Полный текст (10 391 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.
стр. 351
جوانب الحديث عن شخصية الصديق
وأنا -أيها الأبرار- لا أدخل في تفصيلات حياة أبي بكر، أنا لا أحدثكم هذه الليلة عن أكله وشربه، ولا عن طعامه وشرابه، ولا عن لباسه، ولا عن زوجاته، ولا عن أطفاله؛ فهذا يسمى تاريخ الأموات.
لكني أحدثكم عن صدقه، وورعه، وعدله، وزهده، وخشيته، وصرامته، وشجاعته، وصبره، وكرمه، وحلمه ﵁ وأرضاه.
لماذا كان أبو بكر الصديق في عصر الذرة؟
لأن العالم اليوم وصل إلى الذرة في العلم، لكنه وصل إلى الحضيض في الروح، وقد أكد ذلك علماؤهم؛ مثل: كريس موريسون، صاحب الإنسان لا يقوم وحده ومثل: أليكسيس كارل، وصاحب الإنسان ذلك المجهول، كلهم يؤكدون هذا، فكيف نأتي بـ أبي بكر في القرن هذا؟!
كل منكم يجعل من نفسه مثل أبي بكر، وكلٌ منكم يجعل من نفسه تلميذاً لـ أبي بكر يوم يسمع أخبار أبي بكر، فنقتدي بأخباره ﵁ وأرضاه.
стр. 352
صفات أبي بكر قبل الإسلام
أولاً: دعونا نعيش مع أبي بكر في الجاهلية قبل الإسلام، أي رجل كان؟
قال السيوطي: كان أبو بكر ﵁ وأرضاه أعف الناس في الجاهلية.
أخرج ابن عساكر بسند صحيح في تاريخ دمشق عن عائشة ﵂، قالت: [[والله ما قال أبو بكر شعراً قط في الجاهلية، ولا في الإسلام، ولقد ترك هو وعثمان شرب الخمر في الجاهلية]].
بعض الناس كانوا عقلاء في الجاهلية لا يشربون الخمر، منهم: أبو بكر الصديق، وكان حاتم الطائي لا يشرب الخمر أبداً؛ وهذا من كرمهم، وكان عنترة بن شداد لا ينظر إلى النساء الأجنبيات، إذا خرجت جارته من الخيمة غض طرفه، وقال:
وأغض طرفي إن بدت لي جارتي حتى يواري جارتي مأواها
وهذا من كرمه.
стр. 353
أبو بكر والشعر
أما قول عائشة: (ما قال شعراً قط) فلعلها ما بلغها أن أبا بكر، قد قال بعض الأشعار، وسوف تمر بنا بعض الأبيات لـ أبي بكر وإلا فقد كان أفصح الناس، وكان يتكلم بالخطبة ارتجالاً فيصدع الجلوس والسامعين، وكان نساباً؛ يعرف أنساب العرب، وأسرار العرب، وبيوت العرب.
وأما شرب الخمر فأعاذه الله منها حتى في الجاهلية، وكان يسمى العتيق، كان يعتق الرقاب، وهو الذي أعتق بلال بن رباح، فقال عمر: [[أبو بكر سيدنا وأعتق سيدنا]] أي: بلالاً.
ثم قال ابن عساكر: وعن أبي العالية الرياحي: ﴿قيل لـ أبي بكر في مجمع من أصحاب رسول الله ﷺ .
هل شربت الخمر في الجاهلية؟
فقال: أعوذ بالله.
فقيل: ولم؟
قال: كنت أصون عرضي، وأحفظ مروءتي، فإن من شرب الخمر كان مضيعاً في عرضه، ومروءته، فبلغ ذلك رسول الله ﷺ ، فقال: صدق أبو بكر، صدق أبو بكر مرتين﴾ وهذا مرسل غريب سنداً ومتناً.
أيها الإخوة: كان شرب الخمر في الجاهلية منقصة، إنما يشربها المتهورون، وأما في الإسلام فانتهى الأمر، فأصبح فيها حد.
