Полный текст (10 391 стр.). Показаны 2941–2980 · переход к 2946.
стр. 2941
مداولة الأيام بين الناس سنة الله في خلقه
السبب السابع: أنها سنة الله ، قال تعالى: ﴿وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلاً﴾ [الأحزاب:٦٢] وقال تعالى: ﴿وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّة اللَّهِ تَحْوِيلاً﴾ [فاطر:٤٣].
يقول ابن الوردي:
أين من شادوا وسادوا وبنوا هلك الكل فلم تغن القلل
كتب الموت على الناس فكم فل من جيش وأفنى من دول
حارت الأفكار في قدرة من قد هدانا سبلنا
من الذي تولى وما عُزل، وحكم وما انتهى، واستذل وما ذل، وعلا وما أُخذ؟
سنة من سنن الله.
إن التجربة الإسلامية في التاريخ تثبت أنه حتى على الأجناس لا بد أن تطوف السنة الإلهية، قاد العرب فترة من التاريخ، فلما توجهوا إلى الموسيقى والبلوت والسهرة الخائبة أعطى الله قيادة الناس للأكراد، فأخذها صلاح الدين ونور الدين مرحلة من المراحل، فلما توجه الأكراد إلى حيص بيص وإلى الضياع وإلى ما لست أدري، أعطاها الله السلاجقة وكان منهم محمود بن سبكتكين وأمثاله، فلما تركوها سلمها الله للأتراك وأخذوها مرحلة، ثم ضاعت شذر مذر، وهي تنتظر الآن من يأخذها ليسلمها إلى عيسى ﵇.
من الأسباب ولعل هذا السبب الثامن وأنا كنت أسلفت في العناصر أنه السابع:
стр. 2942
الجهاد الأفغاني من أسباب سقوط الشيوعية
أما الذين يقولون: إن السبب الوحيد هو الجهاد الأفغاني، فأقول: لا.
هذه نظرة من وجهة نظري، وقد تكون خاطئة، ذلك أنه كيان ضخم بُني من قبل اثنتين وسبعين سنة على يد أذكياء وعباقرة في مستوى الأرض، ثم أقيم له جيش عرمرم هائل، وتعداد الجيش الروسي في بعض الأنباء، وبعض وكالات الاستخبارات العالمية قد يصل إلى ستة ملايين، وهو أضخم بكثير من الجيوش الغربية، وهو يملك ترسانة هائلة، ولكن مصيبته التبديد والتشتيت؛ لأنه يعيش القهر والاستخذاء.
مرة من المرات أنزلوا في منطقة كرواتيا ستين ألف مظلي، شعوب كلها ستحمل السلاح، وقبل ثلاث ليالٍ -وهذا القرار هو من الكنيسة- أعلن التلفزيون الإسرائيلي انزعاجه من وضع جمهوريات روسيا الإسلامية في الاتحاد السوفيتي، إذ تملك جمهورية كازاخستان الإسلامية والتي يحكمها نور سلطان ستمائة وستين رأساً نووياً، وهذه الجمهورية إسلامية، وكان في طرفها البخاري والترمذي والنسائي وسيبويه:
أولئك أبآئي فجئني بمثلهم إذا جمعتنا يا جرير المجامع
وهذه الولاية كانت الجمهوريات الاتحادية العظمى تنازعها على الحدود، فأعلن نور سلطان قبل ثلاث ليالٍ: إما كففتم عنا وإلا سوف نستخدم بعض الرءوس النووية، فكفوا.
ومن لم يذد عن حوضه بسلاحه يهدم ومن لا يظلم الناس يظلم
وهذا استطراد، نعم جاء الجهاد الأفغاني، ولكن من ينظر إلى الخارطة وإلى الحدث، وإلى التأثير يرى أنه لم يؤثر بشكل مباشر، فإنه كان في جنوب الاتحاد السوفيتي في بقعة صغيرة في أفغانستان، قام مجموعة صغيرة من الأخيار والأبطال، بضرب جيش هذا الباغي وسحقه وإخراجه، فلم يكن سبباً مباشراً ولكن كان من الأسباب إن شاء الله، وللمسألة كلام وتحتاج إلى تمعن أكثر، وإلى إثبات وبراهين وحقائق من كلا الطرفين.
стр. 2943
واجبنا أمام سقوط الشيوعية
ما هي مسئوليتنا أمام سقوط الشيوعية؟ هل المطلوب أن نعلن لكم الأخبار هذه ونسكت، لو كان ذلك لكفتكم هيئة الأخبار والصحف، وهيئة الإذاعة البريطانية؛ أن تستمعوا إليها فتخبركم بما وقع هناك من الضياع والانهيار والدمار، ولكننا نريد أن نحللها تحليلاً إسلامياً من منظور ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة:٥] ولا إله إلا الله محمد رسول الله، ومن عين ﴿قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الأنعام:١٦٢].
стр. 2944
الاعتبار بسقوط الشيوعية
أولاً: الاعتبار بهذا السقوط، وأن وراء ذلك السقوط قوة أعظم منه، فمن الذي يغير ولا يتغير ويبدل ولا يتبدل؟ إنه الله وبكلمة (كن) غيَّر مجريات التاريخ، وأحياناً تجد الأمور مستقرة ومجتمعة، ثم يغيرها الله في لحظة، لأنه كل يوم هو في شأن، والله يقول: ﴿بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ وَلَكُمُ الْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ﴾ [الأنبياء:١٨] وكل نظم الأرض سوف تلحق بذلك الرأسمالية واليهودية والعلمانية المتحكمة في كثير من الشعوب الإسلامية؛ كلها سوف تلحق بذلك، فليست هي أقوى ترسانةً وجيشاً من الشيوعية، وليست أكثر عقولاً، بل قد يعلن في كثير من الملفات العسكرية أن الأدمغة التي اكتشفت القنابل الذرية والنووية والهيدروجينية أنها روسية، أو أنها من الاتحاد السوفيتي، والتي كسبت أعظم جوائز نوبل من المعسكر الشرقي، والأدمغة الألمانية هاجرت في فترة من الفترات إلى هناك وأصبحت في تلك الجمهوريات، فلن تكون أقوى من هذا، فمن باب أولى أن تلحق هذه على الطريق، ولكن لكل أجل كتاب، وما كان لنفس أن تموت إلا بإذن الله كتاباً مؤجلاً، وعنده علم الغيب وهو الذي جعل لكل شيء أجلاً وقضاء.
الاعتبار من هذا أن الإنسان لا يزهو بقوته، ولا ينسى قوة الله، ولا يغتر بما عنده من شيء، وليعلم أنه ضعيف أمام القدرة الإلهية، قال تعالى: ﴿مَا عِنْدَكُمْ يَنْفَدُ وَمَا عِنْدَ اللَّهِ بَاقٍ﴾ [النحل:٩٦] قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ﴾ [فاطر:١٥].
стр. 2945
واجبنا دعوة الناس إلى منهج الله
ثانياً: دعوة الناس وتقديم الحق لهم، فقد احترقت أوراق المناهج الأرضية والأنظمة الوضعية، وأصبحت كاذبة فاشلة أمام الناس، وصَدَّق الناس أنه لا ينقذهم بإذن الله إلا الإسلام، فمن يقدم الإسلام، إن الإسلام ليس جبلاً ولا نهراً ولا شجرة، إنما الإسلام يكمن في أناس يحملونه.
أتى الخوارج إلى علي بن أبي طالب، قالوا: حكمت الرجال في دين الله، قال: ماذا فعلتُ؟ قالوا: صيرت الحكمين بينك وبين معاوية، فأخذ علي مصحفاً كبيراً -وهذا عند ابن كثير وعند الذهبي - وأخذ يقول: [[يا قرآن يا مصحف احكم بيني وبين معاوية]] ثم يلتفت إلى المصحف ويقول: أما تتكلم؟! والمصحف لا يتكلم، والإسلام لا يتكلم، لكن يتكلم أصحابه ويحكمون، والله لو كفى إنزال نسخ من القرآن لكان أنزلها على أبي جهل وعلى أبي لهب ووزعها على أهل مكة بواسطة جبريل، لكن أنزل رسولاً يحكم، والله يقول له: ﴿لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ﴾ [النساء:١٠٥] ويقول له: ﴿وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى * مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى﴾ [النجم:١ - ٢] فأنتم الآن البديل، وأنتم الطرح المعقول، وأنتم الخير المنتظر الذي ينتظره العالم.
لكن:
إني أبشر هذا الكون أجمعه أنا صحونا وسرنا للعلا عجبا
بفتية طهر القرآن أنفسهم كالأسد تزأر في غاباتها غضبا
عافوا حياة الخنا والرجس فاغتسلوا بتوبة لا ترى في صفهم جنبا
أنتم الآن البديل، قلت لكم من قبل ستة أشهر، وصلت رسالة من أحد الشباب العدنيين من أوزبكستان، وأظنها والله أعلم ولاية في جنوب الاتحاد السوفيتي، أرسلها من هناك وقال: إي والله، هذا شيوعي من عدن يدرس هناك علماً دنيوياً، فهداه الله على يد أناس من الدعاة في تلك الجمهورية الإسلامية، فأعلن إسلامه وهو يقول: المصاحف عندنا في الولاية نتداولها، كل يوم يكون المصحف في بيت لنقرأ كلام الله، العالم بحاجة إلى إسلام، العالم يريد هذا الدين، العالم يريد هذا الإيمان الذي بعث به محمد ﵊، فمن يحمله ومن يقدمه؟ أنتم أيها الناس، لقد قدم أولئك لكم الثلاجة والبرادة والصاروخ والطائرة، وهم ينتظرون منكم أن تقدموا لهم حياة الإيمان وحياة الغيب والشهادة، وحياة الدنيا والآخرة والسعادة الأبدية التي تكمن في دين الإسلام.
إذاً: البديل هو الإسلام، فقد أعلن كل منهج أنه أفلس وأنه لا يستطيع أن يوجه البشر، لأن الذي يوجه البشر هو الذي خلق البشر، وفطرهم .
стр. 2946
إرشاد الحكومات الإسلامية واجب على العلماء والدعاة
ثالثاً: في سقوط الشيوعية درس للشيوعيين في البلاد الإسلامية والعربية، اعتبروا يا أولى الأبصار إن كان عندكم أبصار، أسيادكم المؤثرون وأعمامكم سقطوا، فكيف بكم أنتم؟! والعجيب أنه لما حاول الحزب الشيوعي أخذ السلطة من يد جرباتشوف قبل أيام، قام الشعب في موريتانيا بمظاهرة يقولون: تعيش الشيوعية، وأرسلت البرقيات من عند العملاء من كل مكان، والأذناب الذين يعيشون على الخيزرانات والسياط الذين جاعوا وجوعوا الشعوب معهم، يرسلون التأييد لهذا الحزب الفاشل، فلما انهار ورجع جرباتشوف قالوا: ما أردنا ذلك، إنما أردنا شيئاً آخر.
وسمعت هناك رجلاً اسمه أكرم في الحزب الشيوعي اللبناني في مقابلة بالهاتف مع هيئة الأخبار البريطانية، قالوا له: ما رأيك في هذا الحزب الشيوعي الذي استقل السلطة؟ مع العلم أن الناس يخرجون عراة من بيوتهم ويضطجعون أمام الدبابات يرفضون الشيوعية، ما هو الدليل؟
قال: لا يعني ذلك فشل الشيوعية، فقد أثبتت نجاحها، لكن الفشل فشل من قام بها وأثبتها للناس، قبح الله ذاك الوجه، أصحابها يقولون: فشلت واحترقت وتدمرت وهذا العميل المرتزق أعمى البصر (أعور ويناقر) يقول: لا ما سحقت.
مليار شيوعي الآن يعلنون أنهم يريدون أن يخرجوا من ثيابهم ولا يريدون الشيوعية أبداً ويعلنون أنها فشلت، ثم يفاجأ هذا بعدها بأن جرباتشوف يحل نشاط الحزب الشيوعي في الاتحاد السوفيتي يقول: محذور! يقول : ﴿كُلَّمَا دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَعَنَتْ أُخْتَهَا﴾ [الأعراف:٣٨] فرأيت الرافعات في موسكو تذهب بواسطة العمال إلى تمثال لينين لتسقطه في الأرض فيسعى الناس من شرفات المنازل ومن الحدائق ويقفزون بالأحذية فيسحقون وجهه، ثم ترفع الرافعة الأخرى على استالين فتسقطه، فيسعون ويدوسونه بأقدامهم، حتى يبيدوا الصور، فما معنى ذلك؟ معناها الخزي والعار، قال تعالى: ﴿وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَخْزَى وَهُمْ لا يُنْصَرُونَ﴾ [فصلت:١٦].
стр. 2947
ترشيد الصحوة الإسلامية
رابعاً: واجب علينا ترشيد الصحوة وتقديم الأولويات في إصلاح الناس جميعاً، فليس السر في الصحوة أنها تصلح الفرد فقط، وليست المسائل الجزئية التي لا بد منها، لكن ليست هي الأولى أي: ليست رسالتنا أن نطالب الناس فقط بتربية لحاهم، وتقصير ثيابهم، واستخدام السواك، هذا أمر لا بد منه وهو من سنن محمد ﵊؛ لكن هناك قضايا كبرى لا بد أن تستهلك أعظم الأوقات وأشرف الساعات في عرضها للناس، كمسألة الإيمان أنه بديل عن الكفر، مسألة الحاكمية للواحد الأحد: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَرِثُ الْأَرْضَ وَمَنْ عَلَيْهَا وَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ﴾ [مريم:٤٠] ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ﴾ [الأنعام:٥٧] وأنه لا يجوز لإنسان أن يتصرف بالحكم في الأرض، وأن الخلافة لله ثم لأوليائه في الأرض أن يحكموا بحكم الله ﴿يَا دَاوُدُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [ص:٢٦].
