Полный текст (10 391 стр.). Показаны 3046–3085 · переход к 3051.
стр. 3046
المرشد بإذن الله إلى الصراط المستقيم
وأخرج ﵊ الأمة من القتل والنهب والفتنة والسلب إلى الوئام والإخاء، والصفاء والحب: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَاناً وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنْ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ [آل عمران:١٠٣].
إن أيام الرسول ﵊ هي الأيام التي يجب على الدعاة وطلبة العلم والشباب أن يعيشوا جزئياتها، وأن يجعلوا منها دستوراً لأيامهم، فقد عاش أيام العمر في الأعمال والمهن التي يعيشها غالب الناس.
أما رعى الغنم؟! لكنه حكم الأمم.
أما رقع الثوب؟! أما حلب الشاة؟! أما كنس البيت؟! أما ضحك وبكى؟! أما صلى ونام؟! أما صام وأفطر؟! أما تزوج النساء؟! أما تاجر وسافر؟! أما افتقر فصبر، واغتنى فشكر؟! بلى.
حكم الناس فهو قدوة للحكام، وأفتى فهو قدوة للمفتين، ودعا فهو قدوة للدعاة، ورعى فهو أستاذ للرعاة، وعلم الناس فنون الاقتصاد والحرب والسلم.
كأنه وهو فرد من جلالته في موكب حين تلقاه وفي حشم
إن محمداً ﵊ عاش هذا العمر الطويل ليكون لنا نموذجاً حياً نقتدي به، يقول كما عند مسلم: ﴿والذي نفسي بيده! لا يسمع بي يهودي ولا نصراني، ثم لا يؤمن بي إلا دخل النار﴾ أما المسلم فليس في الحسبان أن مسلماً يصلي ويعترف بلا إله إلا الله، ثم يتخذ غير محمد ﵊ قدوة للأمة.
حارب ﵊ الجيوش الجرارة، فكان أول مبارز، وكان أول شجاع، تجرح أمامه الكماة، وتنهزم أمامه الكتائب، ومع ذلك يتواضع لله، ويعلم أن النصر من عند الله، يغلب أحياناً، وتنكسر رباعيته، ويجرح، ويذبح أصحابه أمامه، فيقول: إنا لله وإنا إليه راجعون، ولكنه مع ذلك لا ينهزم، بل يواصل المسيرة بعزيمة أقوى وأقوى.
стр. 3047
التوازن والتواضع في حياة النبي ﷺ
لبس الجديد ﵊ إظهاراً للنعمة ورداً على متصوفة الهندوك، الذين يرون التقشف وقتل النفس والقضاء على الطموح حياة وإشراقاً:
البس لكل حالة لبوسها إما نعيمها وإما بؤسها
والله جميل يحب الجمال: ﴿يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ [الأعراف:٣١] فالنبي ﷺ يلبس الجديد إظهاراً للنعمة، ودمغاً للباطل، وهو ﵊ يلبس البالي شكراً للباري ، وتواضعاً للحق .
إذاً فمن لبس منا الجديد، فقدوته محمد ﵊، ومن لبس منا البالي فقدوته محمد ﵊، ومن جلس على كرسيه للحكم فإمامه محمد ﵊، ومن باع أو اشترى، أو سافر أو أقام، أو صام أو أفطر، أو اغتنى أو افتقر؛ فإن إمامه وأستاذه وشيخه محمد ﵊:
هو البحر من أي النواحي أتيته فلجته المعروف والجود ساحله
وأنتم في غنى وهو في غنى -بأبي هو وأمي- عن مدحي، لكن من الناس من يتصور يوم يقرأ سيرته أنه إمام في الصلاة، وأنه ﷺ صلى بالناس الجنائز والاستسقاء والكسوف، وأنه كان يفتي وعنده بعض الأحاديث وأنه من الأنبياء، لكن لا.
فالرجل إمام، اعترف حتى أساطين الكفر، أنه إمام على مستوى العالم.
مايكل هارف صاحب العظماء المائة، جعل محمداً ﵊ في المركز الأول، ويقول في كتابه: إني أعلم أن الأمريكان سوف يغضبون يوم جعلت محمداً في المركز الأول؛ لكن ماذا أفعل؟ قلنا له: أرغم الله أنفك وأنوف الأمريكان، هو الأول سواء رضيت أم غضبت، هو الأول سواء كتبت أو لم تكتب.
وكيف يصح في الأذهان شيء إذا احتاج النهار إلى دليل
محمد ﵊ تزوج، يا جيلاً صدف عن الزوجات! بحجة البذل في الدعوة والجهاد، محمد أكبر الدعاة وأكبر المجاهدين وتزوج: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلاً مِنْ قَبْلِكَ وَجَعَلْنَا لَهُمْ أَزْوَاجاً وَذُرِّيَّةً﴾ [الرعد:٣٨].
وضاحك الأطفال، يا متكبراً لا يسلم على الأطفال ولا يمسح رءوسهم! محمد حمل الأطفال وصلى بالأطفال، ففي الصحيحين عن أبي قتادة قال: ﴿صلى بنا رسول الله ﵊ فحمل أمامة بنت زينب فكان إذا سجد وضعها وإذا قام رفعها﴾ وعند النسائي عن أبي بسرة الغفاري: ﴿أن الرسول ﵊ صلى بالناس فسجد، فأتى الحسن وأعجبه منظر الرسول ﵊ ساجداً فامتطى ظهره الشريف -ظهر العظمة والزعامة، والطهر والعفاف- فمكث ﷺ طويلاً، لئلا يؤذي الحسن، ثم اعتذر للناس وقال: إن ابني هذا ارتحلني -صعد على ظهري- فخشيت أن أقوم فأوذيه فانتظرت حتى نزل﴾.
اسمع يا زمن! وسجل يا تاريخ! وانظري يا دنيا! أي إمام هذا الإمام، الذي عبأ حاجات الناس كلهم، إن الرسول ﵊ مازح الأضياف وحياهم، وأتحفهم وبياهم، قاد الأمة؛ فكانت قيادته دستوراً للقادة، ومنهجاً للزعماء، ووثيقة للساسة.
стр. 3048
النبأ العظيم والقائد الأعظم
وأعود فأقول: اسمع يا تاريخ! وسجل يا زمن! وقف يا دهر! لتعرف هذا النبأ الذي هز العالم كل العالم! والذي أوقف التاريخ كل التاريخ، إنه مبعثه ﵊: ﴿عَمَّ يَتَسَاءَلُونَ * عَنْ النَّبَإِ الْعَظِيمِ * الَّذِي هُمْ فِيهِ مُخْتَلِفُونَ﴾ [النبأ:١ - ٣].
ما هو النبأ العظيم، أهو اكتشاف الذرة؟ أم تسيير الهواء؟ أم تفجير الطاقة؟ أم نسف الجبال؟ أم تحويل الماء المالح إلى عذب؟ أم اكتشاف الكهرباء؟ لا.
بل هو وصول محمد ﵊ إلى قيادة العالم، فقد تغيرت الدنيا لمبعثه ﵊.
الآن تتوافد قبائل العرب لتنظر إلى هذا العظيم، وهو في مكة؛ لباسه عادي لا يساوي ثلاثة دنانير، وخبزه الشعير، وينام في بيت متواضع، يقف مع العجوز الساعات الطوال، يحمل الأطفال، يحلب الشاة، لا يجد كسرة الخبز، ومع ذلك تتساقط عروش الظالمين كسرى وقيصر لماذا؟
لأنه كسر بسيوف العدل ظهور الأكاسرة، وقصَّر برماح التضحية آمال القياصرة.
إن محمداً ﵊ كان بين الناس رجلاً، وبين الرجال بطلاً، وبين الأبطال مثلاً، ﵊.
تتساقط الشاهات والباباوات؛ لأنها بنيت على الظلم: ﴿وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقاً﴾ [الإسراء:٨١] ﴿بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ وَلَكُمْ الْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ﴾ [الأنبياء:١٨].
أيها الإنسان! يا بن آدم! يا مسلم! يا من يحترم نفسه! إن سعادتك مرهونة باتباعه ﵊، وإن أبواب الجنة بعد مبعثه أوصدت فلا تفتح إلا لأتباعه على دينه، وأنصاره على مبادئه، الذين يدعون إلى الله على بصيرة، لا يدعون فحسب ولا يخطبون وكفى، ولا يتلاعبون بالألفاظ، ولا يتشدقون، إنما هم على بصيرة: علم وعقل، وثبات وانضباط، يغلبون المصلحة على المفسدة، ويريدون أن يلحقهم الأذى في أنفسهم وأعراضهم، ولا يلحق الأمة والجيل، لتبقى الأمة مطمئنة آمنة في سكينة، لأنهم ينصحون لله ولرسول الله ﷺ ولكتاب الله ولأئمة المسلمين ولعامتهم، هؤلاء هم الذين يدعون إلى الله على بصيرة.
стр. 3049
جوانب الكمال في حياته ﷺ
يا قوم! إن محمداً ﵊ سيعيش معكم بسنته إذا أردتم أنتم أن يعيش معكم، ستجدونه يتحدث إليكم في مجالسكم متى أردتم أن يتحدث إليكم.
إنه عالم في العبادة؛ وفي الصلاة والصيام، والذكر والجهاد، وهو عالم في الأخلاق؛ في التبسم والتواضع، والصبر والشجاعة والكرم، وهو عالم في الزهد في المسكن والطعام والميراث.
وهو عالم في التربية؛ مع المرأة ومع الأسرة، ومع الطفل.
يقف في منتصف الليل فيصلي إلى الفجر، ويقوم فيقول دعاء تنخلع له القلوب، واسمع إلى دعائه، جاء عن ابن عباس في الصحيح أنه ﵊ كان يقول: ﴿اللهم لك الحمد أنت نور السماوات والأرض ومن فيهن، ولك الحمد أنت قيوم السماوات والأرض ومن فيهن، ولك الحمد أنت ملك السماوات والأرض ومن فيهن، ولك الحمد أنت الحق، ووعدك حق ولقاؤك حق، والجنة حق، والنار حق، والنبيون حق، والساعة حق، ومحمد ﵊ حق﴾ الحديث، وعند مسلم من حديث عائشة: ﴿اللهم رب جبريل وميكائيل وإسرافيل، فاطر السموات والأرض، عالم الغيب والشهادة، أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون، اهدني لما اختلف فيه من الحق بإذنك، إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم﴾.
стр. 3050
كماله في العبادة
وعَالَمٌ في الصيام فهو يصوم الليالي والأيام العديدة أربعة وخمسة وستة، لا يفطر لا ليلاً ولا نهاراً، فيقول له الصحابة: ﴿إنك تواصل يا رسول الله! -يريدون أن يواصلوا معه- قال: إني لست كهيئتكم، إني أبيت يطعمني ربي ويسقيني﴾ قال ابن القيم: لا يطعمه الله طعاماً وشراباً حسياً، إذ لو أطعمه طعاماً حسياً وشراباً حسياً لما كان صائماً لكن يطعمه اللطائف والمعارف والحكم والفتوحات الربانية.
فقوت الروح أرواح المعاني وليس بأن طعمت ولا شربتا
لها أحاديث من ذكراك تشغلها عن الطعام وتلهيها عن الزاد
لها بوجهك نور تستضيء به ومن حديثك في أعقابها حادي
وعالم في الجهاد، أي معركة فر منها ﵊؟ متى فر؟ ومن قال أنه فر؟ يقول أبو الحسن علي بن أبي طالب: [[كنا إذا اشتد الكرب وحمى الوطيس، واحمرت الحدق اتقينا برسول الله ﵊ فيكون أقربنا إلى القوم]].
أنت الشجاع إذا لقيت كتيبة أدبت في هول الردى أبطالها
وإذا وعدت وفيت فيما قلته لا من يكذب فعلها أقوالها
محمد ﵊ هو عالم في الذكر، فحياته وليله ونهاره ذكر: ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ﴾ [الحجر:٩٨] ﴿وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيراً وَالذَّاكِرَاتِ﴾ [الأحزاب:٣٥] ﴿أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ [الرعد:٢٨].
بل أنفاسه ذكر، وفتواه ذكر، ومزحه ذكر، وخطبه ومواعظه وتوجيهاته ذكر، فهو قرآن يمشي على الأرض، ﵊.
وهو عالَم في الأخلاق، شرى قلوب العرب بالبسمات، وأسر الأرواح بالبسمة الحانية ﵊، قال الله تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم:٤] يأكل على التراب، حتى قالت امرأة: ﴿انظروا له يأكل كما يأكل العبد، ويشرب كما يشرب العبد فقال: وهل هناك عبد أعبد مني﴾ فرفعه الله، ومن تواضع لله رفعه، ومن تكبر على الله وضعه.
стр. 3051
صبره وشجاعته
ش الفقر، والحروب والمصائب، ماتت بناته، وقُتل أصحابه، وشرد من وطنه، وبيعت أملاكه، ولطخت سمعته وأوذي؛ ومع ذلك كان صابراً صبراً يغلب الصبر.
صابر الصبر فاستجار به الصبر فقال الصبور للصبر صبرا
وذا يقوله بعض المفسرين لما قال الله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [آل عمران:٢٠٠].
يقولون لـ عنترة: بم غلبت العرب في المعارك؟ قال: بالصبر، فقال له أحد الشجعان: كيف تكون صابراً وأنا أصبر منك؟ قال: ناولني إصبعك، وخذ إصبعي فأدخل إصبعه في فمه وأخذ إصبع الرجل في فمه، ثم قال له: عض وأعض، فعض ذاك وعض هذا، فقال: ذاك أح فأخرج ذاك إصبعه، فقال عنترة:
بهمة تخرج ماء الصفا وعزمة ما شابها قول آح
أقسمت أن أوردها حرة وقاحة تحت غلامٍ وقاح
إما فتى نال المنى فاشتفى أو فارس زار الردى فاستراح
محمد ﵊ الذي وصل بالصبر إلى حد ما استطاع أن يصابره الصبر، فكان سيد الصابرين ﷺ .
