Полный текст (10 391 стр.). Показаны 3011–3050 · переход к 3016.
стр. 3011
حكم تعلم العلوم العلمية والنفسية
الحمد لله نحمده ونستغفره ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.
أمَّا بَعْد:
ونسأل الله الذي جمعنا في أشرف مكان في الدنيا أن يجمعنا في أشرف مكان في الآخرة، وأن يجمعنا بهذه الوجوه الطيبة الغالية في دار الكرامة، قال تعالى: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ * فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ﴾ [القمر:٥٤ - ٥٥] وقبل أن نبدأ في درس هذه الليلة أحب أن أشير إلى بعض النقاط التي لابد من الإشارة إليها.
ورد في الدرس الماضي التعرف على بعض العلوم، ومقام المسلم من بعض العلوم التي لم تكن عند السلف كعلم التاريخ، والجغرافيا، والطب والتربية، والنفس، ويقول عمر ﵁ وأرضاه لما كتب لـ أبي موسى وهو في العراق قاضٍ: [[فراجع الحق، ولا يمنعك قضاء قضيته بالأمس أن تعود عنه في اليوم، والرجوع إلى الحق خير من التمادي في الباطل، والحق قديم]].
وبعد مشاورة ونصيحة وتوجيه من بعض دعاة الإسلام والأحباب والأخيار قبلتها على العين وعلى الرأس، ورجعت إلى تدارس بعض النصوص، فوجدت أن الحق جانب بعض الكلام الذي في الدرس الماضي، فالحق أن المسلم يؤجر على كل علم يتعلمه يريد به وجه الله، ويريد به أن ينصر هذا الدين، ويريد به أن يعلي كلمة الله ﵎، سواء كان تربية، أو علم نفس، أو علم جغرافيا، أو تاريخاً، أو طباً، أو هندسة.
والنظرية التي تقول: " إن المسلمين ليسوا بحاجة إلى تربية " نظرية خاطئة، فإن التربية فرضت نفسها، ولا يمكن أن نقول: إنه لا يوجد عندنا تربية، كيف وتربيتنا في القرآن والسنة، بل نقابلهم بعلم من عندنا.
ولذلك يقول ابن تيمية في مجال العلوم التي توجد عند المسلمين: فمن جاءنا بعلم جئنا له من كتابنا وسنتنا بعلم يكافئ ذاك العلم.
ثم اعلموا أن علم النفس يؤخذ كذلك من القرآن، قال تعالى: ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا * فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا﴾ [الشمس:٧ - ٨] ويترك هذا لأهل التخصص.
стр. 3012
كلكم على ثغرة من ثغور الإسلام
وثبت في الصحيح أن رسول الله ﷺ كلف زيد بن ثابت أن يتعلم لغة اليهود، فتعلمها في خمسة عشر يوماً فأتقنها، وترجم للرسول ما يمكن أن يكيدوا به هذا الدين.
والمقصود: أن بعض الناس وهو من أهل الصلاح يتعلم هذه العلوم، فتأخذ وقته، فهو مأجور ومشكور من الله ، وهو عابد لله ، وأعلم وتعلمون من يمضي الساعات الطويلة في الليل والنهار في علم الكيمياء والأحياء، فهو عابد بلا شك، وهو مأجور على هذا الصنيع الضخم.
وكلكم على ثغرة من ثغور الإسلام، فالله الله لا يؤتى الإسلام من قبلك، فأسأل الله تعالى لمن يخصص جهده في هذه العلوم، ويبذل وقته وعرقه، وكل ما يملك لنصرة هذا الدين أن يرفع الله رأسه يوم القيامة، ويبيض وجهه، ويعلي حظه.
واعلموا بارك الله فيكم أننا بحاجة إلى هذه العلوم والآداب، ولا يخفى عليكم أن الساحة رمتنا بكل كبير وصغير، وبكل تالد وطريف، فالأدب والشعر الذي في الساحة ليته كان شعراً ومقامات وحسب، كنا سكتنا، لكنه يحمل الفكر الإلحادي ويبثه في مجتمعاتنا، ونحن لا نجيد للناس إلا حدثنا وأخبرنا، وأما هذا الأدب فإنا لا نجيده، ولذلك فإنهم سوف يأخذون علينا الساحة كما يفعلون الآن، ويدمرون علينا الأفكار، ويستغلون علينا الأجيال، ويطردوننا في الأخير، فجزى الله خيراً من جعل وقته لهذا الجانب، وهو مأجور ومشكور، بل هو الرأي الصحيح من كلام أهل العلم وقبل ذلك من نصوص الكتاب والسنة، فشكراً لمن أهدى لي هذه النصيحة، وبصرني لهذا الأمر.
وأنا قلت لكم: إننا ما اجتمعنا في هذا المكان إلا لتبادل الآراء ولأخذ الرأي الصائب؛ لأن فيكم من هو أعلم من المتكلم وأفضل، وأتقى وأخشى لله ، ولا يمنع ذلك فإن الصحابة كان يجلس الشاب منهم ويتكلم وعمر يستمع.
فأقول لكم: من عنده نصيحة، أو توجيهات أو اقتراحات فأنا أقبلها على العين والرأس، وأدعو له، ولقد دعوت والله لمن نصحني بظهر الغيب.
стр. 3013
المرأة والتعلم
والقضية الثانية أن المرأة مظلومة في بعض النواحي، ومن هضم المرأة أن تترك بعيدة عن ندوات الخير، وعن مجالس العلم، وحلقات الذكر لأنها شريكة الرجل، وهي معه، ولذلك ذكرها الله في الكتاب، وذكرها ﷺ ، بل ثبت في الصحيح أن الرسول ﷺ خصص يوم الإثنين من كل أسبوع للنساء، ليجلس معهن ﷺ ، وقد اقترح علي بعض الإخوة، وكان معنا مسجد بجانب هذا المسجد للنساء قالوا: هذا بعيد، وفيه بعض الارتباك، فنرى آخر المسجد لمن أراد أن يأتي بأهله ليستمعوا الذكر، ولو كانوا لن يستفيدوا إلا الرحمة والأجر والمثوبة لكفى، نسأل الله أن ينفع وأن يتقبل.
والمقصود أن مجيئكم إلى هذا المكان، وحضوركم لأي درس يعقد يعتبر نصرة لهذا الدين ولو أنكم أعلم وأفقه وأفهم، لكنكم تؤيدون دعوة الله ، وتؤيدون طريق الاستقامة وهذه الصحوة التي يعيشها شباب الإسلام.
وعلى العكس من ذلك فإن أهل النفاق لا يريدون هذا؛ بل يريدون أن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا، ولذلك يقول : ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ [النور:١٩] يعلم من هو المخلص، ومن هو المجتهد ومن يريد النصرة لله ولكتابه ولرسوله وللمسلمين أجمعين.
стр. 3014
حديث: (متى الساعة)
لا نزال نعيش مع هذا السفر العظيم الذي هو كما يقول ابن تيمية: ما أعلم تحت أديم السماء أفضل، ولا أفيد، ولا أنفع من صحيح البخاري بعد كتاب الله لمن عقل ما فيه، وتدبر معانيه.
ويكفي أن نجتمع فقط، وأن نعيش هذه اللحظات مع المصطفى ﷺ ، فإن ذكره لا يمل عند من يريد الله والدار الآخرة.
والحديث الذي معنا -وهو الحديث الأول في هذه الجلسة- هو:
عن أبي هريرة ﵁ قال: ﴿بينما النبي ﷺ في مجلس يحدث القوم، جاءه أعرابي فقال له: متى الساعة؟ فمضى رسول الله ﷺ يحدث، فقال بعض القوم: سمع ما قال، فكره ما قال، وقال بعضهم بل لم يسمع حتى إذا قضى حديثه، قال: أين أراه السائل عن الساعة؟ قال: هأنذا يا رسول الله، قال: إذا ضيعت الأمانة فانتظر الساعة، قال: كيف إضاعتها؟ قال: إذا وسد الأمر إلى غير أهله فانتظر الساعة﴾.
لا يهمنا أن نعرف اسم هذا الأعرابي ونسبه وإلى أي قبيلة؛ فليس وراء ذلك طائل، والمهم أن نعرف العبر من هذا الحديث.
مجمل الحديث أن الرسول ﷺ جلس في مجلسه يحدث الناس، يشرح لهم أصول العقيدة، ويفيض عليهم مما أفاضه الله عليه، فلما جلس ﷺ وأصبح في وسط حديثه يندفع، وإذا بأعرابي جاء متأخراً يقطع على رسول الله ﷺ الحديث، كما يقول المثل: " أحشفاً وسوء كيلة " أي: أنه أتى في آخر الجلسة ففاته العلم، مثل الطالب يبقى خارج الفصل يدور في الممرات ويتمشى ويفطر ويتغدى، ثم يأتي في آخر لحظة فيدخل ويطرق الباب، فيقطع الدرس على الأستاذ، ثم يأتي يجلس ولا يدري ماذا شرح على السبورة وماذا قال الأستاذ؟
وأين وقف؟
وماذا رد عليه الطلبة؟
فيرفع إصبعه ويقول: عندي سؤال، من أين يسأل في هذه القضايا؟!!
وكيف يسأل؟!!
وهل يحق له أن يسأل أم لا؟!!
وهذا الحديث تربوي، وسوف تعلمون ماذا يقول أهل العلم في هذا الحديث، وما استنبطوا فيه من قضايا تفيد العالم والمتعلم، والمفيد والمستفيد:
стр. 3015
صفة العالم والمتعلم
أول قضية نستفيد منها في الحديث صفة العالم مع المتعلم: فالعالم له صفات:
أولها: أن يخلص بعلمه وعمله لوجه الله ، لا يريد رياء ولا سمعة؛ لأنه إذا لم يخلص فسوف يذهب عمله هباءً منثوراً.
ثانيها: أن يتحبب إلى طلابه، فإن سلطان الحب سلطان قوي، ولا يمكن أن يسيطر على القلوب إلا بالحب، فلا يستخدم العنف ما استطاع للحب سبيلاً.
ثالثها: ألا يهدر أعظم المصالح، كأن يكون في مثل هذه الجلسة نفر كثير يكلمهم ويردون عليه، ثم يأتي إنسان متأخر ويسأل سؤالاً، ومن أين له أن يسأل سؤالاً وقد قطع الفائدة عن الجميع؟! فالرسول ﷺ لما كان يعلم الصحابة وفيهم أبو بكر وعمر وعثمان وعلي، والأخيار، والشهداء، ورؤساء الناس يأتي هذا الأعرابي متأخراً فيقطع عليه الحديث، هل من الحكمة أن ينصرف ﷺ ويقول له: ماذا تريد؟ وجواب سؤالك كيت وكيت، ويترك هؤلاء الذين معه من الصباح؟! فمن الحكمة: تقديم أهل الفضل في فضلهم ومعرفة أهل المنازل في منازلهم، ولذلك يقول ﷺ كما رواه أبو داود وعلقه مسلم في صحيحه عن عائشة قالت: قال ﷺ : ﴿أنزلوا الناس منازلهم﴾ فمن إنزال الناس منازلهم أن تعرف لأهل الحق حقهم.
والقضية الثانية التي تستفيدها من هذا الحديث وقد تعرضنا لها:
تقديم أعظم المصالح: فلا يحق لك أن تترك النفر الكبير من أجل شخص واحد، وليس هذا الشخص مستفيداً معك، لكنه أتى متأخراً فحمل بعض النقص فتعطيه بنقصه.
стр. 3016
حكم تكلم الإمام مع المأموم
المسألة الثالثة التي أخذها أهل العلم: قطع الخطبة، هل يحق للإمام إذا كان يخطب الناس ويتكلم إذا دخل عليه داخل وقاطعه الحديث هل له أن يقطع خطبته؟ والمسألة فيها تفصيل:
إن كان السؤال وجيهاً وفي غير خطبة الجمعة فله أن يقطع الخطبة كهذا الدرس، كمن يسأله من يأتي من البادية يتعلم العقيدة أو يقول: أنا مسافر ذاهب ومستعجل، أريد أن تعلمني الصلاة الآن، وسوف أسافر الآن، فله أن يقطع الدرس؛ لأن التعليم هذا نافلة، وتعليم الجاهل فريضة، وفي صحيح مسلم أن الرسول ﷺ علم معاوية بن الحكم وغيره وقطع الحديث ﷺ .
ولذلك يقول عمرو بن عبسة: ﴿أتيت الرسول ﷺ فوجدته يتحدث للناس على كرسي من حديد، فقلت: يا رسول الله! رجل يسأل عن دينه، فما دينه؟ فتبسم ﷺ وترك الناس ونزل من على كرسيه، وأتى إلى قربي وعلمني﴾ هل هناك أخلاق بعد هذه الأخلاق سيد البشر ﷺ ؟ ينزل ويترك كرسيه ومكانه أمام الجموع، ويأتي إلى السائل ويجلس بجانبه.
ولذلك إن كان السؤال خطيراً ومهماً في غير خطبة الجمعة فقد قال الإمام أحمد: أرى أن يقطع كلامه ويجيب السائل.
لأن بعض الناس إن لم تجبه سافر وترك الجواب، فهو ليس حريصاً على الجواب، حتى ولو كانت القضية أكبر من أي قضية، وبعضهم يتذمر حتى من الشيخ ويقول: إما أن تجيب على سؤالي وإلا سأذهب وأسافر الآن، فلذلك من المصلحة أن يتلطف ويخبره.
وأما في خطبة الجمعة فقال أهل العلم: للإمام أن يتكلم وللمأموم أن يتكلم معه لكن لا يقاطعه كأن يأتي الإمام بحديث ويقول: رواه الترمذي، فيأتي المأموم ويقول: لا.
أصله في الحاكم، ورواه ابن ماجة بسند جيد، ورد عليه الألباني، وقال الشيخ عبد العزيز بن باز كذا وكذا، فهذا يؤدب، إنما الأصل أن يرد عليه بقضية هامة أو أن لها علاقة بالناس، وسوف آتي بالأحاديث أو الأدلة، ثم أنتم بفهمكم تأخذون الدلالة في ذلك.
فقضية تكلم الإمام مع المأموم دليله ما جاء: أن الرسول ﷺ لما دخل سليك الغطفاني المسجد، فجلس فقال ﷺ وهو يخطب: ﴿أصليت؟ قال: لا يا رسول الله، قال: قم فصلِّ ركعتين خفيفتين وأوجز﴾ أي: خفف.
لأن من الحاجة تعليم السنة في هذا المكان، وهي من الواجب أن يقولها الخطيب؛ لأنه لو تركها ﷺ لربما نسيها هو، وربما الناس جميعاً، ولربما ظن من في المسجد أن هذا إقرار على فعله فيأخذونها فتصبح في أدمغتهم وهي خطأ.
ومنها: أن الرسول ﷺ رأى رجلاً يتخطى الرقاب وهو يخطب الجمعة، فقال للرجل: ﴿اجلس فقد آذيت﴾ فهذا منكر يتمثل في أن هذا الرجل يتخطى رقاب الناس، ويتعدى الصفوف فقال: ﴿اجلس فقد آذيت﴾ فأجلسه ﷺ .
المقصود: أن للإمام أن يتكلم في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وفي القضايا التي تهم الناس ويمكن أن يفهمها الناس خطأ.
وللمأموم أيضاً أن يتكلم في حالات كما في حديث أنس في الصحيح: ﴿أن أعرابياًَ دخل وقال: يا رسول الله! جاع العيال، وضاع المال، وتقطعت السبل فادع الله أن يغيثنا﴾.
ومنها: أن عمر ﵁ تكلم للناس وهو يخطب الجمعة وقد كسا الصحابة ثوباً وكان يكسو الناس ويوزع عليهم الهدايا والثياب، حتى يقال في السيرة أنه إذا وزع الدقيق على الأسر وعلى البيوت أخذ الأواني كلها فجعل آنيته وصحنه في آخر الصحون، ويوزع الدقيق ﵁ وأرضاه ويوزع الزيت في الصحن، فيترك صحنه إلى الأخير، ثم يقول: خذ يا أسلم أوصل هذا إلى أهل عمر، فأتت زوجه عاتكة بنت زيد فأخذت كل ما وصل إليها من دقيق وأبقت منه شيئاُ قليلاً حتى جمعت عندها دقيقاً، وأرسلت جارية من جواري الجيران حتى لا يعلم عمر أنهم أبقوا دقيقاً وقالت للجارية: اذهبي إلى أمير المؤمنين عمر في بيت المال واشتري منه حلوى -الحلوى كانت قطعاً طويلة كالسكر تباع وهي أحسن شيء للحامل- فذهبت هذه الجارية، وكان عمر ذا فراسة ﵁، حتى يقال: كأنه ينظر إلى الغيب من ستر رقيق، ويقول ابن عمر في صحيح البخاري: [[كنا نتكلم أن السكينة تنطق على لسان عمر]] حتى يأتي الولاة يحاسبهم فينسون بعض الحساب ويرتبكون لأنه وراءهم ﵁ بالدرة.
لذلك يقول عمرو بن العاص: لما حسبت ميزانية مصر وقدمت بها إلى عمر وقد حسبتها في الطريق فوجدتها قد نقصت ما يقارب عشرة آلاف درهم -ومن يمنعه من عمر ﵁ لا بد أن يخرجها من البر أو البحر - قال: فتحيلت ماذا أفعل، فقلت: ليس معي إلا أن أتركها حتى يشتغل بالولاة، إذا جلس يحاسب ولاة الأقاليم أدخل أنا في الربكة معهم حتى يحاسبني عجولاً ثم أخرج، فأتى دور معاوية، فلما انتصف الحساب مع معاوية ﵁ وأرضاه، دخل عمرو بن العاص وقال: يا أمير المؤمنين! عندي سفر وأريد أن تحاسبني الآن، قال: اصبر، أو لا تستعجل، فقال: يا أمير المؤمنين! لا صبر لي، وهذا ثابت في سيرتهم ﵃، قال معاوية: إن هذا نكد يا أمير المؤمنين! يقطع علي حديثي، قال: أنت النكد فتقاتلا بين يدي عمر ﵁، فقال عمر: أعطني المال الذي عندك واصرف عنا وجهك، يقول لـ عمرو بن العاص وأثبت ذلك أهل السير وهم بشر، لكن الدهاء قد ينفع في بعض المواقف، فأخذ عمر ﵁ المال، فقال عمرو بن العاص: ووالله ما أظن أنني قدرت على عمر إلا في تلك المرة، ولا يفهم من ذلك أن الصحابة يتحيلون على بعض، أو يخادعون الله ورسوله والمؤمنين، لا والله، لكن قد ترتبك بعض حسابات البشر، أو ينسون، أو يغفلون، وعمر لا يعرف الارتباك، ولا يعرف الغفلة.
