← Джавами‘

Джавами‘ · id 7708

دروس الشيخ عائض القرني

عائض القرني

Полный текст (10 391 стр.). Показаны 2871–2910 · переход к 2876.

стр. 2871

شرح حديث: (سبعة يظلهم الله في ظله) إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. أمَّا بَعْد: فسلام الله عليكم ورحمته وبركاته. أيها الإخوة! إن كان للحياة لذة وللعيش سعادة؛ فإنما هو بالجلوس في مجالس الذكر التي إذا انقطع عنها القلب شعر بقسوة ووحشة وغربة. يا من يعز علينا أن نفارقهم وجداننا كل شيء بعدكم عدم إذا ترحلت عن قوم وقد قدروا ألا تفارقهم فالراحلون هم نعود إلى البخاري ومسلم، إلى حفظة الإسلام، وإلى كتب هذا الدين الذي شرفنا الله به والشريعة التي بعثها ﷺ للبشرية، فهدى الله بها من شاء، وأخرج بها من شاء من الضلالة إلى الهدى، ومن العمى إلى النور، ومن الغي إلى الرشاد، فنسأله سبحانه تعالى، فإنه هو ولي المؤمنين الذي يخرجهم من الظلمات إلى النور؛ أن يخرجنا وإياكم من ظلمات الجهل والشبه والشهوات إلى نور اليقين. معنا في هذا الدرس حديث مشرق من كلامه ﵊، وهو يتحدث إلى كل مؤمن إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، يتحدث إلى الأجيال تلو الأجيال، وهو أبونا ﵊، بل هو الأب الروحي كما يقول ابن تيمية، وأما آباؤنا فإن كل أب جثماني ننتسب إليه، أما الانتساب في مبدأ (لا إله إلا الله) والانتساب الحق، إنما هو إليه ﷺ . قال أبو هريرة: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ﴿سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله: إمام عادل، وشاب نشأ في عبادة الله، ورجلان تحابا في الله اجتمعا عليه وتفرقا عليه، ورجل ذكر الله خالياً ففاضت عيناه، ورجل قلبه معلق بالمساجد، ورجل تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه، ورجل دعته امرأة ذات منصب وجمال فقال: إني أخاف الله رب العالمين﴾ نسأل الله بأسمائه الحسنى وبصفاته العلى أن يجعلنا وإياكم من هؤلاء السبعة. وهؤلاء السبعة -كما يقول أهل العلم- هم سبعة أصناف وليسوا سبعة أفراد؛ لأنهم لو كانوا سبعة أفراد، فإذا اكتملوا حرم البقية من الأمم ومن الألوف المؤلفة هذا الفضل، ولكنهم سبعة أصناف يأتي في صنف الإمام العادل آلاف، فكل من عدل في رعيته، سواء كان أمير عامة كما يقول ابن تيمية، أو أمير خاصة، وحتى لو كان في بيته، حتى يقول ابن تيمية في فتاويه: من عدل بين طالبين فهو إمام عادل. فإذا صحح الأستاذ لطالبين فعدل بينهما؛ فهو من هؤلاء الذين يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله، فإن خان حرم وكان ممن جار في الحكومة عند الله . إذاً: فهؤلاء السبعة أصناف وليسوا بأفراد، فالإمام العادل يأتي منه آلاف مؤلفة، والشاب الذي نشأ في عبادة الله يأتي منه آلاف مؤلفة، وكذلك الرجلان اللذان تحابا في الله اجتمعا عليه وتفرقا عليه، يأتي منهم ألوف مؤلفة. والذي ينبغي على المؤمن أن يحرص كل الحرص أن تكون فيه صفة من هذه الصفات إذا لم تكن فيه صفتان أو ثلاث، وهي سهلة ويسيره على من يسرها الله عليه، ولذلك يقولون: إن عمر بن عبد العزيز ﵁ وأرضاه الخليفة الأموي الذي يعتبر من الخلفاء الراشدين، اجتمعت فيه صفات، منها: أنه نشأ في عبادة الله، ومنها: أنه إمام عادل، ومنها: أن قلبه معلق بالمساجد، ثم قالوا: ولا يبعد أنه ذكر الله خالياً ففاضت عيناه، ولا يبعد كذلك أنه أحب قوماً في الله، اجتمع معهم في محبة الله وفارقهم على محبة الله إلى غير تلك الصفات. قال ﵊: ﴿سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله﴾ فلا ظل يوم القيامة ويوم العرض إلا ظل الله، ولا فيء إلا فيئه تعالى، ولا كنف إلا كنفه، فإنه لا يوجد هناك مظلة، ولا شجر، ولا ظلال، ولا شيء يقي من حر الشمس التي تدنو من الرءوس. يقول عقبة بن عامر: والله الذي لا إله إلا هو لقد سمعت رسول الله ﷺ يقول: ﴿تدنو الشمس يوم القيامة من الرءوس حتى ما يكون بينها وبين الناس إلا ميل. قال: فوالله ما أدري هل هو ميل المكحلة أو الميل المعروف هذا﴾ ويبلغ الكرب من النفوس مبلغاً عظيماً لا يعلمه إلا الله، حينها ينزل الجبار ﵎ نزولاً يليق بجلاله على عرشه، يحمل عرشه ثمانية وهو مستو على عرشه استواء يليق بجلاله، لا كيف ولا أين ولا شبيه، بل هو مستو على عرشه كما أخبر بذلك ﵎، فإذا نزل نادى بصوت يسمعه من بعد كما يسمعه من قرب: أنا الملك، -فهو الملك كما قال: مالك يوم الدين، ملك يوم الدين، فلا مالك إلا هو، وفي الحديث الصحيح: ﴿أنا الملك فأين ملوك الأرض﴾ ثم يعيد : أنا الملك أين ملوك الأرض؟ ثم يقول تعالى: ﴿لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ﴾ [غافر:١٦] حينها ينادي ﵎ أول نداء، يقول: ﴿أين المتحابون بجلالي اليوم أظلهم في ظلي يوم لا ظل إلا ظلي﴾ وهذا الحديث عن معاذ بن جبل في صحيح مسلم، فيقومون يتخطون الناس حتى يستظلون بظل العرش. والسبعة في الحديث الذين قال عنهم ﵊ أنهم سبعة، وعدد السبعة محبوب في الإسلام، فأيام الأسبوع سبعة، والطواف سبعة أشواط والسعي سبعة، ورمي الجمار سبع، وكثير ما يعلق الشارع بعدد سبعة، لأنه وتر والله يحب الوتر، واختار الله ورسوله ﵊ هذا العدد، فالرسول ﵊ يقول: سبعة يظلهم في ظله يوم لا ظل إلا ظله، فلنستمع ولنعش مع هؤلاء السبعة؛ عل الله أن يرزقنا أن نكون من صنف ولو واحد منهم، وهو والله سهل بسيط، ولو أن تقوم من مجلسك هذا فتتصدق بصدقة تخفيها حتى لا تعلم شمالك ما تنفق يمينك، أو تنزوي في زاوية فتذكر الله وتتباكى، أو تحب الصالحين في محبة الله تعالى، أو تشعر قلبك كلما سمعت (الله أكبر) في النداء؛ أن قلبك في المسجد، فتعلقه في المسجد، وهذا وجه بلاغي سوف يأتي عند شرح الحديث.

стр. 2872

الإمام العادل والإمام العادل: هو من عدل في رعيته، وحكم فيهم بكتاب الله وسنة نبيه ﷺ ؛ فهذا يدعوه الله يوم القيامة على رءوس الخلائق، وفي مسند أحمد عن عبد الله بن مغفل، أن الرسول ﷺ قال: ﴿ما من أمير ولا والي ولي من أمر الأمة شيئاً إلا أتى ويداه مغلولتان وراء ظهره﴾ يأتي يوم القيامة ويداه مغلولتان وراء ظهره، اليمنى فوق اليسرى، سواء عدل أو لم يعدل، فإذا حوسب وكان عادلاً أظله الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله، وإذا كان جائراً رده الله على وجهه ويداه مغلولتان وراء ظهره. والإمام العادل يكون في البيت، وفي المدرسة، وفي الدائرة، وفي الأمة، وفي أي مكان، ولذلك يقول ﵊ كما في الصحيحين: ﴿كلكم راعٍ وكلكم مسئول عن رعيته﴾ إذا علم هذا فأعدل الأئمة رسول الله ﷺ ، هو أعدل من خلق الله، وهو الذي حكم على نفسه قبل أن يحكم عليه غيره ﵊، وأنصف من نفسه، بل كان في آخر أيامه يقف على المنبر ويقول للناس: يا أيها الناس! اللهم من سببته أو شتمته أو ضربته، اللهم اجعلها كفارة له، ثم قال: يا أيها الناس! من سببته أو شتمته أو ضربته، أو أخذت شيئاً من ماله، فليقتص مني اليوم، قبل ألا يكون درهم ولا دينار، هذا عرضي فاقتصوا منه، فتراد المسجد بالبكاء في عهده ﵊.

стр. 2873

قصص تمثل عدل الرسول ﷺ وقعت له ﵊ قصص في العدالة، ولذلك ورد في الصحيح من حديث عبد الله بن الزبير، قال: ﴿اختصم أبو عبد الله الزبير بن العوام حواري الرسول ﷺ ، هو ورجل من الأنصار في مزرعة في شراج الحرة -وهي ضاحية من ضواحي المدينة - فلما اختصم الزبير هو وهذا الرجل الأنصاري، ذهبوا إلى أعدل الخلق، وإلى الحاكم ﵊، الذي ائتمنه الله على الوحي من السماء، فكيف لا يأتمنه الناس على الدرهم والدينار، والذي قال الله فيه: ﴿وَمَا هُوَ عَلَى الْغَيْبِ بِضَنِينٍ * وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَيْطَانٍ رَجِيمٍ﴾ [التكوير:٢٤ - ٢٥] وقال في سورة الحاقة ﴿وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ * لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ * ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ﴾ [الحاقة:٤٥ - ٤٦]. نزه الله سمعه وبصره، ومدح قلبه ويده ورجله، فهو الممدوح المعصوم ﵊. حضر ليحكم في القصة؛ فأتى فإذا مزرعة الزبير فوق مزرعة الأنصاري، والزبير بن العوام ابن عمة الرسول ﵊ صفية بنت عبد المطلب، والناس تسرع إليهم الشبه والريب، فأتى ﵊ رحمة بالأنصاري وعطفاً عليه، فأراد أن يكون صلحاً ولا يكون حكماً، لأن للقاضي عليه أن يقدم الصلح قبل الحكم، بشرط أن يكون الصلح غير منافٍ لكتاب الله ولا سنة النبي ﷺ ، فقال: يا زبير! اسق، فإذا سقيت فاترك الماء ينزل إلى مزرعة الأنصاري. فغضب الأنصاري، وهو مسلم ولكن الشيطان راوده، يغضب على سيد الخلق ﵊، فالتفت الأنصاري والصحابة وقوف، وقال: أن كان ابن عمتك حكمت له؟ سبحان الله! الرسول يميل مع ابن العمة وابن الجدة وابن الخالة، وينسى الله وهو أتقى الناس لله! فاحمر وجهه ﵊ وسكت، فقام عمر ﵁ وأرضاه، فقال: يا رسول الله! نافق هذا الرجل دعني أضرب عنقه. ثم ما دام أن الأنصاري اتهم النبي ﷺ بالجور فالآن يأتى الحكم، كان في صالحه أول النهار، ولكن الآن أتى الحكم، فقال: اسق يا زبير حتى يعود الماء إلى الجدر -يعني إلى الجدار- ثم اترك الماء يمر. فما رضي الأنصاري أول مرة بالصلح الذي هو لصالحه، ولكن غاضب الرسول ﵊ فحاكمه إلى السنة، فقال: والسنة أن يسقي حتى يعود إلى الجدار، ثم اترك الماء. فذهب ﷺ ، فأنزل الله عليه وهو في طريقه إلى المدينة قوله تعالى: ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ [النساء:٦٥] معنى الآية: والله لا يدخل الإيمان في قلوبهم، ولا يذوقون طعم اليقين حتى يحكموك ويجعلوك حكماً عادلا ًمنصفاً يرضونك، حتى يقول بعض العلماء: يرضونك في لا إله إلا الله، كما رضوك في أقل شعائر الدين. فمن لم يرض به ﷺ حاكماً في عبادته، وعقيدته، وسلوكه، وأخلاقه، فوالله ما آمن ولا رضي بالله رباً، ولا بالرسول ﷺ إماماً. ووقعت له ﷺ قصة أخرى وهو يقسم الغنائم بين الناس، فكان يعطي هذا ليتألفه للإسلام كما تعرفون، ويقلل لهذا لأن في قلبه إيماناً ويقيناً وصدقاً، فيأتي بعض المنافقين ويجلس ويقول: هذه قسمة ما أريد بها وجه الله تعالى. فيذهب ابن مسعود فيقول: أتيت إلى رسول الله ﷺ فساررته في أذنه بالخبر، فتغير وجهه حتى أصبح كالصرف. قيل: الصرف النحاس الأحمر، وقيل: الذهب الأحمر، وقال: رحم الله أخي موسى لقد أوذي بأكثر من هذا فصبر، قال ابن مسعود قلت في نفسي لا جرم والله لا أرفع إليه بعدها كلمة. قال: فذهبت، فأتى خارجي ناتئ الجبين، أي: مقدم الجبين، فقال: يا محمد! اعدل -يأمر الرسول ﷺ بالعدل- فقال رسول الله: خبت وخسرت إن لم أعدل، ألا تأمونني وأنا أمين من في السماء، فقال عمر: دعني أضرب عنقه يا رسول الله! قال ﷺ : لا. يخرج من ضئضئ هذا -قيل ثديه وقيل يده؛ لأنه كان في يده كحلَم الشاة، وقيل: كحلَم الشاة وعليها شعرات، قال: ﴿يخرج من ضئضئ هذا قوم تحقرون صلاتكم إلى صلاتهم، وقراءتكم إلى قراءتهم، وصيامكم إلى صيامهم، يمرقون من الإسلام كما يمرق السهم من الرمية، لئن أدركتهم لأقتلنهم قتل عاد﴾ وهؤلاء هم الخوارج، أخذوا بالحكم الظاهر وتركوا حقائق الأمور، فأدركهم سيف الله المنتضى أبو الحسن، فقتلهم قتل عاد، وكانت من حسناته. فالإمام العادل وأعدل الناس هو الرسول ﵊، ثم أتى الأئمة العدول بعده ﵊، وإنما المقصود من هذا أن من ولاه الله أمراً من أمور هذه الأمة فليتق الله وليعدل؛ إن كان مديراً في مدرسة، أو مسئولاً في الحكومة، أو موظفاً أو رائداً في بيته، أو مسئولاً وأميراً في سفر، أو إماماً عاماً أو قاضياً؛ فليعلم أنه يأتي يوم القيامة إما عادلاً يظله الله في ظله أو جائراً يتلفه الله .

