Полный текст (10 391 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.
стр. 316
التوبة من الزنا
أتت امرأة إليه ﷺ -كما في الصحيح- فأخبرته أنها زنت، وأنها أسرفت على نفسها، فأشاح ﷺ بوجهه -لا يريد أن تعترف- يقول: ﴿ادرءوا الحدود بالشبهات﴾ يريد أن ييسر على الناس، فأتته من الجهة الأخرى فاعترفت فأشاح، حتى اعترفت أربع مرات، وهي تطلب أن يطهرها ﵊، وهي ثيب, وحد الثيب أن ترجم بالحجارة حتى تموت، لكن قدمت نفسها رخيصةً في سبيل الله.
فقال لها ﷺ : عودي حتى تضعي، فعادت حتى وضعت ولدها، وأتت به في لفائف، فرآها ﷺ ، فقال: عودي حتى ترضعيه، فأرضعته سنتين، ثم أتت به وهي صابرة محتسبة تريد الله والدار الآخرة.
قال ﷺ : من يكفل هذا الغلام وهو رفيقي في الجنة، قال أحد الأنصار: أنا يا رسول الله، فأخذوها وذهبوا بها يرجمونها بالحجارة، وهي صابرة محتسبة، فلما قتلوها قال أحد الصحابة: ليتها استترت، قال عليه الصلاة السلام وقد سمعه: والذي نفسي بيده لقد تابت توبة لو تابها سبعون رجلاً من أهل المدينة، لوسعتهم﴾ وفي لفظ: ﴿والذي نفسي بيده لقد تابت توبة لو تابها أهل المدينة لوسعتهم، والذي نفسي بيده إني لأراها تنغمس في أنهار الجنة﴾.
هذا هو ربنا التائب الرحيم .
تنبهوا يا رقود إلى متى ذا الجمودُ
فهذه الدار تبلى وما عليها يبيدُ
الخير فيها قليل والشر فيها عتيدُ
والبر ينقص فيها والسيئات تزيدُ
فاستكثر الزاد فيها إن الطريق بعيدُ
أمامك حفرة مظلمة، والله لا يجليها اللهُ إلا للمتقين، أمامك قبر صرع فيه الملوك والرؤساء والأمراء والوزراء والتجار، أمامك قبر أخذ القرون حتى أرداهم.
أبني أبينا نحن أهل منازل أبداً غراب البين فيها ينعق
نبكي على الدنيا وما من معشر جمعتهم الدنيا فلم يتفرقوا
صم إذا نودوا كأن لم يعلموا أن الكلام لهم حلال مطلقُ
стр. 317
عمر بن عبد العزيز ينادي أهل القبور
مر عمر بن عبد العزيز الخليفة الزاهد ﵁ وأرضاه، وهو مجدد القرن الأول؛ مر يوم العيد، وكان خليفة المسلمين من طشقند في الشمال إلى جنوب أفريقيا، ومن مشارف سيبيريا إلى الأندلس، إلى مشارف نهر السند، كان يملكها ﵁ وأرضاه، فنزل يوم العيد فرأى المقابر، فبكى حتى جلس، وقال: يا أيتها المقابر، كم فيك من حبيب! كم فيك من قريب! ما كأنهم أكلوا مع من أكل! ما كأنهم شربوا مع من شرب! ما كأنهم ضحكوا مع من ضحك!
ثم قال: يا موت ماذا فعلت بالأحبة؟
ثم بكى، وأجاب نفسه بنفسه وقال: أتدرون ماذا يقول الموت؟
قال: يقول: أكلت الحدقتين، وذهبت بالعينين، وفصلت الكفين عن الساعدين، والساعدين عن العضدين، والعضدين عن الكتفين، والقدمين عن الساقين، والساقين عن الركبتين.
стр. 318
الزهد في الدنيا
إن كنت تريد الخلود -أيها المسلم- تريد السعادة والرضا، فاعمل للجنة.
اعمل لدار غداً رضوان خازنها والجار أحمد والرحمن بانيها
قصورها ذهب والمسك تربتها والزعفران حشيش نابت فيها
أما هذه الدار فمنذ أن خلقها الله ما نظر إليها، دار لا تريحك، منغصة؛ إذا ارتحت فيها مات ولدك، وإذا نسيت مصيبته رسب الآخر، وإذا نسيت ألمه مرضت زوجتك، وإذا تشافت مرض جسمك، مكدرة منغصة، قد كتب الله عليها التكدير.
[[فضح الموت الدنيا، فلم يدع فيها لذي لب فرحاً]].
فيا أهل العقول أوصيكم ونفسي بتقوى الله، وأوصيكم أن تقوموا في سبيل الله دعاة خير، وأن تتآمروا بالمعروف وتتناهوا عن المنكر، ليرضى الله عنكم ظاهراً وباطناً، وليسعدكم في الدنيا والآخرة، وليكون الله معكم أينما كنتم, وأينما صرتم، أيدوا كلمة الحق، وقوموا مع المحق، ولا ترضوا بالباطل، وكونوا في وجهه؛ حينها يرضى الله عنا وعنكم.
نسأله لنا ولكم التوفيق والهداية والسداد والرشد.
اللهم بعلمك الغيب وقدرتك على الخلق، أحينا ما كانت الحياة خيراً لنا، وتوفنا إذا كانت الوفاة خيراً لنا، اللهم إنا نسألك خشيتك في الغيب والشهادة، ونسألك كلمة الحق في الغضب والرضا، ونسألك القصد في الغنى والفقر، ونسألك لذة النظر إلى وجهك، والشوق إلى لقائك في غير ضراء مضرة ولا فتنة مضلة، برحمتك يا أرحم الراحمين.
وإن كان من شكر فإني أشكر الله ، ثم أشكركم على حسن حضوركم وإنصاتكم، وأشكر المركز الصيفي بمدرسة اليرموك على دعوته الموقرة، وعلى نشاطه الخير، وعلى بذله في الخير، وأشكر الأساتذة القائمين فيه، وصلى على محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً، وما بقي من وقت، فإن كان أسئلةً أو حواراً، فنحبذ هذا؛ والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
стр. 319
الأسئلة
стр. 320
حقوق الجار
السؤال
يحصل بين بعض المسلمين خلاف ودعاوى ومطالب يترتب عليها الجفاء بين الجيران والقطيعة والبغض والظلم وغير ذلك، فما رأيكم وما توجيهاتكم لمن يريد التوبة والإنابة؟ وما الطريق لذلك؟
الجواب
المشاكل التي يشكو الناس منها، والذنوب والمعاصي والخطايا التي في المجتمع لا يحصيها إلا الله.
تكاثرت الظباء على خراشٍ فما يدري خراشٌ ما يصيد
كل مسألة ذكرت -أيها الأخ الفاضل- تحتاج إلى محاضرة بل ومحاضرات ومجلدات وندوات، لأننا أصبحنا مثخنين بالجراح من الذنوب والخطايا، قطيعة الرحم، عقوق الوالدين، أذية الجار، السوء إلى المسلمين، انتشار الأغاني الماجنات، المخدرات، التبرج إلا عند من رحم الله، ضياع الأوقات، تفلت الشباب، ضياع السنة، عدم تدبر القرآن، عدم تذكر الله، الأيمان الغموس، الظلم، الحسد، الحقد، كلها ذنوب وخطايا، نشكو حالنا إلى الله، أي أصبح حالنا مثل حال المريض الذي في كل مكان من جسمه جرح.
مَنْ يَهُنْ يسهلِ الهوانُ عليه ما لجرحٍ بميتٍ إيلامُ
وأما ما ذكرت فمن أعظم ما يتساهل فيه خاصةً في القرى حقوق الجار، والمدن أحسن حالا في الجيران؛ لأنك غريب مع غرباء، فتريد أن تصلح الحال، كأنك تتذكر الوفاة، أما القرى فإنه منذ أن خلقنا الله ونحن نعرف جيراننا يميناً وشمالاً وأماماً وخلفاً، فأصبح بينهم من القطيعة ما لا يعلمه إلا الله، تجد الجار يؤذي جاره، ولا يأمنه، ومن نكد الحياة أن يجمع الله بينك وبين جار سوء.
في الحديث: ﴿أن رجلاً أتى إلى الرسول ﵊ قال: يا رسول الله أشكو إليك أذية جاري، قال: ماذا فعل؟
قال: إن غبتُ لم آمنه، وإن حضرتُ آذاني، هتك عرضي، وأخذ مالي وظلمني.
فقال ﵊: اصبر لجارك، علَّ الله أن يهديه! فذهب وصبر قليلاً، لكن ما هداه الله، وعاد يشكو إلى الرسول ﷺ قال: خذ زوجتك وأطفالك ومتعاك وانزل في سكة من سكك المدينة -في الطريق- فأخذ زوجته وأثاثه على ظهره ونزل وجلس في السكة، فأصبح الناس يسرحون عليه ويروحون، يغدون فيقولون: مالك يا فلان؟!
فيقول: آذاني جاري حتى أخرجني، فيقول الناس: لعنه الله! فيصبح الصابح، فيقول: مالك يا فلان؟ فيقول: آذاني جاري، فيقولون: لعنه الله! ويمسي الممسي، فيقول: مالك؟ فيقول: آذاني جاري، فيقولون: لعنه الله! فسمع ذلك جاره، وقال: أتوب إلى الله، والله لا أعود إلى ذلك﴾.
ولذلك فقد يبلغ الحد ببعض الناس إلى أنه لا يذكر الله تماماً، ويسفك حق الجار.
والجاهليون كان من ضمن ما يتمادحون به حفظ حقوق الجار، يقول عنترة:
وأغض طرفي إن بدت لي جارتي حتى يواري جارتي مأواها
يقول: من كرم نفسي ومن شهامتي ومن مروءتي، إذا بدت جارتي غضضت طرفي حتى تدخل البيت، وليس عنده كتاب ولا سنة، ولا يؤمن بالله ولا اليوم الآخر.
وأغض طرفي إن بدت لي جارتي حتى يواري جارتي مأواها
ولذلك وجد في أهل الإسلام من يحفظون الجار، وأذكر على سبيل المثال أبا حنيفة، كان عالم المسلمين، وكان من أعبد عباد الله، ومن أزهد عباد الله، أتدرون ماذا كان يفعل به جاره؟
الجدار بالجدار يأتي أبو حنيفة وهو بعد صلاة العشاء يريد أن يسبح الله، ويصلي ويبكي ويدعو ويقرأ القرآن، فهذا الجار أعزب، وما عنده إلا نجر يضرب به ويقول:
أضاعوني وأي فتى أضاعوا ليوم كريهة وسداد ثغر
وأبو حنيفة لا يستطيع أن ينام، ولا يعرف كيف يقرأ أو يصلي، لكنه يصبر ويحتسب، وبعد ليلة من الليالي الطويلة لم يسمع أبو حنيفة الصوت، انتظر فما سمع الرقص ولا سمع ضرب النجر ولا سمع الدربكة، فذهب وطرق على الباب فما أجابه أحد، فسأل الجيران: أين فلان؟
قالوا: أخذه العسس -شرطة السلطان- قال: سبحان الله! جاري يأخذونه ولا يخبروني، ثم ركب بغلته في الليل ولبس ثيابه، واستأذن على السلطان وسط الليل، فقال الجنود للسلطان: أبو حنيفة يريدك -لأنه عالم الدنيا - فقام السلطان من نومه، والتقاه عند الباب يعانقه، وقال: يا أبا حنيفة لم لم ترسل إلينا؟ نحن نأتيك ولا تأتينا!
قال: كيف أخذتم جاري ولم تخبروني؟
قالوا: إنه فعل وفعل، قال: ردوا عليّ جاري، قالوا: لو طلبت الدنيا لأعطيناك الدنيا، فركب جاره معه على البغلة، وأخذ جاره يبكي، قال أبو حنيفة: مالك؟
قال: آذيتك كل هذه الأيام والأعوام والسنوات، وما تركتك تنام ولا تصلي ولا تقرأ، ولما فقدتني الليلة أتيت تتشفع في، أُشْهِدُ الله ثم أشهدك أني تائب إلى الله.
ولذلك كانوا يدعون الناس بأخلاقهم وبتعاملهم.
وهذا يهودي سكن بجانب عبد الله بن المبارك -أحد العلماء الصالحين- فكان عبد الله بن المبارك إذا اشترى لحماً من السوق بدأ بأولاد الجار اليهودي، نحن لا نقول: نبدأ بأولاد اليهود لكن بأولاد المسلمين، ونحن لا نقول: أعطوا الناس لحماً أو اكسوا أبناء الناس، لكن نكف أذانا فقط، نعم.
