← Джавами‘

Джавами‘ · id 7708

دروس الشيخ عائض القرني

عائض القرني

Полный текст (10 391 стр.). Показаны 2906–2945 · переход к 2911.

стр. 2906

طلب الصدق ثوابه الصدق من الله الفائدة العشرون: طلب الصدق ثوابه الصدق من الله ، قال تعالى: ﴿فَلَوْ صَدَقُوا اللَّهَ لَكَانَ خَيْراً لَهُمْ﴾ [محمد:٢١] فإن عمر ﵁ سأل الله الشهادة بصدق فبلغه الله الشهادة، وأعطاه ما تمنى، وسأل الله عند الجمرات أن يرزقه الشهادة، فرزقه الله الشهادة. ولذلك في صحيح مسلم: ﴿من سأل الله الشهادة بصدق بلغه الله منازل الشهداء ولو مات على فراشه﴾ فإنه سأل الله الشهادة فرزقه الله الشهادة في مسجد رسول الله ﷺ ، ويقول أنس: ظننت أن القيامة قامت يوم قتل عمر، قتل في الركعة الأولى وأكمل ابن عوف الصلاة بالمسلمين ﵃ جميعاً وحمل، فيقول بعض الناس: لا ضير عليه، ليس عليه بأس، فلما وضع في بيته، قال: إيتوني بلبن، يريد عمر ﵁ أن يختبر جرحه، لأنه طعن بخنجر ثلاث مرات، والخنجر له حدان أي ست طعنات، فلما شرب اللبن، خرج اللبن من الجرح، فقال: الله المستعان -يعني أنه مقتول- قال: من قتلني؟ قالوا: أبو لؤلؤة المجوسي، قال: الحمد لله الذي جعل شهادتي على يد رجل ما سجد لله سجدة، ثم قال: ضعوا خدي على التراب، فوضعوه على التراب، وأراد ابنه عبد الله أن يرفع رأسه بمخدة فقال: ضع خدي على التراب لا أم لك! عل الله أن يرحمني، ثم سأل الله وقال: اللهم إني أصبحت منقطعاً عن الدنيا مقبلاً عليك اللهم فارحمني. ثم دخل عليه الصحابة، قال ابن عباس: وكنت أقرب الناس إليه، قال: وبينما أنا واقف عند رأسه، وإذا هو ينصت طويلاً ﵁ وأرضاه، ويكفكف دموعه، يتذكر أعماله وقدومه على الله ، قال: فإذا برجل قد قرب منا فوضع يده على كتفي فالتفت، فإذا هو علي بن أبي طالب، قال: فقال: السلام عليك يا أمير المؤمنين! فالتفت إليه عمر وقال: لا تقل: يا أمير المؤمنين! فإني لست اليوم للمؤمنين بأمير، قال: السلام عليك يا أبا حفص! أمَّا بَعْد: ﴿فوالله لطالما سمعت رسول الله ﷺ يقول: جئت أنا وأبو بكر وعمر، ودخلت أنا وأبو بكر وعمر وخرجت أنا وأبو بكر وعمر فأرجو الله أن يجعلك مع صاحبيك﴾ قال: ابن عباس: فقلت أنا: يا أمير المؤمنين! هنيئاً لك وطوبى لك، أسلمت فكان إسلامك نصراً، وهاجرت فكانت هجرتك فتحاً، وتوليت فكانت ولايتك رحمة، فسالت عيناه من الدموع ثم قال: [[يا ليتني نجوت كفافاً لا لي ولا علي]] ثم استدعى ابنه عبد الله وقال: لا تتول أمر هذه الأمة، يكفي من آل عمر رجل واحد يعذب، ثم أسلم روحه إلى الحي القيوم، فنسأل الله أن يجمعنا به وبكل صادق يوم لا يخزي الله النبي والذين آمنوا معه نورهم يسعى بين أيديهم وبأيمانهم، بشراكم اليوم جنات تجري من تحتها الأنهار، نسأل الله أن يقر أعيننا برؤيته ﵎ وبرؤية رسوله ﷺ ، اللهم بعلمك الغيب، وبقدرتك على الخلق أحينا ما كانت الحياة خيراً لنا، وتوفنا ما كانت الوفاة خيراً لنا.

стр. 2907

ففروا إلى الله لابد للمسلم الذي يريد أن يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر أن يعرف أدب الدعوة وكيف يدعو الناس بالحكمة والموعظة الحسنة كما أمر تعالى، ولو أن كل مسلم غيور على دينه أمر بالمعروف ونهى عن المنكر في حارته أو حيه لكان هناك خير كثير، ولكن تقاعست الهمم، ولم يعد هناك جرأة في قول الحق. ولا نجاة لنا من فتن هذا الزمان الذي نعاني من ويلاته إلا بالإلتزام بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

стр. 2908

مبارزة الله بالمعاصي الحمد لله الذي كان بعباده خبيراً بصيراً، وتبارك الذي جعل في السماء بروجاً وجعل فيها سراجاً وقمراً منيراً، وهو الذي جعل الليل والنهار خلفةً لمن أراد أن يذكر أو أراد شكوراً. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، بعثه الله بالهدى ودين الحق، فبلَّغ الرسالة، وأدَّى الأمانة، ونصح الأمة، وجاهد في الله حتى أتاه اليقين، فصلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. عباد الله! جمعتنا بكم المحبة في الله، وجمعنا بكم الأمر الذي أوجبه الله علينا، قال تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ [آل عمران:١١٠].

стр. 2909

قرية تحارب الله وتعصيه يا مسلمون! يا صادقون! يا صائمون! يا مصلون! اسمعوا إلى كلام الله ﵎ وهو يتحدث لنا عن قرية نامت في جفن البحر، جاورته، ولكنها ما وقرَّت وما عظَّمت رب البر والبحر، وما استحت من الله، قال تعالى: ﴿وَاسْأَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ إِذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتَانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعاً وَيَوْمَ لا يَسْبِتُونَ لا تَأْتِيهِمْ كَذَلِكَ نَبْلُوهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ * وَإِذْ قَالَتْ أُمَّةٌ مِنْهُمْ لِمَ تَعِظُونَ قَوْماً اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَاباً شَدِيداً قَالُوا مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ * فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذَابٍ بَئِيسٍ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ * فَلَمَّا عَتَوْا عَنْ مَا نُهُوا عَنْهُ قُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ﴾ [الأعراف:١٦٣ - ١٦٦]. هذه القرية! مسكينة بائسة، هالكة عاصية! قرية جحدت معروف الله، وتنكرت الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. قريةٌ عطَّلت أوامر الله كما تفعل بعض القرى، قرية كانت تجاور البحر ﴿وَاسْأَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ﴾ [الأعراف:١٦٣] لكن أسلوب القرآن عجيب ورائعٌ وبديع، هذه القرية من قرى بني إسرائيل، اجتمعت عند البحر واجتمع أهلها على المعصية. حرَّم الله عليهم صيد السمك يوم السبت لحكمةٍ أرادها الله، وعندنا اليوم ليس سمك، بل أغلى من السمك، أعراض تنتهك، وعيونٌ تنظر، وغناء، وخمر، وسُكرٌ، وتخلف عن الصلاة، ليست المسألة مسألة سمك، المسألة مسألة دينٌ يُسحق بالشاطئ، وأمرٌ بالمعروف ونهيٌ عن المنكر لا يقام، ولا إله إلا الله تجرح مشاعرها، القضية أعظم من صيد السمك، القضية صيد نساء وفتيات، وصيد أعراض وهدم بيوت، وجرح مشاعر. حرَّم الله عليهم صيد السمك يوم السبت، ولكن الخبثاء الأخسة، الحقراء الأذلة؛ فجروا من البحر طرقاً ليوم الأحد حيلةً على الواحد الأحد، يضحكون على الله! ويستهزئون به، يخادعون الله وهو خادعهم! فكانت الأسماك تمر يوم السبت؛ فإذا دخلت إلى الخنادق والأخاديد أغلقوا الماء، ثم صادوها يوم الأحد، فلما فعلوا ذلك انقسم الناس ثلاثة أقسام: قسمٌ شاركهم، وقال: وهل أنا إلا من غزية إن غوت غويت وإن ترشد غزية أرشد كما يفعل بعض الماجنين اللاهين يوم يرى أهل المعاصي كُثر، فيقول: ضع رأسك مع الرءوس، واجعل نفسك مع هؤلاء، والله غفور رحيم، والبلد كله من هذا الصنف، والناس فعلوا كذا فافعل فعلهم، وهؤلاء لا يحملون عقلاً ولا وقاراً ولا حياءً من الله فماتت قلوبهم. وفي الحقيقة! أصبح الإيمان في قلوبهم متلاشٍ، سخروا من الله فسخر الله منهم. وصنفٌ ثانٍ بارد، يعيش لنفسه، لا يرى (لا إله إلا الله) أن لها حقاً عليه، يعيش لخبزه وطفله وحذائه، جالسٌ في بيته ساكت، يقولون للدعاة: لم تعظون قوماً الله مهلكم أو معذبهم عذاباً شديداً؟ يقولون: الناس هالكون اتركوهم، أنت وشأنك، والناس وشأنهم (دع ما لله لله، ودع ما لقيصر لقيصر) ما عليك، الله لا يسألك إلا عن نفسك، وهؤلاء أهل السلبية الذين سوف يحاسبهم الله على ما عطلوا من أمرٍ بمعروف ونهيٍ عن منكر. وقامت طائفة ثالثة بيضَّ الله وجوههم: أهل لا إله إلا الله، أهل الرسالة، أهل الحياة الخالدة، الذين نوَّر الله بصائرهم في الدنيا والآخرة، قالوا للعصاة: قفوا أيها الضُّلال! إن الهلاك سوف يعمنا فما هي النتيجة؟ يقول أحد الكتبة من المتأخرين: قرية عفا عليها الزمن لما دكدكها الله، وأسدل عليها الهوان والدمار إلى يوم يلقونه، أرسل الله عليهم عذاباً ونكالاً، فمسخهم قردةً وخنازير. هؤلاء هم أهل المعصية! أهل الشاطئ! أهل الانحراف الذين ما عظَّموا الله، ولا شعروا بوقارٍ لله، والشعور بوقار الله من أسس الإسلام، بل هو من العقيدة الحقة، قال نوح ﵇: ﴿مَا لَكُمْ لا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَاراً * وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَاراً * أَلَمْ تَرَوْا كَيْفَ خَلَقَ اللَّهُ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقاً * وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُوراً وَجَعَلَ الشَّمْسَ سِرَاجاً * وَاللَّهُ أَنْبَتَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ نَبَاتاً﴾ [نوح:١٣ - ١٧] مالكم لا تحترمون الله.

стр. 2910

الخوف والاستحباب من الله عند السلف جاء عند الإمام أحمد في كتاب الزهد أن أبا بكر ﵁ وأرضاه قال -وليت أبا بكر ينظر إلى واقعنا المعاصر، ليته مر هذه الليلة ليرى الشاطئ وما يحدث فيه من اختلاط ونظرات مشبوهة، وأعراض منتهكة، وصلاة متأخرة، ونغمة مرتفعة-يقول ﵁: [[يا أيها الناس! استحيوا من الله حق الحياء، فوالله الذي لا إله إلا هو، إني أذهب إلى الخلاء لأقضي حاجتي، فأجعل ثوبي على وجهي حياءً من ربي]]. اللهم ألحقنا معه في منازل الخالدين (حياءً من الله في قضاء الحاجة) ألا يستحي هذا العبد الذي خرج بعرضه: بابنته، وزوجته، وأخته، خرج بدينه وبشرفه، خرج بإيمانه بين لاهين لاغين، تركوا المساجد والقرآن، ماذا يقولون لله؟ صح عنه ﷺ أنه قال: ﴿استحيوا من الله حق الحياء والاستحياء من الله حق الحياء: أن تحفظ الرأس وما وعى، والبطن وما حوى، ومن تذكر البلا ترك زينة الحياة الدنيا﴾. الخليفة العظيم عمر بن الخطاب الذي تربَّى على لا إله إلا الله، الرجل الذي عجز التاريخ أن يأتي بمثله مرةً ثانية، قال ابن كثير عنه: إنه سمع قوله : ﴿وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْؤُولُونَ * مَا لَكُمْ لا تَنَاصَرُونَ * بَلْ هُمُ الْيَوْمَ مُسْتَسْلِمُونَ﴾ [الصافات:٢٤ - ٢٦] فألقى عصاه واتكأ على الأرض، وحمله الصحابة على أكتافهم إلى البيت، وبقي مريضاً شهراً كاملاً. هذا هو الإيمان، مراقبة الواحد الديان، يوم تخلو بالحيطان، وتتستر بالجدران، ستعلم أن الواحد الأحد يراك، وتقول لنفسك: وإذا خلوت بريبة في ظلمة والنفس داعية إلى الطغيان فاستحي من نظر الإله وقل لها إن الذي خلق الظلام يراني بكى الربيع بن خثيم حتى كادت أضلاعه تختلف، وقال: [[والله -إن شاء الله- لا يسألني ربي أنني وقعت بفاحشة أبداً]]. وقال البخاري فيما يروى عنه في صحيحه: "منذ بلغت الاحتلام ما كذبت كذبةً ولا اغتبت مسلماً". إن: تلك النماذج عاشت لله، وماتت لله، وذهبت لله، وأتينا إلى جيلٍ لا يعرفون الله، أكلوا نعم الله، واستنشقوا هواءه، وشربوا ماءه، وبارزوه بالمعاصي. أنجى الله الذين ينهون عن السوء، وأمَّا أولئك فهلكوا، والصنف الثاني اختلف العلماء فيهم، وكأنهم إلى الهلاك أقرب. يا مسلمون! إن في هذه المحاضرة مسائل: أولاً: واجبنا نحو الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. ثانياً: أدب الدعوة وكيف ندعو الناس؟ وكيف نجلس مع الناس ونعلمهم الإسلام؟ وكيف نلقنهم لا إله إلا الله؟ ثالثاً: الفتن التي عمت وطمت حتى يتمنى المسلم اليوم أنه يدفن مكان صاحب القبر. رابعاً: حياة اللهو واللعب والعبث التي يعيشها كثير من الناس، ما لهم يلعبون بالنار؟ ما لهم يعصون الواحد القهار؟ ما لهم تناسوا الله وذكروا كل شيء؟! خامساً: عقوبة المعاصي. سادساً: هل من توبة أيها المسلمون؟ سابعاً: كلمة إلى النساء.