ولذلك أتت الجارية إلى عمر وقالت: أعطنا حلوى من بيت المال، قال: من أين هذا الدقيق؟ قالت: من عند أهلي، وأخذ بأذنها ﵁ وفركها -فرك أذنها- فقال: الصدق! قالت: عاتكة امرأتك هي التي أرسلتني بالدقيق، قال: هيه! أطفال المسلمين يموتون جوعاً، وعاتكة تدخر، والله لا تذوق حلوى، ووالله لا يعود لها الدقيق، فذهبت:
لقد ذهب الحمار بأم عمرو فلا رجعت ولارجع الحمار
ولذلك يقول حافظ إبراهيم:
لما اشتهت زوجه الحلوى فقال لها من أين لي ثمن الحلوى فأشريها
قل للملوك تنحوا عن مناصبكم فقد أتى آخذ الدنيا ومعطيها
قد كنت أعدى أعاديها فصرت لها بفضل ربك حصناً من أعاديها
стр. 3017
الذكي يعرف سؤاله
الفائدة الرابعة: حسن السؤال، أن يكون الإنسان عاقلاً في السؤال، فإذا كان المدرس في التاريخ فلا ينبغي أن يسأله في التربية، أو يشرح في الحديث في صحيح البخاري فلا ينبغي أن يسأله في الجغرافيا، ولذلك بعض الأسئلة تدل على سفه أصحابها، وإنما يعرف الأذكياء من الناس بحسن السؤال، والأعرابي دل عليه سؤاله، فقال أهل العلم: لقد كان عاقلاً حين قال هذا السؤال خلافاً لما فعله أعرابي آخر وهو رجل قالوا له: إن الرسول ﷺ يحدث الناس في المسجد قال: سوف أعلم أهو يعلم الغيب أم لا، فذهب وأخذ ناقته وخرج بها من المدينة وذهب وربطها في وادٍ في ضواحي المدينة ثم عاد وإذا رسول الله ﷺ يحدث الناس فقطعه وسط الخطبة وقال: ﴿يا رسول الله! أين ناقتي؟ -وهل الرسول ﷺ مسئول عنه وعن ناقته؟! وهل يعلم الغيب؟! - فغضب ﷺ حتى اشتد غضبه فقال عمر: رضينا بالله رباً وبالإسلام ديناً وبمحمد نبياً، فسكت هذا الأعرابي﴾.
ولذلك يقولون: نص السؤال نصف العلم، ويقول ابن عباس ﵄: [[رضي الله عن أصحاب محمد ما كان أتقاهم لله -أو أخشاهم لله- ما سألوا الرسول ﷺ إلا في مسائل]] يسألونك عن الخمر، يسألونك عن الأهلة، يسألونك عن المحيض، وهي مسائل معدودة في كتاب الله .
ومن حسن السؤال أن يعرض السؤال موجزاً على العالم، وأن يتوخى به وقتاً مناسباً، لا يترك الإنسان وهو في درسه ثم يعرض السؤال عليه، وهو مغضب، أو قلق، أو يكلم أحداً من الناس، أو وهو نائم يأتي إليه ويطرق بابه وسط الليل -الساعة الثانية من الليل- ويقول: كيف أمسح على الخفين؟! فلذلك أيضاً ينبغي تحري أوقات عرضها على العالم.
стр. 3018
الاهتمام بالأسئلة
الفائدة الخامسة التي تستفاد من الحديث: الاهتمام بالأسئلة؛ فإنه قد لا تفهم القضية من عرضها على الناس، وإنما تفهم بالسؤال، ولذلك ضيع الرسول ﷺ السائل، واستمر في خطبته، وأعرض عنه، فانقسم الصحابة قسمين:
قسم قالوا: سمع ما قال فكره ما قال، لأنك تعرف من لمحات الشخص، ومن حركاته وسكناته أنه سمع أو لم يسمع.
وقسم قالوا: لا، بل لم يسمع، ولو سمع لأجاب، فلما انتهى ﷺ قال: ﴿أين أراه السائل عن الساعة؟﴾ أين أراه: أي ليخرج نفسه، ويرى سؤاله ويعيد ما قال، فسأل فأعطاه ﷺ العلامة، قال: متى الساعة يا رسول الله؟
قال: ﴿إذا ضيعت الأمانة فانتظر الساعة﴾ وهذا جواب الحكيم عند أهل البلاغة؛ وجواب الحكيم أن يسألك بسؤال فتجيبه بجواب آخر لا يريده لكن فيه نفعه، الصحابي هذا البدوي يريد أمراً عجباً، يريد أن يخبره الرسول ﷺ متى تقوم الساعة؟
لكن النبي ﷺ أخبره بشيء أنفع له وكأنه يقول: أنت لا يهمك هذا، سل عما يهمك، ثم رده إلى الأمانة، وكأنه يقول: عليك بالأمانة، ومن أعظمها أمانة الله وهي العقيدة التي في القلوب، قال تعالى: ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا﴾ [الأحزاب:٧٢] يقول أهل العلم: الأمانة ليس هي أن يستودعك إنسان خمسين ريالاً فتكون عليها أميناً وأنت في الوقت نفسه لا تصلي، بل إن أعظم الأمانة الصلوات الخمس في جماعة، قبلها حفظ الله في كل وقت، فهي الأمانة العظمى.
وقد ورد في القرآن شبيه بذلك فقد سأل الناس رسول الله ﷺ عن الهلال قالوا: يا محمد! كيف يبدو الهلال ضئيلاً ثم يكبر ثم يصغر؟ وهل هذا سؤال يستحق العرض؟! وما الفائدة منه؟ يقولون: كيف يبدأ كبيراً ثم يصغر؟ فأنزل الله قوله: ﴿يَسْأَلونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ﴾ [البقرة:١٨٩]
و
الجواب
﴿ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ﴾ [البقرة:١٨٩] لماذا لم تسألوا عن فائدة الأهلة، وعن منافعها؟ وسؤالهم مثل أنفسهم.
فقال الرسول ﷺ : ﴿إذا ضيعت الأمانة فانتظر الساعة﴾.
وضياع الأمانة كما قال أهل العلم: من علامات الساعة المتحققة في الناس أن تضيع الأمانة، قال الشيخ حافظ بن أحمد الحكمي ﵀ رحمة واسعة:
وإن من علامة القيامة إضاعة الأمة للأمانة
والأمانة تضيع، عندما يذكر الأمناء في الناس يدل على ندرتهم، فيقال: في مدينة كذا في حي كذا رجل أمين، يعني: أن الآخرين بمفهوم المخالفة ليسوا أمناء، ولذلك فهذا مدح بما يشبه الذم، كأن تقول: في الفصل الفلاني أو المدرسة الفلانية رأيت خمسة منهم يصلون، يعني: أن البقية بمفهوم المخالفة مذمومون بكونهم لا يصلون، ولذلك يقول حذيفة في الصحيح: [[ولقد أتى علي زمان وما أبالي أيكم بايعت، لئن كان مسلماً رده علي الإسلام وإن كان نصرانياً رده علي ساعيه -رده عليه أي: السمسار الذي يبيع ويشتري- أما الآن فوالله ما كنت أبايع إلا فلاناً وفلاناً]] أي أنه ينتقي من الناس فلاناً وفلاناً؛ فضياع الأمانة من أكثر علامات قيام الساعة كما علم في هذا الحديث.
стр. 3019
وقفات مع حديث: (إن من الشجر شجرة)
الحديث الثالث نقدمه على الحديث الثاني لبعض الحكم:
لأنه أشد ارتباطاً في مجال العلم، ثم نعود إلى الحديث الثاني إن شاء الله.
عن ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : ﴿إن من الشجر شجرة لا يسقط ورقها، وإنها مثل المؤمن، فحدثوني ما هي؟ فوقع الناس في شجر البوادي، قال عبد الله بن عمر: ووقع في نفسي أنها النخلة فاستحييت، ثم قالوا: حدثنا ما هي يا رسول الله؟ قال: هي النخلة﴾ رواه البخاري وعقد على هذا باب عرض الإمام المسألة ليختبر ذكاءهم.
وعرض المعلم على الناس الأسئلة هو المطلوب، ولذلك يقولون: يختلف ذكاء وفهم المتعلم من الطالب وغيره على حسب فهمه للسؤال، ويذكر صاحب كليلة ودمنة إن كان صادقاً وأورده بعض أهل العلم عندما نقلوا أن علياً لما ذكروا له قتل عثمان ﵁، قال: [[أكلت يوم أكل الثور الأبيض]] فإن عثمان ﵁ لما قتل علم أنه سوف يقتل هو بعده وفعلاً فعل ذلك، فذكر صاحب كليلة ودمنة حادثة الثور الأبيض والثور الأسود أنهما كانا شريكين، يأكلان من ضاحية، ويشربون من غدير، فأتى الأسد إليهما، فلما رأيا الأسد اجتمعا عليه فنطحوه فولى، فأتى إلى الثعلب الداهية وقال له: هنا في الوادي ثوران لم أستطع أن آكلهما، لأنهما ينطحاني إذا اجتمعا علي، قال: أرى أن تمني أحدهم حتى يباعد الآخر، وتثير بينهم العداوة فتأكل الأول، ثم تأكل الثاني، فأتى إلى الأسود فقال: أنت رفيقي وشقيقي وأخي وكذا، فدعنا نأكل هذا الذي أكل عليك المرعى، وشرب عليك الماء، قال: كله لا رده الله، فأتى الأسد فأكل الأبيض فلما انتهى أتى إلى الأسود فأكله.
فأورد الذهبي في سير أعلام النبلاء وابن كثير - أن علياً لما مات عثمان قال: [[أكلت يوم أكل الثور الأبيض]] يعني ما دام عثمان قتل ﵁، فمن يواجه هؤلاء المبتدعة، ولذلك يذكر صاحب كتاب كليلة ودمنة في باب اختلاف الناس في فهم السؤال، يقول: أتى الأسد فعرض فكاهة على الحيوانات، فضحك كل من حضر من الحيوانات في الحال إلا الحمار، فلما جاءوا في اليوم الثاني إذا به يضحك، قالوا: مالك يا أبا صابر؟! قال: ما فهمت الفكاهة إلا اليوم، فهو قد فكر أربعاً وعشرين ساعة، وفي اليوم الثاني فهم الفكاهة، فكل واحد يضحك على قدر فهمه.
فالمقصود من الحديث أن من فطنة العالم وذكائه أن يعرض السؤال ليرى أفهام الناس، والرسول ﷺ فعل ذلك في سؤال النخلة.
وقصة النخلة: أنه ﷺ أتي بجمار، وهو قلب النخلة، وهو شيء أبيض يؤكل، وهو كالقماش الأبيض، فأتي به ﷺ ، والناس جلوس، لكن ابن عمر لمح هذا الجمار الذي وضع عند الرسول ﷺ ، وبقية الصحابة لم يلمحوا هذا الجمار ولم يروه أو أنهم رأوه لكنهم لم ينتهوا، فلما جلسوا وسكتوا، ومضى شيء من الوقت؛ لأن من الحكمة أن تباعد السؤال عن القرائن، أما الأستاذ الذي يأخذ الطبشورة بيده، ويقول: ما هو الشيء الأبيض الذي إذا كتبت به على السبورة كتب؟
سوف يعرفون أنها الطبشورة، لكن الرسول ﷺ أخذ هذا الجمار ووضعه في الأرض عليه أفضل الصلاة والسلام، فلما سكت الناس واستمر الحديث التفت إليهم وقال: إن من الشجر شجرة مثلها مثل المسلم حدثوني ما هي- ابن عمر كان صغيراً، والصحابة فيهم أبو بكر عمر وعثمان وعلي كبار قادة الإسلام وفاتحو الدنيا، والذين بنوا العدالة في المعمورة، فقال ﷺ : ﴿إن من الشجر شجرة مثلها مثل المسلم حدثوني ما هي؟ قال ابن عمر: فوقع الناس في شجر البوادي﴾ بعضهم يقول: الطرفاء، وبعضهم يقول: السمر، وبعضهم يقول: السلم، وبعضهم يقول: الأثل، وبعضهم يقول: الخمط، قال ابن عمر: ﴿ووقع في نفسي أنها النخلة﴾ قال الحفاظ: فهم من الجمار الذي أتي به إلى النبي ﷺ أنها النخلة، قال ابن عمر: ﴿فاستحييت أن أتكلم﴾ لأنه بين يدي أبي بكر وعمر وعثمان وعلي؛ لا يستطيع أن يقول: هي النخلة فيقول ﷺ : نعم، بارك الله فيك، لكن من العلم الذي علمهم ﷺ ومن الأدب الذي أدبهم أن يتأدبوا مع الكبير، ولذلك يقول ﷺ : ﴿كبر كبر﴾.
وسبب هذا الحديث أنه أتى عبد الرحمن بن سهل ومحيصة وحويصة لما قتل أخوهم في خيبر فأتوا يتكلمون فقام الصغير فتكلم، قال ﷺ : ﴿كبر كبر﴾ فتكلم محيصة قبله، فهو من أدبهم ألا يتكلم إلا الكبير.
فقال ابن عمر: ﴿فوقع الناس في شجر البوادي، ووقع في نفسي أنها النخلة فاستحييت﴾ فسكت الناس أي: أنهم عجزوا عن الجواب، فقالوا: ﴿حدثنا ما هي يا رسول الله، قال: هي النخلة﴾ ﵊.
يؤخذ من هذا الحديث فضل النخلة، ونحن لا نقول: فضل النخلة قضية تكليفية نتعبد بها، لكن الله وصف الكلمة الطيبة بالنخلة، وورد حديث عند البزار بسند جيد: ﴿أن الرسول ﷺ قرأ في حديث أنس: ﴿مَثَلاً كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ﴾ [إبراهيم:٢٤] قال: أتدرون ما هي؟ قالوا: لا يا رسول الله! قال: هي النخلة﴾.
стр. 3020
أوجه الشبه بين المسلم والنخلة
ووجه الشبه بين المسلم والنخلة أمور قالها أهل العلم:
١/ ثبات الأصل: فالنخلة ثابتة الأصل والمسلم ثابت الأصل، تعاليمه سماوية، لا يأخذ تعاليمه من البشر، ولا من أفكارهم ولا من خرافاتهم فهو ثابت في الأرض؛ لأن مبدأه ثابت وعميق في الأرض، يعتمد على (لا إله إلا الله) ويعتمد على قرآن من الله ، وعلى سنة من المعصوم ﷺ الذي لا ينطق عن الهوى، والنخلة ليس على وجه الأرض مثلها فالحنظلة -مثلاً- لو مرت شاة وأكلت منها اقتطعتها واقتطعت عروقها، أما النخلة فإنها تقاوم الإعصار، فهي مثل المسلم بثبات الأصل، هذا وجه شبه بين المسلم والنخلة.
٢/ كثرة المنافع: يقول أهل العلم: يؤخذ من طلع النخلة بسر وبلح ورطب وتمر ودبس، ويؤخذ منه نبيذ، ثم عدد ما شئت، هذا من التمر قالوا: ويؤخذ من سعفها الحصير، ويؤخذ منه مكاتل وبسط وفرش، وتستخدم جذوعها في السقف، والمؤمن كذلك منافعه أكثر من أن تحصى، إذا أردته في مجلس ذكر أعانك على الذكر، وإذا أردته في الجهاد وهب نفسه للجهاد، وإذا أردته أن يشارك في مسألة أعطاك ما يمكن أن يشاركك به، وإن كان عنده مال واحتجت له، شارك بماله، وإن كان عنده وقت وبقي له وقت شارك بوقته، يزورك إذا مرضت، ويشمتك إذا عطست، ويشيعك إذا مت، فهو دائماً معك، فمنافعه أعظم من منافع النخلة، لكن وجه الشبه كثرة المنافع بين الجانبين.
٣/ ارتفاع القامة وعلو الهمة، فالنخلة هامتها مثل هامة المسلم، أما ترى النخلة قوية مرتفعة، ولذلك إذا هب الإعصار فإنه لا يأتي إلا على أعالي الشجر، فالمسلم همته عالية، دائماً يفكر في معالي الأمور، ويفكر دائماً في الجنة، وفيما يقربه إلى الله، وهمته مثل علو النخلة، ولذلك أنزل الله تعالى: ﴿وَالنَّخْلَ بَاسِقَاتٍ لَهَا طَلْعٌ نَضِيدٌ﴾ [ق:١٠] قال بعض الأعراب: صليت المغرب مع رسول الله ﷺ فسمعته يقرأ: ﴿وَالنَّخْلَ بَاسِقَاتٍ لَهَا طَلْعٌ نَضِيدٌ﴾ [ق:١٠] فوالله ما علمت ولا أدري ما قرأ بعدها، ولأنني وقفت عندها، ولذلك يقول الزمخشري في التفسير: وإنها لآية عجيبة حقاً، انظر لاختيار الكلمات: النخل باسقات، لم يقل طويلات، جمع باسقة والباسقة الطويلة، قالوا: ومع طولها امتداد قامتها؛ لأن بعض الناس طويل لكنه منحنٍ مكسور الظهر، فمن ارتفاع همة المسلم أنه مثل النخلة في ارتفاع الهمة، فلا يفكر إلا في معالي الأمور.
ولذلك يقال: سل الإنسان فيم يفكر؟ سوف تعلم أي همة يهتم بها، من اهتم بأمر المسلمين أو بإصلاح بيته فهمته من أعلى الهمم، ومن اهتم بغير ذلك فهمته توصله إلى ذلك، يقول ابن القيم في مدارج السالكين: إن الله ينظر إلى همم الناس وإلى نياتهم ولا ينظر إلى صورهم ولا إلى هياكلهم ولا إلى أموالهم، فالهمة هي العظيمة؛ ولذلك يقول ابن الجوزي في صيد الخاطر: والله لقد رأيت أناساً في المعمورة، فتعجبت من سقط هممهم، ويظنون أنهم بلغوا الثريا بالهمم، سمعت قول المتنبي في الهمم:
ولكل جسم في النحول بلية وبلاء جسمي من تصاعد همتي
يقول: كل جسم مريض أما مرض جسمي فهو من تعالي همتي، ماذا فعل؟! كان يمدح كل سلطان في كل مكان ويريد الإمارة، ثم مات بلا إمارة ولا دين ولا شيء، كفقير اليهود لا دين ولا دنيا.
فيقول ابن الجوزي: فعدت إلى نفسي فوجدت همتي والحمد لله، لأنه يتحدث عن نفسه كثيراً فهي من أعلى الهمم، أريد أن أحقق العبادة، أن أنفع الناس، وأصلح أهلي، وأترك ورثة يعبدون ويذكرون الله، فهمة المسلم أعظم همة.
٤/ ومن أوجه الشبه بين المسلم وبين النخلة: دوام الاخضرار، يقولون: إن النخلة دائماً لا يسقط لها ورقة في الشتاء، ولذلك المؤمن على كلمة واحدة، يقول الحسن البصري ﵀: [[تلقاه العام بعد العام وهو على كلمة واحدة، وعلى نية واحدة وعلى عمل واحد أما المنافق فيتلون]] أي: إذا رأى المصلحة معك فهو معك، وإذا رأى أنك لم تقدم له شيئاً فإنه ليس معك، إن أركبته في السيارة ذكرك وأحبك، يوم أن غديته أحبك لكنه حبٌ وقتي للطوارئ، أما المؤمن فهو معك دائماً.
ولذلك يقولون: دوام اخضرار المؤمن في عمله الصالح، فهو على كلمة واحدة، هل هناك مؤمن في الشتاء يزيد إيمانه وفي الصيف ينقص، وزيادة الإيمان مطلوبة، لكن في الشتاء تلقاه بوجه، وفي الصيف تلقاه بوجه، فالمؤمن واحد في الليل والنهار، وكذلك النخلة لا تسقط ورقها في الشتاء، فهي دائمة الخضرة، وهذا من أوجه الشبه.
٥/ ومن أجه الشبه ومن اللطائف التي يقولها الغزالي في الإحياء وهي لطيفة مثل الزهرة تشم ولا تعك (لأن الزهرة تشمها بأنفك، أما أن تأخذها بيديك تعكها وتعصرها فليست بعصير).
يقول: وجه الشبه بين المؤمن وبين النخلة أن المؤمن إذا آذيته رد عليك كلاماً طيباً، والنخلة إذا رجمتها ردت عليك رطباً، وهذا شيء جميل.
стр. 3021
وقفات مع السلف في حسن أخلاقهم
ورأيت في ترجمة عيسى ﵇ في بعض الكتب أنه كلمه رجل فأبذى عليه ذاك الرجل -سبه وشتمه- فقال: ﴿سَلامٌ عَلَيْكُمْ لا نَبْتَغِي الْجَاهِلِينَ﴾ [القصص:٥٥].
فقال الحواريون لعيسى: يا نبي الله! كيف يتكلم عليك وترد هذا الرد، قال: كل ينفق مما عنده، ثم يقول: إن مثلي ومثلكم يا أيها الحواريون، كالنخلة إذا رجمت بالحجارة أنزلت على من رجمها رطباً.