مكانك تحمدي أو تستريحي
عبد الله بن المبارك كان إذا اشترى لحماً أعطى أبناء الجيران، وإذا اكتسى كسا أبناء جيرانه، وإذا أخذ فاكهة بدأ بهم، فأتى أناس من التجار يشترون دار اليهودي، فقال: داري ثمنها ألفا درهم، أما الألف الأولى فقيمة الدار، وأما الثانية فقيمة جوار عبد الله بن المبارك، فسمع عبد الله بن المبارك، وقال: والله لا تبيعها، هذا ألف درهم وابق عندي جاراً لي، ثم قال عبد الله بن المبارك اللهم اهده إلى الإسلام، فما أصبح اليوم الثاني إلا وقد أسلم لله رب العالمين.
فمسألة الجار لا بد أن ننتبه لها، يقول ﵊ ﴿ما زال جبريل يوصيني بالجار حتى ظننت أنه سيورثه﴾.
стр. 321
شهادة الزور واليمين الغموس
السؤال
ما حكم من يسعى إلى امتلاك أرض ظلماً، ويشهد بعض معارفه شهادة على هذه الأرض؟
الجواب
الرسول ﵊ يقول: ﴿من ظلم من الأرض قيد شبر طوقه الله من سبع أرضين يوم القيامة﴾.
وإنما سميت اليمين الغموس بذلك لأنها تغمس صاحبها في نار جنهم ﴿ومن اقتطع مال امرئ مسلم بغير حق لقي الله وهو عليه غضبان﴾ ولا يكلمه الله ولا يزكيه ولا ينظر إليه وله عذاب أليم، واقتطاع الأراضي وجد كثيراً، فكثير من الناس يقتطع الأرض بالحلف وهو لا يدري أصل هذه الأرض، ولا بمستنداتها، ولا بصكوكها، إنما يحلف زوراً وبهتاناً وحميةً وهذا حسابه عند الله يوم يجمع الله الأولين والآخرين، والأرض أرض الله، والمال مال الله، والعباد عباد الله، والله هو الحاكم يوم القيامة بين الخصمين، ولا يتدخل في الحكومة أحد من الناس إلا هو ، فمن فعل ذلك فقد شهد شهادة زور، والله يقول: ﴿وَالَّذِينَ لا يَشْهَدُونَ الزُّورَ وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَاماً﴾ [الفرقان:٧٢].
ويقول ﵊: ﴿ألا أدلكم على أكبر الكبائر؟! قالوا: بلى يا رسول الله، قال: الإشراك بالله، وعقوق الوالدين، وكان متكئاً فجلس فقال: ألا وقول الزور وشهادة الزور، ألا وقول الزور وشهادة الزور، ألا وقول الزور وشهادة الزور، فما زال يكررها حتى قلنا: ليته سكت﴾ وهذا من أظلم الظلم وأعدى العدوان، هذا الذي يمحق البركة، ويطبع على القلوب، ويذهب الله به بركة الوديان، يأخذها وينزعها من وديانهم ومن أماكنهم، وقد نبه العلماء والقضاة على هذا كثيراً، وكثير منكم يعرف هذا، والحمد الله.
стр. 322
نصيحة لشاب تائب
السؤال
أنا شاب في مقتبل العمر، وأفقت بعد أن أخطأت في حق الله وفي حق نفسي، وأريد أن أرجع إلى الله وأنا مستقل، ولكن أريد من يدعوني لكي أتخلص من أفكار سيئة، أرجو إرشادي إلى ذلك؟
الجواب
ملخص
السؤال
أن هناك شاباً يريد التوبة إلى الله، حياك الله أيها الشاب!
وأوصيك بوصايا: الوصية الأولى: قد بسط الله لك يده، وفتح لك باب التوبة، وأنت من أحب الناس إلى الله ، فلا يتعاظمك الذنب، فإن الله يقول كما في الحديث القدسي الحسن: ﴿يا بن آدم! إنك ما دعوتني ورجوتني غفرت لك على ما كان منك ولا أبالي، يا بن آدم! لو بلغت ذنوبك عنان السماء، ثم استغفرتني غفرت لك ولا أبالي، يا بن آدم! لو جئتني بقراب الأرض خطايا ثم لقيتني لا تشرك بي شيئاً، لقيتك بقرابها مغفرة﴾ والله يقول في الحديث القدسي: ﴿يا عبادي! إنكم تذنبون بالليل والنهار وأنا أغفر الذنوب جميعاً فاستغفروني أغفر لكم﴾ فهنيئاً لك لما عدت إلى الله! وهنيئاً لك لما أفقت! هنيئاً لك لما راجعت حسابك مع الله قبل أن يأخذك الله أخذ عزيز مقتدر! فأوصيك بالمحافظة على الصلوات الخمس، وأن تكثر من الدعاء إلى علام الغيوب في أدبار الصلوات، وإذا سجدت أن تدعو بما دعاه ذو النون بن متى، وأن تطرق باب الله ليفتح الله لك مع المفتوحين لهم.
والوصية الثانية: أوصيك بكتاب الله أن تتدبره، وأن يكون سميرك وأنيسك وصاحبك وحبيبك وخدنك، فتقرأ منه ما فتح الله عليك.
والوصية الثالثة: أن ترافق رفقة صالحة طيبة يريدون الله والدار الآخرة، وأن تبتعد عن رفقة السوء.
والوصية الرابعة: أن تترك كل المعاصي التي كانت تقربك من غضب الله، ومن مقت الله ومن أخذ الله، كاستماع الأغنية الماجنة، اجعل مكانها الشريط الإسلامي، شريط القرآن وشريط المحاضرات والندوات والدروس والعبر والعظات، وكذلك أن تتقي الله في عينك، فلا تنظر إلا في الحلال، واعلم أن الله سيحاسبك على جوارحك واحدةً واحدةً.
والوصية الخامسة: أن تحفظ وقتك مع الله، وأن تستثمر الوقت في المطالعة، وفي القراءة، وفي زيارة الصالحين؛ ليرضى الله عنك في الدنيا والآخرة، وهذا هو المكسب العظيم:
خذوا كل دنياكم واتركوا فؤادي حراً طليقاً غربيا
فإني أعظمُكم ثروة وإن خلتموني وحيداً سليبا
стр. 323
شرب الدخان والشيشة
السؤال
ما حكم إمام مسلم يشرب الشيشة وهل تجوز صلاته؟
الجواب
إن كان إماماً راتباً عينه السلطان يشرب الشيشة، وكان معيناً من الأوقاف، يصلى وراءه وذنبه عليه، ﴿وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ وحسابه على الله ، وإن كان هذا الإمام متبرعاً أراد أن يصلي بدون أن يكون راتباً وليس مسئولاً، فلا يقدم على الناس لأنه فاسق، ومن يشرب هذه المحرمات فهو فاسق عند أهل السنة والجماعة، ومن يتعدى حدود الله فهو فاسق، فإن كان متبرعاً فلا يقدم، وإن كان من الأوقاف فيقدم ويصلى وراءه، وحسابه على الله.
стр. 324
حب الدنيا
السؤال
ما رأي فضيلتكم في إضاعة الوقت في أمور الدنيا والحرص على متاعها الزائل.
الجواب
يقول أهل العلم: إن ابن آدم يولد من بطن أمه وهو ممسك يديه قالوا: وذلك علامة على حرصه وجشعه وحسده وحب التملك عنده.
وحب التملك فطري في الإنسان، حتى الطفل أول ما يتحرك يبدأ بأخذ الأشياء، يأخذ القلم، يأخذ الساعة، يبكي على اللعب، يبكي على المأكولات والمطعومات والمشروبات وذلك كله من حب التملك، وكلما شاب الإنسان وكبر سنه، كبر حب التملك عنده، حتى تجد الإنسانَ في عمر الستين، كأنه سوف يعيش مائتين أو ثلاثمائة سنة، ما يتكلم إلا في العمارات والقصور، وأبناؤه هذا توظف، وهذا أرسل له راتبه، وهذا سوف يسكن معه، كأنه يعيش ولا يفكر بالقبر، إلا من رحم ربك.
ومن أكبر الخطايا خطيئة حب الدنيا، ويقولون: إن قابيل قتل هابيل بسبب حب الدنيا؛ والجشع على الدنيا؛ ولهذا اعلم أن من يحب الدنيا كثيراً وتستولي عليه فقد عبدها من دون الله، وقد اتخذها إلهاً يعبد من دون الله: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لا يُبْخَسُونَ * أُولَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ إِلَّا النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [هود:١٥ - ١٦]
تجرد من الدنيا فإنك إنما أتيت إلى الدنيا وأنت مجرد
ويقول : ﴿وَلَوْلا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً لَجَعَلْنَا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفاً مِنْ فِضَّةٍ وَمَعَارِجَ عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ * وَلِبُيُوتِهِمْ أَبْوَاباً وَسُرُراً عَلَيْهَا يَتَّكِئُونَ * وَزُخْرُفاً وَإِنْ كُلُّ ذَلِكَ لَمَّا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةُ عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [الزخرف:٣٣ - ٣٥].
والذي يزهدك في الدنيا ثلاثة أمور:
أولاً: أن تعرف أنك لا تتملك إلا ما رزقك الله، وأنه لا يقع في يدك إلا ما كتب الله.
ثانياً: أن تعد لتلك الحفرة -القبر- فإنك سوف تقدم عليها لا محالة، وأن تذكر أن مصرعك قريب.
ثالثاً: أنك كلما تكثرت منها تكثرت من الحساب والنكال والسؤال عند الله يوم القيامة.
стр. 325
عقوق الوالدين
السؤال
أنا شاب أصلي وأصوم والحمد الله، ولكن أنا عاصٍ لوالدي، فأرجو أن ترشدني إلى طاعة والدي؟
الجواب
عقوق الوالدين أكثر ما انتشر بين الشباب، نسأل الله العافية والسلامة، والله قرن حق الوالدين في كتابه بحقه، فقال: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاهُمَا فَلا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلاً كَرِيماً﴾ [الإسراء:٢٣].
ويبلغ بالبر عند بعض الأبناء أن يفتح الله عليه، حتى يكون أسوة وقدوة للشباب: يذكر عليه الصلاة السلام -كما في الصحيحين - ﴿بينما ثلاثة نفر من بني إسرائيل خرجوا في الصحراء، فاشتد عليهم الكرب، ونزلت عليهم السماء بالمطر، فدخلوا في غار، فانطبقت عليهم الصخرة في فم الغار -صخرة لا يدفعها ولا يرفعها إلا الله، فلما أصبحوا في هذا الغار لا طعام ولا شراب، ولا أنيس، ولا رفيق ولا صاحب- قال أحدهم: إنه لا ينجيكم من هذه الصخرة إلا أن تدعوا الله بصالح أعمالكم، قال أولهم: اللهم إنك تعلم أنه كان لي أبوان شيخان كبيران، وكنت لا أغبق قبلهما أهلاً ولا مالاً، وإنه قد نأى بي طلب الشجر يوماً، فلم أرح عليهما حتى ناما -أي سار يرعى الغنم وتأخر حتى نام أبوه وأمه، وأتى بالغبوق، وهو اللبن في المساء ليعشيهم، فأتى به في الإناء فوجدهما نائمين وعنده أبناؤه -فلذة كبده وشجا روحه- يتضاغون عند أقدامه من الجوع يريدون أن يشربوا- قال: فما سقيت صبيتي وهم يتضاغون عند قدمي، وما أيقظت والدي خشية أن أنغص عليهما نومهما، فمكثت والإناء بيدي حتى برق الفجر، فاستيقظا وشربا غبوقهما، اللهم إن كنت تعلم أني فعلت ذلك ابتغاء مرضاتك، فافرج عنا ما نحن فيه، فانفرجت عنهم الصخرة﴾ إلى آخر القصة وهي موجودة في كتب الحديث.
وكان رسول الله ﷺ جالساً مع أصحابه فأتاه رجل فقال: يا رسول الله! أشكو إليك عجيبة من العجائب، قال: ما هي؟
قال: ابني؛ ربيته، سهرت لينام، وجعت ليشبع، وظمئت ليروى، فلما كبر تغمط حقي وظلمني ولوى يدي، فدمعت عيناه ﷺ ، فقال: هل قلت في ذلك شعراً؟ لأن العرب كانت تتنفس بالأشعار من أحزانها، قال: نعم، قال: ماذا قلت؟ قال قلت فيه:
غدوتك مولوداً وعلتك يافعاً تعل بما أجري عليك وتنهلُ
إذا ليلة ضافتك بالسقم لم أبت لسقمك إلا شاكياً أتململُ
كأني أنا الملدوغ دونك بالذي لدغت به دوني فعيناي تهملُ
فدعاه ﷺ ، وأخذ بتلابيب ثوبه، وقال: ﴿أنت ومالك لأبيك﴾ عقوق الوالدين قضية تحتاج إلى كلام طويل ليس هذا وقته.