стр. 2911

واجبنا نحو الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر نحن أمةٌ لا نعيش إلا بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، أنا وأنت، المتكلم والسامع، إن لم نأمر بالمعروف وننهى عن المنكر وإلا فاعتبر أن الخزي والذل سوف يحل بنا، قال تعالى: ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرائيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُدَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ * كَانُوا لا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾ [المائدة:٧٨ - ٧٩]. ويقول ﵊: ﴿إنما أهلك الذين كانوا قبلكم، أن الرجل فيهم كان ينهى الرجل ثم لا يمنعه أن يكون أكيله وشريبه من آخر النهار، فلما فعلوا ذلك لعنهم الله﴾ حولهم قردة وخنازير، أذلهم إذلالاً ما شهد التاريخ مثله، بل كتب عليهم اللعنة في كل كتاب، وعلى لسان داود وعيسى بن مريم ﵉. الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لا يفتقر إلى أمر إلا من الواحد الأحد، وإذا ما فعلت ذلك فتأكد أن التباب والخسار سوف يحل بالبلاد والعباد. صعد أبو بكر ﵁ وأرضاه على المنبر، فقال: ﴿يا أيها الناس! إنكم تقرءون آيةً وتحملونها على غير محملها، وهي قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ﴾ [المائدة:١٠٥] وإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: إن الناس إذا رأوا المنكر ولم يغيروه، أوشكوا أن يعمهم الله بعذابٍ من عنده﴾ وهذا حديث صحيح، فالناس إذا رأوا المنكر وسكتوا ولم يتكلموا وجعلوها للهيئات، وخلوا المسئولية، وعاشوا السلبية، أوشك الله أن يأخذ الصالح والطالح، والمصلح والمفسد، ثم يلعنهم كما يلعن الذين من قبلهم. يأمر أمير المؤمنين بالمعروف وينهى عن المنكر وهو في سكرات الموت، هذا باب بوبه أهل السنة قالوا: عمر يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر وهو في سكرات الموت، طعن أمير المؤمنين عمر -الأبطال يموتون شهداء- نزف دمه كالماء، وماذا يقول عمر؟ كانت عيونه تهراق بالدموع، ويقول: [[يا ليت أمي لم تلدني، يا ليتني ما عرفت الحياة، يا ليتني ما توليت الخلافة]] طوبى لك يا أمير المؤمنين! بل والله ليت أيامك تتكرر. أيا عمر الفاروق هل لك عودة فإن جيوش الروم تنهى وتأمر رفاقك في الأغوار شدوا سروجهم وجيشك في حطين صلوا وكبروا تغني بك الدنيا كأنك طارق على بركات الله يرسو ويُبْحِرُ أتى ودمه يثعب، فكانت عيونه تهراق بالدموع، ويقول: هل صليت؟ لأنه طعن في الركعة الأولى ولم يكمل الصلاة؛ كان شغله الشاغل هو الصلاة، يريد أن يلقى الله بالصلاة، لم يسأل عن زوجة ومنصب، ولا عن دار أو قصر أو عقال، ولا عن خلافة أو ملك، قال: هل صليت؟ قالوا: يعينك الله وتصلي، فأعانه الله فأتم الصلاة. يقول عمر وهو في سكرات الموت: [[الصلاة الصلاة وما ملكت أيمانكم، الله الله في الصلاة! لا حظ في الإسلام لمن ترك الصلاة، من حفظ الصلاة حفظه الله، ومن ضيع الصلاة ضيعه الله]]. وهو في الرمق الأخير كان يسلم على الأطفال ويبكي وهم يبكون، ثم أتاه الشباب يسلمون عليه، فلما ولىَّ شابٌ وجد عمر إزار الشاب مرتخٍ تحت الكعبين، قال: تعال يابن أخي -رضي الله عنك حتى في ساعة الصفر تأمر! حتى في الساعة التي ينسى فيها الإنسان حبيبه، وزوجته وولده وأخاه تأمر- قال: [[تعال يابن أخي! ارفع إزارك، فإنه أتقى لربك، وأنقى لثوبك]] قال الابن الغلام: جزاك الله عن الإسلام خير الجزاء، إيه والله. يقول علي بن أبي طالب لـ عمر وهو مكفن يريد أن يصلي عليه: [[والله ما أريد أن ألقى الله بعمل رجلٍ إلا بعملٍ كعملك، لقد كفنت سعادة الإسلام في أكفان عمر]]. الشاهد أنه في ساعة حرجة أمر بالمعروف ونهى عن المنكر، وصح عنه ﵊ أنه قال: ﴿من رأى منكم منكراً فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان﴾ أي إيمان يبقى مع إنسان وهو يجوب الأماكن والأسواق والمنتزهات والشواطئ وينظر إلى هذه المناظر ثم لا ينكر قلبه على أقل الأحوال؟ والله إن الإنسان يصيبه مرض، وإنه ليأسف أسفاً شديداً، وأن قلبه يكاد أن يتمزق حسرةً لهذه الأمة، أجدة قريبة من مهبط الوحي من الحرم؟ أجدة البلد الإسلامي؟ أجدة بلد الصحوة، وبلد الدروس والعلم؟ أشاطئها يشهد هذه الأمور؟! إنه يؤسف كل مسلم، وإني ما أتيت هنا متفرجاً ولا متنزهاً وإنما أتيت واعظاً، أقول لإخواني: طريق الهداية قد فتحت أبوابها، فعودوا إلى الواحد الأوحد؟

стр. 2912

أدب الدعوة وكيف ندعو الناس واجبنا -يا دعاة الإسلام، ويا شباب الإسلام- أن ننزل إلى الناس، وهو ما يسمى أدب الدعوة.

стр. 2913

الدعوة إلى الله بأسلوب حسن قال سبحانه: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ﴾ [النحل:١٢٥] أن نرحم الناس، وأن نشفق عليهم، لماذا نبقى في مساجدنا والناس يتهالكون؟ ولماذا نبقى والمعاصي قد طمت وعمت؟ أما نخشى أن يأتينا أثرها ونحن في منازلنا؟ لا إله إلا الله! إن واجبنا أن نأتي بأسلوبٍ أتى به محمد ﵊: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾ [آل عمران:١٥٩] وقال سبحانه: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ﴾ [النحل:١٢٥] وقال : ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ﴾ [فصلت:٣٣] إلى الواحد الأحد، الناس يدعون إلى كياناتهم وأساليبهم، وإلى راياتهم وقوانينهم، أفلا تدعو أنت إلى الله! يقول الشيخ عبد الله عزام ﵀، وقد سمعت منه هذا الكلام مباشرة قال: كان في أفغانستان امرأةٌ مسيحية نصرانية أتت تبشر بـ المسيحية في رأس جبل، معها جهاز آريال وهي على الثلج تنام مع البعوض، وتستيقظ مع الجوع والظمأ وهي تنشر المسيحية في أرض أفغانستان، قلنا: أين شباب الإسلام؟ أين دعاة الحق؟ أين علماء الدعوة؟ أين خلفاء محمد ﵊؟ أين الذين يدعون إلى الله ؟ أين الداعون؟ لقد خلوا إلا القليل، ولقد سكتوا وأخرسوا لا أدري ماذا يقولون للواحد الأحد يوم العرض الأكبر؟! يقترح بعض العلماء، يقول: لو أتى كل شاب مستقيم ونزل إلى السوق والشاطئ، وإلى كل مكان اللهو، فدعا شاباً أو رجلاً إلى المحاضرة أو الدرس أو الهداية لكان العدد قد زاد ضعفه، وهكذا حتى يهتدي الناس، وهذا اقتراح جميل، وإنما المقصود: كيف نقدم هذا للإسلام؟ أولاً: كل من أعرض عن الله فهو على فطرة الله التي فطر الناس عليها، والواجب علينا أن ندعو الناس مشفقين، لا مؤنبين، ولا جارحين، ولا مضاربين، ولا مهاترين، ولا شاتمين، ولا سابين. محمدٌ هو بأبي وأمي ﵊، جرحت أقدامه، وسالت دماؤه، قد جرحها المشركون، أخذ يقول: ﴿اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون﴾ أتاه ملك الجبال عند دخوله مكة قال: ﴿أتريد أن أطبق عليهم الأخشبين؟ قال: لا. إني أرجو من الله أن يخرج من أصلابهم من يعبد الله ولا يشرك به شيئاً﴾ وحقاً صبر ﵊. عجباً من قلبك الفذ الكبير والفيافي حالماتٌ بالمنى تتلقاك بتصفيق مثير أخرج الله من صلب الوليد بن المغيرة خالد بن الوليد، الذي قاد مائة معركة، وأبلى في الإسلام بلاءً حسناً، وقدم دموعه ودمه ووقته في خدمة لا إله إلا الله. وأخرج الله من صلب أبي جهل عكرمة بن أبي جهل الذي أتى في اليرموك ﵁ وأرضاه، فلما التقى الجمعان الإسلام والكفر، والضلال والحق، خرج فاغتسل فلبس أكفانه، وقال لأصحابه: [[أستودعكم الله الذي لا تضيع ودائعه! هل لكم وصية إلى رسول الله ﷺ ؟]] قال الجيش: بلِّغه عنا السلام، فأخذ السيف وخاض المعركة، وقتل وهو في الرمق الأخير، يعطيه خالد بن الوليد الماء ليشرب، فيقول: اعطه أخي المسلم، جريح آخر فيعطونه الجريح الثاني فيرفض إلا أن يشرب أخوه، فيأتون إلى الأخ الثالث فيرفض، فيعودون بالماء إلى عكرمة فإذا هو قد فارق الحياة. عفاءٌ على دنيا رحلت لغيرها فليس بها للصالحين معرج كدأب علي في المواطن كلها أبي حسن والغسل من حيث يخرج قال: فحوله خالد إلى الآخر فوجده قد مات، ثم الثالث فوجده قد مات، فبكى خالد حتى سمع صوت البكاء، ثم رمى الكوب من يده وقال: [[اسقهم من جنتك؛ فإنهم قد خرجوا في سبيلك، اللهم اجمعنا بهم في الجنة]] قومٌ بذلوا مهجهم. والشاهد أن محمداً ﵊ تحمَّل وصبر حتى قدم إسلاماً بديعاً للناس، يقول الله له: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم:٤] عظيمٌ خلقه، وعظيمٌ صبره، قاتله أقاربه وجرحوا مشاعره، وضربوا بناته، وآذوه وسبوه وشتموه، وأخرجوه من دياره، وفي الأخير لما انتصر وفتح مكة طوق الحرم بالجيش، فقال لكفار مكة: ﴿ما ترون أني فاعلٌ بكم؟ فتباكوا، وقالوا: أخٌ كريم وابن أخٌ كريم، قال: اذهبوا فأنتم الطلقاء﴾ غفر الله لكم بل رفع الله منزلتك، وأتاك الله الوسيلة، حتى يقوم أبو سفيان أمامه يبكي، ويقول: [[لا إله إلا الله ما أرحمك! ولا إله إلا الله ما أبرك! ولا إله إلا الله ما أوصلك!]] وأتاه أبو سفيان بن الحارث ابن عمه بعد أن فر بأطفاله؛ لأنه آذى الرسول ﷺ ، فقال علي بن أبي طالب: إلى أين تسير يا أبا سفيان؟ قال: أخرج إلى الصحراء، فأموت أنا وأطفالي جوعاً وعرياً وعطشاً، قال: ولماذا؟ قال: إن أدركني محمد قطعني بالسيف إرباً إرباً، قال: عد إليه وسلم عليه بالنبوة وقل له كما قال إخوة يوسف ليوسف: ﴿تَاللَّهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنَا وَإِنْ كُنَّا لَخَاطِئِينَ﴾ [يوسف:٩١] فعاد إليه، ووقف على رأسه وسلَّم عليه، وقال: يا رسول الله! ﴿تَاللَّهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنَا وَإِنْ كُنَّا لَخَاطِئِينَ﴾ [يوسف:٩١] فرفع ﵊ طرفه وقد اعتلت الدموع على محياه الجميل وقطرت لحيته بالدموع: إذا اشتبكت دموعٌ في خدودٍ تبين من بكى ممن تباكا فقال ﵊: ﴿لا تثريب عليكم اليوم يغفر الله لكم وهو أرحم الراحمين﴾.

стр. 2914

نجاح الرسول ﵊ في دعوته نعم! لقد نجح الرسول ﵊ في دعوته نجاحاً ما شهد التاريخ مثله، العدو يأتيه فينقلب صديقاً بدعوته، أتاه رجل، فقال: يا رسول الله! أشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله وإني أتوب إلى الله من كل معصية إلا الزنا، فقام الصحابة يريدون أن يؤدبوا هذا الرجل؛ لأنه تكلم بالفاحشة أمام الرسول ﷺ ، فقال ﵊: ﴿اتركوه فتركوه، قال: تعال! فأجلسه بجانبه ووضع يده الشريفة على كتف الرجل، وقال: أترضى الزنا لأمك؟ قال: لا. قال: أترضاه لأختك؟ قال: لا والله. قال: أترضاه لابنتك؟ قال: لا والله. قال: أترضاه لزوجتك؟ قال: لا والله. قال: فهل يرضونه المسلمون لأخواتهم وأمهاتهم وبناتهم وزوجاتهم -أو كما قال ﵊ قال: أتوب -يا رسول الله- من الزنا، فوضع يده ﵊ على قلب الرجل، وقال: اللهم طهر سمعه وبصره، وحصِّن فرجه﴾ دعوة وأصبح الرجل في ميدان الإسلام، وأصبح من الدعاة؛ لأن اللبيب عرف كيف يقود هذا إلى الهداية؟ ينقصنا الحكمة، والرحمة والشفقة والأسلوب، إننا ركزنا اهتماماتنا في المساجد، وتركنا هذه الأماكن، أهل المساجد جاهزون، أتوا يصلون، مستقيمون، عابدون، صادقون، راكعون، ساجدون، لكن إخواننا وأقاربنا، وأبناؤنا، وأعراضنا، وأخواتنا، وقريباتنا في أماكن اللهو من يهديهم إلى صراط الله المستقيم؟ يقول ﷺ : ﴿لأن يهدي الله بك رجلاً واحداً خيرٌ لك من حمر النعم﴾ وقال ﷺ : ﴿نضَّر الله امرأً سمع مني مقالة فوعاها، فأداها كما سمعها، فرب مبلغٍ أوعى من سامع﴾ وصح عنه ﷺ أنه قال: ﴿بلغوا عني ولو آية﴾ وقد ذم الله من كتم العلم، وجحد معروف الله له في الدعوة، فقال سبحانه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ * إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا فَأُولَئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ [البقرة:١٥٩ - ١٦٠].