وقد تفنن الشعراء في ذلك والله أرسى هذا المبدأ في كتابه حيث قال: ﴿وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلاماً﴾ [الفرقان:٦٣] قال أبو عبيد القاسم والأصمعي: سلاماً في القرآن بمعنى سلامة لكن أتت بألف الإطلاق بدل الهاء؛ أي أنهم إذا خاطبهم الجاهلون، وتكلموا عليهم قالوا: سلاماً، أي: أبشروا بالسلامة، لا يأتيكم منا أذى، ولذلك إذا أجبت الشرير بالشر زاد عليك، فبدل أن تكون لطافة وكلاماً سهلاً يردون عليك بالمشاعيل نسأل الله السلامة من المشاعيل!
والمقصود أن حسن الجانب واللين يطفئ ثائرة الضغينة، ويقولون: ما رأينا أقتل للشرير من السكوت.
إذا نطق السفيه فلا تجبه فخير من إجابته السكوت
جاء رجل إلى أبي بكر فقال: والله لأسبنك سباً يدخل معك في قبرك، قال أبو بكر: [[والله لا يدخل معي وإنما يدخل معك أنت في قبرك]].
وجاء رجل إلى عامر الشعبي -وسوف يمر معنا في أذكياء الناس في الأسئلة- أتاه وهو يفتي الناس -وأورد ذلك الذهبي وغيره- فقال: يا أبا فلان يقصد الشعبي وهو عالم من علماء المسلمين: ما اسم زوجة إبليس؟ انظروا إلى هذا السؤال الخطير، فرفع الشعبي رأسه، وكان لا يتلعثم وكانت فيه دعابة، قال: لم أحضر الزواج كان عندي شغل يوم وليمتهم، لأنه ما دعي، وما وجهت له دعوة ولو وجهت له دعوة، فهو مشغول.
الشاهد أن الشعبي ﵀ وقف رجل فسبه أمام الناس، فقال الشعبي: إن كنت صادقاً فغفر الله لي، وإن كنت كذاباً فغفر الله لك.
هل وراء هذا السؤال شيء أعجب من هذا الجواب؟ ماذا يقول بعدها؟ سوف ينعصر ذاك خجلاً ويموت كمداً، ثم يأخذ حذاءه ويقول: السلام عليكم.
ولذلك أفضل ما يمكن أن تقتل به السفيه أن تسكت مهما تكلم ومهما قال، أن تسكت وتقول سلاماً، وتبتسم.
ويذكر في ترجمة عمر بن عبد العزيز -وذكرها صاحب البداية والنهاية - أنه ذهب ليقوم الليل في مسجد بني أمية، وكان خليفة فذهب، فأخذ حذاءه بيسراه ودخل المسجد، وإذا برجل نائم في المسجد فوطئه برجله في الظلام، فقام النائم فزعاً فقال: من هذا الحمار الذي وطئني؟ وهذا موجود في ترجمته، قال عمر بن عبد العزيز: أنا عمر بن عبد العزيز، ولست بحمار والحمد لله، فذهب ذاك الرجل يولول ويتأسف ويخبر الناس، فقالوا: من الخلفاء الراشدين ﵁ وأرضاه.
فالشاهد من هذا هو أهمية الرد الجميل وكذلك اختلاف الناس في الفهم، والله جعل أفهام الناس بالتفاوت حتى يقولون: بين الناس تفاوت كما بين السماء والأرض، ولا تظنوا أن فضل الناس عند الله على حسب الذكاء، وأن الذي يحفظ جدول الضرب عن ظهر قلب هو أفضل من الذين لم يحفظوا جدول الضرب، لا فإن هذه وسائل دنيوية قد يستخدمها الإنسان في طاعة الله، وقد يستخدمها في المعصية، لكن الميزة عند الله هي التقوى.
ولذلك الذين اكتشفوا القنبلة الذرية هم من أذكياء الناس بلا شك ولو كانوا كفاراً، ولا تقولوا: الكفار ليسوا بأذكياء بل منهم الأذكياء، لكن الواحد منهم أنجس من الكلب والخنزير، فذكاؤهم لا ينفعهم عند الله؛ لأنه لم يرفعهم عند الله ولم يستخدموه فيما يقربهم منه .
стр. 3022
قصص تدل على ذكاء المسلمين
وهنا سوف أذكر ذكاء أهل الإسلام، فمن أذكى الناس علي ﵁ ولقد كانت جواباته من أذكى جوابات الناس، حتى جمع بعض أهل العلم فصولاً في جواباته، مثل ابن عبد البر جمع له جوابات: سأله سائل كم بين العرش والأرض يا أمير المؤمنين هل علي ﵁ قاس المسافة؟ هل عرفها بالأميال والكيلو مترات؟ لا.
بل قال علي ﵁: [[دعوة مستجابة]] بين الأرض وبين العرش دعوة مستجابة.
ولذلك يقول ابن أبي الحديد -وابن أبي الحديد متهم، عنده ملعقتين من التشيع في التاريخ، ولذلك يتهم في ذاك الجانب -لكنه يقول: بهت علي الناس بذكائه وفطنته ﵁ وأرضاه، ولذلك أتى سبعة أناس شاركوا في قتل رجل عند علي، وقد قال ﷺ : ﴿أقضاكم علي﴾ شارك السبعة في قتل رجل، فقال علي: عليَّ بالسبعة جميعاً، فأتوا فأدخلهم في صيوان عنده ﵁ وأرضاه، فقال لجنوده: أمسكوا كل رجل عند سارية من السواري، فأخذوا كل رجل وجعلوه عند سارية، فأتى إلى الأول فقال: أنت قتلته؟، قال: لا والله ما قتلته، قال علي: الحمد لله الله أكبر، فتوهم الستة أن هذا اعترف، فقالوا: فضحنا، فأتي بالثاني، فقال: ماذا فعلت؟ قال: قتلته، أتوا بالثالث، قال: قتلته وشاركت في قتله، فاعترف الستة، فلما انتهى ﵁ قال للأول وقد جحد: إما أن تعترف وإما والله لأقتلنك فإنهم قد شهدوا عليك، فاعترف.
يقول ﷺ : ﴿أقضاكم علي.
ومن الأذكياء عند الناس شريح ولذلك يقول الناس: ما سمعنا في قضاة المسلمين أذكى من شريح ﵁، فـ شريح القاضي من أذكياء الناس، دخل عليه رجل وامرأتان، فكانت المرأتان متحجبتين فتكلمت إحداهما، ثم تكلمت الثانية، ثم تكلم الرجل، فقال: قوما عني، فجمع مستشاريه والجلاس معه، قال: أما امرأة منهم فهي ثيب، وأما الثانية فإنها بكر، وأما هذا الرجل فإنه رضع من كلبة، وذكر ابن كثير أنهن ثلاث نسوة، وأما الثالثة فإن صوتها ضعيف وإنها حامل بولد، قالوا: كيف عرفت؟ قال: أما الثيب فهي جريئة تتكلم وتنظر في وجوه الرجال، وأما البكر فإنها خجولة تنكس رأسها، وأما هذه الحامل فإني أسمع زفيرها وعلمت أنها حامل بولد، وأما هذا الرجل: فإنه اضطرب وأصابته قشعريرة حتى انتفض شيء من وجهه فعلمت أنه رضع من لبن كلبة، فسألوهم فوجدوا هذه ثيباً، وهذه بكراً، وهذه حاملاً وأتت بولد، وقالوا للرجل: نسألك بالله هل رضعت من لبن كلبة؟ قال: ماتت أمي وأنا صغير ونحن في البادية وقد ماتت الأغنام من القحط ومن الجدب، فما وجدوا إلا كلبة تدر فأرضعوني منها مرة واحدة.
ومن القضايا التي تؤخذ من حديث النخلة: تقديم الأكابر أهل الصلاح، ولا يقتضي تقديم الأكابر أن تقدم الكبير ولو كان خواجة، لا، بل تقدمه إذا كان مسلماً يقوم بالفرائض ويؤدي ما افترض الله ، ويحترم حدوده، أما الفاسق فلا تقدمه ولو كان عمره ثلاثمائة سنة، بل تؤخره مثلما أخره الله.
ولا يقتضي التقديم دائماً أن نقدم الكبار دائماً، بل نقدم أهل الفضل من الكبار وغيرهم.
وعمر بن عبد العزيز اجتمع بالناس، وقام غلام من أهل الشام أو من أهل العراق فتكلم بين يديه، فقال عمر: اجلس ففي المسلمين من هو أولى في هذا الموقف منك، قال: يا أمير المؤمنين، لو كان الأمر بالسن لكان في المسلمين من هو أولى منك بالخلافة، فتبسم عمر ﵁ وقال:
تعلم فليس المرء يولد عالماً وليس أخو علم كمن هو جاهل
فدعا له ﵁ وأرضاه وقدمه من أجل ذلك.
ويقول ابن عباس في الصحيح: كان عمر يقدمني -كما في صحيح البخاري - مع أشياخ بدر يستشيرني معهم، فقال الصحابة الكبار: إن لنا أبناء مثل هذا فكيف يقدمه ويترك أبناءنا، فلما علم عمر أنهم وجدوا في أنفسهم دعاني ودعاهم، فعلمت أنه ما دعاني إلا ليريهم فضلي، فقال لهم بعد أن استمعوا: ماذا تقولون في قوله : ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ * وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجاً * فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّاباً﴾ [النصر:١ - ٣] فسكتوا إلا بعضهم تكلم، قالوا: إن الله يأمر رسوله إذا فتح الله عليه ونصره أن يكثر من الاستغفار والتسبيح، قال: أعندكم جواب غير هذا؟
قالوا: لا، قال: وأنت يـ ابن عباس؟ قال: هذا أجل الرسول ﷺ نعي إليه، أخبره الله بأجله، فتبسم عمر، وقال: والله ما أعلم منها إلا ما تعلم منها أنت، فأقر له الصحابة بالعلم والفضل، وقدمه عمر بذلك ﵁، فتقديم الأكابر أمر مطلوب إذا كان فيهم صلاح، وما زال المسلمون في خير ما احترموا كبيرهم ورحموا صغيرهم.
القضية الخامسة: طرح الأسئلة على المتعلمين.
أخذت من هذا الحديث وقد أسلفت الكلام عنها، ولكن ليعلم أن من أحسن الأسئلة ما دار حول الدرس المشروح، أو ما دار حول القضية المطروحة، فإن الرسول ﷺ لما طرح عنده الجمار، سأل الصحابة في ذلك وقد تعزب على المعلم أن يمهل الناس، أو يمهل الطلبة، له أن يعطيهم يوماً فيتفكرون ويتدبرون في ذلك.
وقالوا: إن الهيبة الشديدة ترهب الطلبة، أو تربك المتعلمين، فإذا كان العالم دائماً مهاباً لا يقتربون منه، حتى ورد في كتب الحديث وأورده الذهبي في سير أعلام النبلاء قال: كان من المعلمين محدث كبير وكان مهاباً، ولا يستطيع الناس أن يعطسوا في مجلسه، إذا أردت أن تعطس عنده فعليك أن تأخذ حذاءك وتخرج لتعطس خارج المسجد ثم تعود، قالوا: وإذا سمع قرقعة الأوراق غضب، وطرح الكتاب، وخرج ودخل بيته.
فأتى رجل فكظم أنفاسه أراد أن يعطس، فما استطاع أن يكتم أنفاسه فعطس، وقال: تكفي مرة ولكنها لم تكفه، عطس مرة ثانية، وأتبعها بثالثة، لما احمر وجه العالم وغضب، فالتفت هذا التلميذ وقال: أو نحن جلوس عند رب العالمين؟!
فيقول الذهبي: إن من الحكمة أن يتلطف المعلم مع تلاميذه حتى لا يجدوا حرجاً في سؤاله وفي استشارته وفي عرض مشاكلهم عليه، لأنه إذا كان مهاباً جداً خافوا منه، حتى إذا ذهب الإنسان منهم يريد أن يسأله صلى ركعتين، وقال: أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق، وقرأ المعوذتين ثم سأله، وربما يجيبه أو لا يجيبه، وأكثر الأحيان بعض الناس يجعل الله فيهم جبلات وفطر، بعضهم لا يتحمل السؤال أبداً.
ولذلك يقولون: الأعمش كان لا يُسأل ﵀ هو جائع حتى يتغدى، ولا يسأل وهو غاضب حتى يرضى، ولا يسأل وهو واقف حتى يجلس، حتى سأله رجل في الطريق من الحاكة الذين يحيكون الثياب، سأله رجل منهم، فقال: يا أبا محمد! هل تجوز الصلاة وراء الحائك؟ وهذا سؤال مستفهم مسكين يظن أنه عندما يكون في هذه الصنعة لا يجوز إمامته.
قال: نعم تجوز بلا وضوء.
قال: وهل تجوز شهادتنا؟
قال: نعم، تجوز مع شاهدي عدل.
القضية السادسة التي في الحديث:
أن على الداعية أن يضرب الأمثال للناس، فإن الله ضرب القصص والأمثال للناس وطرحها ليتفكروا ويتدبروا: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ﴾ [إبراهيم:٢٤] (مثلاً ما بعوضة) وضرب الله بالذباب مثلاً، وضرب الله بالعنكبوت وبالبعوضة مثلاً، فللمسلم أو الداعية أو العالم أن يضرب الأمثال للناس حتى يستفيدوا من ذلك.
стр. 3023
حديث: (ويل للأعقاب من النار)
أما الحديث الثالث: وفيه قضايا، وهو من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص -الزاهد العابد- قال: ﴿تخلف عنا النبي ﷺ في سفرة سافرناها، فأدركنا وقد أرهقتنا الصلاة أي: أدركتنا وتغلبت علينا وتضايق الوقت ونحن نتوضأ، فجعلنا نمسح على أرجلنا، فنادى ﷺ بأعلى صوته: ويل للأعقاب من النار، مرتين أو ثلاثاً﴾.
стр. 3024
استحباب رفع الصوت بالعلم
بوب البخاري ﵀ لهذا الحديث (باب من رفع صوته بالعلم) وأخذ من هذا الحديث ملاحقة النبي ﷺ بالتربية والتعليم لأصحابه في كل شأن، كبير وصغير، ويقول العباس بن عبد المطلب عم الرسول ﷺ : [[والله، والله، والله ما رجل معه قطيعة من الغنم يحدب عليها ويهش عليها من الشجر، ويظلها من الشمس ويكفها من المطر بأحرص من محمد ﷺ على أمته]].
قيل لـ سلمان: علمكم نبيكم ﷺ كل شيء؟ قال: ﴿والله ما ترك لنا من شيء حتى ما من طائر يطير بجناحيه إلا أعطى منه خبراً﴾.
كان ﵊ يعلم الناس، ولذلك يقول ابن تيمية ﵀: لا بد للمسلم أن يولد في الإسلام ولادتين، مرة يوم أتت به أمه، ومرة يولد في هذه الشريعة، ثم يقول ﵀: وأرض لم تشرق عليها شمس الرسالة أرض ملعونة، وقلب لم يشرق عليه هذا الدين قلب مغضوب عليه، ويقول في قراءة أبي "وأزواجه أمهاتهم"، قال: قرأ أبي: وهو أب لهم.
كان يعلم الناس مثلما يعلم الأب أبناءه، بل والذي نفسي بيده لهو أحرص على تعليم الناس من الأب على تعليم أبنائه، يأتي إلى الناس فيعلمهم قضاء الحاجة هل هناك معلم في البشر، أو زعيم من الزعماء، أو عظيم من العظماء وقف أمام أمته وأخبرهم كيف يقضون الحاجة، هذا ﵊ علمهم كيف يقضون الحاجة، بل يقول أهل العلم: فيها أكثر من عشرة أحاديث صحيحة -وأيضاً- وما يقارب العشرة فيها ضعف، علمهم ألا يستقبلوا القبلة، ولا يستدبروها، علمهم كيف يجلس الإنسان، وماذا يقول إذا دخل الخلاء، وماذا يقول إذا خرج، ومتى يرفع ثوبه، وكيف يقضي حاجته، وهل يذكر الله، وهل يرد على الذي يسلم عليه، وأن يرتاد مكاناً رخواً، ثم علمهم شعيرة السواك، فأتى بالأحاديث وهي ما يقارب الثمانية كلها صحيحة، فهل هناك معلم وراء هذا التعليم؟!!
ولذلك والله ما مات حتى ما ترك خيراً إلا دلنا عليه، وما ترك شراً إلا حذرنا منه، فعليه أفضل الصلاة والسلام، كل مسلم في عنقه يد بيضاء للرسول ﷺ ، وكل داعية يقوم أو عالم يتكلم أو طالب علم يريد أن يفهم مسألة أو مؤذن يؤذن في منارة أو إمام يؤم الناس فهو إصبع من يد محمد ﷺ وهو ورقة من دوحته المنيفة:
المصلحون أصابع جمعت يداً هي أنت بل أنت اليد البيضاء
فعليه أفضل الصلاة والسلام.
وبعد فترة إن شاء الله سوف نعايش في مسائل وأحكام قضايا المرأة، قضايا الحيض والنفاس، فهو يعلم المرأة ويفهمها عليه أفضل الصلاة والسلام ويفقهها في الدين بروية وتمهل في كل مسألة تخصها جليلاً كان أو حقيراً، كبيراً كان أو صغيراً.
стр. 3025
الاستعداد للعبادات قبل دخول وقتها
يقول ابن عمرو ﴿تخلف عنا النبي ﷺ ﴾ ومن هديه ﷺ في السفر أنه كان يتخلف عن الناس، يأتي في آخرهم فيزجي الضعيف، ويدعو له، ويحمل ما ترك الناس من متاع على جمله ذلك.
كان ﵊ أحن من الأب على أبنائه -كما أسلفت- أتى في آخر الجيش، والناس قد تقدموا عليه ﷺ ، فأدركهم، وهو يقول: أرهقتنا الصلاة أي: عاجلنا وقت الصلاة، فأخذ الصحابة يتوضئون وضوء المستعجل، والمستعجل إذا قام يتوضأ مثل الذي يستعجل في الصلاة يترك أشياء، حتى يدخل مع الإمام في الركعة الأولى ولكيلا يضيع الوقت في المسجد فيأتي يتوضأ فلا تنفتح له الجبة، فيحاول أن يرفعه هكذا وهكذا، فيغسل ما وصل إليه ثم يخرج ساعته ويضعها في جيبه وسواكه في الجيب الآخر وأقلامه في الجيب الثالث، فيدخل المسجد كالمجنون -نسأل الله العافية- هذا حال المتخلف يترك الحذاء بين الواحدة وبين الأخرى ثلاثة أمتار ويأتي سعياً فلا يدري يدخل في اليمين أو في اليسار أو يسحب واحداً أم لا، ثم يقف وإذا كبر أخذ يخرج الساعة وينظم هندامه، ولذلك يقال: إن الإرهاق في العبادة ليس بمطلوب.
قال ابن القيم في مدارج السالكين: من الأدب الاستعداد للعبادة.
إذا علمت أنه سوف يؤذن للظهر فلتتوضأ وتتجهز لصلاة الظهر وهكذا بقية الصلوات، فتعرف أنه فجر، أما أن يجلس الإنسان في بيته وعنده أضيافه وسماره، فإذا أتى وقت صلاة العشاء -مثلاً- يقول: سبحان الله! صلاة الآن، إذا أنت مسلم تصلي فنعم صلاة الآن، وأورد ابن الجوزي صاحب صفة الصفوة قال: بلغ من حرص السلف على التهيؤ للعبادة أن النجار منهم في العبادة مثل أعبد عبادنا الآن وأزهد زهادنا، كان النجار عنده مطرقة ينجر بها، فإذا سمع الله أكبر لم يستطع أن يردها بعد أن يرفعها، بل يسقطها وراء ظهره.
