Полный текст (10 391 стр.). Показаны 3081–3120 · переход к 3086.
стр. 3081
الوضوء مما مسته النار هل هو مشروع ؟
المسألة التاسعة: هل يتوضأ العبد مما مست النار؟ طبخ طبيخاً على النار فأكله، وأنضج لحماً فأكله، هل يتوضأ بعده؟
كان هذا في أول الإسلام، لكن قال جابر وغيره من الصحابة كان آخر الأمرين منه ﷺ ترك الوضوء مما مست النار، إذاً فالحمد والشكر لله، كل ما مست النار إذا كان حلالاً طيباً نأكله ولا نتوضأ منه إلا من لحوم الجمال، فإنه صح الحديث عنه ﷺ ، كما في صحيح مسلم عن جابر بن سمرة، قال: ﴿قلت: يا رسول الله! أتوضأ من لحوم الغنم؟ قال: إن شئت، قال: أتوضأ من لحوم الإبل؟ قال: نعم﴾.
فالتوضؤ من لحوم الإبل وارد وهو السنة، وهو القول الراجح لهذا الحديث ولغيره من الأدلة، وأما غيره من الأطعمة فلا يتوضأ منها.
стр. 3082
المضمضة بعد شرب اللبن
المسألة العاشرة: المضمضة بعد اللبن: ﴿شرب ﷺ لبناً فلما قام إلى الصلاة، قام فتمضمض وقال: إن له دسماً﴾ وهذا عند أهل العلم على الندب؛ لأن اللبن لا يفسد الوضوء ولا يعطل الطهارة، والأحسن أن المسلم إذا شرب شاياً أو قهوةً أو لبناً وأراد أن يقوم للصلاة فليتمضمض هذا من السلوك والأدب، حتى يستطيع أن يقرأ القرآن، ما جعل السواك إلا لأنه مطهرة للفم ومرضاة للرب، وليستطيع المسلم أن يقرأ القرآن، ويذكر الله بنشاط، ويكون ريح فمه طيباً؛ لأن الله طيبٌ لا يقبل إلا طيباً.
وإذا بدأ المسلم -كما في أثر- يقرأ القرآن وضع الملك فمه على فم المسلم وهو يقرأ القرآن، ولكن في بعض الأوقات قد تمر بالإنسان ظروف أو عجله، فله أن يدخل في الصلاة بلا مضمضة، يقول المغيرة بن شعبة كما في صحيح البخاري: ﴿استضافني رسول الله ﷺ ، فأخذ يقطع لي اللحم بالسكين، فلما أكلت وأكل سمع النداء فقام ولم يتوضأ﴾ ولم يذكر المضمضة، فالمسكوت عنه مسكوت، لا نحدث نحن احتمالاً ونقول: يمكن أنه تمضمض ثم قام ﷺ .
وفي السنن: ﴿أن الرسول ﵊ زار بني سلمة، فمر ﵊ وإذا بقدر يغلي فيه لحم جمل، فأخذ منه قطعة ﷺ ، قال الراوي: فو الله ما أزال أذكره ﷺ يلوكها في فمه، حتى دخل مسجده وهو يمشي، وهو يقول للناس: استووا فابتلعها، ثم كبر عليه الصلاة السلام﴾ وهذا من قوله : ﴿وَنُيَسِّرُكَ لِلْيُسْرَى﴾ [الأعلى:٨] فهو من أيسر الناس في تعامله ﵊ وفي حياته كلها.
стр. 3083
ذمّ النهم في الأكل
المسألة الحادية عشرة: ذم النهم في الأكل: كثرة الأكل مذمومة في الإسلام إذا تجاوز الحدود وأصبح مقصود العبد كثرة الأكل والطعام والشراب، وهو مذموم لكثرة المفاسد التي وردت، فذم ﵊ كثرة الأكل والنهم فيه، وقال في حديث المقدام بن معدي كرب الزبيدي الذي رواه الترمذي وهو صحيح: ﴿ما ملأ ابن آدم وعاء شراً من بطنه، بحسب أحدكم لقيمات يقمن صلبه﴾ أو كما قال ﵊.
والمكثرون من الأكل في الإسلام كثير منهم عمرو بن معدي كرب الزبيدي، ليس الرواي هذا، قيل: غيره، يقولون: كان من أكثر الناس، وهو زبيدي مذحجي، لكنه مقدام العرب، هو أشجع العرب في الإقدام، إذا تقدمت الصفوف، وسلت السيوف، وارتفع الصياح، وامتزجت الرماح رأيت عمرو بن معدي كرب في الصف الأول، ولذلك ذكروا عنه أنه في الجاهلية فر قومه جميعاً، وهو لم يحضر المعركة، فعاد إلى أخته -ذكر هذا أهل التاريخ- فقال: اصنعي لي طعاماً، وذبح هو عنزاً، فصنعت له كثيراً من الطعام، فأكله جميعاً وأكل العنز، ثم أخذ سيفه وأتى المعركة، وقد فر أصحابه.
أمن ريحانة الداعي السميع يؤرقني وأصاحبي هجوع
إذا لم تستطع شيئاً فدعه وجاوزه إلى ما تستطيع
فأخذ يطارد الخصم والأعداء وهو وحيد حتى قتلهم، وأخذ الأموال فسموه عند العرب مقدام العرب، ولذلك يقول أبو تمام للمعتصم:
إقدام عمرو في سماحة حاتم في حلم أحنف في ذكاء إياس
سمع عمر ﵁ بـ عمرو بن معدي كرب الزبيدي، فقال: "ليته يقدم علينا " فقدم وأسلم، ولما أتى كان الناس يتحدثون حتى في المدينة عن شجاعته، وعن سيف عمرو بن معدي، وعن ضربه في الأعداء، فدخل على عمر وإذا بهذه الجثة التي ما شاء الله تبارك الله فيما خلق الله ، فقدم له عمر أقراصاً من شعير وزبيب وشيئاً من تمر فأكله، ثم قدم له طعاماً آخر فأكله، قال: "يا أمير المؤمنين! ضيفني، قال: أضيفك حجار الحرة " الحرة: حرة في المدينة فيها حجارة سود، ثم قال له عمر: "يا عمرو بن معدي كرب! أين سيفك الصمصامة؟ قال: هذا هو يا أمير المؤمنين! فسل سيفه، فأخذه عمر فهزه" وإذا السيف ليس بذاك الذي يذكر، فقال عمر ﵁ وأرضاه لقد ذكر لي السيف أكثر من هذا، فقال: يا أمير المؤمنين! إنك رأيت السيف وما رأيت اليد التي تضرب بالسيف فشكره عمر، وقام عمر يتكلم في الوفود، فقال: الحمد لله الذي خلقنا وخلق عَمْراً.
وذكر ابن كثير وغيره كـ ابن جرير، أنه حضر معركة القادسية مع سعد ﵁ وأرضاه، فلما أتت المعركة كان عمرو أعمش البصر لكبر سنه، فأتى أول المعركة فأخذ سهماً، ثم أطلقه يريد به أحد الفرس فوقع هذا السهم في أذن فرسه، فتضاحك المسلمون.
فغضب ﵁ وأرضاه، ونزل من على الفرس ثم أخذ رجلاً من فارس من الكفار، فوضع يمناه على رأس هذا الفارسي، ووضع يسراه بأرجله ثم رفعه وكسر ظهره، وقال: افعلوا بهم هكذا، ذكره أهل التاريخ ولا يستبعد.
هذه بعض اللطائف عن الخلفاء التي وردت عنهم، وإنما نذكرها كما ذكرها أهل العلم، ومن أراد أن يعود إليها فليعد إليها، وهي لا تنفع ولا تضر، ولكنها كالوردة تشم ولا تعك إن شاء الله.
بقي من الآداب التي ينبغي أن تذكر في مثل هذا المكان، أن الرسول ﵊ قال كما في صحيح البخاري ومسلم والموطأ والترمذي: ﴿المسلم يأكل في معي واحد، والكافر يأكل في سبعة أمعاء﴾.
وسبب هذا الحديث أن جهجاه الغفاري قدم على رسول الله ﵊، وكان كافراً فأسلم، فطلب لبناً فحلبوا له شاة فشربها، وحلبوا الثانية فشربها، وحلبوا الثالثة فشربها، حتى أعدم حليب سبع شياه، فلما أسلم في اليوم الثاني شرب حليب شاة واحدة فكفاه، فقال: ﴿يا رسول الله! شربت البارحة حليب سبع شياه -وهذا في الصحيح- وما كفاني، واليوم كفاني حليب شاة؟! قال ﷺ : المسلم يأكل في معي واحد، والكافر يأكل في سبعة أمعاء﴾.
وهذا من بركة الإسلام؛ لأن الشيطان، وإخوان الشيطان، وأخوال الشيطان وأعمامه يأكلون مع الكافر، أما المسلم فلا يأكل معه شيطان.
стр. 3084
عدم إعابة الطعام
المسألة الثانية عشرة: من أدب المسلم ألا يعيب طعاماً: لا يقول: هذا كثير الملح، وهذا أكثروا عليه من الفلفل، ويقول: حسبنا الله! كثروا الليمون على هذا، والله المستعان! هذا ما أنضجوه، وإنا لله وإنا إليه راجعون، وهذا وهذا فإن هذا ليس من هدي المسلم، إنما إن اشتهى شيئاً أكله، وإن لم يشته شيئاًَ تركه، ويقول: الحمد لله.
الدليل على ذلك: حديث أبي هريرة قال: ﴿ما عاب رسول الله ﷺ طعاماً قط، إن اشتهاه أكله، وإن كرهه تركه﴾ وكان يمدح بعض الأطعمة، حتى ولو كانت حامضة، الخل فيه حموضة، يقول ﷺ : ﴿نعم الإدام الخل﴾ أنه يتأدم به، فمن أدب المسلم أن يحمد الله .
وذكروا عن بعض الصالحين أنه ما قدم له طعام فقال فيه كلمة، يأكل ما استطاع أو يترك، ويقول: الحمد لله، وهذا في سيرهم كثير.
стр. 3085
الذباب إذا وقع في الطعام
المسألة الثالثة عشرة: الذباب إذا وقع على الطعام: يأنف كثير من الناس وخاصة من المتكبرين أو من أهل النعم الوفيرة أن يأكلوا طعاماً أو يشربوا شراباً وقع فيه ذباب، حتى يقول شاعرهم:
إذا وقع الذباب على طعام رفعت يدي ونفسي تشتهيه
وتجتنب الأسود ورود ماء إذا كن الكلاب ولغن فيه
فيقول: أنا ما آكل طعاماً ولا أشرب شراباً وقع الذباب فيه، أما الإسلام فيقول: لا؛ كيف تهدر النعم التي أنعم بها الله تعالى عليك، والله إنما أعطاك هذه النعم رزقاً لك، لتستعين بها على طاعته، ولتقدر بها هذه النعمة، فكلما رأيت شراباً سفكته، من لبن، أو سمن، أو عسل؛ لأن فيه ذباباً، ليس هذا منطق لا عند العقلاء ولا عند العلماء.
فالرسول ﵊ كما عند البخاري، وفي سنن أبي داود، قال: ﴿إذا وقع الذباب في إناء أحدكم فليغمسه، ثم لينزعه، فإن في أحد جناحيه داء، وفي الآخر دواء﴾.
يقول الأستاذ عبد المجيد الزنداني وهو يتكلم عن هذه المسألة، وقد سمعه كثير منكم إن هذا الداء والدواء سرٌ اكتشفه رسول الله ﷺ أو تحدث به، وهو من الأسرار العجيبة في هذا الدين، وتكفي في هذه النظرية لأهل الطب الكافر الملحد أن يؤمنوا ويدخلوا في دين الله أفواجاً، واكتشفوا هذه النظرية بعد خمسة عشر قرناً، ووجدوا أن الداء هو الذي يقع من الذباب سابقاً في الطعام أو في الشراب، فالدواء هذا يطفئ الداء الذي فيه -والحديث صحيح بلا شك- سواء في لبن أو سمن أو عسل أو في غيره، ويصدق العبد بهذا، ويمتثل أمر الله .
стр. 3086
الطعام عند حضور الصلاة
المسألة الرابعة عشرة: الطعام عند حضور الصلاة: ما هو الحل إذا حضرت الصلاة وحضر الطعام؟
من السنة إذا أَذَّن المؤذن أن ينتظر قليلاً، ليفرغ الآكل من أكله، والشارب من شربه، والمتوضئ من مدخله، لا يؤذن ثم يقيم مباشرة، لكن يؤذن ثم يقف لحظات حتى يأتي المسلمون، الدليل على ذلك حديث جابر عند الترمذي، قال: قال رسول الله ﷺ لـ بلال: ﴿إذا أذنت فترسل، وإذا أقمت فاحدر، واجعل بين أذانك وإقامتك بمقدار ما يفرغ الآكل من أكله، والشارب من شربه، والداخل من دخوله﴾ أو كما قال ﷺ ، هذا الحديث رواه الترمذي وفي سنده عبد المنعم بن نعيم البصري وهو متروك، فضعف به الحديث.
وأما إذا حضرت الصلاة فابدأ بالطعام قبل الصلاة، بشرط ألا يكون هذا من الحيل المذمومة، يجعل الإنسان قدره في وقت الأذان، فإذا سمع الله أكبر، أنزل القدر وحول، وقال: الله المستعان حبسنا عن الصلاة التي تعادل أجر الجماعة سبعاً وعشرين مرة، لكن الطعام حضر، والله يعلم السر وأخفى، يعلم أنه وقَّت ليكون حاجباً له عن الصلاة، هذا لا يجوز وهذه حيلٌ باطلة وتلاعب: ﴿يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ﴾ [النساء:١٤٢].
لكن إذا حضر في بعض الأوقات فلقول أنس: [[إذا قدم الطعام فابدءوا به قبل أن تصلوا المغرب]] هذه رواية الصحيح؛ لأن الصحابة أو كثيرٌ منهم كانوا يأكلون قبل صلاة المغرب.