стр. 2915

التقصير في الدعوة من تقصيرنا في الدعوة أمور: أولاً: أنه يوجد من يشهر العصاة؛ يشهرهم بأسمائهم، أو يكبتهم بالعتاب أمامهم، أو يتحدث لهم أمام الناس في معصيتهم، وهذا خطأ، يقول الشافعي: تعمدني بنصحك في انفرادي وجنبني النصيحة في الجماعة فإن النصح بين الناس نوعٌ من التوبيخ لا أرضى استماعه فإن خالفتني وعصيت أمري فلا تجزع إذا لم تعط طاعة ثانياً: أننا لا نسبق في إيصال الحق لأصحابه. ثالثاًَ: أن القوالب الذي يؤدى فيها المعروف تكون فضة غليظة، فلا يقبلها الناس، قال تعالى: ﴿وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾ [آل عمران:١٥٩] يقول جرير بن عبد الله البجلي: [[والله ما زال ﵊ كل ما رآني يتبسم في وجهي]] ويقول عمرو بن العاص: [[ما زال ﷺ ينظر إليَّّ -في أول الإسلام يتألفه- حتى ظننت أنني أفضل من أبي بكر وعمر]] فاللين وإيصال الحق بقالب الرحمة وعدم التشهير بالعصاة الذين فيهم خير. أنا أذكر قصة لرجل سمعتها منه مباشرة: داعية موفق، نور الله بصيرته، وآتاه الحكمة ﴿وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً﴾ [البقرة:٢٦٩] يقول: في بلدنا رجلٌ مجرم وكان هذا المجرم يروج المخدرات، وسبق أن رجال الأمن طاردوه وطاردهم وضايقوه وضايقهم، كان يحمل السلاح وكان لا يعرف الصلاة، قطع والديه، وقطع أرحامه، ونسي الله وتردى في المعاصي حتى أعجز الناس، قال: فأتتني فكرة أن يهديه الله على يدي، فكنت أقوم في آخر الليل مع السحر، وأتضرع أن يجعل هدايته على يدي، قال: وصمت قبل أن أصله إلى بيته علَّ الله أن يجعله من العمل الصالح الذي يتقرب به إلى الله، قال: ثم أخذت هدية -وما أحسن الهدية، هديةٌ تأخذ القلوب وتجلب الأرواح- قال: وذهبت بها إلى بيت الرجل، فلما رأيته سلَّمت عليه، قلت: أحببتك في الله ورأيت عليك آثار الخير. من أين آثار الخير؟ وجهه كقفاه، أسود من الليل، لكن انظر إلى الأساليب وانظر إلى السحر الحلال!! في السحر: سحر حلال، وسحر حرام. السحر الحلال: تبسمك في وجوه الرجال. والسحر الحلال: أن تدعو الناس بأسلوبٍ عذب يصل إلى القلوب. والسحر الحلال: أن تعانق العصاة لتقودهم إلى الجنة؛ ليكونوا في ميزان حسناتك، الكلمة الفظة سهلة، وتعقيد الجبين سهل، والهراوة سهلة، ولكنها تفوت ولا تبني، وتشرد ولا تجمع، وتقسي ولا تلين، من يحرم الرفق يحرم الخير كله. وقال ﵊: ﴿ما كان الرفق في شيءٍ إلا زانه، وما نزع من شيءٍ إلا شانه﴾ ويقول ﵊: ﴿إن الله رفيق يحب الرفق في الأمر كله﴾ ﴿فَقُولا لَهُ قَوْلاً لَيِّناً لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى﴾ [طه:٤٤]. قال: فنظر فيَّ قال: أتعرفني؟ قلت: لا. رأيتك في مناسبات فخذ هذه الهدية، قال: فأخذها، قال: وما كلمته بكلمة وعدت إلى بيتي، وقلت: الحمد لله نجحت في أول خطوة، قال: وعدت إلى بيتي وبعد أيام ذهبت إليه، وقلت: أسألك بالله فيما بيني وبينك من صلة، وقد سبق أن التقينا أن تأتيني إلى بيتي زيارة، فإني أحببتك، قال: آتيك. فحددت له موعداً لا أكون فيه إلا أنا وهو. قال: فدخل بيتي، ووجهه مظلم، يقول ابن القيم: مشئوم تشأم منه السماء والأرض، والمبارك يكون مباركاً أينما كان وأينما حل وارتحل. ألا إن وادي الجزع أضحى ترابه من المسك كافوراً وأعواده رندا وماذاك إلا أن هنداً عشية تمشت وجرت في جوانبه بردا قال: فدخل البيت وتغدى، قال: والله ما كلَّمته في الدعوة بكلمة، قال: وخرج، قلت: وهذا نجاحٌ ثانٍ، قال: ومرت ثالثة، قلت: معي مشوار إلى قرية قريبة أريد أن تركب معي، قال: فركب معي، قال: فلما ركب معي ابتهلت إلى الله ودمعت عيناي أن يرزقني الصدق، وأن يجري الحق على لساني، قال: فلما ركب قال: انطلقت بالكلام وأتت فتوحات من الله الواحد الأحد، ولا أدري من أين انهال هذا الكلام! قال: وأخذت دموعه تتسابق -أحيا الله الفطرة، أخرجها الله من مكامنها واشتعلت في قلبه، فتحركت لا إله إلا الله في روحه- قلت: أريد أن أنجيك من النار، أريد أن أقودك إلى الجنة في كلامٍ طويل، قال: مد يدك، قال: فمددت يدي، قال: أشهد الله، وملائكته، وحملة عرشه، ثم أشهدك أني تبت إلى الله، وأسألك بالله الذي لا إله إلا هو قبل الفجر أن تمر بي لتأخذني إلى المسجد، قال: فما رددت عليه إلا وهو يبكي من هذا الفتح العظيم؟ وعدت إلى القرية وبعد أيام كان يصلي معي في المسجد، ودخل على والده ووالدته وقد كانوا كباراً في السن، هجرهم سنوات، كانوا شيوخاً، بكوا من مرارة قسوته، دخل عليهم وآثار الخير والنور يشع من وجه، قالوا: أنت فلان؟ قال: نعم أنا فلان، ثم قبَّل يد أبيه ورأسه ويد أمه ورأسها، فانطلقوا يبكون فرحاً في البيت. طفح السرور عليَّ حتى إنني من عظم ما قد سرني أبكاني فيا مسلمون! بمثل هذا وهو أسلوب محمد ﷺ الفطري العجيب، الذي وصل به إلى قلوب الناس، والذي أخذ أعداء الناس حتى أصبحوا في صفه ﵊.

стр. 2916

علامات الفتن التي أخبر بها النبي ﷺ نعوذ بالله من الفتن ما ظهر منها وما بطن، كان ﵊ يقول لـ عمار: ﴿استعذ بالله يا عمار من الفتن. فيقول عمار: أعوذ بالله من الفتن﴾ يقول ﵊ في الصحيح: ﴿يوشك أن يكون خير مال المسلم غنمٌ يتبع بها شعث الجبال، ومواقع القطر، يفر بدينه من الفتن﴾ وقد حدث هذا، فالإنسان يتمنى يوم يرى بعض المناظر أنه ما عرف الحياة، أو أنه في جبل، أو أنه يتصل بالله بشعبٍ من الشعاب، لكن ماذا يفعل؟ ينسحب! ينهزم! والله يقول: ﴿وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ﴾ [الحج:٤٠] ويقول: ﴿وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ﴾ [البقرة:٢٥١] لكن لابد من كلمة الحق، ولابد من الدعوة إلى منهج الله . من علامات الفتن التي أخبر بها ﵊ ما ثبت في الصحيح أنه قال: ﴿صنفان من أمتي لم أرهما اليوم، أناس معهم سياطٌ كأذناب البقر يضربون الناس، ونساءٌ كاسيات عاريات مائلات مميلاتٌ رءوسهن كأسنمة البخت لا يريحون رائحة الجنة﴾. أما نساء مائلات مميلات فقد وجدن، وقد شرحها النووي بشرحٍ يختلف عن شرح هذا العصر، ولو عاش النووي هذا العصر لغير من شرحه، مائلات يملن القلوب والأرواح والأفئدة، وقيل: يملن بأجسادهن وقد حدث هذا، فتاة الإسلام تخرج من بيت أبيها متجملةً متعطرةً متطيبةً، نابذة لا إله إلا الله وراء ظهرها، وعرضها، وحجابها، وسترها لتقول للمجرمين: انظروا، تعود بلعنة -والعياذ بالله- وقد صح عنه ﵊ أنه قال: ﴿إذا تعطرت المرأة وتزينت وخرجت من بيت زوجها -أي: بدون إذنه- لا زالت الملائكة تلعنها حتى تعود إلى بيتها﴾ وفي لفظ في السنن: ﴿فهي زانية﴾ من فعلت ذلك فهي زانية؛ لأن العيون نظرت إليها، فحذارِ حذارِ من هذه الفتن، ويقول ﵊: ﴿ما تركت على أمتي أشد فتنة من النساء﴾ إبليس لم يستطع لكثير من المهتدين إلا عن طريق النساء. أقول للنساء علَّ سامعةً أن تسمع، وعلَّ مبصرةً أن تبصر، وعلَّ مؤمنةً أن ترى وتتدبر وتتفكر: يا أختي! يا أمي! يا أيتها المسلمة! اتقي الله في إيمانكِ وعرضكِ، اتقي الله في هذا المجتمع، اتقي الله في العباد والبلاد، أنت المسئولة الأولى عما يجترف أو يكترث الشاب في هذه الناحية من تعريض نفسك للفتن، وتعريض غيرك للمخاطر. يا أمة الله! بيتكِ بيتكِ، يا أمة الله! أين الإيمان؟ أين تربية محمد ﵊، أين قول الله : ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى﴾ [الأحزاب:٣٣]. وقفت عائشة بعد موته ﵊ سنوات في بيتها كانت تتحجب، وكانت تردد ﴿وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْؤُولُونَ﴾ [الصافات:٢٤] وصح أنها قرأت ضحى إلى الظهر قوله سبحانه: ﴿فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا وَوَقَانَا عَذَابَ السَّمُومِ * إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلُ نَدْعُوهُ إِنَّهُ هُوَ الْبَرُّ الرَّحِيمُ﴾ [الطور:٢٧ - ٢٨] وتبكي أين هذه التربية الخارقة؟ أين تربية وآثار الإسلام؟

стр. 2917

ثلاث وصايا للأخت المسلمة إني أوصي الأخت المسلمة بثلاث وصايا: أولها: أن تكون مربية في البيت، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلائِكَةٌ غِلاظٌ شِدَادٌ لا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ [التحريم:٦]. تقدمت الخنساء النخعية في القادسية -كما قال بعض أهل التاريخ- بأربعة أبناء، فألبستهم الأكفان وطيبتهم، وقالت: أستودعكم الله الذي لا تضيع ودائعه، لا تعودوا إلا قتلى ليشرفني الله بشهادتكم، فقتلوا في سبيل الله، فلما أخبرت تبسمت وقالت: الحمد لله الذي شرفني بقتلهم في سبيله. أي امرأة هذه المرأة النبيلة، أي تربية هذه التربية الحرة. دخل علي ﵁ على الرسول ﷺ ليخطب فاطمة -سيدة نساء العالمين، الطاهرة الصديقة، الوفية- قال: فاستحييت من الرسول ﷺ ، قال ﷺ : كأنك تريد فاطمة؟ قال: نعم يا رسول الله! قال: عندك شيء من المال؟ قال: والله ما عندي شيء - علي بن أبي طالب لا يملك شيئاً، يملك إيماناً وتوحيداً، يملك لا إله إلا الله- قال: أين درعك الحطمية؟ قال: فأتيت بها مكسرة لا تساوي درهمين فزوجه ﵊﴾. يقول محمد إقبال في فاطمة: هي بنت من؟ هي زوج من؟ هي أم من؟ من ذا يساوي في الأنام علاها أما أبوها فهو أشرف مرسلٍ جبريل بالتوحيد قد رباها وعلي زوج لا تسل عنه سوى سيفٌ غدا بيمينه تياها زار ﵊ علي وفاطمة في الليل، فاستنارا بنوره في الظلام، وصل وهما نائمان قالت: ﴿يا رسول الله! طحنت الرحى حتى كلَّت يدي، وكنست حتى تدنست ثيابي، فهل من خادم؟ -تريد خادمة- فانتظر ﵊ ثم أتاها بعد ليالي، فقال: ألا أخبركما بما هو خير لكما من خادم؟ -بإمكانه أن يعطيها ﵊ ذهباً وفضة وخادمة، لكنه يريد الجنة، تأتي يوم القيامة ناقة من نور خطامها نور، يشق له الناس الطريق وهي بنت محمد محجبة ﵊ قال: ألا أخبركما بما هو خير لكما من خادم؟ قالا: بلى يا رسول الله! قال: إذا أويتما إلى مضجعكما، فسبحا الله ثلاثاً وثلاثين، واحمدا الله ثلاثاً وثلاثين، وكبرا الله أربعاً وثلاثين فهما خيرٌ لكما من خادم﴾. أتته ﷺ سكرات الموت؛ فاقتربت منه فاطمة ﵂ وأرضاها، فأخذ يقول لها ﵊: ﴿أنتِ أول الناس بي لحاقاً -وعلمت أنه سوف يموت في ذلك المرض- فأخذت تبكي، فقال: ادن يا بنية! فدنت ﵂ وأرضاها منه ﷺ ، فلما دنت من المصطفى ﷺ قال: أما ترضين أن تكوني سيدة نساء العالمين فتبسمت﴾ إنما النموذج الخالد نساءه ﷺ وبناته والمؤمنات الصادقات الصالحات.

стр. 2918

التكشف والعري لماذا هذا التكشف والعري؟ لماذا مخالفة الحجاب؟ لماذا الخروج عن أمر الله؟ ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْماً لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ [المائدة:٥٠] جلوسٌ وتكشُّفٌ على الشاطئ، وتكشُّفٌ مع الخياط وتكشّف مع بائع الذهب، أين الإيمان؟ أين التقوى؟ أين الخوف من الواحد الأحد؟ يقول أهل العلم: كان من الصالحين رجلٌ صديق، فأتى بعض الفجرة، فقالوا: والله لنغوينه، فأتوا إلى مومسة -والعياذ بالله- داعرة فاجرة، فأعطوها مالاً، وقالوا: تعرضي لذاك العابد في ظلام الليل، فتعرضت له، فلما رآها وهي متكشفة رأى الجمال، قال لها العابد: وقد نكس بصره: يا ذات الجمال اتق ناراً تلظى لا تلفح وجهك النار فأخذت تبكي وتابت إلى الله؟ يا ذات الجمال! يا ذات الخدر! يا ذات العرض! يا بنت الإسلام! يا فتاة الدين! احذري نار جهنم أن تلفحكِ بحرارتها، فإن الله قد أرصد للعصاة ناراً، ووعدهم نكالاً. أكلهم زقوم، وشرابهم الصديد، فاحذري أن يكون مصيركِ بعد هذا اللهو والفتون واللعب والتمرد على منهج الله أن يكون ناراً تلظى، ويكون ضياعاً وخسراناً نعوذ بالله من الخذلان. تزود للذي لابد منه فإن الموت ميقات العباد أترضى أن تكون رفيق قوم لهم زادٌ وأنت بغير زاد المسألة الثالثة: كيف نربي المسلمة التي تخاف الله وترجو لقاء الله ﵎ بالصلاة، وبالحجاب، وبذكر الله، وبالكتاب الإسلامي، وبالشريط الإسلامي، وبالاتصال بالله الواحد الأحد.

стр. 2919

حياة اللهو واللعب أما العنصر الرابع: حياة اللهو واللعب، كثير من الناس ميت، يأكل ويشرب، ويرقص ويغني، ويسمع الأغنية، ويطالع المجلة، ويلعب البلوت والباصرة والورقة، عبدٌ لشهواته، ولبطنه، ولفرجه، ولكنه ميتٌ تماماً، قال تعالى: ﴿أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلاً﴾ [الفرقان:٤٤]. لا إله إلا الله كم سفكوا من النظرات! ولا إله إلا الله كم اعتدوا عليه من الحرمات! ولا إله إلا الله كم أغضبوا رب الأرض والسماوات! قال سبحانه: ﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيراً مِنَ الْجِنِّ وَالْأِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ﴾ [الأعراف:١٧٩] عاشوا على العود، وهجروا المصحف، وعاشوا على الدندنة وهجروا التلاوة، وعاشوا على المقهى الأثيم الأحمر وتركوا المسجد، هجروا القرآن من أجل المجلة الخليعة، ولكن مع ذلك على الفطرة، ومع ذلك مستعدون أن يعودوا إلى الله، ومع ذلك لا زالت حرارة (لا إله إلا الله) تتوقد في قلوبهم.

