Полный текст (10 391 стр.). Показаны 3151–3190 · переход к 3156.
стр. 3151
خطر على الأمة
الخمر أم الخبائث، وهي سبب دمار الأمة، ولها أضرار عظيمة على الفرد والمجتمع، ولشربها أسباب، والخمر إنما حرمها الله جل وعلا لضررها، فلكي تعرف أضرارها، وتعرف أسباب شربها وكيفية معالجة وإبعاد الشباب عن هذه الخبيثة.
تصفح هذه المادة.
стр. 3152
الخمر أم الخبائث
الحمد لله القائل: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ * إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾ [المائدة:٩٠ - ٩١].
والصلاة والسلام على رسول الله القائل: ﴿إن على الله عهداً أن من شرب مسكراً في الدنيا أن يسقيه من ردغة الخبال يوم القيامة، قيل: يا رسول الله! وما ردغة الخبال؟ قال: عصارة أهل النار، أو قيح أهل النار﴾ رواه مسلم.
وأشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.
عباد الله! إن من أعظم الجرائم وأكبر المشاكل التي تفشت في مجتمعاتنا، وعرضت ديننا وقيمنا وأمننا وأموالنا للضياع وللسفك وللانسلاخ وللتهرب؛ هو ما فشا في مجتمعاتنا من تعاطي المخدرات، إنها مصيبة نكراء، وجريمة شنعاء؛ فتكت بشبابنا، وأذهبت أموالنا، وزعزعت أمننا وسكينتنا، فنشكو حالنا إلى الله ﵎.
وقد تحدث الله عزوجل عن المفسدين في الأرض، وتعرض لجرائمهم، وبين أحكامهم، فقال: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَاداً أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ * إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [المائدة:٣٣ - ٣٤].
ولقد كانت الخمر عند العرب في الجاهلية تسمى أم الخبائث، فلا يشربها عقلاؤهم، ولا يتعاطاها رؤساؤهم، وقد حرَّمها كثيرٌ منهم على نفسه، منهم حاتم الطائي وزيد بن عمرو بن نفيل وهرم بن سنان، وكانت تسمى عندهم السفيهة، والمؤذية، والقبيحة، والمكروهة، فلما أتى الإسلام حرَّمها الله ﵎ في كتابه، وحرَّمها رسوله ﷺ ، وقال: ﴿ما أسكر قليله فكثيره حرام﴾.
وقال ﵊: ﴿إن على الله عهداً أن من شرب مسكراً في الدنيا أن يسقيه الله من ردغة الخبال، فقالوا: يا رسول الله! وما ردغة الخبال؟ قال: عصارة أهل النار، أو قيح أهل النار﴾ يجمعه الله فيسقي به من تعاطاها في الدنيا.
وفي الأثر: ﴿من جلس على مائدة يدار عليها خمر، فقد برئت منه ذمة الله وذمة رسوله ﷺ ﴾.
وأضرارها وبيلة، ويكفي ما نسمع ونرى وما ينقل إلينا من تلك الأضرار الوخيمة، والعواقب الأليمة التي تفشت في مجتمعاتنا من مجازر ومذابح يتعرض لها رجال الأمن من هؤلاء العصابات الفاجرة المجرمة، التي سعت بالإفساد في الأرض، وزعزعت أمن الدولة والأمة، وآذت السكان، وأرهبت أهل البيوت في بيوتهم، وعرضت الأنساب إلى الاختلاط، والأعراض للجريمة، والدماء للسفك، والأموال للهدر، والشباب للضياع.
стр. 3153
أضرار شرب الخمر
اسمعوا إلى أضرار شرب الخمر، فإن من أعظم تلك الأضرار:
стр. 3154
الخمر محاربة لله
أنها محاربة لله ﵎، ومعصية ظاهرة له، ومن فعلها أو تناول شيئاً منها، أو روَّج لها، أو ذكرها بإحسان، أو سكت عن مروِّج لها؛ فقد بارز الله بالمعصية، واستوجب لعنة الله وغضبه وسخطه ومكره، قال تعالى: ﴿فَلا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ﴾ [الأعراف:٩٩] فهي عداوة صريحة لله ﵎ في أرضه.
ومما عصي به في الأرض أم الخبائث؛ -الخمر المسكر- فإن الإنسان إذا سكر هذي، وإذا هذي افترى، وإذا افترى قتل، وزنى، وسرق، واغتصب، وفعل كل خبيثة وفاحشة.
стр. 3155
الخمر ذهاب للعقل
ومن أضرارها أيضاً أن فيها إذهاباً للعقل الذي هو أعظم هبات الله للإنسان، فإذا أذهب هذه المنة، والنعمة، فقد تردى في الحضيض، وباء بالغضب واللعنة، يقول الله عن العقل: ﴿وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ﴾ [العنكبوت:٤٣] وقال أهل النار: ﴿وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾ [الملك:١٠] وقال عز من قائل: ﴿وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ [البقرة:٢٦٩] أي: أهل العقول، فالذي أذهب عقله هو في مستوى البهيمة، ومستوى الحمار أو الثور، لا يدرك ولا يعرف شيئاً، قلَّت قيمته، وخفَّ وزنه، فلا رجولة فيه، ولا حياء، ولا مروءة، ولا دين ولا خير، أذهب الله بهاءه، ونزع الله رداءه من على جنبيه، وهتك ستره، وفضحه على عيون الناس.
стр. 3156
الخمر إهدار للدماء والأعراض
ومن أضرارها: أنها تهديد وإهدار للدماء والأعراض والأموال؛ فأما الدماء فإننا نسمع بين الحين والآخر، تلك الجرائم التي تحدثها تلك العصابات؛ من قتلٍ رهيبٍ، وسفك للدماء، واقتحام للبيوت الآمنة الساكنة التي استظلت بلا إله إلا الله.
ونسمع قضايا الإعدام دائماً وأبداً، تعرض لهؤلاء المجرمين كما حكم الله عليهم؛ لأنهم أفسدوا في أرضه.
وأما الأعراض؛ فإن أكبر جريمة بعد شرب الخمر هي جريمة الزنا، ولا تأتي في الغالب إلا بعد أن يذهب العقل بالخمر، حتى حمل بعضهم -لما سكر وشرب الخمر- أن تعدى بالجريمة الفحشاء التي لا تذكر على أمه التي ولدته، فنفذ فيه حكم الله، وهذا أقلَّ ما يفعل به، ارتكب جريمة تقشعر منها جلود اليهود والنصارى والبوذيين، لا تفعلها الكلاب ولا الحمير، ولكنه لما سكر وذهب عقله فعل تلك الجريمة الشنعاء.
وفي الخمر أيضاً إزهاق للأموال، فإنها تؤدي إلى الميسر والقمار، وإلى إتلاف الآلاف والملايين في غضب الله، وسخطه، ولعنته.
стр. 3157
الخمر سبب لضياع شباب الأمة
ومن أضرارها: أنها ضياع لشباب الأمة، وإهدار لقوتها ومستقبلها، فما ضاع أكثر شبابنا إلا في نت هذه الخبيثة المخبثة دخلوا السجون، وامتلأت بهم بعد أن دعاهم الله إلى المساجد، ودعاهم إلى حِلَق الذكر والعلم، وإلى أن يرفعوا من أنفسهم ومن كيانهم ومستقبلهم: ﴿فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾ [الصف:٥] فدخلوا بالعشرات بل بالمئات، والإحصائيات التي سمعنا بها رهيبة، حيث امتلأت بهم السجون، وشكلوا مؤسسات كبرى، وفصولاً طويلة عريضة، كلهم من فلذات أكبادنا، ومن شباب أمتنا، أذهبوا عقولهم بعد أن أذهبوا دينهم.