стр. 326
المراكز الصيفية
السؤال
ما رأيك بالمراكز الصيفية التي يقيمها الشباب الصالح؟
الجواب
المراكز الصيفية غالبها بل جلها من أحسن ما ينفع الشباب المسلم، لكن المراكز تختلف باختلاف القائمين عليها، ويقصد من هذه المراكز جمع الشباب واستغلال أوقاتهم التي تضيع في العطل الصيفية، وردهم إلى كتاب الله وتفقيههم في الدين، فهي من أحسن ما يمكن، واجتماع الشباب في مثل هذه المراكز قوة ونصرة وهداية ورحمة من الله ، وبالذكر على المناسبة يشكو بعض الناس أن هناك نقصاً في الوعظ، وإنما النقص فينا نحن، والذنوب ذنوبنا، والقائمون على المراكز الصيفية من أصلح الشباب الذين أعرف، وهم من أجدى الشباب وأفقههم في الدين والدعوة، وما أقام هذه الصحوة الإسلامية -صحوة الشباب- إلا شباب، ولذلك تجد ولله الحمد ألوفاً مؤلفة من الشباب في العالم الإسلامي، لا أقول: في هذه البلاد فحسب بل في العالم الإسلامي، يقود صحوتهم شباب متقون هادئون، عندهم أصول الوعظ، وعندهم فقه في الدين، وعندهم إدارك ومعرفة، وهذا بحمد الله موجود، بل الصحوة في المدن أكثر من القرى، ولذلك تجد بعض المساجد صفوفها مكتظة بالشباب الذين هم على هدي محمد ﷺ ، ووجوههم تلمع ضياءً ونوراً وخيراً وبركة، فأنا أنصح بهذه المراكز، إذ أنها أحفظ لوقتك، وأن تشارك فيها، وأن تستغل فيها وقتك، وأن تجعل ابنك فيها، أو أخاك أو من يعز عليك؛ لأنه حفظٌ له، وأولى له من المقاهي والمنتزهات ورفقة السوء الذين يعطلون عنه مسيرته إلى الله.
стр. 327
من تيمم ثم صلى ثم وجد الماء
السؤال
إذا صلى الإنسان بالتيمم ثم وجد الماء بعد الصلاة هل يعيد؟
الجواب
هذه المسألة فيها تفصيل، إن كان وجد ماء وهو في الوقت قبل أن يصلي فعليه وجوباً أن يتوضأ بهذا الماء، إذا لم يكن عنده مانع من مرض، كجرح يمنعه أو خوف من مكان الماء، كأن كان بينه وبين الماء شيء من مخافة، كثعبان أو عدو صائل، فعليه إن لم تكن هذه العوارض أن يتوضأ بهذا الماء وجوباً، وإذا تيمم وترك الماء وهو يرى الماء بعينه، فصلاته باطلة بالتيمم، أما إذا تيمم وصلى، ثم ذهب ووجد الماء، وهو في الوقت، فإن شاء أعاد، وإن شاء يكفيه التيمم الأول والصلاة الأولى، هذا هو الصحيح، وإذا تيمم وصلى وخرج الوقت، ثم وجد الماء، فلا يجوز له أن يعيد، وما قال بالإعادة أحد، إذا خرج الوقت وقد تيمم وصلى ثم وجد الماء، فبالإجماع أن صلاته صحيحه.
стр. 328
الكتب المؤلفة في قصص الأنبياء
السؤال
أريد مرجعاً صحيحاً لقصص الأنبياء؟
الجواب
أعظم مرجع صحيح لقصص الأنبياء هو كتاب الله قال تعالى: ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ﴾ [يوسف:٣] ﴿مَا كَانَ حَدِيثاً يُفْتَرَى﴾ [يوسف:١١١] فقصص الأنبياء حفل بها القرآن، وامتلأ بها كتاب الله ، ثم تفسير ابن كثير قص من قصص الأنبياء الشيء العجيب، ثم كتاب البداية والنهاية ففيه مجلد كامل من أوله تكلم عن قصص الأنبياء وترجم لكل نبي، ثم كتاب قصص الأنبياء لـ ابن كثير، وكتاب قصص النبيين وتاريخ ابن جرير، والتواريخ في الجملة سوف تلقى ما يكفيك بإذن الله ويرضيك.
стр. 329
حكم الدف والطبل
السؤال
ما حكم الدف والطبل؟
الجواب
أما الدف فهو جائز للنساء في الأعراس، بشرط أن يكن في مكان منفصل، لا يختلطن بالرجال، والرسول ﷺ أباح لهن الدف، قال كما في سنن أبي داود: ﴿أعلنوا هذا النكاح واضربوا عليه بالدف﴾ وقال لـ عائشة: ﴿هل عندكم شيء من اللهو؟ -أي من الطرب في الزواج للنساء- فإن الأنصار يعجبهم اللهو﴾ فلا بأس بالدف للنساء، بشرط أن يكن في مكان منفصل عن الرجال يرقصن وينشدن، ويتناشدن الأشعار، أما العود والوتر والناي والموسيقى فلا يجوز، لأن هذا زيادة على ما جاء به النص عن الرسول ﷺ ، وأما الدف للرجال فما أعلم فيه أنه جائز، وأنا أتوقف في مسألة الدف للرجال، وإنما أفتي بما علمت من الحديث أنه يجوز للنساء وأنه لا بأس به، لكن إذا زاد على الدف فلا يجوز.
стр. 330
حكم مكبرات الصوت للنساء
السؤال
هل يجوز استخدام مكبرات الصوت للنساء؟
الجواب
صوت المرأة عورة، ولا يجوز للمرأة أن ترفع صوتها، ولا يستخدم المكبرات للنساء في الأعراس، بل يتناشدن بالقصائد والأشعار، ويرقصن في مكان بحيث لا يسمع صوتهن الأجانب، أما إذا ارتفع الصوت فإن ذلك منكر ينهى عنه.
стр. 331
آثار الذنوب والمعاصي
من رحمة الله بخلقه أنه أرشدهم إلى الطريق القويم، وجعل لهم التقوى جنة ووقاية من لهيب جهنم، ولهول الذنب وقبحه كانت له علىصاحبه آثار مفصلة في هذا الموضوع، فكن ممن يستمعون ويعون ويحذرون؛ لعل الله أن يقيك من شر تلك الآثار ويرزقك خير الطاعة ويهديك الصراط المستقيم.
стр. 332
التقوى وقاية من المعاصي
الحمد لله الذي خلق السماوات والأرض وجعل الظلمات والنور، ثم الذين كفروا بربهم يعدلون، الحمد لله فاطر السماوت والأرض جاعل الملائكة رسلاً أولي أجنحة مثنى وثلاث ورباع، يزيد في الخلق ما يشاء، إن الله على كل شيء قدير، وأشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً عبده ورسوله ﷺ ، هدى به الله الإنسانية، وأنار به أفكار البشرية، وزعزع به كيان الوثنية، وعلى آله والتابعين لهم بإحسان.
ولما جلسنا مجلساً طله الندى جميلاً وبستاناً من الروض ناديا
أثار لنا طيب المكان وحسنه مُنىً فتمنينا فكنت الأماني
أمانينا في الحياة الدنيا أن نجلس مع الصالحين، فسلام الله على الصالحين ورحمته وبركاته، وأشكر أصحاب الفضيلة العلماء الذين هم أمامي الآن، والإخوة السامعين، وأشكر القائمين على هذا المؤتمر، أسأل الله أن يجري الحق على ألسنتنا، وأن يجعل ما نقول في ميزان الحسنات ولا يجعل في كلامنا ولا في مقاصدنا ولا في أعمارنا بغيره سبباً ولا نسباً، ولا يجعل لنا طريقاً إلى الرياء والسمعة.
أيها الإخوة الكرام! أيها المسلمون! كما سمعتم عنوان المحاضرة (آثار الذنوب والمعاصي) وما تهدمت الشعوب، ولا فسدت القلوب، ولا خربت الأسر، ولا تشتت الآراء، ولا تمزقت الأفكار إلا من الذنوب والمعاصي، وما بخست الأرزاق ولا قست القلوب ولا جفت العيون إلا من الذنوب والمعاصي، وما غضب الجبار ولا انتهت المغفرة من الغفار وما نزلت الحدود إلا للذنوب والمعاصي، وما أقيمت النار وما نصب الصراط وما أتى هناك محاسبة إلا مع الذنوب والمعاصي.
أيها الإخوة الكرام! آثار الذنوب كثيرة أوصلها بعض علماء الإسلام إلى ثلاثين أثراً أو عقوبة، ومن أحسن من تكلم في ذلك فيما أعلم الإمام الفذ ابن القيم رحمه الله تعالى ورفع درجته في الجنة في كتابه الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي، وأتحف شيخ الإسلام ابن تيمية، وتعرض لآثارها في المجلد العاشر من فتاويه، وتكلم في ذلك كثير من العلماء.
وأنا أجمل آثارها بثمانية آثار:
أولها: الضيق والهم.
ثانيها: حرمان الرزق.
ثالثها: نسيان العلم.
رابعها: البغض في قلوب الخلق.
خامسها: الوحشة بين العبد وربه.
سادسها: قسوة القلب أو موته.
سابعها: ضياع العمر.
ثامنها: عواقبها في الآخرة يوم يأتي الإنسان بلا توبة مفلساً من الخير.
أيها الإخوة! لقد كرر القرآن قضية كبرى أخذت مساحة شاسعة منه هي تقوى الله، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢].
стр. 333
تعريف التقوى
وأهل السنة يعرفون التقوى بتعاريف باختلاف الأسباب وباختلاف الاتجاهات والمشارب.
فمما نحفظ عن ابن تيمية أنه يقول: التقوى هي العمل بالمأمور وترك المحذور.
وبعضهم يقول: التقوى هي: أن تجعل بينك وبين عذاب الله وقاية.
ونسب بعض العلماء كلمة للإمام علي بن أبي طالب ﵁ وأرضاه قالها في تعريف التقوى قال: [[هي الخوف من الجليل، والعمل بالتنزيل، والرضا بالقليل، والاستعداد ليوم الرحيل]].
وقال ابن رجب: قال بعض العلماء: التقوى ترك الذنوب كبيرها وصغيرها.
وقال بعضهم: التقوى أن يكون الله نصب عينيك وهي درجة الإحسان في حديث جبريل ﴿وأن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك﴾.
والتقوى فسرها رسول الهدى ﵊ بحياته، وفسرها بسلوكه، وفسرها بعمله، فكان يقول للصحابة: ﴿إن أعلمكم بالله وأتقاكم أنا﴾ ولذلك بوب البخاري في ذلك باب المعرفة معرفة القلب، وأن أتقى الناس محمد ﵊، أو كما قال في كتاب العلم.
وأتى الصحابة فكانوا نموذجاً خالداً لتفسير التقوى في الحياة، لم تكن تقواهم إرجاءً ولا كلمات جافة ولا أفكاراً غريبة ولا قضية أمانٍ أو عواطف، إنما كان تحقيقاً في الواقع.
وعند الإمام مالك في الموطأ موقوفاً عن الحسن [[ليس الإيمان بالتحلي ولا بالتمني، ولكن ما وقر في القلب وصدقه العمل]].
تأتي التقوى لهؤلاء من أمور:
أولاً: مراقبة الواحد الديان على نور من الكتاب والسنة.
ثانياً: قصر الأمل.
ثالثاً: غلبة العقل على الهوى.
стр. 334
أمثلة على التقوى
أبو بكر الصديق: يقول الإمام أحمد في كتاب الزهد بسند جيد: [[دخل أبو بكر مزرعة رجل من الأنصار فرأى طائراً يطير من شجرة إلى شجرة فبكى وجلس، فقال له الصحابة: مالك يا خليفة رسول الله؟ قال: طوبى لهذا الطائر! يشرب الماء ويأكل من الثمر ثم يموت ولا حساب ولا عذاب، يا ليتني كنت طائراً]] إنها المحاسبة الدقيقة، إنه زيادة الإيمان في القلب.