стр. 2920

توبة الغافلين بشرى لكم يا معشر المسلمين! كان في مكة محاضرة بعنوان: (رسالة إلى المغنيين والمغنيات) وقرأنا سبعة إعلانات عن سبعة فنايين في بلادنا، أعلنت عنهم الجزيرة وعكاظ، عادوا إلى الواحد الأحد، كلهم أعلن توبته، كلهم رأى الفن ضياعاً، والحياة مع غير الله همجية، والحياة في الظلمات لعنة، والبعد عن المسجد غضب، وهجر القرآن خطيئة، فعادوا وهم كثير، بل أكثر من سبعة، ولا زال كل يوم يشهد عودة الفنانين لأنهم ذاقوا مرارة الحرمان، يقول محمد البيتي: لا أريد أن ينشأ طفلي مغنياً ولا مطبلاً ولا يحمل العود. قلنا له: جزاك الله خيراً يا محمد، وأحسنت كل الإحسان. المغني الشهير أتته نفحة من نفحات الواحد الأحد، أراد الله أن ينجي وجهه من النار، وأن يحفظ عليه إيمانه، فأحيا قلبه بلا إله إلا الله، كسر العود والنآي، طرد الفرقة الموسيقية، وعاد إلى المسجد يبكي، وبـ الخياط ومسفر الكثامي وأبو الكرم، وتسمعون أبا الكرم يقرأ سورة (ق) في آخر الشريط بصوتٍ عجيب أبكى جميع الناس في المسجد. نعم! إنها صحوة تعود إلى الواحد الأحد؛ لأن الناس جربوا الضياع فما وجدوا العيش إلا في كنف الله. أي شيءٍ وجد من فقد الله؟ وأي شيءٍ فقد من وجد الله؟ ولو أنَّا إذا متنا تركنا لكان الموت غاية كل حيٍ ولكنا إذا متنا بعثنا ويسأل ربنا عن كل شيءٍ يقول تعالى: ﴿نُورٌ عَلَى نُورٍ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [النور:٣٥] اهتدوا وعادوا وسجدوا للواحد الأحد، وبكوا وتغسلوا بالدموع، وتوضئوا بماء الحسرة، والله يقول: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [آل عمران:١٣٥] ويقول سبحانه: ﴿وَذَرِ الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَعِباً وَلَهْواً وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا﴾ [الأنعام:٧٠] ذرهم في طغيانهم، كثير من الناس يعيش ستين سنة، يا منعم الجسم! أكثر من يتنزه اليوم على الشواطئ يريد أن ينعم جسمه في الصيف في أبها أو في الطائف، وفي الربيع هنا على الشواطئ في فلة ومكيف وفي نعيم ورغد، وفي فسحة ونظر، أما جسمه فنعمه وغذاه، لكنه أهلك قلبه هلاكاً ما بعده هلاك. يا متعب الجسم كم تسعى لراحته أتعبت جسمك بما فيه خسرانٌ أقبل على الروح واستكمل فضائلها فأنت بالروح لا بالجسم إنسانٌ يا عامراً لخراب الدار مجتهداً بالله هل لخراب الدار عمران

стр. 2921

حال السلف مع الدنيا ثابت البناني المحدث الكبير بكى حتى ذهبت عينه من خشية الله، وبقيت عينٌ واحدة، قالوا: نخرج بك إلى حدائق خراسان لعلك ترى الخضرة والماء، علك إذا رأيت الخضرة أن يعود لك بصرك، فخرجوا به، فرأى الحدائق الخضراء في خراسان، ورأى البساتين، ورأى الماء يجري، لكن كلما رأى بستاناً بكى وتذكر الجنة، وكلما رأى حديقة بكى وتذكر الجنة. وداع دعا إذ نحن بـ الخيف من منى فهيج أشواق الفؤاد وما يدري دعا باسم ليلى غيرها فكأنما أطار بليلى طائحاً كان في صدري وعاد إلى البصرة قالوا: كيف وجدت النزهة؟ هل هي جيدة؟ قال: والله ما أعجبني في النزهة كلها إلا عجوزاً رأيتها تصلي ركعتي الضحى، لله درك يا من ينظر إلى هذه القصور الدور وهذا العمار كأنها الأحذية أو التراب أو الرماد! ماذا تساوي عند أن نتفكر في جنة عرضها السماوات والأرض؟ كم نعيش؟ ستين سنة، أو سبعين سنة فنترفه ونعصي هذه المعصية، ونلهو ونلعب ﴿ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلاهُمُ الْحَقِّ أَلا لَهُ الْحُكْمُ وَهُوَ أَسْرَعُ الْحَاسِبِينَ﴾ [الأنعام:٦٢] ﴿إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْداً * لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدّاً﴾ [مريم:٩٣ - ٩٤]. دخل ﷺ فارتقى المنبر، فقال للصحابة: ﴿أنقاتل كفار قريش في أحد أو المدينة؟ قالوا: نقاتلهم داخل المدينة، فقام شاب اسمه نعيم بن مالك بن ثعلبة وكان في آخر الصفوف، قال: يا رسول الله! لا تحرمني دخول الجنة، والله الذي لا إله إلا هو، لأدخلن الجنة فقال ﵊: بم تدخل الجنة؟ قال بخصلتين: بأني أحب الله ورسوله، ولا أفر يوم الزحف، فدمعت عيناه ﷺ ، وقال: إن تصدق الله يصدقك﴾ فخرجوا إلى أحد فكان أول مقتول. أتى عبد الله بن عمرو الأنصاري قبل المعركة بليلة، فرأى في المنام أنه أول من يقتل؛ فأيقظ بناته في الليل يستودعهن آخر ليلة، والليلة الثانية مع الله في ضيافة الواحد الأحد ﴿يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ * ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً * فَادْخُلِي فِي عِبَادِي * وَادْخُلِي جَنَّتِي﴾ [الفجر:٢٧ - ٣٠] فلما أتى أيقظ بناته، وقال: [[أستودعكن الله الذي لا تضيع ودائعه، رأيت أني أول من يقتل غداً، ويا جابر! عليك بأخواتك خيراً]]. وأتى الصباح الباكر البهيج -صباح أهل الجنة- والتقى مع الكفار فقتل، فضرب في جسمه ضرباً مبرحاً، حتى جاء في بعض الروايات أنه ما عرف إلا ببعض بقعٍ في جسمه أو ببعض بنانه، وقيل: هذا أنس بن النضر، لكن لما قتل عبد الله بن حرام ﵁ أتت أخته تبكي، فيقول ﵊: ﴿ابكي أو لا تبكي! فوالله الذي نفسي بيده، ما زالت الملائكة تظله بأجنحتها حتى رفعته، والذي نفسي بيده -يا جابر - لقد كلم الله أباك كفاحاً بلا ترجمان فقال: تمن؟ قال: أتمنى أن تعيدني إلى الدنيا فأقتل فيك مرة ثانية، قال: إني كتبت على نفسي أنهم إليها لا يرجعون، فتمن، قال: أتمنى أن ترضى عني فإني قد رضيت عنك، فقال الله: إني قد أحللت عليك رضواني لا أسخط عليك أبداً﴾ الحياة هي حياة الجنة، وحياة القرب من الله الواحد الأحد، وحياة التوفيق والسعادة، ومن حرمها فقد حرم الأمان: ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾ [يونس:٥٨]. يقول الملك لـ ابن تيمية: أتريد ملكنا؟ قال: والله ما أريد ملكك ولا ملك آبائك، ولا ملك أجدادك، ولكن أريد جنة عرضها السماوات والأرض. فيا مسلمون! لا يغرنكم بالله الغرور، نعيمٌ، وبساتين، ونزهات، وماءٌ، وظلٌ وارف، وكلها تتلاشى ولا يبقى إلا ما عند الواحد الأحد. عفاء على هذه الدار وسحقاً لها. دنياك تزهو ولا تدري بما فيها إياك إياك لا تأمن عواديها تحلو الحياة لأجيالٍ فتنعشهم ويدرك الموت أجيالاً فيفنيها فاعمل لدارٍ غداً رضوان خازنها الجار أحمد والرحمن بانيها قصورها ذهبٌ والمسك طينتها والزعفران حشيشٌ نابتٌ فيها اللهم اجعلنا من ورثة جنتك جنة النعيم.

стр. 2922

عقوبات المعاصي من أعظم عقوبات المعاصي: أن يضرب الله قلوبنا ضرباً ليس بعده ضرب، وهو ضرب القسوة -نعوذ بالله من قسوة القلوب- قال سبحانه: ﴿ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ﴾ [البقرة:٧٤] وقال سبحانه: ﴿فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ﴾ [المائدة:١٣] ولكن كيف لا يقسو قلب الموله اللاعب اللاهي، قلب المغني، وقلب الذي لا يعرف الصلوات الخمس في المسجد، وقلب الذي يعيش حياة الخواجات، لا يعرف من الإسلام إلا رسمه أو اسمه، مسلم بالحفيظة ولكنه لا يحمل من الإسلام شيئاً؟! عددنا كثير، فالمسلمون مليار لكن: عدد الحصى والرمل في تعدادهم فإذا حسبت وجدتهم أصفارا من كل مفتون على قيثارة كل رأيت بفنه بيطارا ومن آثار الذنوب: البغضاء التي تحدث بين القلوب، ولذلك تشتت الأسر، وقطعت الأرحام، وعق الوالدان، فنشكو حالنا للواحد الأحد. ومن عقوبات المعاصي: قلة البركة في الأموال والأولاد، جيلٌ في البيوت من الأبناء والأولاد البركة فيهم قليل، وأموالٌ كالجبال وبنوك، ولكن لا بركة. ومن عقوبات المعاصي: فساد طعم الحياة، وهذا يُسمى انطفاء النور. قال الإمام مالك للشافعي: إني أرى عليك آثار النور والنباهة، فإياك أن تفسد نورك ونباهتك بالمعصية. وقال أحدهم: نظرت إلى منظرٍ لا يحل لي، فنسيت القرآن بعد أربعين سنة، فنعوذ بالله من الخذلان والمعاصي والحرمان.

стр. 2923

هل من توبة ؟ هل من توبة يا مسلمون؟ وهل من عودةٍ إلى الواحد الأحد؟ قال سبحانه: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [الزمر:٥٣] ﴿أتى رجلٌ إلى الرسول ﷺ ، فقال: يا رسول الله! أذنبت، قال: تب إلى الله، قال: ثم أذنب، قال: تب إلى الله، قال: ثم أذنب، قال: تب إلى الله، قال: ثم أذنب، قال: تب إلى الله، قال: إلى متى؟ قال: حتى يكون الشيطان هو المدحور﴾ رواه ابن حبان وغيره. فكلما أذنبت فعد إلى الواحد الأحد، واغسل خطيئتك بماء التوبة، واستغفر وراجع حسابك مع الله، واعلم أن التوبة واجبة. بادر بالتوبة النصوح قبل احتضار وانتزاع الروح لا تحتقر شيئاً من المآثم وإنما الأعمال بالخواتم ومن لقاء الله قد أحبا كان له الله أشد حباً حضروا أبا بكر ﵁ وهو مريض في سكرات الموت، أصاب جسمه النحيل، جسم الصيام والعبادة، وجسم الجهاد وقيام الليل، فزاره الصحابة، قالوا: [[يا خليفة رسول الله! ماذا تشتكي، قال: أشتكي ذنوبي -ذنوبك يا أبا بكر وأنت المجاهد الأول، والمصدق الأول، والزاهد الأول- قال: أشتكي ذنوبي، قالوا: ماذا تريد؟ قال: أريد المغفرة، قالوا: ندعو لك طبيباً؟ قال: الطبيب قد رآني، قالوا: ماذا قال لك؟ قال: إني فعال لما أريد]]. كيف أشكو إلى طبيب ما بي والذي قد أصابني من طبيبي يقول بعض أهل التفسير: كان إبراهيم ﵇، يقول في السحر: أواه من ذنوبي، أواه من خطاياي، أواه من سيئاتي، فسماه الله (أواه منيب) إبراهيم الصديق العظيم الحنيفي المسلم الذي لم يكن من المشركين يقول: أواه من ذنوبي ومن خطاياي. وقال الإمام أحمد في كتاب الزهد: كان بلال يقول مع السحر: [[يا ألله! هذا إقبال نهارك، وإدبار ليلك، وهذا سحرٌ فاغفر لي عللي]]. وقال أبو عبيدة عامر بن الجراح: [[يا ليتني كنت رماداً تذروني الرياح]]. وقال عمر: [[يا ليتني كنت شجرةً تعضد]]. وقال ابن مسعود: [[والله لو علمتم بذنوبي لحثيتم على رأسي التراب]] ﵃ وأرضاهم، كانوا أطهاراً، كانوا عباداً، ليلهم سهرٌ مع الواحد الأحد، قيام ودموعٌ وخشوع وخضوعٌ وركوع، ونهارهم جهاد ودعوة وبذل وعطاء، وليلنا اليوم قد تحول إلى موسيقى، وغناء، ولهوٍ، وعودٍ، وعهرٍ، وفحشٍ، ومعصية إلا من رحم ربك، وتحول النهار إلى غيبة وشهادة زورٍ، ونظرٍ محرم فنشكو حالنا إلى الله . يا رب عفوك لا تأخذ بزلتنا وارحم أيا رب ذنباً قد جنيناه كم نطلب الله في ضرٍ يحل بنا فإن تولت بلايانا نسيناه ما أقرب البحر في الشاطئ، أما في السفينة فعباد أتقياء، وأما على الشاطئ فعصاة، فإذا ركبوا في البحر دعوا الله مخلصين له الدين، إذا هبت الريح، وتزلزلت السفينة، عادوا إلى الواحد الأحد، فإذا نزلوا إلى الشاطئ نسوا الله. المحدث الطبري ركب سفينة، فلما اقترب من الشاطئ قفز من السفينة على الشاطئ، فأراد تلاميذه الشباب أن يقفزوا فما استطاعوا، فقالوا: كيف استطعت وأنت في الثمانين ونحن شباب ما استطعنا قال ﵁: هذه أعضاء حفظناها في الصغر فحفظها الله علينا في الكبر. ندعوه في البحر أن ينجي سفينتنا فإن رجعنا إلى الشاطي عصيناه ونركب الجو في أمنٍ وفي دعة فما سقطنا لأن الحافظ الله العجيب أن الله عُصي في البر والبحر وعلى الشاطئ وعلى الطائرات، فسبحان من يعفو! وسبحان من نسأله أن يتوب علينا! وأن يرد ضال المسلمين، وأن يهدينا إليه هداية عامة مطلقة! اللهم إنا قد أسلمنا وآمنا وصدقنا، اللهم فافتح لنا باب القبول، اللهم أغثنا بفضلك ومنك وكرمك، اللهم رد ضال المسلمين، اللهم اهدنا سواء صراطك المستقيم، وثبتنا على الحق إلى يوم نلقاك. وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.

стр. 2924

الأسئلة

стр. 2925

موقف الإسلام من الإسراف بالمال في المعصية السؤال كثير من الناس يدفع أمواله في الملاهي وفي الأغراض السيئة والشهوات، ويصرفها في غير طائل، فما هو موقف الإسلام من هذه الأموال، ومن هذا اللهو والعبث؟ الجواب أولاً: ليعلم المسلم أن الله حرم الإسراف، وذكر سبحانه: ﴿إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُوراً﴾ [الإسراء:٢٧] والمال إما أن يدخلك الجنة، أو يدخلك النار، أيظن صاحب اللهو، أو صاحب العود، أو الذي يصرف ماله في السيجارة والكأس والحرام أنه سوف ينجو من عذابٍ على هذا النار؟ لا والله. قال تعالى: ﴿أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ * حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ * كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ * ثُمَّ كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ * كَلَّا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ * لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ * ثُمَّ لَتَرَوُنَّهَا عَيْنَ الْيَقِينِ * ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ﴾ [التكاثر:١ - ٨].