стр. 3158
الخمر سبب لأمراض فتاكة
ومن الأضرار كذلك: الأضرار الصحية التي تعرضت لها الأمة؛ فإن من أعظم ما فتك بالناس المخدرات وشهد بها أهلها ومنتجوها، ومروّجوها، ومصنّعوها، ومورّدوها، انتشر عندهم وانتشر عندنا بطريق الإرسال مع هذه المخدرات مرض الإيدز، وأمراض الالتهاب الرئوي، وسوء الهضم، والتشنج والسهاد، والقلق، والسهر، والارتباك، والمرض النفسي، والانهيار العصبي، والغم، والهم، والحزن، واللعنة في الدنيا والآخرة إلى غير ذلك مما ذكره أهل الطب، بل أربوا على مائة مرض في ذكر أمراضها، فمن أعظمها: الإيدز والسرطان الذي يصاب به كثير من الناس، حتى قال بعض أطباء الأمريكان: كل أربعة في عشرة من الأمريكان مهددون بمرض الإيدز بسبب المخدرات.
ويقول دايل كارنيجي؛ صاحب كتاب دع القلق وابدأ الحياة: إن الأمريكان قد حفروا لأنفسهم قبوراً يردونها؛ لأنهم ما عرفوا الله نصف ساعة في اليوم.
ثم قال: والسبب الرئيسي في ذلك أنهم تعاطوا المخدرات فأذهبوا عقولهم.
ويقول أليكسس كارل الأمريكي في كتابه الإنسان ذلك المجهول: إن من أكبر ما أدى بـ أوروبا إلى الانهيار والتحطم الروحي، هو تلك المخدرات التي انتشرت في مجتمعاتها.
стр. 3159
أنها سبب لضعف الأمة اقتصادياً وعسكرياً
ومن أضرارها كذلك: أنها ضربة للأمة في قوتها واقتصادها في قوتها العسكرية وفي تصنيعها واقتصادها، ولذلك ذكر أهل التاريخ أنه في القرن السادس عشر الميلادي اقتتل الصينيون واليابانيون فانهزم الصينيون، وحُقِّق في سبب الهزيمة؛ فإذا الأفيون كان قد انتشر انتشاراً رهيباً في الجيش الصيني مما اضطره إلى أن يترك المعركة وينسحب ويستسلم، فيسحق وتؤخذ أرضه.
وهذا أمر معروف عند العرب، فإنهم كانوا في الجاهلية يسمون الأفيون عطر منشم؛ إذا شمه الجيش، وأروح رائحته، انهزم في المعركة وولى الأدبار، ولذلك يقول زهير في ميميته وهو يمدح هرم بن سنان:
تداركتما عبساً وذبيان بعدما تفانوا ودقوا بينهم عطر منشم
فهذه أضرارها؛ بل هي قليل من كثير.
إن معنى تعاطي المخدرات والترويج لها: أن نعيش في إرهاق بين عصابات إرهابية، لا نهنأ بنوم ولا براحة ولا بطعام ولا شراب ولا سكينة.
إن معناه: أن شبابنا بالعشرات وبالمئات إلى النار، وقبلها إلى الدمار والعار.
إن معنى ذلك: أن يُخرج الناس من المساجد فيصبحون شللاً من الإجرام، وشللاً من الانحراف إلا من رحم الله.
إن معنى ذلك: أن تذهب قوة الأمة ومالها واقتصادها، وتتعرض هذه الأمة خاصة في مثل هذه البلاد التي وزعت الهداية على الناس، ووزعت النور على البشرية، إلى ضربة قاصمة.
ولذلك وجد في استطلاعاتٍ قرئت ونشرت، أن أعظم من وزَّع هذه المخدرات، وسهل عبورها إلى دول الإسلام والشرق الأوسط هي إسرائيل عدوة الإنسانية - الصهيونية العالمية - لتضرب الأمة في صميمها وكيانها وفي شرفها ومروءتها.
стр. 3160
أسباب انحراف شباب المسلمين
ما هي الأسباب التي أدت بشبابنا ومجتمعاتنا إلى هذا التهتك والتهور والانحلال -إلا من رحم الله- وتعاطي المخدرات والترويج لها؟
стр. 3161
ضعف مراقبة الله
ومن لا يراقب الله يضيعه الله، ومن لا يحفظه يجعله عبرة للمعتبرين، قال تعالى: ﴿وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْراً لَأسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ * وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ﴾ [الأنفال:٢٣ - ٢٤] وقال تعالى: ﴿فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾ [الصف:٥] فلما ضعفت مراقبة الله في قلوب كثير من الناس بما فيهم الشباب؛ سهل عليهم تعاطي المخدرات، فمقتهم الله، ووقعوا في لعنة الله وغضبه.
ولذلك فإن أعظم ما يوصى به في هذا الجانب هو قوله ﷺ : ﴿احفظ الله يحفظك﴾ فمن لا يحفظ الله لا يحفظه الله، ولو توضئوا وصلوا كل يوم خمس مرات، لحفظهم الله ورعاهم، ولكن تركوا الصلاة، فأوردهم الله موارد الهلاك.
ولذلك جاء في صحيح مسلم عن جندب بن عبد الله البجلي قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ﴿من صلى الفجر في جماعة فهو في ذمة الله، فالله الله لا يطلبنكم الله من ذمته بشيء؛ فإنه من طلبه من ذمته بشيء أدركه، ومن أدركه أهلكه﴾.
فلما تركوا صلاة الفجر في جماعة؛ ابتلاهم الله بالكبائر، وأخذهم من حيث لا يشعرون، فأوقعهم في الرذيلة، وأوقعهم في القبح جزاءً نكالاً.
стр. 3162
سوء التربية
والسبب الثاني: سوء التربية.
فإن الأب هو المسئول الأول في إصلاح الشاب وهدايته وتوجيهه، والشاب الذي ينشأ على الأغنية الماجنة لا يُستبعد أن يتناول كأس الخمر، ويتناول الأفيون، ويتعاطى الحشيش، ويروج المخدرات، كيف وقد تربى على الأغنية الماجنة والجريمة والفحش، ولم يترب على سورة (طه) و (الواقعة) و (ق) وما سمع حديثاً من صحيح البخاري ولا مسلم، فتربى على الجريمة حتى تناولها.
فالأب هو المسئول الأول، والأم كذلك مشتركة في المسئولية، فعليهم أن يتقوا الله في أبنائهم.
стр. 3163
الفراغ
لما فرغت قلوبهم من طاعة الله وذكره ومحبته؛ دخل عليهم الشيطان، فوسوس في قلوبهم، وزرع حب الجريمة، وتعاطوا المخدرات وتناولوها وسهلت عليهم، فسقطوا من عين الله ﵎.
يقول ابن تيمية: إن القلب إذا لم يمتلئ من محبة الله امتلأ من محبة الشيطان، فقاده الشيطان كما تقاد الدابة حتى يورده موارد البوار.