وهناك أمور في الدرس كقصص سليمان وعمرو بن معدي كرب، أقول: هذه ليست في صحيح البخاري وليست في صحيح مسلم، وليست من كلام الله ، ولا من كلام رسوله ﷺ ، والعهدة على أصحابها كـ ابن كثير وابن عبد ربه وابن قتيبة كما أوردوها، وهذا ليس فيه حلال ولا حرام، ولا عقائد ولا شرائع، وإنما تورد كما أوردها أهل العلم استئناساً، وقد أورد ابن الجوزي كثيراً منها، كما في الحمقى والمغفلين، وأورد ابن قتيبة أكثر من هذه -لكن أعرضت عنها- في عيون الأخبار وابن كثير في البداية والنهاية، ومن قرأ عرف هذه، لكن هذه تسمى عند أهل العلم من السير ومن اللطائف والأخبار التي هي كزهر الربيع تشم ولا تعك؛ لأنه لا ينبني عليها شيء.
ونحن لو ذهبنا نتقصى بعد كل قصة وردت، ووراء كل حدث وقع في الدنيا لما بقيت لنا ولا قصة واحدة، كمعركة بدر الآن، عدد المقاتلين، وعدد الحضور، والقتلى، وهيئة المعركة ليست في البخاري ولا في مسلم، لكن في السير لابن إسحاق وابن هشام وغيره، فلو ذهبنا نضعف كل رواية لما طلع لنا إلا ما يقارب عشرة أحاديث فما تصورنا المعركة تصوراً تاماً.
والإمام أحمد يقول: ثلاثة علوم لا أساس لها، المغازي والفتن والملاحم، وقيل: التفسير بدل الملاحم؛ لأنها المغازي.
والأخ الثاني يقول: إنني ذكرت أنه يتوضأ من لحم الإبل، لكن الرسول ﷺ ذكرت أنا أنه أتى من بني سلمة وهو يلوك لحم جمل ثم دخل في الصلاة؟ أقول: أما الحديث فلا بد أن يُتأكد منه، وأنا مر بي ومر بكثير من الإخوة وهو في السنن، وإما أن يكون في سنده شيء، وإما أن يكون نسخ ترك الوضوء منها، وأمر ﷺ بالوضوء من لحمها ﵊.
стр. 3087
حمد الله بعد الطعام والشراب
بقى بعض المسائل: منها حمد الله عقب الطعام والشراب: صح عنه ﷺ من حديث أنس أنه قال: ﴿إن الله ليرضى عن العبد أن يأكل الأكلة فيحمده عليها، ويشرب الشربة فيحمده عليها﴾ يرضى عنه ، وقيل: يغفر له، ويكفي أنه يرضى عنه، فإذا أكل المسلم أو شرب فليقل الحمد لله رب العالمين، وليحمد الله ﴿لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ﴾ [إبراهيم:٧] ولفظ الحمد، يقول كما في أبي داود والترمذي بسند حسن: ﴿الحمد لله الذي أطعمنا وسقانا وجعلنا مسلمين﴾ وهناك رواية في البخاري: ﴿الحمد لله كثيراً طيباً مباركاً فيه، غير مكفي ولا مودع ولا مستغن عنه هو ربنا﴾ رواه البخاري وأبو داود والترمذي، إذا علم هذا فاحفظ أي حديث من هذه الأحاديث، ولكن المهم أن تحمد الله دائماً، ليوزعك الله شكر نعمته، ويجعلك ممن يستغلون النعم في مرضاته ﵎، وليوفقك إلى القيام بشكرها وأدائها.
стр. 3088
فضل إطعام الطعام
المسألة السادسة وقد مرت: فضل إطعام الطعام: والإطعام لوجه الله ، لا يكون رياءً ولا سمعة، لأن أكثر إطعام الناس إلا من رحم الله رئاء الناس، والصيت والذكر في الدنيا، وأول ما تسعر النار يوم القيامة بثلاثة، منهم: المطعم الجواد الكريم في الدنيا، الذي أطعم ليقال كريم، وقد قيل، فيأخذونه فيجرونه على وجهه في النار.
وأكرم العرب حاتم الطائي ما نفعه ذلك عند الله شيئاً؛ لأنه طلب الذكر والصيت في الدنيا، فأفلس وهو من أهل النار نعوذ بالله من النار، قال عدي بن حاتم: ﴿يا رسول الله! إن أبي كان يحمل الكَلَّ، ويقري الضيف، ويعين على نوائب الحق، فهل ينفعه ذلك عند الله؟ فقال له ﷺ : إن أباك طلب شيئاً فأصابه﴾ أي: طلب الذكر في الدنيا فأصاب الذكر، ولذلك يذكر وهو جاهلي حتى اليوم، فلا له إلا الذكر والسمعة والصيت، وأما الأجر والمثوبة فليس له شيء.
وعبد الله بن جدعان كان في الجاهلية من أهل مكة يقري الضيوف، وما يأتي حاج إلا ويزوده إلى أهله، ويسمى زاد الراكب، فلما توفي قالت عائشة ﵂ وأرضاها: ﴿يا رسول الله! إن ابن جدعان كان يقري الضيوف، فهل ينفعه ذلك عند الله؟ قال ﵊: لا.
إن ابن جدعان ما قال مرة من الدهر رب اغفر لي خطيئتي يوم الدين﴾ فهذا لا ينفعه أبداً؛ لأنه قصد الرياء والسمعة.
стр. 3089
الأسئلة
стр. 3090
توجيه الذبيحة إلى القبلة
السؤال
هل من السنة إذا أراد الإنسان أن يذبح الذبيحة لا بد أن يتجه بها نحو القبلة؟
الجواب
الذي أعرفه أن الرسول ﵊ يقول كما في الترمذي: ﴿البيت قبلتكم أحياءً وأمواتاً﴾ وإنه إذا كان الذبح لله فإنه يستقبل به بيته، لكن لا يحضرني الحديث ولا الدليل في هذا، ولا بد من البحث.
стр. 3091
البدء باليمين في المجلس
السؤال
ما هي السنة في هذه المسألة، أن يقدم الشراب إلى الضيف ثم يدفعه إلى من هو عن يمينه، لحديث أنه أُتي لرسول الله ﷺ بشراب فشرب ثم دفعه إلى أعرابي عن يمينه، والذي كان عن يساره هو أبو بكر، فهل من السنة أن يبتدئ بمن هو عن يمين المجلس؟
الجواب
هذه مسألة كثيرة الوقوع في الناس، وهي هل السنة أن إذا دخلت تقدم مثلاً الطعام أو الشراب مثلاً أو شيئاً من الشاي أو القهوة أو الطيب أن تبدأ باليمين أو تبدأ بأكبر أهل المجلس، ثم يكون الناس عن يمينه هم اليمين، السنة في هذا كما دلت عليها الأحاديث، أن تبدأ بيمين المجلس الذي هو كبير المجلس، إما أن يكون كبيراً في السن، أو رجلاً له جلالة في الإسلام، أو سلطاناً أو رجلاً وجيهاً أو شيخاً كبيراً أو طالب علم فتبدأ به، ثم تبدأ من عن يمينه، أما أن تأتي دائماً بميمنة المجلس، وتقول: التيامن، فما تبدأ وتصل شيوخ الناس حتى تنتهي من أطفال الحارة، وقد أعطيتهم القهوة والشاهي، هذا ليس من السنة.
بل كان الرسول ﵊ جالساً في وسط الصحابة، فأتي له بلبن وبشراب -هنا قصتان- فأعطوه ﷺ وهو وسطهم، ولو كان ﵊ في عهده يعطى الميمنة لأعطوا أبا بكر؛ لأنه عن ميسرة رسول الله ﷺ ، لكن بدءوا بالرسول ﷺ ، وأبو بكر عن يساره، والأعرابي عن يمينه، فلما شرب ﷺ سلمه الأعرابي؛ لأن السنة ميمنة الرجل الضيف، فقال ﵊: ﴿الشربة لك، فهل تأذن لـ أبي بكر﴾ من أجل جلالة أبي بكر في الإسلام، قال: لا والله، فأخذها.
وأما حديث أنس فإنه يقول: ﴿قدم لرسول الله ﷺ لبن، وكان عن يساره الأشياخ -أي: أبو بكر وعمر والأشياخ أشياخ الإسلام من المهاجرين والأنصار- وعن يمينه غلام -قيل: هو ابن عباس، وهذا الظاهر- فشرب ﵊، ثم قال لـ ابن عباس: الشربة لك فهل تأذن للأشياخ، قال: والله لا أوثر بسؤري منك أحداً- يقول: لا أوثر بفضلتك التي دفعت إلى بما فيها من البركة أحداً من الناس فدفعه ﷺ إليه﴾
إذاً يبدأ بوسط المجلس أو بالمكان الذي فيه الصدر.
دخل بعض الناس من الوجهاء والنبلاء، في القرن الثاني اسمه حجاج بن أرطأة فجلس عند الأحذية، فقالوا: تقدم في وسط المجلس، قال: أنا صدر أينما جلست، قيل: هذا من العجب، ولذلك كانوا يبدءون به، فالمقصود أن أكبر من جلس في المجلس يبدأ به، لا أكبرهم سناً لكن قدراً، كالسلطان وغيره الذين ذكرنا، هذه السنة في هذا إن شاء الله.
وفي الختام نتوجه إلى الله تعالى أن يتقبل منا ومنكم صالح الأعمال، وأن يجعل أعمالنا خالصة لوجهه، وألا يجعل في أعمالنا رياءً ولا سمعة، وأن يهدينا وإياكم سواء السبيل.
سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلامٌ على المرسلين، والحمد لله رب العالمين.
وصلى الله وسلم على محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.
стр. 3092
فن تأليف الأرواح
كتب الله على ابن آدم أنه خطاء، ولذلك فالإنسان لا يخلو من العيوب والذنوب، لكن المصيبة هي الإصرار على الخطأ، فعلى الإنسان إذا أخطأ أن يتدارك خطأه بالتوبة والعودة.
وعلى الداعية أن يكون حليماً يتسع صدره للناس ولا يضيق بكلامهم، وفي السلف الصالح نماذج ممن أسيء إليه فلم يغضب، بل وقابل الإساءة بالإحسان.
стр. 3093
كلمة للشيخ عبد الله بن حميد
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.
إخوتي في الله! السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
أشكر لأصحاب الفضيلة وإخوتي الأساتذة وأحبابي الحضور حضورهم ومشاركتهم، وهذا الدرس بعنوان: (فن تأليف الأرواح).
وفن تأليف الأرواح نأخذه من محمد ﷺ ، بسندٍ صحيح من ميراثه، نتذاكره هذه الليلة ونتعلمه ونتربى عليه، في ليلة ٢٢/ ١٠/١٤١٢هـ مساء السبت بجامع أبي بكر الصديق بـ أبها.
اللهم ألف الشتات، وأحي القلوب الموات.
اللهم اجمع الكلمة، ووحد الصف وبارك في المسيرة، وانفع بالأسباب.
اللهم لُم شعثنا، وارحم غربتنا، وفك كربتنا، وحقق على الحق وحدتنا، وأظهر على الباطل قوتنا.
اللهم صل حبالنا بحبلك، وسد حاجتنا من فضلك، اللهم اعصمنا من الزلل، وأنقذنا من الخطل، واحرسنا من الحادث الجلل، اللهم ثبت منا الأقدام، وسدد منا السهام، وارفع منا الأعلام، وانصر بنا الإسلام.
اللهم نجنا من الكوارث واحمنا من الحوادث، وأصلح النيات والبواعث.
اللهم انزع من قلوبنا الغل على الإخوان، والضغينة على الجيران، والحسد للأقران.
اللهم اغسل قلوبنا بماء اليقين، واسق أرواحنا من كوثر الدين، وأثلج صدورنا بسكينة المؤمنين.
اللهم سلمنا وسلم منا، وعافنا واعف عنا.
يا لطيف! نسألك اللطف والتخفيف، والمنزل الشريف، والعطاء المنيف، والقلب العفيف.
وقفنا ببابك هذا المساء ولسنا من الذنب بالأبرياء
وقفنا ببابك يا من له تسيل الدموع ويهفو الدعاء
فيا ربِّ هيئ لنا منة من الغيث ما يحتوي كل داء
أيها الإخوة! قبل أن أشرع بعونٍ من الله أقف وإياكم مع ضيفٍ كريم أمنا في هذا المسجد المبارك وهو الشيخ الداعية عبد الله بن محمد بن حميد الزميل والأخ الوفي، لنقف معه وقفة ثم نواصل معكم المحاضرة فليتفضل.
الحمد لله القائل: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءاً أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُوراً رَحِيماً﴾ [النساء:١١٠] الحمد لله على ما قضى وقدر، ونعوذ بالله السميع العليم من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، ونصلي ونسلم على رسول الله القائل: ﴿ليس منا من لم يرحم صغيرنا، ويعرف شرف كبيرنا، ويعرف لعالمنا حقه﴾ ﷺ وعلى آله وأصحابه ومن سار على نهجهم واقتفى أثرهم إلى يوم الدين.