أبو بكر الذي قال الرسول ﵊ عنه كما في صحيح البخاري في كتاب الجهاد ﴿إن للجنة أبواباً ثمانية فمن كان من أهل الصلاة دعي من باب الصلاة، ومن كان من أهل الصيام دعي من باب الصيام، ومن كان من أهل الجهاد دعي من باب الجهاد - إلى آخر تلك الأبواب- فيقول أبو بكر: يا رسول الله! هل يدعى أحد من أبواب الجنة الثمانية؟﴾ لا يسأل إلا أبو بكر ولا يتقدم بالمسألة إلا أبو بكر، فيعلق ابن القيم على هذا السؤال ويقول:
من لي بمثل سيرك المدلل تمشي رويداً وتجي في الأول
أي: دائماً تحب المركز الأول، دائماً في أول المصلين، وفي أول الصائمين، وفي أول الذاكرين، وفي أول المجاهدين، فيقول ﵊: ﴿نعم -أي: يدعى بعض الناس من الأبواب الثمانية- وأرجو أن تكون منهم يا أبا بكر﴾ ولكن ما جعله ذلك يركن إلى هذه الوعود وهذه الأخبار الصادقة من الرسول ﵊، في أنه من أهل الجنة كما صح ذلك في الأحاديث التي بلغت درجة التواتر، بل زاده خوفاً من الله، وتقوى لله، ومحاسبة لنفسه أمام الله.
يقول ابن القيم في روضة المحبين وهو يتحدث عن أبي بكر يقول: لما تولى أبو بكر الخلافة كان يخرج بعد صلاة الفجر كل يوم، فكان عمر يلحظه وينظر أين يذهب، فإذا هو يذهب إلى خيمة امرأة من المسلمين، فذهب عمر وراءه يوماً من الأيام، وخرج أبو بكر من الخيمة فدخل عمر وراءه من حيث لا يراه أبو بكر، فقال عمر وقد رأى عجوزاً عمياء حسيرة كسيرة داخل الخيمة: يا أمة الله! من أنت؟ قالت: عجوز حسيرة كسيرة عمياء، قال: ومن هذا الشيخ الذي يأتيكم؟ قالت: لا أعرفه، قال: ولم يأتي؟ قالت: يأتينا فيصنع طعامنا، ويكنس بيتنا، ويحلب شياهنا، فجلس عمر يبكي ويقول: [[أتعبت الخلفاء بعدك يا أبا بكر]].
إنها -والله- التقوى، ولا يمكن أن تكون إلا في قراءة سير أولئك القوم الذين رفع الله منزلتهم.
أولئك آبائي فجئني بمثلهم إذا جمعتنا يا جرير المجامع
وعند مسلم في الصحيح أنه ﷺ قال: ﴿هل أصبح منكم اليوم أحد صائم؟ قال أبو بكر: أنا، قال: هل شيع أحدٌ منكم جنازة؟ قال أبو بكر: أنا، قال: هل تصدق أحد منكم اليوم بصدقة؟ قال أبو بكر: أنا، قال: هل عاد أحد منكم مريضاً؟ قال أبو بكر: أنا، قال: ما اجتمعت هذه الأمور في أحد في يوم واحد إلا دخل الجنة﴾ وتقواه ﵁ تأتي من هذا التعريف العملي للتقوى ليس الشفهي الإنشائي النظري الذي بدأنا به وأرعدنا ونشكو أحوالنا إلى الله، لكن أقول لنفسي وللمقصرين من أمثالي كما قال أحد التابعين -وأظنه ابن إدريس - لـ سفيان الثوري: [[يا أبا عبد الله! ذهب القوم -يعني: الصحابة- على خيول جادة ونحن على حمير قال: والله لتصلن بالقوم إذا سلكت ما سلكوا ولو كنا على الحمير]] مادام أننا على الخط وعلى الطريق التي هم عليها فسوف نصل.
وعند البخاري باب "الرجل يحب القوم" قال أنس: ﴿كان رسول الله ﷺ يحدث الناس فقام أعرابي وقال: متى الساعة؟ قال: ماذا أعددت لها؟ قال: ما أعددت لها كثير صلاة ولا صوم ولا صدقة ولكني أحب الله ورسوله، فقال رسول الله ﷺ : المرء يحشر مع من أحب﴾ والشافعي يقول:
أحب الصالحين ولست منهم لعلي أن أنال بهم شفاعة
وأكره من تجارته المعاصي ولو كنا سواءً في البضاعة
стр. 335
آثار الذنوب والمعاصي
стр. 336
الضيق والهم
أيها الإخوة الكرام! والله ما ذاق الناس أَمَرَّ من المعاصي، ولا تجرعوا أخبث ولا أشد ولا أنكى من السيئات، ولقد حاول كثير من الناس أن يتناسى الخطايا ولو كانوا من الكفار، ولكنهم وجدوا ألماً وقلقاً ويأساً وقنوطاً وبعداً عن الواحد الأحد؛ لأن من قرب من الله قربه وأتحفه، ومن ابتعد منه أضناه وأشقاه في الدنيا والآخرة.
أعظم أثر للذنب والخطيئة الضيق والهم والغم والأسى واللوعة والحزن، قال الله ﵎: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى * قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيراً * قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى﴾ [طه:١٢٤ - ١٢٦].
قال ابن تيمية وهو يتحدث عن بعض أصحاب المنطق في المجلد الرابع من فتاويه: قيل لهذا الرجل المتكلم المنطقي: تب إلى الله وعليك بالعبادة لتعرفك بالله -لأنهم يسلكون مسالك نظرية في معرفة الله والكون والحياة ليست مسالك السجود ولا التسبيح ولا تدبر القرآن- فقال هذا الرجل المنطقي الفلسفي: أريد ذلك ولكن قلبي عليه الظلمات يعني: حجب.
ويقول ابن تيمية في المجلد الأول في درء تعارض العقل والنقل ويتكلم عن العلامة المعتزلي الذكي ابن الخطيب أو ابن الخطاب يقول: ومع ذلك كان بعيداً عن الله بسبب بعده، ولو سلك الطريقة المحمدية الشرعية كان وصل، وصل إلى من؟ إلى رضوان الله، قال: وهو صاحب تلكم الأبيات التي يقول فيها:
وحقك لو أدخلتني النار قلت للذين بها قد كنت ممن أحبه
يقول: يا رب! لو أدخلتني النار، فإنني سأتكلم وأخطب وألقي محاضرة في أهل النار، وأقول: أنا كنت أحب الله.
وهي أبيات جميلة بديعة، ولكنها من رجل ما عرف الطريق.
وحقك لو أدخلتني النار قلت للذين بها قد كنت ممن أحبه
وأفنيت عمري في علوم كثيرة وما بغيتي إلا رضاه وقربه
أما قلتمُ من كان فينا مجاهداً سيحمد مسعاه ويكرم قربه
على ذلك لكن ما سلك طريق التقوى فضاق حاله.
وبعضهم يصل إلى درجة الانتحار وتصعب عليه الحياة، قال سبحانه: ﴿أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلامِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ فَوَيْلٌ لِلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الزمر:٢٢] وقال سبحانه ﴿فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلامِ﴾ [الأنعام:١٢٥] إذا عُلم ذلك فيا إخوتي! اعلموا أن من أعظم عقوبات الذنب والخطيئة الضيق، ولذلك قال الله : ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً﴾ [طه:١٢٤] والأستاذ سيد قطب -رفع الله منزلته في الجنة- تكلم بكلام بديع، حتى أنه يقول: كلمة (ضنكا) صعبة في النطق يكاد الإنسان أن يختنق بها لأنها تؤدي إلى معنى عجيب، وهي الحياة التي يعيشها المعرض عن ذكر الله، سكنوا -والله- في ناطحات السحاب، واستقلوا السيارات الفاخرة، وحصلوا على المناصب العالية؛ ولكن لما أعرضوا عن منهج الله أرداهم وجعل حياتهم تعاسة عليهم.
قال سبحانه: ﴿وَلَوْلا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً لَجَعَلْنَا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفاً مِنْ فِضَّةٍ وَمَعَارِجَ عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ * وَلِبُيُوتِهِمْ أَبْوَاباً وَسُرُراً عَلَيْهَا يَتَّكِئُونَ * وَزُخْرُفاً وَإِنْ كُلُّ ذَلِكَ لَمَّا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةُ عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [الزخرف:٣٣ - ٣٥].
تعال معي يا طالب العلم يا داعية الإسلام إلى حياة شيخ الإسلام ابن تيمية، يقول عنه ابن القيم يقول شيخنا شيخ الإسلام: إني لأجد من الحياة والروح عن السعادة ما أقول: لو أن أهل الجنة فيما أنا فيه لكانوا في عيش طيب، أدخلوه السجن، أوصدوا عليه الباب، حاولوا قتل مبادئه، حاولوا إطفاء نوره، فقال وهو يتبسم وينظر إلى البواب: ﴿فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ لَهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذَابُ﴾ [الحديد:١٣] ثم قال كلمة أشبه بالمقطوعة الشعرية يقول: "ماذا يفعل أعدائي بي؟ أنا جنتي وبستاني في صدري أنَّى سرت فهو معي، أنا قتلي شهادة، وإخراجي من بلدي سياحة، وسجني خلوة".
ابن تيمية يدخل على ابن قطلوبك السلطان السلجوقي -الذي ما يعرف يقرأ الفاتحة، مسلم لكن بالهوية- فيقول ابن قطلوبك يا بن تيمية وددنا أنا لو زرناك في بيتك فأنت عالم زاهد قال: دعنا من دركواناتك يا بن قطلوبك، كان موسى يأتي فرعون في اليوم مراراً وتكرارً، ثم قال له ابن قطلوبك: يا بن تيمية أصحيح ما قيل عنك؟ قال: وماذا قيل؟ قال: يزعم الناس أنك تريد ملكنا -يظن أن هذا الكرسي كل شيء- يقول ابن تيمية: ملكك؟ قال: نعم.
قال: والذي نفسي بيده! ما ملكك وملك آبائك وأجدادك يساوي عندي فلساً.
خذوا كل دنياكم واتركوا فؤادي حراً طليقاً غريباً
فإني أعظمكم ثروة وإن خلتموني وحيداً سليباً
قال الذهبي في ترجمة عبد الملك وما أدراك ما عبد الملك؟! عبد الملك بن مروان خليفة دندنت له الدنيا وطنطنت ما يقارب ثلاثين سنة، نشر المصحف بين يديه صباح نهار ثم أغلقه وقال: هذا آخر العهد بك، قد صح هذا الكلام عنه، قال الذهبي: اللهم لا تمكر بنا، ملك الدنيا وقتل العظماء وذبح الملوك كذبح الدجاج، فلما أتته سكرات الموت نزل من على سريره وقال: يا ليتني ما توليت الخلافة، يا ليتني كنت غسالاً، قال سعيد بن المسيب: لما وصله هذا الكلام [[الحمد لله الذي جعلهم يفرون إلينا وقت الموت ولا نفر إليهم]] وقال إبراهيم بن أدهم: [[نحن في عيش لو علم به الملوك لجالدونا عليه بالسيوف]].
ما هو العيش؟ أعيش الخبز والجرجير؟ أو عيش السيارة والفلة؟ أو عيش الملابس؟ لا والله، إن هذه يشترك فيها الناس جميعاً بل حظ الكافر أعظم من حظ المؤمن، فإنا نجد كثيراً من المؤمنين يسكن خيمة وينام على الرصيف ولا يجد كسرة خبز، بينما الكافر يتقلب كالحمار في النعم، يقول الله عنهم: ﴿ذَرْهُمْ يَأْكُلُوا وَيَتَمَتَّعُوا وَيُلْهِهِمُ الْأَمَلُ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ [الحجر:٣] ويقول أيضاً: ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الْأَنْعَامُ وَالنَّارُ مَثْوىً لَهُمْ﴾ [محمد:١٢] لكن حياة الإيمان، حياة القلوب والاتصال، حياة السجدات، حياة التسبيح والتهليل، حياة التوبة والاستغفار، وإني لأ عجب منكم أشد العجب وأسأل الله أن يثبتني وإياكم أن تحلوا في هذه البقعة الظالم أهلها وتحافظوا على مسيرتكم مع الله، حتى أني رأيت من الشباب من يحافظ على جزئيات السنة بيض الله وجهه، ورفع منزلته، جزئيات السنة في بلد كافر ملحد وثني لا يعرف الله، وهذا من الانتصار على الشهوات، وهذا والله من توفيق الله للعدل أن ينتصر في مثل هذا المكان.
حدثنا داعية من الدعاة بسند جيد: أن طالباً من طلابنا المسلمين ذهب إلى لندن في بريطانيا ليدرس -ولندن للإفادة والفائدة عاصمة بريطانيا وصل هذا الطالب المسلم وهو يحمل مبادئ لا إله إلا الله، وتربى على لا إله إلا الله، في قلبه شجرة الإيمان تهز أغصانها كل حين، فكلما أراد أن ينظر قال الإيمان: لا.
وكلما أراد أن يقبل ويغني مع الموسيقى قال الإيمان: لا.
وكلما أراد أن يمد يده إلى الكأس قال الإيمان: لا.
ما تربى على جمع الطوابع والمراسلة وصيد الحمام والدجاج، وأغنية هل رأى الحب سكارى مثلنا، لا.