стр. 2926

ذهاب الغيرة عند كثير من الناس السؤال ماتت الغيرة في قلوب كثيرٍ من الناس، كان الناس إذا لم يكن عندهم دين عندهم غيرة، ولكن ذهب الدين والغيرة؟ ما رأيكم جزاكم الله خيراً؟ الجواب أقول: ذهبت الغيرة من البعض، ولا زال الكثير فيهم غيرة، العرب في الجاهلية كان أحدهم يغار، ذكروا عن سيد الخزرج أنه لما تزوج امرأته أركبها على فرس، فلما وصل الفرس إلى بيته نحر الفرس، قالوا: لماذا؟ قال: لئلا يركب الفرس رجل آخر؛ لأن زوجتي ركبت عليه، ليته رأى، ليته أبصر، ليته عاين الخبر. أعرابي التفت رجلٌ إلى زوجته فنظر إليها، قال: تنظر إلى زوجتي، ثم قال لزوجته: الحقي بأهلك، نظر فقط، قالت: وماذا فعلت؟ قال لها: إذا وقع الذباب على طعام رفعت يدي ونفسي تشتهيه وتجتنب الأسود ورود ماءٍ إذا كن الكلاب ولغن فيه لكن لو رأى الأعرابي هذا البدوي الجلف هذا الواقع، امرأة تخرج تداوم مداومة في السوق تمر، تحتسب على الخياطين، والهندوس، والسيخ، والبوذيين، ثم تمر على الباعة والموضات، ثم الحلاقين، ثم تعود بالخطايا مع الظهر كالجبال، وبالخطايا مع الغروب كالجبال، ثم تريد أن تنشئ بيتاً إسلامياً وأن تنشد السعادة، حرامٌ عليها السعادة حتى تتوب وتنهج منهج هذا الدين، وتعود إلى الله. أين الغيرة، أين الآباء؟ أين الأبناء؟ أين الإخوان؟ يقول سعد بن عبادة سيد الخزرج: ﴿يا رسول الله! إذا رأيت مع امرأتي رجلاً ماذا أفعل؟ قال ﵊: اذهب والتمس أربعة شهود وتعال بهم، قال: سبحان الله! أذهب وأجمع أربعة شهود وأتركها معه، والله لأقتلنه وإياها بالسيف غير مصفح -أي: إما بوجه السيف أو بقفاه- فتبسم ﷺ ، وقال: أتعجبون من غيرة سعد؟ والذي نفسي بيده، إني أغير من سعد وإن الله أغير مني﴾ ولذلك قال ﵊ كما في الصحيح: ﴿إن الله يغار، وإن من غيرته أنه حرم الزنا﴾.

стр. 2927

الخجل والحياء عند الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر السؤال أريد أن آمر بالمعروف وأنهى عن المنكر، وأريد أن أتكلم، لكن لا أستطيع، لساني ينعقد ولا يتحرك، أتفجر خجلاً ماذا أفعل؟ الجواب أولاً: اعلم أن كل بداية لها نقص، وأن البدايات صعبة، قالوا لـ عبد الملك بن مروان: نرى الشيب في رأسك ولحيتك؟ قال: من صعود المنابر يوم الجمعة أعرض عقلي على الناس. عثمان ﵁ وقف على المنبر في أول خطبة، فارتد عليه الخجل، وكانت تستحي منه الملائكة، فنزل فلما أصبح في الأرض، قال كلمة ما سمع التاريخ من خليفة بمثلها قال: [[إنكم بحاجة إلى إمامٍ عادل خير من خطيب فصيح]]. أنا أقص قصة -محرجة- لداعية لا زال حياً اليوم، وهو في الستين من عمره، يقصها على الناس بـ أبها، هذا الداعية الآن كلامه كالشهد المصفى يبكي الناس، وليس الآن بمعروف لدى الناس، ذهب إلى الرياض وكان يعمل في الدفاع المدني، قال: فأتاني جماعة من أهل الخير، فدلوني على طريق الله المستقيم فاستقمت، لكن ليس عندي علم، أحفظ الفاتحة وسورة، قالوا: نريد أن تتكلم اليوم في منفوحة -حي في الرياض - فتلقي موعظة، قل: توكلت على الله، قال: فلبست ثيابي، وتهيأت، وتوضأت، وتطيبت، ومشيت في الطريق، وعرقي يتصبب تصبباً، قال: جمعت كلاماً في صدري، كلما مشيت خطوة سقطت كلمة قال: وجئت ودخلت المسجد، هذا كلامٌ ومعي بعض الإخوة ونحن جلوس معه، وهو لا يكذب، قال: فدخلت المسجد فصلى بنا الإمام صلاة المغرب، والله ما أدري ماذا قرأ بعد الفاتحة، انشغلت بالكلام واضربت وأتت أرجلي تتنافر، وبعد الصلاة أتيت لأتكلم عند المكرفون، قال: فنسيت حتى الحمد لله، قالوا: وفي الأخير قلت: يا جماعة من رأى منكم فلان بن فلان -يعني: نفسه- ضاع منا ونريد من وجده أن يسلمه إلى مركز آل فلان. والسنة أنه إذا سمعت إنساناً ينشد ضالة أن تقول: لا ردها الله عليك، فقام الناس في المسجد، وقالوا: لا ردها الله عليك، لا ردها الله عليك، فأخذ طريقه من بابٍ ثانٍ وترك حذاءه وعاد خجولاً في البيت وأقسم ألا يتكلم، ثم وفقه الله أن سافر إلى باكستان، وسافر بين العجم هناك يقول: كنت أتكلم فآتي بها منكوسة معكوسة، فيقولون: هذا خطيب العصر، قال: فلما تدربت، والمثل يقول: تعلم الحلاقة في رءوس الأيتام!! تدربت فعدت إلى الجزيرة فأصبحت من أخطب الناس، فالأمر يحتاج إلى تدريب. والأمر الثاني: أنه لا يحتاج الناس أن يكونوا كلهم خطباء، هذا صحفي ينصر الإسلام بقلمه، وهذا إداري ينصر الإسلام بإدارته، وهذا طبيب، وهذا مهندس، لا يحتاج أن يكون كل الناس متحدثين، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لا يحتاج أن تكون كـ سحبان بن وائل، لكن يحتاج أن تكون صادقاً مع الله، توصل كلمتك بلينٍ ورفق حتى ينفع الله بك.

стр. 2928

بعض طرق الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر السؤال هل يعتبر إهداء الشريط أمرٌ بمعروف ونهيٌ عن منكر، ومن النصيحة؟ الجواب نعم! من أعظم النصائح، وأنا أعرف بعض الناس ما اهتدوا إلا بواسطة الشريط، وأنت عليك أن تدخل الشريط للعصاة والمعرضين فيكونوا في ميزان حسناتك فكأنك دعوتهم.

стр. 2929

مخالفة السنة واتباع الأعداء السؤال اشتهر بين الناس مخالفة السنة المحمدية على صاحبها أفضل الصلاة والسلام، فما هو تعليقك على هذه المأساة؟ الجواب نشكو حالنا إلى الله، جعل الله لنا إماماً وأستاذاً ومعلماً، فقال كثير من الناس: لا نرضى به، قالوه بلسان حالهم، لا يرضون بمحمد ﷺ وقد جعله الله إماماً، قال تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيراً﴾ [الأحزاب:٢١] خالفوه ظاهراً وباطناً، وبعضهم يخالفه في بعض الجزئيات ويوافقه في البعض الآخر، ويقول: الدين سعة، وهذا قشور، وهذا -والعياذ بالله- من الخذلان، ولن يجد الإنسان طعم الفوز إلا باتباعه، ولا تفتح الجنة بعد رسالته إلا من طريقه ﵊. يا مدَّعٍ حب طه لا تخالفه فالخلف يحرم في دنيا المحبينا أراك تأخذ شيئاً من شريعته وتترك الباب تدويناً وتهوينا خذها جميعاً تجد فوزاً تفوز به أو فاطرحها وخذ رجس الشياطينا اتباع محمد ﷺ أفضل من اتباع مايكل جاكسون، يقولون: لو أسلم أسلم كثيرٌ من الشباب، اهتدوا، ولو ربى لحيته ربوا لحاهم، هذا عجيب! محمدٌ ﵊ القدوة الذي أنزل الله الاقتداء به أمراً من السماء، وهذا الرجل سواء أسلم أو لم يسلم، وإلا فالصحيح أن في بعض الروايات أن من أخبار الصحف التي تشابه الصحف الإسرائيليات أنه أسلم، ونقول: هناك ثلاثة أسئلة، أسلم أنقذ نفسه، آمن الحمد لله، اهتدى عرف الطريق، قالوا: كان يعيش في ظلام، قلنا: ﴿وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُوراً فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ﴾ [النور:٤٠] قالوا: ورأى النور، قلنا: ﴿يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾ [البقرة:٢٥٧] قالوا: اعتزل الفن، قلنا: وأين أبناؤنا أهل الفن، وأهل الكمنجة؟ وأهل قسماً بمبسمك الشهي؟ أو أروح لمين ومين سيرحم أسائي؟ إبليس، أو هل رأى الحب سكارى مثلنا؟ ما رأى أفشل منك في الحياة، أو يا ونة الونيت يوم صليت، وانت غراباً طارداً لحمامة. سبحان الله! الناس يطاردون القلوب ليهدونهم وأنت مع حمامتك ودجاجتك صباحاً ومساءً، جمع طوابع، ومراسلة، ومطاردة حمام، هذا مايكل إن أسلم فقلنا: زاد واحد في المسلمين، وما عليه فقد أسلم الشهداء والعلماء والزعماء وركبوا في سفينة محمد ﵊، وإن لم يسلم فليس بعجيب، ولكن ماذا يقول الشباب في قصَّاتهم وفي تشبههم بـ مايكل وأمثاله وأشرابه وأضرابه، ألا فليتقوا ربهم، ألا فليستحوا من الله .

стр. 2930

مخالفة المرأة أوامر الدين السؤال قرأت هذا الشهر منشوراً للمرأة في بعض المنشورات يقول الشاعر: سيري كسير السحب لا تأني ولا تتعجلي لا تكنسي أرض الشوارع بالإزار المسبلِ أما السفور فحكمه في الشرع ليس بمعضل ذهب الأئمة فيه بين محرم ومحلل ويجوَّز الإجماع منهم عند قصد التأهل ليس النقاب هو الحجاب فقصري أو طولي فإذا جهلتي الفرق بينهما فدونك فاسألي من بعد أقوال الأئمة لا مجال لمقول لا تبتغي غير الفضيلة للنساء فأجملي الكاتبة: باحثة البادية الجواب أقول: هذه الكاتبة جاهلة من البادية، رعديدة أتت من البادية. أولاً: الذي كتب هذا الشعر رجل أو امرأة جاهلٌ بدين الله الواحد الأحد، مفتري على الله، قال تعالى: ﴿وَلا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لا يُفْلِحُونَ﴾ [النحل:١١٦]. قائل هذا الشعر لا يعرف من دين الله إلا كما يعرف الحمار من ملة أهله أو من ميزانية أهله، هذا أحد رجلين إما جاهل متخرس في الشريعة، أو زنديقٌ مجرم، وحسيبنا الله عليه. أما قوله: (سيري كسير السحب لا تأني ولا تتعجلي) فلا أدري ماذا يقصد بذلك، ولا مشاحاة في سير المرأة إذا تأدبت واستترت وتعطلت وتجلببت بالحجاب، وخافت من الواحد الوهاب، وتذكرت يوم الحساب، وأما قوله: (لا تكنسي أرض الشوارع) فإنه ينبي عن بذاءة فيه، وعن غلٍ للإسلام، ومخالف للسنة، فقد صح عنه ﷺ : ﴿أنه أمر أم سلمة أن تطيل في ذيلها شبراً، قالت: لا يكفيني، فزادها ﷺ شبرين حتى تجره جراً﴾ وهو فعل نساء المؤمنين والصحابيات والتابعيات وعليه فتوى أهل العلم، وهو قول المحدثين، ولا أعلم قولاً خالف هذا إلا قول متهوك أتى بعلمٍ من باريس أو من واشنطن، أو نيويورك فعليه من الله ما يستحقه ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْماً لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ [المائدة:٥٠] حتى تقول أم سلمة: ﴿يا رسول الله! يمر على البلل وعلى الشيء من الماء، قال: يطهره ما بعده﴾ فمن جرها رضوان الله عليها للإزار وصفه بذلك: حوراً حرائر ما هممن بريبةٍ كظباء مكة صيدهن حرام يحسبن من لين الكلام روانياً ويسدهن من الخنا الإسلام هناك يقول: يخفين أطراف البنان من التقى ويقتلن بالألحاظ مقتدرات فقوله: (لا تكنسي أرض الشوارع) دعوة إلى السفور، وإلى لبس القصير، وإلى تحويل المجتمع إلى مجتمع بهيمي حيواني شهواني، تلبس فيه المرأة القصير، فانظر كيف انعكست الآية شبابٌ يكنسون الشوارع بثيابهم، والرسول ﷺ يأمرهم بالتقصير وما قاله للشباب هذا المتقول على الله لم يقله للشباب بل قاله للفتيات، والرسول ﷺ يأمر بإطالة المرأة لثوبها حتى يستر جسمها وينزل الأرض، ويقول هذا: قصري! يا معكوس الإرادة والعقل إنه ما وعى قلبك الوحي، وما استنار قلبك بالقرآن والسنة، ولو عرفت الطريق ما انقلبت في ذهنك المفاهيم. ولكن كيف يسعى في جنون من عقل؟ ولكن نقول لك: قد تنكر العين ضوء الشمس من رمدٍ وينكر الفم طعم الماء من سقم السقم فيك، والرمد في عينيك، والشريعة محجة بيضاء ليلها كنهارها. (لا تكنسي أرض الشوارع) أنت وأمثالك لما أطلتم الثياب قصر النساء الثياب، ولما أطال أمثالك الثياب وكنسوا بها الشوارع ضيعنا فلسطين، وأفغانستان، وضيعنا مجدنا. جولد مائير في مذكراتها تخبر بفشل العرب، طائراتها كانت تغطي شعاع الشمس، وكان شباب العرب مع كوكب الشرق يوم تغني ذاك السحر الحلال، المحرم عند القلوب المحرمة، تحجب شعاع الشمس، والشباب يكنسون الشوارع بثيابهم: فأطفأت شهب الميراج أنجمنا وشمسنا وتحدت نارنا الخطب وقاتلت دوننا الأبواق صامتة أما الرجال فماتوا ثم أو هربوا ولكن لما قصر السلف ثيابهم واعتبروا بالسنة، فتحوا الدنيا، أصبحنا في حدائق الأندلس، وأمسينا ونحن على اللوار وطشقند والسند، وذهب عقبة بن نافع يقول للمحيط الأطلنطي: [[والله لو أعلم أن وراءك أرضاً، لخضت هذا الماء بفرسي لأرفع راية لا إله إلا الله]] كنا أمجاداً لما اتبعنا السنة، فلما عكسنا الآية، وقلنا للمرأة: قصري وللشاب أطل ثوبك!! انعكست مفاهيمنا، وذهبنا شذر مذر. اللهم أعد شبابنا وفتياتنا إليك، اللهم لا تسمع سامعاً هذا الكلام، اللهم لا تجعل مثل هذا وأمثاله يتولون على عقول الناس فيفسدون إراداتهم. وأما قوله في الإزار المسبل، فالإزار المسبل للرجل وليس للمرأة، ولعلك ما قرأت حرفاً من الشريعة، ولو كان الأمر بيدك وأمثالك لخطب الدجال على المنابر، لكن هنا في البلاد ولاة أمر قاوموا على (لا إله إلا الله محمد رسول الله) وهنا دعاة وعلماء وشباب صحوا وأقبلوا إلى الله. أحد الناس له مقطوعة نبطية في شباب الصحوة، وأنا لا أؤيد الشعر النبطي ولا أحبذه، وهو يفسد القرآن، لكن من قاتل بسكين النبطي أو العربي خدمة للإسلام، قلنا حياه الله: انظر الفجر زاه بالوفاء قد تجلى مثل وجه المصلي في عبق فرض الصلاة مثل طلعة شباب بالتقى قد تحلى كن منطوقهم بالحسن سكر نبات من فتح غيرنا الدنيا وزكى وصلى يوم هتلر ونابليون في الفاحشات نصرنا يا عرب من ربنا قد تجلى قرب الجيش والبارود والطايرات أما أنت يا أخي! يا هذا الكاتب! فيكفي لك الموسيقى والعود والكمنجة واترك شباب الإسلام، وولاة أمر الإسلام، وعلماء الإسلام يلهجون بذكر الجنة، ولا أزيد فيكيفه هذا، وسوف أعارضها بقصيدة إسلامية لعلي أكتسب الأجر في دمغه ﴿فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ﴾ [الحج:٣٦].