стр. 3164
قرناء السوء
إن قرناء السوء، والعصابات البائرة الفاجرة الفاسدة التي مكرت بشبابنا، وصورت لهم أن الدين وحلقات العلم وندوات الخير تخلف وتزمت وتأخر، ولقد رأينا إنتاجهم على الصعيد الآخر، ورأينا ماذا فعلوا بالأمة، والشعب، وكيان الناس والوطن، لقد أوردوه موارد الهلاك، ولذلك يظنون أن التطور والتقدم أن يترك المسجد، ولا يقرأ في المصحف، ولا يسمع الحديث، ولا يجلس في حلق الخير.
مرَّ أحد المستهترين بأحد طلبة العلم وهو يقرأ في صحيح البخاري، فقال له ضاحكاً مستهتراً: الناس صعدوا على سطح القمر وأنت تقرأ في هذا الكتاب؟! فرد عليه هذا وقال: أنت ما قرأت في الكتاب ولا صعدت على سطح القمر.
إنهم ما قدموا شيئاً، إنما قلدوا أوروبا في الميوعة والأنوثة وفي التدني والسخف والسفه، لكنهم ما صنعوا لنا طائرة ولا ثلاجة، ولا قدموا لنا خدمات كما فعلت أوروبا، ضاعوا من الدين والدنيا، كفقراء اليهود لا ديناً ولا دنيا: ﴿مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذَلِكَ لا إِلَى هَؤُلاءِ وَلا إِلَى هَؤُلاءِ﴾ [النساء:١٤٣].
стр. 3165
التقليد الأعمى
ومن أسباب انتشار المخدرات أيضاً -وهو من الأسباب العتيدة- التقليد الأعمى؛ فإن كثيراً من الشباب لسوء فهمهم للإسلام، ولقلة علمهم وفقههم في دين الله تراه ينظر إلى أوروبا نظر المعجب، الذي بهرته هذه الحضارة؛ لأنه مغلوب في نفسه وروحه وكيانه، حتى يفتخر بعضهم في المجالس أنه سافر إلى أمريكا ولندن وباريس، وأنه عاش ودرس هناك، وهذا -والله- ليس بشرف، وإنما يحلُّ لنا السفر إلى أوروبا للضرورة كما يحل لنا لحم الميتة عند الضرورة.
стр. 3166
حكم السفر إلى بلاد الكفر
قال أهل العلم: لا يسافر لبلد الكفر إلا لعلاجٍ لا يوجد في بلاد المسلمين، أو دراسةٍ دنيوية لا تتحصل هنا، أو دعوة لينشر دين الله، فهل ذهب الكثير من هؤلاء للدعوة؟!! هل ذكروا لا إله إلا الله في شوارع لندن وباريس؟!! هل رفعوا علم محمد ﷺ ؟!! هل نشروا القيم والأخلاق؟!! لقد ذهبوا هناك فأصبحوا أذل وأخس وأحقر من أبناء تلك الأمم.
وما ذهبوا إلى العلاج؛ فإن في بلادنا ما يشفي ويكفي، وما ذهبوا لطلب العلم، فإنهم ما قدموا وما أنتجوا لنا شيئاً، فإن كان عذرهم إحدى هذه الثلاث فصدقوا ونجحوا وأفلحوا وعذروا، وأما غيرها فإن هذا التقليد هو الذي أوردهم الموارد.
стр. 3167
تعاطي عقاقير تفسد النسل
ومن الأسباب أيضاً: تعاطي بعض العقاقير عن طريق الخطأ، أو عن طريق التلبيس وادعاء أنها صحية، ونافعة، وأنها تقوي شهوة الجنس، وكذبوا لعمر الله! بل أثبت أهل الطب من المسلمين أنها سبب لفساد النسل وتهديده، وفساد شهوة الجنس.
فهذه بعض الأسباب التي أحدثت هذا الإرباك والاضطراب.
فنسأل الذي بيده مفاتيح القلوب أن يردنا إليه رداً جميلاً، وأن ينقذنا من هذه الأزمات، وأن يتوب على شبابنا، وأن يهيئ لهم القبول، وأن يحبب لهم طريق المسجد، ولا يعرضهم إلى طريق الخمارة ولا طريق المفسدين والمرجفين في الأرض.
ونسأله أن يردنا إليه رداً جميلاً، فنعتني بكتابه وسنة رسوله ﷺ ؛ فنعيش كما أرادنا الله خير أمة أخرجت للناس؛ نأمر بالمعروف وننهى عن المنكر ونؤمن بالله، ولا نقلد الضالين الضائعين المنحرفين؛ بل نأخذ عن الأمم أحسن ما عندهم مما لا يتعارض مع ديننا، ونرد القشور مما يعارض ديننا وأخلاقنا.
أقول ما تسمعون، وأستغفر الله العظيم الجليل لي ولكم ولجميع المسلمين، فاستغفروه وتوبوا إليه؛ إنه هو التواب الرحيم.
стр. 3168
علاج الانحراف
الحمد لله رب العالمين، ولي الصالحين، ولا عدوان إلا على الظالمين، والصلاة والسلام على سيد المرسلين، وإمام المتقين، وقدوة الناس أجمعين، ومحجة الله وحجته على العالمين، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.
عباد الله! هذه هي الأسباب، وتلك هي الأضرار، فما هو العلاج إذن؟
وما هو البلسم الشافي والدواء الكافي من هذه الأزمات والصعوبات والأمراض الوبيئة التي أحدثت بنا هذا الحدث وهزتنا هذا الهز العنيف؟
إن العلاج يكمن في أمور:
стр. 3169
العودة إلى الله
أولها وأعظمها وأشرفها: العودة إلى الحي القيوم ومراقبته وتقواه؛ فإنها النجاح في الدنيا والآخرة، ولو اتقى هؤلاء الله عزوجل لعصمهم، قال سعيد بن المسيب وقد ذكر له رجل شرب الخمر: ما سبب شربه الخمر وكان معنا؟ قال: [[ترك طاعة الله، فسقط من عين الله، فرفع الله ستره عنه]] وإذا أراد الله أن يرفع كنفه عن العبد خلاه ونفسه، ولم يستدركه بطاعة، ولم يلهمه رشده، فتردى على وجهه في النار.
فأعظم العلاج: أن نعود بشبابنا وأمتنا إلى الله .
فقد جربت الأمم الكافرة، وتعاطت هذه الأمور، فلما سقطت على وجهها في الهاوية، وحلت بها الكارثة، ووقع الشلل في مجتمعها، والاضطراب في كيانها، وأصبح الانتحار عندهم بالعشرات؛ تذكروا في الأخير أنهم أخطئوا في الطريق، وحاولوا الآن العودة إلى الله، يقول كريسي موريسون: الآن عرفت الله لما رأيت أوروبا تزحف إلى النار.
عرف الله لما رأى تلك الشعوب تزحف إلى الهاوية.
стр. 3170
تربية الشباب على منهج الله
من العلاج هو: تربية شبابنا وأطفالنا على منهج لا إله إلا الله، وإدخال الإسلام حقيقة لا اسماً ولا تلبساً فقط، وليس أن نزعم أننا مسلمون، وأننا إذا خفضنا رءوسنا ورفعناها في المسجد أن هذا هو الإسلام، فإنما الإسلام أن يكون المهيمن في بيتك هو الله ، وأن يكون العظيم في بيتك وطريقك ومسجدك هو إلى الله، وألا تتحاكم إلى أحد إلا الله، وأن تحكم شريعة الله في أطفالك وزوجتك وأهلك وجيرانك، وإن لم تفعل فإنك من الخاسرين.