الشجاعة: فعنده ﷺ شجاعة الواثقين من المبادئ، ينام وحول البيت خمسون شاباً بسيوفهم، لا درع ولا سيف، ولا موكب ولا حرس!
عناية الله أغنت عن مضاعفة من الدروع وعن عال من الأطم
ظنوا الحمام وظنوا العنكبوت على خير البرية لم تنسج ولم تحم
﵊.
الكرم: سألوه ثوبه فخلع ثوبه وأعطاه؛ فما كان يقول: لا.
وعند أحمد في المسند من حديث جابر ﴿أن أعرابياً قال: يا رسول الله! أعطني مالاً قال: لا.
وأستغفر الله﴾ معناه: ليس عندي مال، وأستغفر الله من كلمة "لا".
ما قال "لا" قط إلا في تشهده لولا التشهد كانت لاؤه نعم
стр. 3052
زهد النبي ﷺ
وهو عالَم في الزهد، يقول الفيلسوف برناردشو: عجباً لمحمد على كومة من التراب، يتناول فنجان القهوة ويصلح مشاكل العالم، وهو لا يعلم أن القهوة اكتشفت بعد مبعثه ﵊، ولا يهمنا اكتشاف القهوة، ولكن يهمنا اكتشاف الحكمة والنور الذي حل به مشاكل العالم، والحق ما شهدت به الأعداء، فهو عالم في الزهد ﵊، يعيشه ﷺ ويتعامل مع الناس.
مسكنه غرفة من الطين، وفي صحيح البخاري: ﴿كان إذا أوتر يغمز عائشة ﵂ وأرضاها فتكفكف قدميها ليجد مكاناً للسجود﴾ و ﴿يأتيه الملك بمفاتيح كنوز الدنيا فيقول: لا.
بل أجوع يوماً وأشبع يوماً حتى ألقى الله﴾ فثوبه ثوب واحد.
كفاك عن كل قصر شاهق عَمِدٍ بيت من الطين أو كهف من العلم
تبني الفضائل أبراجاً مشيدة نصب الخيام التي من أروع الخيم
وعالم في الزهد، لا يجد أحياناً حفنة من التمر، هذا الإنسان ﵊ الذي أدخل -بإذن الله- محبيه إلى حدائق الأندلس، وإلى ضفاف دجلة والنيل والفرات، لا يجد حفنة من التمر، هذا الرجل الذي ملك -بإذن الله- أتباعه ثلاثة أرباع الدنيا، وأتى هارون الرشيد وهو أحد أتباعه يقول للسحاب: " أمطري حيث شئتِ فسيأتيني خراجكِ بإذن الله " ولا يجد حفنة من التمر.
هذا الرجل دخل أحد أتباعه وهو قتيبة بن مسلم كابل الحزينة، التي ضيعناها يوم ضيعنا لا إله إلا الله، كابل التي ذهبت مع المرتزقة والزنادقة، يمزقون مصاحفها، ويدوسون كرامتها وعفافها وحياءها، كابل أرضنا، ووطننا وحبيبتنا، يفتحها قتيبة أحد أتباعه ﵊ فيأتي إلى الأصنام فيحرقها لأنها عبدت من دون الله، قالوا لـ قتيبة: خذ الأصنام، وتاجر بها، قال: لا.
أصنام سُجد لها من دون الله تحرق، قال إقبال:
كنا نرى الأصنام من ذهب فنهدمها ونهدم فوقها الكفارا
هذا هو محمد ﵊.
стр. 3053
الرسول ﷺ والطفل
أيتها المرأة المسلمة: يا أيتها المرأة التي تسمع الصوت! محمد إمامك ﵊، المعلم والشيخ والأستاذ يعتني بالمرأة، يقف يوم عرفة، فيعلن حقوق المرأة؟ من الذي أعلن حقوق المرأة؟ أقاسم أمين؟ كذب عدو الله، أسعد زغلول، كذب عدو الله، أأتاتورك؟ كذب عدو الله.
إنه محمد ﵊، يقول يوم عرفة متحدثاً عبر الزمن: ﴿الله الله في النساء، فإنهن عوان عندكم﴾ ويقول: ﴿خيركم خيركم لأهله، وأنا خيركم لأهلي﴾ ﵊.
يعيش معها أباً وزوجاً وأخاً، يأمرها بالحجاب وهو الذي حررها بإذن الله، أما الذين يدعون حرية المرأة وتحرير المرأة؛ فهم قتلة المرأة، وهم أعداء المرأة، فجعلوا المرأة سلعة تباع وتعرض كالأزياء، أخرجوا المرأة سافرة في الحوانيت والبقالات، ومجامع الناس والأسواق، أخرجوا المرأة وجعلوها تشارك في الجيش في الحرب العالمية الثانية، تحمل السلاح وهي ضعيفة، وتقاتل بالبندقية وهي لطيفة، وتعارك الجنود وهي شريفة، فمن حرر المرأة؟ إنه محمد ﵊.
وقد عاش مع الطفل مربياً، فكان معه يوم سقط رأس الطفل في الأرض، أتت فاطمة بنته بـ الحسن أول يوم ولدته، فأتى فأذن في أذن الحسن، الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، لماذا؟ ليسمع الطفل الأذان أول شيء، لا الموسيقى، ولا الأغنية الماجنة، ولا الصيحات المعربدة، ولا الزندقة والإلحاد، بل ينشأ طفلاً موحداً من أول يوم، فهذا هو محمد ﵊.
وهو عالم الأسرة وعالم الاقتصاد، ولكن -والله- لا أستطيع أن أوفيه حقه.
стр. 3054
تفصيل أسباب تفوقه ﷺ
فأعود إلى التكلم عن النقاط والمسائل التي من أراد أن يكون داعية.
إلى الله على بصيرة ويكون حكيماً منضبطاً عاقلاً، فعليه أن يحفظ هذه المسائل، ثم يبثها في الناس.
كان من أسباب انتصار الداعية العظيم ﵊ كما قلت:
стр. 3055
توحيد الله
أولاً: التوحيد الصادق، والتوكل الذي يحطم زيف الباطل، وينسف ركام الجاهلية، يقول الله سبحانه: ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لا يَمُوتُ﴾ [الفرقان:٥٨] ويقول الله له: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ﴾ [المائدة:٦٧] ويقول الله: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأنفال:٦٤].
أول ميزاته: التوحيد الخالص، وصفاء العقيدة.
إذاً يا دعاة! يا طلبة العلم! يا شباب محمد ﵊! التوحيد أولاً والعقيدة أولاً.
ولذلك تميزت دعوة الإمام محمد بن عبد الوهاب ﵀ واكتسبت قوتها وعمقها وأصالتها حتى نفذت إلى القلوب، وذلك لأنها صافية، ولأنها على منهج السلف ولأنها ضاربة في أعماق الكتاب والسنة، فلذلك بقيت إلى اليوم: ﴿فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ﴾ [الرعد:١٧] وقبل أن ندعو الناس إلى الأخلاق والسلوك، قبل أن نتكلم إليهم عن التربية والأدب والاقتصاد، لابد أن نتكلم لهم عن التوحيد.
يقول الله للرسول ﵊: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ﴾ [محمد:١٩] ويقول: ﴿وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ * بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ﴾ [الزمر:٦٥ - ٦٦].
فيكون موحداً دائماً وأبداً، يأتي الأعرابي من الصحراء، فقبل أن يعلمه الوضوء وكيفية الأكل والشرب، يقول له: قل لا إله إلا الله، يقول لـ حصين بن عبيد كما عند أبي داود: ﴿يا حصين كم تعبد؟ قال: أعبد سبعة، قال: أين هم؟ قال: ستة في الأرض وواحد في السماء، قال: فمن لرغبك ولرهبك؟ قال: الذي في السماء، قال: فاترك التي في الأرض واعبد الذي في السماء﴾ ﴿قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيّاً مَا تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ [الإسراء:١١٠].
وعقيدة أهل السنة والجماعة العقيدة الرائعة الجميلة الحسنة البديعة، هي التي يجب على الدعاة أن يدعوا الناس إليها أولاً، ففي الصحيحين، عن ابن عباس ﵄ قال: ﴿أرسل رسول الله ﷺ معاذاً إلى اليمن فقال: -واسمع إلى الداعية الكبير، الذي يدعو إلى الله على بصيرة- إنك سوف تأتي قوماً أهل كتاب، فليكن أول ما تدعوهم إليه شهادة أن لا إله إلا الله، وأني رسول الله ﷺ فإن أطاعوك فأخبرهم أن الله قد افترض عليهم خمس صلوات في اليوم والليلة﴾ الحديث.
ويقول ﷺ لـ ابن عباس: ﴿احفظ الله يحفظك﴾ ويقول في آخر الحديث عن العقيدة: ﴿واعلم أن ما أخطأك لم يكن ليصيبك﴾ هذا هو أول عنصر جعل محمداً ﵊ داعية ناجحاً بإذن الله.
يا دعاة الإسلام! يا طلبة العلم! وحفاظ الرسالة! قضيتنا الكبرى هي تصحيح معتقد الناس، أما التلفيق والمسامحة في هذا الجانب فلا يصلح أبداً، ولا تنجح الدعوة فيه أبداً؛ لأن الدعوة أقيمت على التوحيد الخالص.
стр. 3056
الطموح الذي يتخطى الآفاق
الثاني: الطموح الذي يتخطى آفاق الزمن، وأقطار التاريخ، وحدود الدهر، ينزل ﵊ الخندق ليحفر وعلى بطنه حجران من الجوع مربوطان، فيضرب الصخرة فيلمع ضوءاً كالبرق، فيقول: ﴿أريت قصور كسرى وقيصر، سوف يفتحها الله لي﴾ فيضحك المنافقون.
فهذا رجل حاله أنه مطوق باليهود والأحزاب والمنافقين والعملاء والزنادقة، وهو في المدينة ثم يقول: يفتح الله عليه الكنوز والقصور فيقول المنافقون: ما هذا؟ ﴿مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُوراً﴾ [الأحزاب:١٢].
ولكن بعد خمس وعشرين سنة، دخل سعد بن أبي وقاص إلى قصر كسرى والإيوان فقال: الله أكبر! أليس هذا طموحاً؟ بلى إنه لطموح، ويأتي ﵊ فيقول للصحابة: ﴿زويت لي الأرض -يعني في المنام، أي قرب الله له الكرة الأرضية- قال: فرأيت ما بلغ ملك أمتي أو ملكي أو ما يفتحه الله عليّ﴾ أو كما قال ﵊.
أما دخلت دعوته روسيا؟ بلى.
وقد حج من روسيا هذا العام ما يقارب ألفين، نعم ألفا حاجٍ خرجوا من موسكو عاصمة جرباتشوف وبرجنيف الملاحدة الزنادقة، يقولون: لبيك اللهم لبيك، ليبك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك، لا شريك لك.
وحدثنا مصدر مطلع موثوق بسند جيد على شرط ابن حبان، من المجاهدين الأفغان أن وفد المجاهدين شارك قبل ثمانية أشهر في جلسة هيئة الأمم المتحدة في نيويورك، فلما حضرت صلاة الظهر، قام أحد المجاهدين من أهل العمائم، أهل لا إله إلا الله، أهل التكبيرات، والمواقف الخالدات، قام إلى الميكرفون وأذّن لصلاة الظهر داخل هيئة الأمم المتحدة؛ أليست هذه دعوته ﵊؟ أليس هذا هو الطموح الذي تجاوز الزمن؟
أما دخل يونس خالص إلى ريجان في البيت الأبيض وقال: أدعوك إلى الإسلام، أسلم تسلم يؤتك الله أجرك مرتين، فإن توليت فإن عليك إثم كل أمريكي على وجه الأرض.
فهذا طموحه ﵊، وهؤلاء أتباعه، وهؤلاء تلاميذه.
стр. 3057
الثبات على المبدأ
الثالث: الثبات على المبدأ ثبات الواثق من العاقبة، المتأكد من الخاتمة، الرسول ﵊ لا يتعامل مع الأهواء، ولا يرضى بأنصاف الحلول، يقول: المتشدق الزنديق أبو جهل: يا محمد! تعال نعبد إلهك سنة وتعبد إلهنا سنة، وهذا لعب وفوضى، لا.
فأتى القول من الله: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ * لا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ * وَلا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ * وَلا أَنَا عَابِدٌ مَا عَبَدْتُمْ * وَلا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ * لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ﴾ [الكافرون:١ - ٦] أنا منفصل عنكم تماماً، لا جسور تمتد بيننا وأنتم مشركون، ولا حلول إلا بلا إله إلا الله، هذا هو الحق الصراح.
كان من أسباب انتصاره ﷺ ، الثبات على المبدأ ثبات الواثق من العاقبة، والمتأكد من الخاتمة:
يروى أن الجاهليين أتوا إليه ﵊ فقالوا: ﴿يا محمد! سفهت أحلامنا، وسببت آلهتنا، إن تريد ملكاً ملكناك، وإن تريد زوجة زوجناك، وإن تريد مالاً أعطيناك، فلما انتهوا قال: انتهيتم؟ قالوا: نعم.
قال: والذي نفسي بيده! لو وضعتم الشمس في يمني والقمر في يساري، على أن أترك هذا الأمر ما تركته حتى يظهره الله أو أهلك دونه﴾ هذا هو الجواب، وهذا هو الثبات، الذي جعله يستمر ﵊، لا يرضى إلا أن يتم هذا الدين في الأرض، أو يقتل ﵊.
جاء في البخاري في كتاب الجهاد: ﴿ولوددت أني أقتل في سبيل الله ثم أُحيا ثم أقتل، ثم أحيا ثم أقتل﴾ ﵊، وإنما ذلك لتبقى لا إله إلا الله وليبقى التوحيد، وليسلم الناس لرب العالمين، فثباته ﵊ مكن له بإذن الله في الأرض، ونصره بعون الله حتى بلغ الغاية.