أيها الأحبة في الله! أنا أعلم أنني متطفل على هذا المكان الذي لا يستحقه إلا شيخنا الداعية فضيلة الشيخ/ عائض بن عبد الله القرني، الذي كلنا شوقٌ إلى سماع توجيهاته الكريمة، وكلماته المحببة إلى النفوس، ولكن أشكر الله أولاً على أن هيأ لي هذه الفرصة الطيبة المباركة، التي انتهز فيها لحظات يسيرة أرجو منكم أن تتحملوني فيها، ثم أشكر شيخي وأخي وزميلي الشيخ/ عائض إمام هذا المسجد حفظه الله على إتاحته لي هذه الفرصة الثمينة، التي كان لابد لي من الوقوف فيها والجلوس أمامكم إثر ما حصل من اختلاف في وجهات النظر بيني وبين شيخي، كان لابد من الجلوس أمامكم حتى تزول الشكوك التي ساورت بعض النفوس ولها الحق في ذلك، وليعلم من يستمع إلى كلامي بأنه مهما حصل من اختلاف في وجهات النظر بين الأحبة والإخوان فإن ذلك لا يفسد للود قضية، فنحن والله الذي لا إله إلا هو إخوة متحابون في الله ، تجمعنا رابطة الإيمان والتواصي بالحق، والتواصي بالصبر: ﴿وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [الأنفال:٦٣] ولكن الواحد منا لضعفه البشري يعتريه ما يعتري البشر من الضعف والوسوسة والنزغات، وقد تغلبه العاطفة أو يجمح به الهوى أو تغلبه حظوظ النفس، فيحكم على قضية من القضايا دون استشارة ولا استخارة ولا روية، ثم بعد ذلك يتندم حيث لا ينفع الندم.
ولعل ما حصل وما سمعتموه وقرأتموه من خلافٍ بيني وبين شيخي قد أثار استغرابكم وأعقب حزازة في نفوسكم، ولكن لا أقول إلا أن ذلك جرى بقضاء الله تعالى ومشيئته: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيماً حَكِيماً﴾ [الإنسان:٣٠] فما كان ينبغي أن يحصل ما حصل ولكنها المشيئة الربانية، ولعل في ذلك خيراً لي وله ولكم حتى نتجنب الاستعجال وما لا ينبغي أن يقال نتجنب العبارات التي لا تستساغ عند العقلاء، وخشية من كثرة البلبلة وانتشار الشائعات وبمثل ما انتشرت به قالة السوء بين الناس، وهذا في الواقع ليس في مصلحة الدعوة إلى الله ، فأبشركم وأطمئنكم وما وقفت في هذا المكان إلا بعد أن اعتذرت إلى شيخي حفظه الله، وذهبت إليه في بيته واعتذرت منه فقبل العذر جزاه الله خيراً، وهكذا دأب علمائنا ومشايخنا حفظهم الله.
فلقد اعتذرت إليه فعذرني وأكرمني بالصفح وقابلني بالحب، وهذا دأبه حفظه الله ووفقه وثبته على الحق، فإن الذهب الخالص لا تزيده النار إلا جودة ولمعاناً وبريقاً، وهو يعلم إجلالي وحبي له في الله وأنتم كذلك، وأعلم أنه لا يحب الثناء والمدح، ولكن الحقيقة تفرض نفسها فما عرفته إلا شيخاً جليلاً وداعيةً إلى الله مؤثراً بحديثه أيما تأثير
وما حسنٌ أن يمدح المرء نفسه ولكن أخلاقاً تذم وتمدح
وما عرفت عنه إلا الحلم والعلم الجم والتواضع وحسن الخلق وكرم النفس وصفاء السريرة وطيبة القلب، والعفو عن الإساءة.
فيا رب هب لي منك حلماً فإنني أرى الحلم لم يندم عليه حليم
وقد قيل: من اعتذر إليه أخوه المسلم فليقبل عذره ما لم يعلم كذبه، وأنا أشهد هذا الجمع المبارك وأنا صادق فيما أقول أنني قد اعتذرت لشيخي حفظه الله فقبل العذر وعاد الصفاء والوئام بيننا ولله الحمد، وما مثله في الحلم إلا كمثل أشج عبد القيس حينما قال له النبي ﷺ : ﴿إن فيك خصلتين يحبهما الله ورسوله: الحلم والأناة﴾.
ومثلكم أيها الإخوة! من يقيل العثرة ويتجاوز عن الهفوة؛ فإن الكريم إذا قدر غفر، وإذا أوثق أعتق، وإذا أسر أطلق.
ومن يك ذا عذرٍ إليك وحاجةٍ فعذري إقراري بأن ليس لي عذر
وقال آخر:
قيل لي قد أساء فيك فلانٌ وقعود الفتى على الضيم عار
قلت قد جاءنا فأحدث عذراً دية الذنب عندنا الاعتذار
وقد أخبر النبي ﷺ : ﴿كل بني آدم خطاءٌ وخير الخطائين التوابون﴾ فليس العبرة -أيها الإخوة- أن يخطأ الإنسان فإن من طبيعة البشر أن يخطئ، لكن العبرة في أن يتراجع إلى الحق، فإن الرجوع إلى الحق فضيلة، وفقنا الله وإياكم إلى الصواب، وجنبنا الزلل فيما نقول وفيما نعلم، ولسنا بدعاً فيما حصل من خلاف فإن سلف هذه الأمة ﵃ وأرضاهم وعلى جلالة قدرهم وعلو منزلتهم وكعبهم في العلم والفضل حصل بينهم من الاختلافات ومن المنازعات.
سامح أخاك إذا خلط منه الإصابة بالغلط
وتغاض عن تعنيفه إن زل يوماً أو سقط
واذكر صنيعك عنده شكر الصنيعة أو غمط
واعلم بأنك إن أردت مهذباً رمت الشطط
من الذي ما ساء قط ومن له الحسنى فقط
فأشكر الله أولاً، ثم أشكر فضيلة أخي وشيخي الشيخ/ عائض بن عبد الله القرني وأناته وحلمه وكريم فضله بعد فضل الله ، وأشكر كذلك شكراً جماً الإخوة الأكارم الذين عز عليهم أن يحصل نزاع أو خصامٌ بين الأحبة في الله ، ثم أشكركم على حسن إصغائكم.
ومعي بهذه المناسبة الكريمة أبياتٌ شعرية نظمتها وصغتها بحرارة مشاعري ونبضات قلبي، لعلها تكون شافعة لي عند شيخي حفظه الله، فتمحو ما بدر مني من هفوة أو عبارة غير مؤدبةٍ أو زللٍ، وهي والله تعبر عن قليلٍ من كثيرٍ مما أكنه لفضيلة الشيخ حفظه الله من محبةٍ وإجلال، وعنوان الأبيات: رسالة محبة واعتذار.
سلامٌ كما فاحت زهور عواطر يفيض به من منبع الحب خاطر
يفوقه كالودق من بين مزنه ويسمو به من طيب الغيث ماطر
عليك سلام الله يا شيخ عائض! ورحمته ما دام سمعٌ وناظر
وإني على الود القديم محافظٌ وهذا مقالي والشهود الضمائر
ومعذرةً مما أسأت بحقكم فأنت وربَّ البيت بالفضل عامر
أبى الله إلا أن تكون نفوسنا معرضة للزيغ والله غافر
لنا قدرة في الصبر إن جل حادثٌ ألم بنا إلا النوى والتهاجر
كلانا بحب الدين قد قام داعياً ولم تثننا عما نريد المحاذر
وعادة رب الجود والنصر شأنه وعادة أهل الدين منا التغافر
وعقباهم محمودة ومردهم إلى الله والزلفى لهم والبشائر
ألا إن نصر الله للدين واقع ولله أنصارٌ وللحق ناصر
ويا أيها الغادي بشكٍ وحيرةٍ وغمٍ وهمٍ تحتويه المخاطر
تمهل رعاك الله لا تظلمنني فمن رام عذراً أمكنته المعاذر
أسأت إلى شيخي بقولٍ نشرته فعذراً له إن أعجلتني البوادر
ولله ما أزكاه إذ زرت بيته أُرجي قبول الصفح والدمع قاطر
فقابلني بالبشر يشرق وجهه بنور الهدى والحب نعم المؤازر
وودعني بالحب ما في فؤاده من البغض أوضارٌ سعى وهو طاهر
وليس عجيباً صفحه ووفاؤه فمعدنه الإيمان والصدق ظاهر
وما زال يسمو بالمعالي لأنه لكالعلم الهادي يُرى وهو زاهر
إمامٌ له في الفضل سبق ورتبة وبالعلم إلمامٌ وللحق ناصر
ولله در الشيخ إن قام واعظاً فمن غيض ما يلقيه والبحر زاخر
فكم من قلوبٍ هزها بحديثه وكم من دموعٍ أسبلتها المحاجر
إذا شئت علماً فالزم البحر زاخراً وإن شئت شعراً فالمزون البواكر
وقام بأمر الله للدين داعياً كذلك من يدعو إلى الله ظافر
حليمٌ إذا ما كان للحلم موضعٌ كريم بذكراه تطيب المحاضر
وما أنا إلا نبتةٌ من غراسه أسير على درب الهدى وهو آمر
فجازاه ربي عن محبيه جنةً وتوفيقه فالبر بالصفح غامر
رعى الله إخواناً رعوا عهد ودنا وشق عليهم أن يكون تهاجر
وشكراً لهم شكراً عظيماً مكرراً على الصلح ما أثنى على الله شاكر
وصلى على المختار ما طر شارقٌ وما ازدان نجمٌ أو تحرك طائر
وأصحابه والآل ما قال قائلٌ سلامٌ كما فاحت زهورٌ عواطر
أسأل الله رب العرش أن يجعلنا وإياكم ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأن يسلل سخائم قلوبنا، وأن يجعلنا إخوةً متحابين فيه ، وأن يبصرنا بالحق ويهدينا إليه ويثبتنا على الإسلام والإيمان حتى نلقاه، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً إلى يوم الدين.
стр. 3094
قبول اعتذار الشيخ عبد الله
كلام الشيخ عائض:
نحن يا من قد تناهى قد رضينا وسكبنا الود صفواً والتقينا
وتعانقنا وسارت بسمة كضياء المجتبى من طور سينا
من المقاصد الشرعية أن يظهر هذا الأنموذج أمام الناس وأن يتحدث به وأن يعلن الوفاق كما أعلن الخلاف، ولسنا ملأ من الملائكة، ولسنا أكرم من جيل محمد ﵊، اختلفوا وتنازعوا وتشاجروا، ثم تعانقوا وقال الله فيهم: ﴿وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْوَاناً عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ﴾ [الحجر:٤٧] بل كما قال عامر الشعبي: [[والله لقد التقوا بالسيوف في الجمل وفي صفين، ثم قال الله: ﴿وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْوَاناً عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ﴾ [الحجر:٤٧]]].
وما حصل بيني وبين الشيخ عبد الله بن محمد بن حميد مما أثاره بعض الناس حسبنا الله عليهم، وكثير من الناس يتصيد ويريد العثرة ويفرح بالزلة ويريد الفرقة، وفي لقاءٍ صحفي عابر أخذنا فيه على غرة، وما أخذنا للأمر عدته، وما نظرنا إلى أبعاده، وهذا درسٌ لنا أن نتأمل وأن نفكر وأن نتدبر وألا نتسرع وأن نحسب للكلمة موضعها، وهذه هي تجربة الحياة، ولا حليم إلا ذو تجربة ولا حكيم إلا ذو عثرة، فحصل ما حصل بقضاءٍ من الله وقدر، والتقيت مع الحبيب الزميل والقلب عامرٌ بالود والحب ويزداد مع الأيام، وأشهد الله وملائكته وحملة عرشه أني أحبه وأحبكم فيه ، فأسأل الله أن ينفعني بهذا الحب، وكما سمعتم قصيدة فضيلته التي دبجها، ومن الحسن أن يرد على الشعر بشعر، فإنه ليس برباً إذا كان مثلاً بمثل يداً بيد، هاء وهاء، وقال الشوكاني: يقبح بطالب العلم أن يرد على الشعر بنثر، فإنها خدشة في وجه طالب العلم، فأحببت أن أرد على القصيدة بقصيدة ولا تقولوا هذا من المدح المفترى، بل هو إن شاء الله من الخير المنتظر لهذا الجيل وهذه القلوب العامرة التي تآخت تحت مظلة (إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ) [الفاتحة:٥] ولها مقاصد شرعية أحتسب الأجر فيها إن شاء الله، فرددت وأجبت على قصيدته على البحر وعلى الروي وعلى القافية:
أتتك بثوب الوصل والجفن فاتر محجبة تومي إليك المحاجر
دموعٌ وأحلام وليلٌ مسهد يراقب فيها الأنجم الزهر سامر
لعتبٍ جرى بين الأحبة وانجلى ليرضى به شهمٌ ويغضب خاسر
قوافي في آل الحميد عذبةٌ وأبيات شعري في الكرام مفاخر
لبيتٍ عزيز بالجلال مؤثل صحائف تملى بالندى ومآثر
إذا بذلوا قيل الغيوث البواكر وإن غضبوا قيل الليوث الهواصر
وما لكم غير الأسرَّة مجلسٌ ولا لكم غير السيوف مخاصر
أغني كما غنى زهير بشعره وبيت العلى والأريحيات سائر
وهل ينبت الخطِّيَّ إلا وشيجُه وهل تحمل الأمجاد إلا المنابر
قرأت سطوراً من بنانك دبجت فدتك أيا بن الأكرمين الدفاتر
وقال حسودٌ رد صاعاً لأهله بصاعين إن البعض فيك تآمروا
فقلت لهم هذي يميني تناولت شمالي ففي جسمي تمور الخناجر
حبيب الصبا وابن الريادة والنهى رضيع الوفا نعم الصديق المعاشر
وهل يهدم الحساد وداً وصحبةً لها من عرى الإسلام فينا أواصر
لك العتب فاعتب إنما أنت صاحبي فقلبي رعاك الله بالحب عامر
أنا أنت أمتعني بشخصك دائماً فشخصك يا نجل الشريعة طاهر
فزر واستزر سر الوداد زيارة فنعم أخو العليا مزورٌ وزائر
ألا قاتل الله المفرق بيننا وأورده بئس الردى وهو عاثر
أذكره حاميم والحب والوفا فيأبى كأن الرمح بالموت شاجر
لقد مهد الإسلام للصلح موضعاً ولو نهلت منا السيوف البواتر
فهذا علي شام طلحة ثاوياً فقبله والهول أحمر فاغر
ونال أبو ذر بلالاً بأمه فأفرشه الخدين والرأس حاسر
وفي ذا يقول البحتري مدبجاً يهيم على بيت القصيدة شاعرُ
إذا اقتتلت يوماً ففاضت دماؤها تذكرت القربى ففاضت مناظر
فبلغ سلامي والديك كليهما فإن سلامي للمحبين عاطر
وقم منشداً في كل حفلٍ وندوةٍ أتتك بثوب الوصل والجفن فاتر
стр. 3095
معاملة الصالحين لمن أساء إليهم
أيها الإخوة الأحباب! كما قلت لكم ومن وحي هذه الجلسة وهذا اللقاء الأخوي جعلت عنوان المحاضرة والدرس (فن تأليف الأرواح) وقد ذكر الله في محكم كتابه أصول هذا الفن، وذكرها رسوله ﵊ بكلامه وعمله وأخلاقه الشريفة المنيفة ﷺ ، فقال المولى : ﴿وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [آل عمران:١٣٤]
قال أهل العلم: ثلاث منازل للظالمين والمقتصدين والسابقين بالخيرات.