стр. 3171
توجيههم إلى العلم الشرعي
ومن العلاج: أن نأتي بالعلم النافع، وهو العلم الشرعي الذي تحتاج إليه القلوب والأرواح، فنملأ به قلوب الناس، ونقود الناس إليه، وننشره، ولا نستبدل الطيب بالخبيث من تلك العلوم السخيفة التي ليست علوماً في الحقيقة، يقول ابن تيمية: كل علم وفد إلى المسلمين، فإن كان خيراً فإن عندنا من الخير ما يغنينا عنه، وإن كان شراً فلسنا بحاجة إلى الشر.
وبعض الناس يظن أن تلك العلوم المستوردة علم، وهي جهل في الحقيقة؛ لأنها صدت عن الكتاب والسنة.
فمن العلاج أن نأتي بالشباب ونجلسهم في ندوات العلم، ونحبب إليهم سماع الكتاب والسنة، ودروس الفقه، ودروس التفسير، ودروس الأصول؛ لتتجه قلوبهم إلى الله الحي القيوم، ويملأها بالنور والإيمان.
ومن العلاج أيضاً: أن نقضي على فراغهم، ولا نترك لهم دقيقة واحدة إلا في عمل خير: ﴿قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَشْرَبَهُمْ﴾ [البقرة:٦٠] فمن كانت وجهته علمية فليذهب إلى مؤسسات العلم التي انتشرت والحمد لله، وسهل فيها طلب العلم، فليبذل جهده في المذاكرة، وفي التحصيل العلمي، وفي رفع مستواه في المعرفة والتفقه في دين الله.
وإن كان له تميزٌ وتخصصٌ وتأهلٌ آخر: فليذهب به إلى تميزه من تجارة نافعة، ومن كسب محمود، ومن عسكرية طيبة شريفة؛ يحمي دينه وأمته في هذا السبيل.
فلا علاج إلا أن يقضى على فراغ هذه الأمة وفراغ شبابها بأن يؤهلوا في مؤهلاتهم وتخصصاتهم.
стр. 3172
حفظهم من قرناء السوء
من العلاج أيضاً: أن نحفظ أبناءنا من قرناء السوء؛ فإن بعض الآباء من الذين قلَّ دينهم وفقههم في دين الله؛ يذهب ابنه الساعات الطوال ثم لا يسأله أين ذهب ومع من ركب أو جلس، أو أين نام وقعد، فتأخذه شياطين الإنس؛ فيسلخون دينه وعقله، ويحببون له الجرائم، فيصبح فرداً من أفراد إرهابيين، من أفراد التفرنج في الأمة، وأفراد الفساد في الأرض، ثم يطبق في شأنه حكم الله؛ فإذا هو فضيحة على أسرته وأمته في الدنيا والآخرة.
стр. 3173
محاربة المفسدين
ومن العلاج أيضاً: ألا نسمح لأي مروجٍ، أو مهرجٍ، أو مفسد، بل نأخذ على يده، ونخبر به، ولا نتستر عليه إذا كان مجاهراً؛ فإن التستر على المجاهر مساعدة له، ومطعم المأكول كالآكل، ولقد قال تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ [آل عمران:١١٠] يقول ﵊: ﴿كلا والله -أي: لا تستقيم أمورنا، ولا يصلح حالنا- حتى نأخذ على يد السفيه ونقصره على الحق قصراً﴾ وإلا فوالله إنه الضياع، وإنه -والله- التهتك والسخف، وليست السعادة أن نجمع الأموال، ولا أن نبني القصور، فإن قصور أوروبا وأمريكا أطول من قصورنا، وفللهم أعظم من فللنا، وسياراتهم أفخر من سياراتنا، وقد قال تعالى: ﴿وَلَوْلا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً لَجَعَلْنَا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفاً مِنْ فِضَّةٍ وَمَعَارِجَ عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ * وَلِبُيُوتِهِمْ أَبْوَاباً وَسُرُراً عَلَيْهَا يَتَّكِئُونَ * وَزُخْرُفاً﴾ [الزخرف:٣٣ - ٣٥] أي ذهباً أحمر: ﴿وَإِنْ كُلُّ ذَلِكَ لَمَّا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةُ عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [الزخرف:٣٥].
فسعادتنا في عودتنا إلى الله، وسعادتنا في حمل رسالة لا إله إلا الله، وسعادتنا في عبوديتنا لله.
ومما زادني شرفاً وفخراً وكدت بأخمصي أطأ الثريا
دخولي تحت قولك يا عبادي وأن صيرت أحمد لي نبيا
فيا شباب أمة محمد ﷺ ! ويا شباب الإسلام! عودةً إلى الله عودةً إلى المسجد عودةً إلى المصحف عودةً إلى حلقات العلم عودةً إلى تذكر الطريق إلى الله وتذكر الموت ولقاء الله عزوجل.
شباب الدين للإسلام عودوا فأنتم مجده وبكم يسود
وأنتم سر نهضته قديماً وأنتم فجره الباهي الجديد
أسأل الله لنا ولكم عودة صادقة إليه.
عباد الله! صلوا وسلموا على من أمركم الله بالصلاة والسلام عليه، فقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ [الأحزاب:٥٦].
стр. 3174
احذروا البدع !
صرخة تعلوا: احذروا البدع, لأنها تشويه للإسلام, وجرح لوجه هذه الرسالة من خلال هذا الكلام تحدث الشيخ عن ذلك مستعرضاً ذكر أسباب انتشار البدع وخطرها وأضرارها، وبعض صورها ونماذج منها، وأرشد إلى بعض الوسائل التي تكافح بها البدع.
وألمح إلى أهمية الدعوة إلى سبيل الله بالحكمة والموعظة الحسنة والتدرج في الأساليب.
стр. 3175
تمام الشريعة وكمالها
الحمد لله رب العالمين, ولا عدوان إلا على الظالمين, والصلاة والسلام على إمام المتقين, وقدوة الناس أجمعين, وعلى آله وصحبه والتابعين, أمَّا بَعْد:
أيها الإخوة النبلاء! عنوان هذه المحاضرة "احذروا البدع".
البدع تشويه للإسلام, وجرح لوجه هذه الرسالة التي أتى بها رسول الهدى ﵊, وهي علامة على تخلف الأمة, وعدم معرفتها لميراث نبيها ﷺ , والبدع طريق للكافر للدخول لخدش الدين وتشويه معالمه.
ولهذه المحاضرة عناصر:
١ - الأسباب التي أدت إلى انتشار البدع في الأمة الإسلامية.
٢ - أضرار البدع وأخطارها.
٣ - من صور البدع ونماذج من البدع الموجودة في العالم الإسلامي.
٤ - الوسائل التي تكافح وتحارب بها البدع.
وقف ﵊ في عرفات في حجة الوداع -وهي الوحيدة التي حجها ﵊ فأنزل الله قوله: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْأِسْلامَ دِيناً﴾ [المائدة:٣] معنى الآية: تم الدين, وكمل وانتهى التشريع, فليس لأحد من الناس ولا من البشر أن يشرع أو أن يقترح في دين الله, ولا أن يستحسن من جيبه ولا من كيسه شيئاً, فالشريعة توقيفية, قال الله وقال الرسول ﵊, وصح عنه ﵊ أنه قال: ﴿تركتكم على البيضاء ليلها كنهارها, لا يزيغ عنها إلا هالك﴾ فانتهى الأمر, وهي بيضاء كالشمس، مسلوكة مدروسة.