من الأولويات: أن نقدم رسالة الرسول ﵊ صافية، أنا أتصور أن الشرقيين هؤلاء كالشيوعيين والغربيين الرأسماليين يظنون الإسلام الذي جاء به محمد ﷺ يتمثل في مثل القذافي أو الخميني، أو صدام حسين، ولذلك ما دخلوا في الإسلام، إسلام يخرج لنا هذه النماذج لا نحبه، وهؤلاء في واد والإسلام في واد آخر، الإسلام طبقه أبو بكر وعمر وعثمان وعلي بن أبي طالب وأحمد بن حنبل والشافعي وأبو حنيفة ومالك بن أنس وابن تيمية وابن القيم ونور الدين محمود وصلاح الدين وعمر بن عبد العزيز، هذا الإسلام، فوجب علينا أن نقدم لهم هذا التاريخ المشرق، وأن نقدم لهم ماذا فعل الإسلام يوم حكم بحقيقته هذه الأرض، وكيف طوقها بالعدل.
وأنا أحيلكم إلى مقالة للشيخ الأستاذ الكاتب الكبير: علي الطنطاوي حفظه الله، في بداية كتابه قصص من التاريخ، اسمها (نحن المسلمين) وهي مقالة جديرة أن تقرأ فإنه طرح طرحاً عجيباً، نظرية الإسلام أمام نظريات أهل الأرض، أولها يقول: نحن المسلمون، سلوا كل سماء في السماء عنا، وسلوا كل أهل الأرض عنا من الذي أعتق الإنسان وكان عبداً، عمر ﵁ وأرضاه يأتيه رجل من مصر قبطي، فيقول: يا أمير المؤمنين! ضربني محمد بن عمرو بن العاص، ابن أمير مصر، قال: ولِمَ؟ قال: سابقته بفرسي فسبقته، وقال: أتسبقني وأنا ابن الأكرمين، فنزل فلطمه حتى لم يعد يدري أين يتجه، فذهب إلى الهيئة العليا، إلى عمر -الذي يوقف الشيطان عند حده- بل يأتي عمر من طريق والشيطان من طريق، عمر الإسلام والعدل والخير- فاستدعى عمرو بن العاص واستدعى ابنه محمداً، وجمع الناس، ولما قدم عمرو لم يدر بالخبر، ولما رآهم عمر قبل أن يُسلِّموا، أخذ الدرة وهي درة فيها علاج يخرج الشياطين من الرءوس، في صيدلية عمر بن الخطاب، شارع ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة:٥] قال: والله لا يحول بيني وبينهما أحد، ثم أخذ عمرو بن العاص، فبطحه أرضاً.
كل بطاح من الناس له يوم بطوح
ثم بطح ابنه محمد ثم أخذ العصا واعتلاهم على صدورهم يضربهم، ويقول: [[متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحراراً]] هذه تكتب بماء الذهب، وأصبحت كلمة عمرية.
من واجب شاب الصحوة أن يكون إنساناً مؤثراً، لا يكون سلبياً، ولنعلم أن كارل ماركس قدم لشيوعيته ونظريته أعظم مما قدمت أنا وأنت للإسلام، بل لينين سجن في مرة واحدة ست سنوات في عهد الحكم القيصري، ومع ذلك فهو مُصِرّ وعنيف، هو من قرية من الشمال، حتى أثبت إرادته وحكم، وقد رأينا من الفاشلين والظالمين من ضحى لدينه ومبدئه ولو كان ضالاً أعظم مما ضحى المسلم لعقيدته، وكما سلف معنا، يقول عمر: [[اللهم أني أعوذ بك من جلد الكافر وعجز الثقة]].
ومن الأمور والأسرار أن عمر الإسلام كما قلت لكم: خمسة عشر قرناً وهو لا يزال في نمو وتصاعد حتى تكون العاقبة له، وكما أخبرنا رسول الله ﷺ بأن الخاتمة للدين في أحاديث كثيرة، فسوف يستمر هذا الدين حتى يرث الله الأرض ومن عليها وتقوم الساعة.
الشيوعية عمرها اثنتان وسبعون سنة، وهذه السنوات كلها قهر وإبادة، وقد قلت لكم: الشيوعية قتلت في حكمها واحداً وثلاثين مليوناً، منهم ستة عشر مليوناً قتلهم لينين وحده، غير السجون والمعتقلات والتعذيب والتشريد، وسخروف كتب مقالة قبل أن يموت وقد نشرتها جريدة الشرق الأوسط من قبل فترة في عهد برجنيف، وأنذر برجنيف أن الشيوعية سوف تسقط، ويقول: أدركها أدركها، فنفاه إلى جزيرة سيبيريا ثم توفي.
وهم صراحة يعلنون هذا، ويعلنون أنهم إلى الدمار، لكن ما استجاب لهم أحد حتى وقعت لهم خيبة أمام العالم، ومصير النظم شرقية كانت أو غربية والتي قامت على التراب وعلى الطين ولم تستمد قوتها من رب العالمين، ولا من دينه القويم، الذي بعثه رحمة للناس، هو هذا المصير، فالأنظمة البوليسية وأنظمة التجسس تسقط بالفعل، وأنظمة الانقلاب الدموي تسقط، وقد شوهد في العالم الثالث أن الانقلابات الدموية التي تتولى الحكم في فترات، إما حكم عسكري أو حكم علماني كافر يتولى في فترة من الفترات، أنها تواجه بالانقلابات المستمرة، انظر الآن إلى العالم الغربي في حكمه كيف استقر في فترة من الفترات، كمثل النظام الأمريكي لأنه من عهد جورج واشنطن إلى الآن ما يقارب ثلاثمائة سنة إلا شيئاً، والآن الرئيس الموجود يشكل الرقم ثمانية وثلاثين أو تسعة وثلاثين، وقد ذكر هنري مانجرو في كتاب الولايات المتحدة الأمريكية أن هذا النظام لا يقبل الفساد في السلطة فـ جونسون لما أخفق في فيتنام أزيح، ونيكسون لما أخفق في فضيحة ووتر جيت أزيح كذلك، وكارتر أزيح، وغيرهم كثير.
أما العالم الثالث هذا، فإنك تفاجأ في ست ساعات أن يتولى واحد، ثم يدخل عليه الثاني فيضربه بمسدس ويسحبه كالكلب، ويتولى الثالث ويغتاله بقنبلة، ويتولى الرابع فتجهز له سيارة مفخخة، لأنها ابتعدت صراحة عن مسألة الحوار والنصح وإبداء الرأي، وقامت على الانقلاب الدموي، وعلى الكبت والحديد والنار، ومنهم من قامت على نظرية كافرة في الاقتصاد لم تؤمن بمنهج الله بالاقتصاد ومصيرها كمصير أختها، وإياك أعني واسمعي يا جارة: ﴿وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا مَا حَوْلَكُمْ مِنَ الْقُرَى وَصَرَّفْنَا الْآياتِ﴾ [الأحقاف:٢٧].
стр. 2948
مد يد العون للمسلمين من الجمهوريات المسلمة
خامساً: من واجبنا في هذه المرحلة مد يد العون للمسلمين في الجمهوريات الإسلامية، كل من له استطاعة، وكل من له قدرة أن يمد يد العون فليفعل، وقد سمعت أن كثيراً من الدعاة سافروا قبل هذه الأحداث بشهر إلى موسكو للدعوة إلى الله بكثير من الأموال، لأن أبناء البخاري ومسلم والترمذي والنسائي يسكنون هناك وهم ينتظرون من إخوانهم الإسلام والعون والوقوف.
من واجبنا كذلك: تصحيح وجهات نظر الناس، لأن الإعلام في أي مكان ليس أميناً في توجيه قدرات الناس ولا طاقاتهم ولا معلوماتهم، وأعلن الإعلام نفسه عجزه أمام الأحداث، وأنه لا يستطيع أن يقدم صورة مشرقة، فحق على الدعاة أن يقدموا هم بأنفسهم الصورة المشرقة بالوثائق والبراهين وألا تعتمد الأمة على ما تسمع أو ما ترى أو يبث، لأننا رأينا أنها تزور الحقائق وتلف، وأنها تبتر وتقدم صورة مشوهة أحياناً أو تختلس وتسرق، فحقيق علينا أن نقدم الصورة الحقة التي تصل الدعاة من وسائل ثابتة وثيقة الصلة بالحق، أو بها ثقة أن نقدمها للناس حتى يكونوا على مرئيات حقة.
стр. 2949
الدعاء للمسلمين
سادساً: أن على الإنسان أن يمد إخوانه بالدعاء في مشارق الأرض ومغاربها، وفي السحر وأدبار الصلوات، أن ينصر الله دينه، وأن يجعل العاقبة له، وأن يجعل الخلافة في الأرض والنصر والتمكين لأوليائه ، وهذا مطلب أساسي.
واجبنا نحو هذه المرحلة: أن نتجه إلى تربية الشباب؛ لا على العواطف، لكن على الحق الموروث من معلم الخير ﵊، على العلم (قال الله قال رسوله) على الحلقات الهادئة دون أن نربيهم على العواطف المجنحة التي لا تعتمد على حقائق ثابتة، وإنما يكون ضررها أكثر من نفعها.
стр. 2950
واجبنا تعرية الباطل
سابعاً: ومن واجبنا أيضاً خطباء وأئمة ودعاة أن نعري الباطل، وأن نمرغه في التراب وهو أحسن ما يكون، كما فعل شيخ الإسلام طيب الله ثراه، فالذي جعله يحبس وجعل الحديد ووزنه أربعة كيلو في يديه هو تعريته للباطل، وتمريغه للباطل لقد مرغ الجهمية والمعتزلة والبطائحية والاتحادية والحلولية والزنادقة، والحكم الفاشل المنهار الذي يحكم بغير ما أنزل الله ، ولذلك كان مصير ابن تيمية أن يبقى في الأذهان حياً، ويبقى علمه خالداً، بخلاف غيره من العلماء الذين جمعوا المختصرات في الحواشي، فما زادوا على ما وجدوا إلا أن جمعوا، ولذلك مات بعضهم بموته، ولم يبق له إلا الأثر أي: المخطوطات التي تركها مثاباً عليها، أما العلم الحي المتدفق الذي يتركه ابن تيمية فهو العلم الذي يجب أن نحمله نحن لنحقق للإنسان سعادته ويكمن في تمريغ الباطل: ﴿وَكَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآياتِ وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ﴾ [الأنعام:٥٥].
ولا يقل أحد من الناس: إني تدخلت فيما لا يعنيني إذا مرغت الباطل، بل مما يعنيك أن تمرغ الباطل، فإن الله أول ما بدأ في سورة البقرة أنه مرغ بني إسرائيل، حتى يقول سيد قطب: لا بد من هذا النسف والإبادة والتدمير لبني إسرائيل.
أذكر قصة في رمضان في قرية من القرى، يقول أحد الأئمة: صليت بهم في التراويح وكان معنا شيخ كبير عامي، فقرأت بهم البقرة، واستمرينا إلى سابع ليلة، فالتفت الشيخ فسلم عليَّ بعد الصلاة، قال: أين القرآن الذي نزل على محمد ﷺ ؟ هذا القرآن كله لبني إسرائيل ما سمعنا القرآن إلا يتكلم عن بني إسرائيل، قال: فرجعت إلى بعض التفاسير ووجدت كلام سيد قطب، يقول: لا بد من هذا النسف والإبادة والتدمير لهم، يقول أهل العلم: لابد من التخلي قبل التحلي، قبل أن تعلن فكرتك لا بد أن تزيل الأفكار الموجودة، فالله بدأ فنسف بني إسرائيل وأفكارهم ومعتقداتهم الباطلة المدمرة، ثم أتى إلى النصارى وبكتهم، ثم أتى ورد على المانوية.
وكثير من أهل العلم يقول: إنه رد على المانوية في أول سورة الأنعام، وعلى كل مذاهب الأرض، يقول : ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ﴾ [الأنعام:١].
قالوا: رد على اليهود والنصارى والمانوية، أما المانوية ففي قوله تعالى: ﴿وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ﴾ [الأنعام:١] لأن المانوية تقول: إله الخير النور وإله الشر الظلمة، وتجرد الله من الألوهية، حتى يقول المتنبي لـ سيف الدولة:
فكم لظلام الليل عندك من يد يحدث أن المانوية تكذب
يقول: أنت تنتصر في الليل، والمانوية تقول: الإنسان لا ينتصر، وأنت دست أعداءك في الليل وقطعت رءوسهم في الليل، سيف الدولة هذا البطل، قال:
فكم لظلام الليل عندك من يد يحدث أن المانوية تكذب
الشاهد من هذا أنك إذا أردت أن تعرض فكرتك:
أولاً: أزل الأفكار المنحطة، جنبها طريقك، ولذلك فعل في القرآن، قال تعالى: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيراً﴾ [الفرقان:١] انظر للتخلية: ﴿الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَمْ يَتَّخِذْ وَلَداً وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيراً * وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً لا يَخْلُقُونَ شَيْئاً وَهُمْ يُخْلَقُونَ وَلا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ ضَرّاً وَلا نَفْعاً وَلا يَمْلِكُونَ مَوْتاً وَلا حَيَاةً وَلا نُشُوراً﴾ [الفرقان:٢ - ٣] ثم أثبت الألوهية لنفسه.
стр. 2951
الاحتمالات التي تئول إليها الشيوعية
الفرضيات الآن المنتظرة للاتحاد السوفيتي بعد انهيار الشيوعية ثلاث فرضيات وثلاثة احتمالات:
الأول: إما أن تعود الشيوعية إلى وضعها، وهذا احتمال ضعيف، وإن عادت فسوف تعود مهترية وسوف تحكم بالحديد والنار فترة، ثم تذهب إلى غير رجعة، وهي إنما تتمالك صراحة بالحديد والنار، يوم يكون الحديد قوياً والنار ملتهبة والبطش جبروتياً سوف تبقى، ويوم يضعف هذا فسوف تنهار، يمكن أن تعود، من يدري؟ ولذلك لا يغتر الشيوعيون العرب الذي أرسلوا برقيات وهنئوا أنها إذا عادت أنها سوف تطبق الدنيا، لا.