فدرجة أولى من أسيء إليه فليكظم، وهذه درجة المقصرين من أمثالنا من المسلمين، أن يكظم غيظه ولا يتشفى في المجالس، ولا يتعرض للأعراض.
فإن زاد وأحسن: والعافين الناس، فليذهب إلى من أساء إليه ويقول: عفا الله عنك، وهذه درجة ثانية.
فإن زاد وأحسن فليذهب بهديةٍ وبزيارة إلى من أساء إليه ويقبل رأسه.
وقال أهل السير: قام خادمٌ على هارون الرشيد بماء حار يسكب عليه فسقط الإبريق بالماء على رأس الخليفة أمير المؤمنين وحاكم الدنيا، فكاد الماء الحار أن يمتلغ رأسه، فغضب الخليفة والتفت إلى الخادم، فقال المولى وكان ذكياً: والكاظمين الغيظ، قال: كظمت، قال: والعافين عن الناس، قال: عفوت عنك، قال: والله يحب المحسنين، قال: أعتقتك لوجه الله.
وهذه مواقف الريادة التي تحصل بين المؤمنين والمتآخين، وفي معركة الجمل خرجت عائشة وطلحة والزبير ﵃ وخرج الصحابة بالسيوف، وخرج علي معه بعض الصحابة من أهل بدر بالسيوف يلتقون، فقيل لـ عامر الشعبي: الله أكبر! يلتقي الصحابة ولا يفر بعضهم من بعض؟! قال: أهل الجنة التقوا فاستحيا بعضهم من بعض، فلما قتل طلحة في المعركة وكان في الصف المضاد المعاكس لـ علي، نزل علي وترك السيف وأتى إلى طلحة وهو مقتول وهم من -العشرة المبشرين بالجنة- فنفض التراب عن لحية طلحة وقبله ودموع علي تهراق، وقال: [[يعز عليَّ يا أبا محمد! -والله- أن أراك مجندلاً على التراب، ولكن أسأل الله أن يجعلني وإياك ممن قال فيهم: ﴿وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْوَاناً عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ﴾ [الحجر:٤٧]]] فانظر إلى الصفا وإلى العمق، وانظر إلى الروعة وهم يقتتلون والدماء تسيل وهذا يحتضن هذا ويسلم عليه، ويذكره أنه سوف يجلس معه في جنات ونهر في مقعد صدق عند ملك مقتدر.
ابن السماك الواعظ، مر به صاحبٌ له عتب عليه فقال لـ ابن السماك: غداً نتحاسب، يقول: غداً ألتقي معك في موعد أحاسبك وتحاسبني، وألومك وتلومني، ونعرف من هو المخطئ منا، فقال ابن السماك: " لا والله غداً نتغافر، ولا نتحاسب" فالمؤمنون لا يتحاسبون ولا يقول أحدهم للآخر: أنت كتبت فيَّ كذا وكذا وقلت في المجلس عني كذا وكذا، وسمعت أنك تغتابني، لا.
بل يقول: غفر الله لك، فغداً نتغافر.
стр. 3096
قمة العفو
ومما يروى عنه ﵊ أنه قال: ﴿أيكم يفعل كما يفعل أبو ضمضم؟ قالوا: ما فعل يا رسول الله؟ قال: قام البارحة فصلى بالليل، وقال: اللهم إنه ليس لي مالٌ أتصدق به في سبيلك ولا جسمٌ أجاهد به في ذاتك، ولكني أتصدق بعرضي على المسلمين، اللهم من شتمني أو سبني أو اغتابني فاجعلها له كفارة﴾ فهذا هو التصدق بالأعراض.
ولابد على الدعاة وطلبة العلم أن يبذلوا أعراضهم كما بذلها محمد ﵊، فإنه بذل عرضه وماله ودمه ووقته لهذه الدعوة الخالدة، فعسى الله أن يجعل دماءنا وأنفسنا وأعراضنا وأموالنا وأبناءنا وأهلنا فداءً لـ (لا إله إلا الله)؛ لترتفع لا إله إلا الله وحدها ولتبقى الأعراض والدماء فداءً لها.
وذكر الغزالي صاحب الإحياء: " أن الحسن البصري ﵀ جاءه رجل، فقال: يا أبا سعيد! اغتابك فلان، قال: تعال، فلما أتى إليه أعطاه طبقاً من رطب، وقال: اذهب إليه، وقل: أعطيتنا حسناتك وأعطيناك رطبنا، فذهب بالرطب إليه ".
والمقصود من هذا: أن الدنيا أمرها قليل، وأن بعض الناس يتصدق بحسناته فلا عليك مهما نالك حاسدٌ أو ناقم أو مخالفٌ أو منحرف فاعتبر ذلك في ميزان حسناتك، وأنه رفعة لك، وقرأت في سيرة موسى ﵇ الذي كلمه الله بلا ترجمان قال: يا رب! أريد منك مسألة، قال: ما هي يا موسى؟ قال: أسألك أن تكف ألسنة الخلق عني، -تكلموا فيه وفي عرضه، حتى تكلموا في بعض أموره الخاصة ومعاشرته للنساء، وقالوا: أنه آدر لا يستطيع أن يأتي النساء وأمورٌ كثيرة: ﴿فَبَرَّأَهُ اللَّهُ مِمَّا قَالُوا وَكَانَ عِنْدَ اللَّهِ وَجِيهاً﴾ [الأحزاب:٦٩]- فقال الله : يا موسى! وعزتي وجلالي ما اتخذت ذلك لنفسي، إني أخلقهم وأرزقهم وإنهم يسبونني ويشتمونني.
سبحان الله! الله الرحمن الأحد الصمد الذي لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفواً أحد يسب من الناس! هذا المخلوق الحقير يخرج نطفة من بطن أمه ثم يسب الله ويشتمه.
وفي البخاري: ﴿شتمني ابن آدم وما ينبغي له ذلك، وسبني ابن آدم وما ينبغي له ذلك، أما سبه إياي فإنه يسب الدهر وأنا الدهر أقلب الليل والنهار كيف أشاء، وأما شتمه إياي فإنه يقول: إني اتخذت صاحبة وولداً، وأنا الله لم يكن لي صاحبة ولا ولد﴾ وعند أحمد في كتاب الزهد: ﴿يقول الله : عجباً لك يا بن آدم! خلقتك وتعبد غيري! ورزقتك وتشكر سواي! أتحبب إليك بالنعم وأنا غنيٌ عنك وتببغض إليَّ بالمعاصي وأنت فقيرٌ إليَّ! خيري إليك نازل، وشرك إليَّ صاعد﴾.
فما دام أن الواحد الأحد يسبه بعض الأشرار من خلقه ويشتمونه فكيف بنا نحن ونحن أهل التقصير؟!
إذا علم هذا فإن في المثل العليا التي حملها أصحابه ﵊، وتراضوا مع أنهم اختلفوا، وأتت بينهم نفرة في أيامٍ من حياتهم، ولكنهم عادوا في صفاء وعناء وزيارة وحب، لأن المبدأ الذي يحملونه مبدأٌ واحد، ليس مبادئ متعددة: لا إله إلا الله محمد رسول الله.
стр. 3097
السب والشتم لا يضر إلا صاحبه
في سيرة أبي بكر أن رجلاً قال لـ أبي بكر: والله يا أبا بكر! لأسبنك سباً يدخل معك قبرك، قال أبو بكر: بل يدخل معك قبرك ولا يدخل معي، وصدق، فإن المسبوب لا يدخل معه السب بل يدخل السب مع الساب لا مع المسبوب.
فيظن هذا الجاهل أنه إذا سب أبو بكر الصديق المطهر فسوف يدخل سبه مع أبي بكر الصديق، في القبر، فقال أبو بكر: لا.
-فلم يرد عليه السب- وقال: بل يدخل معك أنت قبرك، أما أنا فلن يدخل قبري، وهذا هو الصحيح، فإن الكلمة العوراء الآثمة الجارحة تدخل مع الجارح الساب الشاتم، ولا تدخل مع المسبوب لحكمة الواحد الأحد.
وقال رجل لـ عمرو بن العاص: والله لأتفرغن لك -يريد أن يتهدده، يعني أتفرغ لك بالسب، والقتال والخصام- قال: إذاً تقع في الشغل.
يقول: إذاً لن تكون فارغاً، بل يشغلك الله بي، أما أنا فلن أتفرغ لك ولن أشغل نفسي بك، إنما أنت إذا أشغلت نفسك بي فقد أوقعت نفسك بالخصام والسباب وقد أوقعت نفسك في كارثة.
ويروي أهل الحديث أن عامراً الشعبي الذي قيل عنه أنه أشبه عمر بن الخطاب في جمعه للعلم، وكان من علماء التابعين، وقد قال عنه الحسن البصري: " قديم السلم، كثير الحلم، جم العلم، قام إليه رجل فقال: كذبت يا عامر! فقال عامر: إن كنت صادقاً فغفر الله لي، وإن كنت كاذباً فغفر الله لك.
أي: إن كنت صادقاً أني كاذب فغفر الله لي، لأني أخطأت، وإن كنت كاذباً أني لست بصادق فغفر الله لك، وهذا هو الحق، فماذا يقول الرجل بعد هذا؟ لأن من استطاع أن ينهي الخصام، وأن يجعل للصلح موضعاً، وألا يستعدي الناس خاصةً أهل الفضل والمنزلة والصدارة والمكانة؛ كان محسناً على نفسه وعلى الإسلام والمسلمين.
وفي سيرة سالم بن عبد الله بن عمر ﵃ جميعاً أن رجلاً زاحمه في منى، فالتفت الرجل إلى سالم وهو علامة التابعين وقال له: إني لأظنك رجل سوء، قال: [[ما عرفني إلا أنت]] يقول: قد أكون رجل سوء، وما عرفني إلا أنت، لأنه في نفسه يعتقد أن نفسه نفس سوء، فإن المؤمن يشعر بالتقصير ويلوم نفسه ويبكتها، والفاجر والمنافق يزكي نفسه أمام الناس، حتى رأيت أن سعيد بن المسيب يقوم وسط الليل ويقول لنفسه: [[قومي يا مأوى كل شر، قومي يا مأوى كل شر]] لأن النفس أمارة بالسوء، فيقول: إني لأظنك رجل سوء، قال: ما عرفني إلا أنت، وسكت ومر.
وقام رجلٌ في الحرم -وهذه ثابتة بأسانيد صحيحة- أمام ابن عباس، حبر الأمة وترجمان القرآن فسبه أمام الناس، وابن عباس ينكس رأسه، فهذا أعرابي جلف يسب علامة الدنيا فرفع ابن عباس رأسه وقال: [[أتسبني وفيَّ ثلاث خصال، قال الناس: ما هي يا بن عباس؟ قال: والله ما نزل القطر بأرضٍ إلا سررت وحمدت الله على ذلك، وليس لي بها ناقة ولا شاة]] يقول: ما سمعت بقطر المطر ينزل بأي أرض إلا وسررت به وهذا هو الإيمان، تسمع في الجنوب أو الشمال بمطر فتفرح، وهذه خصال المؤمنين.
[[قالوا: والثانية؟ قال: ولا سمعت بقاضٍ عادل إلا دعوت له بظهر الغيب وليس لي عنده قضية]] لكن يفرح أن يكون قضاة المسلمين عدولاً.
[[قالوا: والثالثة؟ قال: ولا فهمت آيةً من كتاب الله إلا تمنيت أن المسلمين يفهمونها كما أفهمها]].
وهذه المثل العليا التي حملها أصحابه ﵊، وهو الذي رباهم أصلاً على سمع وبصر، وإلا فهم أمةٌ أمية خرجوا من الصحراء، لكن بناهم شيئاً فشيئاً ورصع مجدهم، واعتنى بهم ﷺ حتى أخرجهم مثلاً أعلى وقدوات حسنة للناس.
وقالوا في المثل: من أين لك بأخيك كله؟! يقول: أتريد مهذباً كله؟ لا.
خذ بعضه، خذ نصفه، خذ ثلثين، خذ ثلثه، يقول: من أين لك بأخ كله؟ وأنا أسأل نفسي وإخواني: هل تجدون في المجتمع المسلم مهما بلغ هذا الشخص من الرقي والمثل العليا وحسن الخلق أن يكون كامل لا حيف فيه ولا نقص؟ هذا لا يكون: ﴿وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَى مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَداً وَلَكِنَّ اللَّهَ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ﴾ [النور:٢١] تجد هذا كريماً لكنه غضوب، وتجد هذا حليماً لكنه بخيل، وتجد هذا طيباً لكنه عجول، وهي مواقف لأن الله وزع المناقب والمثالب على الناس.