وفي محاضرة الفاروق في القرن الخامس عشر، ورد أن عمر أرسل أميراً إلى العراق، هذا الأمير من قريش، فأتى في ليلة من الليالي كان ينشد مع بناته في البيت، وقال لهم:
اسقني شربةً ألذ عليها واسق بالله مثلها ابن هشام
يقول: أيها الساقي، يا ساقي الخمر، اسقني شربة ألذ عليها، واسق مثلها ابن هشام زميله في العمل، وكان أميراً لـ عمر، طار هذا البيت بواسطة المراسلات حتى وصل إلى عمر، فاستدعاه عمر، قال: تعال، ما معنى هذا البيت؟
قال: ما هو يا أمير المؤمنين؟
قال:
اسقني شربةً ألذ عليها واسق بالله مثلها ابن هشام
معناه: اسقني خمراً! قال: يا أمير المؤمنين! أنا قلت بيتين لا بيتاً واحداً -كان ذكياً- قال: والبيت الثاني ما هو؟
قال:
عسلاً بارداً بماء سحابٍ إنني لا أحب شرب المدامِ
قال عمر: أما أنت فقد أنقذت نفسك من حد الثمانين، لكن والله لا تلي لي ولاية بعدها، وعزله بمرسوم.
باللعب والانحراف تضيع الأمة، فهو لا يجوز وهو حرام، فعزله وأتى برجلٍ آخر.
стр. 354
صفة أبي بكر الخَلْقية
أما صفة أبي بكر، فاسمعوا لصفة الرجل في الجسم، حتى تتصوروا هذا العالم الكبير الذي زكَّاه الله، وتنورت به منابر المسلمين، وأصبح يذكر في كل صباح ومساء.
أخرج ابن سعد عن عائشة ﵂ أن رجلاً قال لها: صفي لنا أبا بكر الصديق ﵁ وأرضاه، فقالت: [[رجل أبيض -والإسلام لا يعترف بأبيض ولا أسود ولا أحمر ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات:١٣]- نحيف]] أي: كان هزيل الجسم، وكبر الجسم وصغره لا يضر ولا يهم، المهم القلب، والله عندما ذكر القلوب، قال: ﴿لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لا يَسْمَعُونَ بِهَا﴾ [الأعراف:١٧٩] وأما الأجسام فإنها قد تكون كبيرة لكنها تكون هزيلة عند الله، أنظر مثلاً إلى جسم عبد الله بن أبي بن سلول، يقولون: كان يكاد أن يصطدم رأسه بسقف البيت، قال الله: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ وَإِنْ يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ﴾ [المنافقون:٤] مع العلم أن ابن مسعود كان نحيفاً كالصقر، حتى يقول ﵊: ﴿أتعجبون من دقة ساقيه، والذي نفسي بيده إنهما في الميزان يوم القيامة أثقل من جبل أحد﴾.
[[خفيف العارضين -وكانت لحيته خفيفة - وقيل: كان منحنياً، وقيل: كان متقدم الجبهة، لا يستمسك إزاره يسترخي على حقويه]] من ضعفه إزاره دائماً يرفعه من هنا ومن هنا، هذا الرجل كان ضعيفاً جداً جداً، حتى يقول: ﴿يا رسول الله! إن إزاري يسترخي إلا أن أتعاهده، فهل أنا ممن يجر إزاره خيلاء؟
قال: لست ممن يفعل ذلك﴾ يعني: أعاذك الله، من أين لك الكبر، وأنت سيد من سادات المؤمنين؟!
[[معروق الوجه -أي: نحيف الوجه- غائر العينين -داخلة في رأسه- ناتئ الجبهة، عاري الأشاجع]] هذه صفته، أي: ما على ذراعيه من اللحم إلا القليل، [[وكان من أكرم الناس]] صحافه تتابعه في بيوته، والأطفال معه يدخلون والمساكين، وكان كثير المال كما سوف يأتي معنا، لكن لا يمسك من المال شيئاً، وآتاه الله من الرزق حلالاً طيباً، وكان من تجار الصحابة، ومع ذلك أعطى الإسلام دمه، وماله، ودموعه، وكل ما عنده، والذي لا يعطي الإسلام في هذه الحياة فالله ليس في حاجة إليه يوم القيامة، وإذا أصبح في القبر فلن يعطي وسوف يموت بغمه وهمه، وماله وبال عليه، وسوف يموت بحسرته.