стр. 2931

المجاهدون الأفغان السؤال توجد صناديق للتبرع للمجاهدين الأفغان وهم في أمس الحاجة في هذه الأيام؟ الجواب المجاهدون الأفغان أهل السنة، أهل العمائم، أهل اللحى، أهل لا إله إلا الله، الذين تركوا جرباتشوف وبرجنيف لا يساويان دجاجتين، نعم. أخزوهم أمام العالم. يونس خالص دخل البيت الأبيض -الأسود سود الله وجهه- فقال: لـ برجنيف: أسلم تسلم يؤتيك الله أجرك مرتين، وإن توليت فإن عليك إثم كل أمريكي على وجه الأرض. هيئة الإذاعة البريطانية في أول يوم احتلت فيها كابل يقول المذيع في أضواء حول العالم: وقد خرج الأفغان من مساجدهم يحملون البنادق وهم يقولون في الشوارع: نحن الذين بايعوا محمداً على الجهاد ما بقينا أبدا والشيوعية فروا على نغم البازوك في غسق فقهقهت بالكلاشنكوف نيرانُ يسعى فيعثر في سروال خيبته في أذنهم الرصاص الحق حرصان ردوه كالقرد لو بيعت سلامته بشعبه لشراها وهو جذلان الصناديق تنتظركم وأسألكم بالله أن تتبرعوا، علَّ الله أن يدخلكم الجنة بهذا النصر الأكيد، لقد حقق المجاهدون في عشر سنوات ما لم تحققه الدول العظمى، لقد بينوا للناس أن المستقبل للإسلام، وأن الإيمان سوف ينتصر على ولايات الشيوعية، وجمهوريات روسيا التي هي كل يومٍ تساقط. لما رأت أختها بالأمس قد خربت كان الخراب لها أعدى من الجرب إلا بذاك الجهاد الرصاص ولا إله إلا الله، البارود ولا إله إلا الله، الموت ولا إله إلا الله، الكفن ولا إله إلا الله، أما المعاملات والمعاريض والملفات لـ هيئة الأمم المتحدة قالوا: كفرنا بها وآمنا بالله، وذبحوهم على الطريقة الإسلامية.

стр. 2932

حكم مقاطعة المرأة لأبناء بنتها المتوفية السؤال أنا امرأة ولديَّ بنت متوفية ولديها أربعة أطفال، وقد حصل بيني وبين والدهم سوء تفاهم فمنعهم من الحضور عندي، وأنا عاجزة وما أجد أحداً يصلني إليهم، علماً بأنهم صغار لا يستطيعون الحضور، وسؤالي: هل عليَّ إثم مقاطعتهم؟ الجواب أنا أقول لكِ: التصرف لوالدهم وهو الذي يملك عصمتهم، لأني فهمتُ أنكِ جدة لهؤلاء الأطفال، ووالدهم هو المسئول عنهم، فإذا منعهم عنك من أخذهم لبيتك، فاتقي الله وزوريهم ولا تشددي في أخذهم، لأنكِ لا تملكين عصمتهم، أو رعايتهم، أو ولايتهم، بل والدهم هو الذي يملك ذلك، لكن أرى أن تتلطفي وتصليهم، وأن تبريهم وأجركِ على الله، وخذي بالأثر: ﴿إن الله أمرني أن أصل من قطعني، وأن أعفو عن من ظلمني، وأن أعطي من حرمني﴾. وما دام أنكِ عاجزة، فلا يلزمها إلا وليها، وهو أقرب الناس إليها أن يقوم بها، أما هؤلاء فإن لم يقوموا بها ولم تستطع الذهاب إليهم فهي معذورة، أما القطيعة فأي شيءٍ تستطيع أن تدفعه للمسلم أو تقدمه لهؤلاء الأطفال فعليها أن تفعل. على كل حال يبقى في السؤال جزئيات لابد أن تسأل هي بنفسها أو توضح مقصودها من الزيارة ومن هذه القرابة وما هي أساس المشكلة وملابساتها. وأسأل الله أن يرينا وإياكم الحق حقاً ويرزقنا اتباعه، ويرينا الباطل باطلاً ويرزقنا اجتنابه. وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.

стр. 2933

الشيوعية إلى الهاوية إن لله سنناً في خلقه لا تتغير ولا تتبدل، ولذلك ما طغى طاغية وتكبر وتجبر إلا قصمه الله وأذله، وما سارت أمة من الأمم، أو فئة من الفئات أو جماعة من الجماعات على غير نهج الله؛ إلا أبادها الله ودمرها كما دمر الأمم السابقة، والسقوط في الحقيقة إنما هو سقوط المبادئ لا الأشخاص، وبانهياره ينهار الأشخاص، وأي مبدأ مخالف لدين الله فهو ساقط مهما طال الزمان.

стр. 2934

أسباب سقوط الشيوعية إن الحمد لله، نحمده ونستغفره ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. عنوان هذا الدرس: (الشيوعية إلى الهاوية) وهو حديث الساعة وقضية الزمن، وهو حدث هائل هز العالم، ولا بد أن يتكلم عنه الدعاة، وأهل العلم ويفيضوا فيه، وتكون الأمة على مسمع ومرأى من هذا الحدث الهائل، وما هي قدرته وتأثيره، فسبحان الذي يغير ولا يتغير: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [القصص:٨٨] ويقول سبحانه تعالى: ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ * وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالْأِكْرَامِ﴾ [الرحمن:٢٦ - ٢٧] وهو ، الذي يغير هذه الدول ويبيدها. حارت الأفكار في قدرة من قد هدانا سبلنا فاترك الحيلة فيها واتكل إنما الحيلة في ترك الحيل ثم ليعلم المسلم أنه لا يقع في الكون من صغير ولا كبير، ولا تولية ولا عزل، ولا غنى ولا فقر، ولا قوة ولا ضعف، ولا سلم ولا حرب، ولا نصر ولا هزيمة إلا بقدرة القادر، فإن الله يقول عن نفسه: ﴿كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ﴾ [الرحمن:٢٩]. قال ابن القيم ﵀: يغني فقيراً، ويفقر غنياً، ويجبر كسيراً، ويعافي مبتلىً ويولي هذا ويعزل هذا، ويملك هذا وينزع الملك من هذا، فلله الحكمة المطلقة، وله القدرة النافذة، جل اسمه. يقول أبو العلاء المعري: تقضون والفلك المقدر ضاحكٌ وتقدرون فتضحك الأقدار والمعنى: أنكم أنتم تحاولون أن تبنوا شيئاً والله يريد هدمه، وتريدون أن تمضوا شيئاً والله يريد إيقافه، وتريدون إحياء شيء والله يريد إماتته. دخل القاضي عبد الجبار المعتزلي على أبي المعالي الجويني والقاضي عبد الجبار المعتزلي على مذهب المعتزلة وهم لا يرون أن الله يقدر المقادير سبحانه، وهو رأي مبتدع أخذ من المجوس، وهم يرون أن الله لا يدري بالأمر حتى يقع، وهذا كذب، أبو المعالي الجويني أشعرياً لكنه أهدى وأقرب إلى السنة من القاضي عبد الجبار المعتزلي. قال القاضي عبد الجبار: سبحان من لا يقدر الفحشاء، وهذا فيه كلام وفيه دغل، ومعناه: أن الفحشاء تقع والله لا يقدرها، قال تعالى: ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ﴾ [الأنعام:١١٢] وقال تعالى: ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعاً﴾ [يونس:٩٩] وقال تعالى: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكُوا﴾ [الأنعام:١٠٧] قال أبو المعالي الجويني: سبحان من لا يقع في كونه إلا ما يشاء. إذا علم هذا -أيها الإخوة- فليعلم أن الشيوعية الآن تهوي إلى حيث ألقت رحلها أم قشعم، أي: إلى غير رجعة، فما هي أسباب هذا السقوط والانهيار؟ وما هي أسباب هذا الموت والدمار؟ وهل لقدرة الله تأثير؟ نعم والله فإن الله تعالى يقول: ﴿أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ﴾ [الأعراف:٥٤] وقال تعالى: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ [القمر:٤٩] وقال تعالى: ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلا رَطْبٍ وَلا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ [الأنعام:٥٩]. أسباب سقوط الشيوعية سبعة أسباب: ١ - الشيوعية خالفت فطرة الله قال تعالى: ﴿فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ [الروم:٣٠]. ٢ - الأنظمة التي واجهتها الشيوعية سواء كانت مهتدية كالإسلام أو ضالة كـ الرأسمالية، كانت مصيبة في عدائها للشيوعية في المذهب الاقتصادي، أو في الحوار والرأي أو في الحكم والقرار، وكان لهذا الوقوف من جانب الإسلام والرأسمالية أعظم الأثر في انهيار الشيوعية. ٣ - الجماعة التي لا تجتمع على الحق لا بد أن تتبدد في الأخير، وهي سنة الله ، فـ الشيوعية قامت بالثورة عام (١٩١٧م) ولم تكمل اثنتين وسبعين سنة إلا وهي تعلن الانهيار والموت، والإسلام عمره الآن (١٥٠٠) سنة أو نحو ذلك، وهو سوف يبقى حتى يرث الله الأرض ومن عليها، وكلما بقي وكلما استمر أعلن شموخه وعزته. ٤ - شب الأفراد عن الطوق، وذهبت عبودية البشر، فإلى متى يبقى الإنسان عبداً للإنسان؟ ٥ - قوة وسائل الإعلام الغربية في تدمير الشيوعية في نفوس أصحابها بما تعرضه عليهم من مغريات، وما تطاردهم في أنفسهم من حاجيات، ومن فقر مدقع وعوز وضعف. ٦ - مصير العسف وخاتمة الجبروت الهاوية. ٧ - الجهاد الأفغاني يمكن أن يكون سبباً سابعاً وإلا فالبعض يرونه السبب الأول وأنا أقول هو السابع.

стр. 2935

مخالفة الفطرة من أسباب سقوط الشيوعية أيها الناس: يقول سيد قطب ﵀: تحققت سنة الله فيمن أعرض عن منهجه، والله يقول في كتابه لمن لم يهتد، ولمن حكم أنظمته على حكم الله الذي أنزله في الوحي السماوي الذي أتى به محمد ﵊، يقول لأبنائه سواء كانوا أفراداً أو جماعات أو دولاً أو شعوباً، قال تعالى: ﴿وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ [الأنعام:١١٠] يؤخذ من الآية. أولاً: أن من لم يهتد بنور الله فهو فاسد المزاج ضعيف العقل. الثاني: أن الله له بالمرصاد فلا يتمم عمله، والله يقول: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ﴾ [يونس:٨١] والله يقول: ﴿وَأَنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي كَيْدَ الْخَائِنِينَ﴾ [يوسف:٥٢]. الثالث: أنه لا بقاء إلا لدينه ؛ قال تعالى: ﴿فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ﴾ [الرعد:١٧] فـ الشيوعية خالفت فطرة الإنسان، والإنسان مفطور على أن هناك رباً وإلهاً يوحَّد، فقد أتت بمقولة كارل ماركس وقالت: (لا إله والحياة مادة) وليس في الكون إله، والإله الذي زعمته الأنبياء والرسل على حد قولهم أسطورة لا حقيقة له. الأمر الثاني: أنها قالت: يمكن أن يعيش الإنسان بدون دين، وبلا عقيدة، والنبي ﵊ يقول: ﴿كل مولود يولد على الفطرة فأبواه يهودانه أو يمجسانه أو ينصرانه﴾ أو كما قال ﵊، والله يقول: ﴿فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا﴾ [الروم:٣٠] [الروم:٣٠] ويقول: ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الإنسان حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئاً مَذْكُوراً * إِنَّا خَلَقْنَا الْأِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعاً بَصِيراً﴾ [الإنسان:١ - ٢]. ففرت من العبودية لله، وجعلت العبودية للبشر، لـ لينين واستالين، وغيرهم من عملاء الأرض، ومن الخونة للشعوب ومن قاتلي الإرادات، إذاً فلن تتصور الشيوعية التصور الجميل للأحداث، لا للكون ولا للإنسان ولا لله، أما الله فنفته وألحدت به، وكذبت بالألوهية، وأما الإنسان فجعلته عبداً للإنسان. ولا يعرف في تاريخ الناس منذ أن خلق الله آدم إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها ذلة وضعف الإنسان وعبودية الإنسان واستخزاء الإنسان إلا في الشيوعية. حدثنا بعض الدعاة الذين ذهبوا إلى موسكو في فترة برجنيف في مهمة علمية كان لا بد أن يذهب إليها، يقول: والله لقد مررنا بمعسكرات للناس حتى ظننا أنها معسكرات الحيوان، وفيها البشر الذين أخطئوا أو أرادوا الخروج على الشيوعية أو أرادوا كسر هذا الحاجز، أو أرادوا أن يبدوا حوارهم، رأيناهم في معسكرات من شباك وأسلاك شائكة وهم يعلفون كما تعلف الأنعام تماماً، يوصل إليهم الخبز والماء، وعندهم دورات مياه، وقد رأيناهم ألوفاً مؤلفة وراء الأسلاك الشائكة كالحيوانات تماماً. ثم تصورت الشيوعية كذلك أن الكون قائم بنفسه، وأنه لا مؤثر له، وأن يد القدرة لا دخل لها في تسيير الكون، وقالوا: الطبيعة خلقت نفسها والأحداث خلقت نفسها، ولا دور للقدرة في ذلك، فكان مصيرها الانهيار والتكذيب، جرباتشوف اعتنق النصرانية على خلاف بين المطلعين، قيل: اعتنقها في أول سنة تولى الحكم هناك، وقيل: قبل الحكم بثلاث سنوات، وقرأت كتابه البروسترويكا، وفي الصفحة الخمسين وما بعدها يعلن ذلك، وكأنه يريد الدين، وكأنه اعتنق النصرانية ولم يوفق لاعتناق الإسلام ولا اهتدى لنور الله، وكأنه ما وجد داعية يرشده لهذا النور الذي أتى به محمد ﵊، فرأى هو أنه لا بد للإنسان من دين، وأن من الخطأ أن يعيش بلا دين فاعتنق النصرانية. ولعلها لظهور دول نصرانية كـ الولايات المتحدة أو بريطانيا أو فرنسا أو أسبانيا وغيرها بهذا الدين، ظن هو أن الهداية من هذا: ﴿وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [الأنعام:١١٦].