إن الذي يقاتل من أجل دنيا، ومن أجل وطنية ينتهي ويتلاشى ولا يواصل، أما هو ﵊ فقاتل من أجل أن تبقى كلمة لا إله إلا الله مرفوعة خفاقة في الأرض.
стр. 3058
التعالي على متاع الحياة الدنيا
الأمر الرابع: التعالي على متع الحياة وبريق المادة، ولموع الأغراض الفانية، فملبسه متواضع ومسكنه وطعامه كذلك، فهو لا يريد الدنيا، تؤتى إليه مفاتيح وكنوز الدنيا، فيقول: لا.
بل أشبع يوماً وأجوع يوماً حتى ألقى الله، وقال عنه الجاهليون: ﴿وَقَالُوا مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْوَاقِ لَوْلا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيراً * أَوْ يُلْقَى إِلَيْهِ كَنْزٌ أَوْ تَكُونُ لَهُ جَنَّةٌ يَأْكُلُ مِنْهَا وَقَالَ الظَّالِمُونَ إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلاً مَسْحُوراً﴾ [الفرقان:٧ - ٨].
ما لهذا الداعية أليس عنده دخل ولا راتب ولا منصب، لا يملك اللحم ولا الطعام ولا الملابس ولا خدم ولا مساعد، ولا معاون، ويبيع ويشتري في الأسواق، فقال الله رداً على هذا الباطل: ﴿انْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الْأَمْثَالَ فَضَلُّوا فَلا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلاً﴾ [الفرقان: ٩].
ثم قال: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي إِنْ شَاءَ جَعَلَ لَكَ خَيْراً مِنْ ذَلِكَ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَيَجْعَلْ لَكَ قُصُوراً﴾ [الفرقان:١٠] لكنه في الجنة، قصره كالربابة البيضاء وله المقام المحمود، وهو أنعم من ينعم في الجنة، بأبي هو وأمي ﵊، يدعو إلى الله ويقول للأمة: ﴿قُلْ لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً﴾ [الأنعام:٩٠] أي: لا أتقاضى راتباً شهرياً، ولا أريد مادة، فما سألتكم من أجر فهو لكم، خذوا دراهمكم ودنانيركم وحياكم، خذوا بيوتكم وهداياكم فأنا أريد أن تبقى لا إله إلا الله وتنتصر لا إله إلا الله، ولذلك انتصر لما صدق مع الله.
خذوا كل دنياكم واتركوا فؤادي حراً طليقاً غريبا
فإني أعظمكم ثروةً وإن خلتموني وحيداً سليبا
يقول فيما صح عنه ﵊: ﴿ما لي وللدنيا، إنما مثلي ومثل الدنيا كرجل قال في ظل شجرة ثم قام وتركها﴾ ويقول ﵊ لأحد أتباعه ومحبيه، كما في البخاري: ﴿كن في الدنيا كأنك غريبٌ أو عابر سبيل﴾ وقال في حديث يصححه بعض أهل العلم: ﴿ازهد في الدنيا يحبك الله، وازهد فيما عند الناس يحبك الناس﴾ فإذا هو الزاهد ﵊، وإذا هو الذي يعطي ولا يأخذ، لئلا تكون لأحد من الناس منة عليه، ﷺ .
ويموت ﵊ وإذا ميراثه: بغلة ودرع وسيف، كل هذا التاريخ وكل هذا الدستور، وكل هذه المسيرة: بغلة ودرع وسيف؟ نعم.
ثم يقول: ﴿نحن معاشر الأنبياء لا نورث ما تركناه صدقة﴾ ﵊.
стр. 3059
البذل والتضحية والتزود من الطاعة
الخامس من أسباب انتصاره وتفوقه: البذل والتضحية، بذلاً وتضحية كأنها من أساطير الأخبار لولا أنها حقائق، وكأنها من نسج الخيال غير أنها ثوابت، يقول الله له في القرآن: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ * قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلاً﴾ [المزمل:١ - ٢] فقام وما جلس، وجاهد وما استكان، قام ثلاثاً وعشرين سنة، ليله دموع وخشوع وبكاء، ونهاره صلاة وصيام وجهاد، وبذل وتضحية، ثلم في عرضه، وثلم في جسمه، وفي بيته، ورسالته، ومع ذلك يستمر ويضحي، ويدفع دمه ودموعه ووقته وماله ﵊.
إن على الدعاة الذين يدعون إلى الله على بصيرة؛ أن يعرفوا أنهم سوف يدفعون الثمن غالياً، والمهج والأرواح رخيصة في سبيل الله.
الرسول ﵊ يُدمى عقبه، فيقول: ﴿اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون﴾ يروى أن ملك الجبال أتاه فقال: ﴿أتريد أن أطبق على قريش الأخشبين، قال: لا.
إني أرجو الله أن يخرج من أصلابهم من يعبد الله لا يشرك به شيئاً﴾ فيخرج الله من صلب أبي جهل عكرمة، ومن صلب الوليد خالداً، ومن صلب فلان الميت فلاناً الحي: ﴿وَتُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَتُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ﴾ [آل عمران:٢٧] فتكسر ثنيته، ويُقتل أصحابه، ويُشرد من وطنه، ويكذب ويطارد ومع ذلك يرى أنه ما بذل شيئاً:
إن كان سركم ما قال حاسدنا فلما لجرح إذا أرضاكم ألم
وفي آخر المطاف بعد هذا البذل والتضحية يقول الله له: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ * وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجاً * فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّاباً﴾ [النصر:١ - ٣] ولو بذلت فاستغفر الله، ولو أعطيت فاستغفر الله، إن مِنَنَ الله أعظم مما قدمت وأعطيت.
فيا معاشر الدعاة! مهما بذلتم وأعطيتم فإن نعم الله وأياديه أفضل وأعظم مما بذلتم وقد متم للأمة.
стр. 3060
التزود بالعبادة والتقوى
السادس: استصحاب الزاد في الطريق الشاق، زاداً من العبادة المتأملة، والذكر الحي، والخشوع العجيب، والتبتل المنقطع النظير، لقد جعلت الثقافة الغربية من دعاتها أناساً يحملون العلوم في أذهانهم سلات مهملات: ﴿يَعْلَمُونَ ظَاهِراً مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ﴾ [الروم:٧] ﴿بَلِ ادَّارَكَ عِلْمُهُمْ فِي الْآخِرَةِ بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْهَا بَلْ هُمْ مِنْهَا عَمُونَ﴾ [النمل:٦٦] يعلمون كل شيء إلا الآخرة، ويعرفون كل شيء إلا الدين، ولذلك لا أثر لهم في قلوب الناس ولا حياة.
أما محمد ﵊ فأعطى الجزء الكبير من وقته للعبادة؛ لأنها الزاد والطاقة للداعية التي تجعل كلمة الداعية حارة صادقة مخلصة تصل إلى القلوب، فلا تموت الكلمات إلا يوم تموت القلوب، ولا تموت المبادئ إلا يوم تموت الأعناق بالمنن، ولا تموت المناهج في الأرض إلا يوم يموت أصحابها في أوحال الأطماع والشهوات، فلا يبقي لهم الله أصلاً ولا ذكراً.
والرسول ﵊ يقوم الليل -أكثر من ست ساعات- يقوم معه أحد محبيه وأتباعه: حذيفة، فلا يستطيع أن يواصل، ويقوم ابن مسعود فيقول: ﴿هممت بأمر سوء، قالوا ماذا هممت؟ قال: هممت أن أجلس وأدعه﴾ ويصوم ﵊ فيواصل، ويذكر الله دائماً على لسانه، فيكون مدده زاداً من العبادة وتوجهاً من الطاعة، لأن الله دائماً يطالب منه أن يكون عابداً مهما انشغل بشواغل الحياة، أو بمشاغل الناس.
стр. 3061
التفوق في أسلوب الدعوة
السابع: التفوق في أسلوب الدعوة، تفوقاً تاجه اللين، لين يسبي القلوب، ويشتري به الأرواح ويملك به الرقاب، وأنا أقول عن هذه الصحوة المباركة: إنها صحوة معتدلة ومتأنية، منضبطة في العموم الغالب، إنه لا يحكم عليها بالتطرف أبداً، وليس التطرف في الصحوة الإسلامية ظاهرة حاشا وكلا، فليس بظاهرة، ربما أتت صور لا يخلو منها البشر؛ لكن العموم والسواد الأغلب صحوة منضبطة، عاقلة، متزنة، تعرف الكتاب والسنة، وتتعامل مع الواقع بحكمة، وهي بإذن الله أساس سعادة البلاد والعباد، وهي بإذن الله تبشر بالخير؛ لأنها صحوة قامت على التوحيد، وجعلت محمداً ﵊ إمامها، ولأنها صحوة، جعلت أياديها في أيادي البعض والتفت حول القيادة العلمية الراشدة في هذه البلاد، فهي تسير بخطى مطمئنة إلى الله .
إن التطرف في غير الصحوة كثير وهناك تطرف يسمى التطرف اللاديني، وذلك في الكأس، وفي الاستهزاء بالدين، والسخرية بالصالحين، في الحداثة، والزندقة وبيع القيم والهجوم على المرأة وإخراجها سلعة، وبالتشدق والسخرية بالكتاب والسنة، وفي السفر إلى الخارج للمعصية، هذا هو التطرف اللاديني.
أيها المسلمون! كان ﵊ ليناً، قال الله تعالى: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾ [آل عمران:١٥٩] وأنا أقول وأنتم تقولون معي: لم ننجح في دعوتنا إلا باللين، الله يرسل موسى ﵊ مع هارون إلى فرعون فيقول لهما: ﴿فَقُولا لَهُ قَوْلاً لَيِّناً لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى﴾ [طه:٤٤].
تعهدني بنصحك في انفراد وجنبني النصيحة في الجماعه
فإن النصح بين الناس نوع من التوبيخ لا أرضى استماعه
فإن خالفتني وعصيت أمري فلا تجزع إذا لم تعط طاعه
والله يقول للرسول ﵊ الداعية: ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ﴾ [فصلت:٣٤] وفعلاً دفع بالتي هي أحسن، فأتى أعداؤه الذين قاتلوه في المعارك يبكون يوم الفتح بين يديه ويقولون: ﴿تَاللَّهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنَا وَإِنْ كُنَّا لَخَاطِئِينَ﴾ [يوسف:٩١].
لقد تفوق باللين، هل سمعتم منه كلمة نابية؟ أن هناك كلمة نابية في كتب السنة عنه، هل جرح المشاعر؟ هل سب وشتم؟ لا.
بل كان متأدباً، كان ينزل الناس منازلهم، ولم يكن يفضح الناس، أو يشهر بالعصاة، كان يقوم على المنبر فيقول: ﴿ما بال أقوام يفعلون كذا وكذا﴾ فيفهم المخطئ أنه أخطأ، ولا يدري الناس أن المخطئ فلان بن فلان، أي حكمة هذه: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم:٤] ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [النحل:١٢٥].
стр. 3062
العمل بما يدعو إليه
الثامن: العمل بما يدعو إليه، فإذا جوارحه تسبق لسانه، ودمعاته تسبق عباراته، وإذا هو قرآن يمشي على الأرض، وقداسة تتحرك على الكوكب، يقول للناس: صلوا، وهو أول المصلين، ويقول: اخشعوا، وهو أول الخاشعين، ويقول: تصدقوا، وهو أول الباذلين، ويجاهد ويدعو إلى الجهاد، وهو الذي يحمل السيف في أول الصفوف.
ولذلك لام الله دعاة بني إسرائيل والمتلاعبين بالألفاظ، ومرتزقة الفكر الذين يقولون ما لا يفعلون، قال تعالى: ﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلا تَعْقِلُونَ﴾ [البقرة:٤٤] أتعلمون الناس الفضيلة وأنتم في الرذيلة؟! أتعلمون الناس الأمن وأنتم أهل الفتنة؟! أتعلمون الناس الانضباط وأنتم أهل الهمجية؟! أتعلمون الناس البذل وأنتم أهل الإمساك؟! أتعلمون الناس الشجاعة وأنتم جبناء!
يا أيها الرجل المعلم غيره هلاَّ لنفسك كان ذا التعليم
ابدأ بنفسك فانهها عن غيها فإذا انتهت عنه فأنت حكيم
كان ﵊ يقول كما عند البخاري في كتاب العلم: ﴿إن أعلمكم بالله وأتقاكم لله أنا﴾ صدقت.
أنت أتقى الناس وأعلم الناس، وأنت أخشى الناس؛ لأنك تعمل بما تقول، إن مما يفضح الدعوات ويحطم المسيرة؛ أن يرى الناس دعاة أفعالهم تخالف كلامهم، يقولون كلاماً جميلاً على المنبر لكن الفضائح تظهر في تصرفاتهم وتكذب أقوالهم على المنابر، أما الرسول ﵊ فحاشا وكلا، في صحيح مسلم أن عائشة ﵂، سئلت عن خلقه ﵊ فقالت: ﴿كان خلقه القرآن﴾.
стр. 3063
استغلال المواهب
الأمر التاسع من أسباب انتصاره: استغلال المواهب، وتوجيه القدرات، والاستفادة من العقول التي استنارت بنور الوحي، معنى ذلك أن يوضع الرجل المناسب في المكان المناسب قال: أبو الطيب المتنبي:
فوضع الندى في موضع السيف بالعلا مضر كوضع السيف في موضع الندى
عمرو في منزلة عمرو، وزيد في مكانة زيد، فعلها ﵊ أتى إلى الخامات من أصحابه، فعرف قدراتهم واستعداداتهم فوجههم الوجهة الصحيحة التي ينتج فيها أصحابها، أتى إلى أبي بكر فإذا أبو بكر رجل ريادة وسيادة وإدارة وسياسة، فجعله خليفة من بعده، وأتى إلى عمر فإذا هو داهية عملاق قوي، فأوكل إليه مهمة تدوين الدواوين وتجنيد الجنود وتجييش الجيوش.