стр. 2874

صور من حياة الصحابة في العدل أورد أهل السير عن علي بن أبي طالب ﵁ وأرضاه - وسيره وسير أبي بكر وعمر وعثمان؛ هؤلاء الصفوة هي التي تحيي القلوب بإذن الله ، والذي يريد أن يعرف ويتعرف على الإسلام؛ فعليه أن يقرأ سير هؤلاء فإنهم هم الذين هداهم الله وذكرهم في كتابه. فَقَدَ علي بن أبي طالب درعه، فأخذه يهودي، فمر علي ﵁، فرأى درعه على اليهودي، فأمسكه بتلابيبه، وقال: درعي يا يهودي! وعلي في ذلك الوقت خليفة المؤمنين من شرق الأرض إلى غربها، وبإمكانه أن يدعو الجنود فيضربوا هذا اليهودي حتى لا يدري أين الشرق من الغرب، لكن لا. فالأمر شورى والخلافة بيعة والحق حق والحقوق قضاء فقال اليهودي: ليس هذا بدرعك. فقال علي: بل درعي والله. والواجب أن يصدق، فقال اليهودي: أتحاكم أنا وأنت. قال: أنا الخليفة. قال: لا. أنت ستحكم لنفسك. وأراد اليهودي أن يمتحنه، فذهبوا إلى شريح القاضي، وهو أحد قضاة علي ﵁ وأرضاه، فلما أتوا إليه قام فرحب بـ علي بن أبي طالب، قال علي: لا ترحب بي، لأنني خصم. أنا جئتك اليوم خصم، وما جئتك خليفة، إذا جئتك خليفة فرحب بي، ولكن ساو بيننا في لحظك ولفظك. فقال شريح: اجلس هنا يا أمير المؤمنين! قال: لا. لأنني خصم، إما أن تجلسنا سوياً في مكان واحد، أو أجلسنا على الأرض في مكان واحد، فأجلس علياً بجانب اليهودي على الأرض، وجلس شريح على كرسي القضاء. ثم قال: هل لك بينة يا أمير المؤمنين أن الدرع درعك؟ قال: نعم. يشهد لي شاهد. قال: من شاهدك؟ قال: ابني. قال: أنت تعلم أن الابن لا يشهد لأبيه. وعلي يريد أن يختبر القاضي، قال: إذاً ليس عندي شاهد. قال: إذاً فالدرع درع اليهودي، لأنك لم تأت ببينة، فأخذه اليهودي فولى، ثم التفت وقال: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً رسول الله، آمنت بهذا الدين الذي أجلسك يا أمير المؤمنين بمجلس معي، والله الذي لا إله إلا هو إن الدرع درعك، فأعطاه وسلمه ودخل في الإسلام. فهذا وأمثاله من أئمة الإسلام، هم الذين يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله، ولذلك يقول أحمد شوقي يمدح الرسول ﵊: وإذا حكمت فلا ارتياب كأنما جاء الخصوم من السماء قضاء وعمر ﵁ وأرضاه مثَّل العدل في الإسلام، وقصصه لا تنتهي أبداً، ولكن نكتفي ببعض المواقف. منها: أنه جلس مع الصحابة رضوان الله عليهم في المدينة في ضحى النهار، وإذا برجل يقدم من البادية مسحوباً بيده من قبل شباب ثلاثة، فقال لهم عمر: مالكم ماذا وقع؟ قالوا: هذا قتل أبانا. قال: وما الخبر؟ قالوا: أتى أبونا بجمل معه، فرعى في مزرعة هذا الرجل، فقام وأخذ حجراً فألقاه على رأس أبينا فقتله، فالتفت عمر إلى الرجل وقال: أقتلت أباهم؟ قال: نعم. قتلت أباهم. قال: وما حملك؟ قال: عدى بجمله على مزرعتي فظننت أنني سوف أبعده بالحجر فرميته فقتلته. قال القصاص: حكم الله بالقتل. قال: يا أمير المؤمنين! أسألك بالله الذي لا إله إلا هو أن تمهلني ثلاثة أيام، فوالله الذي لا إله إلا هو أن أهلي في الصحراء، ما معهم معول إلا أنا بعد الله ، ولا خليفة لهم بعد الله إلا أنا، لا يعلمون أين ذهبت من أرض الله، لأنني لما قتلت أباهم، اقتادوني إليك ولم أخبر أهلي، قال عمر: لن تذهب، لأنك خصم، وقد حكم عليك بالقصاص إلا أن تأتي بكفيل. فالتفت إلى الصحابة فلم يعرف أحداً منهم أبداً، فأعاد النظر إليهم -ويا سبحان الله! فتيه ونساء وراءه، كيف يقتل في المدينة وهم ليس عندهم خبر، ولا خليفة لهم بعده ولا والي إلا الله ؟! - فالتفت إلى الصحابة ثم نظر إليهم، فرأى أبا ذر ﵁، وإذا على وجهه النور والخشية والزهد، فقال: يا شيخ! أنا ما عرفتك لكن أسألك بالله الذي لا إله إلا هو أن تكفلني، فإني سوف أعود. قال أبو ذر: ومن بيني ويبنك؟ قال: بيني وبينك الله. قال: أبو ذر، وعيناه تدمع: كفى بالله ولياً وكفى بالله حسيباً. فقال عمر ﵁: أكفلته يا أبا ذر؟ قال: نعم. يا أمير المؤمنين! والله لو كنا في الجاهلية لكفلته، كيف وقد أتاني بموثق من الله. ولذلك لما أتى يعقوب ﵇ قال لأبنائه: أعطوني موثقاً، فأتوه بموثق من الله ، فقال: الله على ما نقول وكيل، ومن رضي بالله وكيلاً، كفاه الله . فذهب الرجل وبقي أبو ذر، وجلس الصحابة رضوان الله عليهم، ومضت ثلاثة أيام وهم ينتظرون، وفي اليوم الرابع جلس عمر ﵁ الذي لا تأخذه في الله لومة لائم، حتى يقول: والله لو فصل عظمي عن لحمي لأعملن بسنه سنها رسول الله ﷺ . فجلس ودعا الشباب الذين يطالبون بدم أبيهم، ودعا أبا ذر، فخرج أبو ذر، فقال: أجاء الرجل؟ قالوا: لم يأت من البادية. قال: الله المستعان! لأن القصاص في ذلك الوقت، فجلس الصحابة يطالعون وينظرون في الصحراء، وتأخر الرجل حتى قرب الغروب، وقال عمر ﵁: إن غربت الشمس فالقصاص يا أبا ذر. قال: يا أمير المؤمنين! كيف؟ قال: والله لا أمهلك، حكم الله ، أنت عن أبيهم لأنك كفيل، فلما أوشكت الشمس على الغروب، وإذا بذلك الرجل يقبل وهو يجري جرياً، فلما دخل ألقى نفسه وقال: والله ما أكلت من الصباح وما شربت؛ لأدرككم، في هذا اليوم، ذهبت إلى أهلي، والله لقد تركت صبيتي وبناتي يتباكون، فتأثر الصحابة كثيراً، والتفت عمر ﵁، وقال: القصاص، حكم الله . فقام الشباب، وقالوا: ما دام أن هذا أوفى مع الله ، فلا يكون أوفى منا، قد عفونا عنه وسامحناه، فقام عمر وقال: عفا الله عنكم يوم العرض الأكبر، وجزاك الله بوفائك خيراً يوم أتيت، وبارك الله فيك يا أبا ذر؛ لأنك كفلته في ذات الله . فهذه صورة رائعة من صور العدل التي مثلها عمر ﵁ وأرضاه للأمة، والله يقول لداود ﵇: ﴿يَا دَاوُدُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ﴾ [ص:٢٦].

стр. 2875

الالتزام بالعبادة منذ الصغر وأما الصنف الثاني: فهو الشاب الذي نشأ في طاعة الله وعبادته، لا يعرف إلا القرآن، وذكر الله ، وهذا الأمر عزيز ونادر، حتى يقول الغزالي: إنه نادر جداً في الأمة. لكن من الناس من ينشئه الله نشأة حسنة ويربيه على طاعته، وفي الحديث: ﴿يعجب ربك من الشاب ليس له صبوة﴾ معنى الحديث: أن الله يتعجب فوق سبع سماوات من شاب لا يعصي الله ، يتعجب أن هذا الشاب عنده قدرات وطموح وقوة وفتوة، ثم لا يعصي الله ، فيتعجب الله منه. ويروى عنه ﷺ أنه قال: ﴿إن الله يستحي أن يعذب شاباً في الإسلام﴾ فإذا كان الله يستحي من فوق سبع سموات أن يعذب شاباً في الإسلام؛ فما بالك بالذين لا يستحون من الله ؟! ومن الشباب الذين نشئوا في عبادة الله -كما في السير والأخبار- أيوب بن أبي تميمة السختياني، وهو من رواة البخاري ومسلم، كان في العشرين من عمره وكان إذا خرج إلى السوق ونظر الناس إلى وجهه، تركوا بضائعهم وقاموا على أرجلهم، وقالوا: لا إله إلا الله، حتى يقول الحسن البصري: [[هذا سيد شباب أهل البصرة، وإني لأظنه من أهل الجنة]] أيوب هذا كان لا يعرف إلا الله ، فكان من بيته إلى مسجده، وكان يقرأ الحديث على الناس فتغلبه عيناه بالدموع، فيميط عن أنفه ويقول: ما أشد الزكام! يظهر أن هناك زكاماً وهو البكاء، يقول الإمام مالك: ما ظننت أن في أهل العراق خيراً حتى رأيت أيوب بن أبي تميمة وهو شاب قدم علينا، فسلم على رسول الله في قبره، ثم بكى حتى كادت أضلاعه تختلف. فهذا من الشباب الذين نسأل الله أن يظلهم وإيانا في ظله يوم لا ظل إلا ظله. وذكر الذهبي وغيره من أهل التواريخ والسير: أن سهل بن عبد الله التستري كان شاباً صغيراً، فكان يقرأ القرآن في المسجد مع شيخه، فكان شيخه يحبه كثيراً، فذهب زملاؤه إلى آبائهم وقالوا: يا أبانا! شيخنا يحب سهلاً أكثر منا، فذهب آباؤهم وقالوا: كيف تقدم سهلاً على أبنائنا دائماً وهم سيان في القراءة والتلاوة، قال: لأن سهلاً يخاف من الله أكثر من أبنائكم. قالوا: دلل لنا على ذلك. فقال: سوف أدلل لكم على ذلك -وكان هذا الشيخ حكيماً- فقال لهؤلاء الطلاب: ليأتي كل منكم بدجاجة، فأتوا في الصباح كل واحد منهم بدجاجة، فلما أحضروها قال: كل منكم يذهب بهذه الدجاجة إلى مكان لا يراه فيه أحد ويذبحها. فذهبوا جميعاً كلٌ بدجاجته، فلما اختفوا؛ ذبح كل واحد منهم دجاجته ثم رجعوا إلى الشيخ إلا سهلاً لم يذبح دجاجته، فقال: أذبحتم دجاجكم؟ قالوا: نعم. قال: وأنت. قال: ما ذبحتها. قال: ولم؟ قال: لأنك قلت لي في مكان لا يراني فيه أحد، والله يراني في كل مكان. قال: فلما أتيت وسللت هذه السكين لأذبح هذه الدجاجة تذكرت الله فكففت. قال: نعم. وأنت نسأل الله أن تكون -أو كما قال- ممن يعبد الله كأنه يراه. فهذه هي أعظم درجات الخشية من الله، وهؤلاء من الشباب الذين يحبهم الله وأنشأهم في عبادته، ويظلهم في ظله.

стр. 2876

الأخوة في الله وأما قوله ﵊: ﴿ورجلان تحابا في الله اجتمعا عليه وتفرقا عليه﴾ فهذه أعظم درجات المحبة، وهؤلاء من الأصناف الثلاثة الذين قال عنهم ﷺ : ﴿ثلاث من كن فيه وجد بهن حلاوة الإيمان -ثم ذكر منها-: أن يحب المرء لا يحبه إلا لله﴾ فإذا أحببت رجلاً لله، لا لتجارة ولا لمنفعة ولا لمكسب، فأبشر ثم أبشر، فأنت من الذين يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله، ومعنى (اجتمعا عليه) أي: دخلا في محبته ، فكان اجتماعهم بسبب المحبة فيه، (وتفرقا عليه) أي: سافر أحدهم وفارق صاحبه، أو مات أحدهم عن الآخر وهو حبيب له في الله. ولذلك كان ﷺ يؤاخي بين الرجلين من الصحابة ويجعلهم إخواناً، فآخى بين سلمان وأبي الدرداء، وتآخى كذلك في الله سلمان وعبد الله بن سلام، فقال عبد الله بن سلام لـ سلمان: إني أحبك في الله، فأسألك بالله إذا مت قبلي أو مت قبلك أن تحرص إذا تلاقينا في المنام أن توصيني بخير يدلني على الله. وهذه القصة في صفة الصفوة وغيرها، وأرواح المؤمنين تتزاور في المنام، وهذا من عقيدة أهل السنة والجماعة وليست من الأصول، لكن ذكرها ابن تيمية، فإن الأرواح تتزاور، ولذلك قد يرى المسلم أخاه المسلم في النوم وقد مات ويخبره بكلام، ويتحدث إليه بأمور، ويوصيه بوصايا. فمات عبد الله بن سلام قبل سلمان الفارسي، فرآه في المنام، فقال: كيف أنت؟ قال: أنا في عيشة راضية، وأنا أرى الله كل جمعة، يوم المزيد. قال: فما وجدت خير العمل؟ قال: ما وجدت خير عمل من التوكل على الله، فأوصيك بالتوكل على الله. فكانت هذه وصيته له، فهم تحابوا في الدنيا فكانوا إخوة في الآخرة وفي حياة البرزخ. ولذلك قال أبو الحسن أمير المؤمنين ﵁: تزودوا من الإخوان فإنهم ذخر في الدنيا وفي الآخرة. قالوا: يا أبا الحسن، أما في الدنيا فصدقت، وأما في الآخرة فمتى؟! قال: أما سمعتم الله يقول: ﴿الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ﴾ [الزخرف:٦٧] فمن خالل أخاه في ذات الله كان خليلاً له في الآخرة، وكان مشفعاً مقبولاً فيه، إذا رضي الله وأذن له وكان من أهل الشفاعة. فالمتحابون يناديهم الله : ﴿أين المتحابون في جلالي؟ اليوم أظلهم في ظلي يوم لا ظل إلا ظلي فيقوم نُزَّاع القبائل فيجتمعون حتى يظلهم الله في ظله قيل: من هم نُزَّاع القبائل؟ قال: قوم لم يجتمعوا على حسب، ولا على سبب، ولا على نسب، وإنما جمعهم الحب في الله﴾ هذا من شعب، وذاك من شعب، وهذا من قبيلة وذاك من قبيلة، جمعهم الحب في الله، فيناديهم الله ، فيقومون يتخطون الناس حتى يظلهم الله يوم لا ظل إلا ظله. وفي الحديث الصحيح: ﴿أن رجلاً خرج من قرية إلى قرية ليزور أخاً له في الله، فأرصد الله على مدرجته ملكاً من الملائكة، فلما مر الرجل قال له الملك: أين تريد؟ قال له: أريد أن أزور أخاً لي في الله. قال: هل له من نعمة عليك يربها؟ -أي يتعاهدها، فأنت تريد مكافأته، وفي لفظ: هل لك عليه من نعمة تربها؟ أي هل هناك سبب دنيوي أو مصلحة؟ - قال: لا. والله الذي لا إله إلا هو، وإنما أحبه في الله. قال: أنا رسول الله -يعني ملك أرسله الله- أخبرك أن الله رضي عنك ورضي عن صاحبك وفي لفظ: وأنكما من أهل الجنة﴾ والسبب أنه زاره في الله. وصح عنه ﷺ أنه يقول: ﴿قال الله ﵎: وجبت محبتي للمتحابين في، والمتزاورين في، والمتجالسين في، والمتباذلين في﴾ المتجالسون الذين لا يجلسون إلا على محبة الله، ويتزاورون محبةً في الله، ويبذل بعضهم بعضاً لله ، فهؤلاء وجبت لهم محبة الحي القيوم، هذا هو الحب في الله ، يقول الإمام الشافعي: أحب الصالحين ولست منهم لعلي أن أنال بهم شفاعة وأكره من تجارته المعاصي ولو كنا سواء في البضاعة قال له الإمام أحمد: تحب الصالحين وأنت منهم ومنكم قد تناولنا الشفاعة لأن الإمام الشافعي من أهل البيت، لكن من تواضعه يقول: أما أنا، فإن من صفاتي أنني أحب كل صالح ولو لم أعمل بعمله، وأنا عاصي -تواضعاً منه- لكني أحب الصالحين، وأكره العصاة وبضاعتي مثل بضاعتهم؛ ولذلك من علامة المؤمن أنه يحب المؤمنين ولو لم يعمل بعملهم، ويبغض العصاة ولو يعمل بعملهم، ومن علامة المنافق أنه يكره الطائعين ويعاديهم، ويحب العصاة ويعمل بعملهم، فهذا فارق بين من يحب في الله ومن يحب لغير الله. وفي الصحيح عن أبي هريرة قال: ﴿كان ﷺ على المنبر يخطبنا، فدخل أعرابي فقطع خطبته وقال: يا رسول الله! متى الساعة؟ فسكت ﷺ ، ولما انتهى من الخطبة، قال: أين أراه السائل عن الساعة؟ قال: أنا يا رسول الله! قال: ماذا أعددت لها؟ قال: ما أعددت لها من كثير صيام ولا صلاة ولا صدقة ولكني أحب الله ورسوله. قال: المرء يحشر مع من أحب. قال أنس: فوالله ما فرحنا بمثل هذا الحديث، فنحن نحب رسول الله وأبا بكر وعمر، ولو لم نعمل بعملهم﴾. ويوم يأتي ﷺ في معركة أحد، فيستنفر الناس للقتال، ويقف على المنبر ويحثهم على المعركة، يقول أحد الشباب: يا رسول الله! اتركنا نخرج إلى المعركة. لأنه ﵊ قال: القتال سوف يكون داخل المدينة، وهذا هو الرأي الأصوب، وقد أشار عليه كبار الصحابة أن يبقى محصناً داخل المدينة، حتى يدخل كفار قريش، ويكون قتلهم داخل المدينة، فلما رأى الرسول ﷺ هذا الرأي، قام أحد الشباب واسمه سالم بن مالك، وقال: يا رسول الله! لا تحرمنا لقاء الأعداء، ولا تحرمني دخول الجنة، والله الذي لا إله إلا هو لأدخلن الجنة. فتبسم ﵊ وقال: بماذا تدخل الجنة؟ قال: بأني أحب الله ورسوله ولا أفر يوم الزحف. قال: إن تصدق الله يصدقك. فقتل في المعركة، وكان من أهل الجنة، والسبب أنه يحب الله ورسوله. وذكر ابن كثير في البداية والنهاية، عن بعض أمراء بني أيوب، قال: كان في الدنيا عليه بعض الخطايا، وكان من الأمراء الذين أفادوا في الجهاد، فلما توفي رآه العلماء في المنام، وله جناحان من نور، يطير في الجنة من شجرة إلى شجرة، فقالوا: أنت فلان؟ قال: نعم. قالوا: والله ما كان عملك في الدنيا بذاك. قال: أما سمعتم أن في الحديث يقول ﵊: ﴿المرء يحشر مع من أحب﴾؟ قالوا: بلى. قال: فوالله الذي لا إله إلا هو، ما كان في الدنيا شيء أحب إلي من الله ورسوله. فبلغته المحبة مع شيء من العمل إلى هذه المنزلة، ولكن لا يغتر مغتر، كما يقول: الحسن [[لا يقل أحدكم: المرء يحشر مع من أحب. ويعمل عمل الجبارين، ويريد أن يحشر مع الطائعين]] فإن النصارى أحبوا عيسى حتى ألَّهوه، وهم في النار وهو في الجنة، لكن المقصود أن يكون هناك أصول من العمل، ثم تحب من ارتفع عليك في المنزلة، فإن الله سوف يحشرك في زمرته، بشرط أن يكون لك عمل من طاعة ومن فرائض وواجبات، فإن الله سوف يبلغك منزلة الذي ما بلغت منزلته بالعمل. وأكثر ما سمع في التاريخ أنهم تحابوا في ذات الله هم الصحابة، حتى يقول عمر: [[يا أيها الناس! والله إنها لتطول بي الليلة شوقاً لأحدكم أو لبعضكم، فإذا أصبحت الصباح التزمته]] يتذكر عمر أحد الصحابة، فتطول عليه الليلة، فيأتي الصباح فيلتزم الصحابي وهي لم تمر إلا ليلة واحدة. وكان علي ﵁ وأرضاه، يتذكر الصحابة -كما ذكر ابن كثير في ترجمته- ويبكي بعد صلاة الفجر، ويقول كلاماً ما معناه: ذهبوا وخلفوني. ولما نزل إلى طلحة بعد أن قتل، مسح التراب عن وجهه وقبله وقال: أسأل الله أن يجعلني وإياك ممن قال فيهم: ﴿وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْوَاناً عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ﴾ [الحجر:٤٧] والذي أسس بينهم الإخاء هو رسول الله ﵊، فكانوا إخواناً كما أراد الله ، قال تعالى: ﴿وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [الأنفال:٦٣].