يخطب أبو بكر ﵁ وأرضاه في أول خطبة فيقول: [[يا أيها الناس! إني متبع ولست بمبتدع]] هذه مؤهلات الخليفة, فأول شيء يفعله أبو بكر أنه يعلن سياسة حكومته, وهذا أسلوب عصري, يستخدمه مثل صاحب الرحيق المختوم المباركفوري وأمثاله, أول بند: إني متبع ولست بمبتدع, فأنا إذا قرأت عليكم دستوراً فإنما هو من القرآن والسنة.
شعوبك في شرق البلاد وغربها كأصحاب كهف في عميق سبات
بأيمانهم نوران ذكر وسنة فما بالهم في حالك الظلمات
ويقول ﵊: ﴿من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد﴾ رواه مسلم , فمن عمل عملاً ليس عليه أمرنا, ولا أتاه بيان من الله ولا نور, ولا هداية, ولا عليه أثر من دليل فهو مردود يضرب به وجه صاحبه, ولو كان شيخ المشايخ, ولو كان مفتي الدنيا؛ لأنه لا يطلب إلا من هناك, من عند محمد ﵊.
يقول مالك: "ما منا إلا رادٌ ومردود عليه, إلا صاحب هذا القبر " ﵊, وصح عنه ﵊ في لفظ آخر أنه قال: ﴿من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد﴾ وكلمة أحدث توحي أنه عمل حدثاً في الدين, وأنه أتى بشيء مر, وأتى ببشاعة وبوقاحة، ولذلك يسمون الحدث الأصغر والحدث الأكبر, ويسمون أهل الحداثة: حداثة؛ لأن حدثهم أكبر.
هؤلاء الحداثيون حدثهم أكبر والنظر إليهم ينقض الوضوء, وهذه ليست فتوى, ومن نظر إليهم فعليه أن يتعوذ من الشيطان الرجيم, فسمَّوهم أهل الحداثة لأنهم محدثون في الدين, وحدثهم أعظم من الجنابة, لأن الجنابة تغسل بالماء ولكن هم لا يغسلون.
تلطخ ما تدنس منك حتى كأنك في حياتك ما طهرتا
وتشفق للمصر على الخطايا وترحمه ونفسك ما رحمتا
مشيت القهقرى وخبطت عشوى لعمرك لو وصلت لما رجعتا
والله لو رأيت نور محمد ما رجعت, ولا استهزأت, ولا سخرت, ولا نكصت, ولا عدت, ولا تقهقرت لكنك -للأسف- ما رأيت نور محمد.
ويقول ﵊: ﴿وكل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة﴾ فكل من استحدث في هذا الدين فهو مبتدع.
стр. 3176
أسباب انتشار البدع
أيها الإخوة: العالم الإسلامي اليوم عددهم مليار (ألف مليون) لكنهم كما قال الشاعر:
عدد الحصى والرمل في تعدادهم فإذا حسبت وجدتهم أصفارا
من كل مفتون على قيثارة كل وجدت بفنه بيطارا
أو كاذب خدع الشعوب بدجله عاش السنين بعمره ثرثارا
بدع, وخرافات, وهوايات, وأطروحات، قد يكون علمانياً ويصلي, وصوفياً مشركاً قبورياً ويصلي ويدعي أنه مسلم.
إن طلبة العلم والعلماء, والقيادات العلمية في العالم الإسلامي هي المسئولة, وهي مقصرة كل التقصير في عدم توضيح الحق للناس.
من أسباب انتشار البدع:
- الجهل.
- اتباع الهوى.
- اتباع المتشابه.
- اعتقاد العصمة في غير المعصوم.
- الاستحسان.
стр. 3177
الجهل
الجهل داء عضال, وما دخل المستعمر وأهل القبور والدهريون على الدين إلا من باب الجهل, إن النصارى الضالين أهل الكهوف والمغارات الذين لا علم لهم ولا كتاب ولا سنة مثل غلاة الصوفية , فأشبه الناس بالنصارى الصوفية , وأشبه الناس باليهود كسلاً وخمولاً طالب العلم الذي تعلم العلم وما علّم وما عمل، فتجد بعضهم عنده شهادات معلقة ومبروزة في بيته, لكن ليس عليه من العلم أثر, قال تعالى: ﴿فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ﴾ [المائدة:١٣].
أما عباد المسلمين الجهلة والضلال فأشبه الناس بالنصارى، قال الله: ﴿وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلَّا ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللَّهِ فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا﴾ [الحديد:٢٧] فالجهل طريق للبدع.
ولذلك لا تنتشر البدع إلا في المناطق التي يكثر فيها الجهل, فتجدها في القرى أكثر منها في المدن, وفي البوادي أكثر من القرى؛ لأنها تروج على الجهلة؛ ولأن البدعة مزخرفة, وظاهر المبتدع أنه يحب الرسول ﵊ ويدعو إليه, وأنه يريد أن ينتشر دينه, وباطنها من قِبله العذاب.
يقول أحد البطائحية من غلاة الصوفية لشيخ الإسلام ابن تيمية: يا ابن تيمية! حسبنا الله، نأتي إليك فَتَبْطُل كراماتنا ونذهب إلى التتار فتنجح كراماتنا -التتار الكفرة هم الذين داهموا العالم الإسلامي بقيادة هولاكو وجنكيز خان -فهو يقول: نحن نأتي إليك فلا تصلح كراماتنا معك, ولكن إذا ذهبنا إلى التتار كان لكرامتنا وقع ونجاح, قال ابن تيمية: مثلنا ومثلك ومثل التتار كمثل فرس أبلق, والتتار خيولهم سود ونحن خيولنا بيض, وخيلك أنت أبلق, فإذا دخل الخيل الأبلق -الأبلق هو الذي ليس بأسود ولا أبيض- بين البيض أصبح أسوداً, وإذا دخل بين السود أصبح أبيضاً, فأنت إذا ذهبت إليهم وعندك شيء من الإسلام أصبح فيك بياض, وإذا أتيت إلينا وفينا نور كثير من السنة أصبحت أسوداً, وهذا مثل لمن يروج على الجهلة وهم أهل البدع والخرافات.
стр. 3178
اتباع الهوى
قال تعالى: ﴿أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ﴾ [الفرقان:٤٣] وقال سبحانه: ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ﴾ [الجاثية:٢٣] فاتباع الهوى: كشيخ ضال مبتدع، يحب أن تقبل كفه, فمن الصعب انتزاع المشيخة منه.
فالرياسة الدينية أغلى من الذهب والفضة, فإذا وصل الشيخ إلى هذه المرتبة ثم فهم الحق لا يعود أبداً إلى الحق, وتجد بعض أتباعه يعودون إلى السنة ولكنه لا يعود, تصبح يده مثل الحجر الأسود! بل وجد منهم من تقبل قدمه في الأرض, ومنهم من إذا مشى أُخذ من آثار ترابه ووضع في الماء واغتسل به, ووالله! لقد حدثنا أحد الدعاة أن صوفياً غالياً في بعض البلاد الإسلامية ركب سيارة، فلما مر من بين أتباعه لحقوا آثار عجلات السيارة, يأخذون التراب يتمسحون به! أي إسلام وتوحيد؟ وأي دجل وخرافة؟ ثم بعضهم يقول: عالم إسلامي.
لكنه عالم إسلامي تجد فيه الهزيمة والفشل إلا أن يرحمنا ربنا مع هذه اليقظة والعودة إلى الله .