أصل الشيوعية في الصين قبل ثلاث سنوات أراد أهلها أن يخرجوا من ثيابهم، لكن أمسكوهم في معرض العدالة، بل هو الظلم الذي في بكين، وسحقوهم بالحديد والنار، وطوقوهم بالدبابات، وطاردوهم في الحدود ومنعوهم، وسوف يخرجون كما خرج الناس في الاتحاد السوفيتي، وقد قال : ﴿أَلَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ﴾ [هود:٨١] وهذه سنة الله .
والاحتمال الثاني: جمهوريات منفصلة وهذا الواقع الآن، ويقول: إنها كارثة، هي كارثة لهم كدولة عظمى، لكنها للإسلام والمسلمين نسأل الله أن تكون أملاً وطموحاً، أن تأتي هذه الجمهوريات وتعلن حكم الله في الأرض, هي تملك رءوساً نووية، وتملك طاقات هائلة وتجارب ومصانع، وتكون قوة للإسلام وللصحوة، وتكون الخاتمة والعاقبة للذين آمنوا، والعاقبة للمتقين، وليس على الله بعزيز .
وقد ذكر الداعية الكبير الشيخ عبد الرحمن الدوسري ﵀، في كتابه في التفسير وفي بعض أشرطته، أنه ينتظر وأنه ليس على الله بعزيز أن تحول قوى الأرض بيد الإسلام في فترة من الفترات، فيسيِّر بها ثقافة الإنسان وحضارته، ويحكم بها الإنسان، ثم يدمغ بها الباطل، وهذا أمر قد يحدث، ولا نستغربه ولا نستبعده.
احتمال ثالث: موافقة بينهم وبين الغرب على نظام ليبرالي مؤقت، وهذا مثل التعايش السلمي، أن يكون بينهم تنسيق وتعايش سلمي، يبقى هؤلاء ويبقى هؤلاء على نظامهم الذي ارتأوه في مثل مالطا، وفي مثل غيرها من اللقاءات، وفي مثل هنسكي على أن يعيشوا على وفاق دولي، وأن يسكت بعضهم عن بعض، ولكن هذا لن يستمر، وأنا أقول: لعل الله يجعل من هذه الأحداث صلاحاً للإسلام: ﴿فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْراً كَثِيراً﴾ [النساء:١٩] وإن العالم الآن لينتظر من المارد يسمونه هم المارد كما يسميه زويمر، لكن أسميه أنا الفجر والفتح، وهو الإسلام أن يكون هو التجربة للإنسان وهو الذي يعيده إلى ربه ، لأنه هو حكمه وهو الذي سنه للناس وهو أدرى بطموحات الإنسان وطاقاته وآماله وحاجياته, والله يقول: ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْماً لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ [المائدة:٥٠] فلا أحسن من الله حكماً! ولا أحسن من الله تربية! ولا أحسن من الله نظاماً! ولا أحسن من الله ترشيداً! والشرف العظيم للإنسان أن يتصل بالله، حتى يذكر كثير من العلماء يقول: الشرف أن يتصل الفاني بالباقي والضعيف بالقوي، والفقير بالغني، فنسأله أن ينصر دينه وأن يعلي كلمته.
стр. 2952
معنى السقوط ومفهومه
هذا كلام الشيخ: سعيد بن زعير.
نقطة أبدأ بها بعد الحمد لله والصلاة على رسوله ﷺ : تكرر الحديث عن سقوط الشيوعية فما المقصود بالسقوط، وماذا نعني بهذا السقوط؟
وما دلالة السقوط؟
وما هو مفهوم السقوط إن كان هناك سقوط؟
وما هو المفهوم للسقوط إن لم يكن هناك سقوط أيضاً؟
متى نقول: إن نظرية أو نظاماً أو فكراً أو دولة سقطت، فسقوط المبادئ سقوط فكري وسقوط عقلي وسقوط معنوي، وسقوط منطقي، ليس بالضرورة سقوطاً مادياً، وإن كان السقوط المادي بعده هو الخاتمة والنهاية، سقوط الشيوعية في تبدل درجة التمسك.
الشيوعية مبنية على نظرية مادية، بدأها الشيوعي ماركس وهيجل وهي نظرية مادية جدلية، ثم تغيرت وآخر أشكال التغيير ما قام به جرباتشوف، وإن كان جرباتشوف شيوعياً، بشكل جديد للشيوعية، وإلغاء المبادئ في الشيوعية وهدم لبعض الأساسيات في الشيوعية، فماذا يعني السقوط في المبادئ؟
هو أن يغير أصحاب المبادئ مبادئهم، لو كان الفكر الشيوعي صحيحاً ما غيره أصحابه، ولذلك إذا رأينا أصحاب المبادئ يغيرونها فهو السقوط، وسوف آخذ هذا المبدأ أو هذا القول فيما يتعلق في سقوط الشيوعية وهو التبدل في المبادئ، تغيير المبادئ، هدم فكرة وإبدالها بأخرى عند الشيوعيين، قد يستمر الاتحاد السوفيتي، قد يوجد جرباتشوف وقد يوجد بعده من هو أشد منه تبديلاً، لكن هذه دلالات على سقوط الذين يحرمون الناس في الاتحاد السوفيتي من التملك في بداية الشيوعية يمنعون أن يكون لك بيت، يمنعون أن يكون لك أي شيء من وسائل الإنتاج، هذا المبدأ الأصلي، وإذا به يتغير ويقبلون التملك لوسائل الإنتاج وللمزارع، لماذا بدلوا؟ لأنهم علموا بأن الذي كانوا عليه غير صحيح، وهذا هو السقوط، دعنا من رأي الرأسماليين أو رأينا نحن المسلمين، هم أنفسهم أحسوا بأن الأسس التي قام عليها النظام الشيوعي غير صحيحة، وهذه قمة السقوط.
سقوط الشيوعية معناه: اقتناع الشيوعيين أنفسهم بأن الشيوعية غير صحيحة ولو لم نجد أحداً من الشيوعيين كتب بأن الشيوعية غير صحيحة، فهذا هو السقوط الحقيقي، صاحب الفكرة استبدلها بفكرة أخرى، هذا السقوط الذي حدث للشيوعيين هل سينطبق على غيرهم؟
عندما بدل الشيوعيون مبادئهم، وقلنا: إن هذا هو معنى السقوط؛ فهل سينطبق هذا السقوط على غير الشيوعيين؟
نحن المسلمين نقول: نعم.
لكنَّ الشيوعيين والرأسماليين وأصحاب المذاهب غير الإسلامية، يقولون: ما دليلكم؟
أنا وأنتم يكفينا الدليل عندما نقول: يقول الله : ﴿بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ﴾ [الأنبياء:١٨] أنتم تؤمنون بهذا وتقبلونه؛ لأنكم تحترمون المصدر الذي جاء منه القرآن، وبأن الله سيقذف الحق على الباطل فيدمغه، لكن أصحاب الفكر الشيوعي المادي، بل وأصحاب الفكر الرأسمالي المادي لا يؤمنون بأدلة تأتي من مصادر نحترمها نحن، لذلك سوف نأخذ دليلاً على ذلك وهو حادث الشيوعية دليلاً على البقية- ما الفرق بين الشيوعية والرأسمالية؟
ولا أريد ما يقال لنا في المدارس؛ لأن الكلام الذي يقال لنا في النظم وفي النظريات كلام ميت لا يحيي في النفوس شيئاً، عندما تدرس النظرية الشيوعية أو تدرس النظرية الرأسمالية، أو يدرس الاقتصاد الشيوعي أو الرأسمالي في مواد الثقافة الإسلامية تدرس تدريساً ميتاً، أقول لكم: ما الفرق ليس مما نقرأ في الكتب، ولكن مما نعايشه في الواقع، ما الفرق بين الشيوعية والرأسمالية؟
أقول: إنه لا فرق بينهما، عندكم أنتم ينبغي ألا يكون فرق بينهما، لِمَ؟
لأن الشيوعية والرأسمالية فكر ضال غير مهتدٍ بعيد عن هدي الكتاب والسنة.
الشيوعية والرأسمالية، كلاهما نظام ينظم للناس شئون حياتهم بعيداً عن القرآن وعن السنة، وكل منهج بعيد عن الكتاب والسنة، فهو عندنا ضلال وسقوط، وإن سقط اليوم أو غداً أو بعد غد، وإلا سوف يأتي يوم من الأيام ونقذف بالحق على الباطل فيدمغه؛ شيوعياً أو رأسمالياً أو قومياً أو من أي مصدر، قال تعالى: ﴿وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقاً﴾ [الإسراء:٨١] قالها الرسول ﷺ بعد فتح مكة، قبل الفتح وهو في مكة قبل أن يهاجر لم يقل هذا للكافرين، لكن في قرارة نفسه أنه سيأتي يوم من الأيام وتقال هذه الآية وتسقط الأصنام، كل نظام على وجه الأرض لم يقم على الكتاب والسنة فهو ساقط، دليله عندنا من القرآن قال تعالى: ﴿بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ وَلَكُمُ الْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ﴾ [الأنبياء:١٨] ودليله للماديين الذين لا يؤمنون بالقرآن: سقوط الشيوعية نفسه، سقطت الشيوعية لأنها مقطوعة الصلة بالله، وستسقط الرأسمالية وغيرها من المبادئ، وكل مبدأ ينظم حياة الإنسان أو حياة المجتمع بغير هدى الله؛ فإنه سوف يسقط، المسألة مسألة زمن فقط، والله هو الذي يقدر الزمن الذي تحتاجه الشيوعية لتسقط، وكذلك الرأسمالية والعلمانيون الأذناب في بلاد المسلمين، المسألة مسألة زمن، وكل هؤلاء من الساقطين، هذه واحدة مما يتعلق بمعنى السقوط
стр. 2953
دول العالم الثالث والمبادئ
الفقرة الثانية: دول العالم الثالث التي يصنف فيها دول العالم العربي والإسلامي كلها، أو دول العالم النامي، أو الدول النامية، أو الدول المتخلفة.
هذا العالم الثالث دوله ما علاقتها بالمبادئ؟ أي: هل هي صاحبة مبادئ ثابتة أم أنها تتحول وتتشكل في المبادئ؟ ومن هي الدولة من دول العالم الثالث صاحبة المبادئ الثابتة التي لا تتغير؟ خذوا من أقصى الشرق إلى أقصى الغرب من هذه الدول النامية، خذوا علاقتها الدولية وعلاقتها بشعوبها، هل هي لديها مبادئ لا تتغير؟ هل هي ثابتة مثلاً في عدائها للشيوعية؟
في علاقتها السياسية بالدول الأجنبية، هل دول العالم الثالث ثابتة، بمعنى أنها صاحبة مبدأ تقول: الشيوعية إلحاد وكفر بالله، ونحن أصحاب مبادئ إسلامية لا علاقة لنا بـ الشيوعية، هل هذا مبدأ، ومتى يكون مبدأً؟
إذا كان على مر الزمن، وعلى مر الأحقاب، وعلى مختلف الفترات لا يتغير فهو مبدأ، ولكنك تجد من دول العالم الثالث من هي شيوعية تماماً، متحالفة مع الشيوعية، فإذا بها تتحول مائة وثمانين درجة لتصبح رأسمالية، سبحان الله! أين المبادئ؟!
هذا مثال، وأريد من هذا المثال أن أصل إلى تقرير ثانٍ مبني على الأول، والأول وصلنا منه إلى أن معنى السقوط هو سقوط المبادئ.
الثاني: أن دول العالم الثالث ساقطة بمعنى: أنه لا مبادئ لها، وإذا أردنا أن نطبق، فخذ أي مجالٍ من المجالات، ستجد أنه ليس هناك مبادئ تحكم، دول العالم الثالث، بل تجدها حليفة لليسار ثم إذا بها حليفة لليمين، تجدها شيوعية فإذا هي ليبرالية، تجدها دولة ديمقراطية وإذا بها دولة بوليسية قمعية، تدعو إلى تعدد الأحزاب، وإذا بها مرة أخرى تخرج الدبابات في الشوارع، فلماذا؟
لأنها ساقطة ليس لها مبادئ ثابتة، وسقوط الشيوعية هو في مثل هذه الصورة نموذج، الدول التي ليست لها مبادئ ثابتة هي أيضاً في طريقها للسقوط.
стр. 2954
أمثلة لسقوط المبادئ
أضرب أمثلة فيما يتعلق بهذه التحولات، كنت في بلد من البلدان العربية -مثال على عدم الثبات للمبادئ حتى في حياة الناس- والتلفزيون أحد الوسائل التي تعطيك واقع البلد الذي أنت فيه، وهي حقيقة ينبغي ألا تغيب عن واقع كل الناس، إذا أتيت لبلد فافتح تلفزيونها وهو أصدق من يعطيك واقع هذا البلد، فإن كان هذا التلفزيون يعرض مبادئ إسلامية أو شيوعية، أو رأسمالية، أو العهر، أو الفضيلة، فهو أحد الشواهد القوية على ما عند هذا البلد؛ في تلفزيون تلك البلد أروي لكم والله على ما أقول شهيد، كان عنده ندوة قبل المسلسلة، والمسلسلة كما تعلمون عرف إعلامي في كل البلدان العربية، مسلسلة هو تعليم لحياة غير حياة تلك البلاد من خلال المسلسلة، يقدم في ندوة قبل المسلسلة عرض للنظام الاقتصادي اليساري الشيوعي الاشتراكي، ويقول المنتدون وهم ثلاثة: بأن هذا البلد لن يقوم الاقتصاد فيه ولن تتحقق فيه البنية الاقتصادية ولن تنهض فيه الشركات الكبرى، أو ما يسمى بالقطاع العام إلا من خلال هذا التطبيق الشيوعي، أو من خلال تطبيق نظام القطاع العام كما نص في الندوة، وينصرونه ويدافعون عنه، وأنه لا نهضة للاقتصاد إلا بإعادة النظر في الأخطاء التي تمت في التطبيقات التي في القطاع العام أو في القطاع الحكومي، أو في الملكية العامة للشعب لوسائل الإنتاج.