стр. 2936

الإسلام والرأسمالية قوتان واجهتا الشيوعية والشيوعية واجهتها قوتان في الأرض، قوة الإسلام وقوة الرأسمالية. والرأسمالية تؤمن بالتملك للفرد، وأن للفرد أن يتملك، وهي على ما فيها أخف من الشيوعية، ونحن لا نقر الرأسمالية ونعتبرها مذهباً خاطئاً اقتصادياً وسياسياً وعسكرياً وتربوياً، وهو منهج أرضي سوف يسقط قريباً بإذن الله، لكنها على كل حال، سلمت بحق الفرد، وقالت: لابد للإنسان أن يتملك، بينما الشيوعية تجرده، ولما أتت الشيوعية في عدن، سأل أحد العلماء أحد العدنيين قال له: كيف الشيوعية التي عندكم؟ زعمت أنها سوف تقدمكم، هل قدمتكم؟ هل أطعمتكم خبزاً؟ هل أشبعتكم؟ هل كستكم؟ قال: لا. القائم بطحوه والكادح كدحوه. ويقول المجرم نزار قباني: ماركسيون والجماهير جوعى فلماذا لا يشبع الفقراء وحدويون والبلاد شظايا كل جزء من لحمها أجزاء وهذا الكلام صحيح، يقول: أين هذا الشبع يا ماركسيون؟! في عدن، أو في أثيوبيا، أو في أي مكان، أين شبع الجماهير؟!! الإنسان يكدح من الصباح إلى المغرب، ثم تؤخذ غلته وتقسم على الشعب، فالنائم في الفلة تحت المكيف يأخذ حصته كما تأخذه أنت، وأنت تزرع بطاطس في المزرعة. ووالله لقد رأينا طوابيرهم وهم يأخذون البطاقات ليستلموا حصصهم من السكر والشاي، والطابور الواحد فيه أكثر من ثلاثمائة رجل يريد حصته من حفنة من السكر وهو كادح. والشيوعية ترى أن مال الشعب للشعب، وأن المحصول للجميع ولا بد أن يوزع، وهي النظرية الاشتراكية الخاطئة التي تجعل الذي يتصبب عرقاً ويتعب ويجمع ويدخر، كالذي يخنع في بيته ولا يعمل ولا يبذل ولا يضحي، هذه مما واجهتهم به. أما الإسلام فله قرار آخر؛ لأن الله تعالى يقول: ﴿صِبْغَةَ اللَّهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً﴾ [البقرة:١٣٨] والله يقول: ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْماً لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ [المائدة:٥٠]. يقول: هل هناك أنظمة في الأرض أحسن من الله حكما، فهلا أجرى الإنسان طاقته فيما يعود عليه بالنفع مثل: * مصارف الزكاة. * التكافل الاجتماعي. * الصدقة. * كفالة اليتيم. * الحقوق العامة التي سنها الإسلام. * المضاربة. * الاشتراك المالي. * أنواع الشركات. كلها تؤدي إلى أن هذه الأموال تستثمر وتسعد بها الأمة أفراداً وجماعات، ولكن النظرية الإسلامية الاقتصادية لم تطبق إلى الآن، أروني شعباً طبق النظرية الإسلامية الاقتصادية الحقة!! لم تطبق في الأرض إلى الآن، ولم يرها الناس إلا في عهد الخلفاء الراشدين، فإنهم لم يقروا الربا ولم يؤمنوا به وحرموه ورفضوه ولم يقبلوا به أبداً. ولكن العالم الآن يريد أن يرى الإسلام يعلن تجربته الحقة في عالم المال ليقتدي به، ولكن المسلمين الآن يتعاملون بالربا، ولم يقدموا تجربة صحيحة.

стр. 2937

الشيوعية باطل لا يدوم الثالث: الجماعة التي لا تجتمع على حق، وكل جماعة أسست على ضلالة فخاتمتها الانهيار والله يقول: ﴿أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى تَقْوَى مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٍ خَيْرٌ أَمْ مَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى شَفَا جُرُفٍ هَارٍ فَانْهَارَ بِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ [التوبة:١٠٩] يذكرني هذا بكلام عمر بن عبد العزيز ﵁ وأرضاه كما في صحيح البخاري يقول: [[إذا رأيت قوماً يتناجون في دينهم، فاعلم أنهم على دسيسة]] وأي جماعة أو حلف أو أسرة اجتمعت على باطل فسوف يهدم الله الباطل على رءوسهم: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتاً وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ [العنكبوت:٤١] بعض المفسرين العصريين له كلام جميل، يعرض قضايا في الآية منها: * أن الأنظمة الوضعية وإن طالت وعظمت فإنها كخيوط العنكبوت تنهار. * أن الذي لا يؤسس على قرار فإن مصيره إلى الدمار. * أن الأيادي التي ليست يد الله فوقها فإنها خاسرة خائبة، فالله يقول لأصحاب الرسول ﷺ : ﴿يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ﴾ [الفتح:١٠] فما أحسن التعبير! وما أحسن النظام الذي يعيشه المسلم ويد الله فوق يده ترعاه وتحوطه وتحفظه وتكلؤه!! قام كارل ماركس واخترع نظرية الشيوعية هذه وألفها في مذكرة، وأنا صراحة أقول لكم: لقد قدم كارل ماركس لشيوعيته ولنظريته أكثر بكثير مما قدمت أنا وإياكم للإسلام، فمن شاء أن يغضب منكم فليغضب، ومن شاء أن يرضى فليرض، ضحى تضحيات ما ضحيناها نحن لديننا وهو خاطئ، حتى يقول عمر ﵁: [[اللهم إني أعوذ بك من جلد الفاجر ومن ضعف المؤمن]] وهذا أمر عجيب، وهذه مصيبة عظمى أن تجد الفاجر فيه جلد وصبر وتضحية هائلة، وتجد المسلم خائفاً جباناً، خواراً، لا يرفع مبادئه. كارل ماركس كان في بلجيكا ودخل بيتاً هو وامرأته وطفلاه بغير إذن، وكان عليه ثوب مقطع، والسبب أنه ألف نظرية الاشتراكية الاقتصادية؛ لأنه يدعو الناس إلى اشتراك الاقتصاد وهو جائع وعارٍ لم يجد عملاً في بلجيكا ذهب إلى كل مؤسسة وطردته، دخل في أثناء المطر بيتاً، فأتى صاحب البيت فأخرجه هو وأطفاله وسحبه من رجليه وألقاه إلى الشارع، وذهب إلى فرنسا وأدخل الحبس، لأنهم يقولون: يريد أن يثور على الرأسمالية ثم نقل إلى انجلترا وسجن فترات، ومع ذلك ما زال مصراً يسجن ويحبس ويسحب وهو مصر، وفي الأخير طبقت نظريته واعتنقها مليار (ألف مليون) فـ الصين والاتحاد السوفيتي في ناحية، ثم يدخل في ذلك حلف وارسو بما في ذلك تشيكوسلوفاكيا وبولندا ويوغسلافيا. ، هذه الدول الشرقية كلها على نظريته في الاقتصاد، وبعض الدول العربية في ذلك، وتركوا محمداً ﵊ ورسالته، وسوف يأتي معنا كلام الشيوعيين العرب الآن. في عام (١٩١٧م) قام الحزب الشيوعي بالحكم وقتل لينين من الشعب الروسي في أيام معدودة (ستة عشر مليوناً) ومجموع ما قتل من الشعب من الاتحاد السوفيتي (واحد وثلاثون مليوناً) كسكان هذه البلاد ثلاث مرات، قتلهم، وهذه مثبتة في وثائق عن الشيوعية، وفي الموسوعة السياسية، وأعلن ذلك مثل أنور الجندي وغيره من الكتاب. إن الشاهد في ذلك أنه حكمهم بالحديد والنار، وأقام هذه الجمهورية على الجماجم، وفعل استالين أدهى وأمر من ذلك. نخرج من هذا: بأن أي فئة طغت في فترة من فترات التاريخ فإنها سوف تنهار، ولا يغرك أن يستقيم نظام علماني في البلاد العربية أو غيرها في فترة من فترات الزمن، فإن الله أعلن عليهم الانهيار، وأعلن أن هذا الأمر لا يستمر.

стр. 2938

الوعي عند الإنسان سبب في انهيار الشيوعية السبب الرابع في انهيار الشيوعية: إن الأفراد شبوا عن الطوق، وأصبح الإنسان الآن بدرجة من الوعي، وما أصبح عبداً للإنسان، أصبح عنده تطلع على أن يعلن صوته وحواره، وأن يكون شجاعاً في كلمته، ذهب العصر الذي يجب أن يكون الإنسان فيه حيواناً، يقاد ويضرب ويعلف ويؤمر وينهى، لكن الإنسان أصبح يتطلع إلى مرحلة هي المرحلة العمرية، أتدرون ما هي المرحلة العمرية؟ إنها مرحلة الأوج والقمة التي عاشها الحوار في عهد عمر ﵁ وأرضاه، ولذلك يحييه شاعر وادي النيل ويقول: قل للملوك تنحوا عن مناصبكم فقد أتى آخذ الدنيا ومعطيها يقول: رجاءً اتركوا هذه الأمور لـ عمر، يعيشها عمرية، الذي يأخذ الدنيا في ساعة، ويسلمها في ساعة، فأصبح العالم الآن يريد النظرية العمرية، نظرية أن يأتي الأعرابي في صلاة الجمعة وعمر بشحمه ولحمه ودمه وإخلاصه وصدقه وهيبته على المنبر، فيقطع عمر الخطبة فجأة ويقول للناس: [[يا أيها الناس: ماذا ترون فيَّ لو اعوججت أو قلت عن الطريق هكذا]] يعني: ملت، وخرجت عن الخط المستقيم في الاقتصاد والسياسة والعدل والحوار والحق، فقام أعرابي من أقل الناس ثقافة بمستوى ثقافة عصرهم -بدوي- ولعلها أول جمعة يصليها مع عمر، فقام من آخر المسجد فاستل سيفه، ثم قال: [[والله -يا أمير المؤمنين- لو رأيناك ملت عن الطريق هكذا لقلنا بالسيوف هكذا قال عمر p>>: اجلس بارك الله فيك، الحمد لله الذي جعل في رعيتي من لو ملت عن الطريق هكذا، لقالوا بالسيوف هكذا]] وحياه عمر وشكره على هذه المقولة. هذا الحوار الذي أحياه الإسلام، حتى الكافر يربط في المسجد ولا يزحزح ولا يزعزعه الرسول ﵊، ويأبى رسول الله ﷺ أن يعاقب بعض الناس قبل أن يسمعوا البرهان فيقول الله: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَعْلَمُونَ﴾ [التوبة:٦]. يقف عمر مرة ثانية ثم يقول: [[بسم الله، أيها الناس اسمعوا وعوا، فيقوم سلمان من وسط المسجد ويقول: والله لا نسمع ولا نعي، قال: ولم؟ قال سلمان: تلبس ثوبين وتلبسنا من ثوب ثوب]]-ثياب قدمت من اليمن في الصدقات وزعها عمر على الناس، ولكنه رجل طويل ﵁، فثوبه ما أتى إلا إلى الركبة، فأخذ ثوب ابنه عبد الله ووصله بثوبه- قال: [[يا عبد الله بن عمر! أجب سلمان، قال عبد الله بن عمر: نعم، هذا الثوب الثاني هو حصتي من المسلمين وقد دفعته إلى أبي عن رضاً من نفسي وهو حق لي أتصرف فيه كيف أشاء، قال سلمان: الآن قل نسمع ومر نطع]]. فالعالم الآن يتجه إلى النظرية العمرية، ولا يريد أن يكون مستخزياً تحت السياط والقهر والتبكيت من أي جهة كانت من الجهات. نعم. أدرك ذلك العالم الشيوعي، والذي يرى من الأفلام التي تصل من هناك ويراها شهود العيان، أنه لما حوصر جرباتشوف في القرم نزل المدنيون بالأبدان العارية والثياب الممزقة؛ يقفون أمام الدبابات، ويطرحون أنفسهم ويضطجعون على الأرض أمام الدبابات يعارضون الحزب الشيوعي الذي يتولى الحكم، يقولون: لا نريد جرباتشوف، إلى درجة أنك تجد هذا الإنسان المنهك الجائع المتعب الضامئ يريد أن يخالف هذا الطابور الحاشد من الدبابات. نعم. العالم صراحة يحقق شيئاً بنفسه بغض النظر عن الدين، لكن التعددية التي يشهدها العالم سببها أن الإنسان أصبح مثقفاً، وأصبح يدرك ويرى أن له حق الحوار، أي: من حقي أن أبدي رأيي، وأن أعلن حواري وأقول كلمتي دون أن أكون مهدداً بكرامتي أو حريتي أو دمي، فالفرق بين جرباتشوف هذا أو برجنيف أو استالين أو لينين، أنه يرى هو أنه لا بد أن نسمع الرأي الآخر، وهم يقولون: الرأي الآخر نسحقه بالدبابة. هذا من أسباب سقوطها.

стр. 2939

وسائل الإعلام أخرجت الشيوعية السبب الخامس: قوة وسائل الإعلام: فالإعلام الغربي سلط شاشاته وأسلاكه وصحفه وصوته ونظراته على العالم الشيوعي في غرب الأرض وفي شرقها، ويطالبهم بالوعود، يقول: أين وعود الشيوعية؟ والفرد منكم يسكن قصراً ويملك سيارة فخمة، ويكون في مرتبة عالية وينعم برغد العيش، بينما نحن في عالم الغرب نسقنا بعض أمورنا التي أعلناها للناس في الرأسمالية، وعلى كل حال بعض الذنب أهون من بعض، والنظرية الاقتصادية الرأسمالية أهون بكثير من النظرية الاشتراكية التي أقامها كارل ماركس، فالإعلام أحرج الضمير الشيوعي، أو الإنسان هناك أحرجه بمطالبه وأوصله إلى جدار مغلق وإلى متاهة، وقال: أين وعودكم؟ وقد تلفظ بها حتى الشيوعيون العرب، فأنا أسلفت لكم قول قائلهم وهو شاعر من فصيلتهم يقول: ماركسيون والجماهير جوعى فلماذا لا يشبع الفقراء يقول: وعدتمونا أن تدخلوا الغاز في بيوتنا والخطوط المسفلتة إلى قرانا، وأن تنيروا لنا الأجواء، وأن تدفعوا لنا اللحم والخبز والماء والكساء، فأين هي؟ كما قلت لكم وكما قال الرجل العدني الذي اعتمر: القائم بطحوه والكادح كدحوه، وهذا أمر معروف، فلما رأى الناس ذاك السلطان الإعلامي، وقوة التأثير الغربي بوسائله، أدرك أنه كان مخطئاً، وأنه كان في حظيرة الحيوان، وأنه كان يسير بلا إرادة، وقد سحب عقله وبرهانه، فتذكر وفكر ملياً، ثم أعلن تمرده على هذا الحكم الجبروتي الناري الدموي الفاسق.