يقول زهير:
ومن يك ذا مالٍ فيبخل بماله على قومه يستغنَ عنه ويذممِ
هل سمعتم أن أحداً احتاج له الناس فبخل عليهم، فاحتاجوا له مرة ثانية؟ لا، قاطعوه، والله يقول: ﴿وَاسْتَغْنَى اللَّهُ وَاللَّهُ غَنِيٌّ حَمِيدٌ﴾ [التغابن:٦].
стр. 355
إسلام أبي بكر
اسمع إلى إسلام الرجل العظيم ﵁ وأرضاه يقول الشعبي: سألت ابن عباس: أي الناس كان أول إسلاماً؟
قال: أبو بكر الصديق، ألم تسمع قول حسان؛ حسان يقول قصيدة في أبي بكر، والرسول ﷺ على المنبر، يدافع ﷺ عن أبي بكر في المنبر؛ لأن أبا بكر سمع فيه مقالة، تعرضوا لعرضه، فقام ﷺ يدافع عن صاحبه، وكان في الصف الأول أبو بكر، وقال: ﴿ألستم بتاركي لي صاحبي؟ يا حسان أين أنت؟ أما قلت في أبي بكر شيئاً؟﴾ لأن الشعر عند العرب مثل التقويم فهو توثيق، يقول: أسمعني شعراً في أبي بكر، قال حسان، وقام وسط المجلس:
إذا تذكرت شجواً من أخي ثقةٍ فاذكر أخاك أبا بكر بما فعلا
خير البرية أتقاها وأرفعها بعد النبي وأوفاها بما حملا
والتالي الثاني المحمود شيمته وأول الناس طراً صدق الرسلا
ثم استمر في القصيدة، يقول الثاني التالي، ما هو الثاني التالي ﴿ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ﴾ [التوبة:٤٠] لم يكن في الغار إلا الرسول ﷺ وأبو بكر، ولم يكن معه أحد، وأبو بكر من أول أيامه في الإسلام حتى أتى كفار قريش يريدون دخول الغار، فتسلقوا على سطح الغار، وكان أبو بكر خائفاً على حياة رسول الله ﷺ وكان رسول الله مطمئناً؛ لأن الرسول ﷺ مؤيد بالسكينة، وبعض المفسرين يقول: إن السكينة نزلت على أبي بكر، ولم تنزل على الرسول ﷺ ، لأنه في السكينة لم يزل، كان يتبسم ﵊ وهو ينظر، يقول أحمد شوقي:
وإذا العناية لاحظتك عيونها نم فالحوادث كلهن أمانُ
يقول: إذا لاحظك الله، من عنايته، فنم ولو في أفواه الحيات، ولو على نيوب الأسود، وأما إذا لم تلاحظ عناية الله، فوالله لو كنت في الدور العاشر ومعك سبعون ألفاً من الحرس، فلن تكفيك.
شاو سوسكو؛ مجرم رومانيا كان عنده من الشرطة السرية سبعون ألف مدجج بالسلاح، أخذه الشعب وسحبوه مثل الكلب، وذبحوه على الرصيف، وأين الحراسة؟!
وعمر ﵁ وأرضاه كان ينام تحت الشجرة، ويأتي الهرمزان ويراه نائماً بلا حرس، قال: ما عنده حرس؟! قالوا: ما عنده حرس.
قال: حكمت، فعدلت، فأمنت، فنمت.
فيقول أبو بكر: ﴿يا رسول الله، والله لو نظر أحدهم إلى موطن قدمه لرآنا.
قال: يا أبا بكر ما ظنك باثنين الله ثالثهما؟!﴾ ﴿إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾ [التوبة:٤٠].