ندوة بنصف ساعة كلها تدور حول ضرورة أن يكون الاقتصاد اقتصاداً مبنياً على الملكية العامة، وألا تتاح الفرصة للقطاع الخاص، ولا للأفراد بأن يملكوا، لأن التجربة التي طبقت في هذا البلد هي التي جلبت النجاح، بعد هذه الندوة جاءت المسلسلة، ونترك المسلسلة لا دخل لنا بها، بعد المسلسلة ندوة أخرى، الندوة الأخرى تتكلم على أنه لا نجاح لهذا البلد إلا بتطبيق الاقتصاد الذي يعتمد على الملكية الفردية! وعلى حرية الأفراد بالتملك، وعلى أن الاقتصاد العام والملكية العامة هي التي أثرت على البلد، وأنه ينبغي أن تدفع سياسة اقتصاد السوق والانفتاح على الاقتصاد العالمي، هذا الكلام الذي سمعته في الندوتين من الناحية العلمية ومن الناحية الاقتصادية لا يقبل بأي معيار، كيف أنه في تلفزيون بلد واحد يعرض هذان النموذجان وفي ليلة واحدة؟! فهو أقوى الأدلة على أن ذلك البلد -بل ومعظم البلاد في العالم الإسلامي- لا تعيش مبادئ، بل هي في أزمة مبادئ، تعلن أنها تعيش في هذا المبدأ وتطبق مبدأً آخر، تعلن حربها على المبدأ وتطبق نفس المبدأ، تعلن أنها تلتزم بنظام معين وتمارس غيره، إذاً الدول في العالم الثالث -دول العالم العربي والعالم الإسلامي- تعيش أزمة مبادئ، لأن المبادئ لا تحكم لها تصرفاتها.
ما الفرق بين هذه التغييرات وبين ما نسميه في فكرنا وثقافتنا الإسلامية بتجديد الإسلام؟ قضية مطروحة فكرياً وهي خطيرة؟
والمثال الواضح، عندما يقول الشيوعيون العرب: بأن كارل ماركس، ومن أتى بعده في التطبيقات الشيوعية، لم يخرجوا عن دائرة الشيوعية وإنما ممارساتهم هي اجتهاد في التطبيق الشيوعي، بمعنى: أن النظرية الشيوعية باقية، وإنما هي تطبيقات، وبعض المحسوبين على المسلمين اليوم يقولون: إننا في حاجة إلى اجتهاد في الإسلام شبيه بالاجتهادات الشيوعية والرأسمالية في نظمها.
стр. 2955
الاجتهاد في الإسلام
السؤال
ما الفرق بين اجتهاد الإسلام الصحيح وبين هذه الاجتهادات؟ خلاصة الفرق بإيجاز شديد:
الجواب
الاجتهاد في الإسلام لا يكون مع النص، نصوص الإسلام ومبادئه ثابتة لا يستطيع أي مجتهد كائناً من كان أن يغيرها، وفي المثال الذي ضربه قبل قليل الشيخ عائض عندما قال: إن أبا ذر عندما اجتهد اجتهاداً يحرم الملكية، ويحرم كنز المال رفض الصحابة منه هذا الاجتهاد، وأي مجتهد يجتهد سواء كان عالماً كبيراً أو من أهل الاجتهاد فاجتهاده في حدود فهم النصوص، ودون أن يخالف نصاً للرسول ﷺ ، أو يخالف ما أجمع عليه المسلمون، أو يخالف رأي الصحابي الذي انتشر بين الصحابة ولم ينكروه، أما إذا قال الصحابي رأياً وأنكره عليه الصحابة، مع احترامنا للصحابي وغيره إذا اشتهر، ورفضه مجموعة من المسلمين سواء كانوا من الصحابة أو كانوا مجموعة من العلماء بعدهم فإن هذا اجتهاد لا يعتد به.
لدينا الآن مجموعة من المجددين يتحدثون الآن عن اسم التجديد في الإسلام، وأخطر من يتصدى لنا هم هؤلاء المجددون، إنهم يجددون وهم ليسوا من أهل الاجتهاد، ومواصفات المجتهدين في الإسلام لا تنطبق عليهم، وسابقتهم سيئة، لأن معظمهم كانوا من الشيوعيين أو من الليبراليين العلمانيين، ونحن لا نحجب باب التوبة عن أحد؛ لكن ذلك الفاسق أو الضال أو المنحرف أو المرتد عندما قال: إنه تاب أو رجع، نقول: حياك الله، وخذ باب الاجتهاد واجتهد وتقبل الله توبتك، وهذا بينك وبين ربك، أما أن تبدأ لنا بلوثاتك العقلية وتقول بأنك مجتهد، فلا.
لا مجال للاجتهاد ممن يسمون: (المفكرين الإسلاميين الكبار) إذا مرت عليك هذه العبارة فضع يدك على قلبك وانتبه، إذا قيل لك المفكر الإسلامي الكبير، أو المجتهد الإسلامي الكبير، أو المجتهد الإسلامي المستنير، فانتبه! فإن أكثر من يحمل هذا اللقب أو تطبل له الصحافة وتعطيه هذا اللقب ممن يجتهدون في المبادئ، ويجتهدون في النصوص، وقطعيات الإسلام لا اجتهاد فيها.
من اجتهاداتهم: أن الربا ليس بحرام، وأنه لا تفريق بين الناس على أصل الدين، أعوذ بالله! والله ما سمعت حتى الكافر يقول هذا، الكافر يعرف أنه كافر، فيأتي مجتهد فيقول: إنه مفكر إسلامي وأن التفريق بين الناس على أساس أنه آمن بمحمد أو لم يؤمن به بدعة، ومن المفكرين المجتهدين من يقول بهذا، لكن نحن في حاجة إلى مجتهدين، ليجتهدوا في شيئين:
الاجتهاد الأول: أن يعيدوا الناس إلى أصول الدين؛ هذا مطلب.
المطلب الآخر: في أن يجتهدوا في تسخير الوسائل الجديدة الحديثة لخدمة أصول الدين، نحن نريد مجتهدين في هذا النطاق، يجتهدون في عودة عقول البشر، عودة عقول المسلمين إلى أنه لا مجال إلا في الأصولية، لا نجاح إلا في الأصولية، تلك الكلمة المفترى عليها، لا نجاح إلا بتمسكنا بأصول الدين، وأدعوكم لقراءة ما كتبه سماحة الشيخ ابن باز في جريدة عكاظ وهو مكتوب من خلال وكالات الأنباء السعودية، وهي كلمة جديرة بأن تقرأ وأن تكتب بماء الذهب.
وصلى الله وسلم على محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
стр. 2956
لقاء مفتوح في الرياض
في هذا اللقاء مواضيع عدة من هنا وهناك، وهي: واجبك نحو المنكرات.
كيف تخشع؟
الخطيب المؤثر.
الطريق إلى إزالة الحواجز النفسية.
وصية للشاب المسلم.
هكذا رأيت أمريكا وأهلها!
قصائد في مدح العلماء.
التكني، وهل يجوز التكني بكنية النبي ﷺ .
أمراض القلوب وعلاجها.
وسائل حفظ العلم.
стр. 2957
كيف تصبح خطيباً مؤثراً
السؤال
فضيلة الشيخ! السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، أنا شاب أحب أن يكون لي دورٌ في المجتمع بالخطابة، ولكني أجد في نفسي العجز عن ذلك، فكيف العمل حتى أصل إلى هذا الهدف الطيب؟ وجزاك الله خيراً.
الجواب
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.
أمَّا بَعْد:
أولاً: سلام الله عليكم ورحمته وبركاته.
يا رياض الخير قد جئت وفي جعبتي أبها للقياك تسامى
حلفت لا تشرب الماء ولا تأكل الزاد ولا تلقى مناما
أو ترى الأحباب في نجد فإن لم تجدهم صار ممساها حراما
فسلام الله أهديه لكم يا رجال النبل في نجد الخزامى
أنا قد أحببتكم في الله ما كان قلبي في سواه مستهاما
أما هذا السؤال، وهو أن الأخ يسأل: كيف يكون خطيباً مصقعاً، حذقاً، موجهاً في الأمة؟
الخطابة هي قبل كل شيء موهبة من الله ، ولكنها تتعلم، وهناك وسائل تحسين، وتدريب، ورياضة، حتى يصل الإنسان إلى مبتغاه، والمقصد أن المسلم ينبغي أن يقصد بعمله وجه الله ، والله ﵎ يوزع على الناس المواهب والتخصصات، فكل واحد له تخصص، بعضهم كاتب، والآخر خطيب، والثالث شاعر، والرابع مفتي.
فالمقصود أن تخدم الإسلام بالدعوة أينما كانت الدعوة، فالصحابة رضوان الله عليهم لم يكونوا كلهم علماء، ولا مفتين، ولا خطباء، وإنما كان فيهم الخطيب كـ ثابت بن قيس بن شماس الذي استخدم خطابته في نصرة لا إله إلا الله، وفي الدعوة إلى لا إله إلا الله، ومنهم من ليس بخطيب ولكنه مقاتل كـ خالد بن الوليد سيف الله المسلول، فاستخدم سيفه في نصرة الإسلام، ومنهم الشاعر كـ حسان فقد أخذ القوافي يرسلها كالصواعق على رءوس الملاحدة والزنادقة والفجار.
إذاً: فعليك أن تعرف تخصصك الذي يمكن أن تخدم الإسلام به، فإن الله سوف يسألك عما وهبك من الكتابة، أو من الخطابة أو من العلم، فأخلص مقصدك لوجه الله .
أما الخطابة فتعتمد على الأمور الآتية:
أولاً: على الجرأة، ولذلك يقول ابن قتيبة في عيون الأخبار: "الخطابة عند العرب تبنى على الجرأة، وهي أن تكون جريء القلب ثابت الجنان شجاعاً؛ لأن مقابلة الصفوف ليست بسهلة، ومقابلة الناس أمر صعب، فهذا يأتي بالدربة فعليك أن تدرب نفسك على الخطابة، وعلى الإلقاء، وعلى الدعوة إلى الله ، وأن تخرج إلى القرى، وإلى الضواحي، فتدعو الناس هناك، فسوف يرزقك الله ، القبول وسوف يهدي على يديك، وسوف يكون لك باع في الخطابة.
ويؤثر أن عبد الملك بن مروان ذكر عنه في تراجمه أنه سئل عن سبب شيبه فقال: صعود المنابر وخوف اللحن.
وذكر ابن الجوزي في كتاب الحمقى والمغفلين "أن أحد الخطباء استقل المنبر ليتكلم، فأراد أن يقول: إن الله خلق السموات والأرض في ستة أيام، فقال: إن الله خلق السموات والأرض في ستة أشهر، فرد عليه الناس، فقال: والله لقد تقاللت ستة أشهر وأردت أن أقول ست سنوات"فأولها الجرأة.
ثانياً: التحضير، وفي صحيح البخاري أن عمر ﵁ وأرضاه لما ذهب إلى سقيفة بني ساعدة، قال: [[فزورت كلاماً في صدري]] أي: هيأه ليتكلم به عند الأنصار في سقيفة بني ساعدة.
فعلى الخطيب إذا أراد أن يتكلم أن يحضر العناصر في ذهنه أو الموضوع، ويحفظ الآيات والأحاديث، ولا يرتجل من غير تحضير، فيأتي بكلمة من البر وكلمة من البحر.
ثالثاً: بل هو أن يخلص، وأن يدعو الله، ويسأل الله القبول والصدق، فإنه الذي يفتح ، ولذلك ذكر عن شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀، أنه كان إذا أراد أن يتحدث قال: "اللهم أنت عضدي ونصيري، بك أصول، وبك أقاتل، وبك أحاول، وكان يكثر من الاستغفار كثيراً ليفتح الله عليه.
رابعاً: على الخطيب أن يستقرئ أحوال الناس، فيعرف المقام الذي يتكلم فيه، فلا يخاطب أناساً في موضوع ليسوا بحاجة إليه، كأن يذهب إلى أهل البادية الذين لا يعرفون التوحيد، وهم واقعون في الشرك، فيتكلم في البنوك الربوية، وليس عند أهل البادية بنوكٌ ربوية ولا هم يحزنون، أو يأتي إلى مجتمعات في الضلال مرتكسة، فيتحدث لهم في جزئيات.
إنسان لم يسلم، ولم يعرف لا إله إلا الله ولا أنواع التوحيد، فيتحدث له عن إسبال الإزار وعن تحريم حلق اللحى.
خامساً: أن يراعي الموقف، فيعطي الناس ما يشتهون، فإن كان في خطبة جمعة فعليه أن يقصر ويوجز، وأن يطرق الموضوعات المهمة، وإن كان في درس فعليه أن يطيل وأن يتوسع بقدر الحاجة.
ثم مسألة الصوت، ومسألة النبرات، ومسألة النغمات هذه أمور أخرى.
ومن أحسن من كتب في الخطابة، كتاب الخطابة مفهومها ودلالتها للشيخ محمد أبي زهرة، وهو من أحسن الكتب في ذلك لولا بعض الملاحظات عليه.