стр. 2877

البكاء من خشية الله وأما الرجل الرابع: فهو رجل ذكر الله خالياً ففاضت عيناه، وقوله: (خالياً) فمعناه: الإخلاص. قال ابن تيمية في المجلد الثالث والعشرين: هؤلاء السبعة بلغوا أصول العبادات، أو أسس أصول العبادات، ثم ذكر أن رجلاً من العلماء ألف كتاباً اسمه اللمعة في السبعة، وتكلم عن الحديث، وقال: إن (خالياً) في الحديث معناه: الإخلاص، فإن بعض الناس قد يتباكى عند الناس، ولكن إذا خلا لا يبكي. ولذلك يقول أهل العلم: احذروا النفاق والرياء في ثلاثة مواطن: عندما تذكر الله أمام الناس، وعندما تبكي أمام الناس، فإنها فتنه لكل مفتون، وعندما تتصدق أمام الناس. وقالوا عن الأوزاعي -كما ذكر ذلك ابن كثير -: أنه كان إذا خلا بكى حتى يرحمه جيرانه، فإذا خالط الناس ما رئي ذلك منه. وهذا لأنه يخاف على نفسه، ولكن بعض الناس يغلبه البكاء لخشيته وتقواه، فلا يهمه هذا لأنه مخلص، لكن قال في الحديث: خالياً؛ لأنه أبعد عن الشبهة وأبعد عن الرياء والسمعة. يقول ابن القيم في كتاب روضة المحبين ونزهة المشتاقين: قال تقي الدين بن شقير: خرجت يوماً من الأيام وراء شيخ الإسلام ابن تيمية، فمر شيخ الإسلام في طريق حيث أراه ولا يراني، فانتهى إلى مكان فرأيته رفع طرفه إلى السماء، وقال: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، ثم بكى، ثم قال: وأخرج عنك من بين البيوت لعلني أحدث عنك النفس بالسر خالياً فهذا من الذين ذكروا الله وهم في خلوة. وذكر الله لا يلزم أن يكون تسبيحاً وتكبيراً وتحميداً في الخلوة، لكن يقول أهل العلم: من رأى مبتلى فدمعت عيناه، فهو من الذاكرين لله؛ لأن بعض الناس إذا رأى المبتلين دمعت عيناه، إما أن ترى مبتلى قصت يداه أو رجلاه، أو ذهب جمال وجهه، أو فقئت عيناه، أو أصابه في أولاده كارثة، أو فقد وعيه وعقله، فهو يمضي هكذا بلا عقل، أو أتاه مرض عضال عطل حواسه؛ فتدمع العين لهذه الرؤيا، فيكون من ذكر الله، أو ترى آيات الله في الكون، يقول ابن الجوزي: مررت حاجاً فلما بلغت جبال العلا -وهي قريبة من تبوك - قال: فلما رأيت جبال العلا دمعت عيناي والله. وهذا لأن المؤمن قد يتذكر من رؤية الجبال أو السهول أو الأودية أو الأشجار، آيات الله ، فتدمع عيناه فيكون من الذاكرين الله كثيراً والذاكرات، الذين يظلهم في ظله يوم لا ظل إلا ظله. وكذلك قد تدمع العين في خلوة كأن يتذكر ذنوبه وخطاياه، أو يتذكر أحبابه وأقاربه الذين سبقوه، أو يتذكر بعض الأمور التي حصلت له، فيكون من الذاكرين الله . إذا علم هذا؛ فإن أهل العلم يقولون: يكفي مرة واحدة في العمر أن تبكي خالياً، فتكون من الذين يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله، وأحسن ما يذكر الله في جوف الليل الغابر، أو في آخره.

стр. 2878

حب المساجد الرجل الخامس: رجل قلبه معلق بالمساجد، وهذا وجه بلاغي، وهي كناية عن حضور القلب، وحضوره مع الصلوات، وهذه صفة لطائفة من الناس من الأخيار يؤتيهم الله من الاستقامة ما الله به عليم، وكان أحد الصالحين في الأفلاج، وقد توفي قبل ثلاثين سنة، اسمه محمد بن عثميين وهو شاعر، قالوا عنه: مكث ثلاثين سنة ما زار أحداً ولا وصل أحداً، ولا جلس إلا مع أهله من البيت إلى المسجد، يفتح مصحفه بعد صلاة الفجر إلى الظهر، وكان صائماً طيلة الثلاثين السنة، وكان لا يفتأ يذكر الله . وذكروا أن بعض العباد انقطعوا لله ، فكانت قلوبهم معلقة، وسوف يأتي بيان بهذه الجملة. وقوله: (قلبه معلق) فليس معناه أنه ترك قلبه في المسجد وذهب، لا معناه أن قلبه متوله بالمسجد، ولذلك تجد بعض الصالحين ينظر إلى ساعته دائماً: متى يؤذن؟ تأخر المؤذن؟ كم بقي؟ متى تؤذنون في هذا البلد؟ فقلبه دائماً معلق بالمسجد، غير الذين سهوا ولغوا وانصرفت قلوبهم، فإنه لا يقوم إن كان يريد أن يصلي إلا في آخر الوقت، وإذا أتى إلى الصلاة أتى ساهياً وقد صلى الناس , وقد تفوته الصلاة وينسى، لأن قلبه ما حضرت فيه عظمة الله، ولا كانت فيه منزلة لله ، وإلا فإن الإنسان المؤمن لا ينسى الله فإذا ذهب الظهر وأتى العصر قال: والله نسيت صلاة الظهر، فإذا أتى العصر قال: ذهبنا مع فلان وتمشينا ونسينا العصر أهذا مؤمن؟ دائماً حاله هكذا! فإذا قلت له: صليت مع الجماعة. قال: نسيت ما تذكرت الوقت، ذهب عني. حتى يقول أبو الأعلى المودودي في رسالته كيف تقرأ القرآن يقول: هذا الدين يجب أن يكون في رأسك مثل الصداع، هل تنسى الصداع الذي في رأسك؟ تنزل السوق والصداع في رأسك، وتدخل المسجد والصداع في رأسك، وأنت جالس في البيت والصداع في رأسك ولا تنساه، فكيف ينسى الإنسان المسجد وهو بيت الله . قيل عن الإمام الأعمش ﵀، أحد رواة الصحيحين، من الذين حفظوا كثيراً من دواوين الإسلام والحديث النبوي: حضرته الوفاة فبكى ابنه كثيراً، فقال لابنه: ابك أو لا تبك، فوالله ما فاتتني تكبيرة الإحرام مع الإمام ستين سنة. وهذا من باب حسن الظن بالله عند سكرات الموت. وذكر ابن الجوزي عن عامر بن ثابت بن عبد الله بن الزبير أنه ما كان يترك المسجد، بل كان يأتي قبل الصلاة بأوقات، فأتى يوماً من الأيام في الصف الثاني، فقال: الله المستعان! والله ما صليت في الصف الثاني منذ عقلت رشدي، لم أصلّ إلا في الصف الأول. قالوا: فلما حضرته الوفاة وهو في سكرات الموت أو قبلها بقليل سمع أذان المغرب، فبكى بكاءً طويلاً، فقالوا: مالك؟ قال: يصلي الناس في المسجد وأصلي في البيت. قالوا: أنت مريض. قال: والله لن يكون إلا خروج نفسي أو أصلي مع الناس، احملوني إلى المسجد. فحملوه فلما صلى مع الناس قبضه الله في آخر سجدة. فسلم الناس وإذا هو ساجد لله ، حركوه فإذا هو ميت، فقالوا لأبنائه: ما هذه الميتة السعيدة الحسنة؟ فقال أبناؤه: والله ما كان أبونا يقوم أي يوم إلا ويقول: اللهم إني أسألك الميتة الحسنة. فقلنا له: يا أبه، ما هي الميتة الحسنة؟ قال: أن يتوفاني الله وأنا ساجد. فلبى الله له ما سأل فتوفي وهو ساجد. هذا لأن الله علم الصدق منه، ولذلك يقول ﵊: ﴿ورجل قلبه معلق بالمساجد﴾ أي: لا يفتأ. وكان سيد الخلق ﵊ إذا ازدحمت عليه الأمور والأحزان قال: ﴿أرحنا بها يا بلال﴾. وقل لـ بلال العزم من قلب صادق أرحنا بها إن كنت حقاً مصلياً توضأ بماء التوبة اليوم مخلصاً به ترقَ أبواب الجنان الثمانيا وكان ﵊ -كما تقول عائشة - يشتغل بمهنة أهله يقطع مع أهله اللحم، ويخسف نعله ويرقع ثوبه، ويحلب شاته، ويكنس بيته، وهو أشرف من خلق الله ، قالت عائشة ﵂: ﴿فإذا سمع النداء، قام من مجلسه، فكأنه لا يعرفنا ولا نعرفه﴾. وذكروا في السير أن أحد الصالحين كان يعمل نجاراً، لأن الطائفة المنصورة أو أهل النجاة يجعلهم الله موزعين في الناس، من عالم وإمام ومسئول وفلاح وتاجر ونجار ومدرس ومعلم إلى غير ذلك من الأصناف. فقالوا: كان يشتغل بالنجارة فإذا سمع النداء لا يرد المطرقة، وإنما يسقطها وراءه ويقوم. إذا علم هذا؛ فمعنى (قلبه معلق بالمساجد) أنه دائماً يتذكر بيوت الله، وأوقات الصلاة، فإذا صلى الظهر تذكر العصر، فقلبه دائماً بالأشواق، وهذا مجرب عند كثير من الناس، حتى أن من الصالحين ولو لم يُؤْتَ علماً كثيراً، فإنك تجده إذا صلى المغرب يجلس مع أهله ومع أطفاله، يمازحهم ويداعبهم، ولكن بعد الفترة والأخرى ينظر في الساعة، أو يقول: أسمعتم الأذان؟ هل قرب العشاء؟ فهو يسأل لأن قلبه دائماً مستنفر. أما المنافق فإنه إذا صلى ضاع الوقت ما لم يحرك وينبه ويصاح عليه -نسأل الله العافية- فإذا صلى فريضة تذكر الأخرى. قال عدي بن حاتم الطائي، كما في كتاب الزهد للإمام أحمد: والله ما دخلت عليَّ صلاة والحمد لله إلا كنت لها بالأشواق وتوضأت قبلها. وكان أهل المدينة لا يؤذن المؤذن إلا وقد امتلأت الصفوف في المسجد، فتناقص الحال مع تناقص خيرية الأمة، حتى يأتي المحسن منهم عند الإقامة، ثم تناقص حتى أن بعضهم لا يأتي إلا وقد صلى الناس فيسلم عليهم وهم خارجون من المسجد، ويقول: أصليتم؟ وهو يعرف أنهم صلوا، لكنه يريد أن يعتذر، كأنه لم يعرف. وقد قال أحد الصالحين: فاتتني صلاة العصر في جماعة، فما عزاني أحد، ومات ابني فعزاني أهل البصرة جميعاً، فوالله الذي لا إله إلا هو إن مصيبة تلك الصلاة بقيت في قلبي ومصيبة ابني ما أحسست بها. وذكر صاحب الحلية: أن أحد الصالحين فاتته صلاة العشاء في جماعة في حياته مرة واحدة، فقال: الله المستعان! ما فاتتني صلاة في جماعة إلا هذه الصلاة، والرسول ﷺ يقول: ﴿صلاة الجماعة تفضل على صلاة الفذ بسبع وعشرين درجة﴾ لا جرم لأصلينها سبعاً وعشرين مرة، فقام فصلاها سبعاً وعشرين مرة ثم نام، فرأى في المنام أن خيالة عليهم ثياب بيض، وإذا هم جماعة في المسجد وقد ذهبوا، وهو وراءهم على أرجله، يمشي ويجري ويحاول أن يصل فلا يلحق، وفي الأخير التفت إليه أحدهم وقال: لا تحاول، نحن صلينا في جماعة وأنت صليت وحدك. وقد أعادها سبعاً وعشرين مرة. حتى أن ابن تيمية يقول: بل صلاة الجماعة واجبة، ويرى هو -كما ينقل صاحب السلسبيل - أنها شرط في صحة الصلاة، وإذا تخلف عنها المتخلف فإنه يحارب ويحرق بيته. وقال: هو حكم رسول الله ﵊. وقال: فإذا استطاع الإمام أن يحرق بيته فليحوط عليه بيته إذا لم يكن فيه ذرية ولا نساء، فإذا علم أن الرجل تخلف ولم يكن له عذر، فإنه يحرق عليه بيته، وهو حكم رسول الله ﷺ . لكن هذا الأمر لا يتأتى، لأنه قد بلغ السيل الزبا، وقد أصبحنا نقول: يكفينا الله من الكفر أن يدخل بيوتنا وحاراتنا، فنحن نعتصم بالله . قال : ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ * رِجَالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْماً تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ﴾ [النور:٣٦ - ٣٧] فهؤلاء دائماً قلوبهم معلقة بالمساجد، فهم ينتظرون القدوم على الله ، فكأنهم تركوا قلوبهم معلقة في المساجد وذهبوا بأجسامهم إلى البيوت. فمن أراد أن يظله الله ، فليحرص على أن يكون المسجد مدرسته الروحية، وأن يتذكر كلما تكاسل أن الله سوف يظله في ظله يوم لا ظل إلا ظله كلما أتى إلى المسجد، وأنه سوف يمشي في النور التام كلما مشى في الظلمات إلى المساجد، وأن كل خطوة ترفع درجة وتحط خطيئة، فنسأله أن نكون من هذا الصنف.

стр. 2879

إخفاء الصدقة الصنف السادس: رجل تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه، وفي بعض الروايات قلب على بعض الرواة فقال: حتى لا تعلم يمينه ما تنفق شماله. والصحيح: حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه؛ لأن التي تنفق هي اليمين، وهي التي تعطي، وليس معنى ذلك أن الشمال تدري، وبعض الصالحين حملوها على هذا المعنى فكانوا يخفون شمائلهم؛ كان أحدهم إذا أراد أن يتصدق أخفى شماله ثم أعطى بيمينه، وهذا معنى رقيق ولطيف. ولكن المعنى الصحيح: أنه من إخفائه في الصدقة لا يعلم به إلا الحي القيوم، لا يدري أحد أنه تصدق إلا الله ، فإذا أراد أن يتصدق أخفى ثم أعطى الفقير أو المسكين أو المستحق فلا يدري أنه تصدق إلا الله، ولذلك جاء في الحديث وهو يقبل التحسين: أن الله يضحك لثلاثة -وضحكه يليق بجلاله، لا تكييف، ولا تشبيه، ولا تعطيل، ولا تمثيل، إنما له صفة ضحك تليق به يضحك لثلاثة: الأول منهم: رجل سافر مع قافلة، فمشوا إلى آخر الليل، ثم قالوا: نريد أن ننام، فأنزلوا أمتعتهم وأغراضهم وأرادوا النوم، بعد تعب وإعياء ومشقة لا يعلمها إلا الله، فلما وقعوا في الأرض ناموا إلا هذا الرجل ترك النوم، بل قام فتوضأ بالماء البارد وقام يصلي على تعبه في السفر، ويدعو الله ، فيقول الله: انظروا إلى عبدي، ترك النوم، وأتى إلى الماء البارد وتوضأ منه يتملقني ويدعوني، أشهدكم أني قد غفرت له وأدخلته الجنة. الثاني: رجل كان في سرية يقاتل الأعداء، فلما اقتربت من الأعداء فرت هذه السرية -وهي مسلمة- إلا هذا الرجل قام وقال: يا سبحان الله! أنفر من أعداء الله؟ والله لا أفر هذا اليوم. فخلع درعه ولقي العدو حاسراً لا درع عليه، فقاتل حتى قتل، فقال الله لملائكته: أشهدكم أني قد غفرت له وأدخلته الجنة. ورجل ثالث كان في قافلة في سفر فمر بهم فقير مسكين محتاج، فمد يديه وقال: أسألكم بالله الذي لا إله إلا هو، أنا منقطع بي الحال أن تؤتوني مما آتاكم الله. قال: فلم تلتفت له القافلة، إلا هذا الرجل تخلف عنهم حتى اختفوا وراء أكمة أو جبل، فأخذ شيئاً من المال وأعطاه الفقير ومسح على رأسه، فقال الله: يا ملائكتي أشهدكم أني قد غفرت له وأدخلته الجنة. فهذا رجل تصدق بصدقة وتخفى عن تلك القافلة حتى لا يعلم بصدقته إلا الله. وذكروا أن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب، وهؤلاء ذرية بعضها من بعض والله سميع عليم. نسب كأن عليه من شمس الضحى نوراً ومن فلق الصباح عموداً فنحن نحبهم ونتقرب إلى الله بحبهم، أبناء فاطمة بنت رسول الله ﵊. كان علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب يسمى زين العابدين، قال عنه الذهبي في سير أعلام النبلاء: أنه كان يصلي في الليل ألف ركعة. ولا ندري ما صفة هذه الصلاة، لكن هذه الرواية وردت، إما أنه كان يختصر في الصلاة ويقرأ الفاتحة ويكثر، أو كان يحسب بالنهار والليل، ولكن أحسن الهدي هدي محمد ﷺ . إنما الشاهد: أنه كان يخرج كل ليلة، فيأخذ من الدقيق ومن السمن على ظهره، ويمر على فقراء المدينة ويعطيهم في ظلام الليل بحيث لا يراه إلا الله، فعلم أهله بعد فترة فلما أتوا يغسلونه -وقد توفي- وجدوا آثار خيوط الحبال على كتفه، فسألوا أهله، فقالوا: إنها من كثرة ما كان يحمل على كتفه من الدقيق ومن التمر والزبيب، ويوزع على فقراء المدينة كل ليلة. فهذا من الصنف الذي أخفى صدقته بحيث لا يراه إلا الله .