وهناك قصيدة سوف تسمعونها قريباً اسمها: مع صاحب الغار، وإلا فـ البردوني شاعر اليمن له قصيدة في الغار وهي عجيبة، وهو ما زال حياً لكنه منحرف، وقد أجاد في هذه القصيدة، يقول:
بشرى من الغيب ألقت في فم الغار وحياً وأفضت إلى الدنيا بأسرار
بشرى النبوة طافت كالشذا سحراً وأعلنت في الدنا ميلاد أنوارِ
وشقت الصمت والأنسام تحملها تحت السكينة من دار إلى دارِ
وهي ما يقارب مائة بيت، في مدح الرسول ﵊.
ويقول أحد أهل العلم: سألت ميمون بن مهران، قلت: علي أفضل عندك أم أبو بكر وعمر؟
قال: فارتعد حتى سقطت عصاه من يده.
ثم قال: ما كنت أظن أن أبقى إلى زمانٍ يعدل بهما، لله درهما! كانا رأس الإسلام.
قلت: فـ أبو بكر كان أول إسلاماً من علي؟
قال: والله قد آمن أبو بكر بالنبي ﷺ زمن بحيرا الراهب حين مر به، واختلف فيما بينه وبين خديجة، حتى أنكحها إياه، وذلك كله قبل أن يولد علي بن أبي طالب ﵁ وأرضاه.
ويمضي أبو بكر، ويتقدم إلى الإسلام طائعاً، يقول ﵊ فيما أخرجه أبو نعيم وابن عساكر عن ابن عباس: ﴿ما كلمت في الإسلام أحداً إلا أبى عليَّ -أي: رفض وتلكأ- وراجعني الكلام إلا ابن أبي قحافة فإني لم أكلمه في شيء إلا قبله واستقام عليه﴾.
стр. 356
ثباته في قصة الإسراء والمعراج
حتى لما كلم ﷺ لما أتى من الإسراء والمعراج، وكلم قريشاً، فاستهزأ به أبو جهل يقول: أين كنت البارحة يا محمد؟
قال: وصلت السماء السابعة، فضحك أبو جهل حتى كاد يسقط، ثم جمع كفار قريش في الحرم، قال: اسمعوا داهية الدواهي، تعالوا فأجلسهم، قالوا: يا محمد! أين كنت البارحة؟
قال: ذهبت إلى بيت المقدس، ثم صعدت إلى السماء السابعة، وكلمت الله.
قال الوليد بن المغيرة: فإنا قد علمنا ورأينا وعرفنا بيت المقدس في التجارة، فصفه لنا، فأخذه ﵊ الكرب حتى عرق جبينه، لأنه مر في طرف ليلة في الظلام، وما رأى بيت المقدس وما رأى مفاتيح الباب، وما رأى مداخل المسجد، فأتى الله فأنقذه، فأتى بصورة بيت المقدس، عرضت عند دار الأرقم بن أبي الأرقم، مكبرة في الحرم، ورسول الله ﷺ أمامه.
قال: بيت المقدس له أبواب كذا وكذا، ومدخله: كذا وكذا، فقال الوليد بن المغيرة: والله ما زدت ولا نقصت على بيت المقدس بهذه.
فقال: ما رأيك يا أبا بكر؟
فقال: صدقت.
وكلما قال له كلمة قال: صدقت، وكلما قال: وصعدت إلى السماء.
قال: صدقت.
قال الله : ﴿وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ﴾ [الزمر:٣٣] من الذي جاء بالصدق؟
محمد ﷺ .
ومن الذي صدق به؟ أبو بكر، فسموه الصديق؛ لأنه صدق الله، فصدقه الله .
وأخرج البخاري عن أبي الدرداء ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ﴿هل أنتم تاركوا لي صاحبي، إني قلت: أيها الناس! إني رسول الله ﷺ إليكم جميعاً، فقلتم: كذبت، وقال أبو بكر: صدقت﴾.
стр. 357
مصاحبة أبي بكر لرسول الله ﷺ
وأما مصاحبته للرسول ﵊، فلزمه كما يلزم الظل: لما هاجر ﵊ من مكة إلى المدينة، كان معه في الطريق، مرة يأتي عن يمينه، ومرة عن يساره، ومرة من أمامه، ومرة من خلفه، فيقول ﵊: ما لك يا أبا بكر؟ قال: يا رسول الله أتذكر الطلب -أي: من الكفار أن يطلبوك- فآتي من خلفك، وأتذكر الرصد -أي: الكمين- فأتقدم أمامك، وأتذكر ميمنتك فآتي من الميمنة، وأتذكر مشأمتك فآتي من الشمال، فدعا له بالخير والبركة.