ومعاذ: ﴿أعلمكم بالحلال والحرام معاذ﴾ وخالد، خالد مهمته تقطيع رءوس الذين لا يؤمنون بالله واليوم الآخر، لأن استعداد خالد أن يكون مجاهداً وهذه ثغرات المسلمين.
إن الرجل المناسب الذي يصلح الله به الحال يجب أن يكون مناسباً في حاله وفي مقامه، فالخطيب خطيباً، والمهندس مهندساً، والطبيب طبيباً، والمجاهد مجاهداً، ولا نقول للطبيب: كن واعظاً، ولا للواعظ: كن مهندساً، ولا للمفتي: كن طبيباً، لا.
لأن تداخل التخصصات معناه انثلام في صرح الرسالة الخالدة التي أتى بها ﷺ .
يقول ﷺ يمدح خالداً -أيمدحه بكثرة الحفظ؟ إن خالداً فيما يذكر عنه لم يكن يحفظ كل القرآن أيمدحه بحفظ الحديث؟ لم يكن يحفظ الحديث، أيمدحه بالفتيا؟ لم يكن عنده الفتيا، يقول: ﴿خالد سيف سله الله على المشركين﴾.
ثابت بن قيس بن شماس، خطيب يدخل الجنة بالخطابة، وحسان أديب يدخل الجنة بالأدب، وبلال مؤذن يدخل الجنة بالأذان.
فعلى رواد الصحوة وأبطال العقيدة أن يصنفوا الشباب كل فيما يخصه، وكل رجل في المكان الذي يناسبه، ليفعل مثلما فعل ﵊.
стр. 3064
الوعد بالجنة
العاشر: وعد ﵊ محبيه وأتباعه برضا الله، وجنة عرضها السماوات والأرض، هذا هو الثمن للتضحيات، وأيما ثمن دونه فإنما هو غبن لا يساوي الجهد المبذول، يقول له الأنصار: ﴿يا رسول الله! أئن نصرك الله ما لنا؟ قال: لكم الجنة﴾ ليس عنده دنانير، هو أصلاً ليس مساوماً، لا يلعب بالنار، وهو لا يشتري دعايات، فهو ﵊ ليس في اقتراع أصوات ولا في انتخابات، لا.
بل من أراد الجنة فطريقها من لا إله إلا الله، ومن أراد النار سلك طريقها: ﴿إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِراً وَإِمَّا كَفُوراً﴾ [الإنسان:٣]
يأتي أبو بكر فيقول: يا رسول الله! إذا آمنت بك ما لي؟ قال: الجنة قال الأنصار: ﴿يا رسول الله! إن نصرناك فما لنا، قال: الجنة، قالوا: ربح البيع لا نقيل ولا نستقيل﴾ ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنْ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمْ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْداً عَلَيْهِ حَقّاً فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنْ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمْ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ [التوبة:١١١]
الرسول ﵊: لم يُمن أحداً بمنصب، ولا مال، ولا برتبة ولا قصر، أو دار، أو بمديحة بل قال لهم: رضا الله والجنة.
صح عنه ﵊، أنه قال: ﴿من يقتل خالد بن سفيان الهذلي وله الجنة، فذهب عبد الله بن أنيس فقتله، فقال: يا رسول الله! ألي الجنة؟ قال: لك الجنة، قال: ما علامة ذلك؟ قال: خذ هذه العصا، علامة بيني وبينك يوم القيامة﴾ تتوكأ بهذه العصا -إن شاء الله- في الجنة، والمتوكئون بالعصي في الجنة قليل وأخذها عبد الله بن أنيس ليتوكأ بها في الجنة إن شاء الله.
يقوم على المنبر -والقصة صحيحة- فيقول: ﴿من يجهز جيش تبوك وله الجنة؟﴾ ليس عند الرسول ﵊ إلا الجنة، ليس عنده رشوة ولا مداهنة ولا زهرة الدنيا، فجهزه عثمان، فقال: ﴿اللهم ارض عن عثمان فإني عنه راض، ما ضر عثمان ما فعل بعد اليوم﴾.
إن التربية التي تربي الشباب على الجوائز لذاتها فحسب، سوف تربي جيلاً مادياً رأسمالياً، نعم نحن نشجع الناس بالجوائز، لكن المقصد رضوان الله، وجنة عرضها السماوات والأرض، نقول للحافظ: احفظ القرآن ليرضى الله عنك، وليلبسك حلة على رءوس الأشهاد، ثم لك جائزة، ونقول للشاب: احفظ الأحاديث ولك جائزة بعد رضوان الله والجنة.
أما أن نجعل الجيل يطلبون بالدين وبالعلم الشرعي النافع أغراض الدنيا، فمعنى ذلك: الرياء والسمعة وإحباط العمل: ﴿وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنْ الْخَاسِرِينَ﴾ [الزمر:٦٥].
﴿أَلا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ﴾ [الزمر:٣] ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَداً﴾ [الكهف:١١٠].
بالله يا مسلمون! لو أن الرسول ﵊ -فرضاً وجدلاً- يوم بذل أصحابه مابذلوا وضحوا بما ضحوا به، قال لهم: أما جزاؤكم على تضحياتكم، فلك يا عمر الكوفة، ولك يا علي البصرة، ولك يا أبا بكر عشرة آلاف ألف دينار، ولك يا فلان! كذا وكذا، فكم هو ثمن بخس؟ وكم هو قلة؟ وكم هو ضياع؟ لكن قال: الجنة، ولذلك تسابقوا إلى الجنة.
جعفر خرج إلى مؤتة ليس عنده كسرة خبز من شعير، وكسرت السيوف في صدره وقطعت يداه وهو يقول:
يا حبذا الجنة واقترابها طيبة وبارد شرابها
والروم روم قد دنا عذابها كافرة بعيدة أنسابها
عليَّ إن لاقيتها ضرابها
أنس بن النضر في آخر رمق يقول: [[إليك عني، والذي نفسي بيده! إني لأجد ريح الجنة من دون أحد]].
стр. 3065
خلاصة في معنى آية: (قل هذه سبيلي)
هذه تعاليمه ﵊، ولذلك تفوق ﷺ تفوقاً خالداً، شهد له به التاريخ، فنجح نجاحاً باهراً.
﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي﴾ [يوسف:١٠٨] سبيله ماذا؟ طريقه ومنهجه ودستوره في الحياة، قبل أن يبعث إنساناً بعث داعية، لكنه داعية إنسان، ومبشر إنسان، ومنذر إنسان: ﴿إِنَّمَا أَنْتَ مُنذِرُ﴾ [المرسلات:٤٥] فالحصر هنا جعل مهمته الإنذار فحسب.
﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي﴾ [يوسف:١٠٨] وهي الطريق التي يسيرها محمد ﷺ وأتباعه من العلماء والدعاة وطلبة العلم.
(أدعو) وهذه لوحة شرف يحملها كل من دعا إلى منهج الله، والدعاة هم أشرف الناس بهذا، وهم أحظ الناس بهذا اللقب، قال تعالى: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحاً وَقَالَ إِنَّنِي مِنْ الْمُسْلِمِينَ﴾ [فصلت:٣٣] وصح عنه ﵊ أنه قال: ﴿لأن يهدي الله بك رجلاً واحداً خير لك من حمر النعم﴾.
﴿أَدْعُو إِلَى اللَّهِ﴾ [يوسف:١٠٨] ما أحسن العبارة.
﴿أدعو إلى الله﴾ [يوسف:١٠٨] أنا لا أدعو إلى نفسي، ولا أدعو إلى كياني أو شهرتي، أو منصبي، أو أغراضي، لا.
يا مسلمون! إن الدعاة اليوم والعلماء يدعون إلى الله على بصيرة، ليس عندهم ألغاز وأحاجي، فمبادئهم تعلن كل يوم خمس مرات من على المنبر، ما عندهم تكلموا به، يعلمون الناس: التوحيد والصلاة والزكاة والصيام والحج.
يعلمون الناس: السلوك والأدب والأخلاق، هذا ما عندنا وما عند الدعاة والعلماء وطلبة العلم؛ لأننا ندعو إلى الله.
ثم قال ﴿عَلَى بَصِيرَةٍ﴾ [يوسف:١٠٨] وأي بصيرة كهذه البصيرة التي يعيشها العلماء والدعاة في هذه البلاد وفي غيرها من البلاد الإسلامية في العموم الغالب؟
أليست بصيرة التوحيد؟ وهو موجود.
وبصيرة الحكمة؟ وهي موجودة.
من الذي كلما سلَّ الخوارج سيوف الفتنة لإزهاق الأرواح وإسالة الدماء قالوا: حرام؟ إنهم العلماء والدعاة، من الذين كلما هاج هائج وماج مائج قالوا: حرام فوقف مكانه؟ إنهم العلماء والدعاة، ومن الذي كلما أتى حداثي وزنديق ومارق ليشعل الفتنة ويستهزئ بالدين ويلطخ الشريعة، قالوا: حرام، فوقف؟
إنهم العلماء والدعاة، فهم يدعون إلى الله على بصيرة وعندهم المادة: العلم الشرعي، الكتاب والسنة، ولديهم الحكمة: يعرفون التدرج، أطباء القلوب، وساسة الأمة، ويوم تفقد الأمة العودة إلى العلماء؛ تخسر الصفقة، ويفوتها حظ وافر من القيادة والريادة، وربما تخفق في مسيرتها، ويوم يبتعد العلماء عن الشباب، ولا ينزل العلماء لقيادة الشباب تقع المسيرة في اضطرابات لا يعلمها إلا الله، وتنتهي الأمة إلى هاوية سحيقة من التشتت والتمزق والدمار.
والعلماء هم الرواد، وهم مدعون وقد فعلوا: والشباب مدعون وقد فعلوا: إن يلتحموا بالعلماء، وأن ينظروا إلى هذه القمم أنها شموع ومعالم في طريقهم إلى الله لا بد أن يُسمع لقولهم، وأن يعاد إليهم، وأن يشاوروا، وأن تحترم آراؤهم؛ لأنهم أعقل وأعلم، وأصدق وأخلص.
هذا الذي يجب على رواد هذه المسيرة أن يفعلوه: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنْ اتَّبَعَنِي﴾ [يوسف:١٠٨] من الدعاة والصالحين، والعلماء وطلبة العلم: ﴿وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنْ الْمُشْرِكِينَ﴾ [يوسف:١٠٨].
توحيد في أول المسيرة وتوحيد في آخرها: ﴿وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنْ الْمُشْرِكِينَ﴾ [يوسف:١٠٨].
لم تكن دعوته ﷺ رياءً ولا سمعة، وإنما كانت توحيداً خالصاً، يوم ينزل الإنسان ويدخل الدين يقول: (لا إله إلا الله): ويوم يموت، يموت على (لا إله إلا الله) ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ﴾ [محمد:١٩] فنسأل الله بصيرة وحكمة، وتوفيقاً وفقهاً في الدين.
أسأل الله بأسمائه الحسنى وصفاته العلا أن يوفق ولاة الأمر لما يحبه ويرضاه، وأن يأخذ بأيديهم لكل خير، وأن يوفق عامة المسلمين، وأن يهدي شبابهم، وأن يرد ضالهم، وأن يتوب على تائبهم، وأن يغفر ذنوبنا جميعاً.
سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
стр. 3066
هدي الرسول ﷺ في الطعام
لم يدع النبي ﷺ منحى من مناحي الحياة إلا وتحدث للأمة فيه، تحدث في الطعام، وفي اللباس والمنام وفي الصلاة والشرائع، والأدب وغيرها من مناحي الحياة الكثيرة.
وهذا الدرس يتحدث عن هديه ﷺ في الطعام، ومداره على قوله ﷺ للغلام: (يا غلام! سم الله، وكل بيمينك، وكل مما يليك).
стр. 3067
(يا غلام سم الله وكل مما يليك)
إن الحمد لِلَّهِ، نَحْمَدُهُ وَنَسْتَعِينُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ ونستهديه، وَنَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا وَمِنْ سَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا، مَنْ يَهْدِهِ اللَّهُ فَلا مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلا هَادِيَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنْ لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ وَحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وعلى آله وصحبه وَسَلَّمَ تسليماً كثيراً، صلى الله عليه كلما اجتمع جيلٌ من أجياله يتدارسون حديثه، وصلى الله عليه وسلم كلما اهتدى جيلٌ بنور ما ترك من ميراث، وصلى الله عليه وسلم كلما تاب تائب على شريعته المطهرة، ولقي الله بسنته الغراء.
أمَّا بَعْد:
فسلام الله عليكم ورحمته وبركاته، ولا زلنا في موكب محمد ﷺ ، نعيش مع أحاديثه، ونتدارس عبره وعظاته التي تركها للناس برهاناً وشريعة وسنة، تتحدى كل سنة وكل شريعة من شرائع البشر أو من قوانين الأرض، والرسول ﵊ لم يترك منحى من مناحي الحياة -أعلاها لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى من الطريق- حتى تحدث للأمة فيه، تحدث في الطعام والشراب، وفي اللباس والمنام، وتحدث في الصلاة والشرائع والعقائد والمعاملات والأخلاق والآداب والسلوك، حتى مات وما ترك خيراً إلا دلنا عليه، وما ترك شراً إلا حذرنا منه، فمن سار مسيرته فليحمد السُرى، ومن لم يفعل فلا يلومنّ إلا نفسه.
وهذا الحديث اتفق الشيخان الجليلان البخاري ومسلم على إخراجه، هذا الحديث الأغر لفظه وجيز قصير، لكنه شهير منير، يقول عمر بن أبي سلمة ﵁ وأرضاه: ﴿كنت غلاماً في حجر رسول الله ﷺ ، فكانت يدي تطيش في الصحفة، فقال لي رسول الله ﷺ : يا غلام! سم الله، وكل بيمينك، وكل مما يليك﴾.