стр. 2880

العفة ومراقبة الله الصنف السابع: رجل دعته امرأة ذات منصب وجمال فقال: إني أخاف الله رب العالمين. قالوا: هذه نهاية المراقبة لله الحي القيوم، فهي امرأة وهو مشتهٍ لها، ليس عنده أهل، ثم إنها ذات منصب، ومعنى ذلك أنه لا يخاف، فإن ذات المنصب يمكن أن تخرج نفسها وتخرجه بخلاف غيرها، وهي لا تخاف من إقامة حدود، ولا تخاف أن يظهر عليها أحد، أو يحبسها قوم، فهي ذات منصب، ثم هي ذات جمال، فهي تدعو بجمالها، لأن بعض الناس قد يترك هذه الأمور لأن المرأة ليست جميلة. فقال: إني أخاف الله. فكان حقاً على الله أوجبه على نفسه أن يظل هذا وأصنافه وأضرابه في ظله يوم لا ظل إلا ظله. وأولهم يوسف ﵇، يقول ابن تيمية كما ينقل عنه ابن القيم في مدارج السالكين: فأما يوسف ﵇، فإن الله بلغه تلك المنزلة لأمور منها: أنه كان غريباً، والغريب لا يخاف من العار، ومنها: أنه كان أعزباً ليس عنده أهل، وهو أدعى إلى الفاحشة، أو أدعى إلى أن يتمتع، ومنها: أن المرأة هذه كانت ذات منصب، فإنها بإمكانها أن تخرجه وتخرج نفسها، ومنها: أنها ذات جمال، فهي امرأة ملك، فترك ذلك كله لله ، فكان سيد كل من دعته امرأة ذات منصب وجمال، فقال: إني أخاف الله رب العالمين. وذكر صاحب حلية الأولياء وصفة الصفوة: أن مسلم بن يسار أحد الصالحين، كان من أجمل الناس وهو شاب، فخرج من المدينة إلى مكة ليعتمر، فلما كان في الطريق عرضت له فتاة من أجمل الفتيات، فدعته إلى نفسها فبكى كثيراً، فاجتمع عليه أصحابه فقالوا: مالك تبكي؟ قال: لأمر. فاستحلفوه فأخبرهم، فلما بدأ العمرة وطاف صلى ركعتين عند المقام ثم نام وهو جالس، فرأى يوسف ﵇ كأنه يطوف، فقال مسلم بن يسار: من أنت؟ قال: أنا يوسف الذي هممت، وأنت مسلم بن يسار الذي لم يهم. هكذا أوردها أهل العلم، وكان من أعظم المراقبة لله أن يأتي الإنسان إلى هذه الأمور فيتذكر عظمة الله فيكف نفسه. ولذلك يقول الأندلسي وهو يوصي ابنه: وإذا خلوت بريبة في ظلمة والنفس داعية إلى الطغيان فاستح من نظر الإله وقل لها إن الذي خلق الظلام يراني وقال الأول: إذا ما خلوت الدهر يوماً فلا تقل خلوت ولكن قل عَلَيَّ رقيب

стр. 2881

الأسئلة

стр. 2882

الدلائل التي نعرف بها تحقق صفات السبعة الذين يظلهم الله السؤال ما هي الدلائل التي تجعلنا نعرف أننا من هؤلاء السبعة أو من بعضهم؟ وما هو العلاج للإنسان الذي حاول أن يتفكر في خلق الله من الآيات الكونية وغيرها ويتأثر بذلك؟ الجواب أما الأمور التي تعرفنا أننا من السبعة أو أن فينا صفة من صفات هؤلاء السبعة، فنحن شهداء الله في أرضه، قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ﴾ [البقرة:١٤٣] فمن شهد له المسلمون بخير فهو من أهل الخير، ومن شهدوا عليه بالسوء فهو من أهل السوء، ومن شهد له أهل القبيلة والحارة بالخير فهم شهداء الله عليه يوم القيامة، وقد جاء في الصحيح: ﴿أن جنازة مرت بالنبي ﷺ ، فأثنوا عليها خيراً فقال: وجبت، وجبت، وجبت. وأثنوا على الثانية شراً، فقال: وجبت، وجبت، وجبت. فقال عمر: ما وجبت يا رسول الله؟ قال: الأولى أثنيتم عليها خيراً فقلت: وجبت لها الجنة، والثانية أثنيتم عليها شراً، فقلت: وجبت لها النار، أنتم شهداء الله في أرضه﴾. والمسلم قد يعرف من نفسه بالدلائل، مثلاً في صفة الرجل الذي قلبه معلق بالمساجد، يعرف هل هو يحب المسجد أم لا؟ وهل هو محافظ على الصلوات؟ وهل ما فاتته فريضة في جماعة؟ فإذا عرف بذلك فليبشر نفسه، ولكن لا يغتر ولا يعجب بنفسه، وليكن بين الخوف والرجاء. وهو يعرف نفسه هل ذكر الله ذات مرة خالياً ففاضت عيناه؟ إلى غير ذلك. فالدلائل قائمة من نفسك ومن الناس، ويحاول المؤمن أن يطلب شهادة الناس عند الله؛ ليكونوا له شهداء عند الله ، فإن الله يستشهد كل قبيل على قبيلهم، ويستشهد كل جمع على من خالطهم ومن زايلهم، فليحرص المؤمن على أن يكون ذكره حسناً، وأن تكون شهادة المؤمنين مقبولة عند الحي القيوم. وأما العلاج الذي يتفكر له الإنسان في الخلوات، فما هو إلا الدربة، وكلما خلا يحاول أن يتفكر وأن يتباكى إذا لم يبك، فمن تباكى له أجر من بكى، لأنه ليس كل إنسان يستطيع، وبعض الناس لشكيمته ولنفسه ولو أن فيه صلاحاً وخيراً لا يستطيع أن يبكي، فعليه أن يتباكى كما كان عمر ﵁، فقد رأى الرسول وأبا بكر يبكون فتباكى معهم. فإذا لم يبك فليتباكى، وليتأمل بلا بكاء، فإن الله لا يحرمه الثواب والأجر. أيها الإخوة! هذا الحديث من أعظم الأحاديث التي وردت عنه ﷺ ، ومن الأحاديث التي ينبغي أن يعيش المسلم في رياضها، وأن يحاول أن يدخل مع هؤلاء السبعة، أو يدخل مع المتطفلين، فإذا لم تكن مع الصادقين فادخل مع المتطفلين، فإن الله لا يرد ضيافة المتطفل. نسأل الله أن يجعلنا منهم، وأن يحشرنا في زمرتهم، وأن يظلنا في ظله يوم لا ظل إلا ظله، وأن يسقينا من حوض نبيه شربة لا نظمأ بعدها أبداً. سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين. وصلى الله على محمد وعلى آله وصبحه وسلم تسليماً كثيراً.

стр. 2883

من كنوز السيرة ذكر الشيخ سدده الله في هذا الدرس آخر خطبة لعمر ﵁ مستعرضاً ما فيها من فرائد الفوائد ومجلياً ما احتوت عليه من بيان فضيلة الصحابة وتواضعهم عامة وأبي بكر وعمر خاصة، وأهمية الشورى وما تجنيه من محاسن، وكيفية البيعة لأبي بكر، وأن الخلافة لم يرد في تحديدها نص شرعي، وختم الدرس بذكر بعض مناقب عمر ﵁، وقصة وفاته جمعه الله مع رفيقيه في عليين وجمعنا معهم آمين.

стр. 2884

آخر خطبة لعمر بن الخطاب اللهم لك الحمد خيراً مما نقول، ومثل ما نقول، وفوق ما نقول، عز جاهك، وجل ثناؤك، وتقدست أسماؤك، ولا إله إلا أنت، اللهم صلِّ وسلم على رسولك ونبيك الذي بعثته رحمة للعالمين، صلِّ وسلم على من اجتمعنا على ميراثه وعلى مائدته. نسينا في ودادك كل غال فأنت اليوم أغلى ما لدينا نلام على محبتكم ويكفي لنا شرفاً نلام وما علينا ولما نلقكم لكن شوقاً يذكرنا فكيف إذا التقينا تسلى الناس بالدنيا وإنا لعمرو الله بعدك ما سلينا اللهم بلغه منا الصلاة والسلام، واعرض عليه صلاتنا وسلامنا في هذه الساعة المباركة. اللهم صل عليه دائماً وأبداً؛ كلما بقي في الأرض مسلمون وإسلام، وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. أمَّا بَعْد: فسلام الله عليكم ورحمته وبركاته معنا لطائف من السيرة وتحف من أخبار أصحاب محمد ﷺ ، نجوم الهداية، ورسل السلام إلى العالم، وكلهم نجوم، وكل واحد منهم نجم يهتدى به. من تلق منهم تقل لاقيت سيدهم مثل النجوم التي يسري بها الساري يقول الإمام البخاري ﵀ في كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة، وفي كتاب المحاربين، وفي كتاب فضائل الصحابة، يقول ﵀: حدثنا موسى بن إسماعيل، قال: حدثنا عبد الواحد، قال: حدثنا معمر، عن الزهري ﵀ عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة عن ابن عباس حبر القرآن وترجمانه، ﵄ قال: [[كنت حججت في آخر حجة حجها عمر ﵁ وأرضاه، قال: وكنت في خيمتي في منى أقرئ الصحابة -أصحاب الرسول ﵊ من المهاجرين والأنصار- فدخل عليّ عبد الرحمن بن عوف، وكنت أقرئهُ القرآن - عبد الرحمن أحد العشرة المبشرين بالجنة يقرئه ابن عباس القرآن- قال: فلما دخل عليّ قال: يا بن عباس! أما تدري ماذا حدث اليوم؟ قلت: لا والله، قال: إن رجلاً أتى عمر أمير المؤمنين يزعم أنه سمع رجلاً يقول: إذا مات عمر أو قتل بايعت فلاناً بالخلافة، قال: فغضب عمر، وقال: سوف أقوم في أهل منى -الحجاج- وأتكلم فيهم عن هؤلاء الذين يغصبوهم أمورهم، قال عبد الرحمن بن عوف وهو يتكلم مع ابن عباس فقلت لـ عمر: يا أمير المؤمنين! لا تقم في منى، فإن منى فيها الغوغاء وفيها رعاع الناس، وسوف يحملون كلامك على غير محمله، ويطيرون به في الآفاق، ولكن اصبر وتمكن، فإذا رجعت إلى المدينة المنورة، التي هي دار الهجرة، وفيها السنة وأهل الخير ووجوه الناس، فقل ما تشاء أن تقول، وأنت متمكن، قال عمر: إي والله، والله (إن شاء الله) لأقومن أول قدومي على المنبر في المدينة فأخبر الناس بهذا الأمر، قال ابن عباس ﵄: فلما رجعنا من تلك الحجة رأيت عمر عند الجمرات، وقد اضطجع على ظهره ورفع يديه -بعدما انتهى من الحج، وقد شاب رأسه، وطال عمره- وقال: [[اللهم إني قد رق عظمي ودنا أجلي، وكثرت رعيتي، اللهم فاقبضني إليك غير مفرط ولا مفتون، ثم قال: اللهم إني أسألك شهادة في سبيلك، وموتة في بلد رسولك]] فأخبروا ابنته حفصة ﵂ وعن أبيها، فقالت: يا أبتاه! أتسأل الشهادة في المدينة؟ قال: إي والله يا بنية! قال: فعاد ﵁ وأرضاه، فلما كان في آخر جمعة -آخر جمعة يصلي فيها عمر بالناس ويقوم فيهم خطيباً- قال ابن عباس: فبكرت بعد أن زاغت الشمس -هذا تبكير عند ابن عباس وهذه رواية البخاري - قال: فلما زاغت الشمس بكرت فأتيت المسجد بجوار سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل أحد العشرة المبشرين بالجنة، قال: فجلست بجانبه وركبتي تصتك في ركبته، فقلت له: ليقولن عمر اليوم كلاماً ما قاله قبل اليوم، فقال سعيد بن زيد: ماذا عساه أن يقول؟ وأنكر عليّ، قال: فرأيت عمر ﵁ وأرضاه أقبل، فصعد المنبر وسلم على الناس، فلما انتهي المؤذن من أذانه، قام عمر آخر قومة قامها في المسلمين فقال: السلام عليكم ورحمة الله بعد أن حمد الله وأثنى عليه قال: أيها الناس! إنه كان فيما أنزل على رسول الله ﷺ في كتاب الله حد الثيب المحصن إذا زنى فإنه يرجم، والذي نفسي بيده لقد قرأناها وأقرأناها رسول الله ﷺ ، وكان فيما أنزل عليه في الكتاب -أي: في القرآن- (الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة) وإني أخشى إذا طال بكم الأمد أن ينكرها قوم فيضلوا، فوالله لقد أنزلت على رسول الله ﷺ ، والذي نفسي بيده لولا أن يقول الناس: زاد عمر في كتاب الله لكتبتها بيدي، ثم قال: أيها الناس! إن الرسول ﷺ يقول: ﴿لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم ولكن أنا عبد الله ورسوله، فقولوا: عبد الله رسوله﴾.