قال العلماء: صحب أبو بكر النبي ﵊ حين أسلم إلى حين توفي، لم يفارقه سفراً ولا حضراً، وشهد الغزوات مع الرسول ﵊ والمعارك، وكان رفيقه في الغار، وهو المقصود بقوله : ﴿ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾ [التوبة:٤٠] وجعل للإسلام دمه، وماله، وكل ما يملك، وكان ﵊ يشيد به، ويسأل عنه إذا غاب، وقال علي في البخاري: ﴿لطالما سمعت الرسول ﷺ يقول: جئت أنا وأبو بكر وعمر، وخرجت أنا وأبو بكر وعمر، ودخلت أنا وأبو بكر وعمر﴾.
ولما أتى ﷺ يضع حجر الأساس في مسجده العامر في المدينة، وضع الحجر الأول، فانتظر الناس أبا بكر فأتى بالحجر الثاني ووضعه بجانبه، ثم عمر، فعرفوا أن الخلافة سوف تكون على هذا النسق.
стр. 358
من صفات الصديق
стр. 359
شجاعة أبي بكر وإقدامه
أما شجاعته وإقدامه:
فأخرج البزار في مسنده عن علي ﵁ قال: [[أخبروني من أشجع الناس؟ قالوا: أنت]] وصدقوا هو من الشجاعة بمكان- تصور علي بن أبي طالب إذا أتى يبارز رجلاً في المعركة، يأخذ درعه فيلقيه في الأرض، الدرع الذي يقيه من السيوف، ومن علامة الشجاعة عند العرب أن تبارز وليس عليك درع، وفي حديث حسن بشواهده: ﴿إن الله يضحك للرجل يلقى العدو حاسراً﴾ الله يضحك للمسلم يلقى الأعداء وليس عليه درع.
فكان علي ينزل الدرع، ويقولون: في معركة صفين لما أقبل الأعداء من خصوم علي من أهل الشام، وتفرق جيشه قال: ما هكذا عودنا الأعداء؟
فسل السيف وخرج في الشمس ما على رأسه شيء، وكان في الستين، أو في الثالثة والستين، شيخ كبير، فأخذ السيف قال: والله إن الناس كانوا يفرون منه كما تفر المعزة من الأسد.
[[فقالوا أنت؟ قال: أما إني ما بارزت أحداً إلا انتصفت منه، لكن أخبروني بأشجع الناس؟ قالوا: لا نعلم، فمن؟ قال: أبو بكر الصديق؛ إنه لما كان يوم بدر جعلنا لرسول الله ﷺ عريشاً، فقلنا: من يكون مع رسول الله ﷺ ؟ فوالله ما دنا منا أحداً إلا أبو بكر شاهراً بالسيف على رأس الرسول ﵊، لا يهوي إليه أحد إلا هوى إليه؛ فهو أشجع الناس]].
وقال علي: [[لقد رأيت رسول الله ﷺ وأخذته قريش، فهذا يجبهه، وهذا يتلتله ﵊]] كان يطوف بالبيت فأخذه أبو جهل بإزاره، فجبذه، وأخذه أبي بن خلف عليه غضب الله، فتفل على الرسول ﷺ ، فدعا عليه الرسول ﷺ ، وكان الذي قتله الرسول بيده ﷺ .
[[وكان هذا يتلتله، وكان أبو بكر يبكي حوله، ويقول: ﴿أَتَقْتُلُونَ رَجُلاً أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ﴾ [غافر:٢٨]]] أي: ما هذا التعامل؟ سبحان الله هل هناك عجز أن ينزل الله ألف ملك يحمون الحرم، وينزل ﷺ في حرس؟
لا والله، لكن ليتربى الدعاة على هذا المنهج والصالحين.