وتقول عائشة في صحيح مسلم لما سألها الأسود بن يزيد النخعي كيف يقوم ﷺ إذا سمع الصارخ؟ قالت: ﴿كان يثب وثباً﴾ قال: وعلمتم ماذا تريد من كلمة يثب وثباً، أي أنه: من حرصه ﷺ على الصلاة يثب، وهي ليست بصلاة الفجر لكنها صلاة الليل وما قالت: يقوم قياماً، ولا يقف وقوفاً، ولكن يثب كالأسد وثباً ﷺ ؛ لأن الله وصف المنافقين بقوله: ﴿وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلاةِ قَامُوا كُسَالَى﴾ [النساء:١٤٢].
تقول عائشة ﵂ وأرضاها: ﴿كان ﷺ معنا في مهنة أهله﴾ يقطع معهم اللحم، ويخيط ثوبه، ويخصف نعله، ويحلب شاته: ﴿فإذا سمع الله أكبر قام من بيننا كأننا لا نعرفه ولا يعرفنا﴾.
أجل هذا هو الإسلام، بهذه الحرارة، وهذا التوقد، وهذه الحركة، وهذا التقدم إلى الله : ﴿لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَتَقَدَّمَ أَوْ يَتَأَخَّرَ﴾ [المدثر:٣٧] هل الإسلام حفظ محاضرات ومعلومات؟ أو أن يجعل الذهن سلة مهملات ثم إذا أتى داعي الله فإذا الإنسان كتلة هامدة ميتة لا حراك فيها، لا، ليس هذا المطلوب.
إذاً يؤخذ من هذا الحديث أنه لابد من الاستعداد للعبادة قبل دخولها، فهو من الأدب معه ، أما الصحابة في هذا الحديث فإنهم يعذرون لأنهم في سفر ﵃ وأرضاهم.
قال: ﴿أدركنا رسول الله ﷺ وقد أرهقتنا الصلاة -أي أرهقنا وقتها، وضايقنا وقت الصلاة، حتى دخل علينا- ونحن نتوضأ فجعلنا نمسح على أرجلنا﴾ والمسح هنا: هو الغسل، ليس المسح المعروف أن تمسح؛ لأنه ما ذكر الخف هنا، فالمسح معناه الغسل، وفهمه الشيعة أنه المسح وما أدراك ما فهم الشيعة!! هم أجهل خلق الله! لا يفهمون شيئاً حتى يقول ابن تيمية: هم أجهل الناس بالمنقولات، وأضل الناس بالمعقولات، ويقول الشعبي: قاتل الله الرافضة، لو كانوا من الحيوانات كانوا حمراً -كانوا حميراً- ولو كانوا من الطيور كانوا رخماً -يعني أنهم ليس عندهم عقول، نعم عندهم عقول ويأكلون ويشربون لكن النصوص فسروها ولووا أعناقها، وأبطلوها بسبب نحلتهم التي انتحلوها في الدين، فيقولون: معنى نمسح أي: نمسح بأيدينا، فهم الآن يمسحون، ويرون المسح لكن العجيب أنهم لا يرون المسح على الخفين، المسح على الخفين الذي ثبت بأحاديث لا يقبلونه والمسح على الأرجل مباشرة يقبلونه، انظروا إلى هذا الفقه الأعوج.
ولكن ما هو الرد عليهم؟ وهل هم صادقون؟
ظاهر الحديث أن المسح على الأرجل وارد، لكن يستدل بقوله أهل العلم: ﴿فنادى بأعلى صوته ويل للأعقاب من النار﴾ فلو أنه كان مسحاً لظاهر القدمين لما قال ﷺ : ﴿ويل للأعقاب من النار﴾ لأن العقب في آخر القدم، فأقبل ﷺ يقول: ويل لأعقابكم إن لم تغسلوها بالماء، فتأكدوا من غسل أعقابكم، فلو كان يكتفى بالمسح، لسكت ﷺ لأنهم مسحوا، لكن ليس هذا هو المسح، المسح كما يقول ابن حزم والشوكاني وغيرهما من أهل العلم، يطلق على الغسل، ويطلق على المسح المعروف، لكن كيف نعرف الغسل من المسح المعروف؟ نعرف ذلك بسياق الحديث وبالقرائن، فقال ﷺ : ﴿ويل للأعقاب من النار مرتين أو ثلاثاً﴾.
في هذه المسألة رفع الصوت بالعلم، وعقد له البخاري (باب: من رفع صوته بالعلم) ويقول جابر في صحيح مسلم: ﴿كان ﷺ إذا خطبنا رفع صوته واشتد غضبه، واحمرت عيناه حتى كأنه منذر جيش يقول: صبحكم ومساكم﴾ وذلك حتى تصل إلى القلوب، أما أن يميت الإنسان القضية كأنه يأتي بقضية جهادية ثم يتحدث بضعف فإنه يميت الخطبة ولو كان وراءها إخلاص، إذ لا بد للإخلاص من قوة في الأداء وقوة في التأثير، ولا بد له من وسائل فالإخلاص بلا وسائل ضعف، يقول بعضهم: يكفيني إخلاص! وليس عنده علم ولا تأثير، وهذا لا يكفي، ووسائل بلا إخلاص معناه الدمار والفشل نسأل الله العافية.
ولقد رأت عائشة شباباً يمشون متماوتين، فقالت: [[من هؤلاء؟ قالوا: عُبَّاد، قالت: كان عمر ﵁ أنسك لله وأخشى لله منهم، وكان إذا قال أسمع، وإذا ضرب أوجع، وإذا مشى أسرع]].
فالمطلوب أن يرفع الإنسان صوته على قدر الحاجة، إذا كان في غضب ووقت تأنيب في الفصل، أو في أهله، أو في مجتمعه ورأى ما يخل بالأدب، أو ما يخالف الشريعة فله أن يرفع صوته ليكون هذا لهم تأديباً، كأن يأتي الأستاذ فيرى الطلبة صلوا جميعاً الظهر إلا أحدهم لم يصل هل يقول: ما لك -بارك الله فيك وفتح الله عليك- لم تصل معنا؟!
هل يلقي عليه محاضرة؟! لا، هذا لا بد له من تعزير، برفع صوت وتشهير، حتى يعرف الناس أنه ارتكب جريمة، لأنه إذا هدأ المسألة وتركها فسوف يقول الطلبة: يمكن أن الشيخ وجد في بعض المسائل أنه يجوز ترك صلاة الظهر، فيترك بعضهم لهذا الأمر، فالمسألة بحسب المقام، يقول أهل العلم: رفع ﷺ صوته هنا لاقتضاء المقام أن يرفع صوته لوجود المخالفة في مسائل التكليف.
والمسألة الثانية: التكرار، والتكرار يفهم به العلم لذلك يقول أهل الأندلس:
كرر العلم يا كريم المحيا وتدبره فالتدبر أحلى
وأنصح نفسي ومن يريد أن يذاكر مسألة أو باباً من أبواب العلم أن يكرره، ولا يمل منه، وليست المسألة كثرة كتب، بل يكفيك خمسة كتب، أو ستة كتب وتكررها حياتك، وتستقي منها علمك، أما أن يجمع الإنسان مكتبة كثيرة الكتب ويقول: سوف أمر بها وأفهمها، فمن أين سوف يفهم؟! قد يأخذ من كل بحر قطرة! لكنه لا يحوي عليها؛ فالتكرار أحسن طرق العلم.
يقول الذهبي في ترجمة أبي إسحاق الشيرازي -هذا العالم الكبير والزاهد لله في سير أعلام النبلاء لما ذكر سيرته قال: كان عنده ثوب واحد وعمامة ماملك بيتاً ولا ادخر مالاً، ولم يكن عنده من الدنيا شيء، فقال الذهبي: فهذا والله هو الزهد، نحل جسمه من كثرة العبادة، يقول: كنت أكرر الدرس قبل أن أشرحه لطلابي مائة مرة -يقول: هذا وهو عالم الدنيا- كنت لا أشرح الدرس لطلابي حتى أكرره مائة مرة، يعني يلخص الدرس ثم يكرره فيفهمه، ويقول الذهبي عنه كذلك: كنت أكرر كل قياس من أقيسة المنطق ألف مرة.
وفي سير أعلام النبلاء للذهبي في المجلد التاسع عشر في ترجمة القرطبي الجد، قال: كررت والحمد لله صحيح البخاري سبعمائة مرة، فالذي يرى أنه سوف يقرأ بلوغ المرام مرة أو مرتين وسوف يفهمه، لن يفهمه بهذا؛ لكن يفهمه بعد أن يقرأه عشر مرات أو خمس عشرة مرة، أو عشرين مرة ليفهم قضاياه؛ لأن هذا العلم عبادة، والتكرار عبادة، وإذا أجهدت نفسك في مرضاة الله فهي عبادة، هذه هي قضية التكرار وما أتى فيها، فكان ﷺ إذا سلم سلم ثلاثاً بحسب المجلس، أو بحسب بركة ما يقوله ﷺ أو لأمور أخرى.
يدخل المجلس ويقول: السلام عليكم ورحمة الله، فإذا مضى قليلاً، قال: السلام عليكم ورحمة الله، فإذا انتهى إلى المجلس قال: السلام عليكم ورحمة الله، وكان يكرر اسم الشخص إذا أراد أن ينبهه على أمر عقدي، أو أمر تكليفي ينبهه ثلاثاً يقول: يا معاذ! قال: لبيك وسعديك يا رسول الله، فيسكت ﷺ ، فيقول: يا معاذ! فيقول: لبيك وسعديك يا رسول الله، فيقول: يا معاذ! قال: لبيك وسعديك يا رسول الله، فأصبح معاذ متهيئاً، وكل ذرة فيه جاهزة لما يلقى عليها، أما أن تأتي إلى الطالب أو إلى المتعلم وتقول: يا فلان وهو مستعجل وهو يشتري شيئاً أو يبيع أو يتكلم في شيء، فتقول: إن الله يقول كذا وكذا، والرسول ﷺ يقول كذا وكذا، فإنه لن يفهم ما قلته فعليك بالتكرار لأنه مطلوب.
ومن القضايا التي يستفاد من الحديث -وقد سبقت معنا- شفقته ﷺ على أمته، فجزاه الله عنا أفضل ما جزى نبياً عن أمته.
ونسأل الله ﵎ الذي بيده مفاتيح القلوب أن يفتح علينا وعليكم، وأن يجعل اجتماعنا هذا اجتماعاً مرحوماً، وتفرقنا من بعده تفرقاً معصوماً، ولا يجعل منا ولا فينا ولا بيننا شقياً ولا محروماً، إنه على ذلك قدير وبالإجابة جدير، ونسأله الصلاح في الباطن والظاهر.
سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين.
стр. 3026
الفاروق في القرن الخامس عشر
عمر بن الخطاب ﵁ شخصية ألمعية, وعبقرية فذة, وعدالة نادرة, لا تخفى على مسلم, وحياته حافلة بالمواقف الموفقة, والدروس المتألقة: كالعزة الفريدة, والتواضع العجيب.
وفي هذا الدرس تجد استعراضاً لبعض المواقف التي سطرها التاريخ بقلم الصدق عن تلك الشخصية الفريدة.
стр. 3027
تعريف بعمر بن الخطاب
قال الشيخ عبد الوهاب الطريري حفظه الله في مقدمة المحاضرة:
الحمد لله على نعمائه، والشكر له على آلائه، وصلاته وسلامه على أفضل خلقه وأشرف أنبيائه، ثم السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
أيا عمر الفاروق هل لك عودةٌ فإن جيوش الروم تنهى وتأمر
يحاصرنا كالموت ألف خليفة ففي الشرق هولاكو وفي الغرب قيصر
تأخرت يا أغلى الرجال فليلنا طويلٌ وأضواء القناديل تسهر
سهرنا وفكرنا وشاخت دموعنا وشابت ليالينا وما كنت تحضر
دخلت على تاريخنا ذات مرةٍ فرائحة التاريخ مسكٌ وعنبر
أتسأل عن أعمارنا أنت عمرنا وأنت لنا الفاروق أنت المحرر
تضيق قبور الميتين بمن بها وفي كل يومٍ أنت في القبر تكبر
نحن الليلة على موعدٍ مع رحلة تخترق حقب الزمن, وترفع حجب التاريخ، لنفضي إلى ساح شريف ورحابٍ منيف، إنه رحاب الإمام العبقري، والمحدث الملهم الفاروق عمر؛ لنرى رجلاً عظيماً بفكره عظيماً بأثره عظيماً بخلقه عظيماً ببيانه عظيماً قبل ذاك بإيمانه، إنه العبقري الذي جمع العظمة من أطرافها.
نفضي إلى ساحه لا لنقيم مأتماً في ذكراه، ولكن لنستكشف مواضع العبرة من سيرته، ومواقع القدوة من شخصيته، لأن أمتنا المعطاءة، لم ولن تعقم أن تدفع من يعيد سيرته، ويقفو طريقته.
أما قائد هذه الرحلة وربانها فهو العالم، بل الداعية، بل الأديب، بل الأريب، بل كل ذلك وأكثر من ذلك، إنه صاحب الكلمة التي تسمعها فيتراءى لك صدق اللهجة, وحرارة الإخلاص, ووضاءة الحق, ونور الحقيقة.
يحملنا ربان هذه الرحلة على جناح الكلمة المشرقة، والعبارة المتألقة، فإذا المعاني شاخصة، والحقائق ناطقة، فيا أبا عبد الله هذه الآذان قد أنصتت فصافحها بكلمتك، وهذه الأبصار قد نظرت فعانقها بطلعتك.
فقم حادث الدنيا كأنك طارقٌ على بركات الله يرسو ويبحرُ
قال الشيخ عائض القرني: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على إمام المتقين, وقدوة الناس أجمعين، وعلى آله وصحبه والتابعين، ومن سار على منهجه إلى يوم الدين.
أيها الكرام أيها الموحدون يا أبطال العاصمة حياكم الله!
أهلاً وسهلاً والسلام عليكم وتحية منا تزف إليكم
أحبابنا ما أجمل الدنيا بكم لا تقبح الدنيا وفيها أنتم
قمت وأنا -والله- كالمتحير, ما ظننت أن هذا الخطيب سوف يوقفني في هذا الموقف المدهش، وأنا أجعله أستاذاً وشيخاً لي، وأعلم من قدراته وفضله ما ليس فيَّ، ووالله! ما أتيت أكيل له المدح هاء وهاء ويداً بيد، لكن من باب أن يعرف الفضل لأهله، فهو رائدٌ من رواد الصحوة، وشيخٌ من شيوخ البلاد، أقولها كلمة وأنا مسئول عنها، وأما ثناؤه عليَّ فأنا أعرف بنفسي, وأسأل الله أن يغفر لي ما لا يعلم.
أيها الأخيار أيها الفضلاء عنوان المحاضرة (الفاروق في القرن الخامس عشر) وكان العنوان (الفاروق في القرن العشرين) لكن من الذي أسس التاريخ الهجري؟!
أليس عمر؟
أليس وفاءً منا أن نجعل التاريخ بالهجري بدلاً من الميلادي, لأنه أسس التاريخ؟
بلى أيها الأحباب! فأنا أعرف أن الأطفال عندنا في الابتدائية يعرفون أين ولد عمر , ومتى ولد؟ وأين توفي؟ ومتى توفي؟ ولكن أعرف أن من أساتذة الجامعة من لا يعرفون سطوع عمر، ولا عبقرية عمر.
وأنا لن أحدثكم اليوم عن تاريخ الأموات عن زوجات عمر وأبنائه، أو عن لباس عمر , ولكني سوف أحدثكم عن تاريخ الأحياء الذي عاشه عمر ﵁ إماماً وعبقرياً وعادلاً.
أسلم عمر بسورة طه، وكان أصدق من الشمس في ضحاها، وأوضح من القمر إذا تلاها، وأشهر من النهار إذا جلاها، تولى الخلافة فأعلاها، وقاد الأمة ورعاها.
من أين أبدأ يا أبا حفص ولي قلب له في حبكم أسرارُ
يا أيها الفاروق تاريخ الورى زورٌ وفي تاريخكم أنوار
لقبه الفاروق، وقد لقبه بذلك أهل الكتاب، أسلم وعمره بضع وعشرون عاماً، وشهد بدراً وأحداً والمشاهد كلها، وهو أول من عس بـ المدينة، ودار كالشرطة في الليل، وحمل الدرة، وأدب بها، وجند الجنود، ودون الدواوين، وفتح البلاد.
كان خشن العيش، قليل الضحك، لا يمازح أحداً، كثير البكاء، نقَش بخاتمه: (كفى بالموت واعظاً يا عمر) وهذا من كلام ابن كثير.
والله ما ادكرت روحي سيرته إلا تمنيت في دنياي لقياه
ولا تذكرته إلا وخالجني شوق أبو حفص فحواه ومعناه
تبكي عليه الملايين التي فقدت بموته عزة الإسلام إذ تاهوا
الطفل من بعده يبكي عدالته يقول هل مات ذاك الغيث أماه
والناس حيرى يتامى في جنازته تساءلوا من يقيم العدل إلا هو
مضى إلى الله والآلاف تندبه ابن الشريعة حياها وحياه
إني أحييك من قلبٍ يقطعه شوقي إليك فهل واسيت فقداه
يقول خالد محمد خالد -وأنا أعترف وأزيد على ما قال- يقول: لست أكتب تاريخاً لـ عمر، ولا أزيد معرفةً بـ عمر، ولكني لا أرفع شأوه، ولا أزكي على الله نفسي بالكتابة عن عمر، فالله أحبه واصطفاه، لأنه الرجل الكبير في بساطة، والبسيط في قوة، والقوي في عدل، والمتواضع في رحمة، والرحيم في تواضع.
стр. 3028
فضائل عمر
يترجم الرسول ﷺ لـ عمر بن الخطاب! الشيخ الإمام يترجم لأحد طلابه ويثني على أحد تلاميذه، فاسمع إليه ﵊.
عن ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : ﴿اللهم أعز الإسلام بأحب الرجلين إليك بـ عمر بن الخطاب أو بـ عمرو بن هشام﴾ رواه الترمذي وقال: حسن صحيح، وصححه ابن حبان، ورواه أيضاً الطبراني عن ابن مسعود والحاكم عن ابن عباس، وأغار عليه الألباني فضعفه ومزقه شذر مذر، وأنا أقول: ما زال الحديث يحتمل التحسين إن شاء الله.
وعن ابن عباس عند الحاكم قال: قال رسول الله ﷺ : ﴿اللهم أعز الإسلام بـ عمر بن الخطاب﴾ وفي الصحيحين عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ﴿بينما أنا نائمٌ رأيتني في الجنة بجانب قصر، فقلت: لمن هذا القصر؟ قالوا: لـ عمر بن الخطاب فأردت أن أدخله فذكرت غيرتك يا عمر؛ فبكى عمر؛ وقال: أعليك أغار يا رسول الله﴾.
إذاً أصبح قصره هناك، لا بطوله ولا بأمواله ولكن بمؤهلاته التي سوف تسمعونها هذه الليلة ترشق آذانكم رشقاً.
وعند الترمذي من حديث حذيفة بسندٍ حسن قال: قال رسول الله ﷺ : ﴿اقتدوا بالذين من بعدي: أبي بكر وعمر﴾ قال ابن تيمية في كتاب قتال أهل البغي: "وإنما خص الشيخين لأن عثمان تأول في الأموال، وعلياً تأول في الدماء، وأما أبو بكر وعمر فلم يتأولا، لا في الدماء ولا في الأموال" لله درك!
وفي الصحيحين عن ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : ﴿بينما أنا نائمٌ أُتيت بلبنٍ فشربت حتى رأيت الري في أظفاري، ثم أعطيت فضلي عمر بن الخطاب، قالوا: ما أولت ذلك يا رسول الله؟ قال: العلم﴾ إنه العلم الشرعي العلم الذي وصله بالله، وهو علم الخشية؟ علم إياك نعبد وإياك نستعين.