стр. 2958
الخشوع من القرآن
السؤال
فضيلة الشيخ! نقرأ من حياة الصحابة والتابعين أنهم كانوا يخشعون عند سماع القرآن، ويبكون عند تلاوته، ولكني لا أستطيع ذلك، فما السبب الذي يجعلهم يخشعون ويجعلنا أقل خشوعاً؟ وما هو الطريق إلى التأثر عند سماع أو تلاوة القرآن الكريم؟
الجواب
الخشوع عند قراءة القرآن والتأثر والبكاء قد مدح الله به المؤمنين، وله أسباب، وكلما عظم إيمان العبد كان أكثر خشية الله ، ولذلك ذكر الله العلماء ووصفهم بوصف، فقال: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ [فاطر:٢٨] فمن لم يخش الله فليس بعالم، ولو حفظ النصوص واستحضر الأدلة؛ لأن المسألة مسألة خشية، ولذلك قال مطرف بن عبد الله بن الشخير: "ما فاقهم -يقصد الصحابة- أبو بكر بكثرة صيام ولا صلاة ولا صدقة، ولكن بإيمان وقر في قلبه".
وعن الحسن البصري أنه قال: ليس الإيمان بالتحلي ولا بالتمني، ولكن ما وقر في القلب وصدقه العمل.
حتى تقول عائشة كما في الصحيحين ﴿إن أبا بكر رجل أسيف﴾ أي: كثير البكاء، وكثير الحزن، وكذلك كان عمر ﵁ وكان إذا قام في صلاة الفجر قرأ سورة يوسف فما يبلغ قوله: ﴿وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ﴾ [يوسف:٨٤] إلا وينهدُّ باكياً، وينهد المسجد معه من البكاء.
وروى الإمام أحمد في كتاب الزهد، أن أبا بكر دخل مزرعة رجل من الأنصار؛ فرأى طائراً يطير من شجرة إلى شجرة، فبكى وقال: [[طوبى لك أيها الطائر! ترد الماء وترعى الشجر، ثم تموت لا حساب ولا عقاب، يا ليتني كنت طائراً]] وهذا من خوفه لله .
أما الأمور التي يحصل بها الخشية -إن شاء الله- فهي:
أولاً: الصدق والإخلاص، أن تصدق في نيتك وفي إخلاصك في تلاوة كتاب ربك ﵎، فلا تقصد به الناس، ولا ثناءهم ولا مدحهم.
ثانياً: أن تتدبر ما تقرأ، وأن تقف مع عجائب القرآن، ومع غرائبه، وأن تستحضر أن الذي يتكلم به هو رب العالمين حقيقة ، وأنزله على قلب الرسول ﵊.
ثالثاً: أن تحزن صوتك بالقراءة؛ تحزن صوتك وتنغم صوتك، علك أن تحزن وأن تخشع.
رابعاً: وقد سئل فيه الإمام أحمد، وهو أن تختار لنفسك وقت الراحة، فالشبع الكثير لا يناسب الرقة في القراءة، أو التعب الكثير أو النعاس، وقد ورد فيها آثار، فإن الرسول ﵊ قال عمن قام يصلي وهو ينعس: ﴿فليرقد، لعله أن يستغفر فيسب نفسه﴾ فمن باب أولى قراءة القرآن، فتختار الوقت المناسب لقراءته.
خامساً: أن تستشعر قلة المقام بهذه الدار، وأنه كتاب الرحيل، وأنه زاد إلى الله .
فإذا تم ذلك، وإلا فادع الله، وراجع فتح الباب من الاستغفار والتوبة والإنابة إلى الله ، نسأل الله أن يتقبل منا، ومنك، ومن كل مسلم.
стр. 2959
واجبك نحو المنكرات في بيتك
السؤال
فضيلة الشيخ حفظك الله! أنا شاب ممن هداه الله، ولكني أشكو من المنكرات التي في بيتي، فما هو واجبي نحوها؟
الجواب
المنكرات ليست في بيتك فحسب، بل هي في كثير من البيوت، وكثير من المجتمعات، ومن المدن والقرى، ومشكلتنا ليست مشكلة قلة العلم، إنما مشكلتنا الكبرى قلة الدعوة، ودعوة الناس إلى لا إله إلا الله، وتفهيمهم وتعليمهم الناس، وقد سبق في بعض المناسبات القول: بأن هناك في المجتمعات من لا يحسن الفاتحة، وقد اشتغل كثير من الدعاة وطلبة العلم بالرسائل والتحقيق؛ وقد ضاعت الأمة.
فمسألة المنكرات ليست في بيتك فحسب، بل هي منتشرة ويرجع إلى فضل الله ورحمته، ونحن نرجوه أن يغير الحال إلى الأحسن، ثم إلى جهود طلبة العلم والدعاة أن ينشروا دين الله ، وأن ينشروا الدعوة والفهم في الناس.
وأما المنكرات في بيتك فعليك أن تكون ذا أناة وصبر، فإن بعض الشر أهون من بعض، وحمل عدم الفهم بعض الشباب لما رأوا بعض المنكرات إلى عقوق الوالدين، فعق والديه من أجل بعض الأمور السهلة، فكان كما قيل:
ووضع الندى في موضع السيف بالعلى مضرٌ كوضع السيف في موضع الندى
قد يكون في البيت غناء، لكن لا يحملك على ترك البيت، وعقوق والديك، وقطيعتهما لتغير هذا المنكر، فإن عقوق الوالدين من الكبائر، واستماع الغناء معصية، وعقوق الوالدين أعظم فأنا أدعوك إلى الصبر، وإلى الحكمة في الدعوة، والحكمة أن تلين لوالديك، وأن تدعو لهما في كل صلاة، وأن تدعو لهم بالرفق، علَّ الله أن يهديهما على يديك، فإن لم تستطع فعليك بالصبر على أذاهم أو على ما يأتيك منهم، فإن لم تستطع فإن المعاصي منها ما يقاطع عليها، كترك الصلاة، فعليك أن تقاطع أهلك إذا تركوا الصلاة، أما المعاصي فتناصحهم وتصبر حتى يفتح الله قلوبهم لك، والله معك إذا أكثرت من الدعاء وكنت صادقاً مخلصاً وأنبت إليه .
стр. 2960
حكم تارك الصلاة وماذا يفعل المذنب
السؤال
فضيلة الشيخ، السلام عليكم، أنا شاب حائر أحاول أن أغير من وضعي السيء، فأنا أترك الصلاة أحياناً، وأعمل بعض الأعمال السيئة، ولكني لم أستطع، كلما تركت المعصية راودتني نفسي بالرجوع إليها، فما الذي ترشدني إليه حفظك الله؟
الجواب
نسأل الله أن يتوب علينا وعليك، وكفى بترك الصلاة معصية! فإن من ترك صلاة واحدة عامداً متعمداً فقد كفر، وسماحة الشيخ ابن باز يرى أن من ترك الصلاة عامداً حتى انتهى وقتها فقد كفر، فلا يقضيها بعد الوقت؛ لأنه في تلك الفترة قد كفر بالله العظيم، وليس له أن يقضيها؛ بل عليه أن يعود إلى الإسلام، ويعود من جديد، ويتوب إلى الله، ويدخل في الدين.
فتركك لبعض الصلوات أو لصلاة واحدة، معناه الكفر نسأل الله العافية، حتى قال بعض أهل العلم من المحدثين: ليس بصحيح تقسيم تارك الصلاة إلى متهاون وجاحد، بل من ترك الصلاة بلا عذر فقد كفر، فعليك أن تتقي الله، كل شيء إلا ترك الصلاة فإنه الكفر.
يقول ﵊: كما في حديث جابر عند مسلم ﴿بين المسلم والكافر ترك الصلاة﴾ وعند أبي داود من حديث بريدة بن الحصيب: ﴿العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة فمن تركها فقد كفر﴾ فنعوذ بالله من التاركين للصلاة، ونسأل الله أن يهدي شباب الإسلام، فإذا اهتديت وواظبت على الصلاة، فسوف يهديك الله سواء السبيل، وأرشدك إلى أن تصلي الخمس في جماعة وتحافظ عليها ظاهراً وباطناً، وتحسن خضوعها وركوعها وخشوعها، فإنك إن فعلت ذلك فسوف تهتدي بإذن الله، ولا تنس الدعاء، أما بقية المعاصي فلم يسلم منها أحد.
لكن أرشدك إلى أن تعزم على التوبة، وإذا وقعت في ذنب فاستغفر وتب، وأن تفعل من الحسنات ما يمحو السيئات، والله معك.
стр. 2961
وصية للشباب المسلم
السؤال
فضيلة الشيخ، الشباب المسلم يتألم حين يرى الواقع السيء الذي تعيشه الأمة، وقد يئس من عودة العزة والنصر للمسلمين، فما الذي توجهون به الشباب الذين يعيشون مثل هذا التصور؟
الجواب
الحل بأيدي الشباب المسلم، إذا استطاعوا وإذا علموا ذلك، فالحل أن ننطلق بالدعوة، والتوجيه، والتوعية لوجه الله ، والحل أن نصدق مع الله ، وأن نبذل مثل ما يبذل غيرنا، أو عشر ما يبذل أعداؤنا، فأنتم ترون بعض الدعوات المغرضة البدعية الشركية كم يبذل دعاتها والقائمون عليها من الجهود، ومن التضحية، ومن الإعلام، ومن المؤلفات، ومن الصحف، والمجلات فما هي مسئوليتنا نحن؟ أم أن ننتظر ونتمسكن ونقول: نفسي نفسي، ونتخشع في بيوتنا فليس هذا بحل، بل نزيد الأمة وهناً إلى وهن، وهزيمة إلى هزيمة، والحق أن ندعو ونوجه بالحكمة وبالتي هي أحسن، ونقود الناس إلى صراط مستقيم.
فلو أن كل شاب اهتدى حاول أن يهدي معه شاباً آخر لهداه الله سواء السبيل: ﴿لأن يهدي الله بك رجلاً واحداً خير لك من حمر النعم﴾ لكن تجد كثيراً من الشباب المستقيم ركن وانزوى عن المنابر، فلا يخطب، ويخاف على نفسه من الشهرة والرياء، وهذا مدخل عجيب للشيطان، فالشيطان يأتيه من هذا المدخل ليعطله عن الدعوة إلى الله، ويأتي الشباب المتعلم الذي عنده خير كثير من العلم، فيقول: لا تجلس إلى الناس، حتى تتمكن في العلم، ويرسخ قدمك فيظل لا يدعو حتى يموت.
ويأتي للآخر الكاتب فيقول: لا تكتب، فإن الكتابة شهرة، ومن هذا القبيل فضربنا الشيطان وشتتنا، مع أن الحل بأيدينا إذا صدقنا مع الله وعز وجل، والناس الآن يعيشون في صحوة والحمد لله، وكم في هذه الصحوة من طالب علم، وخطيب، ولبق، وكاتب مبدع، وإذا استطاع أن يوجه قدراته لخدمة الإسلام فسوف ينصر الله هذا الدين لا محالة.
стр. 2962
الطريق إلى إزالة الحواجز النفسية
السؤال
أنا شاب محب للخير، ولكني أجد في نفسي حواجز عن مجالسة الصالحين، وأحياناً أترك مجالس الطيبين خشية أن يستهزئ بي الناس، فبماذا تنصحني؟
الجواب
هذا الأخ يشكو من الخجل، أو من الحواجز التي بينه وبين الناس، أو العقدة النفسية، وحل هذا أنَّ عليه أن يجالس من زملائه وأقرانه الذين يجرئونه على مجالسة الناس، فإنه ليس واجباً على المسلم أن يجالس الناس، فقد يكون الأصلح لقلبه أن يعتزلهم لبعض الأمور، أما أن تكون لك جبلة حتى يحرمك هذا الخجل عن الفائدة والاستفادة، وتوجيه الناس وتعليمهم فهذا ليس بصحيح.
قال مجاهد كما في صحيح البخاري: [[لا ينال العلم مستحي ولا مستكبر]] فأرشدك إلى تقوى الله ، وأن تكون جريئاً في مواقف الحق، وأن تبدي ما عندك، فإنك على صراط مستقيم، وأنت لا تخجل، لأنه لا يخجل إلا غيرك، لا يخجل إلا من ضيع شبابه في الغناء والترهات وضياع الساعات، وارتكاب النزوات والشهوات، والمعاصي والمخالفات لا يخجل من أنار الله قلبه بالقرآن، ولا يخجل من يصلي لله كل يوم خمس صلوات، ولا يخجل من يتوضأ كل يوم خمس مرات لا والله.
ومما زادني شرفاً وفخراً وكدت بأخمصي أطأ الثريا
دخولي تحت قولك يا عبادي وأن صيرت أحمد لي نبيا
فأنت في مقام الفخر والعزة بالإسلام، فلا تخجل ولا تتأخر، وإنما درِّب نفسك على الجلوس مع الناس، وعلى الأخذ والعطاء رويداً رويداً، وسوف تنحل هذه العقدة بإذن الله.
стр. 2963
هكذا رأيت أمريكا وأهلها
السؤال
فضيلة الشيخ! في ذهابك إلى أمريكا، ما هي تصوراتك للإسلام فيها؟ ويقال: إن الشعب الأمريكي يتوفر لديه الصدق، والأمانة، وغيرها مما لا تحضرني الآن، فهل يمكن أن تعطينا نبذة قصيرة عن ذلك؟
الجواب
الذهاب إلى أمريكا لا ينصح ولا يوصى به، لكن قد يضطر الإنسان إلى أن يسافر، إما لدعوة أو لعلاج لم يجد له بديلاً في بلاد المسلمين أو لدراسة ينفع بها الإسلام والمسلمين لهذه الأمور، ومن ضمن ما كَتبَ الله السفر إلى أمريكا حضوري لمؤتمر الشباب العربي المسلم العاشر، في أوكلاهوما شمال أمريكا، وهذا المؤتمر حضره أكثر من أربعة آلاف شاب مسلم، وحضره ما يقارب خمسين داعية وعالماً ومفكراً.
وأقول:
إن الأخ حين يقول: إن الشعب الأمريكي شعب صادق وأمين، فهو إما واهم، وإما ناقل خطأً، فقد أخطأ كل الخطأ، بل إن شعب الكذب هو الشعب الأمريكي، وهو شعب الخيانة والعمالة، والضلالة.