هذا حديث في آداب الطعام يتبعه أكثر من خمسين حديثاً كلها صحيحة في جانب الطعام من حياة المؤمنين، الذي ما ترك ﷺ فيه جانباً كغيره من الجوانب حتى ملأه إرشاداً وحكمةً ونوراً، يقول عمر: ﴿كنت غلاماً في حجر رسول الله ﷺ ، فكانت يدي تطيش في الصحفة، فقال لي رسول الله ﷺ : يا غلام! سم الله، وكل بيمينك، وكل مما يليك﴾ رواه البخاري ومسلم وغيرهما.
أما عمر بن أبي سلمة فهذا الرجل أسدي، وهو ابن أم سلمة زوج رسول الله ﷺ ، فهو ربيب لرسول الله ﷺ عاش في حجره، فتلقن الأدب، ورضع الحكمة، واستسقى بنور الوحي الذي أنزل على رسول الله ﷺ ، ولد قبل الهجرة بسنتين، وتوفي عام ثلاث وثمانين للهجرة، بعدما شاخ في الإسلام، وهرم في الإسلام في الصلاة والصيام.
مفاد القصة: أن الرسول ﵊ من تواضعه كان يدنو على مائدته الكبير والصغير، والأعرابي والحاضر، فكان لا يأنف ﷺ أن يأكل مع الناس جميعاً من تواضعه، خلاف بعض الناس وأرباب الدنيا الذين لهم مجلس خاص، وأكل خاص، وكلام خاص، أما هو فكلامه عام ﷺ ، ووجه عام، جلس معه هذا الفتى وهو غلامٌ يافع لم يبلغ رشده، والغلام هو الذي ناهز الاحتلام، قال: فأتيت رسول الله ﷺ على مائدته، فأخذت يدي تطيش في الصحفة، والصحفة: إناء واسع رحراح متسع يأخذ كمية من الطعام، قال بعض أهل اللغة: تكفي للأربعة والثمانية والعشرة وتكفي الجمع الغفير.
فهذا الغلام ما قرأ في الأدب شيئاً، وما علم شيئاً، لماذا؟
لسببين: الأول: أنه صغيرٌ في سنه، والعاقل قد يرشد في أكله وفي كلامه وفي طعامه وفي أخذه وعطائه.
والثاني: أنه من الأمة العربية التي ما عرفت شيئاً حتى عرفها محمد ﷺ ، وما علمت شيئاً حتى علمها محمد ﷺ ، من الأمة العربية التي عاشت مخفوضة الرأس، حتى رفع رأسها محمد ﷺ .
إن البرية يوم مبعث أحمد نظر الإله لها فبدل حالها
بل كرم الإنسان حين اختار من خير البرية نجمها وهلالها
لبس المرقع وهو قائد أمة جبت الكنوز فكسرت أغلالها
يقول الله جل ذكره: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولاً مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ [الجمعة:٢] كانوا في ضلال في العقائد، وفي العبادات والمعاملات، حتى الأكل والشرب ما يحسنوا أن يأكلوا ويشربوا، فأتى هذا الغلام فطاشت يده في الصحفة، أي: لعبت في الصحفة يمنة ويسرة، شمالاً وجنوباً، وشرقاً وغرباً، فقال ﵊ له: ﴿يا غلام!﴾ وفي الصحيحين، من رواية وهب بن كيسان: ﴿يا بني! أدنُ، وسم الله، وكل بيمنك، وكل مما يليك﴾ ورواية الصحيحين الأخرى من طريق الزهري ﴿يا غلام! سم الله، وكل بيمينك، وكل مما يليك﴾.
والغلام قلنا: الفتى اليافع الذي ناهز الحلم، يقول : ﴿فَانْطَلَقَا حَتَّى إِذَا لَقِيَا غُلاماً فَقَتَلَهُ﴾ [الكهف:٧٤] انطلق موسى والخضر فلقيا غلاماً مناهزاً للحلم فقتله الخضر، فلامه موسى في قصة طويلة، ثم قال وهو يفصل له
الجواب
﴿ وَأَمَّا الْغُلامُ فَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤْمِنَيْنِ﴾ [الكهف:٨٠] فهنا غلام ما بلغ رشده قتله.
فلماذا يقتله؟
للفائدة: قال: لأنه خاف أن يرهق أبويه طغياناً وكفراً -يدخلهم في الكفر والعياذ بالله- وهذا من العلم الذي اختصه الله بالخضر، وهذا ليس بسط هذه المسألة، إنما قال: ﴿يا غلام! سم الله﴾.
стр. 3068
كره العرب للبخل والبخلاء
للطعام آداب تربو على ثلاثين أدباً، نذكر ما تيسر، والعرب في جاهليتها وفي إسلامها تفتخر بإطعام الطعام، وكل ذنب يغتفر عند العرب إلا البخل، العرب في الجاهلية يوطئون رءوسهم للكذاب، ولشاهد الزور، وللنمام، ولشرس الأخلاق، ولكن إذا سمعوا أن هناك بخيلاً أنفوا وغضبوا وأنكروا وشجبوا ونددوا.
ولذلك وفِد وفد بني سلمة على رسول الله ﷺ ، فقال: من سيدكم يا بني سلمة! قالوا: سيدنا الجد بن قيس على بخل فيه، قال ﷺ : ﴿أواه، وهل داء أدوى من البخل، بل سيدكم الجعد الأبيض عمرو بن الجموح﴾ فألغى ﷺ سيادته، وخلعه؛ لأنه بخيل لا يستحق السيادة، ولأمر آخر ذكره بعض أهل العلم، قالوا: إنه منافق.
الجد بن قيس هذا شيخ كبير، لكنه كبير في الضلالة والجهالة، ملأ النفاق قلبه، لما استنفر ﷺ الصحابة لغزوة تبوك، قال: يا رسول الله! إذا رأيت النساء فلا أصبر، فكيف إذا رأيت نساء بني الأصفر -أي: نساء الروم- ائذن لي ولا تفتني.
يقول: اتركني في المدينة ولا تفتني، فأنزل الله رداً عليه: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ ائْذَنْ لِي وَلا تَفْتِنِّي أَلا فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُوا وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكَافِرِينَ﴾ [التوبة:٤٩].
قال سلمة بن الأكوع: ما أنسى الجد بن قيس بعد بيعة الرضوان -الذين بايعوا رسول الله ﷺ تحت الشجرة- أتى هذا الرجل فضاع بعيره، فقالوا له: تعال بايع رسول الله ﷺ يستغفر لك رسول الله ﷺ ، قال: والله لأن ألقى جملي أحب إلى من أن يستغفر لي رسول الله ﷺ ، قالوا: تب إلى الله واستغفر فأتى ولوا رأسه، فنقل الله الحدث والصورة والمقالة والهيئة، فقال: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا يَسْتَغْفِرْ لَكُمْ رَسُولُ اللَّهِ لَوَّوْا رُؤُوسَهُمْ وَرَأَيْتَهُمْ يَصُدُّونَ وَهُمْ مُسْتَكْبِرُونَ﴾ [المنافقون:٥] ويقول تعالى: ﴿اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ﴾ [التوبة:٨٠].
ولذلك فهم ﷺ أن السبعين ليس حداً للعدد، فقال: ﴿والذي نفسي بيده، لو أعلم أني لو زدت عن السبعين مرة فغفر الله لهم لاستغفرت الله لهم﴾ ولكن يقول على سبيل المثل، كقولك: لو حياك سبعين تحية فلا تدخل بيته، وهو لو حياك سبعين تحية ما دخلت، وبسط هذا في موضع آخر.
الشاهد: أن الضيافة عند العرب من أعظم الأمور، ولذلك روى الترمذي في سننه بسند حسن، عن عبد الله بن سلام، وأصله يهودي لكن منَّ الله عليه بالإسلام، وهو الذي ذكره الله في سورة الأحقاف، قال: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كَانَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَكَفَرْتُمْ بِهِ وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرائيلَ عَلَى مِثْلِهِ فَآمَنَ وَاسْتَكْبَرْتُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ [الأحقاف:١٠].
فالشاهد من بني إسرائيل هو عبد الله بن سلام هذا، وقال عنه ﷺ لما أسلم وغيره: ﴿لو آمن بي عشرة من علماء اليهود لآمن بي اليهود جميعاً﴾ أو كما قال ﵊، فـ عبد الله بن سلام يقول: سمعت الناس انجفلوا في عهد رسول الله ﷺ لما وصل إلى المدينة -انجفلوا: أي: سعوا وجروا وهرولوا- قال: فانجفلت مع من انجفل، سمع الضجة والصجة وسمع الناس يحتشدون فاحتشد معهم، قال: فأتيت فإذا هم في سوق المدينة، قلت: من؟ قالوا: رسول الله ﷺ قدم من مكة وعبد الله بن سلام يقرأ التوراة بين يديه، ويعلم أوصاف الرسول ﵊.
قال: فنظرت إليه، فلما استبنت وجهه، عرفت أن وجهه ليس بوجه كذاب، ولذلك يقول ابن رواحة: لما رأى وجه الرسول ﵊:
لو لم تكن فيه آيات مبينة لكان منظره ينبئك بالخبر
يقول: يكفي أنه لا يأتي بمعجزات، يكفي أن تنظر إلى وجهه وحسب، وقالوا لـ أبي هريرة: ﴿كيف كان وجهه ﷺ ؟ قال: كان كالقمر ليلة أربعة عشر﴾ وقال: غيره، كأن الشمس تجري في وجهه ﷺ ، قال: فلما استبنت وجهة -يقول: ابن سلام - عرفت أن وجهه ليس بوجه كذاب، قال: فسمعته يتكلم -اسمع لكلمات الرسول ﵊ يقول: ﴿يا أيها الناس! أفشوا السلام، وأطعموا الطعام، وصلوا الأرحام، وصلوا بالليل والناس نيام، تدخلوا الجنة بسلام﴾ راوي الحديث عبد الله بن سلام، وآخر الحديث سلام، رواه الترمذي بسند على رجاله السلام.
стр. 3069
شروط إطعام الطعام
هذا الحديث من الرسول ﷺ قال فيه: ﴿وأطعموا الطعام﴾ فإطعام الطعام لا يتوفر لمطعمه إلا بثلاثة أمور:
стр. 3070
خدمة الضيف وتحيته
أولها: الخدمة، فإن المتكبر ولو أطعم طعامه ليس لطعامه طعم ولا مذاق، وبعض الناس إذا دخل عليه ضيفه في بيته ما خدم ولا حيّا ولا رحب ولا تكلم ولا انبسط، يجلس على كنبة منذ يدخل الضيف إلى أن يخرج، ويقبض وجهه، ولذلك يقول بشار بن برد:
وللبخيل على أمواله علل زرق العيون عليها أوجه سود
ولذلك يقول الأول الأزدي -جدكم يا بني الأزد-:
أحادث ضيفي قبل إنزال رحله ويخصب عندي والمكان جديب
وما الخصب للأضياف أن يكثر القرى ولكنما وجه الكريم خصيب
ولذلك قال بعض أهل البلاغة: مصداق هذا البيت من كتاب الله .
قوله: ﴿وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَا مُوسَى﴾ [طه:١٧] فإن موسى كان ضيفاً على الله في طور سيناء قبل أن يكلمه الله بالوحي ويرسله برسالة التوحيد، والله تعالى يعرف أنها عصا، ويعرف أن هذا موسى، ويعرف أن هذا الجبل هو الذي خلقه ، وخلق العصا وخلق موسى، لكنه لو نادى موسى لأول وهلة، وقال: ﴿إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا أَنَا﴾ [طه:١٤] كان هلع وخاف، فأراد أن يلاطفه وأن يوانسه وقال: ﴿وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَا مُوسَى﴾ [طه:١٧].
ولذلك العرب إذا دخل عليهم الضيف، قالوا: كيف حالكم؟ هل أتاكم من مطر؟ ما اسمك؟ ومن أي قبيلة أنت؟
وفي سنن الترمذي بسند فيه نظر، قال رسول الله ﷺ : ﴿إذا تعرف أحدكم على أخيه فليسأله عن اسمه وعن نسبه فإنه واصل المودة﴾ فالله يقول: ﴿وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَا مُوسَى﴾ [طه:١٧] فهش وبش للخطاب، وزاد في الجواب، قال الحسن البصري وهو يقرأ هذه الآية رحم الله موسى، سأله الله بكلمة، فأجاب بكلمات شوقاً في الخطاب، كان الجواب في لغة العرب لما قال له الله: ﴿وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَا مُوسَى﴾ [طه:١٧] أن يقول: هي عصا، لكن تحرك وألقى محاضرة، فقال: ﴿قَالَ هِيَ عَصَايَ أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا وَأَهُشُّ بِهَا عَلَى غَنَمِي وَلِيَ فِيهَا مَآرِبُ أُخْرَى﴾ [طه:١٨] فأراد أن يستطيل في الكلام، فقال الله : ﴿أَلْقِهَا يَا مُوسَى﴾ [طه:١٩].
قالوا: هذه العصا كانت هي الرسالة، وكانت عليها الأحداث، وكانت أم الأخبار، وما أدراك ما أخبارها؟!
فألقاها فإذا هي ثعبان فولى وتركها، وقبل أن يدخل خلع حذاءه، وبعد أن خرج ترك عصاه، وفي الأخير أخذ ينجو بنفسه، فناداه الله، ولكن موسى كان ذكياً فاهماً شجاعاً؛ ولذا سماه الله القوي الأمين، فعاد إلى الله -ولا بأس بالاستطراد في هذا ولو أنه ليس مفاد الدرس- فلما عاد إلى الله قال له الله: ﴿اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى﴾ [طه:٢٤].