وفي الصحيحين عن أبي سعيد ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ﴿بينما أنا نائمٌ رأيت الناس يعرضون عليَّ وعليهم قمص، منها ما يبلغ الثُدي -جمع ثدي- ومنها ما دون ذلك، وعرض عليَّ عمر بن الخطاب وعليه قميص يجره، قالوا: ما أولت ذلك يا رسول الله؟ قال: الدين﴾.
إن الرجل ديِّن من الطراز الأول، إنه يخاف الله، وسوف تسمعون من خوفه لله العجب العجاب، وفي الصحيحين عن سعد بن أبي وقاص ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ﴿يـ ابن الخطاب والذي نفسي بيده! ما رآك الشيطان سالكاً فجاً إلا سلكَ فجاً غير فجك﴾.
وعند البخاري عن أبي هريرة قال: قال ﵊: ﴿لقد كان فيمن قبلكم من الأمم ناسٌ محدثون, فإن يكن في أمتي فـ عمر بن الخطاب﴾.
من لي بمثل سيرك المدلل تمشي رويداً وتجي في الأول
وروى الترمذي عن ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : ﴿إن الله جعل الحق على لسان عمر وقلبه﴾ فهو يقول الحق, ويعتقد الحق، ويعمل بالحق.
وعند الترمذي والحاكم وصححه عن عقبة بن عامر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ﴿لو كان بعدي نبيٌ لكان عمر بن الخطاب﴾ ورواه ابن عساكر والطبراني عن ابن عمر أيضاً، وهو حديث صحيح.
стр. 3029
مدح الصحابة لعمر وبعض شمائله
ويستمر المديح، ويشارك الصحابة في الإعجاب بـ عمر، كلهم يثني ويمدح ويحب، يقول علي في البخاري: ﴿والذي نفسي بيده! لطالما سمعت الرسول ﷺ يقول: جئت أنا وأبو بكر وعمر، ودخلت أنا وأبو بكر وعمر، وخرجت أنا وأبو بكر وعمر، فأسأل الله أن يحشرك مع صاحبك﴾.
وعن ابن مسعود قال: [[ما زلنا أعزة منذ أن أسلم عمر , كان إسلام عمر عزة, وهجرته نصراً, وتوليه رحمة]] روى هذا الأثر ابن أبي شيبة في المصنف , والطبراني في المعجم الكبير.
وقال ابن الحداد، عالم المالكية في القرن الخامس, قال: "كفنت سعادة الإسلام في أكفان عمر ".
لما دفن عمر كفنت سعادة الإسلام ونوره وإشراقه، ولكن بقيت من الإسلام بقايا عمر، فكان حاجباً بين الفتن، وكان حصناً في وجوه الأعداء، فلما مات دخلت الفتن على الأمة.
يقول مايكل هارف وهو الأمريكي الذي له كتاب الأوائل المائة كما تعرفون، يقول في صفحة (١٦٦) من كتابه: "إنما مآثر عمر مؤثرة حقاً، فقد كانت شخصية رئيسية في انتشار الإسلام بعد الرسول ﷺ ، وبجهاده وتضحياته، ضرب الإسلام بعطنه عبر العالم" أو كما قال.
وقال أنس وهذا عند ابن سعد في الطبقات: [[كان عمر وراء حائط، فسمعته يبكي، ويقول: والله يا عمر! إن لم تتق الله ليعذبنك]] لقد كان يحاسب نفسه، وكان أكبر ما يخاف من الله، فكان قبل أن يقدم على خطوة أو كلمة يراقب الله في رضاه وغضبه، وفي حركته وسكونه.
فاروق مصر وهو نكرة أراد أن يقلد عمر، لكن عمر اسمه الفاروق بأل وفاروق مصر بدون (أل) للتعريف، كتب له محمد إقبال في أرض المشرق رسالة يقول فيها: يا فاروق مصر! إنك لن تكون كـ الفاروق عمر حتى تحمل درة كدرة عمر.
يقول: أخرج الجواري التي في قصرك، فعندك ستمائة جارية, وتريد أن تسمى الفاروق، وتكذب على الجماهير، عندك تلاعب بالأموال، وبضمائر الناس، وتريد أن تكون عمر؟ لا.
أنت فاروق لكنك لست الفاروق , لأنك لا تحمل درة كدرة الفاروق.
قال أبو نعيم في الحلية: "كان عمر يمر بالآيات في ورده فتخنقه، فيبكي حتى يسقط، ثم يلزم بيته ويعاد -مريضاً- من تأثره".
وقد قلت لكم: إننا لن ندخل في تفصيليات وجزئيات حياة عمر في أكله أو في لباسه، لكنا ندخل في خطوطٍ عريضة قوية أثرت في حياة هذا الرجل حتى أقر به أهل الشرق والغرب، وألف فيه أكثر من ستة وخمسين كتاباً ما بين غربيٍ وشرقي لغير المسلمين، ألفوا في التربية في حياة عمر , وفي علم العمران، وعلم العدل والسياسة، كلها مشتقة من فطنة عمر ﵁ وأرضاه.
стр. 3030
صور وعبر من حياة عمر ﵁
اسمعوا إلى قصص عمر وهو يعيش الخلافة وقد تولى أمر الأمة.
стр. 3031
حرص عمر على الرعية
أولاً: يبدأ البيعة بكلمة باكية ويطلب من الناس أن يبحثوا عن خليفة إذا لم يكن هو أهلاً لذلك، لكن الأمة تجمع على أنه أهل لهذه الخلافة وزيادة, وأن أبا بكر قد رضيه, والرسول ﵊ مات وهو عنه راضٍ، يقول عبد الرحمن بن عوف: [[خرجت مع عمر ﵁ وأرضاه ذات ليلة، فمشينا حتى أتينا إلى خيمة, فسمعنا بكاء صبيٍ من وراء الخيمة, فقال عمر: هلم يـ ابن عوف , فمضيت معه إلى بيت المال، فأخذ كيساً من دقيق, وكيساً من زبيب, وحمل شحماً، فقلت: أحمله عنك يا أمير المؤمنين!
قال: أنت لا تحمل أوزاري يوم القيامة، وذهب بالكيس وبما فيه ودخل الخيمة ثم أشعل النار, وركّب القدر, وصنع العشاء للأم وللطفل، فقالت له: والله إنك خيرٌ من عمر بن الخطاب]] وهو عمر بلحمه وبشحمه, وبإيمانه ورسوخه وعدله هكذا يقدم الطعام للأطفال في نواحي المدينة، لأنه راعٍ يخاف من الراعي الكبير.
بكاء الطفل أسهر مقلتيكا ينادي حسرة يشكو إليكا
سهرت لجوعه وبكيت خوفاً من الديان بل خوفاً عليكا
قارن هذا مع سيرة الحجاج الذي جعل في السجون مائة ألف, وكان يمر إلى صلاة الجمعة، فيسمع تضاغي المحبوسين، فيقول: اخسئوا فيها ولا تكلمون.
أين الكتاب والسنة؟
أين خلافة الرسول ﷺ ؟
أين الأثر الذي تركه ﷺ برسالته التي سعدت بها الدنيا؟
إنها ليس لها أثر على حياة الحجاج، ولكن عمر يأبى هذه السيرة المتخلفة, التي إنما هي ضربة في صميم الإسلام، وتشويه لجمال الإسلام.
وهذه قصة يرويها أسلم مولى عمر وهي في البداية والنهاية قال: خرجت مع عمر ذات ليلة وهو يتفقد الفقراء -ما كان ينام الليل-.
نامت الأعين إلا مقلةً تذرف الدمع وترعى مضجعك
تقول زوجته عاتكة بنت زيد: [[قلت: يا أمير المؤمنين! لو نمت فإنك لا تنام في الليل ولا في النهار، قال: لو نمت في الليل ضاعت نفسي، ولو نمت في النهار ضاعت رعيتي]] فمرّ هو وأسلم إلى الخيمة، فوجد امرأة تسهر صبيانها من الجوع الشعب جائع، والأمة في برد ومرض، ولكن الخليفة يقف على الأبواب، وإذا بقدرٍ فيه حصى وتلهيهم به حتى ينامون, ثم قالت: [[آه يا عمر بن الخطاب -أو كلمة تشبهها- أي: أنت قتلت الأطفال, بعدم إنفاقك على الأطفال]] وهذا في عام الرمادة، ومن أين ينفق عمر؟ انتهت الميزانية، أنفق دموعه وكل ما يملك، حتى أصبح بطنه على المنبر يقرقر جوعاً, فيقول لبطنه: [[قرقر أو لا تقرقر, والله لا تشبع حتى يشبع أطفال المسلمين]].
قارن بين هذا الموقف وموقف إسماعيل الخديوي! ففي تاريخه أنه كان عنده أربعمائة جارية في القصر، وكان أهل مصر ينامون على الأرصفة, لا يجدون كسرة خبز، أما عمر فيقف على المرأة، ويذهب إلى بيت المال, ويأتي فيصنع الطعام ويقدمه, ثم يفرض للصبية من بيت المال طعاماً ورزقاً, ويصلي الصبح بالناس ويقرأ: ﴿وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْئُولُونَ﴾ [الصافات:٢٤] فيبكي حتى يرتج المسجد بالبكاء، إنها تلمذة الرسول ﷺ ، ولو لم يفعل عمر هذا الفعل؛ لما كان أدَّى الأمانة الربانية, والمنهج الرباني الذي خرج للناس في هذه الصورة العجيبة.
وروى أهل السير والتراجم في ترجمة عمر ﵁ وأرضاه: أن علي بن أبي طالب أشرف ذات ظهيرة من نافذة بيته فرأى عمر يطارد بعيراً من إبل الصدقة، وكان يطلي الإبل بنفسه، فندَّ بعير منها, فذهب عمر وراءه يهرول هرولة, فشرد البعير, فشد عمر من الجري, وأشرف علي وقال: [[يا أمير المؤمنين! أنا أكفيك البعير، قال: لن تكفيني أنت يوم القيامة]].
وعاد وحبس البعير ورده إلى مكانه.
عفاءٌ على دنيا رحلت لغيرها فليس بها للصالحين معرج
كأنك لما مت ماتت قبائلٌ أأنت امرؤ أم أنت جيشٌ مدججُ
لكن لما انطمست هذه السيرة والتربية الربانية, روى لنا التاريخ المضحك المبكي في القرن الثاني -ما أسرع أن تخلفت الأمة عن العدل! ما أسرع ما نسيت منهج الله الذي أنزله على رسوله ﷺ ! وإذا برجل ينسلخ من معالم العدل والربانية والسيرة الخالدة.
روى التاريخ أن الوليد بن يزيد ملأ بركة طيباً, وشرب الخمر، فلما سكر قال: أريد أن أطير, قيل له: طر إلى جهنم، فقفز في البركة مخموراً, وهو يقول: أنا الملك الهياب، أنا المقدم الشاب.
أي هياب؟
وأي شاب؟
أهذه رسالة الأمة؟
أهذه الخلافة؟
أهذه هي قيادة أمة محمد ﷺ ؟
لقد وصل العوج إلى هؤلاء لأنهم ما استضاءوا بنور الوحي الذي أتى به رسول الله ﷺ .
فقل للعيون الرمد للشمس أعينٌ تراها بحق في مغيبٍ ومطلع
وسامح عيوناً أطفأ الله نورها بأبصارها لا تستفيق ولا تعي
стр. 3032
تربية عمر للرعية على إنكار المنكر
أيها الأفاضل والأكارم من قصة الأعرابي ننطلق!
وقف عمر ليتحدث للناس، وأراد أن يختبر مقدار قوة الناس في إنكار المنكر، ومقدار إيمانهم وعدم تملقهم ونفاقهم, لأن الناس إذا كانوا منافقين، فلن يقولوا كلمة الحق، ولن يصدقوا مع الله، والأمة المنافقة لا تستحق أن تنشر لا إله إلا الله في الأرض، وقف على المنبر يخطب ثم قطع الخطبة في وسطها وقال: [[يا أيها الناس! لو رأيتموني اعوججت عن الطريق فماذا أنتم فاعلون؟]] فسكت كبار الصحابة، ومعنى الكلام ببساطة: ما رأيكم لو خنت رسالة الخلافة؟
ما رأيكم لو جُرت؟
ما رأيكم لو عدلت عن الطريق؟
فقام أعرابي بدوي في آخر المسجد وسل سيفه أمام الناس وقال: [[والله يا أمير المؤمنين! لو رأيناك اعوججت عن الطريق هكذا لقلنا بالسيوف هكذا]] فماذا قال عمر؟
أتظن أن عمر سوف يقول: خذوه فغلوه، ثم الجحيم صلوه، ثم في سلسلة ذرعها سبعون ذراعاً فاسلكوه، إنه حيا بطولته ولموعه وكلمته وإيمانه، قال: [[الحمد لله الذي جعل في رعيتي من لو اعوججت عن الطريق هكذا, لقالوا بالسيوف هكذا]].
قارن هذا الموقف بموقف شاه إيران!! الذي كان الكرسي الذي يقضي عليه حاجته في دورة المياه من ذهبٍ خالص، وكانت طائراته تخرج على الجماهير في طهران وتقصفهم بالرشاش, فيموتون كما تموت الذباب من المبيدات، هذه نماذج يخجل التاريخ أن يرويها للناس، وأصبح أهل إيران يسترون وجوههم من هذا النموذج الفاشل الذي يعيرهم به التاريخ، أما الإسلام فلا نحاور مع شاه في هذا فهو بعيدٌ كل البعد، فهو شاة وليس بأسد.
عمر يؤسس الكلمة الحية، ويشجع على الصدق مع الله؛ لكن تتردى الأمة في عصر الفاطميين، فيأتي الحاكم بأمر الله الخبيث الملحد المنتن, الذي يدوس القرآن, وإذا خرج إلى الناس في الشارع سجدوا له، ومن أراد أن يتزود فليراجع كتب التاريخ.
أتى النابلسي المحدث الشهير العالم, يقول الحق، فسأله تلميذ، قال: ما رأيك هل أقاتل الفاطميين حكام القاهرة أو الصليبيين من النصارى؟
قال: من كان عنده عشرة أسهم, فليرم الفاطميين بتسعة, وليرم النصارى بسهمٍ واحد.
وتنقل الاستخبارات هذه الكلمة إلى الحاكم بأمر الله فيستدعي النابلسي ويقول له: هل صحيح أنك تقول: من كان عنده عشرة أسهم فليرم النصارى بتسعة ويرمينا بسهمٍ واحد؟
قال: لا، أنتم حرفتم الفتيا، قال: وما هي الفتيا الصحيحة؟
قال: يرميكم بتسعة ويرمي النصارى بسهمٍ واحد.
فقتله قتلة ما قتل أحدٌ في التاريخ مثلها فيما أعلم, وهو يسمى شهيد العلماء، فقد سلط عليه يهودياً فنكسه وربطه بأرجله في السقف ودلاه، فأخذ اليهودي يسلخ جلده عن لحمه, وكان يقول: الله أكبر، الله أكبر! فلما وصل إلى قلبه, رحمه اليهودي -وما بالك بمصيبة يكون راحمها اليهودي- فطعنه بالسكين فمات في سبيل الله.
فهذه نماذج قدمها التاريخ، لكن ما روت سيرة عمر ولا مرت على طريقه.
قد كنت نجماً في ذرى العلياء يا منصف الموتى من الأحياء
وبنيت صرح العدل يا علم الهدى ورفعت رأس الدين للجوزاء
عمر فخرٌ لنا.
عمر تاريخٌ لنا.
عمر منارةٌ لكل شاب من شباب الصحوة.
وعمر تاجٌ على رءوسنا، نفاخر به أهل الشرق والغرب.
عمر كان يشجع القائل أن يقول كلمته.
ذكر ابن الجوزي في المناقب أن عمر قال للصحابة: [[من ترون أن أولي على العراق؟ فقام منافق -والمنافقون قديمون- قال: أرى أن تولي الرجل الأريب الأديب الداهية المنصف عبد الله بن عمر -ابن عمر بن الخطاب - وما أراد إلا المداهنة، وإلا ففي المسلمين من هو أكفأ وأقدر وأعلم وأفضل- قال عمر: كذبت يا عدو الله، والله ما أردت الله بذلك]].
لماذا التدليس على الناس؟
لماذا الكذب على مناهج الله؟
ألأنه ابني؟
وهو عبد الله بن عمر الذي لا نصل إلى غبار قدميه، لكن في المسلمين أكفاء، أين ابن عوف؟
أين ابن عفان؟
أين أبو الحسن علي بن أبي طالب؟
أين فلان وفلان؟ لكنه ما أنصف.
وتستمر القافلة, وجسد عمر دائماً يعلن الإيمان والقوة والشجاعة على المنبر.
جسدٌ لفف في أكفانه رحمة الله على ذاك الجسد
من لجسم شفّه طول النوى ولعينٍ شفها طول السهر
أبو مسلم الخراساني قتل ألفي ألف -أي: مليونين- فهو أكبر قاتل في التاريخ، وقف في مسجد خراسان، وكان يلبس السواد، وهو شعار الدولة العباسية، لأنه هو الذي نقل دولة بني أمية إلى بني العباس، ثم مات ولم يحظ بشيء، فقام أحد الناس من وسط المسجد يريد أن يرد عليه، وقال: لا تلبس السواد، فلبس السواد ليس من السنة، وقد أخطأ هذا القائل، قال أبو مسلم: حدثنا فلان عن أبي الزبير عن جابر ﴿أن الرسول ﷺ دخل عام الفتح وعليه عمامة سوداء﴾ قال: يا غلام! اضرب رأسه بجانبك، فضرب رأسه، فإذا جثته في وادٍ ورأسه في وادٍ آخر, والحديث الذي ذكره في صحيح مسلم ولا أدري كيف حفظه!!
فهذه نماذج الخيانة والخيبة، وقد سود هذا وجه التاريخ.
لماذا قتلته؟
اقنعه، حاوره، أو أدبه، لكن تذبحه؟! هذا حرامٌ عقلاً ونقلاً، ولكن من يسمع هذا أبو مسلم أم الحجاج؟!
стр. 3033
حرص عمر على عدم تسلط الولاة
ونقف في موقفٍ طريف رواه أهل السير والتراجم, نعيشه مع عمر ﵁ وأرضاه، ونستمد هذا من إمام العبقرية الفذة عبر التاريخ ﵁ وأرضاه ورفع منزلته، يقول الله: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ﴾ [النساء:٥٨] ويقول تعالى: ﴿يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ﴾ [ص:٢٦] أي: انتبه، إن المنهج بيدك، والرسالة معك، فلا تجامل في الدين، ولا تلعب بالقيم، قال تعالى: ﴿وَلا تَتَّبِعْ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [ص:٢٦].
كان أمير مصر عمرو بن العاص الداهية، وله ابن اسمه محمد سابق مصرياً فسبقه المصري، وأحياناً بعض الخيول تسبق خيول ولاة الأمور, فسبق هذا, فقال محمد بن عمرو: خيلك يسبق خيلي! أتسبقني وأنا ابن الأكرمين! ثم ضربه، فذهب المصري يشتكي إلى عمر ﵁ وأخبره الخبر، فقال عمر: عليَّ به وبأبيه، ليؤدب الأب، لأنه لو كان مؤدباً -في نظره- لأدب ابنه واستدعاه والمصري واقف, والصحابة جلوس.
قال: والله لا يحول بيني وبين عمرو وابنه أحد, ثم أخذهم فبطحهم أرضاً, وأخذ الدرة التي تخرج الشياطين -دائماً- من الرءوس، وهذه الدرة رقية الرحمن، التي يؤدَّب بها، فضرب عمرو بن العاص وابنه ضرباً مبرحاً.