ذهب هناك مؤمناً يحمل هوية الإيمان، فوصل ثم سكن مع أسرة بريطانية فأدخلوه في البيت مضطراً: ﴿إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ﴾ [الأنعام:١١٩] فلما دخل كان يصلي الفجر في الجو القارس جو الثلج، يقوم إلى الصنبور فيتوضأ، فتقول عجوز بريطانية أعمى الله قلبها، قالت: لماذا لا تؤخر الصلاة عن هذا الوقت؟ قال: ديني أمرني أن أصلي في هذا الوقت، قالت: لو أخرت لأن البرد قارص قال: لو أخرت ما قبل الله مني، فهزت رأسها وقالت: هذه إرادة تكسر الحديد.
ونعم والله إنها إرادة تكسر الفولاذ بل تكسر الصخور، انتصار الإيمان في بلد الطغيان، ولعلمكم حفظكم الله أن هؤلاء يبحثون عن السعادة وأنتم أدرى بذلك، حتى يأتي مؤلف دايل كارنيجي الذي ألف دع القلق وابدأ الحياة أو كارنيدي في لفظ وفي رواية ولا يضر الاختلاف، أتى فألف كتابه هذا كيف تصل إلى السعادة؟ كيف تزيل الهم؟ كيف تقضي على الغم؟ ولكن ما انتصر في الأخير قالوا: وأخذ سكيناً ونحر نفسه، فر من الموت وفي الموت وقع، عجباً لك.
قال حمار الحكيم توما لو أنصف الدهر كنت أُرْكَب
فإنني جاهل بسيط وصاحبي جاهل مركب
يريد أن يهدي أمته ولكن ما اهتدى، ويريد أن يوصل نوراً إلى القلوب ولكن ما وصل النور إلى قلبه، يقول : ﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيراً مِنَ الْجِنِّ وَالْأِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ﴾ [الأعراف:١٧٩] ﴿أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلاً﴾ [الفرقان:٤٤].
стр. 337
حرمان الرزق
وأما المسألة الثانية والأثر الثاني للذنوب والخطايا فهي: حرمان الرزق، وحرمانه على قسمين عند العلماء:
الأول: حرمانه أصلاً ووجوداً.
الثاني: حرمانه بركة ونوراً.
فأصلاً: تجده يعيش مملقاً عديم الرزق، يغلق الله عليه أبواب الرزق، ولذلك صح عن ابن عباس من كلامه أنه قال: [[إن للحسنة لبياضاً في الوجه ونوراً في القلب، وسعة في الرزق، ومحبة في قلوب الخلق، وإن للسيئة سواداً في الوجه، وظلمة في القلب، وضيقاً في الرزق، وبغضاً في قلوب الخلق]] وأما نقصان بركتها: فيغدق الله عليه ولكن نَّعمة لا تسمى نِعمة، ولذلك منع النور هنا، وبعض العلماء يقول: النَّعمة هي: ما يشترك فيها الحيوان والإنسان، والنِّعمة هي: ما يُستعان بها على طاعة الواحد الديان، فالنعمة هنا تجدهم مبخوسين منها لا حظ ولا نصيب ولا متعة ولا استغلال في طاعة المولى ﵎ وذلك حرمان الرزق.
والرزق لا يطلب إلا من الله، وفي المجلد العاشر لـ ابن تيمية أن أبا القاسم المغربي سأل شيخ الإسلام بقوله: دلوني على عمل يقربني من الله، وعلى كتاب بعد القرآن يكون عليه اعتمادي في علم الحديث، وما هي أفضل السبل في طلب الرزق؟ -الشاهد في هذا السؤال، أفضل السبل في طلب الرزق أهي الزراعة أم الصناعة، أم التكنولوجيا، أن أكون ذا دواجن، أو أكون مراسلاً أو ماذا أفعل؟ أي: معنى السؤال، فوصل من فهمه للجواب- قال: أفضل السبل في طلب الرزق الاتكال على الواحد الأحد وتفويض الأمر إليه -انظر جوابات الموحد العظيم العبقري الفذ- وطلب الرزق إليه أنه لا يرزق إلا هو، ولا يعطي ولا يطعم ولا يسقي إلا هو، وليكن هذا الرزق عوناً على طاعته ، فحرمان الرزق -يا أيها الإخوة- من أعظم آثار الذنوب والمعاصي، قال سبحانه: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾ [الأعراف:٩٦] ولكنهم ما آمنوا وما اهتدوا فأغلق الله عليهم أبواب البركات وأحرمهم الخيرات، ولذلك لا عبرة بهذه الكثرة الكافرة فيما يشهده الكافر أو يأكله فليس فيه بركة ولا هداية ولا نور ولا نتيجة.
стр. 338
نسيان العلم
الأثر الثالث: نسيان العلم، نقول: ما لنا ننسى، ما لنا نخطئ، مالنا لا نستحضر المعلومات؟!
و
الجواب
يعود السبب إلى أحد أمرين:
الأول: إما أن أصل الجبلة والفطرة مفطورة على هذا، وليس الذكاء حداً بين الناس أو قاسماً مشتركاً للتقوى، لا.
ابن الراوندي هذا الكلب المعثر المجرم فيلسوف محسوب على الإسلام مثل ابن سينا كان يعترض على أمر الله، قال الذهبي عنه: الكلب المعثر ابن الراوندي الذي أتاه الله ذكاءً ولم يؤته الزكاء، كان ذكياً ولم يكن زكياً، قال الذهبي معلقاً -ولله در الذهبي -: فلعن الله الإلحاد بالذكاء، وحي الله البلادة بالتقوى، ابن الراوندي هذا محسوب على الإسلام وأخذ كسرة خبز على نهر دجلة فيأكلها -وكان ابن الراوندي فقيراً- فمر عليه عبد عنده خيول وبغال وبقر وغنم، فقال ابن الراوندي: لمن هذه؟ قالوا: لفلان قال: سبحان الله! -ويلتفت إلى السماء- يعطي العبد فلان الغبي البليد كذا وكذا ويتركني وأنا من أذكياء العالم ثم قال: هذه قسمة ضيزى ورمى بالخبز في النهر.
وهذا إلحاد ولست أتكلم في ترجمة ابن الراوندي ولكن في نسيان العلم، وأن الذكاء لا يتقيد دائماً بالتقوى؛ لأننا نجد بعض الناس من لا يستحضر النصوص أو لا يعرف التخريج وهو من أفضل عباد الله في التقوى والورع، بل كثير من الأجلة في تاريخ الإسلام لا يحفظون أحاديث، وعندهم من التقوى والورع والقرب من الله أمر عجيب.
ولكن السبب الثاني الذي أريد أن أقوله: الكسبي ﴿فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ﴾ [المائدة:١٣] النسيان ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ﴾ [البقرة:٢٨٢] وبمفهوم المخالفة من لا يتق الله لا يعلمه الله.
والذنب هذا في طلب العلم أمره عجيب، قال ابن الجلاد: نظرت منظراً لا يحل لي، فقال لي أحد الصالحين: أتنظر إلى الحرام؟! والله لتجدن غبه ولو بعد حين، فنسيت القرآن بعد أربعين سنة، ذكر ذلك ابن تيمية ولكن ما ذكر اسم ابن الجلاد، وذكر الذهبي اسم ابن الجلاد وابن الجوزي قال: ابن الجلال ولا يهمنا ابن الجلال ولا ابن الجلاد، ولكن يهمنا العبرة من القصة.
خذا جنب هرشى أو قفاها فإنه كلا جانبي هرشى لهن طريق
وكيع وما أدراك ما وكيع! مدرسة مستقلة في الحديث وكيع بن الجراح الرواسي شيخ الإسلام حافظ الدنيا أمير المؤمنين في الرواية كان خاشعاً، قال الإمام أحمد: ما رأيت أخشع من وكيع.
وكان إذا ذكر الله تنهل دموعه على لحيته، وكان من جهابذة السيرة والسنة، أتاه أحد الناس -قيل: الإمام الشافعي وقيل غيره- قال: يا وكيع! يقول الأطباء: إن الزبيب من أحسن شيء للحفظ - الزهري يرى ذلك، وذكره الذهبي وابن كثير، قيل للزهري الإمام المعتبر محمد بن شهاب الزهري: ما هو أحسن شيء في حفظ الحديث؟ قال: أكل الزبيب، وبعضهم يرى البطاطس، وبعضهم يحذر من الباذنجان كما يحذر ابن القيم من الباذنجان يقول: احذروا من الباذنجان فإنه يفسد الذهن، فقلنا: أما نحن سواءً أكلنا باذنجان أم لم نأكل فذاكرتنا ليست بجيدة، فعلى الأقل لا نخسر الباذنجان- على كل حال، فيقال لهذا العالم- وكيع -: ما هو أحسن دواء في الحفظ؟ قال: "ما رأيت والله للحفظ مثل ترك المعاصي".
لله درك:
شكوت إلى وكيع سوء حفظي فأرشدني إلى ترك المعاصي
وقال اعلم بأن العلم نور ونور الله لا يهدى لعاصي
قال مالك لـ محمد بن إدريس الشافعي: يا محمد! إني أرى عليك نجابة، وإني أرى لك إمامة في هذا الدين، فإياك والمعاصي فإنها تتلف العلوم، أو كما قال، ولذلك قال سبحانه: ﴿وَنَسُوا حَظّاً مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ﴾ [المائدة:١٣] قال ابن تيمية النسيان قد يكون في المعاني وفي الألفاظ بسبب عدم العمل بالعلم، ولذلك قال الله عن بني إسرائيل: ﴿كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَاراً﴾ [الجمعة:٥] الحمار ضع على ظهره فتح الباري ورياض الصالحين وبلوغ المرام لا يتغير ولا يتأثر، والخبث الذي لا يتغير ذكره الله في سورة الأعراف حيث قال عزوجل: ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ * وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ﴾ [الأعراف:١٧٥ - ١٧٦] قال أهل العلم: الكلب إذا ترك في الشمس مد لسانه ولهث، وتدخله الظل مد لسانه ولهث، أي: أنه لا يتغير سواءً بسواء.
إذاً هذا مثل الخبيث الذي لا يستفيد من العلم، ولا يتقي الله في العلم، ولا يوصله العلم إلى رضوان الله، ولذلك ألف الخطيب البغدادي كتاب اقتضاء العلم العمل، يعني: النتيجة من العلم العمل.
الخليل بن أحمد الفراهيدي كان من أذكياء الناس حتى يقولون: قتله ذكاؤه، كان يفكر في الحساب وقال: لأجعلن حساباً تذهب به الجارية إلى البقال فلا يظلمها، فأخذ يتمتم ويفكر وأغمض عينيه فاصطدم بسارية المسجد، وكان الخطأ منه لا من السارية فمات ﵀ رحمة واسعة، إنما الشاهد: الخطيب يقول: رؤي الخليل بن أحمد في المنام قالوا: ما فعل الله بك؟ قال: أرأيتم تلكم العنون والعروض؟ قالوا: نعم.
قال: ذهبت فما نفعني إلا ركعتين كنت أركعهما في السحر، والعروض هي: علم القافية
مفاعلتن مفاعلتن فعولن مفاعلتن مفاعلتن فعولن
وليس معنى ذلك أن نزري بعلم العروض لكن أن المقصود من العلم العمل وتقوى الله الواحد الأحد، ولذلك كم روى أبو بكر للناس، وكم روى معاذ للناس، أحاديث قلائل وما تصدروا للرواية، ولكن كانوا قرآناً يمشي على الأرض ﵃ وأرضاهم، فحذارِ حذارِ.
وأحذر نفسي والمقصرين من أمثالي: أن يجعلوا حواجب المعرفة والحفظ النظرة والنغمة والخطيئة والمعصية والسيئة.
стр. 339
البغض في قلوب الخلق
من آثار الذنوب البغض في قلوب الخلق، الحب هذا من الواحد الأحد يأتي من فوق سبع سماوات، والحب والقبول ليس يصنعه أحد، الجماهير تصنع للجماهير حباً مصطنعاً إذا كان بالحديد والنار، والجماهير تصفق للأشخاص؛ لأن وراءها حديداً وناراً وطوابير وجنوداً وبنوداً، لكن الحب هذا المتلقى من الواحد الأحد، الحب والقبول كما قال البخاري: باب المقة من الله، يقول في باب الرقائق: باب المقة من الله، يقصد: الحب ثم أورد حديث ﴿إذا أحب الله عبداً قال لجبريل: إني أحب فلاناً فيحبه جبريل، ثم ينادي في أهل السماء: إن الله يحب فلاناً فأحبوه فيحبونه، ثم يوضع له القبول في الأرض، وإذا أبغض الله عبداً قال لجبريل: إني أبغض فلاناً فيبغضه جبريل، ويقول للملائكة: إن الله يبغض فلاناً فيبغضونه، ثم يوضع له البغض في الأرض﴾ وفي بعض الروايات وفي سنده نظر ﴿إن الناس يشربون القبول -قبول بعض الناس- في الماء البارد، ويشربون بغضهم في الماء البارد﴾.