стр. 3098
من عدت معايبه فهو على خير
ومن ذا الذي ترضى سجاياه كلها كفى المرء نبلاً أن تعد معايبه
إذا عددت معايب الإنسان فاعلم أنه صالح، ولكن بعض الناس لا تستطيع أن تعد المعايب فهي عنده بالمئات، لكن بعض الناس لخيره تقول: ليس فيه إلا كذا وهذا خير، من غلبت محاسنه مساوئه فهو العدل في الإسلام، ومن غلبت مساوئه محاسنه فهو المنحرف أو غير المستوي في منهج الله ، لأن الله يزن الناس يوم القيامة بميزان آية الأحقاف، يقول سبحانه: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَنَتَجَاوَزُ عَنْ سَيِّئَاتِهِمْ فِي أَصْحَابِ الْجَنَّةِ وَعْدَ الصِّدْقِ الَّذِي كَانُوا يُوعَدُونَ﴾ [الأحقاف:١٦] فبين الله في الآية أن لهم مساوئ، وأن لهم خطايا وذنوب، وأنه يتجاوز عنهم ، ولكنهم كما يقول الحديث: ﴿إذا بلغ الماء قلتين لم يحمل الخبث﴾ بعض الناس ماؤه قليل أي شيء يؤثر فيه، حتى القطرة تؤثر فيه، ولكن بعضهم لمحاسنه ومناقبه بلغ قلتين: خمسمائة رطل، فمهما وضعت فيه لا يتغير أبداً لكرمه وبذله وعطائه، وعلمه وسخائه، وفضله ودعوته، وخيره وصلاحه وصدق نيته فقد تأتيه لفحات من لفحات الشيطان، لكنه بلغ القلتين.
стр. 3099
ضرورة الموازنة بين الحسنات والسيئات
ويقول ابن تيمية ونقلها ابن القيم في مدارج السالكين -أنا أروي بالمعنى، لكن بعض الألفاظ أتذكرها- يقول: أما موسى ﵇ فإنه أتى بالألواح فيها كلام الله فألقاها، لأن الله لامه وعاتبه، وقال: ﴿وَأَلْقَى الْأَلْوَاحَ﴾ [الأعراف:١٥٠] فألقاها في الأرض، وقال : ﴿وَأَخَذَ بِرَأْسِ أَخِيهِ يَجُرُّهُ إِلَيْهِ﴾ [الأعراف:١٥٠] فهذا خطأ آخر، لأن أخاه كان نبياً مثله، ومع ذلك جره بلحيته أمام الناس، ومع ذلك عفا الله عنه، قال ابن القيم:
وإذا الحبيب أتى بذنبٍ واحد جاءت محاسنه بألف شفيع
وفي حديث رواه البيهقي بسندٍ يحسنه الكثير من أهل العلم قال: ﴿أقيلوا ذوي الهيئات عثراتهم﴾ قال ابن القيم: "إلا الحدود"، وهذه اللفظة تثبت في بعض الروايات من لفظه ﵊، فإن الناس متساوون في الحدود، لكن مقصودي في المسائل التي ليس فيها حدود، أن صاحب العثرة تقال عثرته من أهل الهيئات وهم الذين لهم قدم صدق في الإسلام والدعوة، وفي الخير والكرم والصدارة، وفي التوجيه والتأثير.
وأضرب على ذلك مثلاً: أستاذٌ يدرس مجموعة من الطلاب، وفيهم طالبٌ دينٌ خيرٌ وقورٌ شهم محافظ مواظب متأدب وغاب يوماً من الأيام، فعلى هذا الأستاذ أن يغفر له غيابه وزلته، لأنه من ذوي الهيئات، وله من الحسنات ما تشفع له، لكن طالب آخر متخلفٌ منحرف عن الجادة متلاعب مشاغب غاب يوماً من الأيام، فأيُّ حسنات تشفع له؟ ما هو إلا عثرات في عثرات، فالمجتمع مثل ذلك، لذلك أقيلوا ذوي الهيئات عثراتهم.
فوجوه الناس وأهل الخير والفضل، إذا بدرت منهم بادرة فعلينا أن نتحملها جميعاً، وعلينا أن ننظر إلى سجل حسناتهم وإلى دواوين كرمهم ومنازلهم عند الله وخلقه، يقول بشار بن برد:
إذا كنت في كل الأمور معاتباً صديقك لم تلق الذي لا تعاتبه
يقول: إذا أصبحت تعاتب الناس دوماً وتلومهم فمن الذي تصاحبه منهم، ومن هو الأخ الذي ترافقه؟!
ويقول في بيته الثاني:
إذا أنت لم تشرب مراراً على القذى ظمئت وأي الناس تصفو مشاربه
يقول: لابد أن تجد ماءً معكراً، لكن اشرب، وما حيلة المضطر إلا ركوبها، وصاحب أخاك وتحمل منه الزلة.
كان ابن المبارك إذا ذكر له أصحابه قال: من مثل فلان فيه كذا وكذا من المحاسن ويسكت عن المساوئ، وما من أحدٍ من المسلمين إلا له حسنة، فاذكره بالحسنة في المجالس.
وليتنا -أيها الإخوة الكرام- نتذكر حسنات الناس، فما أعلم أحداً من المسلمين مهما قصر إلا له حسنات، ولو لم يكن من حسناته إلا أنه يصلي، أو أنه يحب الله ورسوله.
المصطفى المعصوم ﵊ يؤتى له بشارب خمرٍ وقد تكرر جلده أكثر من مرة، فيقول أحد الصحابة للشارب: ﴿أخزاه الله! ما أكثر ما يؤتى به! قال ﷺ : لا تقل ذلك لا تكن عوناً للشيطان على أخيك، فوالذي نفسي بيده ما علمت إلا أنه يحب الله ورسوله﴾ فأثبت له أصل الحب وهي حسنة، فلماذا لا نذكر للناس محاسنهم، فإنك لا تجد أحداً شريراً مائة بالمائة، إلا رجل كفر بالله، أو تعدى على حدود الله أو أعلن الفجور أو خلع ثوب الحياء، أو عادى الأولياء والأخيار والصالحين ونبذ الإسلام ظهرياً.
стр. 3100
نماذج خيرة من عهد الرسول ﷺ
مرت نماذج خيرة في حياته ﷺ ، كما فعل أبو ذر مع بلال لما عيره بأمه ثم ندم ووضع خده على التراب وقال: [[والله لا أرفع خدي حتى تطأه بقدمك، فوطئه بقدمه ثم قام فتعانقا]].
وأتى الأنصار كما سلف في خطبة بعنوان (وألف بين قلوبهم) وكادوا يقتتلون فخرج إليهم ﷺ بعد الإسلام الأوس والخزرج كادوا يقتتلون لإحن الجاهلية- وقد سلوا السيوف، قال: ﴿أبدعوى الجاهلية وأنا بين أظهركم﴾ فبكوا وأسقطوا السيوف من أيديهم وتعانقوا، فأنزل الله: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُوا﴾ [آل عمران:١٠٣].
وذكر أهل التاريخ بسندٍ صحيح، أن الصحابة خرجوا في غزوة بني المصطلق -المهاجرون والأنصار مع الرسول ﷺ وكان لـ عمر أجير اسمه جهجاه، فقام فاختصم مع رجل من الأنصار اسمه سنان بن وبرة، فتراكلا بأقدامهما وتناوشا بأيديهما فقال أجير عمر: يا للمهاجرين! يدعوهم بالسيوف، يعني: انصروني وأغيثوني- وقال الأنصاري: يا للأنصار! فبلغت هذه الكلمة رأس الكفر والنفاق وحربة الردة عبد الله بن أبي بن سلول، فقال: صدق الأول (سمن كلبك يأكلك) لو أنا صرفناهم عن دارنا ما فعلوا هذا، لكن نحن الذين فعلوا بهم ذلك -يقصد المهاجرين- ثم قال أما والله لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل.
وبلغت الكلمة رسول الله ﷺ ، وأخبره زيد بن الأرقم وصدَّق الله قيله، فأمر ﷺ الناسَ بالرحيل حتى لا يتحدث أهل النفاق في القضية؛ لأنهم يحبون الشائعات، فهم أناس في المجتمع لا هم لهم إلا أن يحيوا الشائعات والعثرات والزلات، فيصنفون فيها مصنفات ويزيدون فيها ويتشاغلون بها ويملئون بها الأسماع، فنسأل الله أن يكفينا شرهم، وأن يجعل بيننا وبينهم سداً منيعاً، وأن يحمي هذا الدين منهم، فإنهم يلغون في الأعراض كما يلغ الكلب في الماء.
فقام الرسول ﷺ بين الصحابة ثم أمرهم بالرحيل لئلا يتحدثوا في المسألة، يريد أن يشغلهم بشيء، ولذلك من الحلول التي تكافح بها الشائعات وحل ما يحصل بين الأحبة؛ أن تشغل الناس بالجد والعلم والمسائل العلمية، وتطرح عليهم قضايا الأمة الكبرى، لأن لدينا قضايا أعظم من الخلافات فيما بيننا وأعظم من هذه والمهاترات.
وهي قضايا نشر الإسلام ومحاربة اليهودية والعلمانية والشيوعية والنصرانية، وقضايا تأليف هذه الأمة المقدسة الخالدة التي جعلها الله أمةً وسطاً محبوبة شاهدة تؤمن بالكتاب والسنة.
فأتى ﷺ إلى أسيد بن حضير فأخبره الخبر فقال: يا رسول الله! والله إن شئت لنمنعنه من دخول المدينة، فإنك الأعز وهو الأذل، فقال عمر: ﴿يا رسول الله! ائذن لي أن أقتله، فقال ﷺ : يا عمر! لا يتحدث الناس أن محمداً يقتل أصحابه﴾ وهذا هو المنهج، أراد أن يتصرف لكن عنده منهج، فلا يخالف المنهج، عنده منهج دعوي يريد به مصلحة هذه الدعوة، وما عليه أن يتحدث فيه، وما عليه من دمه ونفسه وزوجته وأهله، لأنه يريد مصلحة الدعوة أن تستمر وأن يستفيد الناس ويسمعوا ويتعظوا وأن يهتدي على يديه بشرٌ كثير.
стр. 3101
عفو الرسول ﷺ
أما قضية الانتقام الشخصي وقضية أن يقوم الإنسان ويغضب لنفسه فليست عنده ﷺ ، فأتى ابنه الصالح الناصح عبد الله بن عبد الله بن أُبي فقال: ﴿يا رسول الله! سمعت أنك تريد قتل أبي، فإنك إن أرسلت رجلاً ليقتل أبي، والله لا تطمئن نفسي أن أرى قاتل أبي يمشي على وجه الأرض حتى أقتله، لكن يا رسول الله! ائذن لي أن أذهب الآن وآتيك برأسه، والله -يا رسول الله- إن شئت لأقتلنه، فإنك الأعز وهو الأذل﴾.
انظر إلى الإسلام كيف فصل بين الولد وأبيه الذي هو من صلبه ودمه وعروقه، بلا إله إلا الله محمد رسول الله، فقال ﷺ : ﴿بل نصبر على أبيك ونحسن صحبته ما بقي معنا﴾ فهذه هي الحياة وهي الدعوة وهو المنهج الرباني حتى يقول له ربه: ﴿وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾ [آل عمران:١٥٩] ويقول له الله: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم:٤].
فيأتي الناس ويعودون من الغزوة، فيأتي ابنه عبد الله فيسل السيف في مضيق عند مدخل المدينة فدخلت الكتائب المقدسة، وجيوشه ﵊ وأصحابه ومحبوه، وأتى عبد الله بن أبي على فرس فاعترضه ابنه بالسيف أمام وجهه، وقال: [[والذي لا إله إلا هو! لا تدخل المدينة حتى يأذن لك الرسول ﷺ فإنك الأذل وهو الأعز]] فذهب رسول إلى رسول الله ﷺ وأخبره، قال: أذنت له فدخل.
ومع ذلك عندما مات هذا الشقي يأتي ﷺ بقميصه فيكفن عبد الله بن أبي بن سلول به.
قال الناس: ﴿ما لك يا رسول الله! كفنته بقميصك؟ قال: إنه أهدى قميصاً للعباس عمي، فأردت أن أكافئه بهذا القميص﴾ وقام ﷺ يريد أن يصلي عليه -وهو منافق- فوقف عمر أمام رسول الله ﷺ تجاه القبلة وجعل ظهره إلى الجنازة -أمام المعصوم ﷺ وأمام المعلم الكبير، الذي لا ينطق عن الهوى والذي قوله حجة، وانظر كيف أحدنا يتقدم على عالم، فكيف تتصور أنك تقف أمام رسول الله يريد أن يكبر فتقول: لا.
ممنوع، لا تكبر- قال ﷺ : تأخر يا عمر! يريد إما يميناً أو يساراً، قال: يا رسول الله! تصلي عليه وهو الذي فعل كذا يوم كذا وكذا؟ قال: يا عمر! اترك هذا، قال: يا رسول الله! تصلي عليه وقد قال كذا وكذا؟ قال ﷺ : ﴿يا عمر! والذي نفسي بيده لو علمت أني لو استغفرت له أكثر من سبعين مرة لغفر الله له لاستغفرت له﴾ لأن الله يقول: ﴿اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ﴾ [التوبة:٨٠].
وهذا يسمى عند أهل التفسير (عدد لا مفهوم له) فلو كان العدد له مفهوم لكان استغفر ﷺ إحدى وسبعين مرة، كما تقول (ألف مرحباً) فإنه عدد لا مفهوم له، أي: أكثر من ألف.
ثم دفنه ﷺ فنزل جبريل بالوحي: ﴿وَلا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَداً وَلا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ﴾ [التوبة:٨٤] أي: لا تصل على أحد منهم مرة ثانية ولا تدع لهم ولا تقف على قبره ولا تترحم ولا تستغفر له.