стр. 2885

قصة مبايعة أبي بكر ﵁ ثم قال: أيها الناس! إنني سمعت أن بعضكم يقول: لو مات عمر بايعت فلاناً، وفي صحيح مسلم (وإني قد علمت أن أقواماً يطعنون في هذا الأمر أنا ضربتهم بيدي هذه على الإسلام فإن فعلوا ذلك فأولئك أعداء الله الكفرة الضلال، وسمعت أنهم يقولون: إن بيعة أبي بكر كانت فلتة وقد كانت كذلك، ولكن الله وقى شرها، وأبو بكر لا يشق له غبار، ولا تضرب أعناق الإبل لمثل أبي بكر، ثم بدأ يسوق القصة، قال: أتدرون ما خبرنا وخبر أبي بكر لما بويع بالخلافة؟ فسكت الناس، قال: لما توفي الرسول ﵊ اجتمعنا حول مسجده ﷺ وكثر اللغلط واللهج وارتفع البكاء، فظننت والله أن الرسول ﵊ لا يموت في ذاك اليوم حتى يدبرنا، قال: فلما تيقنت الخبر، أتانا رجلان صالحان من الأنصار، وقد علما أن الرسول ﵊ توفي، فقالا لنا - (الأنصاريان) قالا لـ أبي بكر ولـ عمر ولـ أبي عبيدة -: أدركوا الأنصار فقد اجتمعوا في سقيفة بني ساعده، يريدون أن يؤمروا أميراً منهم بالخلافة، وهو سعد بن عبادة، فقلت لـ أبي بكر: اذهب بنا، قال أبو بكر: لا تدخل بنا عليهم، قال عمر: والله لندخلن عليهم وما عسى أن يصنعوا، قال: فدخلنا عليهم جميعاً فلما جلسنا، قال عمر: كنت زورت في صدري كلاماً -أي: خطبة زورها وهيأها وجهزها في صدره- قال: وكنت أرى بعض الحدة -بعض الغضب- في أبي بكر وخشيت منه، وأوقره لمكانته في الإسلام، فأردت أن أتكلم فقال: اسكت، قال: ثم اندفع يتكلم على البديهة، والله ماترك كلمة كنت زورتها في صدري إلا أتى بأحسن منها. قال الشافعي بسنده: حدثنا الثقة عن الشعبي أنه قال: لما اجتمع أبو بكر ﵁ وأرضاه بالأنصار، اندفع خطيباً فأثنى على الله وحمده وصلى على الرسول ﵊، وقال: أمَّا بَعْد: فأنتم أحسنتم وكفيتم وآويتم ونصرتم، فجزاكم الله عن الإسلام خير الجزاء، والله يا معشر الأنصار! ما مثلنا ومثلكم إلا كما قال طفيل الغنوي: جزى الله عنا جعفراً حيث أشرفت بنا نعلنا في الشارفين فزلتِ هم خلطونا بالنفوس وألجئوا إلى غرفات أدفأت وأظلتِ أبوا أن يملونا ولو أن أمنا تلاقي الذي يلقون منا لملتِ ثم قال: يا عمر! ابسط يدك لأبايعك، قلت: والله لا أبايع بالخلافة في قوم أنت منهم، ولأن أقدم فيضرب رأسي في غير محرم أحب إليَّ من أن أتقدم بقوم فيهم أبو بكر، فقال: يا أبا عبيدة! ابسط يدك أبايعك بالخلافة، قال: لا والله، قلنا: ابسط يدك يا أبا بكر! فبسطها فبايعناه فأخذ الأنصار يبايعون معنا، وسعد بن عبادة مريض مزمل في ثبابه، وهو من ساداتهم. فيقول قائلهم وهو الحباب بن المنذر: أتيتكم برأي، قلنا: وما هو؟ قال: أنا جذيلها المحكك وعذيقها المرجب، منا أمير ومنكم أمير، فرفضنا هذا الرأي وبايع الأنصار أبا بكر، فقال قائل منهم: قتلتم سعد بن عبادة وهو في ثيابه، قال عمر: قتله الله! فلما بايعوا أبا بكر، عاد إلى المسجد، فتكلم عمر قبله، وأثنى على أبا بكر، قال أنس: فرأيت عمر يجذب بكم أبي بكر ويزعجه إزعاجاً إلى أن قام وبايع الناس وهو يبكي ويده ترتعد ﵁ وأرضاه من هول الموقف، وعمر يأخذ بيد أبي بكر وهو يبايع الناس، قال ابن عباس: ثم عاد عمر إلى حديثه في الخطبة قال: وإني رأيت البارحة فيما يرى النائم أن ديكاً ينقرني ثلاث نقرات، فسألت أسماء بنت عميس الخثعمية، فأخبرتني أنني سوف أقتل، فالله المستعان، وسوف أطعن ثم غلبه البكاء، فغلب الناس البكاء، فما هي إلا ليلة فقتل ﵁ وأرضاه في المسجد في صلاة الفجر، فرزقه الله الشهادة وهو في مسجد رسول الله ﷺ وفي بلده، ورفعت روحه إلى الحي القيوم: ﴿يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ * ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً * فَادْخُلِي فِي عِبَادِي * وَادْخُلِي جَنَّتِي﴾ [الفجر:٢٧ - ٣٠].

стр. 2886

فوائد من خطبة عمر بن الخطاب

стр. 2887

أخذ العلم عن الصغير الفائدة الأولى: في هذا الحديث هي: أخذ العلم عن أهله وإن صغروا في السن. هذا استنباط من ابن حجر العسقلاني في فتح الباري، لأن ابن عباس ﵄ علم عبد الرحمن بن عوف القرآن، وعبد الرحمن بن عوف خير منه، وهو من العشرة المبشرين بالجنة، فكان ابن عوف يتعلم القرآن على يد ابن عباس، وكم كان عمر ابن عباس آنذاك؟ كان دون الثلاثين، وكان يدخل مع أهل الشورى على عمر، ولا يدخل إلا من له سابقة في أهل الإسلام، إما من المبشرين بالجنة، أو من أهل بدر، أو من الذين لهم قدم صدق عند الله ، حتى الفتح من الشيوخ الكبار، ما كانوا يدخلون أبداً مع عمر، ولذلك قال بعض الصحابة: كيف يدخل عمر الغلام ولنا أبناء مثله، قال ابن عباس: فدعاني عمر فعلمت أنه ما دعاني إلا ليعلمهم (فهمي) في القرآن، فقال للأنصار والمهاجرين وهم مجتمعون: ما تقولون في قوله : ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ * وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجاً * فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّاباً﴾ [النصر:١ - ٣]. فأجاب كل بما يصلح ولم يصيبوا. فقال: يـ ابن عباس! ما تقول فيها؟ قلت: أجل رسول الله ﷺ نعي له، فقال عمر: والله ما أعلم منها إلا ما تعلم أنت، فرضي الصحابة بمجلس ابن عباس. وكان عبد الرحمن بن عوف من السادات في الإسلام، بل صلى إماماً بالرسول ﷺ كما في حديث المغيرة الصحيح، قال: ﴿خرجنا في غزاة -أي: غزوة- قال: فقمنا لصلاة الفجر، فذهب ﷺ يقضي حاجته فتأخر علينا فأقمنا للصلاة، فقال الناس لـ أبي بكر: تقدم فأبى، فقال الناس لـ عمر: تقدم فأبى، فقالوا لـ ابن عوف: تقدم، فتقدم فصلى بهم، فأتى رسول الله ﷺ وقد صلوا ركعة، وبقيت ركعة فأكملها، فلما سلموا استحيوا كثيراً وخجلوا من هذا الموقف، أن كان رسول البشرية ﷺ مأموماً وهم قد قدموا إماماً، فالتفت إليهم بعد أن سلم ﷺ ، وقال وهو يتبسم: ﴿أصبتم وأحسنتم﴾. دل ذلك على أنه ﷺ رضي بإمامة عبد الرحمن بن عوف وعبد الرحمن على جلالته في الإسلام، قدم ابن عباس وتعلم منه وتواضع له، وعمر ابن عوف آنذاك أكثر من خمسين سنة، وعمر ابن عباس ثمانية وعشرون سنة. ولذلك يقول ابن القيم في بدائع الفوائد: يا أيها المسلم! لا تأنف من طلب العلم ولا من أخذ الحكمة والفائدة عن أي أحد كان، فإن سليمان بن داود ﵇ ما تكبر ولا استنكف على الهدهد حين أتى من أرض اليمن، فقال له سليمان: ماذا أخرك؟ قال: ﴿وَجِئْتُكَ مِنْ سَبَأٍ بِنَبَأٍ يَقِينٍ﴾ [النمل:٢٢] ثم سرد عليه القصة، وبدأ ينكر في مجلس سليمان على أهل الشرك شركهم، ويقول: ﴿إِنِّي وَجَدْتُ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ * وَجَدْتُهَا وَقَوْمَهَا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ فَهُمْ لا يَهْتَدُونَ * أَلَّا يَسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي يُخْرِجُ الْخَبْءَ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَيَعْلَمُ مَا تُخْفُونَ وَمَا تُعْلِنُونَ﴾ [النمل:٢٣ - ٢٥]. فارتاح سليمان ﵇ لهذا الكلام وتواضع له، وما أنكر عليه، وعلم أن هذا الهدهد موحد، وأن تلك المرأة مشركة بالله الحي والقيوم. ثم ذكر ابن القيم أن الرسول ﵊ قرأ القرآن على أبي بن كعب وأبي بن كعب سيد القراء إلى يوم القيامة، سنده موصول برب العالمين أخذ القرآن عن الرسول ﵊، وأخذ الرسول ﷺ القرآن عن جبريل، وأخذه جبريل ﵇ عن رب العالمين ﵎. ولذلك في صحيح البخاري ﴿لما أنزل الله قوله ﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ مُنْفَكِّينَ حَتَّى تَأْتِيَهُمُ الْبَيِّنَةُ﴾ [البينة:١] قال جبريل: إن الله يأمرك أن تقرأ هذه السورة على أبي بن كعب، فذهب ﵊ إلى أبي المنذر -وهو خزرجي من زعماء الأنصار- فقال: يا أبا المنذر! قال: لبيك وسعديك يا رسول الله! قال: إن الله أمرني أن أقرأ عليك هذه السورة، قال: أو سماني في السماء ربي؟ قال: إي والله، فبكى أبي ﵁ وأرضاه وقرأ عليه رسول الله ﷺ هذه السورة﴾. وفي صحيح مسلم، قال رسول الله ﷺ : ﴿يا أبا المنذر! -يعني: أبياً - أي آية في كتاب الله أعظم؟ قال: الله ورسوله أعلم، قال: أي آية في كتاب الله أعظم؟ قال: ﴿اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ [البقرة:٢٥٥]. فضرب النبي ﷺ في صدره وقال: ليهنك العلم أبا المنذر!﴾. وهذا من جلالته في الإسلام. إذاً نستفيد من هذا الحديث: تواضع المسلم لأخيه إذا كان يلقي عليه فائدة، أو يتلقى منه حكمة، ولو كان أصغر منه سناً وأقل قدراً فإنه كما قال علي ﵁ وأرضاه: [[الحكمة ضالة المؤمن]] وبعض أهل العلم يرفع هذا إلى الرسول ﷺ ولا يصح. وكذلك كان موسى ﵇ متواضعاً كما ورد في سيرته وترجمته ويكفي أن الله قص سيرته في القرآن، ويقول عن نفسه ﵇: ﴿رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ﴾ [القصص:٢٤]. ولذلك ذكروا أنه كان من أكثر الناس تواضعاً ﵇، حتى كان ابن عباس إذا قرأ في سورة القصص بكى وقال: رحم الله موسى، أتى أرض مدين في إزار من صوف ورداء من صوف، حتى اخضرت بطنه، من الخضار الذي ما وجد سواه أكلاً، ثم قال تحت الشجرة بعد أن سقى للجاريتين: ﴿رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ﴾ [القصص:٢٤]. وفي صحيح البخاري عندما قال رجل من بني إسرائيل: هل تعلم أحداً أعلم منك؟ قال: لا، فأراد الله أن يخبره أن فوق كل ذي علم عليم، فأوحى الله إليه: بلى عبدنا الخضر أعلم منك -يقال: بأسرار أطلعه الله عليها- فقال موسى: لأرحلن إليه. وهذه هي الرحلة في طلب الحديث وطلب العلم، وقد عقد البخاري باب: الرحلة في طلب العلم ثم أتى بهذا الحديث، فأعطى الله موسى ﵇ علامة، وهو المكتل أن يأخذ فيه حوتاً وكان غلامه يوشع بن نون معه، فإذا فقد الحوت فليعلم أن الخضر هناك، قال تعالى: ﴿قَالَ لِفَتَاهُ آتِنَا غَدَاءَنَا لَقَدْ لَقِينَا مِنْ سَفَرِنَا هَذَا نَصَباً﴾ [الكهف:٦٢] فأخبره أنه فقده. ﴿قَالَ ذَلِكَ مَا كُنَّا نَبْغِ فَارْتَدَّا عَلَى آثَارِهِمَا قَصَصاً﴾ [الكهف:٦٤] فوجد الخضر وهو جالس على ساحل البحر فسلم عليه. فتعلم منه موسى، وتواضع له، وموسى أفضل منه، وأعلم بالله منه، عند أهل السنة والجماعة.

стр. 2888

العلم لا يودع عند غير أهله والفائدة الثانية: التنبيه على أن العلم لا يودع عند غير أهله، بل يعلم به أهله، لأن عمر ﵁ وأرضاه أراد أن يتكلم في الحجاج، والحجاج فيهم الأعراب، وفيهم الرعاع وفيهم الذين لا يفقهون شيئاً، وفيهم المنافقون، فأرشده عبد الرحمن بن عوف وقال: هؤلاء يطيرون بكلامك كل مكان، ولكن إذا عدت إلى دار الهجرة في المدينة فتكلم إليهم فإنهم أعقل وأفهم، فمن هذا يؤخذ أنه لا يتكلم بالعلم إلا عند من يستحق، وإذا أعرض عنك الناس ولم يريدوا، فلا تقلدهم علمك ولا تذل نفسك. ولذلك في مستدرك الحاكم بسند فيه كلام عن رسول الله ﷺ ، كما قال الشوكاني في أدب الطلب ومنتهى الأرب: ﴿إن الذي يلقن الحكمة غير مستحقها، كالذي يقلد الدر الخنازير﴾.

стр. 2889

التحدث بما يعقله السامعون الفائدة الثالثة: لا يحدث إلا بما يعقل، أما ما لا يعقله الناس فلا يُحدث به. ولذلك يقول علي ﵁ وأرضاه: [[حدثوا الناس بما يعرفون، أتريدون أن يكذب الله ورسوله]] فإذا أتى الإنسان يحدث الناس بأمور لا تدركها عقولهم كانت عليهم فتنة، قال ابن مسعود ﵁ وأرضاه: [[ما أنت بمحدثٍ قوماً حديثاً لا تبلغه عقولهم، إلا كان لأكثرهم فتنة]] ولذلك أمرنا أن نحدث الناس بما يعرفون وما يفقهون، وأما من يأتي بالخزعبلات، والأحاديث الواهية والموضوعات، ثم يحدث بها الناس فإنها تكون عليهم فتنة. وورد أن كثيراً من الوعاظ استخدموا هذا الأسلوب. وذكر أهل مصطلح الحديث، كـ الذهبي في سير أعلام النبلاء، أن أحمد بن حنبل ﵀ رحمة واسعة ويحيى بن معين ﵀ -العالمان الكبيران المحدثان- ذهبا إلى مسجد في الرصافة يصليان المغرب أحمد بن حنبل إمام السنة، ويحيى بن معين جهبذ الحديث، وناقد الرجال، فصليا المغرب وصلى الناس، فقام واعظ بعد صلاة المغرب، والواعظ هذا لم يعرف الإمام أحمد ولا يحيى بن معين يسمع بهم في الدنيا، ولكن ما عرفهم، فقام الواعظ فقال: حدثنا أحمد بن حنبل وحدثنا يحيى بن معين -وهذا من كيسه فهما لم يحدثاه- قالا: حدثنا فلان عن فلان عن فلان عن رسول الله ﷺ أنه قال: ﴿من قال: لا إله إلا الله خلق الله له طائراً، أما جناحه فمن زبرجد، وأما رأسه فمن ياقوتة حمراء، له بكل شعرة قصر في الجنة﴾ ثم سرد حديثاً طويلاً، فلما انتهى قال الإمام أحمد: تعال، فأقبل وهو لا يعرف الإمام أحمد، فقال الإمام أحمد: أنا أحمد بن حنبل وهذا يحيى بن معين فمن حدثك بهذا الحديث؟ قال: يا سبحان الله! ليس في الدنيا أحمد بن حنبل إلا أنت، ولا في الدنيا يحيى بن معين إلا هذا، والله لقد رويت عن سبعة عشر أحمد بن حنبل وسبعة عشر يحيى بن معين، فضحك الإمام أحمد، وهذا الحديث لا تقره العقول، وكلام الرسول ﵊ تقبله القلوب ولا تنكره، وأما الأحاديث الموضوعة فإن قلبك يقول: هذا ليس بحديث. وأحد هم حبس الناس بعد صلاة العصر في كتاب في الرقائق، قال: يقول ﵊: ﴿من قال سبحان الله غرس الله له سبعين شجرة، ومعها سبعون قصراً في كل قصر سبعون حورية، على كل حورية سبعون وصيفة، على كل وصيفة سبعون لؤلؤة﴾ ثم أخذ يعدد في السبعين، فلما طول على الناس وانتهى، قال: هذا حديث موضوع، فقال الناس: حبستنا على حديث موضوع حبسك الله! المقصود: أن الأحاديث الموضوعة مما تنكرها القلوب ولا تقبلها، فإنها فتنة لكل مفتون، ولا يجوز روايتها إلا أن تذكر أنها موضوعة، فلا يجوز أن تروى على الناس، لا في الرقائق، ولا في الأحكام، ولا في السير، ولا في الفتن، ولا في الملاحم. وشهد التاريخ أن الوضاعين هؤلاء ابتلي بهم العالم الإسلامي، وقد ألف ابن الجوزي فيهم كتاباً كبيراً اسمه الموضوعات، وألف الشوكاني كذلك والملَّا علي القاري وغيرهم من أهل العلم، وذكروا أن أسباب الوضع أمور: منها: أن يكون أحدهم يريد أن يتصدر الناس برياء وسمعة فلا يجد حديثاً فيضع من رأسه ومن كيسه وينفق. ومنها: أن تكون في يده سلعة لا تباع إلا بحديث، فبعضهم كان يبيع الباذنجان -كما ذكر عنه السباعي في كتاب السنة ومكانتها في التشريع - فما وجد مشترياً له، فقال: يقول ﷺ : ﴿من أكل الباذنجان لم تصبه عاهة قط﴾ وهو حديث مكذوب. ومنها: قوم يتزلفون إلى السلاطين فيضعون لهم الأحاديث. كما دخل رجل على المهدي الخليفة العباسي ابن أبي جعفر المنصور، فوجده يسابق بين الحمام -انظر إلى المهمة وإلى حفظ الوقت- يسابق بين الحمام من قصر إلى قصر، فلما رأى المهدي هذا العالم الواعظ، خجل منه واستحيا، فقال الواعظ: ما عليك، يقول ﷺ : ﴿لا سبق إلا في خف أو نصل أو حافر أو جناح﴾ والجناح زادها وإلا فالحديث: ﴿لا سبق إلا في خف أو نصل أو حافر﴾ أما الجناح فليس في الحديث، فزاد هو الجناح حتى يبرر لهذا الرجل موقفه عندما رآه يسابق بين الحمام، فقال المهدي: "أشهد أن قفاه قفا كذاب على رسول الله ﷺ ثم أمر بذبح الحمام".