يتلتل، ويطرد من مكة، ويدخل الطائف، ويرمى بالحجارة، ويقتل أصحابه، ويقتل محبوه، وتكسر ثنيته، ويحبس في الشعب ثلاث سنوات، ويدخل الغار ويلحقونه بالسيوف، وينتصر في معركة، ويغلب في معركة، ويفتقر، ويجوع، ويجعل حجرين على بطنه من الجوع، وهو أشرف الخلق، والله قادر على أن ينزل ملائكة، ولله سبحانه القدرة على أن ينفي قريش في لحظة واحدة، لكن ليذوق، وليصبر، وليتحمل، وليرفع الله قدره، وليكون معلماً.
قال: [[وهم يقولون: أنت الذي جعلت الآلهة إلهاً واحداً؟]] يمسكون الرسول ﷺ ويتلتلونه في الحرم، ويقولون: أنت الذي جعلت الآلهة إلهاً واحداً! لأن كفار قريش كان للواحد منهم ستة آلهة، وسبعة، وثمانية ﴿أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهاً وَاحِداً إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ﴾ [ص:٥].
قال: [[فوالله ما دنا منا أحد، إلا أبو بكر يضرب هذا، ويجبه هذا، ويتلتل هذا]].
الناس أصدقاء، فإذا وقعت الأزمات ما صفا إلا القليل؛ أي: الناس وقت المجاملة ووقت السعة كلهم أحباب، ولكن إذا حامت الحوائم، وأتت الدواهي، انهدت الصفوف:
جزى الله الشدائد كل خير وإن كانت تجرعني بريقي
جزاها الله مكرمةً فإني عرفت بها عدوي من صديقي
فلما أتى فرَّ كثير من الناس، وبقي أبو بكر يقاتل معه في الحرم ضدهم، قال: [[وهو يقول: أتقتلون رجلاً أن يقول ربي الله ثم رفع علي بردة كانت عليه، فبكى حتى اخضلت لحيته]].
علي بن أبي طالب رفع البردة وبكى، مما تذكر من أبي بكر، ثم قال: [[أنشدكم الله، أمؤمن آل فرعون خير أم أبو بكر؟ فسكت القوم.
فقال: ألا تجيبونني؟ فوالله لساعة من أبي بكر، خير من ألف ساعة من مؤمن آل فرعون، ذاك رجل يكتم إيمانه، وهذا رجل أعلن إيمانه]] ﴿وَقَالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمَانَهُ﴾ [غافر:٢٨] أما أبو بكر فما كتم، قام وسط الناس يعلن الإسلام، ويعلن القوة.
стр. 360
رقة أبي بكر الصديق
وكان أبو بكر رجلاً رقيقاً، لا يملك عيونه ولا دموعه إذا قرأ القرآن، كان يأتي يصلي في بيته في مكة، وكان سيداً مطاعاً، فتجتمع قريش حول البيت، فيرفع صوته فيبكي، فلو خفف صوته فلا يسمع من معه، فقال: نزلت على الرسول ﵊، وفي أبي بكر: ﴿وَلا تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ وَلا تُخَافِتْ بِهَا وَابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلاً﴾ [الإسراء:١١٠].
стр. 361
الصديق وإنفاق ماله على رسول الله ﷺ
أبو بكر لما مات، ما ترك إلا بغلة وثوبين، وكان أتجر الناس جميعاً، وسلمها مع عمر مع رسالة حارة لولي العهد، يقول: [[اتق الله يا عمر، لا يصرعنك الله مصرعاً كمصرعي]] يقول: احذر احذر أن تنسى الله، احذر، وأنا قد سمعت هذه الرسالة من هيئة الإذاعة البريطانية وكانت مبكية، في حدث من الأحداث تتلى هذه، قل: رسالة من خليفة إلى خليفة، هذا عندهم، ولما وصلت إلى عمر بكى حتى جلس، وقال: [[أتعبت الخلفاء بعدك]] يقول: ماذا أفعل؟ أعطاه البغلة والثوبين، حتى أخذ ثوباً جديداً أتت به عائشة تقول لـ أبي بكر: [[نعطيك هذا الثوب لتكفن فيه، قال: لا! اغسلوا هذا الثوب الذي علي فإن الحي أولى بالثوب من ميت، فإن نجاني الله فساعة، وإلا فلن تغني عني الثياب، يا عائشة لو رأيتموني بعد ثلاث]].