ويأتيه متخلفون من المنافقين الذي أساءوا وتركوا الغزوة وخالفوا أمره وعصوا الله، فيقول أحدهم: يا رسول الله! أنا مريض، قال: صدقت، وهو ليس مريض البدن بل مريض القلب! والثاني يقول: امرأتي مرضت في الغزوة، قال: صدقت، والثالث يقول: يا رسول الله فقير ما استطعت أن أشتري جملاً، قال: صدقت، فيقول الله : ﴿عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَتَعْلَمَ الْكَاذِبِينَ﴾ [التوبة:٤٣] فقوله: (عفا الله عنك) مقدمة قبل أن يلاحقه بالعتاب، لئلا يخاف: ﴿لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ﴾ [التوبة:٤٣] من الذي فوضك وأذن لك أن تأذن لهم؟ ﴿حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَتَعْلَمَ الْكَاذِبِينَ﴾ [التوبة:٤٣].
فماذا أحدث ﵊ بهذا الخلق؟ جمع القلوب بدعوته فأتاه الذين قتل آباءهم، وإخوانهم في الشرك، فيقول أحدهم: [[والذي لا إله إلا هو إنك أحب إليّ من نفسي]] وقال الثاني: [[والله ما ملأت عيني منه إجلالاً له، والله لو سألتموني أن أصفه ما استطعت أن أصفه لكم]].
стр. 3102
تعامل الصحابة مع بعضهم
وقد ذكرت ما فعل معاوية وعبد الله بن الزبير، فقد كانت لهما مزرعتان في المدينة، مزرعة لـ معاوية، وكان ملك الدنيا يحكم ما يقارب عشرين دولة في دمشق وابن الزبير راعي من رعيته له مزرعة.
فأتى وبينهم حزازات وإحن قديمة، فأتى عمال معاوية فدخلوا في مزرعة ابن الزبير، فكتب ابن الزبير وكان حاداً غضوباً ﵁ على شجاعته وعبادته:
[[بسم الله الرحمن الرحيم من عبد الله بن الزبير إلى معاوية بن هند آكلة الأكباد -يعيره بيوم أحد يوم أكلت أمه كبد حمزة - أمَّا بَعْد:
فقد دخل عمالك مزرعتي، فوالذي لا إله إلا هو إن لم تمنعهم ليكونن لي ولك شأن]] وما هو الشأن؟! معاوية عنده تسعون ألف مقاتل في دمشق، حضر بهم صفين والمعارك وأنت ليس عندك أحد! بل قال بعضهم أنه قال: [[من عبد الله بن الزبير بن حواري الرسول وابن ذات النطاقين، إلى معاوية بن هند آكلة الأكباد]].
فأتى الرسول معاوية فقرأ الرسالة وكان حليماً يضرب به المثل في الحلم -يقول أهل العلم: تعلم عمر بن عبد العزيز الحلم من معاوية - فاستدعى ابنه يزيد، وكان متهوراً -وهذا يقوله الذهبي وغيره- فعرض عليه الرسالة، قال: ماذا ترى أن نجيبه، قال: أرى أن ترسل له جيشاً أوله في المدينة وآخره عندك في دمشق يأتون برأسه -وباستطاعته أن يفعل- قال: لا.
بل خير من ذلك وأقرب رحماً، لأن بينهم رحماً.
فكتب بسم الله الرحمن الرحيم من معاوية بن أبي سفيان إلى عبد الله بن الزبير بن حواري الرسول وابن ذات النطاقين، السلام عليك ورحمة الله وبركاته وبعد فلو كانت الدنيا بيني وبينك ثم سألتها لسلمتها لك، فإذا أتاك كتابي هذا فضم مزرعتي إلى مزرعتك وعمالي إلى عمالك فهي لك، والسلام.
وصلت الرسالة ابن الزبير، فقرأها ابن الزبير فبلها بالدموع، وذهب إلى معاوية في دمشق وقبَّل رأسه، وقال: لا أعدمك الله الذي أنزلك هذا المنزل من قريش.
هذا العقل والتصرف وهذه الحكمة والإرادة القوية، لكننا نريد أن نصل إلى هذه المستويات فنعثر ونصل إلى درجة فنهبط، فنحاول ونكرر ونفعل كما تفعل النملة في محاولات، ولعلها المحاولة الواحدة بعد المائة أو الواحدة بعد الألف، ومن يدري فإننا في عصر تدريب وفي عصر تلق وتربية.
أسأل الله أن يزيدنا وإياكم توفيقاً وهدايةً ورشداً.
стр. 3103
كيفية الأخوة الصادقة
أحد الإخوة كتب رسالة أثابه الله على ما كتب وسدد خطاه، وهو يشكر على المحاضرة السابقة التي كانت في السبت الماضي بعنوان (جسور المحبة) وقال: أثارتني هذه المحاضرة وسرتني كثيراً، وأنقل لك من كتاب خواطر في زمن المحنة، في هذا الموضوع، يقول الكاتب: عجبت لإخُوة في الله تنهار محبتهم بسبب سوء تفاهم! لماذا يبخل الأخ بقليلٍ من التسامح، وقد عاش مع أخيه ساعاتٍ مليئة بالحب والإخلاص والعطاء الأخوي الذي يتجاوز عطاءات المادة إلى عطاءات الروح؟ لماذا ننسى ما بيننا من وشائج وأواصر أقامها دين الإسلام، ورسول الإسلام ﵊؟
إذا كنت تبحث عن أخطائي لتبرر بها غضبك فأين حبك لي الذي كنت تتشدق به؟ لماذا لا تفتح باب التسامح في وجهي؟ لماذا لا تتبسم في وجهي؟ لماذا لا تزورني؟ لماذا لا تغفر زلتي؟ لماذا لا تدعو لي بظهر الغيب؟ عجبت لمن يدعي الحب في الله كيف لا يغفر زلات إخوانه! عجبت لودٍ ينقلب جفاءً! ولاحترامٍ ينقلب احتقاراً! ولأخوةٍ في الله تنقلب إلى علاقاتٍ سطحية!
أيها الإخوة! أقول لكم نحن نختلف عن سائر الأمم، لم نجتمع على حب وطن فقط، فليست الوطنية هي التي جمعتنا، فإن أوطاننا بلاد المسلمين، ولم نجتمع على دم فإن الدم دعوةٌ أرضية لم ينزلها الله في كتابه: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات:١٣] ولم نجتمع على لغة فإن اللغات شتى بل اجتمعنا على عقيدة ومبدأ أتى به محمد ﷺ ، وهو لا إله إلا الله محمد رسول الله، فهذا المبدأ العظيم جعلنا نتآخى، يقول أبو تمام:
إن يختلف ماء الوصال فماؤنا عذبٌ تحدر من غمامٍ واحد
أو يفترق نسبٌ يؤلف بينناً دينٌ أقمناه مقام الوالد
стр. 3104
تصورات رائعة
كلما حصلت جفوة أو حصل تجافٍ أو هجر عدنا إلى الدين، وتصورنا ونحن نصلي الصلوات الخمس، ونحن نتجه إلى قبلة واحدة، ونتبع رسولاً واحداً ﷺ ، ونعبد رباً واحداً، ومعنا كتاب واحد وسنة واحدة، فلله الحمد، فتصوروا أيها الإخوة! أن ما يجري بين الأحبة لا يفسد للود قضية، بل أحياناً من حكم الله أن يوجد هذا بين الناس، فإن الله يقول: ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ﴾ [الأنعام:١١٢] فإنه بمشيئته تحدث، وفيها من المصالح العظيمة ما الله به عليم حتى يقول المتنبي:
لعل عتبك محمود عواقبه وربما صحت الأجسام بالعلل
ولعلنا نكره شيئاً فيه خير كثير، ونحب شيئاً فيه شر كثير، ولله الحكمة البالغة.
لا تدبر لك أمراً فؤلوا التدبير هلكى
وارض بالله حكيماً نحن أولى بك منكا
فإذا رضيت بالله متصرفاً في شئونك الخاصة والعامة صرفك كما أراد ، ولا تكره من أمر الله شيئاً، ورب ضارة نافعة، أحياناً تحصل أمور يكون فيها مصالح عظيمة، لا يدركها البشر بعقولهم ولا بتخطيطهم ولا بتصريفهم، منها أمور تكون قوة للإنسان ورفعة ومنزلة وحماية، وكفارة ودرجة، وهو كان يظن أنها نقمة، وأنها ضربة وكارثة، فلله الحكمة البالغة، فرضينا بحكمه .
ولابد للعبد أن يقول كلما أصبح: ﴿رضيت بالله رباً وبالإسلام ديناً وبمحمد ﷺ نبياً﴾ وفي سنن أبي داود بسندٍ صحيح أنه قال: ﴿رضيت بالله رباً وبالإسلام ديناً وبمحمد نبياً كان على الله حقاً أن يرضيه﴾.
стр. 3105
نبذ الخلافات الشخصية
فأسأل الله أن يرضيني وإياكم، وأسأل الله أن يجمع بيننا وبينكم في دار الكرامة، واعلموا أيها الإخوة! والله يعلم ذلك وسوف يحاسبنا على ما نقول: أنه ليس بيننا وبين أحدٍ من الناس شجارٌ لأسباب دنيوية، ولا لذواتنا ولا لأنفسنا، فإن العبد عليه أن يسعى لمصلحة هذا الدين ولمصلحة الأمة والبلاد والعباد، وأن يسعى لجمع الصف ونبذ الفرقة ودرء الفتن عن الأمة وعن البلاد حتى تكون الأمة تحت مظلة: ﴿وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [الأنفال:٦٣].
يا حي يا قيوم! يا ذا الجلال والإكرام! نسألك أن تنصر جنود الإسلام وأن تسحق عبدة الأصنام وأن تكرمنا بحماية البيت الحرام.
اللهم اجمع كلمة المجاهدين وأيد عبادك الصالحين ورد كيد الكائدين، واقمع حسد الحاسدين.
اللهم ارفع لواء التوحيد واقمع كل كافرٍ عنيد، اللهم ارحمنا رحمة واسعة تسع ذنوبناً واسترنا ستراً يحجب عيوبنا يا أرحم الراحمين.
стр. 3106
رسالة للمجاهدين الأفغان
عباد الله! أمامي رسالة مؤثرة صادقة أرسلها أخ محب من أبناء الجزيرة الإسلامية المقدسة، من سكان الحرمين إلى المجاهدين الأفغان، ووصلتني بعد صلاة المغرب وأنا أحب أن أقرأها عليكم علها أن تصل المجاهدين الأفغان، وكما دعى ولاة الأمر هنا أولئك المجاهدين إلى جمع الصف وتوحيد الكلمة، فإني أذكِّر أولئك بقوله : ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُوا﴾ [آل عمران:١٠٣].
يقول الأخ: رسالة إلى إخواني المجاهدين الأفغان قال الله تعالى: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُوا﴾ [آل عمران:١٠٣] إلى مجاهدي أفغانستان المسلمة إلى من رفعوا رءوس جميع المسلمين في شتى بقاع المعمورة عالياً إلى من أحيوا الجهاد الإسلامي المقدس إلى كتائب محمد ﷺ إلى الذين نرى فيهم صدق الأنصار، وشجاعة المهاجرين، إلى من داسوا رءوس الإلحاد وكسروا جماجم الوثنية العصرية إلى من حطموا أسطورة الشيوعية بدمائهم الزكية إلى طليعة الأمة المحمدية: إنني أناديكم من فوق ثرى الجزيرة العربية من جوار مقدساتنا الإسلامية من مهبط الوحي من أرض الرسالة من قلعة القداسات بل أصرخ بأعلى صوتي من جوار قبر الإمام العظيم والمجاهد الفذ الزعيم وصفوة الخلق الكريم؛ محمد ﵊.
وأناشدكم الله جلت قدرته بأن تنبذوا خلافاتكم مهما كانت، وألا تتركوا لعملاء اليهودية العالمية والخونة فرصةً ليهددوا أمنكم، ويهدموا ما بنيتم خلال عشرات السنوات، فقد ضحيتم بالألوف المؤلفة من الشهداء، وأسلتم الدماء وقدمتم الجماجم وجعلتم الأرض لهباً لترتفع لا إله إلا الله، وأنتم الآن على أبواب النصر الكامل على أعدائكم وأعدائنا وأعداء الأمة.
إخواني! عليكم جميعاً قادةً وساسةً، وعلماء ودعاة وجنداً الاعتصام بحبل الله، وأن تلوذوا بعروة الله الوثقى، وألا تخيبوا أمل كل المسلمين وأمهات المسلمين ونساء المسلمين وأبناء المسلمين وعلماء المسلمين ودعاة المسلمين؛ لا تخيبوا أملهم فيكم، ولا تظهروا عدوكم عليكم بأنفسكم ﴿وَلا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ [الأنفال:٤٦] نسأل الله لكم الثبات والاتفاق، والاجتماع وتوحيد الصف.
هذه رسالة أشكر الأخ الذي أرسلها، وباسمكم جميعاً وباسم أبناء هذه البلاد المقدسة أشارك في إرسالي وأطلب من الإخوة مندوبي المجاهدين الأفغان في مكاتبهم أن يأخذوا هذه الرسالة وهذا الدرس والمحاضرة، وأن يقيموا الحجة على أولئك القادة، وأن يسألوهم أن يتقوا الله في الأمة الإسلامية وفي الملايين المملينة من أمة محمد ﷺ ، وألا يعودوا فيقتتلوا ويسدد بعضهم السهام إلى نحر أخيه، ويقتل بعضهم بعضاً فإنها دعوى جاهلية يريد الشيطان وأعوانه استغلالها.
إن الإخوة المندوبين هنا عليهم مهمة أن ينقلوا هذه الرسالة في أقرب وقت، وأن يحملوا رسالة من حضر هذا المجلس وطلبة العلم في هذه البلاد، وفي كل البلاد الإسلامية علماءً وقادةً، ودعاةً وطلبة علم إلى أولئك بأن يتقوا الله في الأمة، وأن يناشدونهم أن يحفظوا هذه المسيرة وهذه النتائج الطيبة المرضية.
стр. 3107
الأسئلة
стр. 3108
مشاركة شعرية
السؤال
أحد الإخوة رمز لاسمه بـ (ي.