стр. 2940

الانهيار عاقبة الجبروت السبب السادس: إن مصير التعسف وخاتمة الجبروت الانهيار، وأن الظلم لا يدوم، وقد ذكر فقال: ﴿فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خَاوِيَةً بِمَا ظَلَمُوا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ [النمل:٥٢] وذكر أنه يدمر القرى إذا أعرضت عن منهجه أو ظلمت، قال تعالى: ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَداً مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ﴾ [النحل:١١٢] وقال : ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْراً وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ﴾ [إبراهيم:٢٨]. ووالله لقد بدل الشيوعيون نعمة الله كفراً، وأحلوا قومهم دار البوار والخزي في عالم السياسة والعسكرية والاقتصاد والتربية، ويقول ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ عَتَتْ عَنْ أَمْرِ رَبِّهَا وَرُسُلِهِ فَحَاسَبْنَاهَا حِسَاباً شَدِيداً وَعَذَّبْنَاهَا عَذَاباً نُكْراً * فَذَاقَتْ وَبَالَ أَمْرِهَا وَكَانَ عَاقِبَةُ أَمْرِهَا خُسْراً﴾ [الطلاق:٨ - ٩]. وأي عتو أعظم من عتو الشيوعية على الله، أن تقول: (لا إله والحياة مادة) وتجرد قدرة الله من الكون، وتنسب التأثير للطبيعة، وتأخذ ملك الله فتستبد به، وتجرده سبحانه تعالى من الخلق والأمر قال تعالى: ﴿أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ﴾ [الأعراف:٥٤] وله القدرة وله التأثير، وله العاقبة ، قال تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَرِثُ الْأَرْضَ وَمَنْ عَلَيْهَا وَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ﴾ [مريم:٤٠]. الشعوب مهما صبرت فإنها لا تصبر إلى درجة أن يكون الإنسان في مسلاخ حيوان، ولا تجمع كلها أبداً على الرضا بالظلم إلى آخر المطاف، فإنها تتمرد في أي مرحلة من مراحل التاريخ، أو أي جيل من الأجيال، أو في أي بقعة من بقاع الأرض، وقد رأينا في تجربة الشاه مع الشعب الإيراني، بغض النظر عن استقامة هذا الشعب، أو عن اتجاهه أو عن ديانته، أو عن حصيلته أو عن مبادئه، لكن رأينا ذاك الرجل وهو يخرج من قصر الظلم والجبروت وهو يحمل الكلاشنكوف، وصوره مثبتة بطائرة هيلوكبتر، ويرش الشعب الإيراني في الشوارع معه جنوده، ويقتلون الناس كما تقتل الحشرات بهذا السائل المبيد، ومع ذلك تخرج الطوابير الأخرى وتعلن تمردها فإذا قتلت أتى الطابور الآخر يزحف بالجثث ويأخذها ويسحبها ويخرج الناس كأنهم من جديد يرفضون الظلم، وفي الأخير انتصرت هذه الإرادة وسحق الظلم إلى حيث ألقت رحلها أم قشعم. وهذه سنة الله ، وقد جرب ذلك الجاهليون، حتى يذكر ابن قتيبة: أن الظلم عاقبته وخيمة، وقالوا لامرأة من بني عبس: أين ملوك عبس وقد كانوا يحكمون الدنيا؟ قالت: ظلموا فأُخذوا. وذكر ابن كثير أن البرامكة لما أدخلوا الحبس، قالوا: لـ يحيى بن خالد البرمكي، أبعد الوزارة والإمارة والتجارة أدخلت هذا المكان؟! وقد أدخل مكان لا يرى الشمس سبع سنوات، أدخله هارون الرشيد، والعجيب -سبحان الله- أنه تحقق فيه القول المأثور: ﴿من لم يعرفني سلطت عليه من لا يعرفه، أو من لا يخافني سلطت عليه من لا يخافه﴾ فسلط الله عليهم أقرب الناس إليهم هارون الرشيد، تركهم في السجن سبع سنوات، ما رأوا الشمس، قالوا: بعد النعيم المقيم أصبحتم هنا، قال: دعوة مظلوم سرت في ظلام الليل غفلنا عنها وما غفل الله عنها. سجن المهدي الخليفة العباسي أبا العتاهية وحبسه، فأرسل له قصيدة من الحبس يقول فيها: أما والله إن الظلم شؤم وما زال المشوم هو الظلوم إلى ديان يوم الحشر نمضي وعند الله تجتمع الخصوم فبكى المهدي وأعلن إطلاقه، ولكن الله سوف يحكم، وسوف يجمع الأولين والآخرين ويقول: ﴿لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ﴾ [غافر:١٦] أين الأنظمة الوضعية؟ أين السلطات الأرضية؟ أين الدبابات التي كانت تسحق البشر؟ أين الزنزانات التي كان يجلس فيها الفرد ويباد؟ أين السياط الملتهبة التي كانت تقطع منها جلود الناس؟ أين الكرابيج؟ أين الأسلاك الكهربائية؟ أين البرك الباردة المثلجة التي تمزع الأبشار؟ قال تعالى: ﴿لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ﴾ [غافر:١٦] ويقول تعالى: ﴿وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ [الأنعام:٩٤] فأين سلاطينكم وأين كياناتكم وأين قواكم؟ ويقول : ﴿إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْداً * لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدّاً﴾ [مريم:٩٣ - ٩٤] ﴿وَنَرِثُهُ مَا يَقُولُ وَيَأْتِينَا فَرْداً﴾ [مريم:٨٠] فكانت نتيجة حتمية أن تصل الشيوعية إلى هذه الخاتمة التي أسعدتنا وأثلجت صدورنا، وتمثلنا فيها بقول أبي تمام: ما ربع مية محفوفاً يطوف به أبهى إلى ناظري من خدها الترب لما رأت أختها بالأمس قد خربت كان الخراب لها أعدى من الجرب رمى بك الله جنبيها فهدمها ولو رمى بك غير الله لم يصب

стр. 2941

مداولة الأيام بين الناس سنة الله في خلقه السبب السابع: أنها سنة الله ، قال تعالى: ﴿وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلاً﴾ [الأحزاب:٦٢] وقال تعالى: ﴿وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّة اللَّهِ تَحْوِيلاً﴾ [فاطر:٤٣]. يقول ابن الوردي: أين من شادوا وسادوا وبنوا هلك الكل فلم تغن القلل كتب الموت على الناس فكم فل من جيش وأفنى من دول حارت الأفكار في قدرة من قد هدانا سبلنا من الذي تولى وما عُزل، وحكم وما انتهى، واستذل وما ذل، وعلا وما أُخذ؟ سنة من سنن الله. إن التجربة الإسلامية في التاريخ تثبت أنه حتى على الأجناس لا بد أن تطوف السنة الإلهية، قاد العرب فترة من التاريخ، فلما توجهوا إلى الموسيقى والبلوت والسهرة الخائبة أعطى الله قيادة الناس للأكراد، فأخذها صلاح الدين ونور الدين مرحلة من المراحل، فلما توجه الأكراد إلى حيص بيص وإلى الضياع وإلى ما لست أدري، أعطاها الله السلاجقة وكان منهم محمود بن سبكتكين وأمثاله، فلما تركوها سلمها الله للأتراك وأخذوها مرحلة، ثم ضاعت شذر مذر، وهي تنتظر الآن من يأخذها ليسلمها إلى عيسى ﵇. من الأسباب ولعل هذا السبب الثامن وأنا كنت أسلفت في العناصر أنه السابع:

стр. 2942

الجهاد الأفغاني من أسباب سقوط الشيوعية أما الذين يقولون: إن السبب الوحيد هو الجهاد الأفغاني، فأقول: لا. هذه نظرة من وجهة نظري، وقد تكون خاطئة، ذلك أنه كيان ضخم بُني من قبل اثنتين وسبعين سنة على يد أذكياء وعباقرة في مستوى الأرض، ثم أقيم له جيش عرمرم هائل، وتعداد الجيش الروسي في بعض الأنباء، وبعض وكالات الاستخبارات العالمية قد يصل إلى ستة ملايين، وهو أضخم بكثير من الجيوش الغربية، وهو يملك ترسانة هائلة، ولكن مصيبته التبديد والتشتيت؛ لأنه يعيش القهر والاستخذاء. مرة من المرات أنزلوا في منطقة كرواتيا ستين ألف مظلي، شعوب كلها ستحمل السلاح، وقبل ثلاث ليالٍ -وهذا القرار هو من الكنيسة- أعلن التلفزيون الإسرائيلي انزعاجه من وضع جمهوريات روسيا الإسلامية في الاتحاد السوفيتي، إذ تملك جمهورية كازاخستان الإسلامية والتي يحكمها نور سلطان ستمائة وستين رأساً نووياً، وهذه الجمهورية إسلامية، وكان في طرفها البخاري والترمذي والنسائي وسيبويه: أولئك أبآئي فجئني بمثلهم إذا جمعتنا يا جرير المجامع وهذه الولاية كانت الجمهوريات الاتحادية العظمى تنازعها على الحدود، فأعلن نور سلطان قبل ثلاث ليالٍ: إما كففتم عنا وإلا سوف نستخدم بعض الرءوس النووية، فكفوا. ومن لم يذد عن حوضه بسلاحه يهدم ومن لا يظلم الناس يظلم وهذا استطراد، نعم جاء الجهاد الأفغاني، ولكن من ينظر إلى الخارطة وإلى الحدث، وإلى التأثير يرى أنه لم يؤثر بشكل مباشر، فإنه كان في جنوب الاتحاد السوفيتي في بقعة صغيرة في أفغانستان، قام مجموعة صغيرة من الأخيار والأبطال، بضرب جيش هذا الباغي وسحقه وإخراجه، فلم يكن سبباً مباشراً ولكن كان من الأسباب إن شاء الله، وللمسألة كلام وتحتاج إلى تمعن أكثر، وإلى إثبات وبراهين وحقائق من كلا الطرفين.

стр. 2943

واجبنا أمام سقوط الشيوعية ما هي مسئوليتنا أمام سقوط الشيوعية؟ هل المطلوب أن نعلن لكم الأخبار هذه ونسكت، لو كان ذلك لكفتكم هيئة الأخبار والصحف، وهيئة الإذاعة البريطانية؛ أن تستمعوا إليها فتخبركم بما وقع هناك من الضياع والانهيار والدمار، ولكننا نريد أن نحللها تحليلاً إسلامياً من منظور ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة:٥] ولا إله إلا الله محمد رسول الله، ومن عين ﴿قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الأنعام:١٦٢].

стр. 2944

الاعتبار بسقوط الشيوعية أولاً: الاعتبار بهذا السقوط، وأن وراء ذلك السقوط قوة أعظم منه، فمن الذي يغير ولا يتغير ويبدل ولا يتبدل؟ إنه الله وبكلمة (كن) غيَّر مجريات التاريخ، وأحياناً تجد الأمور مستقرة ومجتمعة، ثم يغيرها الله في لحظة، لأنه كل يوم هو في شأن، والله يقول: ﴿بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ وَلَكُمُ الْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ﴾ [الأنبياء:١٨] وكل نظم الأرض سوف تلحق بذلك الرأسمالية واليهودية والعلمانية المتحكمة في كثير من الشعوب الإسلامية؛ كلها سوف تلحق بذلك، فليست هي أقوى ترسانةً وجيشاً من الشيوعية، وليست أكثر عقولاً، بل قد يعلن في كثير من الملفات العسكرية أن الأدمغة التي اكتشفت القنابل الذرية والنووية والهيدروجينية أنها روسية، أو أنها من الاتحاد السوفيتي، والتي كسبت أعظم جوائز نوبل من المعسكر الشرقي، والأدمغة الألمانية هاجرت في فترة من الفترات إلى هناك وأصبحت في تلك الجمهوريات، فلن تكون أقوى من هذا، فمن باب أولى أن تلحق هذه على الطريق، ولكن لكل أجل كتاب، وما كان لنفس أن تموت إلا بإذن الله كتاباً مؤجلاً، وعنده علم الغيب وهو الذي جعل لكل شيء أجلاً وقضاء. الاعتبار من هذا أن الإنسان لا يزهو بقوته، ولا ينسى قوة الله، ولا يغتر بما عنده من شيء، وليعلم أنه ضعيف أمام القدرة الإلهية، قال تعالى: ﴿مَا عِنْدَكُمْ يَنْفَدُ وَمَا عِنْدَ اللَّهِ بَاقٍ﴾ [النحل:٩٦] قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ﴾ [فاطر:١٥].

стр. 2945

واجبنا دعوة الناس إلى منهج الله ثانياً: دعوة الناس وتقديم الحق لهم، فقد احترقت أوراق المناهج الأرضية والأنظمة الوضعية، وأصبحت كاذبة فاشلة أمام الناس، وصَدَّق الناس أنه لا ينقذهم بإذن الله إلا الإسلام، فمن يقدم الإسلام، إن الإسلام ليس جبلاً ولا نهراً ولا شجرة، إنما الإسلام يكمن في أناس يحملونه. أتى الخوارج إلى علي بن أبي طالب، قالوا: حكمت الرجال في دين الله، قال: ماذا فعلتُ؟ قالوا: صيرت الحكمين بينك وبين معاوية، فأخذ علي مصحفاً كبيراً -وهذا عند ابن كثير وعند الذهبي - وأخذ يقول: [[يا قرآن يا مصحف احكم بيني وبين معاوية]] ثم يلتفت إلى المصحف ويقول: أما تتكلم؟! والمصحف لا يتكلم، والإسلام لا يتكلم، لكن يتكلم أصحابه ويحكمون، والله لو كفى إنزال نسخ من القرآن لكان أنزلها على أبي جهل وعلى أبي لهب ووزعها على أهل مكة بواسطة جبريل، لكن أنزل رسولاً يحكم، والله يقول له: ﴿لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ﴾ [النساء:١٠٥] ويقول له: ﴿وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى * مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى﴾ [النجم:١ - ٢] فأنتم الآن البديل، وأنتم الطرح المعقول، وأنتم الخير المنتظر الذي ينتظره العالم. لكن: إني أبشر هذا الكون أجمعه أنا صحونا وسرنا للعلا عجبا بفتية طهر القرآن أنفسهم كالأسد تزأر في غاباتها غضبا عافوا حياة الخنا والرجس فاغتسلوا بتوبة لا ترى في صفهم جنبا أنتم الآن البديل، قلت لكم من قبل ستة أشهر، وصلت رسالة من أحد الشباب العدنيين من أوزبكستان، وأظنها والله أعلم ولاية في جنوب الاتحاد السوفيتي، أرسلها من هناك وقال: إي والله، هذا شيوعي من عدن يدرس هناك علماً دنيوياً، فهداه الله على يد أناس من الدعاة في تلك الجمهورية الإسلامية، فأعلن إسلامه وهو يقول: المصاحف عندنا في الولاية نتداولها، كل يوم يكون المصحف في بيت لنقرأ كلام الله، العالم بحاجة إلى إسلام، العالم يريد هذا الدين، العالم يريد هذا الإيمان الذي بعث به محمد ﵊، فمن يحمله ومن يقدمه؟ أنتم أيها الناس، لقد قدم أولئك لكم الثلاجة والبرادة والصاروخ والطائرة، وهم ينتظرون منكم أن تقدموا لهم حياة الإيمان وحياة الغيب والشهادة، وحياة الدنيا والآخرة والسعادة الأبدية التي تكمن في دين الإسلام. إذاً: البديل هو الإسلام، فقد أعلن كل منهج أنه أفلس وأنه لا يستطيع أن يوجه البشر، لأن الذي يوجه البشر هو الذي خلق البشر، وفطرهم .
следующие страницы →