ولذلك الحب هذا لا يتصنع فيه، وإنما يطلبه الإنسان المسلم من الله ، ويعرف أنه إذا استقام مع الله رزقه الله قبولاً، وجعل لكلمته تأثيراً، وأتى عليه بالقلوب، قال ابن الجوزي في صيد الخاطر: وقد رأيت نفراً من الناس يتصنعون في كلامهم وفي مشيتهم ويكثرون من الصلاة والصمت والصيام والقلوب تنفر عنهم، ورأيت أناساً يكثرون من المزح ويتوسعون في غير المحرم والقلوب تنصب عليهم أو تلتف عليهم، أو كما قال، فعلمت أن الأمر في السرائر، وفي النيات اللواتي هي خفايا، ولكنها عند الله بادية للعيان.
ومقصودي من هذا أيها الإخوة: أن يعرف العبد أن هذه النكايات والدعايات السيئة، والسمعة الباطلة ضد الأشخاص إنما هي من سوئهم مع الله، ينشر الله له البغض في الجيران والخلان والإخوان والقرى والمدن بسبب أنه عصى الله، قال عثمان ﵁ وأرضاه: [[من تردى برداء ألبسه الله ذلك الرداء]].
ولذلك -والله- نعرف أشخاصاً يريدون أن يحبهم الناس كثيراً، ويحاولون بكل وسيلة إلى ذلك، ويحاولون أن يوجدوا أمراً من الأمور يلفت الأنظار لحبهم، ولكن أبت القلوب، ونعرف أناساً ما حرصوا على حب الناس أو مدحهم أو ثنائهم وأقبلت إليهم القلوب بالدعاء والحب والشوق واللهفة، حتى يتمنى كثير من الناس الجلوس معهم، فعرفنا أن الحب من الواحد الأحد، وأنه هو الذي يعطي ، وهو الذي يمنع بسبب عمل العبد في الخلوة مع الله أو في العلانية، قال أبو الدرداء: [[لو أطاع طائع ربه وراء سبعة أبواب، لأخرج الله آثار طاعته للناس، ولو عصى الله عاصٍ وراء سبعة أبواب، لأخرج الله آثار معصيته للناس]] أو كما قال، وهذا أمر معلوم فإنا ما عرفنا ذنوب الناس وما رأينا خطاياهم، وكثيراً من الفواحش التي يفعلها كثير من الناس ولا يدري بها حتى أبوه وأمه لا يدريان بهذا الذنب والخطيئة لكن البغض يتابعه، وكأن القلوب تقول: فعل شيئاً، وكأنها توحي بأمرٍ الله أعلم به.
стр. 340
الوحشة بين العبد وربه
ومن آثار الذنوب: الوحشة بين العبد وبين ربه، والوحشة أمرها عجيب، ونبأها غريب وسرها ومكمنها أنها تنسي العبد حلاوة الحياة وسعادتها، لا تنعم -والله- بأطفال ولا تهدأ -والله- في بال، ولا تعيش في خير حال، تبدو دائماً قلقاً مشذباً مندداً مزعزعاً حتى يقول ابن القيم: إن العاصي دائماً إذا سمع نفحة من ريح يظن أن الصوت عليه، قال تعالى: ﴿يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ هُمُ الْعَدُوُّ﴾ [المنافقون:٤] ولذلك هو في وحشة، العاصي لو تحرك الباب خاف، لو سمع البوليس انتفض، لو أتت دعاية قال: ضدي، ولذلك:
كاد المريب أن يقول خذوني
فهي وحشة بينه وبين الله لأنه كما قيل: أوصدتم طرق الإجابة والقبول بينكم وبين الله، فكيف تطلبون حلاوة؟
قيل لـ أبي معاذ الرازي: أيجد العبد حلاوة الطاعة إذا هم بالمعصية؟ قال: لا والله، ولو فكر فيها، أي: إذا عمل معصية هل يجد حلاوة الطاعة؟ قال: لا والله، حتى ولو هم بها، مجرد هم لا يجد حلاوة الطاعة من الوحشة.
والوحشة هذه لها آثار منها:
الأول: أن العبد لا يثق في موعود الله، أي: آيات الرجاء، وآيات الخير وآيات الوعد الحسن لا يثق فيها ولا يجد فيها مصداقية، ولذلك يقرأ المصحف ويمر على آيات الجنة ورحمة الله وكأنها ليست بآيات.
الثاني: لا يحسن ظنه بربه في لقائه، ولذلك جعلوا حسن الظن بالله من حسن العمل.
الثالث: أنه لا يتهم نفسه؛ لأنه في وحشة، ولأنه يرى أن ما بينه وبين الله مقطوع، فلا يعيش سهاماً لنفسه، حتى قالوا: إن من أسباب هذا قضية النفاق، قال الحسن البصري: [[لا يخافه إلا مؤمن، ولا يأمنه إلا منافق]] والنفاق والوحشة هذه تصاحب العبد حتى يريد أن يقضي عليها وينهي عليها ببعض المجريات والأمور لكن يأبى الله، الآن بعض الفسقة أكثر الناس ضحكاً لا يضحك مثل الناس بل يقهقه قهقهة؛ لأنه مكبوت، ولأن في قلبه شدة وغلظة وفزعاً وقلقاً وخوفاً فيريد فرصة ينفذ بها إلى هذا المرح، تجده يزجي الأوقات في مجلة خليعة أو أغنية ماجنة أو مسلسل مهدم أو فيديو مخرب أو جلسة لاغية لاهية، ولذلك يخاف إذا سمع القرآن.
والله! لقد سمعنا بعض العصاة إذا سمع الراديو على القرآن يقول: لا، لا، دعونا نرتاح، دعونا نأكل العيش، دعونا نطمئن قليلاً؛ لأن القرآن هذا يستنفر طاقته ويؤنبه ويبكته ويوقفه أمام الله في محاسبة، ويدخل عليه من أقطار الناس ولذلك يخاف ويوجل، إنما يهدأ مع الموسيقى، الموسيقى الإيطالية قبل النوم، أو الألمانية بتهوفن، ولذلك يستيقظ على الموسيقى، ويمسي على الموسيقى.
стр. 341
قسوة القلب أو موته
القضية السادسة: قسوة القلب أو موته وهي درجتان: ذكر في القرآن القفل، والطبع، والران، وهي منازل بل ذكر بعض العلماء أن هناك عشرين منزلة للقلب تبدأ بالغين ﴿إنه ليغان على قلبي﴾ وتنتهي بالقفل، قال : ﴿بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ﴾ [النساء:١٥٥] وقال سبحانه: ﴿أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾ [محمد:٢٤] موت القلب لا يحس.
ومن يهن يسهل الهوان عليه ما لجرح بميت إيلام
قال سيد قطب كذلك في قوله : ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ﴾ [آل عمران:١٣٥] يقول كلاماً معناه: إن ثقل الدم واللحم قد ينتهي في بعض الناس إلى أن يتبلد إحساسه، ولكن تأتي الفطرة الحقة -أو كما قال- فتستيقظ فيعود إلى الله ، وتجد بعض الناس من يرتكب من الذنوب والخطايا مثل الجبال ولكن ما يحس، تقول له: لا تغتاب، قال: الغيبة سهلة، إسبال الثوب، قال: هذه من القشور، حلق اللحى، قال: الأمر سهل ليس الإسلام قضية حلق لحى ولا إسبال ثوب، يفتفت الدين فتفتة ويمزقه تمزيقاً، وما عرف عند السلف قشور ولا لباب، هذه كلمة مستوردة وغير مسئولة ولا يقولها طالب علم، بل الدين لباب كله، أتى به معلم الخير ﵊، بل أتى بلا إله إلا الله، وفي الحديث: ﴿إماطة الأذى عن الطريق صدقة﴾ الحديث فالدين كله لباب.
وقسوة القلب أو موته تأتي من وقوف الإنسان أمام المعاصي والخطايا والزلات، فتجده قاسي القلب لا يتأثر قال سبحانه: ﴿ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ﴾ [البقرة:٧٤] وابن تيمية يرى في درء تعارض العقل والنقل في المجلد الثاني يقول: كل خطاب لبني إسرائيل فإن المقصود به نحن، على قول المثل السائر: "إياك أعني واسمعي يا جارة" نحن المخاطبون بهذا الخطاب، وقال سبحانه: ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ﴾ [الحديد:١٦].
إخوتي في الله! ابن القيم في مدارج السالكين يذكر أسباباً لقسوة القلب منها:
الأول: الذنوب والخطايا، وهذا موضوعنا.
الثاني: كثرة المباحات، مثل: كثرة الكلام بغير ذكر الله، وكثرة الطعام بغير حاجة، وكثرة النوم، وكثرة الخلطة، هذه من أسباب قسوة القلب.
وقد فصلها بكلام عجيب، أما موته فنعوذ بالله من موت القلب: ﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا﴾ [الأنعام:١٢٢].
وأما قسوته فإنها تحدث للمؤمن وسئل عبد الغني المقدسي كما ترجم ابن رجب له في ذيل طبقات الحنابلة أو أبو يعلى في كتاب الطبقات قيل له: ما صحة الحديث: [[أن أبا بكر مر على قوم فوجدهم يبكون -من الصحابة- فقال: كنا كذلك حتى قست قلوبنا]] ويروى عن أبي بكر ذلك، وسببه بعض شواغل الحياة التي تحدث للمؤمن، فقد يقسو قلبه بذلك وهو ليس آثماً في هذا، بسبب شغل مباحٍ أو لم يشتغل بالرقائق مثل: المجاهد في سبيل الله، لا تجد قلبه كالعاكف في المسجد المصلي المسبح يبكي، ولكن المجاهد الذي يعيش مع السيف والدبابة والطائرة قد لا يجد من الرقة مثل ما يجد هذا، والآخر يعذر ويشكر على هذا ولو أن المطلوب فيه أن يكون كاملاً من كل جهة.
أما القسوة التي يلام عليها العبد فهي ترك ذكر الله، والإدبار والإعراض عن تدبر القرآن الكريم، وعدم تذكر الموت ولقاء الله .
стр. 342
ضياع العمر
الأثر السابع: ضياع العمر، كل شيء يتعوض إلا العمر، وكل شيء إذا ذهب ربما تستعيده من طريق أو أخرى إلا العمر.
ما مضى فات المؤمَّلُ غيب ولك الساعة التي أنت فيها
قال سبحانه: ﴿أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ﴾ [فاطر:٣٧] وما تذكر فيه من تذكر موصولة بمعنى: الذي يتذكر ما تذكر، أو مصدرية أي: تذكر من يتذكر في هذه الحياة، وقال سبحانه: ﴿قَالَ كَمْ لَبِثْتُمْ فِي الْأَرْضِ عَدَدَ سِنِينَ * قَالُوا لَبِثْنَا يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ فاسْأَلِ الْعَادِّينَ﴾ [المؤمنون:١١٢ - ١١٣] فلامهم الله فقال: ﴿قَالَ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا قَلِيلاً لَوْ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ * أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لا تُرْجَعُونَ * فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ﴾ [المؤمنون:١١٤ - ١١٦].
عند البخاري عن ابن عباس مرفوعاً ﴿نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس الصحة والفراغ﴾ وأعظم ما يضيع العمر الغالي المعاصي، وأحرص ما حرص عليه السلف الصالح العمر، وإذا أتت المعاصي ذهبت الدنيا والآخرة والعياذ بالله، إن السلف كانوا يخافون من المباحات على الأوقات، والآن نحن أخذتنا المعاصي لا المباحات في الأوقات، فأسأل الله أن يتوب علينا وعليكم.
قيل لـ كرز بن وبرة -أحد العباد-: اجلس معنا، قال: امسك الشمس وأجلس معك، معناه: الشمس تذهب وتأتي وتقرب الأعمار.
نروح ونغدو لحاجاتنا وحاجة من عاش لا تنقضي
تموت مع المرء حاجاته وتبقى له حاجة ما بقي
أشاب الصغير وأفنى الكبير كر الغداة ومر العشي
إذا ليلة هرمت يومها أتى بعد ذلك يوم فتي
وقال آخر:
دقات قلب المرء قائلة له إن الحياة دقائق وثواني
وإن من المآسي التي شهدها كثير من المسلمين -فأنا لا أتحدث عن الكفار، فهؤلاء لا حسبان لهم في هذا الكلام، وهؤلاء في منأى، هؤلاء لا يوجه لهم الكلام؛ لأنهم أبطلوا وصولهم وضيعوا اتجاههم مع الله ، لكن على المسلمين- أعظم ما مني به المسلمون -إلا من رحم ربك- ضياع الوقت، ضياع العمر، فكيف إذا كان في المعاصي؟! كيف إذا كان في الخطايا؟!