وقال: [[متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحراراً]] متى كانت هذه الجمركة على عقول الناس؟
متى كان هذا الضرب على وجوه المسلمين الساجدين الراكعين؟
من أعطاكم هذه الرخصة؟
هل هو الله؟
إن هذا حرام، فأدبهم فعادوا إلى رشدهم ﵃ أجمعين.
ويستمر الحال، ولكن عمر يفاجئ الناس, وإذا هذا الذي هز العالم من شرقه إلى غربه لا يملك إلا ثوباً واحداً فيه أربع عشرة رقعة، وإذا عمر ليس له حراسة، ولكن حارسه الله، يقول شوقي:
وإذا العناية لاحظتك عيونها نم فالحوادث كلهن أمان
يقول: إذا لاحظك الله فنم في أي مكان كنت، وإذا لم يلاحظك الله فلن يمنعك أحد، ولو كان حرسك سبعين ألفاً كحرس شاوسسكو مجرم رومانيا , فقد كان عنده من الحرس سبعون ألفاً من الشرطة السرية، ثم سحب كالدجاجة, وذبح في الشارع أمام الناس، أين السبعون ألفاً والله ما حرسه؟
وإذا العناية لاحظتك عيونها نم فالحوادث كلهن أمان
عناية الله أغنت عن مضاعفةٍ من الدروع وعن عالٍ من الأطم
ظنوا الحمام وظنوا العنكبوت على خير البرية لم تنسج ولم تحم
стр. 3034
جوانب أخرى من عظمة عمر ﵁
لكن ما كفى عمر أنه يخرج إلى الشارع، ويكلم الأطفال، ويقف مع العجوز، وينام على الرصيف، بل المفاجأة الكبرى أن هذا الإمام صاحب الثوب المرقع, والبطن الذي يقرقر يوم الجمعة من الجوع؛ تهتز له الأكاسرة والأباطرة والملوك, يغم عليهم من ذكره إذا ذكر؛ يقول محمود غنيم:
كم صرفتنا يدٌ كنا نصرفها وبات يملكنا شعبٌ ملكناه
يا من يرى عمراً تكسوه بردته والزيت أدم له والكوخ مأواه
يهتز كسرى على كرسيّه فرقاً من خوفه وملوك الروم تخشاه
لماذا؟ لأنه خاف الله، فخوف الله منه كل شيء.
أتى الهرمزان إلى المدينة ليفاوض عمر، وهذه القصة صحيحة عند المؤرخين، فأتى وفي عقله مشكلة كيف يقابل عمر؟
وكيف يجلس؟
ومن يدخل على عمر؟
فدخل المدينة وإذا البيوت من طين، قال: أريد قصر الخليفة؟
قالوا: لا قصر له، قال: أريد بيته، قالوا: هذا بيته، فوجد بيته كبيوت الناس من طين، فأتى وطرق الباب, فخرج ابن لـ عمر فقال: ماذا تريد؟
قال: أريد الخليفة، أليس له حراسة؟
قالوا: لا حراسة له، قال: أين هو؟
قالوا: التمسه في المسجد فلعله نائم فيه، فذهبوا إلى المسجد فما وجدوه, وانحدر أهل المدينة وراء الهرمزان , كان عليه ذهب وديباج، وهذا شيء من التكنولوجيا ما عرفه الصحابة، فذهبوا وراءه وبحثوا، وبعد تعب شديد وجدوه تحت شجرة نائماً, وإذا الدرة بجواره، وهو في عميق النوم، قال: أهذا الخليفة؟
قالوا: هذا الخليفة، قال: أهذا عمر؟
قالوا: هذا عمر، قال: أهذا أمير المؤمنين؟!!
قالوا: هذا أمير المؤمنين، فوقف مبهوتاً يقول: حكمت فعدلت فأمنت فنمت، لكن حافظ إبراهيم يترجمها قصيدة:
وراع صاحب كسرى أن عمراً بين الرعية عطلاً وهو راعيها
رآه مستغرقاً في نومه فرأى فيه الجلالة في أسمى معانيها
فوق الثرى تحت ظل الدوح مشتملاً ببردة كاد طول العهد يبليها
فقال قولة حقٍ أصبحت مثلاً وأصبح الجيل بعد الجيل يرويها
أمنت لما أقمت العدل بينهمُ فنمت نوم قرير العين هانيها
كان استالين إذا مر بشوارع موسكو دخل الناس البيوت خوفاً من أنفاسه, لا يتنفس متنفس وهو في الشارع، فإذا انتهى موكبه خرجوا إلى الضياء ينظرون هل بقوا أحياء أم لا؟
ويبقي الله عليهم حياتهم, ولكنها كحياة الحيوانات.
стр. 3035
توضيح عمر لمبدأ العزة
تستمر حياة عمر ﵁، ولكن عمر لا ينتهي عند هذا الحد, فليس هو عادلاً في الرعية فقط، بل فاتحاً, وأعظم فتح سوف أذكره، وإلا فثلاثة أرباع فتوح المسلمين فتحها عمر بجيوشه ﵁ وأرضاه.
فتح بيت المقدس والقصة صحيحة، ويرفض النصارى أن يستلم مفتاح باب بيت المقدس إلا عمر، أمراؤه أربعة وجيوشه كثيرة، ولكن النصارى يطلبون عمر ﵁ وأرضاه.
فيخرج من المدينة، ويشير عليه الصحابة أن يأخذ حراساً فيأبى، لأن الحارس هو الله، ويأخذ مولى له ويقول للمولى: [[اركب أنت عقبةً وأنا عقبة، قال: يا أمير المؤمنين! لا.
قال: لا، أنت مرة وأنا مرة]] لأن هذا المولى إنسان يتعب كـ عمر، ويجوع كـ عمر، ويظمأ كظمأ عمر، فكان يركب عمر قليلاً وذاك يقود الجمل بزمامه ويمشيان، فإذا تعب نزل عمر وركب المولى وهكذا، ويستقبله أمراء الأجناد أبو عبيدة وعمرو بن العاص وشرحبيل بن حسنة ويزيد بن أبي سفيان وقد خرجوا لاستقبال الفاتح العظيم، وكما تفضل الشيخ عبد الوهاب:
أيا عمر الفاروق هل لك عودةٌ فإن جيوش الروم تنهى وتأمر
رفاقك في الأغوار شدوا سروجهم وجيشك في حطين صلوا وكبروا
فيستقبلونه فيقول عمرو بن العاص: يا أمير المؤمنين! خيبتنا وفضحتنا! قال: بماذا؟
قال: أتيت بلا حرس ولا جند، ولا لباس، فثوبه الذي في المدينة أتى به بوصفه، قال: [[نحن قومٌ أعزنا الله بالإسلام, ومهما ابتغينا العزة بغيره أذلنا الله]].
نحن قوم لا نعتز بالسيارات أوالموديلات أوالفلل، فنحن عندنا إرادة وأصالة وعمق، وعندنا شيء ثمين، إذا تمسكنا به أعزنا الله وأخزى أنوف أعدائنا, ويوم أن نتخلى عن هذه الوثيقة الربانية، والعلم الشهير، والرسالة الموروثة عن معلم الخير ﵊ نبقى هناك في آخر الركب، ففي هيئة الأمم المتحدة الأعضاء الخمسة الذين يملكون حق نقض الفيتو من الأمم الكافرة، وترى ممثلي دول المسلمين ينامون في آخر هيئة الأمم فإذا قيل: موافقون؟! قالوا: موافقون.
ويقضى الأمر حين تغيب تيمٌ ولا يستشهدون وهم شهود
فذهب عمر، ولما اقترب من النصارى، خرجوا وقالوا: اقترب عمر، اقترب عمر، ولما اقترب من بيت المقدس، أتت نوبة المولى ليركب، قال المولى: اقتربنا يا أمير المؤمنين! ولن أركب، قال: والله لتركبن، فهذه نوبة العدل، فركب وأخذ عمر زمام الجمل، وكان هناك طينٌ قريب من بيت المقدس، فأخذ عمر يرفع ثيابه ويقود الجمل، فيقول النصارى: أهذا مبشرٌ بالخليفة؟
أي: أهذا الرجل أتى يبشرنا بقدوم الخليفة؟
قالوا: بل هو الخليفة، قالوا: هو الذي على الجمل؟
قالوا: لا، بل هو الذي يقود الجمل، وهذا شيء عجيب! لو أن شيئاً لا يثبت لما كانت العقول تثبت هذا، لكن يثبت هذا الكتاب الموروث عن معلم الخير ﷺ وسيرة عمر، ويفتتح بيت المقدس، ويدخل ويصلي ويقود الجماهير، ويقول لـ بلال: اسألك بالله أن تؤذن لنا؟
قال: ما أذنت لأحدٍ بعد رسول الله ﷺ ، قال: عزمت عليك، فقام بلال وأذن يوم الفتح لـ بيت المقدس، فبكى الناس وبكى عمر.
تلك المكارم لا قعبان من لبن وهكذا السيف لا سيف بن ذي يزن
وهكذا يفعل الأبطال إن غضبوا وهكذا يعصف التوحيد بالوثن
ماذا فعلنا بعد عمر؟ ماذا فعلنا بعد هذه المسيرة المتوجهة المتأججة؟
ماذا فعلنا شجبنا بالكلام ولم نحمل سلاحاً ولم نركب على سفن
نشكو على مجلس الأمن الدعي وهل أشقى العروبة إلا مجلس المحن
قضية فلسطين أصبحت في ملفات حمل ثلاثة حُمُر.
تنديد، واستنكار، وبعضهم اتهم إسرائيل واغتابها، وقال: لها نوايا توسعية في المنطقة، أين الورع؟!
قارن بين هذا وبين ذاك الغبش الذي عاشه بعض الخلفاء في خلافة العباسيين كـ المأمون.
يقول ابن كثير في البداية والنهاية (١٠/ ٢٧٧): لما تزوج المأمون بـ بوران وما أدراك ما بوران؟!
امرأة كبنات الناس، تزوج بها لكنه أمهرها الميزانية، وهي بنت الوزير الحسن بن سهل، أراد أن يتزوج المأمون بها, فسلم الميزانية كلها مهراً للبنت، وهذا عام (٢١٠هـ).
قالوا: إنه نثر على رأس الحسن بن سهل الدر والجوهر، وكان عدد الجوهر ألف درة، وأنفق خمسين ألف ألف درهم، وأطلق لأبي البنت عشرة آلاف ألف درهم، ووزع على قواد الجيش بمناسبة الزواج الضياع والقرى والبساتين، فأين عمر؟
وأين الفاروق؟
وأين العبقرية؟
وأين أثر الإسلام؟
هكذا فعل المأمون ووقع في الغبش، وما اتضحت له طريقة عمر، وكان خطأً فاضحاً في التاريخ.
ويأتي القاهر بعد المأمون بما يقارب عشرة خلفاء, فيريد أن يتحصن أكثر وأكثر، ويريد أن يتمكن أكثر وأكثر, فيحفر بركاً ويملؤها بالذهب ويجمع أبناءه، ويقول: لا تخافوا الفقر؛ فقد ملئت لكم هذه البركة ذهباً وفضة، سبحان الله، أتتحدى الله؟
تقضون والفلك المسيّر دائر وتقدّرون فتضحك الأقدار
فسلب الخلافة، وخلع مباشرة، وسملت عيناه، وسلمت البركة للخليفة من بعده بذهبها وفضتها، وأخذ يقف في مساجد بغداد ويقول: من مال الله يا مسلمين!!
قال تعالى: ﴿فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيراً﴾ [الإسراء:١٦] إن هؤلاء الخلفاء: القاهر والمأمون لم يطالعوا يوماً من الأيام سيرة عمر، ولم يجدوا فراغاً من الوقت ليراجعوا حسابهم مع الله، ويعلموا أن هذه السيرة تغضب الله تماماً، وأنها خطأ في مسيرة رسالة الرسول ﷺ ، أتظن أن عمر يبقى في بيته وقصره؟ لا.
فهناك أرامل وأطفال ومساكين.
стр. 3036
تفقد المساكين وخدمتهم
إن عظمة عمر تأتي من أنه الإنسان البسيط البسيط لكنه العظيم العظيم، والمتواضع المتواضع لكنه الكبير الكبير، والضعيف الضعيف لكنه القوي القوي، فهذه الأعجوبة في سيرة عمر.
يقول طلحة بن عبيد الله: [[خرجت وراء عمر ﵁ وأرضاه, وقد دخل بيتاً فدخلت بعدما خرج, فوجدت عجوزاً عمياء -وابن القيم يظنها قصتان, أو قصة وقعت لـ أبي بكر، لكن أهل التاريخ يقولون: إنها لـ عمر - قال: فدخلت فوجدت عجوزاً عمياء حسيرة كسيرة في البيت, فقال: من أنتِ؟
قالت: امرأة عجوز ليس لي عائل، قال: من هذا الرجل الذي يأتيكم؟
قالت: رجلٌ ما عرفته، قال: ماذا يصنع؟
قالت: يقُمُّ بيتنا -أي: يكنسه- ويصنع لنا إفطارنا, ويحلب لنا شياهنا، قال: أما عرفتيه؟ قالت: لا، فجلس طلحة يبكي ويقول: أتعبت الخلفاء بعدك يا عمر]].
إن عمر لا يرضى أن يسكن قصراً عاجياً، وتبقى أرامل الأمة ومساكينها وأيتامها في البرد والجوع والفقر والمرض.
سقى الله ذاك اللحد دمع غمامة إذا راعها برق الشمال استهلت
على خير مدفونٍ وشهم ممزق سعادتنا من بعده قد تولت
يرى عمر أن الناس لا تكفيهم المحاضرات، ولا يشبعهم الكلام، ولا يستأنسون بالحديث ما لم يروه فعلاً، يقول أبو العتاهية:
العنز لا تشبع إلا بالعلف لا تشبع العنز بقولٍ ذي لطف
العنز لا تشبع إلا بالعلف، تعرفون العنز؟
فالعنز لا تشبع بالمحاضرات، فلو ألقيت محاضرة على عنز ولم تطعمها قاطعتك في وسط المحاضرة، فـ عمر لا يريد أن يُشبع الناس كلاماً، وإنما يُشبعهم رحمة وتواضعاً وعدلاً وإنصافاً، حينئذٍ يكون عمر صادقاً مع الله، وهذا منهجه في الحياة، أن يشبعهم تطبيقاً وعملاً لا يشبعهم كلاماً.
стр. 3037
عمر مع خولة بنت ثعلبة
وللنساء في حياة عمر مسيرة.
وقفت عجوزٌ كبيرة تقول: يا عمر! قف، فتلهى عنها قليلاً, فاستدعته وقالت: يا عمر كنا نسميك في الجاهلية عميراً، وهي الآن تخاطب الخليفة الذي يحكم اثنتين وعشرين دولة، الذي إذا أصدر مرسوماً اهتزت له الدنيا، قالت: يا عمر كنا نسميك في الجاهلية عميراً، ثم دعوناك عمر، ثم سميناك أمير المؤمنين، فأنصت لها وأطرق واستمع، وقضى حاجتها، فقال الصحابة: أوقفتك في الشمس يا أمير المؤمنين، قال: كيف لا أسمع لها, وقد سمع الله لها من فوق سبع سماوات؟
وذلك لأنها خولة بنت ثعلبة الذي يقول الله تعالى فيها: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾ [المجادلة:١].
تقول عائشة: [[سبحان من وسع سمعه كل شيء، كنت في طرف البيت لا أسمع كلامها, فأنزل الله قوله: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا﴾ [المجادلة:١]]] ولذا أنصت لها عمر وقال: لماذا لا أستمع لها وقد استمع الله لها؟
وأنصفها وقضى حقها.
يا إماماً صَدَق الله فما زاده إلا سناءً وعُلا
كل قلبٍ يا أبا حفص غدا يتراءى فيك مجداً أجملا
стр. 3038
المؤثرات في حياة عمر ﵁
من المؤثرات في حياة عمر ثلاثة أسباب:
أولاً: تربية الرسول ﷺ : فلقد تخرج عمر من مدرسة محمد ﷺ ، فلم يدرس في ريفرسايد، ولم يتخل عن الإسلام، ولم ينسلخ من تعاليم الدين، إنما درس هناك حيث العلم والعدل، حيث الرحمة والعفاف والنور، يقول العقاد -وهي كلمة جيدة-: "الفرق بين أبي بكر وعمر أن أبا بكر عرف محمداً النبي، وأما عمر فعرف النبي محمداً".
فما معنى هذا؟
يعني أن أبا بكر عرف رسول الله ﷺ في الجاهلية والإسلام، أما عمر فبدأت الصداقة بين هذا التلميذ والمعلم العظيم بعد الإسلام، فعرفه وتتلمذ عليه.
ثانياً: أن عمر يصدر عن بطانة: فقد قرب أهل القرآن وأهل بدر، إذ كانت بطانته علي بن أبي طالب وعثمان بن عفان وعبد الرحمن بن عوف وسعد بن أبي وقاص وأبي بن كعب ومعاذ بن جبل، وهؤلاء الثلة هم النجوم الذين يستسقى بذكرهم الغمام من السماء، وهؤلاء هم البدور، ولو كانوا ملائكةً لكانوا أسمى وأجل من أن يسموا احتراماً، وإنما جعلهم الله بشراً ليتعاملوا تعامل البشر، فهؤلاء جلاسه، فكيف لا يؤثرون في سيرته؟
وكيف لا يكونون معه؟
لما تولى علي بن أبي طالب رجرجت الأمة عليه وشاغبت، فقال له أحد الناس: [[يا أمير المؤمنين! ما للناس وافقوا أبا بكر وعمر ولم يوافقوك، وأطاعوا أبا بكر وعمر ولم يطيعوك؟ قال: رعية أبي بكر وعمر أنا وأمثالي، ورعيتي أنت وأمثالك]].
ثالثاً: أن عمر ﵁ وأرضاه جعل الله نصب عينيه في كل ما يأخذ ويذر، وجعل ﵁ وأرضاه الخلافة مغرماً لا مغنماً، يحاسب عليها أو يقول: [[يا ليتني كنت شجرة تعضد، يا ليت أمي لم تلدني، يا ليتني ما عرفت الحياة]].
وكان دائماً باكياً خاشعاً ﵁ وأرضاه، يقول عمر فيما صح عنه: [[والله لو عثرت بغلة في ضفاف دجلة , لخشيت أن يسألني الله عنها يوم القيامة لم لم تصلح لها الطريق يا عمر؟]] لأنه راعٍ, والراعي لابد أن يتعهد شئون الأمة، ولابد أن يكون واقفاً أمام الأسئلة التي يسألها الله هذا الرجل، وإلا فما معنى أن يكون عمر خليفة؟
وما معنى أن يكون حاكماً؟
ما معنى أن يكون مسيراً للأمة إلا بهذا.
يقول ابن تيمية (٢٨/ ١٤٦): إن الله يقيم الدولة العادلة وإن كانت كافرة، ولا يقيم الظالمة وإن كانت مسلمة.
وهذه قضية هي في التاريخ بسمعٍ وبصرٍ من شهود التاريخ عبر قرونه.
стр. 3039
صور من محاسبة عمر للولاة والرعية
قال ابن الجوزي في المناقب: خرج عمر ﵁ وأرضاه ذات ليلة، وكان يمر بالأبواب ويستمع ماذا حدث في المدينة وماذا طرأ، هل الأمة نائمة نوماً هادئاً؟ هل أكل الناس وشربوا؟ هل الأرامل في راحة؟ هل المساكين هادئون؟ فحينها يهدأ، أما إذا كانت الأمة في ولهٍ وقلق, وفي مرض وجوع، فلا يمكن أن يصبر عمر.
وفي جنح الظلام سمع امرأة تبيع لبناً تقول لابنتها: امزجيه بالماء، قالت: إن عمر منعنا من مزج اللبن بالماء -أصدر مرسوماً في السوق يمنع بيع اللبن إلا صافياً، وهذا المرسوم من وزارة التجارة في عهد عمر ﵁ وأرضاه وأي لبنٍ يعثر عليه وقد مزج بالماء يغرم صاحبه ويتلف ماله- فقالت الأم: إن عمر لا يدري, قالت البنت: فإن لم يدر عمر ألا يدري رب عمر؟!!