стр. 3179
اتباع المتشابه
أهل البدع يأخذون أدلة من القرآن, ولكن لم يظهر وجه الدلالة منها فيتعلقون بالمتشابه منها, فهم كالقراد -والقراد حيوان صغير يتعلق بالخيط الصغير ويفعل من نفسه كأنه جمل- فيقول الله : ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ [آل عمران:٧] فأهل البدع يتعلقون بالمتشابه, والأحاديث الموضوعة, ورؤى المنام, وما أكثر رؤى المنام عند أهل البدع! يقول الشيخ: رأيت البارحة ويقول متبوعه: رأيتك يا شيخ وأنت مع الرسول ﷺ ! والثالث يقول: حدثنا الرسول ﷺ فقال لي: اتبع الشيخ فإنه على بصيرة!
وهذه الخزعبلات من الرؤى لا نبطلها ولا نقرها بإطلاق, فالرؤى مبشرات, لكن لا يؤخذ منها أحكام لا تحليل ولا تحريم, وإنما هي مبشرات يراها الرجل الصالح, أو تُرى له أو كما قال ﵊.
فهؤلاء يتعلقون بالمتشابه، كأن تكون الآية تحتمل معانٍ, فيأخذ بالمعنى الضعيف في الآية, أو للآية مؤدى باللفظ فيتعلق بهذا المؤدى ويقول: هذا دليلي, فهم يتعلقون بالمتشابه، وهم بهذا ينشرون البدع في العالم الإسلامي.
стр. 3180
اعتقاد العصمة في غير معصوم
وهل بلية العالم الإسلامي إلا من مشايخ الطرقية القبوريين الدهريين, المعرضين عن الله, فيكور عمامة لا يحملها حمار, ومسبحة طولها متران, ثم يأتي فيتصدر المجالس بالجهل, وليس عنده من العلم شيء.
يقول عبد الله بن تيمية أحد علماء السنة -أخو شيخ الإسلام - يقول لأحدهم وقد تكلم يرد على ابن تيمية قال: اسكت والله لو أتيت لك بقصص من الخزعبلات, وأحاديث من صحيح البخاري وموضوعات، لما استطعت أن تفرق بين هذه وهذه!
ولذلك هم من أجهل الناس, ولا يفتحون باب الفتيا, ولا يدرسون, وإنما هي مواعظ عامة, ورقائق, وتخويفات, ومراسيم, ونشيد وتقبيل ورقص وأكل وشرب
وقالوا سكرنا بحب الإله وما أسكر القوم إلا القصع
يرقص أحدهم على الطبل والأغنية والنشيد ثم يقع مغمىً عليه, فتوقظه وتقول له: ما لك؟ قال: سكرت بحب الإله.
فيقول الشاعر:
وقالوا سكرنا بحب الإله وما أسكر القوم إلا القصع
أي: الثريد؛ لأنهم كما يقولون: من أكثر الناس أكلاً, وهم أكثر الناس فتكاً، إذا أكل يأكل ما يقارب أربعة أنفار, فاحذر أن تدعوه إلا أن تكون متهيئاً له, تراه يلبس مرقعاً ولكن يأكل ستة كيلو! فيقولون: هم مشهورون بهذا, ومشهورون بالرقص, ويقولون: إنهم لا يقومون الليل وإنما يتبعون الرقص، يرقص أحدهم ثلاث ساعات.
ومن نشيدهم في الرقص، يقول لـ ابن الفارض - في مجلس الرقص:
من لقلب حل جرعاء الحمى ضاع مني هل له رد علي
فاسألوا سكان وادي سنمٍ فهو ما بين كداء وكدي
وإذا الحسن همى فاسجد له فسجود الشكر فرضٌ يا أخي
ومع تعبداتهم الباطلة المحرفة التي تبلغ الزندقة، فيستتاب صاحبها, فإن تاب وإلا قتل, أنهم ينظرون إلى الأمرد والفتاة الجميلة, ويتفكرون فيهما! فإذا قلت لهم: لا تنظر, غض بصرك, قال: نتفكر في خلق الله!
قال تعالى: ﴿قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾ [التوبة:٣٠] وقال: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهاً وَاحِداً﴾ [التوبة:٣١] وهم من أكثر الناس جمعاً للأموال, والله لما ذكر المنحرفين الذين يكنزون الذهب والفضة ذكر معهم الأحبار والرهبان؛ لأنهم من أكثر الناس جمعاً للأموال, يقول أحدهم: عندنا صدقة, وزكاة, وفقراء, ثم يجمع من الذهب والفضة ما الله به عليم، والعامة يعتقدون أنه معصوم.
يقول أحدهم وهو في بعض البلاد -وأنا لا أسميها- وقد جلس معه شباب فقال: من شيخكم؟ قالوا: فلان, فقال: حسبنا الله! هذا قبوري, قالوا: لا تسبه، فإنه يسمعك!! وبينهم وبين الشيخ خمسمائة ميل- قال: كيف يسمعني؟ قال: له أولياء, وهو يسمع ما نقول فيه وإذا حركنا أيدينا هنا رآها الشيخ هناك قال: ويقولون لنا: ألقوا العمائم, فيلقون العمائم في الجلسة, فيقال: كلٌ يرفع عمامته لأن الشيخ الآن يحضر تحت العمائم, ترفعون عمائمكم وبركة الشيخ تحل!
فأحد المشايخ -جزاه الله خيراً- وضع عمامته سريعاً, ثم كشفها وقالوا: ما لك؟ قال: أريد أن أرى الشيخ مباشرة, فقيل له: لا.
قم يا مبتدع, فأخرجوه من المسجد, سبحان الله! لقد أصبح هو المبتدع.
وهذا من اعتقاد العصمة في غير معصوم, فكلامه عندهم مثل القرآن, وعندهم في الحرم أوراد ترونها قبل صلاة المغرب، فتجده قبل أن يأكل التمر يخرج ورده, فإذا قلت له: اقرأ القرآن, قال: لا.
ورد الشيخ أفضل في هذه الساعة, وكلامه ملعثم، يقول: يا دهر الدهارير! يا حي يا حي يا حي! يا هو يا هو يا هو!! وهذا نباح كلاب, وصياح دجاج, وليس بذكر, هؤلاء جزاؤهم عند الشافعي أن يضربوا بالجريد والنعال ضرباً مبرحاً, حتى يعرف العقيدة الصحيحة, ويخرج من المسجد ويؤدب.
وهذه الكتب موجودة وتنشر نشراً عظيماً بين الجهلة، حتى إنه وجد بعض الجهلة الذين هم في الأصل سنة, يشترونها ويقرؤنها وما دروا ولا علموا لأن طلبة العلم مقصرون في تعليمهم, وفي تثقيفهم.
стр. 3181
الاستحسان بالهوى
البدعة في ظاهرها حسنة, وقد يروج لها مثل بدعة المولد, يقول أحدهم: سبحان الله تنكرون علينا بدعة المولد، لأننا أحببنا الرسول ﵊؟ أحُبنا للرسول ﵊ يجعلكم تنكرون علينا؟ نجتمع في يوم ميلاده, والناس يحتفلون بمواليد الزعماء والناس والسادة, ونحن أحب الناس إلينا هو, فنجتمع فنذكره ونمدحه، ونصلي ونسلم عليه ﷺ ، فتنكرون علينا هذا؟!
يقول سبحانه: ﴿أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَناً﴾ [فاطر:٨] والبدعة مزينة في عين صاحبها.