ليته أرسله إلى بني كنعان في أريحا، أو إلى أهل العراق، لكن أرسله إلى الخصم اللدود الذي يطارد موسى في الجو والأرض، فماذا قال موسى -انظر إلى ذكائه وفطنته وفقهه في دين الله- قال: ﴿قَالَ رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي﴾ [طه:٢٥] وهذه أول منة يمنها الله على العبد، ولذلك امتن الله على رسوله ﷺ ، أول منة فقال له: ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ﴾ [الشرح:١] ثم قال: ﴿وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي﴾ [طه:٢٦] القصة.
إذاً فأول ما يأتي الخدمة وهي طلاقة الوجه، ولذلك يقول المقنع الكندي:
وإني لعبد الضيف ما دام نازلاً وما شيمة لي غيرها تشبه العبدا
يقول: أنا بي صفة من صفات العبد، ولكن لست بعبد أنا حر، لكن إذا نزل الضيف كنت عبده، ولذلك في صحيح البخاري، قال المغيرة بن شعبة: ﴿استضافني رسول الله ﷺ ، فأخذ يقطع لي اللحم بيده ﵊﴾ رسول البشرية ﵊ يستضيف أحد أصحابه فيقطع له اللحم ويضيفه، وكان عبد الله بن المبارك إذا دخل عليه ضيوفه قام فخدمهم، فلا بد في أمر الضيافة من الخدمة.
стр. 3071
بسط الوجه وحسن الحديث
والأمر الثاني: بسط الوجه، والابتسام، وحسن الحديث، ولذلك يقول:
تراه إذا ما جئته متهللاً كأنك تعطيه الذي أنت سائله
وسوف يمر معنا في هذا إن شاء الله كلام عن المكثرين في الطعام والمقلين، وعن الكرماء والبخلاء، وعن المتطفلين، ولا بأس أن نورد طائفة عن التطفل، التطفل: فن ورد عند العرب وأصله في الجاهلية، معناه أن يكون الإنسان في كل بيت، سواء يدعونه الناس أو لا يدعونه، يحضر الولائم متبرعاً بالحضور، ليس عنده أي ظرف أو أي شاغل يؤخره عن الحضور، فإذا سمع أن هناك وليمة، ذهب واستعان بالله واحتسب خطاه في سبيل الله وذهب وتغدى، وإذا سمع أن هناك عشاء جرى إلى ذاك البيت ليتعشى.
والطفيليون ألف فيهم ابن الجوزي كتاباً وألف فيهم الخطابي صاحب كتاب العزلة، وغيرهم من أهل العلم كثير.
روى ابن قتيبة في عيون الأخبار عن أحد الطفيليين هؤلاء الذين يريدون أكل أموال الناس بالباطل، لا يدعون ولا ترسل لهم دعوات، لكن يتبرعون بالمجيء، قال: أطل الطفيلي في بستان، فوجد صاحب البستان قد أحضر طعامه أمامه وبناته حوله، فلما نظر على سور البستان، وإذا هذا الطفيلي قد أطل برأسه، فقام ليضربه، ويقول صاحب البستان: أتنظر في بناتي؟ فيقول الطفيلي وكان ذكياً: إنك لتعلم ما لنا في بناتك من حق، وإنك لتعلم ما نريد، أي: يريد الطعام، فأنزله وخبأ بناته، وهذا حديث يطول سوف يمر معنا.
стр. 3072
آداب الطعام
أما الحديث الذي معنا هذه الليلة ففيه ثلاثة وصايا، لكن كل وصية تحتاج إلى حديث خاص: ﴿سم الله، وكل بيمينك، وكل مما يليك﴾.
стр. 3073
البسملة
أما سم الله، فمعناها: قل بسم الله، واختلف أهل العلم، هل يقول: بسم الله ويكتفي، أم يقول: بسم الله الرحمن الرحيم، والخلاف سهل ويسير والحمد لله، لكن الذي يظهر من النصوص أنه يقول بسم الله فقط، لحديث سوف يمر معنا عن عائشة في الترمذي ﴿أن الرسول ﷺ كان يقول: بسم الله﴾ والذي يقول: بسم الله الرحمن الرحيم، ليس عليه سجود سهو بعد الطعام -لأنه أخطأ فزاد الرحمن الرحيم- لا.
له أن يقول: بسم الله الرحمن الرحيم، الأحد، الصمد، الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفواً أحد، له ذلك، لكن السنة أن يقول: بسم الله.
والتسمية تكون في أمور:
الأمر الأول: عند الوضوء، والوضوء ورد في السنة وقد صح الحديث في ذلك والحمد لله، فروى الترمذي والدارقطني وعبد الرزاق في المصنف، بسند صححه أهل العلم، أن الرسول ﵊، يقول: ﴿لا وضوء لمن لم يذكر اسم الله عليه﴾ وبعض العلماء ضعفوا هذا الحديث، وقالوا: لا يصح بالكلية، لكن الصحيح أنه صحيح.
قال الشوكاني: إذا ذكر العبد وجب عليه أن يسمي في أول الوضوء، وإذا نسي سقطت عنه التسمية، ففي الوضوء لا بد من التسمية قبل أن يتوضأ العبد.
الأمر الثاني: عند الذبح، لقوله ﷺ في حديث البراء بن عازب: ﴿ومن لم يكن ذبح في الأضحية فليذبح بسم الله﴾ فهو سنة من السنن عند الذبح، وإذا أهدي له لحم من مسلمين أو من أهل كتاب، وعلم أنهم يذبحون على الطريقة الإسلامية ويسمون، وإلا فليسم.
الأمر الثالث: عند الخلاء، لحديث عند أبي داود أن الرسول ﵊ أمر الداخل إلى الخلاء أن يقول: ﴿بسم الله، أعوذ بالله من الشيطان الرجيم الرجس النجس﴾ وأيضاً: ﴿أعوذ بالله من الخبث والخبائث﴾ لكن بسم الله ورد عند أبي داود في السنن، فعندما يدخل العبد بيت الخلاء ودورة المياه فعليه أن يسمي، له ذلك كما ورد في السنة.
الأمر الرابع: عند الطعام والشراب: وهذا مفاد حديثنا، لحديث عمر هذا: ﴿سم الله﴾ ولأحاديث أخرى سوف نذكرها عند استعراض فوائد الحديث أو مسائل الطعام.
الأمر الخامس: عند قراءة الفاتحة، دل على ذلك نصوص، وعليه أهل العلم، واختلفوا في مسألة هل يجهر بها أم يسر بها، لكن أما البسملة فإنها واردة، والذي نفاها كـ أنس ﵁، نفى، الجهر بها، ما نفى أنها لا تقرأ، بل تقرأ في أول الفاتحة، فإذا استفتح العبد صلاته فليقل: بسم الله الرحمن الرحيم، ويبدأ بالفاتحة، وعند قراءة القرآن، وفي أول كل سورة، إلا سورة التوبة، لقوله ﷺ كما في السنن: ﴿أنزل علي آنفاً سورة ثم قرأ ﵊ بسم الله الرحمن الرحيم ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ﴾ [الكوثر:١]﴾ فعلم أن الرسول ﷺ قرأ بسم الله وجعلها في أول السورة.
الأمر السادس: في أول الرسائل، والمسلم له تميز في سلوكه وتعامله ورسائله، فمن السنة إذا كتبت رسالة أن تقول: بسم الله الرحمن الرحيم؛ لأن الحمدلة للخطب، والبسملة للرسائل، والدليل على ذلك ما في البخاري، من حديث ابن عباس، أن الرسول ﵊ كتب إلى هرقل عظيم الروم فقال: ﴿بسم الله الرحمن الرحيم، من محمد رسول الله إلى هرقل عظيم الروم﴾ الحديث.
الأمر السابع: عندما يجامع المسلم أهله، يقول ﵊ في حديث ابن عباس المتفق عليه: ﴿لو أن أحدكم إذا أتى أهله فقال: بسم الله، اللهم جنبنا الشيطان وجنب الشيطان ما رزقتنا، فرزق مولوداً لم يصبه الشيطان﴾ أو كما قال ﵊.
الأمر الثامن: عند دخول المنزل، لحديث جابر في مسلم ﴿إذا دخل العبد المسلم بيته، فقال: بسم الله، فإذا أكل قال: بسم الله، قال الشيطان: لا مبيت لكم ولا طعام فإذا دخل وذكر اسم الله، وأكل ولم يذكر اسم الله، قال الشيطان: أدركتم الطعام، ولم تدركوا المبيت، فإذا دخل ولم يسم في دخوله ولا على طعامه، قال الشيطان: أدركتم الطعام والمبيت﴾ نعوذ بالله من الشيطان الرجيم.
الأمر التاسع: عند الخروج من المنزل: يسمي العبد، وقد ورد في حديث أن الرسول ﷺ كان يقول: ﴿بسم الله، توكلت على الله، ولا حول ولا قوة إلا بالله﴾ ثم حديث أم سلمة ﴿اللهم إني أعوذ بك أن أضل أو أضل، أو أزل أو أزل، أو أظلم أو أظلم، أو أجهل أو يجهل علي﴾ الحديث، هذه الأماكن وغيرها من المواقف والحالات التي ينبغي على العبد أن يذكر الله فيها، وهو متلبس في هذه المواطن، وكلما ذكر الله حفظه الله ورعاه ووقاه.
هذه مسألة التسمية.
стр. 3074
التيامن
مسألة كل بيمينك: هذا التيامن، يكون في أمور: تقول عائشة ﵂ وأرضاها كما في الحديث الصحيح: ﴿كان رسول الله ﷺ يعجبه التيمن في تنعله وترجله وطهوره وفي شأنه كله﴾ فالتيمن -بارك الله فيكم- يكون في التنعل وهو أن يلبس المسلم حذاءه اليمنى ثم اليسرى، ويقاس على ذلك ما يلبس من ملابس داخلية ليكون المسلم مسلماً في سلوكه وآدابه وهديه ونومه ويقظته ليتولاه الله .
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: بعض الناس يعرف من الإسلام المجمل، لكن تفصيل الإسلام لا يعرفه، ولا يعرف هذا تفصيل الإسلام إلا بالسنة المطهرة التي أتت تبياناً لكل شيء مع القرآن.
فهذا تفسير الإسلام الذي أتى به محمد ﷺ ؛ ففي لبس الحذاء يلبس اليمنى، وإذا أراد أن يخلع يبدأ بخلع اليسرى، والترجل معناه: تمشيط الرأس، لمن أراد أن يرجل رأسه، إذا ربى المسلم رأسه، بشرط أن يربي لحيته، أما أن يربي رأسه ويحلق لحيته على الصفر، فإذا قلت له في ذلك، قال: أنا أتبع السنة، أين السنة؟ لا بد أن تكون في الرأس وفي اللحية أما:
يوماً يمانٍ إذا لاقيت ذا يمن وإن لقيت معدياً فعدناني
فلا ينبغي هذا، فالترجيل في الشعر هو أن يبدأ بميمنة رأسه ثم بالميسرة، وعند الطهور يبدأ من الميامن، وهذا عند كثير من المحدثين من الواجبات، وبعضهم قال: ليس من الواجبات، ونقلوا عن علي كما في مصنف ابن أبي شيبة [[أنه وضأ يده اليسرى ﵁ وأرضاه ثم غسل اليمنى، ثم وضأ رجله اليسرى ثم غسل اليمنى]] لكن الصحيح أن يتيامن العبد في وضوئه، وهذا الذي دلت عليه النصوص، وحديث عائشة بعمومه يدل على هذا.
السواك: يحب ﷺ التيمن حتى في السواك، لكن الآن هل معنى التيمن أن يأخذ المسلم السواك بيمينه إذا تسوك أم لا؟ لأن عند أبي داود في زيادة عن إسماعيل بن إبراهيم ﴿كان يتيمن ﷺ حتى في سواكه﴾ يقول بعض أهل العلم: التيمن أن يبدأ بميمنة الفم عند السواك، وقال غيرهم أن يأخذه بيمينه، أما ابن تيمية في مجلده الحادي والعشرين من الفتاوى، فيقول: يتسوك المسلم بيسراه، وهذا قد مر معنا في بحث، والصحيح أن يأخذه باليمنى بأدلة.
والأكل والشرب -كما مر معنا- يكون بالميمنة، وفي حديث ابن عمر يقول ﵊: ﴿إذا أكل أحدكم فليأكل بيمينه، وإذا شرب فليشرب بيمينه، فإن الشيطان يأكل بشماله، ويشرب بشماله﴾.
المصافحة: من سنته ﵊ هو والصحابة أنهم يتصافحون بأيمانهم، وقال ﵊ لما أتى أهل اليمن، فصافحوا الصحابة بأيمانهم، قال: ﴿أتاكم أهل اليمن بالمصافحة﴾ والأخذ والعطاء في البيع والشراء والمعاطاة والمقاضاة بالميمنة إلا من عنده عذر.
стр. 3075
الأكل مما يلي الشخص
قوله: (وكل مما يليك): سوف يمر معنا إن شاء الله، أما هذا الحديث فإنه من آداب الطعام، وهناك مسائل لا بد أن تفهم المسألة الأولى: التسمية على الطعام، وقد مر معنا شيء من عمومياتها، لكن عن عائشة ﵂ وأرضاها، قالت: يقول ﷺ : ﴿إذا أكل أحدكم فليقل باسم الله في أول طعامه، فإذا نسي في أوله فليقل باسم الله أوله وآخره﴾ روى هذا الحديث أبو داود والترمذي وهو حديث صحيح، فإذا نسي العبد في أول الطعام، فليقل في وسطه أو في آخره: بسم الله أوله وآخره.
وشكا وحشي قاتل حمزة إلى رسول الله ﷺ كما عند أبي داود وابن ماجة وأحمد شكا إلى رسول الله ﷺ ، قال: ﴿يا رسول الله! إنا نأكل ولا نشبع، قال ﵊: لعلكم تفترقون، اجتمعوا واذكروا اسم الله يبارك لكم فيه﴾.