ش) كتب بيتين على روي القصيدتين وعلى قافيتهما وعلى بحريهما يقول:
سلامٌ على الشيخين زاكٍ وعاطر يفوح ببيت الله والحب غامر
فقد أسعدا بالوصل خير فضيلة وجمعا بحب الصالحين أفاخر
الجواب
أثابه الله، وعند الأدباء مسألة معارضة القصائد، حتى إن بعض القصائد يذكرون عنها أنها عورضت ثمانين مرة على نفس البحر والراوية والقافية، وهذه قد توجد كثيراً وقد ذكر مثلها أبو الفرج وابن عبد ربه والذهبي وابن كثير، فلا بأس أن ينشأ على هذا، لكن فيما يصلح بين الناس ويؤاخي بين القلوب ويوحد بين الصف، لأنا بحاجة ماسة إليها.
стр. 3109
نصيحة لمن ينشر الخلافات
السؤال
هناك بعض الصحف التي تستغل كثيراً من بعض المواقف للإيقاع بين الأحبة والإخوة، فلماذا لا توجهوا كلمة تنصحوا بها أهل هذه الصحف أن يتقوا الله ويبتعدوا عن هذا الأسلوب الذي لا يخدم الأمة في مآلها ولا في عاجلها؟
الجواب
أشكرك على هذا السؤال، وكان في ذهني هذا وإني أقول: إن بعض الصحف وبعض الصحفيين يستغلون بعض الدورات وتجدهم يريدون المقابلة ولكن لهم بعض المقاصد والنوايا، ولا يدركها العبد، فأحياناً قد يتصل بك على عجلة ويأخذ منك كلمة ويختلس منك عبارة ويريد منك إثارة، ثم تضخم وتشاع وتكبر، ويكون لها أعظم الأثر في الناس، وقد جربت هذا، ولكن لا حليم إلا ذو تجربة، في مثل جريدة البلاد، وقد أخطأت كثيراً فيما فعلت، خاصة في صفحة (ماذا تقول لهؤلاء؟) ولو استقبلت من أمري ما استدبرت ما كنت قبلت المقابلة.
وحتى جريدة المسلمون فإنها أخذت المقابلة على أنها تنشر كاملة، لكنها أخذت كلمات طفيفة في بعض الزوايا فضخمتها بالخطوط العريضة، ودبجتها وأبرزتها وصغَّرت بعض الكلمات التي تحتاج إلى عرض وبسط، ثم أخذت تعرض المسألة بأسلوب المقصود منه الإثارة، وقد رأيت في بعض الصحف يقولون -مثلاً-: الشيخ فلان لا يرى في التصوير بأساً، ثم تبحث في المقابلة فلا تجد في الكلام ما يدل على ذلك.
أو يقولون: الشيخ يطالب بحقوق للمرأة الشيخ يعترض على الشيخ الفلاني المذكور الشيخ ينقم أسلوب الداعية المذكور، فلانٌ يرى أن فلاناً مخطئ، وهذا يدل على أن هناك نوايا لم نكن نعتقدها ولا نظن بها، ولم نكن نظن أن مسلماً يريد هذه أو يريد في فترة من الفترات أن يوجد في النفوس شيئاً، فعسى أن تكون تجربة وأن يكون درساً، وكل شيء تستفيد منه فهو عبرة لك وفي مصلحتك.
نسأل الله أن يهدي وأن يصلح وأن يسدد.
стр. 3110
التفريق في المحبة بين الناس
السؤال
هل نفهم من كلامك في المحاضرة -في درس (فن تأليف الأرواح) - أن نحب المسلمين جميعاً مستقيمهم وفاسقهم، سنيهم ومبتدعهم ولا نبغض أحداً منهم، وأنت تعلم أن منهج السلف الصالح أنهم يهجرون المبتدع والضال، فأخشى أن يُتخذ كلامك ذريعة للناس؟
الجواب
لا.
هناك أسس في الولاء والبراء عند أهل السنة والجماعة بينت في مناسبات ومحاضرات ودروس، وبينها أهل العلم في كتبهم.
فإن الولاء والبراء النسبي واردٌ، والحب والبغض النسبي وارد وقد تكلم عنه شيخ الإسلام ابن تيمية، وهو أن تحب الإنسان بقدر ما فيه من طاعة، وتبغضه بقدر ما فيه من معصية، وتحبه بقدر ما فيه من سنة وتبغضه بقدر ما فيه من بدعة وهكذا.
أما الحب المطلق العام الكامل فهذا لا يكون؛ لإنه ليس هناك أحدٌ كامل، لكن بقدر هذا وهذا فقد جعل الله لكل شيءٍ قدراً، فتهجر العاصي حتى يتوب من معصيته، كما فعل ﷺ مع العصاة، وتهجر المبتدع حتى يتوب من بدعته، أما أن تهجر دائماً وتوالي وتحب دائماً وتترك أهل المعاصي وتجعلهم كالمؤمنين فهذا غير المنهج الذي بنيت عليه عقيدة السلف الصالح.
لكن الأمور الدنيوية -أيها الإخوة- التي يتذرع بها الناس في الهجران لا يحل لهم ذلك إلا ثلاثة أيام، ففي صحيح مسلم عنه ﷺ أنه قال: ﴿لا يحل لامرئٍ مسلم أن يهجر أخاه المسلم فوق ثلاث، يلتقيان فيعرض هذا ويعرض هذا وخيرهما الذي يبدأ بالسلام﴾.
стр. 3111
توبة شاب من هجر أخيه المسلم
السؤال
لي أخ في الله زاد هجري له على سنة، وذلك بسبب الشيطان وبعض الواشين، وأشهد الله ثم أشهدكم أني قد ندمت على هجري وسوف أزوره إن شاء الله؟
الجواب
أثابك الله وأكرمك، وجمع الله القلوب وأزال الله ما في النفوس، فإن الرسول ﷺ قال -وهذا لفظ أحمد في المسند - ﴿إن الشيطان قد أيئس أن يعبده المصلون في جزيرة العرب﴾ فلا تجد أحداً في جزيرة العرب يسجد لوثن ولا صنم: ﴿ولكن في التحريش بينهم﴾ وأما التحريش فسوف يستمر إلى قيام الساعة.
وهناك أناس جاهزون متبرعون، فكل صباح ينقلون الكلمات -مراسلون- وسوف يحاسبهم الله، فتجده من الصباح: قال فلان وقال علان، وسمعنا أن فلاناً يقول في فلان كذا وكذا، وهل صحيح أن فلاناً يقول كذا، وهل سمعتم ما قيل عن فلان، وهل بلغكم، فهؤلاء هم الذين يسعون بالعداوة والشنعاء والبغضاء بين المؤمنين لا خلاق لهم عند الله يوم القيامة، فالذين يفسدون الود والقلوب سوف يتعرضون لمقت المولى وغضبه ، وهم كما قال ﷺ : ﴿لا يدخل الجنة نمام﴾ وفي لفظٍ: قتات، فجعل الله عقوبته ألا يدخل الجنة بسبب إفساده بين الناس.
стр. 3112
مجتمع الصحابة ومجتمعنا
السؤال
قارنت بين مجتمعنا ومجتمع الصحابة المزكى من الله ومن الرسول ﷺ ، وقلت هم اختلفوا ونحن اختلفنا، مع العلم بأن ذلك الخلاف بينهم غير الاختلاف بيننا.
فبماذا ترد؟
الجواب
لا.
الخلاف بينهم مثل الخلاف بيننا، فهم ليسوا رسلاً، ولا أنبياء ولا معصومين، فهم اختلفوا في بعض القضايا مثلما اختلفنا نحن، وأنا قرأت تراجمهم حتى إن بعضهم بلغه كلمة عن فلان فهجره وغضب عليه، مثلما يحدث بيننا، فقد تبلغنا كلمة عن أخ أو أحد فنغضب عليه، بل إن بعضهم غضب لأجل أمر.
فقضية أنك ترفعهم إلى درجة العصمة لا.
لكن أقول هم أفضل منا، وليس بيننا وبينهم نسبة ولا تناسب ولا مفاضلة، فقد زكاهم الله من فوق سبع سموات وهم صفوة الخلق، وهم الرعيل الأول المفضل.
ولكن مع ذلك حصل منهم ما حصل، وأتى بينهم من الكلمات، وبعضهم اعتدى على بعض، وبعضهم حمل السلاح على بعض، وبعضهم هجر بعض، ومع ذلك قال الله : ﴿وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْوَاناً عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ﴾ [الحجر:٤٧] فقضية أن نتنكر لوقائع التاريخ وقضايا السير ليس بصحيح، بل إن الله عاتب رسوله ﷺ في القرآن على بعض القضايا، وعاتب الرسول ﷺ الصحابة على أشياء، ولامهم ﷺ على بعض الأمور، لأنهم بشر يخطئون.
هذا ما أريد أن أقوله لكم -أيها الإخوة- في هذا المجلس.
стр. 3113
عاص يريد التوبة
السؤال
يظن الناس بي خيراً وإني لشر الناس إن لم تعف عني
وعندي من الخطايا والذنوب ما لا يعلمه إلا الله، ومع ذلك لا يعلمون ذلك، فماذا أفعل؟
الجواب
أولاً: لا يشترط أن تخبر الناس بذلك، والمطلوب من المسلم أن يحسن ظن إخوانه به، وأن يحمد الله على ستر الله، وأن يستمر دعاء ربه ومولاه أن يوفقه.
ثانياً: أن الذي يصلح بينك وبين الناس وينشر عنك الذكر الحسن والثناء الطيب هو الله، وذلك بأن تصلح ما بينك وبينه، فإنك إن أصلحت ما بينك وبينه نشر الله لك الحب والقبول والثناء الحسن، وإذا أفسدت ما بينك وبينه نشر الله لك البغض والشنعاء واللعنة والمقت، حتى يقول بعضهم:
فليتك تحلو والحياة مريرة وليتك ترضى والأنام غضاب
إذا صح منك الود فالكل هينٌ وكل الذي فوق التراب تراب
إلى آخر ما قال.
وعند ابن حبان ﴿من أرضا الناس بسخط الله سخط الله عليه وأسخط عليه الناس، ومن أسخط الناس برضا الله ﵁ وأرضى عنه الناس﴾.
وقضية أخرى أنه ليس هناك أحدٌ معصوم يسلم من الذنب إلا الرسل عليهم الصلاة والسلام، فكلٌ له ذنب وكلٌ له خطأ وكلٌ له سيئة، لكن تب بينك وبين الله.
ثالثاً: ثم إنه لا يشترط -أيها الإخوة- أن الإنسان إذا عصى الله أن يقول للناس: لا تظنوا بي خيراً، بل إني عاص، فهذا ليس من منهج أهل السنة، بل يجب أن يستتر بستر الله ويفرح بحفظه، ويحمد الله على أن أوجد له خيراً.
رابعاً: أنه قد يكون لك خير لا تدري أنت عنه، قد اطلع الله عليه وعلى سريرتك أنها خيرة، فنشر لك القبول والحب، وأنت لا تدري فبعض الناس يبلغ به سوء الظن بنفسه إلى درجة أن يحطم نفسه، ولا ينظر لنفسه إلا نظرة سوداوية من الوسوسة حتى تقول لأحدهم: أنت فيك خير، قال: لا.
ليس في خير لو تعلم ما عندي لما زكيتني، أقول: أراك تصلي الصلوات الخمس، قال: لا.
ولو، أراك تقرأ القرآن، قال: لا.
ولو، أراك تحب الله ورسوله، قال: لا.
ولو، فيسحق نفسه سحقاً ويحطمها تحطيماً.
وهذا ليس مطلوباً في الإسلام، لأن الله يقول: ﴿وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَى مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَداً﴾ [النور:٢١] ويقول : ﴿فَلا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى﴾ [النجم:٣٢] انظر كيف يفترون على الله الكذب في آيات كثيرة، فأخبرنا سبحانه أنا أهل نقصٍ وتقصير، أما البيت الذي بدأ به الأخ فهو لـ أبي العتاهية وهو من أجود أبياته وهو ضمن أبيات يقول فيها:
إلهي لا تعذبني فإني مقرٌ بالذي قد كان مني
يظن الناس بي خيراً وإني لشر الناس إن لم تعف عني
وكم من زلةٍ لي في البرايا وأنت عليَّ ذو فضلٍ ومنِّ
إذا فكرت في ندمي عليها عضضت أناملي وقرعت سني
إلى أبياتٍ كثيرة، ويقول عبد الله بن محمد الأندلسي في قصيدته (أربِحِ البضاعة):
يا من سترت مثالبي ومعايبي وحلمت عن سقطي وعن طغياني
والله لو علموا قبيح سريرتي لأبى السلام عليَّ من يلقاني
وأبو نواس يقول:
إن كان لا يرجوك إلا محسنٌ فبمن يلوذ ويستجير المجرم
ما لي سواك وسيلة إلا الرجا وجميل عفوك ثم إني مسلم
ولما حضرت الشافعي الوفاة سالت دموعه فأنشد وقال:
ولما قسا قلبي وضاقت مذاهبي جعلت الرجا ربي لعفوك سلما
تعاظمني ذنبي فلما قرنته بعفوك ربي كان عفوك أعظما
وهذا أمرٌ عظيم، فإن الإنسان إذا ذكر رحمة الله وحلمه وكرمه تصاغر ما عنده من الذنوب، وإذا ذكر أخذ الله وبطشه وعذابه تقالَّ ما عنده من الحسنات، فالمؤمن يعيش بين الرجاء والخوف، قال : ﴿حم * تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ * غَافِرِ الذَّنْبِ وَقَابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ الْعِقَابِ ذِي الطَّوْلِ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ إِلَيْهِ الْمَصِيرُ﴾ [غافر:١ - ٣] والرجاء والخوف عند أهل السنة جناحان للطائر لا يطير إلا بهما، فأنت بين الخوف والرجاء.
نسأل الله أن يحفظنا وإياكم، وأن يجمع كلمتنا وأن يوحد صفوفنا، وأن يجمعنا بكم في دار الكرامة.
سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين.
وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.
стр. 3114
كيف ربى الرسول أصحابه ؟
النبي ﷺ مربي الأجيال، مخرج الأبطال، يا ترى كيف ربى الصحابة؟
على أي شيء رباهم؟ ما هو الهدف الذي جعلهم يعيشون من أجله أو يموتون من أجله؟
كيف كانت تربيته ﵊ لأبي بكر وعمر وعثمان وعلي وغيرهم من الصحابة؟
كل هذا ستعرفه في هذا الدرس إن شاء الله.
стр. 3115
وقفة مع المصطفى ﷺ
الحمد لله الذي كان بعباده خبيراً بصيراً، وتبارك الذي جعل في السماء بروجاً وجعل فيها سراجاً وقمراً منيراً، وهو الذي جعل الليل والنهار خلفةً لمن أراد أن يذكر أو أراد شكوراً، والصلاة والسلام على من بعثه ربه هادياً ومبشراً ونذيراً وداعياً إلى الله بإذنه وسراجاً منيراً، بلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة.
اللهم صل وسلم على محمد ما تضوع مسك وفاح، وما ترنم حمام وناح، وما شدا بلبل وصاح.
سلام الله عليكم ورحمته وبركاته.
أنا من الأزد أنصار الرسول ولي وسيلة الحب إني من محبيه
دمي ودمعي مدادٌ في مدائحه وفيض قلبي يعفورٌ يناديه
أبي معاذ أناغي ورق دوحته حسان جدي سأبني في قوافيه
أنا الليلة لا أتكلم عن سياسي بل أعظم من الساسة، ولا عن اقتصادي بل أعظم من الاقتصاديين، ولا عن عالم بل أعظم من العلماء، ولا أتكلم عن زعيم بل أعظم من الزعماء، ولا عن أديب بل أعظم من الأدباء.
المصلحون أصابعٌ جمعت يداً هي أنت بل أنت اليد البيضاء
فإذا سخوت بلغت بالجود المدى وفعلت ما لا تفعل الأنواء
وإذا رحمت فأنت أمٌ أو أبٌ هذان في الدنيا هما الرحماء
فصلى الله وسلم على بطل الصحوة الرائدة، وأستاذ الصحوة الخالدة، وموجهها ومعلمها؛ فما اجتمعنا إلا على رسالته، ولا تآخينا إلا على منهجه، ولا تصافينا إلا على مبادئه الخالدة.
شكر الله لمن شاد هذا المسجد، وشكر الله لإمامه، وشكر الله لمن قدم المحاضرة، وشكر الله لكم حضوركم، ورفع منازلكم، وجمعنا بكم في مقعد صدقٍ عند مليك مقتدر.
تعالوا معنا ننظر كيف ربى رسول الله ﷺ أصحابه، كيف أخرجهم من النار.
يوم أتى زعماء الطين والتراب فسحقوا شعوبهم ليربوا منهم عبيداً وأرقاء وعمالاً وطبقات خافضةً مستعبدةً وجيوشاً مجندة، ربى محمد ﷺ أصحابه على الحب.
يوم أتى استالين ولينين وهتلر يسحقون البشر ويعذبونهم ويحرقونهم.
قالوا هم البشر الأعلى وما أكلوا شيئاً كما أكلوا الإنسان أو شربوا
أتى محمد ﵊ ليخرج من الأمة العربية البائسة الأمية أمةً ماجدةً رائدةً خالدةً: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولاً مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ) [الجمعة:٢].
يا قوميون: أين مدكم قبل الإسلام؟ أين تاريخكم قبل الرسالة الخالدة؟ طنطنتم في الصحف والمجلات، ودندنتم في الإذاعات بأن لكم مجداً قبل الإسلام، أمجد عنترة الإرهابي! أم مجد حاتم المشرف على الوثنية! أم مجد عبس وذبيان وداحس والغبراء!، لا.
إن البرية يوم مبعث أحمد نظر الإله لها فبدل حالها
بل كرم الإنسان حين اختار من خير البرية نجمها وهلالها
لبس المرقع وهو قائد أمةٍ جبت الكنوز فكسرت أغلالها
لما رآها الله تمشي نحوه لا تبتغي إلا رضاه سعى لها
فأمدها مدداً وأعلى شانها وأزال شانئها وأصلح بالها
كما ذكر أخي وزميلي المقدم: أن هذه الصحوة العارمة الرائدة تحتاج إلى موجه وإلى أستاذ وإلى بطل، وموجهها وأستاذها وبطلها محمد ﵊ هو لا يزال يقود الركب بسنته حتى يسلم الأمة ويدخلها من باب الجنة ﵊، وإن هذه الصحوة رفعت الرءوس، فلك الحمد يا رب، ظن المستعمر أنه سوف يسحق شبابنا، وسوف يغريهم، وسوف يهاجمهم بالمرأة والكأس، فأبى الله إلا أن يتم نوره، ورد كيد المستعمر في نحره، وأقبلت وجوه الصحوة تسجد لله ويقول لسان حالها:
ومما زادني شرفاً وفخراً وكدت بأخمصي أطأ الثريا
دخولي تحت قولك يا عبادي وأن صيرت أحمد لي نبيا
أصول هذه المحاضرة خمسة أصول:
أولها: تربيته ﵊ لأصحابه على الحب لله ولرسوله، حباً يقطع من أجله الجسم ويمزق من أجله شغاف الروح.
الأصل الثاني: تربيتهم على الشجاعة والإقدام، يقتحمون الأسوار ويسلمون أرواحهم للسيوف تمزقها لتدخل جنة عرضها السموات والأرض.
الأصل الثالث: الصراحة والوضوح، يأتي الطارف من الرعية والبدوي الأعرابي فيتكلم في حوار ساخن حار مع عمر وهو على المنبر ويقاطعه في الخطبة، ويستمع الجمهور لهذا الراعي مع هذا الفرد من الرعية بتربية محمد ﵊.
الأصل الرابع: اللين والرفق الذي سلكه محمد ﵊ يوم قدم دعوته في أطباق الحب وعلى رياحين المودة وعلى باقة من الإخلاص والالتزام.
أما الأصل الخامس: فهو تربيته على الطموح وعلو الهمة، ولا يرضى أحدهم بالدنيا وقصورها وذهبها وسياراتها من أجل أن يبيع ولو طرفة عين شيئاً من مبادئه.
стр. 3116
الصحابة يتربون على حب الله وحب نبيه ﷺ
فأما الأصل الأول: فإنه أعظم الأصول؛ أتى ﵊ فأتى اليهود يتعاطسون عنده، يقولون: نحن نحب الله ولكن لا نتبعك، فكذب الله حبهم وأبطل دعواهم، وقال لهم: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ﴾ [آل عمران:٣١] ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيراً) [الأحزاب:٢١].
стр. 3117
عمر بن الخطاب وحب النبي ﷺ
أتى ﵊ فلقنهم حب الله ، وحبه ﷺ ، يقول في حوار مكشوف وعمر يقول له: ﴿يا رسول الله! والله إنك أحب إلي من مالي ومن أهلي ومن ولدي إلا من نفسي، فقال: لا يا عمر حتى أكون أحب إليك من نفسك، قال: فوالله -يا رسول الله- إنك أحب إلي حتى من نفسي﴾.
وفي سنن الترمذي بسند حسنه بعض أهل العلم: أن عمر لما أراد العمرة، قال له ﷺ : ﴿لا تنسنا من دعائك يا أخي﴾.
قائد عظيم وزعيم عملاق يقول لأحد تلاميذه: أخي، قال عمر -معلقاً-: كلمة ما أريد أن لي بها الدنيا وما عليها، وذهب عمر إلى العمرة، لكن كأنه ترك قلبه مع الرسول ﵊ وأشواقه وأحاسيسه وإشراقه.
بنتم وبنا فما ابتلت جوانحنا شوقاً إليكم ولا جفت مآقينا
نكاد حين تناجيكم ضمائرنا يقضي علينا الأسى لولا تأسينا
هذا هو الحب، والحب أثبت أصالته في المعركة، من الذي دفع أنس بن النضر أن يهب بسيفه من المدينة إلى أحد؟ فيقول له سعد بن معاذ: [[عد، عد يا أنس، قال: إليك عني يا سعد، والله الذي لا إله إلا هو، إني لأجد ريح الجنة من دون أحد]] ويموت ويضرب بثمانين ضربة، أليس هذا حباً صادقاً؟! بل وضوح والله، بل فداء معناه الحب لله ولرسوله.
стр. 3118
حنظلة غسيل الملائكة ومحبة الله ورسوله
من الذي دفع حنظلة الغسيل- وحديثه صحيح- أن يترك زوجته في أول ليلة وهو عروس ويهب وعليه جنابة، فيقتل نفسه في سبيل الله، ويقدم دمه علامة على الحب، حتى يقول ﵊ وهو يلتفت إلى السماء ويشيح بوجهه: ﴿والذي نفسي بيده! إني لأرى الملائكة تغسل حنظلة بين السماء والأرض﴾ أليس حباً هذا؟! بل والله من أعظم الحب وأرقى الحب.
стр. 3119
عبد الله الأنصاري وحب الشهادة
ويأتي ابن عمرو - عبد الله الأنصاري والد جابر - فيتكفن بعد أن يغتسل ويتطيب ويكسر غمد سيفه على ركبته ويلتفت، ويقول: [[اللهم خذ من دمي هذا اليوم حتى ترضى]].
يجود بالنفس إن ضن البخيل بها والجود بالنفس أغلى غاية الجود
ويذهب فيقتل، فيبكي ابنه جابر، فيقول ﷺ : ﴿ابك أو تبك، والذي نفسي بيده! ما زالت الملائكة تظل أباك بأجنحتها حتى رفعته، والذي نفسي بيده لقد كلم الله أباك كفاحاً بلا ترجمان، قال: تمنّ -واسمع إلى الأمنية والطموح وعلو الهمة- قال: أتمنى أن تعيدني إلى الدنيا فأقتل فيك ثانية، قال: إني كتبت على نفسي أنهم إليها لا يرجعون، فتمنّ قال: أتمنى أن ترضى عني فإني قد رضيت عنك، فقال الله: فإني أحللت عليك رضواني لا أسخط عليك أبدا﴾.
أم من رمى نار المجوس فأطفئت وأبان وجه الصبح أبيض نيرا
ومن الذي باع الحياة رخيصةً ورأى رضاك أعز شيء فاشترى؟
стр. 3120
عبد الله بن جحش وعلامة حبه لله تعالى
هم أصحاب محمد ﵊ رباهم على الحب، فيأتي عبد الله بن جحش أول من سمي بالأمير يوم أحد، فيقول: [[يا رب اللهم إنك تعلم أني أحبك - وهذا مهر البيعة- اللهم إن كنت تعلم ذلك فلاق بيني وبين عدو لك شديد حرده، قوي بأسه، فيقتلني فيك -ما قال: أقتله- فيبقر بطني ويجدع أنفي ويفقع عيني ويقطع أذني، فإذا قلت لي: يا عبدي لِمَ فُعِل بك هذا؟ فأقول: فيك يا رب]].
هل قتل أتباع استالين ولينين وهتلر على ذلك، كذب الأعداء الأخساء، كذب الدجاجلة، والله ما قادوا الشعوب إلا بالحديد والنار، أما رسولنا ﵊ فقاد القلوب إلى الحي القيوم وهي تقيه من جراحات الأسهم وتحوطه بسياج من النور في أحد حتى تقع الأسهم فيها، وأحدهم يقول: نفسي لنفسك الفداء يا رسول الله.
أولاً: حب الله وحب رسوله ﵊ حباً صادقاً أكثر من الزوجة والأهل والمال والولد، ولذلك أحباب الله يسارعون إلى محاب الله، وفي حديث عند الطبراني من قوله ﵊: ﴿يضحك ربك إلى ثلاثة -ولله ضحك يليق بجلاله لا نكيفه ولا نمثله ولا نشبهه ولا نعطله- أحد الثلاثة رجل حمله الحب سافر في قافلة وتعب في السفر، فلما نزل أصحابه قبل الفجر ناموا على الأرض، وأما هو فما نام، قام إلى الماء البارد فتوضأ واستقبل القبلة يبكي ويدعو ويناجي الواحد الأحد، فيقول الله لملائكته: يا ملائكتي! انظروا لعبدي هذا ترك فراشه الوثير ولحافه الدفيء وقام إلى الماء البارد يتوضأ ويدعو ويتملقني، أشهدكم أني غفرت له وأدخلته الجنة﴾ أليس بحب؟ بل أعلى من كل حب.
في مذكرات لبعض الدعاة: أن شاباً مسلماً من بلاد الجزيرة العربية سافر إلى بلاد الإنجليز إلى لندن وهناك أعلن توحيده وأعلن صموده وأعلن إيمانه، لأنه خرج من بلاد الحرمين، من جزيرة التحدي للزنادقة وللملحدين، من جزيرة الإبداع والسمو والجمال والروعة والصفاء، وهناك سكن في بيت إنجليزي مع عجوز اضطر لذلك اضطراراً، وكان يقوم مع صلاة الفجر في البرد القارس المثلج إلى صنبور الماء فيتوضأ، وتلاحظه عجوز إنجليزية في البيت كل صباح، فتقول له: أمجنون أنت؟ قال: لا.
قالت: وكيف تقوم في هذه الساعة لتتوضأ؟ قال: ديني يأمرني بذلك، قالت: ألا تتأخر؟ قال: لو تأخرت لما قبل الله مني، فهزت رأسها وقالت: هذه إرادة تكسر الحديد.
من الذي أتى بهذه الإرادة وزرعها في القلوب؟ إنه محمد ﵊.
والفيافي حالمات بالمنى عجباً من قلبك الفذ الكبير
وهو رسول الله ﷺ تعاليمه لا تزال كالفجر لامحة لمن أراد أن يستفيد من تعاليمه.
следующие страницы →