قد تنكر العين ضوء الشمس من رمد وينكر الفم طعم الماء من سقم
وهذا شأن المبتدع, فإنه دائماً كلما بينت له قال: سبحان الله! تمنعني أن أذكر الله, فهو جالس في الحرم ويقول: يا لطيف يا لطيف يا لطيف يا لطيف!! قال: أوصاني الشيخ أن أقولها سبعة آلاف مرة, قلنا: قل: سبحان الله.
قال: تمنعني أن أقول: يا لطيف! أليس اللطيف هو الله؟ يقول: يا حي يا حي يا حي! قلنا: يا أخي! ادع دعاءً شرعياً أتى من سنة رسول الله ﷺ ، قال: الحي من هو؟ تقول: الله, فهم يلزمونك بشيء مستحسن في الظاهر, ولهم نسب من التهريج والترويج في هذه المداخل.
стр. 3182
أضرار البدع
стр. 3183
طمس السنة
لا توجد بدعة إلا وينزع من السنة مثلها، فهي عدوة للسنة, ولا يوجد بلد ولا قرية ولا مدينة توجد فيها البدعة إلا طمس من السنة بمثلها, قال عمر بن عبد العزيز -وقد ورد هذا الأثر في سنن أبي داود باب السنة: [[واعلم أنها ما وقعت بدعة إلا رفع من السنة بمثل ما وقع من البدعة]] أو كما قال ﵁ وأرضاه في كتابه العظيم الذي استملحه ابن كثير كثيراً وغيره من العلماء.
فالبدعة طمس للسنة ومحاربة للدين، ومنها اتهام الدين بالنقص, فالمبتدع في الظاهر يقول: الدين كامل لكن لا يقر ذلك بعمله, يقول سبحانه: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلامَ دِيناً﴾ [المائدة:٣] لكنه بعمله ومن داخله يرى أن الدين ناقص, فيكمله بهذه الزيادات, وهذا اتهام خطير للإسلام أنه ناقص, وأنه محتاج لهؤلاء الدراويش أن يكملوه أو يزيدوا فيه وينظموه.
стр. 3184
تشويه جمال الإسلام
الإسلام جميل, وبديع, ورائع, لكن هؤلاء الدراويش شوهوه -والله- وقبحوه حتى يظن المستعمر والخواجة والوثني والبلشفي الأحمر أن هذه صورة الدين.
أخبرنا بعض الإخوة أنه يعرض في القنوات على مستوى أمريكا صورة الإسلام, ويأتون بصور دراويش الصوفية , أتعلم ماذا يفعلون؟ يترك أحدهم ثوبه ستة أشهر لا يغتسل, حتى ينتثر القمل من على أذنيه, وإذا قلت له، قال: البذاذة من الإيمان، والتواضع، والدنيا فانية، ويتباكى بين يديك! ويصلي أحدهم في اليوم سبعمائة ركعة وهو ناعس, وإذا جاء الظهر صلّى وهو جالس.
يقول الخطابي -وقد ذكرت هذا كثيراً في كتاب العزلة -: أحدهم أخذ لاصقاً فوضعه على عينه اليسرى ثم أغلق عينه, فقيل له: ما لك؟ قال: إسراف أن أنظر إلى الدنيا بعينين, عجباً لهذا المتخلف! فالله تعالى يقول: ﴿أَلَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ * وَلِسَاناً وَشَفَتَيْنِ * وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ﴾ [البلد:٨ - ١٠] ويقول ابن الجوزي في كتابه صفة الصفوة: أحدهم يقول لتلاميذه: أين أنتم مني؟ والله! ما أكلت الرطب أربعين سنة! والرطب: البلح الذي يباع في الأسواق، الذي هو أحلى من العسل، وقد أكله محمد ﷺ , وأكل العسل, واللحم، وهم لا يأكلون الرطب لأنهم جهلة, أي أنهم حرموا أشياء أباحها الله : ﴿وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلَّا ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللَّهِ فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا﴾ [الحديد:٢٧] فهذا تشويه للإسلام.
ومنها: أنهم يأتون في أعياد الميلاد وبعد التراويح في رمضان, فيرقصون حلقاً في المسجد, فتسلط عليهم الكاميرات وتنقل لبلاد الكفار, فانظر شعور الأمريكي إذا نظر إلى هذا! وهو ممزق الثوب وهو يرقص مثل المجنون, وبعد ساعة يقع مرمياً على الأرض, ويرش بالماء, ويقول: هو هو هو!! حي حي حي!! فهل يحب بعدها أن يدخل الإسلام؟ وهل له رغبة أن يدخل في هذا الدين؟ وهل يفكر في يوم من الأيام أن يكون مثل هذا الإنسان؟
وفَد وفد من اليمن، فقالوا للإمام مالك: يا أبا عبد الله! عندنا قوم يرقصون ويغنون ثم يقعون ويغمى عليهم, ويقولون: هو من حب الله.
قال الإمام مالك: أصبيان هم؟ قالوا: لا.
قال: أمجانين هم؟ قالوا: لا.
قالوا: فضحك مالك! يعني أنه لم يجد جواباً, ثم قام إلى غرفته فقال تلاميذه لهؤلاء: حسبنا الله عليكم أضحكتم إمامنا ما ضحك من سنوات, كان الإمام مالك صاحب هيبة يتبسم فقط ولا يضحك, لكن أحوجه الأمر والحدث أن يضحك.
فهذا تشويه لجمال الإسلام, حتى إن بعضهم رفض أن يدخل في الدين عندما رأى هذه الصور.
وهؤلاء المبتدعة ليس عندهم باب الجهاد في كتبهم, حتى إن أبا حامد محمد بن محمد الطوسي الغزالي صاحب الإحياء ليس عنده كتاب الجهاد, وكلها مرابطة ومؤانسة ومكاشفة.
والفناء والشهود والحال والمقام، فلا يعرفون الجهاد, وبعضهم خذل عن الجهاد الأفغاني, يقولون: لا تجاهدوا الآن وجاهد قلبك.
اسمع معاني تفسير القرآن عندهم، قال: ﴿اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى﴾ [طه:٢٤] اذهب يا لساني إلى قلبي فقل: يا طاغية! إنك طغوت فعد إلى الله, فلساني موسى, وقلبي فرعون, فهذه هي الخرافة.
ومن معاني تفسيراتهم: آلم , قال: ألف: ألَّف الله محمداً فبعثه, ولام: لام الله المشركين, والميم: معاوية ما أنصف, فهم يشتركون مع بعض الفرق في بعض التفاسير.
ومنهم من يقول: ﴿مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ﴾ [آل عمران:١٥٢] قال أحد علمائهم ومشايخهم وليس عنده علم: لا إله إلا الله -عندما قرأ الآية- أين الذي يريد الله؟! وذلك لأن الله يقول للصحابة: ﴿مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ﴾ والذين يريدون الآخرة هم أصحاب الرسول ﵊, لكن هذا الشيخ الضال يقول: ليس هناك من الصحابة من يريد الله, أما أنا فأعبد الله وحده، ولا أعبده للجنة.
ويقولون من ضمن مفترياتهم: نحن نعبد الله حباً له, ولا نطلب الجنة، حتى يقول أحدهم:
وحقك لو أدخلتني النار قلت للـ ذين بها قد كنت ممن أُحبه
وأفنيت جسمي في علوم كثيرة وما امنيتي إلا رضاه وقربه
أما قلتم من كان فينا مجاهداً سيحمد مثواه ويعذب شربه
يقول: يا ربِّ! لو أدخلتني النار فأنا أحبك، ولا أريد الجنة, وهذا يرد عليه بقوله: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ﴾ [آل عمران:١٣٣] ويقول للصحابة: ﴿يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَاناً﴾ [الفتح:٢٩] فالفضل الجنة, والرضوان رضوان الله.