стр. 343
عواقب الذنوب في الآخرة
أما آخر عقوبة للمعاصي -يا طلبة العلم ويا أهل الفضل والخير- فهي عقوبات في الآخرة ذكرها الله في كتابه ورسوله ﵊ وتوعد بها، فللزاني عقوبة، ولشارب الخمر عقوبة من نوع آخر، وللقاتل عقوبة، وللكاذب عقوبة، ولعاق الوالدين عقوبة، فنعوذ بالله من عقوبات الله، ومن غضبه، ومن شر أليم عذابه.
﴿رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِياً يُنَادِي لِلْإِيمَانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ الْأَبْرَارِ﴾ [آل عمران:١٩٣] وأنا لا أملك إلا أن أقول في ختام هذه المحاضرة قبل الأسئلة بيتين جميلين يقول أحد الصالحين:
يا رب إن الملوك إذا شابت عبيدهم في رقهم عتقوهم عتق أبرار
وأنت يا خالقي أولى بذا كرماً لقد شبت في الرق فاعتقنا من النار
إنها -والله- مقصد كل مؤمن أن يعتق من النار ﴿فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ﴾ [آل عمران:١٨٥] ﴿رَبَّنَا إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ﴾ [آل عمران:١٩٢] تهاوت الشهادات، واحترقت الشهرة، وضاع الظهور، وانتهت المناصب، وتدكدكت الوظائف، وما بقي إلا وجه الله، والعمل له سبحانه، والإخلاص لطلب ما عنده.
﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ * وَسَلامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ * وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الصافات:١٨٠ - ١٨٢] وسلام الله عليكم ورحمته وبركاته.
стр. 344
الأسئلة
стр. 345
من جمع بين الخلق والدين سهلت محبته
السؤال
ذكرت في أثناء المحاضرة أن من أحبه الله أحبه الناس، ولكن نجد في عالمنا المعاصر أناساً -أشراراً- وهو محبوبون من كثير من الناس المسلمين، ونجد أخياراً وهم مكروهون من قبل المسلمين، فكيف يكون ذلك؟
الجواب
الذي قاله الأخ الكريم مخالف للنقل والعقل والحس والعادة، والدليل على ذلك من النقل ما سمعتم من المحاضرة، وأما من العقل فإنا نقول: يستحيل ذلك، فإن الناس كما يقول ابن تيمية في المجلد الأول من الفتاوى: إنما يحب بعضهم بعضاً على منافع، ثم قال: من استغنيت عنه فأنت نظيره، ومن احتاج إليك فأنت أميره، ومن احتجت إليه فأنت أسيره.
هذه مثل كلمة الخليل بن أحمد تحتاج إلى حفظ وشرح، يقول الخليل بن أحمد: الناس أربعة: رجل يدري ويدري أنه يدري، فذاك عالم فاسألوه، ورجل يدري ولا يدري أنه يدري، فذاك غافل فنبهوه، ورجل لا يدري ويدري أنه لا يدري، فذاك جاهل فعلموه، ورجل لا يدري ولا يدري أنه لا يدري، فذاك أحمق فاتركوه.
إنما المقصود هنا: أنا أقول للأخ: من أين حصلت لنا على هذه الوثائق والبراهين والأدلة؟ لعلك رأيت نماذج، لكن أقول: على خلاف ما ظننته وزعمت حفظك الله، يعني: من جلوسي في هذا المكان نتكلم عن هذه القضية.
فهي ليست عداوة فحسب، لكن الوثائق التي ذكرها الأخ ليس عنده أدلة وبراهين على ما قال، نقول: إن سبب حب الأشرار من بعض الناس من المسلمين لمصالح، ولذلك جعل الحب في الله أن تحبه ليس إلا لله، واجتمعا في الله وافترقا عليه لله، وأما كره بعض الصالحين فلأسباب، فإنه قد يوجد سبب عند بعض الصالحين تكرههم من أجله حتى إن كان من الأخيار، مثل بعض الناس خيِّر يقوم الليل، ويصوم النهار، ويصلي ركعتي الضحى، ويقرأ القرآن، ويتوجه إلى الله، لكن فيه شراسة تقطع الحبال، أي: إذا نظرت إليه تقول: أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق، وإذا تكلمت معه ما يمكن، حتى وجد في تاريخ الإسلام تراجم لبعض العلماء ما كان إلا بالضرب، العصا جاهزة، ولذلك تجد من بعض طلابهم والصالحين كراهية لهم لهذا السبب، وتجد في بعض الأشرار دواعٍ وأسباباً مع فجوره تحببه لهذا مثل ماذا؟ مثل: أنه خلوق يستقبلك بابتسامة وبمعانقة وبحرارة، فيحبه حباً وقتياً لمنفعة خاصة.
إذاً قد بطل السؤال من أوله إلى آخره والحمد لله وأصبح ﴿قَاعاً صَفْصَفاً * لا تَرَى فِيهَا عِوَجاً وَلا أَمْتاً﴾ [طه:١٠٦ - ١٠٧].
стр. 346
الطاعة تؤدي إلى انشراح الصدر حتماً
السؤال
تعرضتم لقضية انشراح الصدر مع الطاعة والإيمان، ولكن نجد بعض أهل الإيمان من الصالحين يصاب بأشياء يقال: بأنها أمراض نفسية مثل: الهم والحزن والاكتئاب وضيق الصدر، فهل هذا يعني أن في إيمانه خللاً أو في إخلاصه، أم أنها أمراض مثل أمراض الجسد مع التعقيب على ضوء الآية: ﴿فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلامِ﴾ [الأنعام:١٢٥].
الجواب
يا أخي! ما ذكرته صحيح وهو واقع ويحمل على أحد محملين اثنين:
المحمل الأول: أن يعاقب العبد بسبب ذنوبه بهذه الأمور، كأن يكون ناقص الإخلاص فيصاب بهم وغم وحزن، أو ينظر نظرة غير مسئولة محرمة، أو يسمع أغنية -وما أعني بذلك أنه خرج من الإسلام- فيصاب بكدورات وعقوبات وسيئات وجزاءات في الحياة الدنيا.
المحمل الثاني: يقولون: أن تكون رفعاً لمنزلته، أي: قضاءً وقدراً من الله ليرفع منزلته فيبلى عليها ويؤجر عليها إذا صبر، كالمرض العضوي، كالحمى، ومرض السرطان وغيره من الأمراض، يصاب بهذا فيرفع الله منزلته، واختلف العلماء من أرباب القلوب، هل أعظم الطرق لانشراح الصدر السرور أم الحزن وتذكر ما عند الله والقلق من هذه الحياة؟ قال الحسن البصري: طريق الحزن، وأتى ابن القيم مع أبي إسماعيل الهروي بمنزلة من منازل ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة:٥] قال: ومن منازل ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة:٥] منزلة الحزن، ثم أتى بحديث ضعيف عن المصطفى ﵇ قال: ﴿وكان متتابع الأحزان﴾ ولكن شيخ الإسلام الأستاذ الكبير ذاك يقول: الحزن ليس من منازل السائرين إلى الله، ولا يؤجر عليه العبد إلا إذا كانت مصيبة صبر لها واحتسب، ولا يطلب من العبد أن يكون حزيناً، بل الرسول ﷺ أشرح الناس صدراً: ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ﴾ [الشرح:١] فتش في جوانحك وابحث في خفاياك أما وجدناك أشرح الناس صدراً.
إذاً فليس الحزن مطلوب وليس من منازل ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة:٥] وهذه المنزلة التي ذكرها ابن القيم ﵀ ليست بصحيحة وحديثها ضعيف -فليعلم ذلك- وإنما يكون على أمرين: إما ذنب فيكون جزع، وإما أن يقدر على العبد فيرفع به منزلته فيكون مما يثاب عليه العبد مثل: الأمراض العضوية فليعلم هذا.
стр. 347
غسيل الذنوب التوبة
السؤال
ذكرت أن آثار الذنوب، ولكن أود أن أعرف كيفية غسل هذه الذنوب؟
الجواب
هي لا تغسل بشامبو ولا بصابون، وإنما تغسل بالاستغفار والتوبة ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [آل عمران:١٣٥] وخاصة للمبتدئ، الطرق يا أخي معروفة، الطريقة المحمدية الشرعية، تبدأ بالصلوات الخمس في المسجد، وتبدأ بتدبر القرآن وبالاستغفار، وأمور التخلية عن المعاصي أمرها عظيم، فغض البصر، يستهين به بعض الناس حتى من المستقيمين، ووالله ما يفتك بالإيمان مثل إطلاق البصر، وإنه أسباب كل شر.
حتى ابن القيم وهو يكتب عن آثار إطلاق البصر نسي نفسه، وأتي بكتاب الجواب الكافي في إطلاق البصر، بل بعضهم نظر نظرة أودت بإيمانه وبحياته ومستقبله مع الله، هذا ثم قس على الذنوب ذلك، فلذلك أرى التخلي عن المعاصي.
رأيت الذنوب تميت القلوب وقد يورث الذل إدمانها
وترك الذنوب حياة القلوب وخير لنفسك عصيانها
أيها الإخوة! سلام الله عليكم ورحمته وبركاته، وإلى لقاء آخر، وإني لأعتذر عن بقية الأسئلة لضيق الوقت.
стр. 348
أبو بكر في عصر الذرة
قال رسول الله ﷺ : (ما طلعت الشمس ولا غربت على رجل بعد النبيين أفضل من أبي بكر) ولذلك فإنه هو الرجل الأول بعد رسول الله ﷺ ، وتولى خلافة الأمة بعده؛ فقاد الأمة إلى بر الأمان، وفي هذا الدرس تلخيص ممتع وشيق عن حياة الصديق ﵁ وأرضاه.
стр. 349
مقدمة عن سيرة أبي بكر الصديق
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.
سلام الله عليكم ورحمته وبركاته، عنوان هذه المحاضرة: (أبو بكر الصديق في عصر الذرة) وقد سلف الحديث في المحاضرة السابقة عن الفاروق في القرن العشرين، ولكن حول هذا العنوان في الرياض بعنوان الفاروق في القرن الخامس عشر، وقلت هناك: إن طلبة الابتدائية يعرفون متى ولد عمر، ومتى توفي، ولكن كثيراً من أساتذة الجامعات لا يعرفون عدل عمر، ولا صدق عمر، ولا إخلاص عمر، ولا حياة عمر.
وأقول هذه الليلة كما قلت هناك: إن طلبة الابتدائية عندنا يعرفون متى ولد أبو بكر، ومتى توفي، ويعرفون جملاً من حياته؛ لكن الكبار، وكثيراً من أساتذة الجامعات لا يعرفون أسراراً في حياة أبي بكر ﵁ وأرضاه.
стр. 350
الرجل الأول
الآن نبدأ مع أبي بكر الصديق، مع الرجل الأول في الإسلام، والأول في الذكر بعد الرسول ﵊، والأول في الصدقة، والأول في الجهاد.
ذكره ابن القيم فإذا هو الأول دائماً قال:
من لي بمثل سيرك المدلل تمشي رويداً وتجي في الأول
ويوم القيامة يفتح الله أبواب الجنة الثمانية، فيدعى الذاكرون، فإذا الأول أبو بكر، ويدعى المتصدقون، فإذا الأول أبو بكر، ويدعى المجاهدون، فإذا الأول أبو بكر، ويدعى الصائمون، فإذا الأول أبو بكر؛ أي طاقة في هذا الرجل؟!
وسوف تعلمون أن من المفاجآت العجيبة أن هذا الرجل العظيم الذي قاد الأمة في الخلافة، وبويع بعد الرسول ﵊، كان نحيف الجسم، هزيل البنية، لكن عنده همة تمر مر السحاب، صنع الله الذي أحسن كل شيء.
стр. 351
جوانب الحديث عن شخصية الصديق
وأنا -أيها الأبرار- لا أدخل في تفصيلات حياة أبي بكر، أنا لا أحدثكم هذه الليلة عن أكله وشربه، ولا عن طعامه وشرابه، ولا عن لباسه، ولا عن زوجاته، ولا عن أطفاله؛ فهذا يسمى تاريخ الأموات.
لكني أحدثكم عن صدقه، وورعه، وعدله، وزهده، وخشيته، وصرامته، وشجاعته، وصبره، وكرمه، وحلمه ﵁ وأرضاه.