وحشي قتل حمزة بن أبي طالب رضي الله عن حمزة وأرضاه، عم رسول الله ﷺ وأخوه من الرضاعة، وهو من أعظم رجالات الإسلام، وهو من المؤثرين في تاريخ الجهاد في سيرة محمد ﵊.
وما تأثر ﵊ من قتلى أحد، ولا من إراقة دم أحد من أصحابه ما تأثر من قتل حمزة، حتى وقف عليه وقال: ﴿لأمثلن منهم بسبعين﴾ ووحشي هذا قيل: إنه لما أسلم، وقتل مسيلمة، قال: قتلت أعظم المسلمين، وقتلت أعظم الكافرين، أو كما قال.
لكن ورد في السيرة -تعرض القصة للاعتبار- قال أحد الناس: دخلت عليه فإذا هو شيخ كبير - وحشي هذا- قد سقط حاجباه على عينيه وهو يتعاطى الخمر، فرفع أمره إلى عمر ﵁، فقال عمر: [[والله الذي لا إله إلا هو إن الله لا يفلت قاتل حمزة]] ثم جلده، فأمره عند الله ، لكن هذا ورد للذكرى وللاعتبار، ولا يغتر المسلم، وليسأل الله حسن الخاتمة، فإن الأمور بالخواتيم، ومن أحسن الله خاتمته ثبته وهداه سواء السبيل.
والمسألة الثانية: كما مر معنا الأكل باليمين، ودليلها: ﴿لا يأكل أحدٌ منكم بشماله، ولا يشرب بشماله، فإن الشيطان يأكل بشماله ويشرب بشماله﴾ روى هذا الحديث مسلم ومالك في الموطأ وأبو داود في السنن والترمذي في السنن، وإذا روى البخاري حديثاً أو مسلم فحسبك به، فقد تجاوز الحديث القنطرة.
خذ ما رأيت ودع شيئاً سمعت به في طلعة البدر ما يغنيك عن زحل
إذا سمعت أنه رواه البخاري ومسلم فليطمئن قلبك وليهدأ بالك، فكأنك عاينت الأمر معاينة.
وعن سلمة بن الأكوع عند مسلم، وهو يذكر الحديث عن المتكبرين الذين يأكلون بالشمال، أن رجلاً وفد على رسول الله ﷺ فأخذ يأكل بشماله، فقال ﵊: ﴿كل بيمينك، قال: لا أستطيع، قال ﵊ -يدعو عليه-: لا استطعت، ما منعك إلا الكبر، فما رفعها إلى فمه﴾ يبست وانتهت وجفت وشلت فما رفعها أبداً؛ لأنه خالف أمر رسول الله ﷺ ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [النور:٦٣].
والمسألة الثالثة: قوله ﷺ : ﴿كل مما يليك﴾ عن عكراش بن ذؤيب قال: ﴿وفدت على رسول الله ﷺ فقدمت لنا صحفة كثيرة الوذر أي: عليها دسم وشحم وسمن كثير- فأخذت يدي تطيش في الصحفة، فقال لي ﷺ : يا عكراش! كل مما يليك، فبدأت آكل مما يليني، قال: فقدمت له صحفة ﷺ فيها تمر، فبدأت آكل مما يليني، فقال ﷺ : خذ يا عكراش، إذا كان الطعام طعاماً واحداً؛ فكل مما يليك، وإذا كان أنواعاً فتخير﴾ فقال أهل العلم: إذا كان الطعام متبايناً، كأن يكون تمراً مختلف الأحجام، بعضه أكبر من بعض، ويمكن صاحب البيت أنه جعل الكبار في جهته ومما يليه، وجعل عندك الحشف؛ فإنه يحق لك حقاً شرعياً أن تطيش يدك في الصحفة؛ فتأخذ مما هب ودب، فلا تبقى يدك في الطرف الذي عندك، لكن تأخذ.
هذا إذا كان التمر أنواعاً، أو كان يقدم اللحم فجعل الشحم مما يليك، وجعل اللحم مما يليه، فإنه يجوز لك أن تقتحم وتخترق الأجواء حتى تصل إلى اللحم، وهذا الحديث رواه الترمذي وضعفه؛ لأن فيه العلاء بن فضل، قال: يضعف في الحديث، لكن معانيه ظاهرة، فإذا اختلفت الأنواع، فليتميز وليختر العبد، وإذا كان أرزاً واحداً أو ثريداً واحداً، فليس له ذلك وما له إلا مما يليه، كما قال ﵊.
стр. 3076
هيئة القعود عند الأكل
المسألة الرابعة: هيئة القعود: يقول ﵊ كما في صحيح البخاري وغيره: ﴿إني لا آكل متكئاً﴾ قال الخطابي: يزعم كثير من أهل اللغة أن الاتكاء معناه الاعتماد، كما نعرف نحن الاتكاء على اليمنى أو على اليسرى، قال: وليس هذا كل المعنى، بل الاتكاء كذلك الذي يشمله الحديث هو الذي يتربع في جلسته إذا أراد أن يأكل فهذا متكئ، لكن لا أدري هل يوافق أهل العلم على كلام الخطابي؟ لأن الاتكاء إذا أطلق عرف أنه اعتماد الشخص على أحد جانبيه، وأما هذا ففيه معنىً مجازي، أو يدخله عموم الحديث.
إذاً فنهى ﷺ عن الاتكاء، وأن يأكل العبد متكئاً، لماذا؟
قيل: لأن هذه الهيئة هيئة المتكبرين المتجبرين، وكذلك يلحق به الشراب، ألا يشرب العبد متكئاً، ولا يأكل متكئاً؛ لأن المتواضع يجلس ويحمد الله على هذه النعمة، أما الجبار المتهتك؛ فإنه يتكئ، ويغني وهو يأكل، لا يسمي ولا يحمد الله ولا يذكر هذه النعم.
﴿دخلت امرأة على رسول الله ﷺ فوجدته يأكل وهو متمسكنٌ في هيئته، فقالت: انظروا له، يأكل كما يأكل العبد، ويجلس كما يجلس العبد، فقال: وهل هناك عبدٌ أعبد مني﴾ فهو عبد الله ورسوله الذي عرف حقوق العبودية.
ولذلك دخل عليه أحد الناس -قيل: إنه ابن قيلة - يوم الفتح، فلما رأى الرسول ﵊، ورأى الحرس من الصحابة الأخيار قد سلوا السيوف على رأسه، ورأى الكتائب قد تدفقت كأنها أمواج البحر دخلت الحرم عشرة آلاف، أخذ هذا العربي يرتجف وترتعد يداه، ويكلم الرسول ﵊، فيقول ﵊: ﴿هون عليك فإني ابن امرأة كانت تأكل القديد بـ مكة﴾ يقول: أنا ابن امرأة كانت تأكل القديد -والقديد: هو اللحم الذي يجز ثم يطبخ بالملح، ثم يعلق بالبيت ويبقى له أشهر ما يتعفن- فيقول: أنا ابن امرأة كانت تأكل القديد بـ مكة.
نعم ابن امرأة كانت تأكل القديد في مكة، لكنه محرر أذهان البشرية من الخرافة والوثنية، وباني مجد هذه الأمة بفضل الله وبعونه، ومؤسس نور الإسلام ﵊.
هذه الهيئات نهى عنها ﷺ ، ويلحق بها هيئة المنبطح، فقد ورد في حديث فيه ضعف: ﴿أنه نهى ﷺ أن يأكل العبد منبطحاً على بطنه أو منقعراً على ظهره﴾ إلا من عذر كمرض أو عاهة أصابته فهذا عذره الله حتى في الصلاة.
وأما في القيام فهل للعبد أن يأكل أو يشرب قائماً أو وهو يمشي أم لا؟
يقول ابن عمر ﵁: ﴿كنا نمشي ونحن نأكل في عهد الرسول ﷺ ﴾ وفي لفظ: ﴿كنا نأكل ونحن نمشي في عهده ﷺ ﴾ لكن في صحيح مسلم عن قتادة عن أنس، قال: ﴿نهى ﷺ أن يشرب العبد واقفاً﴾ قال قتادة لـ أنس: [[والأكل، قال: الأكل أخبث]].
فما دام نهى رسول الله ﷺ عن الشرب واقفاً، فالأكل كذلك أولى أن ينهى عنه، لكن الشرب والأكل لأعذار، إما في زحمة أو في عجلة فلك ذلك، وأما في غير ذلك فلا يستصاغ، فالرسول ﷺ شرب واقفاً كما في زمزم، قيل: لعذر الزحام، أو قيل: لعذر العجلة.
أما في غيرها فلا ينبغي، لكن إذا كنت مستعجلاً، أو في مكان لا يناسب الجلوس، أو كان في مكان ازدحم فيه الناس فلك أن تأكل واقفاً وتشرب واقفاً.
стр. 3077
النهي عن الجلوس على حرام
المسألة الخامسة: النهي عن الجلوس على حرام: كل مائدة عليها حرام كخمر أو لحم خنزير، نهى ﷺ الجلوس عليها، فقال: ﴿من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يجلس على مائدة يدار عليها الخمر﴾ وهذا من حديث جابر رواه الترمذي والنسائي، فلا يحق للعبد في سفراته أو في روحاته أو في أي أمكنة مع جلساء السوء أن يجلس على مكان فيه خمر أو فيه لهو، فإنه يعادي الله بهذا الصنيع، ومطعم المأكول كالآكل، وهو أقر بصنيعه وسكوته أقرهم على هذا المنكر العظيم، فلا ينبغي له، إما أن ينهى وإما أن يقوم.
стр. 3078
لعق اليد بعد الطعام
المسألة السادسة: لعق اليد بعد الطعام، من نعمة الله على العبد المسلم أن يرزقه التواضع في حركاته وسكناته ومشربه ومطعمه، والمتكبر يعرف حتى في الكلام، ومن ميز المتكبرين وخصائصهم أنهم لا يلعقون أيديهم بعد الطعام، يذهب أحدهم بالطعام في يده فيغسله، ويأنف أن يلعقها أمام الناس.
لكن رسول الهداية ﷺ أمر بلعق اليد؛ لأنها نعمة من نعم الله ، ولا يدري العبد في أي طعامه البركة، هل في أوله أو في آخره؟ أو البركة في هذا الشيء الملعوق الذي بقي في اليد؟ فيقول ﵊: ﴿إذا أكل أحدكم طعاماً فليلعق يده أو يُلعقها﴾ يَلعقها بنفسه، أو يعطيها ابنه أو بنته تلعقها، وكذلك الصحفة، روى هذا الحديث البخاري ومسلم وأبو داود، وهذا من ألطف الآداب التي أتى بها رسول الهدى ﷺ .
ولذلك روي عن تاجر في عهد السلف الصالح من أكبر التجار، حتى إنه كان يقول: ما أدري أين أضع مالي؟ قال له بعض الناس: أسألك بالله وما هي هذه التجارة وما أولها وقد كنت من أفقر الناس، قال: كنت في بيتي إذا أكل أهلي الطعام أقوم في البيت فأدرج، فإذا وجدت فتاتاً رمي في الأرض أخذته وجمعته وأكلته، وحمدت الله؛ فرأيت أن هذا من سبب هذا، فمن يقدر نعمة الله ويشكرها ويعيدها، ويستغلها في طاعته يوزعه الله شكرها ويزيده: ﴿لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ﴾ [إبراهيم:٧].
ولذلك ذكر أهل التاريخ قصص كثير من الناس أساءوا في استخدام هذه النعمة فعدموا وأملقوا، منهم خليفة عباسي، قيل: القاهر، وقيل: المقتدي، بنى داراً له، فجعلها كلها من فضة، وجعل أعمدتها من ذهب، والأواني كلها من فضة خالصة، وفي الأخير رأى الله تلاعبه بالمال، وإسرافه فأخذه أخذ عزيز مقتدر، يقول ابن كثير -وعودوا إليه في المجلد الحادي عشر- انتهى به الحال إلى أنه عزل من الخلافة، وقام يستجدي الناس في المساجد ويتطلب، لأنه لم يشكر نعمة الله ، ويستغلها ويصرفها في مصارفها، جعله الله عبرة أن يقف أمام الناس ويطلبهم، ويستقرضهم من مال الله ، وكثير من العبر التي ذكرها الله ، كما في قصة قارون وغيره.
стр. 3079
غسل اليد والفم قبل الطعام وبعده
المسألة السابعة: غسل اليد والفم قبل وبعد الطعام، وهذا لا بأس فيه فإنه من عادات العرب قبل الإسلام، وعادات العرب أجمل من عادات غير العرب، لا نقولها من باب العصبية ولا الحمية؛ لأن هناك غير العربي من هو أفضل من العرب: ﴿فَإِنْ يَكْفُرْ بِهَا هَؤُلاءِ فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا قَوْماً لَيْسُوا بِهَا بِكَافِرِينَ﴾ [الأنعام:٨٩] لكن ابن تيمية يقول: إذا لم نجد أصلاً فلا نتشبه بغير العرب، لكن في حديث سلمان، قال: ﴿يا رسول الله! إني وجدت في التوراة أن من بركة الطعام الوضوء قبله، والوضوء بعده، قال ﵊: نعم، من بركة الطعام الوضوء قبله، والوضوء بعده﴾ روى هذا الحديث أبو داود والترمذي وسنده ضعيف فيه المعلى بن راشد.
قال ابن قتيبة ﵀: الوضوء قبل الطعام معناه غسل اليدين، هذا الوضوء عند العرب، توضأ، أي: أن تغسل يديك، وقيل: أن تمسح وجهك كذلك، والصحيح: أنه على فرض صحة الحديث فمعناه: الوضوء غسل اليدين كما قال ابن قتيبة، وعلى ضعفه فالحمد لله ضعف الحديث فلك أن تغسل يدك من باب الأدب.