стр. 2890

حفظ القرآن من الزيادة والفائدة الرابعة: فيه المحافظة على المصحف ألا يزاد فيه؛ لأن عمر يقول: [[والله لولا أن يقول الناس: إن عمر زاد في المصحف لكتبتها بيدي]] فالصحابة ما كانوا يكتبون غير القرآن في المصحف، فكانوا يحافظون عليه، وكانوا يشغلون أوقاتهم به، وقد قال عمر ﵁ وأرضاه لرجل من الولاة: [[إنك سوف تأتي أهل الكوفة، وسوف تدخل عليهم في المسجد، وتسمع لهم دوياً كدوي النحل بالقرآن؛ فلا تشغلنهم بقصصك وحديثك]] أي: اتركهم يقرءون القرآن، هذا إذا كانت الأمة تقبل وتقرأ القرآن، وتدوي به كما يدوي النحل بصوته، أما إذا كان الناس لا يقرءون القرآن، ولا يسمعون القصص ولا الأخبار، فلا نقول للناس: سوف نشغل أوقاتهم، بل يقص الإنسان، لأن الوسائل تغيرت، والأساليب استجدت، فللإنسان أن يقص. ودخل عمر ﵁ وأرضاه وإذا برجل في مسجد الرسول ﵊ يقص على الناس، قال: [[من هذا؟ قالوا: قاص يقص، قال: سبحان الله! ماذا يقص؟ قالوا: يقص علينا من أخبار الأولين، فشق عمر ﵁ وأرضاه الصفوف والدرة بيده ثم ضرب هذا الواعظ، وقال: يقول الله : ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ﴾ [يوسف:٣]]] ففيه أن المصحف لا يزاد عليه، أي: أنه محفوظ، ولذلك قال عز من قائل: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر:٩]. والذين قالوا بنقص القرآن هم الرافضة، وألف الطبرسي أحد علمائهم الضلال، كتاباً يسمى: فصل الخطاب في تحريف كتاب رب الأرباب، ويدعون أنه إجماع عند الإثني عشرية أن القرآن قد نقص، وأن سورة الولاية محذوفة منه، وأن الصحابة ﵃ قد حرفوا وعدلوا في القرآن، وأنهم حذفوا اسم علي من المصحف، واسم فاطمة واسم عائشة، وقد كذبوا على الله وافتروا عليه ، بل ما زيد فيه حرف ولا نقص منه.

стр. 2891

الحث على المشورة الفائدة الخامسة: هي الحث على المشورة وقبولها من أهل العلم، والفهم والخبرة، فإنه (ما خاب من استخار الله وما ندم من استشار المخلوقين) وكان أكثر الناس استشارة رسول الله ﷺ ، في كبير الأمور وصغيرها، وفي دقيقها وجليلها، ولذلك يقول : ﴿فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ﴾ [آل عمران:١٥٩] فإذا أراد الإنسان أن تقبل عليه الأمة وترضى به القلوب فليشاور أهل الخبرة وأهل الخير والصلاح، فإنهم لا يشيرون عليه إلا بالخير والصلاح إن شاء الله، ومن أمانة المؤمن لأخيه أنه إذا استنصحه أن ينصح له، وألا ينصحه إلا بما فيه الخير، وقال عز من قائل: ﴿وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ﴾ [الشورى:٣٨] استشار ﵊ الناس يوم بدر كما تعرفون، وعدل عن رأيه ﷺ ، وهو صاحبنا في هذه الليلة وسوف يمر معنا لأنه هو الذي يقول: [[أنا جذيلها المحكك وعذيقها المرجب]] وهو الذي يقول: [[منا أمير ومنكم أمير]] وهو من سادات الأنصار، قال الحباب: ﴿يا رسول الله! هذا المنزل منزل أنزلك الله إياه، أم هو الرأي والحرب والمكيدة؟ فقال ﵊: بل هو الرأي والحرب والمكيدة، فقال: يا رسول الله! هذا ليس برأي، اجعل الماء وراء ظهرك كله، فنشرب ولا يشربون﴾ فدعا له ﷺ بالخير، فنزل في ذاك المنزل. واستشار ﵊ أقاربه لما اتهمت عائشة ﵂ وأرضاها، الصديقة بنت الصديق، الطاهرة بنت الطاهر المبرأة من فوق سبع سموات لما اتهمت في عرضها، استشار رسول الله ﷺ علي بن أبي طالب وأسامة بن زيد، واستشار الجارية، فأما الجارية فقالت: والله ما علمت إلا خيراً، كانت تغفل عن الداجن فتأكل العجين، يعني من غفلة عائشة ومن نقاوة قلبها، وطهارتها تغفل حتى عن عجينها، واستشار أسامة فقال: [[ما علمت إلا خيراً أحمي سمعي وبصري]] واستشار علي بن أبي طالب -وكان من عصابته ومن لحمته- فقال: النساء غيرها كثير. قد قيل ما قيل إن صدقاً وإن كذباً فما اعتذارك من قول إذا قيلا فبقي هذا الكلام في نفس عائشة إلى بعد حين، وينزع الله ما في صدورهم من غل إخواناً على سرر متقابلين، وكان يستشير ﷺ حتى تقول عائشة: [[ما رأيت رجلاً سهلاً كرسول الله ﷺ ]].

стр. 2892

جواز الحلف بغير استحلاف الفائدة السادسة: جواز الحلف بغير استحلاف، وقد مر معنا في مناسبة؛ لأن عمر قال: [[والله لأقومن إذا رجعت إلى المدينة]] وهو لم يستحلف ﵁ وأرضاه. والرسول ﵊ كان يقول: ﴿إي والذي نفسي بيده﴾ وهو لم يستحلف، والله أمره في القرآن حيث يقول: ﴿زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ﴾ [التغابن:٧] ويقول : ﴿وَيَسْتَنْبِئُونَكَ أَحَقٌّ هُوَ قُلْ إِي وَرَبِّي إِنَّهُ لَحَقٌّ﴾ [يونس:٥٣] فهذا دليل جواز الحلف بلا استحلاف، ليطمئن المحلوف له، ومن حلف له بالله فلم يرض فلا أرضاه الله، ومن لم يكتف بكفاية الله فلا كفاه الله ولا شفاه، والمسلم إذا حلف له صَدَّق، وإذا حلف هو صُدِّق، وهذه شيم أصحاب محمد ﵊، يقول علي ﵁ وأرضاه، وهذا الحديث في مسند أحمد وفي سنن أبي داود وعند الترمذي بسند صحيح قال: كان الرجل من أصحاب الرسول ﵊ إذا قال لي قولاً، استحلفته، فإن حلف صدقته، فنفعني الله بالحديث منه ﷺ ما شاء، وإنه حدثني أبو بكر الصديق وصدق أبو بكر -يعني: ما استحلف أبا بكر - قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ﴿والذي نفسي بيده ما من عبد يذنب ذنباً فيتوضأ ويصلي ركعتين ثم يستغفر الله إلا غفر الله له ذاك الذنب، ثم تلا ﷺ قوله ﵎: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُون * أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ﴾ [آل عمران:١٣٥ - ١٣٦]﴾.

стр. 2893

وقت حضور الجمعة عند بعض السلف الفائدة السابعة: أن كثيراً من السلف كانوا يذهبون إلى الجمعة إذا زاغت الشمس، وهذا كلام ابن عباس يقول: لما زاغت الشمس ذهبت للصلاة، وهذا رأي الإمام مالك بن أنس قال: [[أدركت أهل المدينة وهم لا يذهبون إلى صلاة الجمعة إلا بعد أن تزوغ الشمس]] أي: قبل الظهر بقليل، وهذا رأي. لكن الأفضل والأولى بحق المسلم أن يذهب، وأن يبادر الأجر للحديث المتفق عليه: ﴿من ذهب في الساعة الأولى فكأنما قرب بدنة﴾ قالوا: تبدأ الساعة الأولى من بعد طلوع الشمس وارتفاعها، على خلاف ليس هذا مجال بسطه وقد سبق.

стр. 2894

جواز الكلام للمأمومين قبل خطبة الجمعة الفائدة الثامنة: جواز التحدث للمأمومين قبل دخول الإمام، فإن ابن عباس ﵁ وأرضاه كلم سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل قبل دخول عمر، فيجوز لك أن تتحدث مع إخوانك المسلمين في فوائد ومنافع قبل دخول الخطيب وقبل دخول الإمام، وليس هناك شيء يحرم، ولا يوجد مانع. يقول عقبة بن عامر الجهني: كان لي إبل أرعاها وأروحها وقت الليل، وكنت أتناوب أنا وشباب من جهينة -جهينة: قبيلة من قبائل العرب تسكن على البحر الأحمر - لما سمعت الأعراب بدعوة الرسول ﵊ تركوا منازلهم وأتوا؛ لأن الله ذم الأعراب في كتابه وقال: ﴿الْأَعْرَابُ أَشَدُّ كُفْراً وَنِفَاقاً وَأَجْدَرُ أَلّا يَعْلَمُوا حُدُودَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ﴾ [التوبة:٩٧] وفي كتاب الأدب المفرد للبخاري قال: قال رسول الله ﷺ لـ ثوبان: ﴿يا ثوبان! لا تسكن الكفور، فإن ساكن الكفور كساكن القبور﴾ قال الإمام أحمد: "ساكنو الكفور هم أهل البادية، فليس عندهم ما يفقهون به هذا الدين". فلما سمع عقبة بن عامر الجهني قال: فأتيت بإبلي فنزلت قريباً المدينة؛ لأتعلم منه ﷺ ، فكنت أرعى الإبل أنا وشباب معي، فأتيت في نوبتي وقد ابهار الليل، والرسول ﵊ يحدث الناس في مسجده، فدخلت فجلست بجانب عمر بن الخطاب، قال: فسمعت الرسول ﵊ وهو يقول: ﴿ما من مسلم يتوضأ فيحسن الوضوء ثم يقوم فيصلي ركعتين مقبلاً عليهما بقلبه ووجهه إلا وجبت له الجنة﴾ قال: قلت: ما أحسن هذه! قال عمر رضي عنه: التي قبلها أحسن منها، فلما انتهى الحديث قلت: يا أبا حفص! ما التي قبلها؟ قال: أما سمعت الرسول ﵊؟ قلت: لا، قال: أين كنت؟ قلت: ما أتيت إلا متأخراً، قال: يقول لنا ﷺ : ﴿ما منكم من أحدٍ فيسبغ الوضوء، ثم يقول: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً عبده ورسوله ﷺ إلا فتحت له أبواب الجنة الثمانية يدخل من أيها شاء﴾ وفي الترمذي: ﴿اللهم اجعلني من التوابين واجعلني من المتطهرين﴾ وهي زيادة على رواية مسلم. فكانوا يتحدثون عن أخباره ﷺ إذا خطب، وربما تحدثوا وهو جالس، وهذا في غير خطبة الجمعة، أما خطبة الجمعة فإذا دخل انتهى الكلام، لكن يجوز للإمام كما سبق أن يتكلم مع المأموم، ويجوز للمأموم أن يتكلم مع الإمام، أما المأموم مع المأموم فحرام، ومن فعل ذلك فقد لغت جمعته، وبطلت. ولذلك يقول أبو ذر: ﴿كنت في مسجده ﷺ فقام فينا خطيباً قال: سوف يقدم عليكم رجل من أهل اليمن عليه مسحة ملك، قال: فانتظرنا فقدم علينا جرير ين عبد الله البجلي﴾.

стр. 2895

جواز التكلم في خطبة الجمعة بالشئون العامة الفائدة التاسعة: جواز التكلم في خطبة الجمعة بالشئون العامة، وأن خطبة الجمعة ليس لها مراسيم تحددها، وأن هناك قضايا اجتماعية ينبغي على الخطيب أن يطرقها يوم الجمعة، ويتحدث للناس بها، وأنه لا شائبة عليه ولا لائمة، فالرسول ﵊ تحدث للناس في خطبة الجمعة بشئونهم، وتحدث أبو بكر وعمر في هذه الخطبة عن الخلافة، وهو شأن عام وقضية اجتماعية، فتحدث عنها، فيجوز أن يتحدث الخطيب، بل هو الذي ينبغي، وأن يطرق الخطب التي تناسب العصر، وألا يتقيد بخطبة سلفت، فـ عمر تحدث في موضوع جديد، طارئ على الأمة، فللمسلم أن يتحدث بقضايا العامة، وكان ﷺ ربما يتحدث في بعض القضايا حتى الأسرية التي بينه وبين أهله وأرحامه. ففي صحيح البخاري أنه ﷺ وقف على المنبر وقال: ﴿يا أيها الناس! ابن أبي طالب -يعني: علياً - قد تزوج بنتي وإن فاطمة بضعة مني، يرضيها ما يرضيني، ويريبها ما يريبني، وإني سمعت أنه يريد الزواج من بنت أبي جهل﴾ يعني أخت عكرمة، وهي مسلمة وأبوها كافر ﴿تُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَتُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ﴾ [آل عمران:٢٧]. ﴿وإن فاطمة يريبها ما يريبني ويرضيها ما يرضيني، فلا أرضى ثم لا أرضى ثم لا أرضى، والذي نفسي بيده لا تجتمع بنت رسول الله وبنت عدو الله تحت سقف واحد، فإما أن يستبقي ابنتي عنده وإما أن يفارقها ويتزوج بنت أبي جهل، فتأثر الناس كثيراً وترك علي ﵁ الخطبة﴾ ثم لم يتزوج عليها كرامة للرسول ﵊، ومن أجل عين تكرم ألف عين، ولم يتزوج عليها حتى بعد وفاتها بستة أشهر وكان يزورها دائماً في المدينة، ويترضى عنها، ﵂ وأكرم مثواها، فهي سيدة نساء العالمين عند الله ﵎.

стр. 2896

الحث على تبليغ العلم الفائدة العاشرة: الحث على تبليغ العلم للرعية؛ فإن عمر ﵁ وأرضاه قال: لا أستحل أن يأخذ هذا الكلام آخذٌ دون أن يفقهه، والرسول ﵊ يقول: ﴿بلغوا عني ولو آية؛ فرب مبلغ أوعى من سامع﴾ فالواجب على المسلم أن يبلغ ولو آية أو حديثاً، أو موعظة، أو قصة للناس يعطر المجالس بها. قال ابن القيم في الوابل الصيب في قوله عن عيسى بن مريم: ﴿وَجَعَلَنِي مُبَارَكاً أَيْنَ مَا كُنْتُ﴾ [مريم:٣١] قال: "المبارك أينما كان هو الذي يسعد به جليسه وأنيسه وأهله"، وذلك لأنه يتحدث فيما يقربهم إلى الله ، فالمبارك أينما كان هو الذي مجلسه في كلام المصطفى ﷺ وفي كلام الله ﵎، وفيما يقربه إلى الله ، والذي ينبغي على المسلم أن يبلغ ولا يستصغر نفسه، ولا يحتقرها، ولذلك قال عمر لـ ابن عباس: [[يا بن أخي! تكلم ولا تحتقر نفسك]] وقال الحسن البصري لأحد الناس الجالسين عنده: [[عظنا بارك الله فيك، فقال الرجل: أومثلي يعظ الناس؟ قال الحسن البصري: ود الشيطان أن يظفر بهذه الكلمة، والله لو ظفر بها لما وعظ أحد من الناس]]. وقال ابن القيم في مدراج السالكين: "إذا أتاك الشيطان وقال لك: لا تتكلم؛ لأنك إذا تكلمت راءيت الناس، وتظاهرت بالرياء والسمعة، فلا تطاوعه واعصه، وتكلم واستعن بالله، وأخلص نيتك ولتنبعث نيتك بالإخلاص وطلب ما عند الله ، فإن الشيطان يريد أن يسكت كل إنسان فلا يتحدث، ولا يتكلم، ولا يعظ، وهذا هدم للإسلام من أسسه.

стр. 2897

جواز نسخ التلاوة وبقاء الحكم الفائدة الحادية عشرة: جواز نسخ التلاوة وبقاء الحكم في القرآن على صور: منها: أن ينسخ الحكم والتلاوة، وهذا كثير في القرآن الكريم. ومنها: أن ينسخ الحكم وتبقى التلاوة، وهو في القرآن الكريم. ومنها: أن تنسخ التلاوة ويبقى الحكم وهو شاهدنا، فإنه كان في كتاب الله ، حد الثيب إذا زنى، فنسخ هذا وبقي حكمه إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، وكتاب الله محفوظ حفظه الله من فوق سبع سموات، فلا يمكن أن يتغير أبداً. ولذلك ذكر كما تعرفون في بعض النشرات، أن في يوغندا في كمبالا رجلاً يهودياً زاد حرفاً في كتاب الله في قوله : ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْأِسْلامِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ﴾ [آل عمران:٨٥] قال: فإنه يقبل منه، وما أمسى في اليوم الثاني إلا وقد وصل الخبر إلى أندونيسيا (جاكرتا) لأن الله يحفظ كتابه، وأعلن هذا الخبر وطويت تلك المصاحف، ولذلك لو زيد فيه حرف أو كلمة أو شكلة من الشكلات، أو إعجام، لعم الخبر في الناس جميعاً ولأخذوا حيطتهم؛ لأن الله حفظ هذا الكتاب.