فعرف عمر البيت, وفي الصباح أتى إليهم فخطب ابنتهم لأحد أبنائه, فولدت له وأنتجت، فكانت ذرية مباركة وشجرة طيبة، ومنها عمر بن عبد العزيز.
عليك سلام الله وقفاً فإنني رأيت الكريم الحر ليس له عمر
إذا شجرات العرف جذت أصولها ففي أي غصن يوجد الورق النضر
فـ عمر بن عبد العزيز، من ابنة ماذقة اللبن: ﴿ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [آل عمران:٣٤] فـ عمر يراقب حتى أهل البيع في السوق، ويقيم امرأة تشرف على النساء اللواتي يبعن الطيب في السوق، لئلا يدخل الغش في جانب النساء، وعمر ينزل إلى السوق ويتخاطب مع الأعراب، ويرى حوائجهم، ويسمع أعرابياً يتأوه وسط السوق ويقول: اللهم اجعلني من عبادك القليل، قال: مه! ما هذا الكلام؟
دعاءٌ ليس معروفاً، قال: يا أمير المؤمنين! يقول الله: ﴿وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِي الشَّكُورُ﴾ [سبأ:١٣] فقلت: اللهم اجعلني من القليل، فقال عمر: كل الناس أفقه منك يا عمر.
أرسل عمر والياً على العراق، وهذا الوالي من قريش، وكان شاعراً أراد أن يقول شعراً, وما ظن أن شعره سوف يصل مباشرة إلى عمر، فقال الوالي يمزح مع جلاسه:
اسقني شربةً ألذ عليها واسق بالله مثلها ابن هشام
معنى هذا: أي: اسقني شربة خمر، فالوالي كيف يشرب خمراً؟!
وهل عمر مستعد أن يترك في دولته والياً يشرب خمراً؟!
أهذا جزاء رسالة الرسول ﷺ ؟
أهذا مصداقية لبقية ما أبقت الرسالة في تاريخ الأمة؟!
فطار البيت مباشرة إلى عمر في المدينة، وقالوا له: يقول واليك يا أمير المؤمنين:
اسقني شربةً ألذ عليها واسق بالله مثلها ابن هشام
يعني: جليسه، يقول هذا الوالي: بالله! يا ساقيّ قدِّم لي كأساً أشربه، واسق مثلها زميلي ابن هشام، فاضطرب عمر وغضب وأزبد وأرعد، فهو ليس مستعداً أن يبقي مثل هذه النوعية الفاشلة في دولته ولو ذهبت الرقاب، واستدعاه مباشرة، وفي الطريق ذهب الناس إلى هذا الوالي، وقالوا له: أنقذ نفسك، فالبيت هو الذي أوصلك في المصيبة، قال: كيف؟
قال: وصله قولك:
اسقني شربةً ألذ عليها واسق بالله مثلها ابن هشام
قال: ما عليكم، أي: أنه سوف يحلها بإذن الله، فقال بعدها بيتاً:
عسلاً بارداً بماء سحابٍ إنني لا أحب شرب المدام
ووصل إلى الخليفة، قال عمر: أأنت القائل: كذا وكذا؟
قال: نعم يا أمير المؤمنين؛ قلت بيتين ما قلت بيتاً واحداً، قال: ما هو البيت الثاني؟
قال:
عسلاً بارداً بماء سحابٍ إنني لا أحب شرب المدام
قال عمر: أما الحد فلن أجلدك بهذا البيت، فقد سلمت نفسك، لكنك لن تلي لي عملاً بعدها تلعب بهذه الأبيات, وتصدر هذه الكلمات، ماذا تقول الأمة لي ولك وقد أسمعت الناس أنك تشرب الخمر؟
ما هو موقفي أمام الله يوم القيامة، إذا قال لي: إن واليك يشرب الخمر، كيف أقول؟
كيف أجيب؟
ماذا أقول للملايين والتاريخ؟
ماذا أقول لله؟
ماذا أقول لرسالة الرسول ﷺ ؟!
ويرسل أميراً آخر إلى ميسان قريباً من البصرة، ويقع هذا الأمير فيما وقع فيه الأول، وكانوا شعراء من قريش، ويحبون أن يتمازحوا، لكن عمر كان وراءهم بالمرصاد، فأتى هذا في ليلة يسمر ويقول:
ألا هل أتى الحسناء أن حليلها بـ ميسان يسقى من زجاج وحنتم
يقول: ليتكم تخبرون زوجتي في مكة أن حليلها -زوجها- أصبح يشرب الخمر، واسمع القصيدة:
ألا هل أتى الحسناء أن حليلها بـ ميسان يسقى من زجاج وحنتم
إذا شئت غنتني دهاقين قريةٍ ورقاصة تحثو على كل منسم
حتى المغنية موجودة!
فإن كنت ندماني فبالأكبر اسقني ولا تسقني بالأصغر المتثلم
لعل أمير المؤمنين يسوءه تنادمنا بالجوسق المتهدم
وتصل الأبيات إلى عمر، فقال عمر: عليَّ به، فأجلسه أمامه، قال: ما هذه الأبيات والله لقد ساءتني.
قال: والله! يا أمير المؤمنين ما شربت الخمر، قال: وما هذه الأبيات؟
قال: من باب قوله : ﴿وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ * أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ * وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لا يَفْعَلُونَ﴾ [الشعراء:٢٢٤ - ٢٢٦] قال: أسقطت الحد، لكن -والله- لا تلي لي ولاية.
طيرته أبيات! رقاصة وموسيقى وخمر، ضعها في غير دولة عمر، أما هذه الدولة التي أقيمت على شهادة أن لا إله إلا الله وآمنت بـ ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة:٥] وعرفت طريقها، فلن يكون هذا وعمر حي يرزق في الحياة؛ لأن معنى ذلك أنه سوف يضيع مصير الأمة وتاريخها, ويدوس معالم الأمة في التراب، يوم يتهاوى أمام هذا الرصد المفاجئ ﵁ وأرضاه.
ويرسل أميراً زاهداً، وهو سعيد بن عامر إلى حمص، ليتولى الإمرة عليها، وعمر يطوف كل سنة على الأمراء يجمعهم ويسألهم أمام الناس، يوقف الوالي هنا، ويجلس الناس، ويقول: ما رأيكم في الوالي؟ فيتكلمون في ترجمته، مثل ترجمة الذهبي في الرجال، وأهل حمص مشاغبون، قال: ما رأيكم في سعيد بن عامر؟ قالوا: نعم الرجل، قال: اصدقوني، قالوا: لولا أربع خصال فيه، قال: ما هي؟
قالوا: لا يخرج لنا بليل، قال: هذه واحدة.
قال: والثانية؟
قالوا: له يومٌ في الأسبوع لا يخرج إلينا فيه، أي: إنه لا يداوم يوماً في الأسبوع.
قال: والثالثة؟
قالوا: يجلس حتى يتعالى النهار ثم يأتي، أي: أنه يتأخر عن الدوام، قال: هذه الثالثة.
والرابعة؟
قالوا: إذا جلس في مجلس القضاء أغمي عليه، قال: أجب يا سعيد بن عامر، اللهم لا تخيب ظني فيه.
فيقوم سعيد بن عامر ويتبرأ إلى الله من حوله وقوته، ويقول: يا أمير المؤمنين! أما قولهم: لا أخرج إليهم في الليل، فقد جعلت النهار لهم, والليل لربي، أتعبد، وأما الليل فذكرٌ وقراءة القرآن وتعبد.
قال: والثانية وكانت دموع عمر تسيل، قال: وأما يوماً في الأسبوع فإني -يا أمير المؤمنين- ليس لي خادم وامرأتي مريضة، فأنا أغسل ثيابي وثياب زوجتي ثم أحميها ذاك اليوم.
قال: ولماذا تتأخر لا تخرج إليهم في النهار حتى يتعالى؟
قال: أصنع طعامي وطعام زوجتي ثم أتوضأ وأصلي الضحى, ثم أخرج إليهم، لأنه ليس لنا خادم وامرأتي مريضة.
قال: ولماذا يغمى عليك؟
قال: حضرت مقتل خبيب بن عدي في مكة فسمعته يقول: اللهم احصهم عدداً واقتلهم بدداً، ولا تغادر منهم أحداً، وكنت مع من نظر قتله وما نصرته، فكلما تذكرت ذاك أغمي عليَّ.
فبكى عمر وقال: الحمد الله الذي لم يخيب ظني فيك، وأمره أن يواصل، قال: يا أمير المؤمنين! اعفني والله لا أتولى لك ولاية، إذا كانت هذه هي المحاسبة, على أني صدقت وبررت ثم تحاسبني أمام الناس، وأكون مداناً ومتهماً فلن أتولى لك ولاية، قال عمر: مع ذلك لنحاسبنك، فحاسبه بما أعطاه كل شهر، وحاسبه عما أخذ من بيت المال، وحاسبه عما صرف فوجد عنده شملةً وقصعةً وإبريقاً وعصاً، قال: هذه من دخلي، قال: أما الآن فنجوت، ولو أنك كذبت لكنا فتكنا بك.
стр. 3040
دروس وفوائد من سيرة عمر
هذه هي مسيرة عمر ﵁.
قال: سفيان الثوري بلغني أن عمر كان ينشد:
لا يغرنك ليلٌ ساكنٌ قد يوافي بالمسيئات السحر
وكان ينشد هذا البيت كثيراً، يقول: لا يغرك الليل والهدوء، ولا تأمن انقلاب الأمور، يقول: ربما تنام الليل هادئاً، ولكن تأتيك مفاجآت يأتي بها الله، ومثله قول بشار:
يا راقد الليل مسروراً بأوله إن الحوادث قد يطرقن أسحارا
قال الحسن البصري ﵁ وأرضاه: قال عمر: [[والله إني لو شئت لكنت ألينكم طعاماً, وأرقكم عيشاً، إني والله ما أجهل عن كراكر-الكراكر: مقدمة الذبيحة- وعن صلاء وصنائب وصلائق، ولكني أخشى أن أعرض على الله ، فيقال لي: أذهبتم طيباتكم في حياتكم الدنيا واستمتعتم بها]].
كان عمر -أيها الأبرار- موسوعة في العدل والرحمة موسوعة في الإيمان والتواضع، وكان تاريخاً مستقلاً، ومن أراد أن يتزود من ترجمة عمر فليراجع مناقب عمر لـ ابن الجوزي، فقد كان عمر يضبط بالشورى فوضى الديمقراطية، ويضرب بدرة العدل كذبة الشيوعية، ويهذب بالإنصاف طيش الراديكالية، فهو يبني من الشرع دولةً متميزة, نجومها أهل الحل والعقد، يديرها العلماء لا أوباش الائتلاف, ومنظروها أهل الريادة وحفظ الله لا أبناء صناديق الاقتراع.
قرأت عن هتلر أنه كان من تعاليمه إذا اجتمع بوزرائه وحاشيته، من الأدب أن يلحظوه بعيونهم وقت الحديث, ولا ينحرف أحد بعينه عن وجهه وإن فعل ذلك فقد عرض نفسه للإعدام، فأي تعاليم هذه التعاليم؟
وأي ضحكٍ على الشعوب؟!
كلب الخليفة قد عطس جمهور حشد شمتوه
شكر الوفا بعيونه فتقدموا واستأذنوه
طلبوا الكلام تفضلاً بتواضعٍ كي يشكروه
رفض الكلام بذيله متوعداً لو ينبحوه
الكلب مد يمينه من حسنه إذ قبلوه
أوصاهم فتعهدوا أن يحفظوه ويسمعوه
شكراً لكلب خليفة ربى مكارمه أبوه
أيها الأبرار نخلص من سيرة عمر بأمور:
أولاً: أننا لا نريد من سيرة عمر -كما قلت سالفاً- تاريخ الأموات ولا التعداد والأوصاف، بل نريد من سيرة عمر الدروس والتربية والحياة والعدل والصدق، والتضحية والبذل والرحمة، ونريد من سيرة عمر أن يتجدد في الجيل أناس يشكلون مسيرةً لـ عمر، وصدقه مع الله، وشجاعته في الحق، لكن بحكمة عمر , وبنفاذ بصيرة عمر، وبهدوء عمر.
ثانياً: أن هذا الإسلام معطاء، وأن الذي يقول: (لم يعد للعظماء مجال) كاذبٌ مفترٍ على الله، بل سوف تتكرر نماذج ونماذج من الدعاة والحكماء والعلماء والأدباء ما بقيت هذه الأمة، وما بقيت رسالتها في الأرض.
ثالثاً: من أراد أن يتزود من هذه السيرة العطرة، فليتزود من منبع عمر ﵁ الذي نبع وشرب منه، وهو الكتاب والسنة.
رابعاً: عندنا عظماء وليس عند غيرنا عظماء، عظماؤنا نتفاخر بهم أنهم عظماء، فهم عظماء عمل، وعظماء صدق، ولهم من بركة العمل وجهود التضحية ما نباري بهم الآخرين، والآخرون عندنا أقزام، مدائح وهراء وإطراء؛ لكن لا عمل ولا قداسة ولا طهر.
أيها الأحباب أنتهي من هذه المحاضرة شاكراً لكم حضوركم، وأنا أعلم أنكم حضرتم حباً في عمر لا حباً في عائض، وأنكم حضرتم من أجل صاحبكم الكبير ورجلكم الملهم، والعبقري الفاتح، فرضي الله عنه وأرضاه، وعندي تنبيهان:
الأول: جزيرتنا وبلادنا ليست مستعدة إلا لفكر عمر، وعقيدة الرسول ﷺ ، وليست مراهنة على فكرٍ علماني كافر، وليست مستعدة أن تفتح أبوابها لهذا الفكر الدخيل المعارض للإسلام, حتى والله لو شدخت الرءوس بالدبابات, وفتكت الأكتاف بالمجنزرات، فلن تبقى إلا ملة الرسول ﵊.
الثاني: يا شباب الإسلام! يا حملة التوحيد! يا أبطال العقيدة! السكينة السكينة، والهدوء الهدوء، ومراجعة العلماء والدعاة، وإيصال النصيحة بحكمة، لا بطيشٍ ولا بتعجل، وليس معنى الحكمة تكفين الكلمة ودسها في أكفان! لا، بل الحكمة الصادقة الهادئة التي توصل كلمة الحق، وتغير بها المنكر، في غير طيش ولا سفه وانزعاج، وأئمتكم الآن هم العلماء، أعلنوا أنهم أمامكم، وأنهم يريدون أن يسمعوا منكم وتسمعوا منهم, لتجددوا تلك المسيرة الخالدة، ولتقولوا للعالم:
نبني كما كانت أوائلنا تبني ونفعل مثلما فعلوا
السلام على عمر يوم ولد، والسلام عليه يوم أسلم، والسلام عليه يوم بويع بالخلافة، والسلام عليه يوم قتل شهيداً، طلب من الله أن يُقتل شهيداً فقُتل شهيداً، لكن أين؟
في المحراب، ومتى؟
في صلاة الفجر، وإلى أين؟
إلى جنةٍ عرضها السماوات والأرض، وفي أي ساعة؟
في ساعة الصباح يوم يتنفس الصباح على إطلالة يومٍ جديد، فيقدم فيه عمر على الله ليكافئه على عمله، طعن وحمل إلى البيت، وقال لابنه وقد وضع رأسه على مخدة: [[انزعها وضع رأسي على التراب، علَّ الله أن يرحمني]] وقال: أدخلوا عليَّ الأطفال، فأدخلوا عليه الأطفال وقبلهم، وقال: أدخلوا الشباب، فدخل عليه الشباب, ودمه يثعب, وجراحه تسيل، ونفسه تقعقع؛ وإذا بشابٍ قد أسبل إزاره, فقال: [[يا بن أخي! ارفع إزارك، فإنه أتقى لربك, وأنقى لثوبك]].
قال بعض المفكرين العصريين: أمير المؤمنين يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر في ساعة الموت، وهذا إزار، فكيف بالمنكرات التي يجب على الإنسان وهو في سعادة الحياة أن ينهى عنها كالربا، والفساد المستشري، والحجاب الذي يكاد يتهتك، والغناء الذي يقتلع البيوت، وانتشار الرذيلة، وسكوت أهل الفضل إلا من رحم ربك، وإيذاء الصالحين في وقت قول الحق، فهذا عمر يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، لكن على مسألة أصبحنا نراها من جزئيات الجزئيات، ثم ذهب عمر إلى الله، فقال علي: [[والله ما أريد أن ألقى الله بعمل رجلٍ إلا بعملك]] وأثنت عليه الأمة شرقاً وغرباً، وذهب إلى الله سعيداً.
كذا فليجل الخطب وليفدح الأمر فليس لعينٍ لم يفض ماؤها عذر
تردى ثياب الموت حمراً فما دجا لها الليل إلا وهي من سندسٍ خضر
فتى كلما فاضت عيون قبيلة دماً ضحكت عنه الأحاديث والذكر
ثوى طاهر الأردان لم تبق بقعة غداة ثوى إلا اشتهت أنها قبر
اللهم اجمعنا بـ عمر، وأجلسنا مع عمر، اللهم ارفع رسالة وعبقرية وعدل عمر على جماجمنا وأرواحنا وأكتافنا يا رب العالمين.
وسلام الله عليكم ورحمته وبركاته.
стр. 3041
قل هذه سبيلي
بلغت دعوة خير خلق الله محمد ﷺ الآفاق، وشهد له الجميع بأنه خير داعية إلى الله .
ذلك أنه كان يدعو على بصيرة من الله وحكمة، فتبعه المسلمون وقدموا معه الغالي والنفيس من أجل المضي بهذه الدعوة إلى الأمام، لينالوا رضا الله .
стр. 3042
أسباب تفوق الرسول ﷺ إجمالاً
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على من بعثه ربه هادياً، ومبشراً ونذيراً.
يقول الله تعالى:
﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ﴾ [السجدة:٢٤].
أما أعداء الله: ﴿وَلا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلاً عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الأَبْصَارُ * مُهْطِعِينَ مُقْنِعِي رُءُوسِهِمْ لا يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ وَأَفْئِدَتُهُمْ هَوَاءٌ﴾ [إبراهيم:٤٢ - ٤٣]
وأخيراً: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنْ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنْ الْمُشْرِكِينَ﴾ [يوسف:١٠٨]
(على بصيرة) ما أحسن الكلمة! وما أجمل العبارة! فما هي البصيرة؟
إنها التوحيد الخالص، فلا يربون الأجيال على شرك ووثنية وخرافة.
بل على بصيرة: على منهج رباني خالد، فلا يربون الأمة والأجيال على قوانين وضعية.
بل على بصيرة: فينصحون لله ولكتابه ولرسوله ولولاة الأمر، فلا يألبون ولا يشغبون عليهم، ولا يثيرون على البلاد والعباد فتنة.
على بصيرة: فينصحون للعامة ويقودون الأمة إلى الاستقامة والالتزام والسكينة والأمن والإيمان.
ولكن اسمعوا إلى تلكم البصيرة في عشرة أسباب أنتجت بإذن الله ذاك الداعية الموفق ﵊.
أتسأل عن أعمارنا أنت عمرنا وأنت لنا التاريخ أنت المحرر
تذوب شخوص الناس في كل لحظة وفي كل يوم أنت في القلب تكبر
﵊، أنا أتلوها عليكم ثم أفصلها، والله المستعان.
لماذا تفوق؟ الله معه كيف انتصر؟ الله حسيبه وكافيه.