وأما عمر ﵁ فإنه قضى حاجته وأتى وقد قدموا السفرة الخوان ليأكل ﵁ وأرضاه وهو خليفة، فقال له رجل من أهل اليمامة من بني حنيفة: يا أمير المؤمنين! أتأكل ولا تتوضأ، قال: أجئت بهذا من عند نبيك مسيلمة؟! أي: أتيت بهذا الحديث من عند نبيك مسيلمة؟! كيف لا يعلم عمر ﵁، وهو ثاني خلفاء الإسلام، وحصن من حصون هذا الدين.
قد كنت أعدى أعاديها فصرت لها بفضل ربك حصناً من أعاديها
فيعلمه السنة، يقول: جئت بهذا الحديث من عند مسيلمة؟
أي: لو كان من عند محمد ﷺ كنا عرفناه، فأكل، وقالوا لـ ابن عمر: ألا نقدم لك وضوءاً تتوضأ قبل أن تأكل، قال: لولا التغطرس لما غسلت يدي، ذكر هذا الحديث عن ابن عمر ابن الأثير في المجلد السادس من كتاب جامع الأصول.
إذاً: فغسل اليد وارد إذا كانت وسخة، وهو من بركة الطعام إن شاء الله؛ إذا كان هذا الحديث قائماً على أرجله.
стр. 3080
إزالة الغمر
المسألة الثامنة: إزالة الغمر، وهو زهومة اللحم وودس اللحم، وكثير من الناس إذا حضر ضيفة أو وليمة، لا يغسل يديه من هذا الودس ومن هذا الغمر، وهو خطير؛ لأن الشيطان كما قال ﵊: ﴿حساس لحاس﴾ ويقول ﵊: ﴿من نام وفي يديه شيء من الغمر، فأصابه شيء فلا يلومن إلا نفسه﴾ روى هذا الحديث أبو داود والترمذي وسنده حسن.
﴿إن الشيطان حساس لحاس﴾ قالوا حساس: قوي الإدراك، لحاس: يلعق بلسانه، فمن بات وفي يده أو فمه شيء من وضر أو غمر أو ودس أو دسم فأصابه شيء، أي: مس من جن أو غيره، فلا يلومن إلا نفسه.
стр. 3081
الوضوء مما مسته النار هل هو مشروع ؟
المسألة التاسعة: هل يتوضأ العبد مما مست النار؟ طبخ طبيخاً على النار فأكله، وأنضج لحماً فأكله، هل يتوضأ بعده؟
كان هذا في أول الإسلام، لكن قال جابر وغيره من الصحابة كان آخر الأمرين منه ﷺ ترك الوضوء مما مست النار، إذاً فالحمد والشكر لله، كل ما مست النار إذا كان حلالاً طيباً نأكله ولا نتوضأ منه إلا من لحوم الجمال، فإنه صح الحديث عنه ﷺ ، كما في صحيح مسلم عن جابر بن سمرة، قال: ﴿قلت: يا رسول الله! أتوضأ من لحوم الغنم؟ قال: إن شئت، قال: أتوضأ من لحوم الإبل؟ قال: نعم﴾.
فالتوضؤ من لحوم الإبل وارد وهو السنة، وهو القول الراجح لهذا الحديث ولغيره من الأدلة، وأما غيره من الأطعمة فلا يتوضأ منها.
стр. 3082
المضمضة بعد شرب اللبن
المسألة العاشرة: المضمضة بعد اللبن: ﴿شرب ﷺ لبناً فلما قام إلى الصلاة، قام فتمضمض وقال: إن له دسماً﴾ وهذا عند أهل العلم على الندب؛ لأن اللبن لا يفسد الوضوء ولا يعطل الطهارة، والأحسن أن المسلم إذا شرب شاياً أو قهوةً أو لبناً وأراد أن يقوم للصلاة فليتمضمض هذا من السلوك والأدب، حتى يستطيع أن يقرأ القرآن، ما جعل السواك إلا لأنه مطهرة للفم ومرضاة للرب، وليستطيع المسلم أن يقرأ القرآن، ويذكر الله بنشاط، ويكون ريح فمه طيباً؛ لأن الله طيبٌ لا يقبل إلا طيباً.
وإذا بدأ المسلم -كما في أثر- يقرأ القرآن وضع الملك فمه على فم المسلم وهو يقرأ القرآن، ولكن في بعض الأوقات قد تمر بالإنسان ظروف أو عجله، فله أن يدخل في الصلاة بلا مضمضة، يقول المغيرة بن شعبة كما في صحيح البخاري: ﴿استضافني رسول الله ﷺ ، فأخذ يقطع لي اللحم بالسكين، فلما أكلت وأكل سمع النداء فقام ولم يتوضأ﴾ ولم يذكر المضمضة، فالمسكوت عنه مسكوت، لا نحدث نحن احتمالاً ونقول: يمكن أنه تمضمض ثم قام ﷺ .
وفي السنن: ﴿أن الرسول ﵊ زار بني سلمة، فمر ﵊ وإذا بقدر يغلي فيه لحم جمل، فأخذ منه قطعة ﷺ ، قال الراوي: فو الله ما أزال أذكره ﷺ يلوكها في فمه، حتى دخل مسجده وهو يمشي، وهو يقول للناس: استووا فابتلعها، ثم كبر عليه الصلاة السلام﴾ وهذا من قوله : ﴿وَنُيَسِّرُكَ لِلْيُسْرَى﴾ [الأعلى:٨] فهو من أيسر الناس في تعامله ﵊ وفي حياته كلها.
стр. 3083
ذمّ النهم في الأكل
المسألة الحادية عشرة: ذم النهم في الأكل: كثرة الأكل مذمومة في الإسلام إذا تجاوز الحدود وأصبح مقصود العبد كثرة الأكل والطعام والشراب، وهو مذموم لكثرة المفاسد التي وردت، فذم ﵊ كثرة الأكل والنهم فيه، وقال في حديث المقدام بن معدي كرب الزبيدي الذي رواه الترمذي وهو صحيح: ﴿ما ملأ ابن آدم وعاء شراً من بطنه، بحسب أحدكم لقيمات يقمن صلبه﴾ أو كما قال ﵊.
والمكثرون من الأكل في الإسلام كثير منهم عمرو بن معدي كرب الزبيدي، ليس الرواي هذا، قيل: غيره، يقولون: كان من أكثر الناس، وهو زبيدي مذحجي، لكنه مقدام العرب، هو أشجع العرب في الإقدام، إذا تقدمت الصفوف، وسلت السيوف، وارتفع الصياح، وامتزجت الرماح رأيت عمرو بن معدي كرب في الصف الأول، ولذلك ذكروا عنه أنه في الجاهلية فر قومه جميعاً، وهو لم يحضر المعركة، فعاد إلى أخته -ذكر هذا أهل التاريخ- فقال: اصنعي لي طعاماً، وذبح هو عنزاً، فصنعت له كثيراً من الطعام، فأكله جميعاً وأكل العنز، ثم أخذ سيفه وأتى المعركة، وقد فر أصحابه.
أمن ريحانة الداعي السميع يؤرقني وأصاحبي هجوع
إذا لم تستطع شيئاً فدعه وجاوزه إلى ما تستطيع
فأخذ يطارد الخصم والأعداء وهو وحيد حتى قتلهم، وأخذ الأموال فسموه عند العرب مقدام العرب، ولذلك يقول أبو تمام للمعتصم:
إقدام عمرو في سماحة حاتم في حلم أحنف في ذكاء إياس
سمع عمر ﵁ بـ عمرو بن معدي كرب الزبيدي، فقال: "ليته يقدم علينا " فقدم وأسلم، ولما أتى كان الناس يتحدثون حتى في المدينة عن شجاعته، وعن سيف عمرو بن معدي، وعن ضربه في الأعداء، فدخل على عمر وإذا بهذه الجثة التي ما شاء الله تبارك الله فيما خلق الله ، فقدم له عمر أقراصاً من شعير وزبيب وشيئاً من تمر فأكله، ثم قدم له طعاماً آخر فأكله، قال: "يا أمير المؤمنين! ضيفني، قال: أضيفك حجار الحرة " الحرة: حرة في المدينة فيها حجارة سود، ثم قال له عمر: "يا عمرو بن معدي كرب! أين سيفك الصمصامة؟ قال: هذا هو يا أمير المؤمنين! فسل سيفه، فأخذه عمر فهزه" وإذا السيف ليس بذاك الذي يذكر، فقال عمر ﵁ وأرضاه لقد ذكر لي السيف أكثر من هذا، فقال: يا أمير المؤمنين! إنك رأيت السيف وما رأيت اليد التي تضرب بالسيف فشكره عمر، وقام عمر يتكلم في الوفود، فقال: الحمد لله الذي خلقنا وخلق عَمْراً.
وذكر ابن كثير وغيره كـ ابن جرير، أنه حضر معركة القادسية مع سعد ﵁ وأرضاه، فلما أتت المعركة كان عمرو أعمش البصر لكبر سنه، فأتى أول المعركة فأخذ سهماً، ثم أطلقه يريد به أحد الفرس فوقع هذا السهم في أذن فرسه، فتضاحك المسلمون.
فغضب ﵁ وأرضاه، ونزل من على الفرس ثم أخذ رجلاً من فارس من الكفار، فوضع يمناه على رأس هذا الفارسي، ووضع يسراه بأرجله ثم رفعه وكسر ظهره، وقال: افعلوا بهم هكذا، ذكره أهل التاريخ ولا يستبعد.
هذه بعض اللطائف عن الخلفاء التي وردت عنهم، وإنما نذكرها كما ذكرها أهل العلم، ومن أراد أن يعود إليها فليعد إليها، وهي لا تنفع ولا تضر، ولكنها كالوردة تشم ولا تعك إن شاء الله.
بقي من الآداب التي ينبغي أن تذكر في مثل هذا المكان، أن الرسول ﵊ قال كما في صحيح البخاري ومسلم والموطأ والترمذي: ﴿المسلم يأكل في معي واحد، والكافر يأكل في سبعة أمعاء﴾.
وسبب هذا الحديث أن جهجاه الغفاري قدم على رسول الله ﵊، وكان كافراً فأسلم، فطلب لبناً فحلبوا له شاة فشربها، وحلبوا الثانية فشربها، وحلبوا الثالثة فشربها، حتى أعدم حليب سبع شياه، فلما أسلم في اليوم الثاني شرب حليب شاة واحدة فكفاه، فقال: ﴿يا رسول الله! شربت البارحة حليب سبع شياه -وهذا في الصحيح- وما كفاني، واليوم كفاني حليب شاة؟! قال ﷺ : المسلم يأكل في معي واحد، والكافر يأكل في سبعة أمعاء﴾.
وهذا من بركة الإسلام؛ لأن الشيطان، وإخوان الشيطان، وأخوال الشيطان وأعمامه يأكلون مع الكافر، أما المسلم فلا يأكل معه شيطان.
стр. 3084
عدم إعابة الطعام
المسألة الثانية عشرة: من أدب المسلم ألا يعيب طعاماً: لا يقول: هذا كثير الملح، وهذا أكثروا عليه من الفلفل، ويقول: حسبنا الله! كثروا الليمون على هذا، والله المستعان! هذا ما أنضجوه، وإنا لله وإنا إليه راجعون، وهذا وهذا فإن هذا ليس من هدي المسلم، إنما إن اشتهى شيئاً أكله، وإن لم يشته شيئاًَ تركه، ويقول: الحمد لله.
الدليل على ذلك: حديث أبي هريرة قال: ﴿ما عاب رسول الله ﷺ طعاماً قط، إن اشتهاه أكله، وإن كرهه تركه﴾ وكان يمدح بعض الأطعمة، حتى ولو كانت حامضة، الخل فيه حموضة، يقول ﷺ : ﴿نعم الإدام الخل﴾ أنه يتأدم به، فمن أدب المسلم أن يحمد الله .
وذكروا عن بعض الصالحين أنه ما قدم له طعام فقال فيه كلمة، يأكل ما استطاع أو يترك، ويقول: الحمد لله، وهذا في سيرهم كثير.
стр. 3085
الذباب إذا وقع في الطعام
المسألة الثالثة عشرة: الذباب إذا وقع على الطعام: يأنف كثير من الناس وخاصة من المتكبرين أو من أهل النعم الوفيرة أن يأكلوا طعاماً أو يشربوا شراباً وقع فيه ذباب، حتى يقول شاعرهم:
إذا وقع الذباب على طعام رفعت يدي ونفسي تشتهيه
وتجتنب الأسود ورود ماء إذا كن الكلاب ولغن فيه
فيقول: أنا ما آكل طعاماً ولا أشرب شراباً وقع الذباب فيه، أما الإسلام فيقول: لا؛ كيف تهدر النعم التي أنعم بها الله تعالى عليك، والله إنما أعطاك هذه النعم رزقاً لك، لتستعين بها على طاعته، ولتقدر بها هذه النعمة، فكلما رأيت شراباً سفكته، من لبن، أو سمن، أو عسل؛ لأن فيه ذباباً، ليس هذا منطق لا عند العقلاء ولا عند العلماء.
فالرسول ﵊ كما عند البخاري، وفي سنن أبي داود، قال: ﴿إذا وقع الذباب في إناء أحدكم فليغمسه، ثم لينزعه، فإن في أحد جناحيه داء، وفي الآخر دواء﴾.
يقول الأستاذ عبد المجيد الزنداني وهو يتكلم عن هذه المسألة، وقد سمعه كثير منكم إن هذا الداء والدواء سرٌ اكتشفه رسول الله ﷺ أو تحدث به، وهو من الأسرار العجيبة في هذا الدين، وتكفي في هذه النظرية لأهل الطب الكافر الملحد أن يؤمنوا ويدخلوا في دين الله أفواجاً، واكتشفوا هذه النظرية بعد خمسة عشر قرناً، ووجدوا أن الداء هو الذي يقع من الذباب سابقاً في الطعام أو في الشراب، فالدواء هذا يطفئ الداء الذي فيه -والحديث صحيح بلا شك- سواء في لبن أو سمن أو عسل أو في غيره، ويصدق العبد بهذا، ويمتثل أمر الله .
следующие страницы →