стр. 2898

رجم المحصن الفائدة الثانية عشرة: رجم المحصن، وقد تعرض لها عمر ﵁ وأرضاه -ونسأل الله العافية والستر في الحياة الدنيا والآخرة- وقضاء الله إذا وقع وقع، ولذلك قال عمر: ورجم رسول الله ﷺ ورجمنا، فإن عمر بيده الكريمة رجم، ورجم قبله من هو أكرم منه ﵊ كالمرأة الصالحة التي وقع قضاء الله عليها لما ارتكبت تلك الفعلة، رجمها عمر، وقال لما رجم ماعزاً: ليته استتر وفي لفظ أنه قال: ﴿أخزاه الله ليته استتر بستر الله، فقال له ﷺ : ﴿مهلاً يا عمر! والذي نفسي بيده إني أراه الآن ينغمس في أنهار الجنة﴾ ولما تكلم خالد على المرأة التي رجمت قال ﷺ : ﴿مهلاً يا خالد! والذي نفسي بيده لقد تابت توبة لو وزعت على أهل المدينة لوسعتهم﴾ وفي رواية: ﴿على سبعين من أهل المدينة﴾ وفي رواية: ﴿لو تابها صاحب مكس لتاب الله عليه﴾.

стр. 2899

النهي عن إطراء الرسول ﷺ الفائدة الثالثة عشرة: وفيه النهي عن إطرائه ﷺ ، فلا يرفع عن مرتبته، ولا ينزل عنها، فهو عبد الله ورسوله، ناداه الله بالعبودية، وشرفه بالرسالة، وجعله في هذه المنزلة، فهو لا يريد فوقها، ولذلك يقول ﵊: ﴿لا تطروني كما أطرت النصارى عيسى بن مريم، فإنما أنا عبد الله ورسوله فقولوا عبد الله ورسوله﴾. ولذلك في سنن أبي داود: ﴿أن وفد عامر بن صعصعة أتوا إلى الرسول ﵊ فقالوا: أنت سيدنا وابن سيدنا، وخيرنا وابن خيرنا، وعظيمنا وابن عظيمنا، فغضب ﷺ وتغير وجهه وقال: يا أيها الناس! قولوا بقولكم أو ببعض قولكم ولا يستهوينكم الشيطان -وفي لفظ: لا يستحرينكم الشيطان﴾. وفي السنن: ﴿أن أعرابياً أتى إليه ﷺ فقال: يا رسول الله! قحطت الأرض، وجاع العيال، وهلك المال، فادع الله لنا أن يغيثنا، فإنا نستشفع بك إلى الله ونستشفع بالله إليك، فغضب ﷺ وقال: سبحان الله! سبحان الله! سبحان الله! أتدري ما شأن الله؟ إن شأن الله أعظم من أن يستشفع به على أحد من خلقه﴾. وجاء رجل فقال للرسول ﵊: ﴿ما شاء الله وشئت، فغضب ﷺ وقال: أجعلتني لله نداً؟! قل: ما شاء الله وحده﴾ فالرسول ﷺ عبد لا يملك ضراً ولا نفعاً، ولا موتاً ولا حياةً ولا نشوراً، وهو في قبره لا يملك قضاء طلب للناس، ولا تلبية حاجة، بل هو في قبره حي حياة برزخية، الله أعلم بها، لا يأكل جسمه التراب، لكنه ﵊ لا يرفع حاجات، ولا يلبي مطالب في قبره ﵊، فإنما الوسيلة إلى الله الحي القيوم، والرسول ﵊ إنما هو واسطة في التبليغ لا واسطة في رفع الحاجات، لأن من جعل بينه وبين الله أناساً في رفع الحوائج فقد أشرك مع الله، خاصة الأموات، فإن المشركين يقولون: إنما نعبدهم ليقربونا إلى الله زلفى، فالله لامهم، وعدهم من المشركين، بل هذا الفعل من أعظم الإشراك.

стр. 2900

فضل أبي بكر الفائدة الرابعة عشرة: وفي الحديث أفضلية أبي بكر الصديق وأنه خيرة الصحابة بعد رسول الله ﵊، وأنه شيخ المسلمين والمجاهد بنفسه والصادق، ولذلك يقول ﷺ لما سمع بعض الكلام عن أبي بكر: ﴿ما أنتم بتاركي لي صاحبي؟! قال الناس: كذبت، وقال لي أبو بكر: صدقت، واساني بأهله ونفسه وماله، ثم قال ﷺ : يا حسان! -شاعر الإسلام-: أما قلت شيئاً في أبي بكر؟ قال: بلى يا رسول الله! قال: ماذا قلت؟ قال: قلت: إذا تذكرت شجواً من أخي ثقة فاذكر أخاك أبا بكر بما فعلا التالي الثاني المحمود شيمته وأول الخلق طراً صدق الرسلا ﴾ قال ابن تيمية في المجلد الرابع من فتاويه: " أبو بكر أعلم الناس بعد رسول الله ﷺ وأصدقهم وأخلصهم وهو من الذين لهم قدم صدق عند الله ". وورد حديث فيه ضعف عند ابن ماجة: ﴿إن الحي القيوم سوف يصافح أبا بكر في الجنة﴾ أورد هذا الحديث ابن القيم في المنظومة، وتعرض لسنده ونحن نقوله من باب الإيراد لأنه في سنن ابن ماجة، وفي سنده كلام، وإن ثبت هذا، فهذا أمر يليق به بدون كيف، ولكن نلحقه بالأسماء والصفات التي لا ندري بها، ونثبتها كما أثبتها لنفسه، وأثبتها رسوله ﷺ له.

стр. 2901

لم يوص النبي ﷺ بالخلافة لأحد الفائدة الخامسة عشرة: وفيه أن الرسول ﵊ لم يوص بالخلافة، خلافاً لمن زعم من الرافضة أنه أوصى بها لـ علي بن أبي طالب، وقد كذبوا على الله، فما أوصى بها أحداً من الناس، لكنه لمح ولم يصرح، وأشار إلى أبي بكر فولاه أمر الصلاة وجعله إماماً بعده، وفي مرض موته، فكأنه يشير إليه، أما أنه نص عليه نصاً، أو كتب له كتاباً أو أوصى وصية، فهذا لم يحدث أبداً، ولم يقع، والرسول ﵊ لم ينص على إنسان بعينه ولم يستخلف ﵊، وإنما ترك الأمر للناس، ولكنه أشار بأفضلية أبي بكر قبل موته ﷺ بثلاث ليال وقال: ﴿لو كنت متخذاً خليلاً من أهل الأرض لاتخذت أبا بكر، ولكن صاحبكم خليل الرحمن سدوا كل خوخة في المسجد إلا خوخة أبي بكر﴾ فكأنه يشير إليه ﵊. فلم يوص بالخلافة لـ علي، وفي صحيح البخاري عن ابن عباس قال: [[لقي العباس علي بن أبي طالب في مرض موت رسول الله ﷺ وكان العباس رجلاً داهية من دواهي الرجال، فقال: يا علي! قال: نعم، قال: اذهب بنا إلى رسول الله ﷺ يخبرنا أين هذا الأمر بعد وفاته، فإن كان لنا عرفنا ذلك، وإن لم يعطنا الخلافة، فليوص بنا خيراً من يتولى الخلافة، فقال علي وكان رشيداً وناصحاً صادقاً: والله لا أكلم الرسول ﵊ في هذا الأمر، والله إن منعنا الخلافة لا يعطينا الناس]] فبقوا على هذا الحال حتى توفي ﵊، فتولى أبو بكر وكان سديداً، مدحه عمر وعثمان وعلي وجل الصحابة، وما زال لسان المدح له ولسان صدق في الآخرين إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها.

стр. 2902

تهيئة الخطب قبل الكلام الفائدة السادسة عشرة: تهيئة الخطب قبل الكلام، فإن عمر ﵁ وأرضاه قال: [[زورت كلاماً في صدري]] قبل أن يتكلم به في سقيفة بني ساعدة، فلما أتت أراد أن يتكلم، فما تركه أبو بكر يتكلم، بل تكلم أبو بكر فأتى على البديهة وعلى السرعة والعجلة أحسن من كلام عمر، فالمسلم إذا أراد أن يتحدث في مجمع أو يوصي بوصية، فعليه أن يحبرها في صدره قبل أن يتكلم بها، وأن يتهيأ بها، وهذا من أدب الدعوة والخطابة.

стр. 2903

فضل الأنصار الفائدة السابعة عشرة: فضل الأنصار وما لهم من سبق وأن الله قد رضي عنهم من فوق سبع سموات، وفي صحيح البخاري عن أنس قال: يقول رسول الله ﷺ : ﴿آية الإيمان حب الأنصار وآية النفاق بغض الأنصار، الأنصار لا يحبهم إلا مؤمن ولا يبغضهم إلا منافق﴾ فمن أحب الأنصار أحبه الله ومن أبغضهم أبغضه الله. ولذلك تعرض بعض الناس لبغضهم فمحقه الله ؛ لأنهم أنصار دعوة المصطفى ﵊ وهم أهل الدار، وأهل الإيمان. ومن فوائد الحديث: أن الرافضة والمعتزلة يردون هذا الحديث، وينكرون الرجم وقالوا: ليس في كتاب الله إذن فليس من السنة، فيرد عليهم بهذا الحديث الذي تنوقل حتى أصبح قريباً من درجة التواتر بين أهل العلم، وأن هذا ثابت.

стр. 2904

حدة أبي بكر ﵁ القائدة الثامنة عشرة: حدة أبي بكر ﵁، وأنها لا تنقص من مقامه لكثرة محاسنه عند الله فهو صادق ومخلص، ولكنه رجل فيه حدة، يقول عمر: [[كان فيه بعض الحدة]] أي: سرعة غضب، وأبو بكر لما تولى الخلافة قال على المنبر: [[يا أيها الناس! إن لي شيطاناً يعتريني -أي: يأتيني من الغضب- فالله الله، لا أمسن أبشاركم وأشعاركم]] يعني: لا تحوجوني إلى الغضب فأضرب فيكم، وفي كنز العمال أن عمر ﵁ قال: لما توفي رسول الله ﷺ وتولى أبو بكر دخلت معه في حظيرة فيها إبل الصدقة، فقال أبو بكر للناس: يا أيها الناس! لا يدخل معي ومع عمر أحد منكم، قال: فدخلنا فلما دخلنا إذا بأعرابي دخل، قال أبو بكر: أما قلت لكم لا تدخلوا، ثم أخذ أبو بكر خطام الناقة، وضرب به الأعرابي، فلما ضربه به عاد: ﴿إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ﴾ [الأعراف:٢٠١] فقال: أستغفر الله تعالى خذ الخطام واقتد مني واقتص -أي: اضربني كما ضربتك- قال: عمر والله لا يفعل، قال: ولم؟ قال: لا تجعلها سنة للناس بعدك كلما أدبنا الناس، قالوا: نقتص منكم، ولكن أعطه ناقة من هذه، فأعطاه ناقة ودعا لـ عمر، ولذلك قال الأعراب لـ عمر: أنت الخليفة أو أبو بكر؟ قال: أنا هو، غير أنه إياي -يعني: أنا وإياه شيء واحد. أتى عيينة بن حصن سيد فزارة من غطفان بعد أن توفي ﷺ إلى أبي بكر هو والأقرع بن حابس فقالا: يا خليفة رسول الله! إن عندنا أرضاً سبخة ليس فيها كلأ ولا منفعة، فإن رأيت أن تقطعناها لعلنا نحرثها أو نزرعها، لعل الله أن ينفع بها بعد اليوم، فقال أبو بكر عمر وليس في القوم، فانطلقا إلى عمر يشهدانه فوجداه يهنأ بعيراً له -أي: يطليه بالقطران- فقالا: إن أبا بكر أبو بكر؟ قال: أنا هو غير أنه إياي. ولذلك هذا شاهد في النحو، يعني: تقديم ضمير الغيبة والضمير المتصل على المنفصل، استشهد به ابن مالك. وفي صحيح البخاري، من باب: حدة أبي بكر التي ظهرت منه، قال عبد الرحمن بن أبي بكر ﵄: كان الناس يستضيفون ضيوف رسول الله ﷺ فنزل قوم المدينة فأخذ كل منا ضيفاً معه -الضيف: أي الجماعة- فأخذ أبو بكر جماعة معه فذهب بهم إلى بيته، فقال لضيوفه: معكم ابني عبد الرحمن، يعشيكم هذه الليلة وأنا عند رسول الله ﷺ ، فترك الضيوف مع ابنه عبد الرحمن -وابنه من خيرة الناس- وقال: عشهم، وذهب أبو بكر ﵁ إلى الرسول ﵊ يتعشى؛ لأنه كان يسمر معه، فلما قدم لهم عبد الرحمن العشاء قالوا: والله لا نتعشى حتى يأتي أبو بكر، فقال لهم عبد الرحمن: سوف يتأخر عليكم وقد أمرني أن أقدم لكم هذا العشاء، قالوا: لا. فانتظروا فمضى ليلٌ وأتى ليلٌ وبرد العشاء، فأتى أبو بكر آخر الليل وكان يوتر، ثم دخل البيت، فقال لـ عبد الرحمن: أعشيتهم؟ قال عبد الرحمن: فقمت فاختبأت لأني أعلم أن أبي سوف يغضب، قال: فجدع وسب -وهذه رواية البخاري - ثم قال لضيوفه: كلوا، فلما أكلوا كانت هذه من كرامات الأولياء له قال ابن تيمية في الفرقان بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان: "إن من كرامة أبي بكر أنه ضوعف وبورك له الطعام كما بورك للرسول ﵊ فأكلوا وقد جاعوا لأن الليل طال عليهم، ليس من مصلحتك أن تؤخر العشاء إذا أتاك ضيف، بل من المصلحة أن تبادر بالعشاء حتى لا يبقى له وقت لأن يجوع، ثم تقدمه له حاراً، فقدم لهم ﵁، فأكلوا ثم رفعوا الصحفة فإذا هي مثل ما كانت، ما نقص منها شيء، فقام بالصحفة إلى زوجته، قال: -كما في البخاري - يا أخت بني فراس! والذي نفسي بيده إن الصحفة مثلما وضعناها، فأكل هو وزوجته، ثم حمل الصحفة إلى الرسول ﵊ فأخبره، فدعا لهم بالبركة، وقد بارك الله طعامهم. وإذا الحبيب أتى بذنب واحد جاءت محاسنه بألف شفيع أبو بكر إن كان فيه حدة ففيه الصدق والأمانة، والكرم والإخلاص، ولا تجد منقبة في الإسلام إلا وهي في أبي بكر ﵁ وأرضاه.

стр. 2905

تواضع أبي بكر الفائدة التاسعة عشرة: تواضع أبي بكر لـ عمر وأبي عبيدة، وإن من أسمى سماتهم التواضع لبعضهم، فإن أبا بكر يعرف أنه أول مسلم من الرجال، ويعرف أنه ذو سابقة، ولكن قال لـ عمر: [[يا عمر! ابسط يدك لأبايعك]] وهل تظنون أن عمر لو بسط يده سوف يقول أبو بكر: لا، أردت فقط أن أختبرك، لا والله، ليبايعنه وليجلسن معه وليذهبن، وليجعلنه خليفة، لأن الله جعلهم هكذا خير أمة أخرجت للناس، ولذلك ولَّى الرسول ﵊ على أبي بكر وعمر عمرو بن العاص وهما خير منه، وولى عليهم بعض الولاة، ورضوا به رضوان الله عليهم. وفي الصحيح أن الرسول ﵊ لما حضرته سكرات الموت قال: ﴿أنفذوا جيش أسامة﴾ وأسامة بن زيد كان عمره يوم أنفذه ﷺ سبع عشرة سنة، وكان مولى من الموالي، وكان في جيشه عمر بن الخطاب وعثمان وعلي فلما توفي ﵊ قال عمر لـ أبي بكر: أرى ألا ترسل جيش أسامة، قال: ولم؟ قال: إن العرب قد تكالبت علينا، وقد ارتد الكثير منهم عن الإسلام، وأخشى أن يدخلوا المدينة وليس لنا جيش، قال أبو بكر: والله لو أخذت الكلاب بعراقيبنا، فلا بد أن أمضي جيش أسامة، فودع أسامة وأخذ بلجام فرسه وأبو بكر يمشي على قدمه في الأرض وهو يكلم أسامة، فيقول أسامة: يا خليفة رسول الله! أنزل أو تركب؟ قال: لا والله لا تنزل ولا أركب، وما علي أن أغبر قدمي ساعة في سبيل الله -وكأن أبا بكر ما غبر قدمه إلا تلك الساعة، وهو منذ أن عرف لا إله إلا الله مغبر قدمه ورأسه وجسمه في سبيل الله ، فرضي الله عنه وأرضاه، ثم قال: يا أسامة! أتأذن لي بـ عمر لأستعين به؟ قال: نعم، فأذن له فعاد من الجيش. إذاً: فتواضع أبي بكر لـ عمر ولـ أبي عبيدة تواضع جم، يقول الذهبي: كان من خيرة أصحاب النبي ﷺ وأحسنهم خلقاً أبو عبيدة عامر بن الجراح، ولذلك لما حضرته الوفاة، قال له أصحابه: -وقد طعن بالطاعون- ما هي خير ليلة مرت بك في حياتك؟ قال: ليلة ما أنساها من ليالي اليرموك -المعركة التي وقعت بين المسلمين وبين الروم وكان قائدها أبا عبيدة أمير الأمراء- قال: رأيت الجيش نام ذات ليلة في ليلة شاتية، كثير بردها، وكثير مطرها، فقمت فنظرت إليهم وقد ناموا جميعاً، فأيقظت امرأتي وقلت: هل لك بليلة تشترين بها الجنة؟ قالت: نعم، أطوف أنا وإياك على هذا الجيش نحرسه في هذه الليلة -وهو الأمير- فكان يطوف ﵁ وأرضاه، فإذا وجد رجلاً لحافه ليس مغطىً عليه رد عليه لحافه، حتى أصبح الصباح، ثم صلى بالناس الفجر، فهي من خيرة الليالي عنده، ولذلك يقول عمر للصحابة في المدينة تمنوا، فتمنوا أمنيات، فقال: أما أنا فوددت أن لي ملء هذا البيت رجالاً مثل أبي عبيدة، وسافر عمر ﵁ وأرضاه إلى الشام، فأتى الأمراء وهم أربعة، شرحبيل بن حسنة وعمرو بن العاص ويزيد بن أبي سفيان، وأميرهم جميعاً أبو عبيدة، فـ أبو عبيدة كان في مرحلة وراء هذه المرحلة، فلما أصبح على مشارف الشام لقيه الأربعة الأمراء بجيوشهم، فلما رأى عمر ﵁ الخيول وعليها الأبطال والسيوف، وأهبة هائلة ما سمع الناس بمثلها، فصد ﵁ وأرضاه الطريق، ومعه خادمه، فلقيه عمرو بن العاص فقال: يا أمير المؤمنين! تهيأنا لك، ونريد أن ترهب الأعداء، وقد صففنا نحن الأربعة الأمراء بجيوشنا، ثم صددت عنا، قال: اسكت يا عمرو! نحن قوم أعزنا الله بالإسلام، ومهما ابتغينا العزة بغيره أذلنا الله، ثم قال: ادع لي أخي أبا عبيدة فأتى أبو عبيدة، وهو على ناقة -وهذا من تواضعه ﵁ وتقشفه وزهده قال ابن كثير: حزامها ليف- فأتى وليس عليها سرج حتى اقترب من عمر فتعانقا وهما يبكيان؛ لأنهما من زمن طويل لم ير أحدهما الآخر، ثم قال عمر: تعال يا أبا عبيدة! مل بنا نتذكر أيامنا التي قضيناها، مع رسول الله صلى عليه وسلم، وهذه هي المحاسبة والمرابطة للنفس فمالا عن الطريق وهما يبكيان، فلما أتى المساء قالوا لـ عمر: أين تنزل يا أمير المؤمنين الليلة؟ -أي: أين تنام- قال: أنزل عند أخي أبي عبيدة، فقال أبو عبيدة: لا، انزل عند بعض هؤلاء الأمراء لا تعصر عندي عينيك، يعني: تبكي عندي، قال: لأنزلن عندك، فاستضافة في تلك الليلة فقدم له أقراصاً من شعير، فقال له عمر: أما عندكم شيء من متاع، قال: لا، صرفنا ما أعطيتمونا، أي: من العطاء ومن المال في مصارفه، وهذا زادنا وطعامنا، فأكل عمر وهو يبكي. ويقول: غرتنا الدنيا كلنا يا أبا عبيدة! إلا أنت، فلما أتى النوم، قدم له شملة، قال: هذا فراشنا، فالتحف عمر نصفها وافترش نصفها، وأخذ يبكي، فأتى أبو عبيدة، ووقف عند رأسه وقال له: أما قلت لك في النهار: إنك سوف تعصر عينيك عندي! ﵄ وأرضاهما.