والجهالة، وقلة الحياء والمروءة، ومن لم يصدق فلينظر إليهم، فهم يعبدون الدينار من دون الله، ولا تجد أبخل منهم في شعوب الأرض، وهم أمة قطع الله الأواصر والوشائج بينهم، يقف الإنسان صاحب السيارة وهو في الثلج من العشاء إلى الظهر في اليوم الثاني لا يجد من ينجده، لأنه تعطلت به سيارته، فيقف، فلا يقف له أحد خوفاً منه، وخوفاً من البوليس، وخوفاً من المتابعة، وإذا انتهى الإنسان من لا إله إلا الله فما عليه إن أصبحت أفعاله كلها ذنوباً وخطايا.
ولذلك قلت:
ورأيت أمريكا التي نسجوا لها أغلى وسام
قد زادني مرأى الضلا ل هوىً إلى البيت الحرام
وتطاولت تلك السنون فصار يومي مثل عام
ما أرضهم أرض رأيت ولا غمامهم غمام
وعجبت للإنسان مبتور الإرادة والمصير
يسعى بلا هدف ولا خير ولا هدي منير
مركوزة قدماه في ظل المرارة والسعير
زيف من الهالات في قسماته شعبهم الحقير
إذاً: فاخلع من ذهنك أنهم أوفياء، أو أمناء وصادقون نعم.
هم صادقون وأمناء إذا علموا أنهم سوف يكسبون منك منفعة أو مصلحة، لكن إذا علموا أنه ليس عندك منفعة لهم ولا مصلحة، فلماذا يتقربون منك؟ حتى يحصل الواحد منهم على ثلاثين حسنة عند الله أو أربعين! هو لا يؤمن بالله ولا باليوم الآخر ولا بالجنة ولا بالنار، فهو شعب يعبد الدرهم والدينار، وشعب متمرد على الله، وهو الذي أدخل الشهوات في أذهان المسلمين، ومكر بالأديان في الأرض، ولذلك:
فواحش قد أظلمت منها السما والأرض منها أوشكت أن تقصما
يقدسون الكلب والخنزيرا ويبصرون غيرهم حقيرا
ما عرفوا الله بطرف ساعة ولا أعدوا لقيام الساعة
فهم قطيع كشويهات الغنم لهو ولغو وضياع ونغم
стр. 2964
قصائد متفرقة في المدح
السؤال
فضيلة الشيخ، إني أحبك في الله حباً لا يعلمه إلا الله، وبما أن هذا الوقت لقاء مفتوح فأسمعنا من شعرك ما تنعش به النفوس، وجزاك الله خيراً.
الجواب
أحبك الله الذي أحببتني فيه، وحشرنا وإياك والسامعين في روضة من رياض الجنة أما الشعر فهناك قصائد والذي وصل الآن أربع طلبات: وكلها والحمد لله في المشايخ، كأننا متخصصون في مدح المشايخ، ونسأل الله أن يجعل هذا في ميزان الحسنات، وألا يجعل فيه رياءً ولا سمعة، وليسوا في حاجة إلى مدحي، لكن من باب أن يفهم الناس أنا نقدر العلماء وأهل العلم والفضل.
فعندنا الآن أربع قصائد في الشيخ ابن باز وابن عثيمين، وسياف وعن شهر رمضان، ونبدأ بالشيخ عبد العزيز بن باز وقد مر في مناسبات أن بعض الإخوة أخبرني أنه سوف يؤلف كتاباً يجمع فيه القصائد اسمه الممتاز في مدائح الشيخ عبد العزيز بن باز، قلت: حبذا لو أسميته نسيم الحجاز في الثناء على الشيخ عبد العزيز بن باز، وكلها سواء لكن بعضها يمتاز عن بعض، ولا بد من النسيم، حتى يكون هناك ثناء عاطر.
وأنا أستحسن قصيدة تقي الدين الهلالي؛ لأنها جميلة، وهو محدث كبير ﵀ وأظنه هو قد وفد على الشيخ، وكان في الجامعة الإسلامية، وقال قصيدة تقارب ستين بيتاً، يقول فيها:
خليلي عوجا بي لنغتنم الأجرا على آل باز إنهم بالثنا أحرى
وزهدك في الدنيا لو ان ابن أدهم رآه رأى فيه المشقة والعسرا
إلى آخر القصيدة.
ويقول: المجذوب:
روى عنك أهل الفضل كل فضيلة فقلنا حديث الحب ضرب من الوهم
فلما تلاقينا وجدناك فوق ما سمعنا به في العلم والأدب الجم
فلما أر بازاً قط من قبل شيخنا يصيد فلا يؤذي المصيد ولا يدمي
وقصيدتي البازية قلت فيها:
قاسمتك الحب من ينبوعه الصافي فقمت أنشد أشواقي وألطافي
لا أبتغي الأجر إلا من كريم عطا فهو الغفور لزلاتي وإسرافي
عفواً! لك الله! قد أحببت طلعتكم لأنها ذكرتني سير أسلافي
يا دمع، حسبك بخلاً لا تجود لمن أجرى الدموع كمثل الوابل السافي
يا شيخ يكفيك أن الناس قد شغلوا بالمغريات وأنت الثابت الوافي
أغراهم المال والدنيا تجاذبهم ما بين منتعل منهم ومن حافي
مجالس اللغو ذكراهم وروضتهم أكل اللحوم كأكل الأغطف العافي
وأنت جالست أهل العلم فانتظمت لك المعالي ولم تولع بإرجافَ
بين الصحيحين تغدو في خمائلها كما غدا الطل في إشراقه الضافي
تشفي بفتياك جهلاً مطبقاً وترى من دقة الفهم دراً غير أصداف
إلى آخر القصيدة.
ومنها:
أراك كالضوء تجري في محاجرنا فلا تراك عيون الأغلف الجافي
كالشدو تملك أشواقي وتأسرها بنغمة الوحي من طه ومن قاف
يكفي محياك أن القلب يعمره من حبكم والدي أضعاف أضعاف
أما الشيخ ابن عثيمين فقد زرناه قبل عشرة أيام في عنيزة في بيته، وجاءنا قبل ثلاثة أيام إلى أبها، يداً بيد، مثلاً بمثل، سواءٌ بسواء، زارنا ليفيدنا، وزرناه لنستفيد منه، المقصد أن البحر هذا الذي مدحت عليه الشيخ وأثنيت عليه هو بحر مسبوق، يقول علي ﵁ على هذا البحر والقافية:
لا دار للمرء بعد الموت يسكنها إلا التي كان قبل الموت يبنيها
فإن بناها بخير طاب مسكنه وإن بناها بشر خاب بانيها
أموالنا لذوي الميراث نجمعها ودورنا لخراب الموت نبنيها
فاعمل لدار غداً رضوان خازنها والجار أحمد والرحمن بانيها
قصورها ذهب والمسك تربتها والزعفران حشيش نابت فيها
فقلت على هذا المنوال في الثناء على الشيخ:
دنياك تزهو ولا تدري بما فيها إياك إياك لا تأمن عواديها
تحلو الحياة لأجيال فتنعشهم ويدرك الموت أجيالاً فيفنيها
عارية المال قد ردت لصاحبها وأكنف البيت قد عادت لبانيها
والأينق العشر قد هضت أجنتها وثلة الورق قد ضجت بواكيها
يا رب نفسي كبت مما ألم بها فزكها يا كريم أنت هاديها
هامت إليك فلما أجهدت تعباً رنت إليك فحنت قبل حاديها
إن لم تجرني برشد منك في سفري فسوف أبقى ضليلاً في الفلا تيها
قل للرياح إذا هبت غواديها حي القصيم وعانق كل من فيها
واكتب على أرضهم بالدمع ملحمة من المحبة لا تنسى لياليها
أرضٌ بها العلم أو حاذق فطن يروي بكأس من العلياء أهليها
عقيدة رضعوها في فتوتهم صحت أسانديها والحق يرويها
ما شابها رأي سقراط وشيعته وما استقر ابن سينا في بواديها
ولـ ابن تيمية في أرضهم علم من الهداية يجري في روابيها
إذا بريدة بالأخيار قد فخرت يكفي عنيزة فخراً شيخ ناديها
محمد الصالح المحمود طائره البارع الفهم والدنيا يجافيها
له التحية في شعري أرتلها بمثل ما يرفع الأشواق مهديها
إلى آخر القصيدة.
وهذه قصيدة اسمها المدوية، أو الإسعاف في إتحاف سياف:
سياف في ناظريك النصر يبتسم وفي محياك نور الحق مرتسم
وفيك ثورة الإسلام مقدسة بها جراح بني الإسلام تلتئم
حطمت بالدم أصناماً محجلة وصافحت كفك العلياء وهي دم
ثأرت لله والدين الحنيف فلم يقم لثأرك طاغوت ولا صنم
على جبينك من سعد توقده وخالد في رؤى عينيك يقتحم
حلق إذا شئت فالأرواح طائرة فعن يمينك من عاهدت كلهم
وصغ من المهج البيضاء ملحمة يظل يقرؤها التاريخ والأمم
موتاً على صهوات البيد يعشقها أهل البسالة في عليائهم شمم
يا موت من تسهر اللذات فتنته حياته في الورى سيان والعدم
سياف خذ من فؤادي كل قافية تجري إليك على شوق وتستلم
قد صغتها أنت إسلاماً ومكرمة وفي سواك القوافي أشهرٌ حرم
كادت معاليك أن ترويك معجزة لكن تواضعك الأسمى لها كتم
كأن ما أنت كررت الألى ذهبوا هذا صلاح ومحمود ومعتصم
ورمضان له أربعة أبيات:
مرحباً أهلاً وسهلاً بالصيام يا حبيباً زارنا في كل عام
قد لقيناك بحب مفعم كل حب في سوى المولى حرام
فاغفر اللهم ربي ذنبنا ثم زدنا من عطاياك الجسام
لا تعاقبنا فقد عاقبنا قلق أسهرنا جنح الظلام
стр. 2965
التكني لمن ليس له ولد
السؤال
ما حكم الكنية بأسماء الصحابة مثل: أبي حمزة، وأبي عمر، وليس له ولد بهذا الاسم، إنما يتكنى بها المتكني تفاؤلاً؟
الجواب
الكنية بأسماء الصحابة من أشرف الكنى، والتكني وليس لك ولدٌ جائز في الشريعة الإسلامية، ففي صحيح البخاري عن أنس ﵁، قال: دخل علينا رسول الله ﷺ فقال: ﴿يا أبا عمير! ما فعل النغير﴾ وأبو عمير أخو أنس طفل صغير كان يلعب بطير معه، فمات الطائر بعد فترة، فكانت مصيبة عند هذا الطفل الصغير؛ لأن الأحداث في أذهان الصغار أحداث عالمية، كأنها الحرب العالمية الثالثة، فأراد ﷺ من باب الدعوة والدخول إلى قلوب الأطفال؛ لأنه يسبي القلوب ويشتريها.
محاسنه هيولي كل حسن ومغناطيس أفئدة القلوب
ولذلك يقول الله : ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾ [آل عمران:١٥٩] فأراد أن يقف نفس مشكلة الحزن التي يعيشها هذا الطفل الصغير، ليربيه على لا إله إلا الله، وليس المقصود الطائر، فبعد الطائر عشرة طيور، فدخل ﵊ وقال: ﴿يا أبا عمير، ما فعل النغير﴾ وهو قد كناه وليس له ولد، فلك أن تتكنى.
وهنا فائدة: بعض الزنادقة -والعياذ بالله- يقولون: المحدثون فقط يروون أحاديث وليس لها معنى، ليس فيها فائدة، مثل: ﴿أسلم سالمها الله، وغفار غفر الله لها﴾ ﴿ويا أبا عمير، ما فعل النغير﴾ فما هي الفائدة من هذا؟ قال ابن حجر ذكر عن الإمام ابن القاص أو غيره، أنه استخرج من هذا الحديث ستين فائدة، وذكر منها:
اللعب بالطائر، وتكنية من لا كنية له، وزيارة الأحباب والأقارب ولو كانوا أطفالاً، والمزاح معهم، والسجع بلا تكلف إلى غير تلك الفوائد.
فلك أن تتكنى، والعرب تستشرف الكنية، ولذلك يقول شاعرهم:
أكنيه حين أناديه لأكرمه ولا ألقبه والسوءة اللقب
كذاك أدبت حتى صار من أدبي إني وجدت ملاك الشيمة الأدب
ومن أحسن ما يزرع لك الود في صدر أخيك أن تقول: يا أبا فلان! يا أبا طلحة! يا أبا حمزة! كما فعل ﷺ صيف ربى الجيل المتجه إلى الله، ويقول: يا أبا بكر، يا أبا حفص، يا أبا الحسن، فصلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم.
стр. 2966
حكم مشابهة الرسول ﷺ في اسمه وكنيته
السؤال
إذا تسمى المسلم باسم رسول الله ﷺ وتكنى بكنيته، فما هو الحكم؟
الجواب
وهناك يقول ﷺ : ﴿تسموا باسمي ولا تكنوا بكنيتي﴾ حديث عارضه يقول: ﴿من أباح اسمي ومن حرم كنيتي﴾ أو كما قال ﷺ ، وأهل العلم على ثلاثة مشارب في هذا:
منهم من منع التسمي والتكني مطلقاً، ومنهم من أجازهما بعد وفاة الرسول ﷺ ، ومنهم من قال بجواز أحدهما إما الكنية أو الاسم.
والصحيح أنه لا بأس بها إن شاء الله بعد وفاته ﷺ ، فإن الذي يعرف من قرائن النهي أن الرسول ﷺ ، كان يمشي حول مقبرة بقيع الغرقد، فنادى رجل: يا أبا القاسم، فالتفت ﷺ ، فقال: أريد فلاناً ولا أريدك يا رسول الله، فقال: ﴿تسموا باسمي ولا تكنوا بكنيتي﴾.