لماذا أنتج هذا الجيل وهذه الأمة، والبلاد؟ لأنه يدعو إلى الله على بصيرة هو وأتباعه، ولأن أتباعه ليسوا مرتزقة كلام، ولا مروجي فتنة، وليسوا خوارج، ولا يلعبون بالنار، ولا ينثرون الدماء على الرءوس، بل هم عقلاء، يعرفون أين يضعون أقدامهم.
إنهم قادة الأمة إلى شاطئ الأمان، غيرهم المفسد والمنافق والذي يشعل الفتنة ثم يتركها ويفر.
أما أسباب تفوق الداعية العظيم ﵊ فعشرة أسباب:
الأول: التوحيد الصادق، والتوكل الذي يحطم زيف الباطل وينسف ركام الجاهلية.
الثاني: الطموح الذي يتخطى آفاق الزمن وأقطار التاريخ وحدود الدهر.
الثالث: الثبات على المبدأ ثبات الواثق من العاقبة المتأكد من الخاتمة.
الرابع: التعالي على متع الحياة وبريق المادة، وجميع الأعراض الفانية.
الخامس: البذل والتضحية؛ بذلاً وتضحية كأنها من أساطير الأخبار لولا أنها حقائق، وكأنها من نسج الخيال غير أنها ثوابت.
السادس: استصحاب الزاد في الطريق الشاق، زاداً من العبادة المتأملة، والذكر الحي، والخشوع العجيب، والتبتل المنقطع النظير.
السابع: التفوق في أسلوب الدعوة تفوقاً تاجُه اللين، ليناً يسبي القلوب، ويشتري الأرواح، ويملك به الرقاب ﵊.
الثامن: العمل بما يدعو إليه، فإذا جوارحه تسبق لسانه، ودمعاته تسبق عباراته، وإذا هو قرآن يمشي على الأرض، وقداسة تتحرك على الكوكب.
التاسع: استغلال المواهب، وتوجيه القدرات، والاستفادة من العقول التي استنارت بنور الوحي.
المصلحون أصابع جمعت يداً هي أنت بل أنت اليد البيضاء
العاشر: وعد محبيه وأتباعه وتلاميذه برضا الله وجنة عرضها السماوات والأرض، هذا هو الثمن للتضحيات، وأيما ثمن دونه فإنما هو غبن لا يساوي الجهد المبذول والتضحية.
стр. 3043
وقفات مع النبي ﷺ
فيا أيها الناس: أيها العلماء! وأيها الدعاة! وأيها الجيل! يا أبناء لا إله إلا الله! ويا حفظة التوحيد! ويا حملة الرسالة! يا دهر! يا تاريخ! يا زمن! اسمع إلى وثيقة عنه ﵊.
يعيش ﵊ معنا دائماً وأبداً، في مشاعرنا وآمالنا وطموحاتنا، يعيش معنا في قلوبنا رحيماً، وفي أبصارنا إماماً، وفي آذاننا مبشراً ونذيراً: ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ﴾ [الصف:٩].
نسينا في ودادك كل غال فأنت اليوم أغلى ما لدينا
نلام على محبتكم ويكفي لنا شرفاً نلام وما علينا
ولما نلقكم لكن شوقاً يذكرنا فكيف إذا التقينا
تسلى الناس بالدنيا وإنا لعمر الله بعدك ما سلينا
стр. 3044
النبي القدوة
يكرر القرآن ذكر هذا الرجل العظيم ﵊.
فهو الرجل لكن لا كالرجال، فهو يحمل هموم الرجال كل الرجال، وهو الإنسان لا كتلك الناس، فهو يجمع مناقب الناس جميعاً ﵊، يتحدث عنه القرآن فإذا هو الخلوق القريب: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم:٤] يدعو إلى الله على بصيرة، ويتحدث عن لينه وسهولته ويسره: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنْ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾ [آل عمران:١٥٩].
إنه الإمام -بأبي هو وأمي ﵊ وهو الإمام الذي على الأمة كل الأمة أن تذعن لإمامته، فهو إمام في الصلاة، وإمام في الحياة، وإمام في التربية، وإمام في الاقتصاد، وإمام في الحرب، قال تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيراً﴾ [الأحزاب:٢١].
يا أمة الإسلام: يا إخوة العقيدة! يا أبناء الرسالة الخالدة! هل يحق لنا شرعاً أو عقلاً أن نبحث عن غيره أو نتلمس سواه؟ لا.
بل حرام حرام حرام أن نجعل غيره إماماً يقود المسيرة إلى الله؛ لأنه هو الرجل الذي ختم الله به النبوة في الأرض.
стр. 3045
مقومات الرسول ﷺ
هذا الرسول ﵊ يعيش لحظات الحياة، ودقائق الزمن، وثواني الدهر، بما يجب أن تعاش، في الصلاة خاشع قانت أواب منيب؛ لأن الله قال: ﴿وَمِنْ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَاماً مَحْمُوداً﴾ [الإسراء:٧٩].
وفي الجهاد رجل شجاع، ومقدام صنديد، وبطل بارز:
وقفت وما في الموت شك لواقف كأنك في جفن الردى وهو نائم
تمر بك الأبطال كلمى هزيمة ووجهك وضاح وثغرك باسم
﴿فَقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لا تُكَلَّفُ إِلاَّ نَفْسَكَ﴾ [النساء:٨٤].
وعند الإنفاق، هو المنفق الباذل، السخي الكريم، كما قال ابن عباس في الصحيحين: ﴿كان ﵊ أجود الناس، وكان أجود ما يكون في رمضان، حين يلقاه جبريل فيدارسه القرآن، فلرسول الله ﷺ أجود بالخير من الريح المرسلة﴾.
في الفطر، صبور متماسك محتسب، وفي الرقة والرحمة، صاحب الدمعة الحانية، والشفقة البالغة، إنه الإنسان ﵊، الداعية الذي يدعو إلى الله على بصيرة.
الإنسان الذي أتى إلى الأمة الضعيفة، المسلوبة المنهوبة المظلومة، فرفع رأسها بين الرءوس، فأنا وأنت، وأبي وأبوك، وجدي وجدك لم يكن لنا تاريخ، حتى أتى محمد ﵊:
إن البرية يوم مبعث أحمد نظر الإله لها فبدل حالها
بل كرم الإنسان حين اختار من خير البرية نجمها وهلالها
لبس المرقع وهو قائد أمة جبت الكنوز فكسرت أغلالها
لما رآها الله تمشي نحوه لا تبتغي إلا رضاه سعى لها
أمة وراء إمام هو محمد ﵊ هي في خير: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الأُمِّيِّينَ رَسُولاً مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمْ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ [الجمعة:٢].
﴿هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ * وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنفَقْتَ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعاً مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [الأنفال:٦٢ - ٦٣].
أتى ﵊ إلى أمة ترعى إبلها وبقرها وغنمها في الصحراء القاحلة، صحراء الجوع والظمأ واليأس، فأخرجها بلا إله إلا الله إلى ضفاف دجلة والفرات وبساتين الشام ومصر، وحدائق الأندلس، وملاعب الهند والسند، فكبرَّت هناك وأذَّنت وصلت، وخرجت من الجزيرة، لا بطائرات ولا دبابات، ولا صواريخ بل خرجت بلا إله إلا الله.
من ذا الذي رفع السيوف ليرفع اسمك فوق هامات النجوم منارا
كنا جبالاً في الجبال وربما صرنا على موج البحار بحارا
بمعابد الإفرنج كان أذاننا قبل الكتائب يفتح الأمصارا
كنا نرى الأصنام من ذهب فنهدمها ونهدم فوقها الكفارا
стр. 3046
المرشد بإذن الله إلى الصراط المستقيم
وأخرج ﵊ الأمة من القتل والنهب والفتنة والسلب إلى الوئام والإخاء، والصفاء والحب: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَاناً وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنْ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ [آل عمران:١٠٣].
إن أيام الرسول ﵊ هي الأيام التي يجب على الدعاة وطلبة العلم والشباب أن يعيشوا جزئياتها، وأن يجعلوا منها دستوراً لأيامهم، فقد عاش أيام العمر في الأعمال والمهن التي يعيشها غالب الناس.
أما رعى الغنم؟! لكنه حكم الأمم.
أما رقع الثوب؟! أما حلب الشاة؟! أما كنس البيت؟! أما ضحك وبكى؟! أما صلى ونام؟! أما صام وأفطر؟! أما تزوج النساء؟! أما تاجر وسافر؟! أما افتقر فصبر، واغتنى فشكر؟! بلى.
حكم الناس فهو قدوة للحكام، وأفتى فهو قدوة للمفتين، ودعا فهو قدوة للدعاة، ورعى فهو أستاذ للرعاة، وعلم الناس فنون الاقتصاد والحرب والسلم.
كأنه وهو فرد من جلالته في موكب حين تلقاه وفي حشم
إن محمداً ﵊ عاش هذا العمر الطويل ليكون لنا نموذجاً حياً نقتدي به، يقول كما عند مسلم: ﴿والذي نفسي بيده! لا يسمع بي يهودي ولا نصراني، ثم لا يؤمن بي إلا دخل النار﴾ أما المسلم فليس في الحسبان أن مسلماً يصلي ويعترف بلا إله إلا الله، ثم يتخذ غير محمد ﵊ قدوة للأمة.
حارب ﵊ الجيوش الجرارة، فكان أول مبارز، وكان أول شجاع، تجرح أمامه الكماة، وتنهزم أمامه الكتائب، ومع ذلك يتواضع لله، ويعلم أن النصر من عند الله، يغلب أحياناً، وتنكسر رباعيته، ويجرح، ويذبح أصحابه أمامه، فيقول: إنا لله وإنا إليه راجعون، ولكنه مع ذلك لا ينهزم، بل يواصل المسيرة بعزيمة أقوى وأقوى.
стр. 3047
التوازن والتواضع في حياة النبي ﷺ
لبس الجديد ﵊ إظهاراً للنعمة ورداً على متصوفة الهندوك، الذين يرون التقشف وقتل النفس والقضاء على الطموح حياة وإشراقاً:
البس لكل حالة لبوسها إما نعيمها وإما بؤسها
والله جميل يحب الجمال: ﴿يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ [الأعراف:٣١] فالنبي ﷺ يلبس الجديد إظهاراً للنعمة، ودمغاً للباطل، وهو ﵊ يلبس البالي شكراً للباري ، وتواضعاً للحق .
إذاً فمن لبس منا الجديد، فقدوته محمد ﵊، ومن لبس منا البالي فقدوته محمد ﵊، ومن جلس على كرسيه للحكم فإمامه محمد ﵊، ومن باع أو اشترى، أو سافر أو أقام، أو صام أو أفطر، أو اغتنى أو افتقر؛ فإن إمامه وأستاذه وشيخه محمد ﵊:
هو البحر من أي النواحي أتيته فلجته المعروف والجود ساحله
وأنتم في غنى وهو في غنى -بأبي هو وأمي- عن مدحي، لكن من الناس من يتصور يوم يقرأ سيرته أنه إمام في الصلاة، وأنه ﷺ صلى بالناس الجنائز والاستسقاء والكسوف، وأنه كان يفتي وعنده بعض الأحاديث وأنه من الأنبياء، لكن لا.
فالرجل إمام، اعترف حتى أساطين الكفر، أنه إمام على مستوى العالم.
مايكل هارف صاحب العظماء المائة، جعل محمداً ﵊ في المركز الأول، ويقول في كتابه: إني أعلم أن الأمريكان سوف يغضبون يوم جعلت محمداً في المركز الأول؛ لكن ماذا أفعل؟ قلنا له: أرغم الله أنفك وأنوف الأمريكان، هو الأول سواء رضيت أم غضبت، هو الأول سواء كتبت أو لم تكتب.
وكيف يصح في الأذهان شيء إذا احتاج النهار إلى دليل
محمد ﵊ تزوج، يا جيلاً صدف عن الزوجات! بحجة البذل في الدعوة والجهاد، محمد أكبر الدعاة وأكبر المجاهدين وتزوج: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلاً مِنْ قَبْلِكَ وَجَعَلْنَا لَهُمْ أَزْوَاجاً وَذُرِّيَّةً﴾ [الرعد:٣٨].
وضاحك الأطفال، يا متكبراً لا يسلم على الأطفال ولا يمسح رءوسهم! محمد حمل الأطفال وصلى بالأطفال، ففي الصحيحين عن أبي قتادة قال: ﴿صلى بنا رسول الله ﵊ فحمل أمامة بنت زينب فكان إذا سجد وضعها وإذا قام رفعها﴾ وعند النسائي عن أبي بسرة الغفاري: ﴿أن الرسول ﵊ صلى بالناس فسجد، فأتى الحسن وأعجبه منظر الرسول ﵊ ساجداً فامتطى ظهره الشريف -ظهر العظمة والزعامة، والطهر والعفاف- فمكث ﷺ طويلاً، لئلا يؤذي الحسن، ثم اعتذر للناس وقال: إن ابني هذا ارتحلني -صعد على ظهري- فخشيت أن أقوم فأوذيه فانتظرت حتى نزل﴾.
اسمع يا زمن! وسجل يا تاريخ! وانظري يا دنيا! أي إمام هذا الإمام، الذي عبأ حاجات الناس كلهم، إن الرسول ﵊ مازح الأضياف وحياهم، وأتحفهم وبياهم، قاد الأمة؛ فكانت قيادته دستوراً للقادة، ومنهجاً للزعماء، ووثيقة للساسة.
стр. 3048
النبأ العظيم والقائد الأعظم
وأعود فأقول: اسمع يا تاريخ! وسجل يا زمن! وقف يا دهر! لتعرف هذا النبأ الذي هز العالم كل العالم! والذي أوقف التاريخ كل التاريخ، إنه مبعثه ﵊: ﴿عَمَّ يَتَسَاءَلُونَ * عَنْ النَّبَإِ الْعَظِيمِ * الَّذِي هُمْ فِيهِ مُخْتَلِفُونَ﴾ [النبأ:١ - ٣].
ما هو النبأ العظيم، أهو اكتشاف الذرة؟ أم تسيير الهواء؟ أم تفجير الطاقة؟ أم نسف الجبال؟ أم تحويل الماء المالح إلى عذب؟ أم اكتشاف الكهرباء؟ لا.
بل هو وصول محمد ﵊ إلى قيادة العالم، فقد تغيرت الدنيا لمبعثه ﵊.
الآن تتوافد قبائل العرب لتنظر إلى هذا العظيم، وهو في مكة؛ لباسه عادي لا يساوي ثلاثة دنانير، وخبزه الشعير، وينام في بيت متواضع، يقف مع العجوز الساعات الطوال، يحمل الأطفال، يحلب الشاة، لا يجد كسرة الخبز، ومع ذلك تتساقط عروش الظالمين كسرى وقيصر لماذا؟
لأنه كسر بسيوف العدل ظهور الأكاسرة، وقصَّر برماح التضحية آمال القياصرة.
إن محمداً ﵊ كان بين الناس رجلاً، وبين الرجال بطلاً، وبين الأبطال مثلاً، ﵊.
تتساقط الشاهات والباباوات؛ لأنها بنيت على الظلم: ﴿وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقاً﴾ [الإسراء:٨١] ﴿بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ وَلَكُمْ الْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ﴾ [الأنبياء:١٨].
أيها الإنسان! يا بن آدم! يا مسلم! يا من يحترم نفسه! إن سعادتك مرهونة باتباعه ﵊، وإن أبواب الجنة بعد مبعثه أوصدت فلا تفتح إلا لأتباعه على دينه، وأنصاره على مبادئه، الذين يدعون إلى الله على بصيرة، لا يدعون فحسب ولا يخطبون وكفى، ولا يتلاعبون بالألفاظ، ولا يتشدقون، إنما هم على بصيرة: علم وعقل، وثبات وانضباط، يغلبون المصلحة على المفسدة، ويريدون أن يلحقهم الأذى في أنفسهم وأعراضهم، ولا يلحق الأمة والجيل، لتبقى الأمة مطمئنة آمنة في سكينة، لأنهم ينصحون لله ولرسول الله ﷺ ولكتاب الله ولأئمة المسلمين ولعامتهم، هؤلاء هم الذين يدعون إلى الله على بصيرة.
стр. 3049
جوانب الكمال في حياته ﷺ
يا قوم! إن محمداً ﵊ سيعيش معكم بسنته إذا أردتم أنتم أن يعيش معكم، ستجدونه يتحدث إليكم في مجالسكم متى أردتم أن يتحدث إليكم.
إنه عالم في العبادة؛ وفي الصلاة والصيام، والذكر والجهاد، وهو عالم في الأخلاق؛ في التبسم والتواضع، والصبر والشجاعة والكرم، وهو عالم في الزهد في المسكن والطعام والميراث.
وهو عالم في التربية؛ مع المرأة ومع الأسرة، ومع الطفل.
يقف في منتصف الليل فيصلي إلى الفجر، ويقوم فيقول دعاء تنخلع له القلوب، واسمع إلى دعائه، جاء عن ابن عباس في الصحيح أنه ﵊ كان يقول: ﴿اللهم لك الحمد أنت نور السماوات والأرض ومن فيهن، ولك الحمد أنت قيوم السماوات والأرض ومن فيهن، ولك الحمد أنت ملك السماوات والأرض ومن فيهن، ولك الحمد أنت الحق، ووعدك حق ولقاؤك حق، والجنة حق، والنار حق، والنبيون حق، والساعة حق، ومحمد ﵊ حق﴾ الحديث، وعند مسلم من حديث عائشة: ﴿اللهم رب جبريل وميكائيل وإسرافيل، فاطر السموات والأرض، عالم الغيب والشهادة، أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون، اهدني لما اختلف فيه من الحق بإذنك، إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم﴾.
стр. 3050
كماله في العبادة
وعَالَمٌ في الصيام فهو يصوم الليالي والأيام العديدة أربعة وخمسة وستة، لا يفطر لا ليلاً ولا نهاراً، فيقول له الصحابة: ﴿إنك تواصل يا رسول الله! -يريدون أن يواصلوا معه- قال: إني لست كهيئتكم، إني أبيت يطعمني ربي ويسقيني﴾ قال ابن القيم: لا يطعمه الله طعاماً وشراباً حسياً، إذ لو أطعمه طعاماً حسياً وشراباً حسياً لما كان صائماً لكن يطعمه اللطائف والمعارف والحكم والفتوحات الربانية.
فقوت الروح أرواح المعاني وليس بأن طعمت ولا شربتا
لها أحاديث من ذكراك تشغلها عن الطعام وتلهيها عن الزاد
لها بوجهك نور تستضيء به ومن حديثك في أعقابها حادي
وعالم في الجهاد، أي معركة فر منها ﵊؟ متى فر؟ ومن قال أنه فر؟ يقول أبو الحسن علي بن أبي طالب: [[كنا إذا اشتد الكرب وحمى الوطيس، واحمرت الحدق اتقينا برسول الله ﵊ فيكون أقربنا إلى القوم]].
أنت الشجاع إذا لقيت كتيبة أدبت في هول الردى أبطالها
وإذا وعدت وفيت فيما قلته لا من يكذب فعلها أقوالها
محمد ﵊ هو عالم في الذكر، فحياته وليله ونهاره ذكر: ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ﴾ [الحجر:٩٨] ﴿وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيراً وَالذَّاكِرَاتِ﴾ [الأحزاب:٣٥] ﴿أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ [الرعد:٢٨].
بل أنفاسه ذكر، وفتواه ذكر، ومزحه ذكر، وخطبه ومواعظه وتوجيهاته ذكر، فهو قرآن يمشي على الأرض، ﵊.
وهو عالَم في الأخلاق، شرى قلوب العرب بالبسمات، وأسر الأرواح بالبسمة الحانية ﵊، قال الله تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم:٤] يأكل على التراب، حتى قالت امرأة: ﴿انظروا له يأكل كما يأكل العبد، ويشرب كما يشرب العبد فقال: وهل هناك عبد أعبد مني﴾ فرفعه الله، ومن تواضع لله رفعه، ومن تكبر على الله وضعه.
следующие страницы →