بدجاجة، فلما أحضروها قال: كل منكم يذهب بهذه الدجاجة إلى مكان لا يراه فيه أحد ويذبحها.
فذهبوا جميعاً كلٌ بدجاجته، فلما اختفوا؛ ذبح كل واحد منهم دجاجته ثم رجعوا إلى الشيخ إلا سهلاً لم يذبح دجاجته، فقال: أذبحتم دجاجكم؟
قالوا: نعم.
قال: وأنت.
قال: ما ذبحتها.
قال: ولم؟
قال: لأنك قلت لي في مكان لا يراني فيه أحد، والله يراني في كل مكان.
قال: فلما أتيت وسللت هذه السكين لأذبح هذه الدجاجة تذكرت الله فكففت.
قال: نعم.
وأنت نسأل الله أن تكون -أو كما قال- ممن يعبد الله كأنه يراه.
فهذه هي أعظم درجات الخشية من الله، وهؤلاء من الشباب الذين يحبهم الله وأنشأهم في عبادته، ويظلهم في ظله.
следующие страницы →