فلما مات ﵊، فلنا في الظاهر أن نتسمى باسمه ونتكنى بكنيته، ووجد هذا في علماء الأمة، فـ محمد بن أبي بكر الصديق كنيته أبو القاسم والقاسم بن محمد ومحمد بن القاسم، هؤلاء من ذرية محمد بن أبي بكر وغيرهم كثير من علماء ومجاهدي الإسلام.
стр. 2967
حكم التباكي في الصلاة
السؤال
هل التباكي خلال الصلاة من النفاق؟ أرجو أن توضح لنا ذلك.
الجواب
الله أعلم بنيتك وقد قال ﷺ : ﴿إنما الأعمال بالنيات﴾ والله هو الذي يطلع على الضمائر والقلوب؛ فإن القلوب مكان نظر الرب ﵎، فالله أعلم، فإن تباكيت خشية لله ، أو خشعت في صلاتك فلك ذلك، لكن بشرط ألا تخرج بعض الحروف، أو لا تشوش على الناس، أو لا تقطع قراءتك إلا من بكاء لا بد منه.
أما التباكي خارج الصلاة فوارد لك إذا قرأت القرآن ولم تبكِ أن تتباكى، لكن لا تقصد بالبكاء غير وجه الله .
أثر عن الحسن البصري أن رجلاً بكى في مجلسه، فقال الحسن: والله ليسألنك الله يوم القيامة عن هذا البكاء أقصدت به وجهه أم لا، فالله الله في قصد الله بالعمل، وأكثر ما يدخل الرياء، والنفاق، ومصانعة الناس من طريق البكاء، فإن بعض الناس قد يبكي ليظهر للناس أنه خاشع، وقلبه ليس بخاشع، فلا تبك إلا إذا غلبك البكاء، وإذا كنت وحدك فحاول أن تتباكى أو تبكي للحديث: ﴿ورجل ذكر الله خالياً ففاضت عيناه﴾ خالياً؛ لأنه أصدق وأخلص.
стр. 2968
التخلص من جليس السوء
السؤال
إذا أتى أحدٌ من جلساء السوء يريد أن يجالسني ويسبب لي المشاكل، فماذا أفعل؟ هل ابتعد عنه؟ أفيدونا جزاكم الله خيراً!
الجواب
أنت أدرى بظرفك، فإذا جاءك جليس وكان من المناسب أن تدعوه إلى الله فلا تذهب، وعليك باللين والمصابرة علَّ الله أن يهديه على يديك، فلا تظن أن الله طبع على قلوب الناس فلا يهتدون، فإن الله هدى أهل الضلالة وكثيراً من المشركين، وقد عبدوا الأصنام، وزنوا، وبغوا في الأرض، وأفسدوا فيها كل الفساد، فلا تظن أن الله طبع على قلوب الناس، لكن تجلس وتحاول أن تؤثر فيه.
أما إذا حاولت معه، ويئست منه، فعليك أن تنصرف عنه، لكن لا تقابله بالجفاء فإذا جلس قمت مباشرة، أو إذا صافحك سحبت يدك، فالرسول ﷺ لم تكن معاملته مع الناس هكذا، قال تعالى عنه: ﴿وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾ [آل عمران:١٥٩] والله يقول: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم:٤] فقد صافح الكفار، وصافح اليهود وصافح المنافقين ودعاهم.
فاللين مطلوب، يقول : ﴿وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْناً﴾ [البقرة:٨٣] فعليك أن تحسن من خلقك بالبسمة وباللين، لكن الموادة شيئ آخر، لا فلا تواده ولا تحبه ولا تصانعه ولا تجامله ولا تزره، لكن إذا بليت به، فكن كأنك لم تسمع وهو لم يقل! حتى يفرج الله عنك وييسر الحال.
стр. 2969
حكم الصور
السؤال
ما حكم من يحتفظ ببعض الصور للذكرى؟
الجواب
الصور كثر الكلام فيها، وكثرت المؤلفات والفتيا، فالصور لا تجوز إلا للضرورة ضرورة ملحة يحتاجها المسلم في حياته، أما صور الذكرى والتعظيم فهي محرمة، وهذا أحسن ما قيل، وهو الذي يظهر لي والله أعلم.
стр. 2970
حكم الوسوسة في الصلاة
السؤال
الذي يفكر ويسرح في الصلاة، ماذا يفعل، هل يسجد سجود سهو أم ماذا؟
الجواب
الذي يسرح عليه أن يتقي الله قبل أن يبدأ، لأن الهيام أو الشرود أو السرحان في الصلاة على أنواع، منها:
ألا تشعر هل قرأت الفاتحة أم لا، وهذا هو عند كثير من أهل العلم يبطل الصلاة، أي: أنك لا تعرف هل قرأت الفاتحة، ولا تعرف ماذا قلت، وأما أن يشرد قلبك خطرات فهذا لا يسلم منه أحد، ولا يمكن أن يتخلص من هذا الوارد؛ لأن الشيطان بعد أن تقام الصلاة يأتي ليوسوس ويقول للعبد: اذكر كذا، اذكر كذا.
أما متى تسجد سجود السهو؟ فإذا تركت ركناً أو واجباً من واجبات الصلاة، فعليك أن تتقي الله وتسجد، أما أن تسجد كلما شردت؛ لأنه لم يقم على ذلك دليل، والناس يبتلون بهذا، ولو كان فيه أثر لعُلِمَ ولنُقِلَ؛ لأنهم يبتلون دائماً بالشرود والخطرات والواردات، ولا أعلم أن هناك سجوداً لذلك.
стр. 2971
كيف تقنع مدخناً ؟
السؤال
كيف يكون النصح والإرشاد للإنسان الذي يشرب الدخان؛ لأن لدي أقارب يشربون الدخان، وأحب أن أكون ناصحاً لهم؟
الجواب
يكون النصح بالوسائل التي يهديك الله إليها، منها: أن تلين في التوجيه والتعليم، وأن تعطي المسألة حقها من الاهتمام ومن التوجيه، فإن بعض الناس إذا جاء يدعو شارب الدخان أقام الدنيا وأقعدها على شارب الدخان، وقال: ويل لك من الله، ومن عذاب الله، ومن غضبه ولعنته، وصاح عليه حتى كأنه كفر بالله العظيم، لكن لا بد أن تأخذ كل معصية من المعاصي قدرها، وهذا وهو منهج القرآن، القرآن ذكر الشرك فذمه وعظمه، وأكثر القول فيه، وذكر بعض الذنوب فأعطاها مساحتها وحقها كالغيبة والنميمة، وشهادة الزور.
فأنت عليك أن تقوم بدفع هذا المنكر، وتعرف أنه حرام، لكن تعرف أنك تتخاطب مع مسلم يقيم الصلاة، ويخاف من الله ، فتخاطبه بأن هذا حرام، ويكون الخطاب بالوسائل العلمية، وبالكتب التي ألفت، في ذم الدخان وتحريمه تهديها له، أو تكتب له رسالة إذا رأيت ذلك، أو تتصل به، أو تجلس معه، فتبين له أضرار الدخان الصحية والمالية والنفسية والدينية حتى تقنعه إقناعاً، أما الغضب فلا يقنع أحداً.
وربما أحرجته بالغضب وبالتهديد، فجاملك يوماً من الأيام، لكنه لم يقتنع، والدعوة تبنى على الاقتناع.
стр. 2972
وسائل حفظ العلم
السؤال
يقول السائل: فضيلة الشيخ، ما أسهلُ طريقة لحفظ العلم؟ جزاكم الله خيراً!
الجواب
حفظ العلم أوله حفظ القرآن، ووسائل حفظ القرآن تكمن فيما يأتي:
أولها: تقوى الله ، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَاناً﴾ [الأنفال:٢٩] فإن من اتقى الله فتح عليه، وسهل له أموره، وحفظه ما تعلم.
ثانياً: كثرة الاستغفار والتوبة.
ذكر عن ابن تيمية أنه يقول:" إنها تصعب علي المسألة فأستغفر الله أكثر من ألف مرة -أو أقل- فيفتحها الله علي".
والذنوب سبب للنسيان والذهول والشرود، فعليك أن تكثر من الاستغفار إذا أردت أن تحفظ، وقبل أن تحفظ، وبعد أن تحفظ.
ثالثاً: أن تقلل من المحفوظ، فلا تكثر على نفسك، فإنه من أخذ العلم جملة، ضيعة جملة كما قال: الزهري، فلا يمكن أن تأخذ العلم في يوم أو يومين أو شهر أو أسبوع، بل تأخذه قليلاً قليلاً، وقطرة قطرة، وآية آية، وحديثاً حديثاً، فقلل من المحفوظ، فهو أصل عظيم للحفظ.
رابعاً: أن تكرر ما تحفظ، كأن تأخذ أربع آيات أو خمس فتكررها كثيراً، خمسين مرة إلى مائة مرة، قبل أن تنتقل إلى غيرها من الآيات.
خامساً: أن تقرأ ما حفظت من القرآن في الصلوات وفي النوافل.
سادساً: أن تذاكر بالعلم الذي حفظته، كأحاديث حفظتها، مثل: رياض الصالحين وبلوغ المرام، أن تذاكر مع زملائك وإخوانك وإن كان لك تلاميذ، فاعقد معهم جلسة؛ لأن العلم يحيا بالمذاكرة.
سابعاً: أن تعمل بما علمت، ليحفظك الله ما تعلمت.
ثامناً: أن تحقق المسائل، فإنها حفظ للعلم، وتخرج، وتنقح، وتؤلف إذا بلغت درجة التأليف.
стр. 2973
أمراض القلوب وعلاجها
السؤال
أرجو أن تتحدث عن أمراض القلوب وعلاجها، مع الأدعية إذا أمكن، وادع للجمع الحاضر؟
الجواب
أمراض القلوب على قسمين: أمراض الشبهات، وأمراض الشهوات.
فأمراض الشبهات في المعتقد والعلم، وأمراض الشهوات في العمل.
وأمراض الشبهات شك وريبة ووسوسة، وقد تصل إلى الزندقة والإلحاد نعوذ بالله من ذلك!
وأما أمراض الشهوات فهي المعاصي كالزنا، والسرقة، والاعتداء على الناس، والبغي في الأرض، والغيبة، وأكل الأموال المحرمة، هذه من الشهوات.
فأما علاج الشبهات:
فالعلم واليقين ﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآياتِنَا يُوقِنُونَ﴾ [السجدة:٢٤] فأوصيك باليقين عند الشبهات، وطلب العلم، قال ابن دقيق العيد: "أصابتني في بدء حياتي وسوسة، فسألت العلماء، فقالوا: عليك بطلب العلم! فطلبت العلم؛ فأذهب الله عني الوسوسة أي: الشبهات فعليك بطلب العلم، والجلوس مع العلماء، وقراءة كتب السلف الصالح من كتب الحديث والتفسير والفقه، ليذهب الله عنك مرض الشبهات.
وأما علاج الشهوات:
فبالصبر، وبكثرة النوافل والدعاء، بعد إحسان الفريضة ظاهراً وباطناً، والتزود بالنوافل وكثرة الدعاء والذكر وتدبر القرآن هذه تذهب إن شاء الله مرض الشهوات.
والدعاء الذي أنصحك في صحيح مسلم عن عائشة أن الرسول ﵊، كان يدعو ويقول: ﴿اللهم رب جبريل وميكائيل وإسرافيل، فاطر السموات والأرض، عالم الغيب والشهادة، أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون، اهدني لما اختلف فيه من الحق بإذنك إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم﴾ و ﴿يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك، ويا مصرف القلوب والأبصار صرف قلبي على طاعتك﴾ وقال ﵊: ﴿اللهم اهدني وسددني، اللهم ألهمني رشدي وقني شر نفسي﴾ ويقول: ﴿ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار﴾ ودعاء، ﴿رَبَّنَا لا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ﴾ [آل عمران:٨].
وأسأل الله لي ولكم أن يتقبل منا ومنكم، وأن يثبتنا وإياكم بالقول الثابت حتى نلقاه إنه على كل شيء قدير.
стр. 2974
وصايا لمن عنده موهبة في الشعر
السؤال
سائل يقول: إذا أردت أن أكون شاعراً في الإسلام فماذا أفعل؟
الجواب
الشعر لا يأتي بالقوة، إنما الموهبة، فمن كان عنده موهبة فلينمها، ومن لم تكن فليرح نفسه؛ لأن كثيراً من أهل العلم ومن السلف الصالح ومن الصحابة ليسوا شعراء، وإنما بذلوا ما أعطاهم الله ، ولذلك بعض العلماء يرى أن الشعر يزري بالعلماء وبطلبة العلم، حتى يقول الشافعي:
ولولا الشعر بالعلماء يزري لكنت اليوم أشعر من لبيد
فبعضهم يرى أنه خفة، وطيش، وأنه يزري، لكن الصحيح أنه إذا اقتصد فيه، ووجهه إلى الدعوة الإسلامية وخدمة العلم، فهو إن شاء الله فيه خير.
أما إذا أردت أن تكون شاعراً؛ فإن كان عندك موهبة فنمها بالاطلاع، وبكثرة حفظ الشعر، يقولون: عليك أنت تحفظ آلاف الأبيات من الشعر، وخاصة الشعراء الذين أجادوا، كـ المتنبي وأبي تمام وجرير والبحتري، وهؤلاء الطبقة.
الأمر الثاني: أن تقرض الشعر، وأن تقلل من قرضه، أي: قليلاً حتى تعتمد على الكيف لا الكم، لأن بعض الشباب إذا بدءوا في الشعر نظموا كل يوم عشر قصائد، فتأتي مهزوزة، لم يقرأ ولم يطلع في الأدب، وبعد سنوات ينتهي، فالمقصد أن تطالع كتب الأدب كثيراً، ولا يشغلك الشعر عن العلم، لكن يكون له أوقات.