فهذه العقائد والمعاني والأفعال من ضمن مفترياتهم التي شوهوا بها الإسلام.
والإسلام تشوه من اثنين:
١ - من جاحد.
٢ - ومن جامد.
فالجامد مثل بعض الناس تجده واقفاً على ما قبل ستين سنة, لا يتزحزح خطوة, تقول له: نريد أن نستفيد من هذه الوسائل لخدمة الدين, قال: هذا حرام.
يا شيخ! ما رأيك في التكلم في المكرفون حتى يستمع الناس وينتفعوا خارج المسجد؟
قال: في التكلم في المكرفونات نظر, لأن الذي صنعها كافر, وأخشى إذا دخل إلى المسجد أن يكون فيه شبهة.
والمسجل -يا شيخ- ما رأيك إذا سجلت المحاضرات وتنتقل الأشرطة للملايين والآلاف؟
قال: الشريط صنعه كافر والمسجل كذلك, والصحابة منهم أبو بكر وعمر ما كانوا يسجلون محاضراتهم قلنا: اكتشفت الآن.
قال: الأحوط تركها.
فهذا جامد دائماً, وإلا فلو أخذناه بالقياس لقلنا: لا تركب السيارة؛ فإن عمر ما ركب السيارة, ولا تكتب بالقلم, فالقلم ما كان عند الرسول ﷺ , ولا تلبس النظارة لأن الذي صنع النظارة ياباني، وهو كافر لا يصلي, ثم قس على ذلك من الأمور الكثيرة.
والجاحد: رجل تربى في بلاد الإسلام ثم جحد عقيدته فأخذ يسب الدين, فهو عربي ويصلي ويصوم ويعتمر ويحج لكن في قلبه ظغينة على الإسلام, لأن الإسلام عنده ظاهر, ولكنه ماركة مسجلة من لينين واستالين أي: جاء متعوباً عليه من هناك, ظاهره مسلم ولكن باطنه -والعياذ بالله- زنديق.
стр. 3185
إضلال عامة الأمة
إضلال عامة الأمة: وقد سبق هذا في الجهل, والعوام مساكين إذا لم يجدوا علماء يوجهونهم الوجهة الصحيحة، ضلوا ضلالاً بيناً.
стр. 3186
من صور البدع
стр. 3187
بدعة المولد
إن استحداث بدعة مولد الرسول ﵊، ما أنزل الله بها من سلطان, وليس لها أصل في الكتاب ولا في السنة, ولم يفعلها أحد من أصحابه ﵃, ولا التابعون ولا السلف الصالح ﴿من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد﴾ انظر لقوله تعالى: ﴿أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ﴾ [فاطر:٨] ثم تجدهم يتبعون ما تشابه من الكتاب, فيتعلقون بحديث عند مسلم سئل فيه ﵊ وهو من حديث أبي قتادة عن صيام يوم الإثنين, قال: ﴿ذاك يوم ولدت فيه، وبعثت فيه وأوحي إليّ فيه﴾ قالوا: فما دام أنه صاحب مناسبات؛ إذاً فنحن نكرم الرسول ﵊ بحفل مولد يدور كل سنة, قلنا: لا.
لا يريد محمد ﷺ هذه البدع، ولا نوه بها, فأنت عاديت الرسول ﵊.
يا مدعي حب طه لا تخالفه الخلف يحرم في دنيا المحبينا
أراك تأخذ شيئاً من شريعته وتترك البعض تدويناً وتهوينا
خذها جميعاً تجد فوزاً تفوز به أو فاطرحها وخذ لبس الشياطينا
هذه هي البدع!
стр. 3188
الأذان في القبر للميت
في كثير من المناطق حتى في الجزيرة العربية ينزل بعض الناس إلى القبر فيؤذنون في قبر الميت, ويقولون: الأذان أمان له من العذاب, وبعد ما ينتهون من الدفن تحدث عجائب ومراسيم وأشياء تضحك، يقفون على القبر فيقول أحدهم: يا جماعة الخير! ماذا تشهدون له؟ قالوا: نشهد بخير, قال: شهدتم؟ قالوا: شهدنا, قال: اللهم فاشهد! اللهم فاشهد! اللهم فاشهد.
فهل هذا بيع جمل أم بقرة؟! هل تشهد على الله أن هذا يقبله ولا يعذبه؟ سبحان الله!
يقول ابن الجوزي: حج أحد الحمقى البدو, فلما انتهى من منى ورمى الجمرات نفر يوم جمرة العقبة, ووصل إلى البيت قبل الحجاج ودخل مسرعاً وتعلق بأستار الكعبة، قال: اللهم اغفر لي قبل أن يزدحم عليك الناس! سبحان الله! لا تختلف عليه الحاجات, ولا تتعدد عليه النغمات, ولا اختلاف اللهجات، يعطي كل سائل مسألته, ولا ينقص مما عنده إلا كما ينقص المخيط إذا أدخل البحر.
وبعضهم يوسد الميت فيلقنه الكلمات, وتلقينه الكلمات حديث ضعيف, والأحاديث الضعيفة يقوم عليها كثير من البدع ولا تكفي وحدها في التشريع.
стр. 3189
رفع الصوت بالذكر الجماعي بعد الصلوات
أهل البدع إذا انتهوا من الصلاة رفعوا أصواتهم: سبحان والله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر وهذا موجود بكثرة في كثير من البلاد الإسلامية, يرفعون وراء الإمام, وبعض البلاد جعلت مكان الذكر نصف حزب من القرآن يقرءونه بعد كل صلاة.
стр. 3190
بدع أخرى
ومن بدعهم أيضاً وهي في بلاد معروفة، إذا دخل الخطيب؛ قام المؤذن فقرأ: قل هو الله أحد، وقال: صلوا على النبي صلوا على النبي فيصلون عليه ﵊ وإذا نزل الخطيب قرأ: قل هو الله أحد.
ومن بدعهم أيضاً أنهم يقرءون دعاء الوسيلة بصوت مرتفع في المكرفونات, فيقول: ﴿اللهم رب هذه الدعوة التامة والصلاة القائمة﴾ الحديث, ويصلي بصوت مرتفع.
ومن بدعهم أيضاً أنهم يقولون: حي على خير العمل حي على خير العمل وهي لم ينزل الله بها من سلطان، ولم تثبت، وآثارها واهية، وهي خلاف السنة.
ومن بدعهم أيضاً: السلام بمصافحة الأيمن والأيسر، وإدامة ذلك بعد كل صلاة، وتجدونه في الحرم, وفي كل مكان.
فإذا انتهيت من الصلاة سّلم عليك، وقال: تقبل الله, وبعضهم يتبرع فيسلم عن يمينه ويساره وأمامه وخلفه, ومن داوم عليها فقد ابتدع, وسئل عنها شيخ الإسلام ابن تيمية فقال: بدعة, ولكن من فعلها نادراً فلا بأس، مثل رجل قدم من سفر ووجدته في الحرم، أو في المسجد فسلم عليه, أو رجل لك منه فترة.
أما أنها تتخذ عادة كلما سلّم المسلم صافحوه, فهذه من البدع التي ما أنزل الله بها من سلطان.
следующие страницы →