كان في سكرات الموت، يسبح كثيراً، وقد وضع رأسه على المخدة، وكانت عائشة عند رأسه، وكانت تقول وهي تبكي: [[صدق حاتم - حاتم الطائي في الجاهلية- إذ يقول:
لعمرك ما يغني الثراء عن الفتى إذا حشرجت يوماً وضاق به الصدرُ
ففز، والتفت برأسه وقال: لا تقولي ذاك يا بنية! ولكن قولي: ﴿وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ﴾ [ق:١٩]]] لا يريد في هذا الموطن ذكر الشعر وعنده القرآن.
стр. 362
ثناء الله ورسوله على أبي بكر
وقال الله تعالى: ﴿وَسَيُجَنَّبُهَا الْأَتْقَى * الَّذِي يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكَّى﴾ [الليل:١٧ - ١٨] إلى آخر السورة، قال ابن الجوزي في زاد المسير: أجمعوا على أنها نزلت في أبي بكر الصديق.
وأخرج أحمد عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : ﴿ما نفعني مال قط ما نفعني مال أبي بكر، فبكى أبو بكر، وقال: هل أنا ومالي إلا لك يا رسول الله﴾ يقول: أنا ومالي لك، تصرف ما شئت، وكان ﷺ يتدين على أموال أبي بكر، ويتصدق على الجيوش من أموال أبي بكر، ويعطي الناس ويضيف من أموال أبي بكر، ولا يستأذنه:
هو البحر من أي النواحي أتيته فلجته المعروف والجود ساحلُه
ولو لم يكن في كفه غير روحه لجاد بها فليتق الله سائلُه
وكان جزاؤه عند الله ﴿وَسَيُجَنَّبُهَا الْأَتْقَى﴾ [الليل:١٧] هذا إخبار من الله، أن الأتقى أبا بكر لا يمر النار ﴿الَّذِي يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكَّى﴾ [الليل:١٨] أي: يتزود من الطاعة.
стр. 363
مقدار ما أنفق
وأخرج ابن عساكر من طرق عن عائشة ﵂ وعروة بن الزبير [[أن أبا بكر ﵁ أسلم يوم أسلم وله أربعون ألف دينار -وفي لفظ: أربعون ألف درهم- فأنفقها على رسول الله ﷺ ]] هذه الأموال هي التي بقيت عند الله، لكن أموال الضائعين أين هي الآن؟!
أين المليارات؟!
أين الملايين؟!
شاه إيران، قصص عن حياته، كان كرسي دورة المياه -أكرمكم الله- الذي يجلس عليه من ذهب، سحب كالكلب، وأخرج، ما وجد شيئاً، حتى غرفة النوم ما نقلت معه، ومات بالسرطان طريداً بعيداً، كان الناس في طهران يطلبون الخبز في مظاهرة، فيخرج عليهم طائرة هيلوكبتر يرميهم بالرشاش، فيموتون كما يموت الذباب من المبيدات، قال تعالى: ﴿وَسَكَنْتُمْ فِي مَسَاكِنِ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ وَتَبَيَّنَ لَكُمْ كَيْفَ فَعَلْنَا بِهِمْ وَضَرَبْنَا لَكُمُ الْأَمْثَالَ * وَقَدْ مَكَرُوا مَكْرَهُمْ وَعِنْدَ اللَّهِ مَكْرُهُمْ وَإِنْ كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ﴾ [إبراهيم:٤٥ - ٤٦].