وذكر في الأدب أن شعراء اجتمعوا عند نهر، وكان معهم رجل، فقال: لا بد لكل واحد منا أن يصنع بيتاً في هذا المقام، وكان معهم رجل ليس بشاعر، فألحوا عليه، وكل منهم نظم بيتاً، فلما أتى له بيته قال:
كأننا والماء من حولنا قوم جلوس حولهم ماء
فبعض شعر الناس من هذا القبيل، حتى ذكر ابن عبد ربه في العقد الفريد أن بعضهم يقول:
الليل ليل والنهار نهار والأرض فيها الماء والأشجار
ظاهر البيت أنه بيت شعر، ليس مكسوراً بل هو موزون، لكن ليس فيه من المعاني ولم يأتِ بجديد، فالشعر يعتمد على أربعة أمور:
أولاً: البحر، وبحور العرب خمسة عشر بحراً، وزاد الأخفش واحداً، فأصبحت ستة عشر بحراً.
ثانياً: القافية، أن يكون على قافية واحدة فلا يأتي بالراء، ثم ينتقل إلى السين، ثم الطاء، ثم الخاء، ثم إلى الجيم هذا لعب.
ثالثاً: الأسلوب، فإن النظم شيء والشعر شيء آخر، ابن مالك يوم يقول:
قال محمد هو ابن مالك أحمد ربي الله خير مالك
ولا يجوز الابتدا بالنكرة مالم تفد كعند زيد نمرة
فهذا نظم وليس بشعر، لكن الشعر مثل قول المتنبي:
وقفت وما في الموت شك لواقف كأنك في جفن الردى وهو نائم
تمر بك الأبطال كلمى هزيمة ووجهك وضاح وثغرك باسم
فهذا الأسلوب لا بد منه.
رابعاً: الخيال، لا بد أن يكون عند الشاعر خيال، يتخيل الأمور، فلا يقول الشمس شمس، ولا المسجد مسجد، ولا المكرفون مكرفون، هذه أمور مسلمة، لكن يأتي بصورة بديعة، مثل قول بشار بن برد:
كأن مثار النقع فوق رءوسنا وأسيافنا ليل تهاوى كواكبه
أو كقول امرئ القيس:
مكر مفر مقبل مدبر معاً كجلمود صخر حطه السيل من علٍ
إلى غير تلك التشبيهات فهذا الخيال لا بد منه، ولذلك تجد الآن في الساحة شعراً ليس فيه خيال، ولا أسلوب، ولا روي، ولا قافية إنما هو كلام.
وإذا أراد أن يسمى شاعراً أتى بأمور، حتى لو سألته هو عن معانيها لما استطاع أن يجيبك، ويقول: هذه رموز ومصطلحات لا يدركها عامة الناس ومستواه أضعف من مستواك، حتى تقول: بارك الله فيك، فتح الله عليك، أنا لم أعرف هذه القصيدة؛ لأنه يقول:
في وهج الليل سرحت ونمت في جنح الضحى
ثم سقط علي الشاطئ بلمعانه وإذا بريق الشمس فوق حاجبي فماذا أفعل؟
فإذا قلت: بارك الله فيك أفتنا، استنبط لنا من هذه الكنوز ومن هذه البضاعة، قال: أنت مستواك ضعيف، عقلك لم يبلغ إلى هذا الرقي العلمي.
نقول له: جزاه الله خيراً، هذا يبقى هو وبضاعته، وسوف يثبت المتنبي أنه شاعر استمر وأبو تمام وجرير وحسان؛ لأنهم أجادوا وأتوا بالشروط الأربعة.
стр. 2975
أبيات في أهوال الآخرة
السؤال
يقول السائل: السلام عليك ورحمة الله وبركاته، إلى الشيخ عائض إني أحبك في الله، هل نظمت شعراً في أهوال الآخرة؟ فإن كان الجواب نعم؛ فأرجو منك أن تسمعنا شيئاً في ذلك؟
الجواب
عندي قصيدة (الدمعة الخرساء) فيها من ذكر أهوال الآخرة:
دنياك تزهو ولا تدري بما فيها إياك إياك لا تأمن عواديها
تحلو الحياة لأجيال فتنعشهم ويدرك الموت أجيالاً فيفنيها
عارية المال قد ردت لصاحبها وأكنف البيت قد عادت لبانيها
والأينق العشر قد هضت أجنتها وثلة الورق قد ضجت بواكيها
يا رب نفسي كبت مما ألم بها فزكها يا كريم أنت هاديها
إلى آخر القصيدة.
هذا ما يحضرني أني نظمت فيه، لكن من أعظم ما قرأت في أهوال الآخرة، قصيدة لأحد الشعراء المستقيمين العلماء، حضر عند نور الدين محمود زنكي أستاذ صلاح الدين الأيوبي، وهو من العلماء والفضلاء والزهاد، حتى يقال: هو سادس حكام الإسلام عدلاً، كان من أعدل الناس، وكان يصلي الليل إلا قليلاً، وكان يصوم أغلب الأيام، وكان لا يسمع الموعظة إلا بكى، وجاهد في سبيل الله حتى كان في أرجله جروح كثيرة من كثرة ما ركب الخيل.
عمل نور الدين في دمشق مهرجاناًَ حافلاً كبيراً حضره أمراؤه ووزراؤه وقواده وجيشه والناس، فأتى هذا العالم والناس قد اكتظوا في المهرجان، فوقف أمام نور الدين محمود فألقى قصيدة كأنها تتقطع من القلب، يقول لـ نور الدين:
مثل لنفسك أيها المغرور يوم القيامة والسماء تمور
إن قيل نور الدين جاء مسلماً فاحذر بأن تأتي ومالك نور
حرمت كاسات المدام تعففاً وعليك كاسات الحرام تدور
إلى أن يقول:
هذا بلا ذنب يخاف لهوله كيف المصر على الذنوب دهور
قصيدة وأبياتها تقارب أربعين بيتاً، فلما ألقاها أغمي على نور الدين محمود، وسقط من كرسيه على الأرض مغشياً عليه حتى رش بالماء, ويقولون: هي أول توبته في الإسلام.
ومن أحسن ما قرأت كذلك في شعر الآخرة، قصيدة للشاعر الكبير محمود بن عثيمين الذي توفى قبل سنوات، وقد رثى علامة من علماء نجد اسمه عبد الله العجيري، وقصيدته محزنة مرثية، يقول فيها:
هو الموت ما منه ملاذ ومهرب متى حط ذا عن نعشه ذاك يركب
نؤمل آمالاً ونرجو نتاجها وعلَّ القضا مما نرجيه أقرب
ونبني القصور المشمخرات في الهوا وفي علمنا أنا نموت وتخرب
نشاهد ذا عين اليقين حقيقة عليه مضى كهل وطفل وأشيب
ولكن علا الرانُ القلوبَ كأننا بما قد رأيناه يقيناً نكذب
إلى الله نشكو قسوة في قلوبنا وفي كل يوم واعظ الموت يندب
إلى آخر تلك القصيدة.
стр. 2976
سعة رحمة الله ومغفرته
السؤال
أنا شاب ابتليت بصحبة سيئة، ووقعت في بعض المحرمات والكبائر، فما هو السبيل للرجوع إلى الله؟ وهل إذا تبت تقبل الله توبتي؟
الجواب
سبحان الله! كيف لا تقبل توبتك وقد قبلت توبة المشركين الذين عبدوا الأصنام والأوثان من دون الله، وزنوا، وسرقوا، وكذبوا، وفجروا، وألحدوا؟! بل أنت من أحب الناس إذا تبت إلى الله ، وقال قال ﷺ : ﴿الله أفرح بتوبة عبده من أحدكم كان على راحلته عليها طعامه وشرابه فضلت منه فوجدها، فقال: اللهم أنت عبدي وأنا ربك! أخطأ من شدة الفرح﴾.
والله ينادي الناس صباح مساء: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [آل عمران:١٣٥] وقوله جل ذكره: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [الزمر:٥٣] وعند مسلم عن أبي موسى ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : ﴿إن الله يبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار، ويبسط يده بالنهار ليتوب مسيء الليل حتى تطلع الشمس من مغربها﴾ وعند مسلم عنه ﷺ أنه قال: ﴿والذي نفسي بيده لو لم تذنبوا لذهب الله بكم، ولجاء بقوم آخرين يذنبون، فيستغفرون، الله فيغفر لهم﴾.
وعند مسلم عن معاذ ﵁ في الحديث القدسي: ﴿يا عبادي، إنكم تذنبون بالليل والنهار، وأنا أغفر الذنوب جميعاً، فاستغفروني أغفر لكم﴾.
وورد عنه ﷺ عند الترمذي أنه قال: ﴿كل بني آدم خطاء وخير الخطائين التوابون﴾.
فنسأل الله أن يتوب علينا وعليك، فإذا تبت وافعل من الاستغفار، وأكثر من الحسنات ما تكفر السيئات، فإن الله يقول: ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ﴾ [هود:١١٤] ويقول: ﴿وَيَدْرَأُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ﴾ [الرعد:٢٢]
ثم عليك أن تجانب جلساء السوء فلا تجلس معهم، إلا أن ترى أنك سوف تحولهم وتقبل بقلوبهم على الله فلك ذلك.
وللتوبة شروط:
أولاً: أن تعزم على ألا تعود إلى ما كنت تفعل.
ثانياً: أن تندم على ما فعلت من المعاصي.
ثالثاً: أن ترد حقوق الناس إن كان عندك حقوق، كأن تكون أخذت مالاً، أو غصبت ملكاً، أو انتهكت عرضاً، عليك أن ترد هذه الحقوق إلى أهلها إن استطعت، وعليك أن تتصدق به إذا كان مالاً وخفت إن أعدته أن يجلب عليك بعض الأمور التي لا يحمد عقباها، فتصدق به على نية صاحبه وتصله، والله يتولانا وإياك.
والحمد لله رب العالمين.
стр. 2977
حلاوة الإيمان
هذا شرح حديث من صحيح البخاري رواه أنس بن مالك وبوب له الإمام البخاري بقوله: باب حلاوة الإيمان، وهو حديث عظيم، وأصل من أصول الدين وقاعدة من القواعد الكبرى في الإسلام.
وفيه ثلاث خصال من كن فيه وجد بهن حلاوة الإيمان، ومدارها على الحب والبغض، حب الله ورسوله وأوليائه، وبغض الكفر وحزبه وأتباعه.
стр. 2978
ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.
أمَّا بَعْد:
فمعنا هذه الليلة من صحيح البخاري حديث عظيم، وأصل من أصول هذا الدين، وقاعدة من القواعد الكبرى في الإسلام، نوه به الإمام النووي وغيره من علماء الإسلام.
هذا الحديث، يقول الإمام البخاري مبوباً عليه "باب حلاوة الإيمان" ثم قال: حدثنا محمد بن المثنى، قال: حدثنا عبد الوهاب الثقفي، قال: حدثنا أيوب عن أبي قلابة عن أنس عن النبي ﷺ قال: ﴿ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان: أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله، وأن يكره أن يعود في الكفر كما يكره أن يقذف في النار﴾ هذا الحديث العظيم متفق عليه بين الشيخين، ورواه جلة من علماء الإسلام وكثير منهم.
لكن قبل أن نشرع في شرح الحديث، وفي فوائد الحديث وما يستفاد منه، نأخذ هذه الليلة حديثاً، وقد رأيت ورأى بعض الإخوان أن نأخذ في كل أسبوع حديثاً من أحاديث الأعمال نحفظ هذا الحديث؛ ليكون لجلوسنا إن شاء الله مع الفائدة فائدة، ومع المنفعة منفعة، فالجميع يحفظ وكل إنسان يحفظ هذا الحديث على مر الأسبوع ويعمل به؛ لأنه من أحاديث الأعمال وسوف أختار كل أسبوع حديثاً يناسب المقال والمقام والعصر.
стр. 2979
لا يزال لسانك رطباً من ذكر الله
الحديث الذي نحفظه هذا الأسبوع ليس في البخاري ولكنه حديث وهو قاعدة ووصية ينفع جميع طبقات الناس، هذا الحديث نصه عن عبد الله بن بسر ﵁ قال: ﴿أتيت رسول الله ﷺ فقلت: يا رسول الله! إن شرائع الإسلام قد كثرت عليَّ فدلني على باب أتشبث به -وفي لفظ: باب جامع أتشبث به- قال ﷺ : لا يزال لسانك رطباً من ذكر الله﴾.
هذه وصية الرسول ﷺ لـ عبد الله بن بسر، وهذا الحديث رواه الترمذي والإمام أحمد وابن حبان وغيرهم وقال الترمذي: حديث حسن، وهو حسن.
هذا الحديث وصية جامعة من الرسول ﷺ يقدمه للأمة، وهو جامع لخيري الدنيا والآخرة، فمن فهم هذا الحديث وحفظه وعمل به كفاه عن أبواب كثيرة؛ لأنه الباب الجامع في الإسلام ألا يزال اللسان رطباً من ذكر الله ، انتهى الحديث ونسأل الله التوفيق لحفظه والعمل به.
وقد تعودنا مع بداية كل درس أن نأخذ شخصية إسلامية رائعة؛ ممن يستن ويقتدى بهم في هذا الدين؛ ليكون من باب التربية والتوجيه والاقتداء والتأسي.
стр. 2980
لمحات من حياة شيخ الإسلام ابن تيمية
ومعنا الليلة العلم العلامة، والزاهد الفهامة شيخ الإسلام، علم الأعلام، المجاهد الكبير، شيخ الإسلام ابن تيمية، اسمه: أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام بن تيمية الحراني أو أبو العباس تقي الدين ﵀ رحمة واسعة- نأخذ من سيرته بعض اللمحات ثم نبدأ في الحديث.
следующие страницы →