стр. 2906

طلب الصدق ثوابه الصدق من الله الفائدة العشرون: طلب الصدق ثوابه الصدق من الله ، قال تعالى: ﴿فَلَوْ صَدَقُوا اللَّهَ لَكَانَ خَيْراً لَهُمْ﴾ [محمد:٢١] فإن عمر ﵁ سأل الله الشهادة بصدق فبلغه الله الشهادة، وأعطاه ما تمنى، وسأل الله عند الجمرات أن يرزقه الشهادة، فرزقه الله الشهادة. ولذلك في صحيح مسلم: ﴿من سأل الله الشهادة بصدق بلغه الله منازل الشهداء ولو مات على فراشه﴾ فإنه سأل الله الشهادة فرزقه الله الشهادة في مسجد رسول الله ﷺ ، ويقول أنس: ظننت أن القيامة قامت يوم قتل عمر، قتل في الركعة الأولى وأكمل ابن عوف الصلاة بالمسلمين ﵃ جميعاً وحمل، فيقول بعض الناس: لا ضير عليه، ليس عليه بأس، فلما وضع في بيته، قال: إيتوني بلبن، يريد عمر ﵁ أن يختبر جرحه، لأنه طعن بخنجر ثلاث مرات، والخنجر له حدان أي ست طعنات، فلما شرب اللبن، خرج اللبن من الجرح، فقال: الله المستعان -يعني أنه مقتول- قال: من قتلني؟ قالوا: أبو لؤلؤة المجوسي، قال: الحمد لله الذي جعل شهادتي على يد رجل ما سجد لله سجدة، ثم قال: ضعوا خدي على التراب، فوضعوه على التراب، وأراد ابنه عبد الله أن يرفع رأسه بمخدة فقال: ضع خدي على التراب لا أم لك! عل الله أن يرحمني، ثم سأل الله وقال: اللهم إني أصبحت منقطعاً عن الدنيا مقبلاً عليك اللهم فارحمني. ثم دخل عليه الصحابة، قال ابن عباس: وكنت أقرب الناس إليه، قال: وبينما أنا واقف عند رأسه، وإذا هو ينصت طويلاً ﵁ وأرضاه، ويكفكف دموعه، يتذكر أعماله وقدومه على الله ، قال: فإذا برجل قد قرب منا فوضع يده على كتفي فالتفت، فإذا هو علي بن أبي طالب، قال: فقال: السلام عليك يا أمير المؤمنين! فالتفت إليه عمر وقال: لا تقل: يا أمير المؤمنين! فإني لست اليوم للمؤمنين بأمير، قال: السلام عليك يا أبا حفص! أمَّا بَعْد: ﴿فوالله لطالما سمعت رسول الله ﷺ يقول: جئت أنا وأبو بكر وعمر، ودخلت أنا وأبو بكر وعمر وخرجت أنا وأبو بكر وعمر فأرجو الله أن يجعلك مع صاحبيك﴾ قال: ابن عباس: فقلت أنا: يا أمير المؤمنين! هنيئاً لك وطوبى لك، أسلمت فكان إسلامك نصراً، وهاجرت فكانت هجرتك فتحاً، وتوليت فكانت ولايتك رحمة، فسالت عيناه من الدموع ثم قال: [[يا ليتني نجوت كفافاً لا لي ولا علي]] ثم استدعى ابنه عبد الله وقال: لا تتول أمر هذه الأمة، يكفي من آل عمر رجل واحد يعذب، ثم أسلم روحه إلى الحي القيوم، فنسأل الله أن يجمعنا به وبكل صادق يوم لا يخزي الله النبي والذين آمنوا معه نورهم يسعى بين أيديهم وبأيمانهم، بشراكم اليوم جنات تجري من تحتها الأنهار، نسأل الله أن يقر أعيننا برؤيته ﵎ وبرؤية رسوله ﷺ ، اللهم بعلمك الغيب، وبقدرتك على الخلق أحينا ما كانت الحياة خيراً لنا، وتوفنا ما كانت الوفاة خيراً لنا.

стр. 2907

ففروا إلى الله لابد للمسلم الذي يريد أن يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر أن يعرف أدب الدعوة وكيف يدعو الناس بالحكمة والموعظة الحسنة كما أمر تعالى، ولو أن كل مسلم غيور على دينه أمر بالمعروف ونهى عن المنكر في حارته أو حيه لكان هناك خير كثير، ولكن تقاعست الهمم، ولم يعد هناك جرأة في قول الحق. ولا نجاة لنا من فتن هذا الزمان الذي نعاني من ويلاته إلا بالإلتزام بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

стр. 2908

مبارزة الله بالمعاصي الحمد لله الذي كان بعباده خبيراً بصيراً، وتبارك الذي جعل في السماء بروجاً وجعل فيها سراجاً وقمراً منيراً، وهو الذي جعل الليل والنهار خلفةً لمن أراد أن يذكر أو أراد شكوراً. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، بعثه الله بالهدى ودين الحق، فبلَّغ الرسالة، وأدَّى الأمانة، ونصح الأمة، وجاهد في الله حتى أتاه اليقين، فصلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. عباد الله! جمعتنا بكم المحبة في الله، وجمعنا بكم الأمر الذي أوجبه الله علينا، قال تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ [آل عمران:١١٠].

стр. 2909

قرية تحارب الله وتعصيه يا مسلمون! يا صادقون! يا صائمون! يا مصلون! اسمعوا إلى كلام الله ﵎ وهو يتحدث لنا عن قرية نامت في جفن البحر، جاورته، ولكنها ما وقرَّت وما عظَّمت رب البر والبحر، وما استحت من الله، قال تعالى: ﴿وَاسْأَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ إِذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتَانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعاً وَيَوْمَ لا يَسْبِتُونَ لا تَأْتِيهِمْ كَذَلِكَ نَبْلُوهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ * وَإِذْ قَالَتْ أُمَّةٌ مِنْهُمْ لِمَ تَعِظُونَ قَوْماً اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَاباً شَدِيداً قَالُوا مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ * فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذَابٍ بَئِيسٍ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ * فَلَمَّا عَتَوْا عَنْ مَا نُهُوا عَنْهُ قُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ﴾ [الأعراف:١٦٣ - ١٦٦]. هذه القرية! مسكينة بائسة، هالكة عاصية! قرية جحدت معروف الله، وتنكرت الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. قريةٌ عطَّلت أوامر الله كما تفعل بعض القرى، قرية كانت تجاور البحر ﴿وَاسْأَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ﴾ [الأعراف:١٦٣] لكن أسلوب القرآن عجيب ورائعٌ وبديع، هذه القرية من قرى بني إسرائيل، اجتمعت عند البحر واجتمع أهلها على المعصية. حرَّم الله عليهم صيد السمك يوم السبت لحكمةٍ أرادها الله، وعندنا اليوم ليس سمك، بل أغلى من السمك، أعراض تنتهك، وعيونٌ تنظر، وغناء، وخمر، وسُكرٌ، وتخلف عن الصلاة، ليست المسألة مسألة سمك، المسألة مسألة دينٌ يُسحق بالشاطئ، وأمرٌ بالمعروف ونهيٌ عن المنكر لا يقام، ولا إله إلا الله تجرح مشاعرها، القضية أعظم من صيد السمك، القضية صيد نساء وفتيات، وصيد أعراض وهدم بيوت، وجرح مشاعر. حرَّم الله عليهم صيد السمك يوم السبت، ولكن الخبثاء الأخسة، الحقراء الأذلة؛ فجروا من البحر طرقاً ليوم الأحد حيلةً على الواحد الأحد، يضحكون على الله! ويستهزئون به، يخادعون الله وهو خادعهم! فكانت الأسماك تمر يوم السبت؛ فإذا دخلت إلى الخنادق والأخاديد أغلقوا الماء، ثم صادوها يوم الأحد، فلما فعلوا ذلك انقسم الناس ثلاثة أقسام: قسمٌ شاركهم، وقال: وهل أنا إلا من غزية إن غوت غويت وإن ترشد غزية أرشد كما يفعل بعض الماجنين اللاهين يوم يرى أهل المعاصي كُثر، فيقول: ضع رأسك مع الرءوس، واجعل نفسك مع هؤلاء، والله غفور رحيم، والبلد كله من هذا الصنف، والناس فعلوا كذا فافعل فعلهم، وهؤلاء لا يحملون عقلاً ولا وقاراً ولا حياءً من الله فماتت قلوبهم. وفي الحقيقة! أصبح الإيمان في قلوبهم متلاشٍ، سخروا من الله فسخر الله منهم. وصنفٌ ثانٍ بارد، يعيش لنفسه، لا يرى (لا إله إلا الله) أن لها حقاً عليه، يعيش لخبزه وطفله وحذائه، جالسٌ في بيته ساكت، يقولون للدعاة: لم تعظون قوماً الله مهلكم أو معذبهم عذاباً شديداً؟ يقولون: الناس هالكون اتركوهم، أنت وشأنك، والناس وشأنهم (دع ما لله لله، ودع ما لقيصر لقيصر) ما عليك، الله لا يسألك إلا عن نفسك، وهؤلاء أهل السلبية الذين سوف يحاسبهم الله على ما عطلوا من أمرٍ بمعروف ونهيٍ عن منكر. وقامت طائفة ثالثة بيضَّ الله وجوههم: أهل لا إله إلا الله، أهل الرسالة، أهل الحياة الخالدة، الذين نوَّر الله بصائرهم في الدنيا والآخرة، قالوا للعصاة: قفوا أيها الضُّلال! إن الهلاك سوف يعمنا فما هي النتيجة؟ يقول أحد الكتبة من المتأخرين: قرية عفا عليها الزمن لما دكدكها الله، وأسدل عليها الهوان والدمار إلى يوم يلقونه، أرسل الله عليهم عذاباً ونكالاً، فمسخهم قردةً وخنازير. هؤلاء هم أهل المعصية! أهل الشاطئ! أهل الانحراف الذين ما عظَّموا الله، ولا شعروا بوقارٍ لله، والشعور بوقار الله من أسس الإسلام، بل هو من العقيدة الحقة، قال نوح ﵇: ﴿مَا لَكُمْ لا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَاراً * وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَاراً * أَلَمْ تَرَوْا كَيْفَ خَلَقَ اللَّهُ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقاً * وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُوراً وَجَعَلَ الشَّمْسَ سِرَاجاً * وَاللَّهُ أَنْبَتَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ نَبَاتاً﴾ [نوح:١٣ - ١٧] مالكم لا تحترمون الله.

стр. 2910

الخوف والاستحباب من الله عند السلف جاء عند الإمام أحمد في كتاب الزهد أن أبا بكر ﵁ وأرضاه قال -وليت أبا بكر ينظر إلى واقعنا المعاصر، ليته مر هذه الليلة ليرى الشاطئ وما يحدث فيه من اختلاط ونظرات مشبوهة، وأعراض منتهكة، وصلاة متأخرة، ونغمة مرتفعة-يقول ﵁: [[يا أيها الناس! استحيوا من الله حق الحياء، فوالله الذي لا إله إلا هو، إني أذهب إلى الخلاء لأقضي حاجتي، فأجعل ثوبي على وجهي حياءً من ربي]]. اللهم ألحقنا معه في منازل الخالدين (حياءً من الله في قضاء الحاجة) ألا يستحي هذا العبد الذي خرج بعرضه: بابنته، وزوجته، وأخته، خرج بدينه وبشرفه، خرج بإيمانه بين لاهين لاغين، تركوا المساجد والقرآن، ماذا يقولون لله؟ صح عنه ﷺ أنه قال: ﴿استحيوا من الله حق الحياء والاستحياء من الله حق الحياء: أن تحفظ الرأس وما وعى، والبطن وما حوى، ومن تذكر البلا ترك زينة الحياة الدنيا﴾. الخليفة العظيم عمر بن الخطاب الذي تربَّى على لا إله إلا الله، الرجل الذي عجز التاريخ أن يأتي بمثله مرةً ثانية، قال ابن كثير عنه: إنه سمع قوله : ﴿وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْؤُولُونَ * مَا لَكُمْ لا تَنَاصَرُونَ * بَلْ هُمُ الْيَوْمَ مُسْتَسْلِمُونَ﴾ [الصافات:٢٤ - ٢٦] فألقى عصاه واتكأ على الأرض، وحمله الصحابة على أكتافهم إلى البيت، وبقي مريضاً شهراً كاملاً. هذا هو الإيمان، مراقبة الواحد الديان، يوم تخلو بالحيطان، وتتستر بالجدران، ستعلم أن الواحد الأحد يراك، وتقول لنفسك: وإذا خلوت بريبة في ظلمة والنفس داعية إلى الطغيان فاستحي من نظر الإله وقل لها إن الذي خلق الظلام يراني بكى الربيع بن خثيم حتى كادت أضلاعه تختلف، وقال: [[والله -إن شاء الله- لا يسألني ربي أنني وقعت بفاحشة أبداً]]. وقال البخاري فيما يروى عنه في صحيحه: "منذ بلغت الاحتلام ما كذبت كذبةً ولا اغتبت مسلماً". إن: تلك النماذج عاشت لله، وماتت لله، وذهبت لله، وأتينا إلى جيلٍ لا يعرفون الله، أكلوا نعم الله، واستنشقوا هواءه، وشربوا ماءه، وبارزوه بالمعاصي. أنجى الله الذين ينهون عن السوء، وأمَّا أولئك فهلكوا، والصنف الثاني اختلف العلماء فيهم، وكأنهم إلى الهلاك أقرب. يا مسلمون! إن في هذه المحاضرة مسائل: أولاً: واجبنا نحو الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. ثانياً: أدب الدعوة وكيف ندعو الناس؟ وكيف نجلس مع الناس ونعلمهم الإسلام؟ وكيف نلقنهم لا إله إلا الله؟ ثالثاً: الفتن التي عمت وطمت حتى يتمنى المسلم اليوم أنه يدفن مكان صاحب القبر. رابعاً: حياة اللهو واللعب والعبث التي يعيشها كثير من الناس، ما لهم يلعبون بالنار؟ ما لهم يعصون الواحد القهار؟ ما لهم تناسوا الله وذكروا كل شيء؟! خامساً: عقوبة المعاصي. سادساً: هل من توبة أيها المسلمون؟ سابعاً: كلمة إلى النساء.
следующие страницы →