لماذا كان أبو بكر الصديق في عصر الذرة؟
لأن العالم اليوم وصل إلى الذرة في العلم، لكنه وصل إلى الحضيض في الروح، وقد أكد ذلك علماؤهم؛ مثل: كريس موريسون، صاحب الإنسان لا يقوم وحده ومثل: أليكسيس كارل، وصاحب الإنسان ذلك المجهول، كلهم يؤكدون هذا، فكيف نأتي بـ أبي بكر في القرن هذا؟!
كل منكم يجعل من نفسه مثل أبي بكر، وكلٌ منكم يجعل من نفسه تلميذاً لـ أبي بكر يوم يسمع أخبار أبي بكر، فنقتدي بأخباره ﵁ وأرضاه.
стр. 352
صفات أبي بكر قبل الإسلام
أولاً: دعونا نعيش مع أبي بكر في الجاهلية قبل الإسلام، أي رجل كان؟
قال السيوطي: كان أبو بكر ﵁ وأرضاه أعف الناس في الجاهلية.
أخرج ابن عساكر بسند صحيح في تاريخ دمشق عن عائشة ﵂، قالت: [[والله ما قال أبو بكر شعراً قط في الجاهلية، ولا في الإسلام، ولقد ترك هو وعثمان شرب الخمر في الجاهلية]].
بعض الناس كانوا عقلاء في الجاهلية لا يشربون الخمر، منهم: أبو بكر الصديق، وكان حاتم الطائي لا يشرب الخمر أبداً؛ وهذا من كرمهم، وكان عنترة بن شداد لا ينظر إلى النساء الأجنبيات، إذا خرجت جارته من الخيمة غض طرفه، وقال:
وأغض طرفي إن بدت لي جارتي حتى يواري جارتي مأواها
وهذا من كرمه.
стр. 353
أبو بكر والشعر
أما قول عائشة: (ما قال شعراً قط) فلعلها ما بلغها أن أبا بكر، قد قال بعض الأشعار، وسوف تمر بنا بعض الأبيات لـ أبي بكر وإلا فقد كان أفصح الناس، وكان يتكلم بالخطبة ارتجالاً فيصدع الجلوس والسامعين، وكان نساباً؛ يعرف أنساب العرب، وأسرار العرب، وبيوت العرب.
وأما شرب الخمر فأعاذه الله منها حتى في الجاهلية، وكان يسمى العتيق، كان يعتق الرقاب، وهو الذي أعتق بلال بن رباح، فقال عمر: [[أبو بكر سيدنا وأعتق سيدنا]] أي: بلالاً.
ثم قال ابن عساكر: وعن أبي العالية الرياحي: ﴿قيل لـ أبي بكر في مجمع من أصحاب رسول الله ﷺ .
هل شربت الخمر في الجاهلية؟
فقال: أعوذ بالله.
فقيل: ولم؟
قال: كنت أصون عرضي، وأحفظ مروءتي، فإن من شرب الخمر كان مضيعاً في عرضه، ومروءته، فبلغ ذلك رسول الله ﷺ ، فقال: صدق أبو بكر، صدق أبو بكر مرتين﴾ وهذا مرسل غريب سنداً ومتناً.
أيها الإخوة: كان شرب الخمر في الجاهلية منقصة، إنما يشربها المتهورون، وأما في الإسلام فانتهى الأمر، فأصبح فيها حد.
وفي محاضرة الفاروق في القرن الخامس عشر، ورد أن عمر أرسل أميراً إلى العراق، هذا الأمير من قريش، فأتى في ليلة من الليالي كان ينشد مع بناته في البيت، وقال لهم:
اسقني شربةً ألذ عليها واسق بالله مثلها ابن هشام
يقول: أيها الساقي، يا ساقي الخمر، اسقني شربة ألذ عليها، واسق مثلها ابن هشام زميله في العمل، وكان أميراً لـ عمر، طار هذا البيت بواسطة المراسلات حتى وصل إلى عمر، فاستدعاه عمر، قال: تعال، ما معنى هذا البيت؟
قال: ما هو يا أمير المؤمنين؟
قال:
اسقني شربةً ألذ عليها واسق بالله مثلها ابن هشام
معناه: اسقني خمراً! قال: يا أمير المؤمنين! أنا قلت بيتين لا بيتاً واحداً -كان ذكياً- قال: والبيت الثاني ما هو؟
قال:
عسلاً بارداً بماء سحابٍ إنني لا أحب شرب المدامِ
قال عمر: أما أنت فقد أنقذت نفسك من حد الثمانين، لكن والله لا تلي لي ولاية بعدها، وعزله بمرسوم.
باللعب والانحراف تضيع الأمة، فهو لا يجوز وهو حرام، فعزله وأتى برجلٍ آخر.
стр. 354
صفة أبي بكر الخَلْقية
أما صفة أبي بكر، فاسمعوا لصفة الرجل في الجسم، حتى تتصوروا هذا العالم الكبير الذي زكَّاه الله، وتنورت به منابر المسلمين، وأصبح يذكر في كل صباح ومساء.
أخرج ابن سعد عن عائشة ﵂ أن رجلاً قال لها: صفي لنا أبا بكر الصديق ﵁ وأرضاه، فقالت: [[رجل أبيض -والإسلام لا يعترف بأبيض ولا أسود ولا أحمر ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات:١٣]- نحيف]] أي: كان هزيل الجسم، وكبر الجسم وصغره لا يضر ولا يهم، المهم القلب، والله عندما ذكر القلوب، قال: ﴿لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لا يَسْمَعُونَ بِهَا﴾ [الأعراف:١٧٩] وأما الأجسام فإنها قد تكون كبيرة لكنها تكون هزيلة عند الله، أنظر مثلاً إلى جسم عبد الله بن أبي بن سلول، يقولون: كان يكاد أن يصطدم رأسه بسقف البيت، قال الله: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ وَإِنْ يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ﴾ [المنافقون:٤] مع العلم أن ابن مسعود كان نحيفاً كالصقر، حتى يقول ﵊: ﴿أتعجبون من دقة ساقيه، والذي نفسي بيده إنهما في الميزان يوم القيامة أثقل من جبل أحد﴾.
[[خفيف العارضين -وكانت لحيته خفيفة - وقيل: كان منحنياً، وقيل: كان متقدم الجبهة، لا يستمسك إزاره يسترخي على حقويه]] من ضعفه إزاره دائماً يرفعه من هنا ومن هنا، هذا الرجل كان ضعيفاً جداً جداً، حتى يقول: ﴿يا رسول الله! إن إزاري يسترخي إلا أن أتعاهده، فهل أنا ممن يجر إزاره خيلاء؟
قال: لست ممن يفعل ذلك﴾ يعني: أعاذك الله، من أين لك الكبر، وأنت سيد من سادات المؤمنين؟!
[[معروق الوجه -أي: نحيف الوجه- غائر العينين -داخلة في رأسه- ناتئ الجبهة، عاري الأشاجع]] هذه صفته، أي: ما على ذراعيه من اللحم إلا القليل، [[وكان من أكرم الناس]] صحافه تتابعه في بيوته، والأطفال معه يدخلون والمساكين، وكان كثير المال كما سوف يأتي معنا، لكن لا يمسك من المال شيئاً، وآتاه الله من الرزق حلالاً طيباً، وكان من تجار الصحابة، ومع ذلك أعطى الإسلام دمه، وماله، ودموعه، وكل ما عنده، والذي لا يعطي الإسلام في هذه الحياة فالله ليس في حاجة إليه يوم القيامة، وإذا أصبح في القبر فلن يعطي وسوف يموت بغمه وهمه، وماله وبال عليه، وسوف يموت بحسرته.
يقول زهير:
ومن يك ذا مالٍ فيبخل بماله على قومه يستغنَ عنه ويذممِ
هل سمعتم أن أحداً احتاج له الناس فبخل عليهم، فاحتاجوا له مرة ثانية؟ لا، قاطعوه، والله يقول: ﴿وَاسْتَغْنَى اللَّهُ وَاللَّهُ غَنِيٌّ حَمِيدٌ﴾ [التغابن:٦].
стр. 355
إسلام أبي بكر
اسمع إلى إسلام الرجل العظيم ﵁ وأرضاه يقول الشعبي: سألت ابن عباس: أي الناس كان أول إسلاماً؟
قال: أبو بكر الصديق، ألم تسمع قول حسان؛ حسان يقول قصيدة في أبي بكر، والرسول ﷺ على المنبر، يدافع ﷺ عن أبي بكر في المنبر؛ لأن أبا بكر سمع فيه مقالة، تعرضوا لعرضه، فقام ﷺ يدافع عن صاحبه، وكان في الصف الأول أبو بكر، وقال: ﴿ألستم بتاركي لي صاحبي؟ يا حسان أين أنت؟ أما قلت في أبي بكر شيئاً؟﴾ لأن الشعر عند العرب مثل التقويم فهو توثيق، يقول: أسمعني شعراً في أبي بكر، قال حسان، وقام وسط المجلس:
إذا تذكرت شجواً من أخي ثقةٍ فاذكر أخاك أبا بكر بما فعلا
خير البرية أتقاها وأرفعها بعد النبي وأوفاها بما حملا
والتالي الثاني المحمود شيمته وأول الناس طراً صدق الرسلا
ثم استمر في القصيدة، يقول الثاني التالي، ما هو الثاني التالي ﴿ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ﴾ [التوبة:٤٠] لم يكن في الغار إلا الرسول ﷺ وأبو بكر، ولم يكن معه أحد، وأبو بكر من أول أيامه في الإسلام حتى أتى كفار قريش يريدون دخول الغار، فتسلقوا على سطح الغار، وكان أبو بكر خائفاً على حياة رسول الله ﷺ وكان رسول الله مطمئناً؛ لأن الرسول ﷺ مؤيد بالسكينة، وبعض المفسرين يقول: إن السكينة نزلت على أبي بكر، ولم تنزل على الرسول ﷺ ، لأنه في السكينة لم يزل، كان يتبسم ﵊ وهو ينظر، يقول أحمد شوقي:
وإذا العناية لاحظتك عيونها نم فالحوادث كلهن أمانُ
يقول: إذا لاحظك الله، من عنايته، فنم ولو في أفواه الحيات، ولو على نيوب الأسود، وأما إذا لم تلاحظ عناية الله، فوالله لو كنت في الدور العاشر ومعك سبعون ألفاً من الحرس، فلن تكفيك.
شاو سوسكو؛ مجرم رومانيا كان عنده من الشرطة السرية سبعون ألف مدجج بالسلاح، أخذه الشعب وسحبوه مثل الكلب، وذبحوه على الرصيف، وأين الحراسة؟!
وعمر ﵁ وأرضاه كان ينام تحت الشجرة، ويأتي الهرمزان ويراه نائماً بلا حرس، قال: ما عنده حرس؟! قالوا: ما عنده حرس.
قال: حكمت، فعدلت، فأمنت، فنمت.
فيقول أبو بكر: ﴿يا رسول الله، والله لو نظر أحدهم إلى موطن قدمه لرآنا.
قال: يا أبا بكر ما ظنك باثنين الله ثالثهما؟!﴾ ﴿إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾ [التوبة:٤٠].
وهناك قصيدة سوف تسمعونها قريباً اسمها: مع صاحب الغار، وإلا فـ البردوني شاعر اليمن له قصيدة في الغار وهي عجيبة، وهو ما زال حياً لكنه منحرف، وقد أجاد في هذه القصيدة، يقول:
بشرى من الغيب ألقت في فم الغار وحياً وأفضت إلى الدنيا بأسرار
بشرى النبوة طافت كالشذا سحراً وأعلنت في الدنا ميلاد أنوارِ
وشقت الصمت والأنسام تحملها تحت السكينة من دار إلى دارِ
وهي ما يقارب مائة بيت، في مدح الرسول ﵊.
ويقول أحد أهل العلم: سألت ميمون بن مهران، قلت: علي أفضل عندك أم أبو بكر وعمر؟
قال: فارتعد حتى سقطت عصاه من يده.
ثم قال: ما كنت أظن أن أبقى إلى زمانٍ يعدل بهما، لله درهما! كانا رأس الإسلام.
قلت: فـ أبو بكر كان أول إسلاماً من علي؟
قال: والله قد آمن أبو بكر بالنبي ﷺ زمن بحيرا الراهب حين مر به، واختلف فيما بينه وبين خديجة، حتى أنكحها إياه، وذلك كله قبل أن يولد علي بن أبي طالب ﵁ وأرضاه.
ويمضي أبو بكر، ويتقدم إلى الإسلام طائعاً، يقول ﵊ فيما أخرجه أبو نعيم وابن عساكر عن ابن عباس: ﴿ما كلمت في الإسلام أحداً إلا أبى عليَّ -أي: رفض وتلكأ- وراجعني الكلام إلا ابن أبي قحافة فإني لم أكلمه في شيء إلا قبله واستقام عليه﴾.
следующие страницы →