خذ القناعة من دنياك وارض بها لو لم يكن لك إلا راحة البدن
وانظر لمن ملك الدنيا بأجمعها هل راح منها بغير القطن والكفن
وأخرج الترمذي عن أبي هريرة ﵁ وأرضاه قال: قال رسول الله ﷺ : ﴿ما لأحدٍ عندنا يدٌ إلا وقد كافأناه إلا أبا بكر﴾ يقول: كل الناس الذين قدموا لنا معروفاً أعطيناهم، إلا أبا بكر فبقيت له أيادي عندنا، وإلا فإن يد الرسول ﷺ هي أعظم الأيادي، ومنته بعد منة الله أعظم المنن، وله ﷺ بعد الله الفضل في هداية أولئك.
قال: ﴿فإن له عندنا يداً يكافئه الله بها يوم القيامة، وما نفعني مال أحدٍ قط ما نفعني مال أبي بكر﴾.
وأخرج البزار عن أبي بكر الصديق ﵁ قال: ﴿جئت بـ أبي قحافة إلى النبي ﷺ -والد أبي بكر كان شيخاً كبيراً- فقال: هلاَّ تركت الشيخ حتى آتيه، قال: بل هو أحق أن يأتيك.
قال: إنا نحفظه لأيادي ابنه عندنا﴾ يقول ﷺ : لماذا ما تركت الشيخ والدك في البيت لأزوره أنا.
قال: يا رسول الله! هو أحق أن يأتيك، فقال ﵊: إنا نحفظه لأيادٍ لابنه عندنا؛ لـ أبي بكر.
стр. 364
علم أبي بكر الصديق
قال النووي في تهذيبه: استدل أصحابنا على عظم علمه بقوله ﵁ في الحديث الصحيح الثابت في الصحيحين: [[والله لأقاتلن من فرق بين الصلاة والزكاة، والله لو منعوني عقالاً كانوا يأتونه إلى رسول الله ﷺ لقاتلتهم على منعه]].
واستدل الشيخ أبو إسحاق الشيرازي وغيره في طبقاته على أن أبا بكر الصديق ﵁ أعلم الصحابة، لأنهم كلهم وقفوا عن فهم الحكم في المسألة إلا هو، ثم ظهر لهم بمباحثته لهم أن قوله هو الصواب فرجعوا إليه.
عارضوه في قتال أهل الردة، وأبو بكر يقول: لا بد أن نقاتلهم، وكان رأيه هو الصحيح، وكان هو الفقيه، وكان هو العالم، فانساق له الصحابة رضوان الله عليهم وأرضاهم.
وأخرج الشيخان عن أبي سعيد ﵁: ﴿أن الرسول ﷺ خطب خطبة على المنبر، فقال: إن عبداً خيره الله بين الدنيا وبين الآخرة، فاختار ما عند الله، فبكى أبو بكر، فقال الصحابة: ما بال هذا الشيخ يبكي؟ -أي: ماذا ظهر لـ أبي بكر أن يبكي في المسجد، والرسول ﷺ يحدثنا أن رجلاً ولم يسم الرجل لنا، ففهم- قال: فكان أبو بكر أعلمنا﴾ لأنه فهم أن العبد المخير هو رسول الله ﷺ ، فانظر كيف فهم، وما فهم الناس، لأنه لزيادة إيمانه، وتنور قلبه فتح الله عليه فتوحاً عظيمة.
стр. 365
علم أبي بكر بالقرآن
وقال ابن كثير: كان الصديق ﵁ أقرأ الصحابة -أي: أعلمهم بالقرآن- وكان صاحب قرآن، كان من عادته إذا أراد أن يخرج إلى السوق فتح صفحات عنده من المصحف في بيته وقرأ كثيراً ثم ينزل إلى السوق، فإذا قضى أغراضه أتى ودخل وفتح المصحف وقرأ، لم يكن عنده إلا المصحف.
وانظر الثقافة الميتة ماذا فعلت بنا، هل قدمنا للدين وللإسلام وللحياة مثل ما قدم أبو بكر؟!
مع العلم أن أصغر طالب علم الآن يمتلك مكتبة، رفوفاً من المجلدات والمجلات والصحف والنشرات والدوريات، لكن يسمى علم الأموات! ﴿فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ﴾ [الرعد:١٧].
يقول ابن كثير: لأنه ﵊ قدمه إماماً للصلاة في الصحابة رضوان الله عليهم، مع قوله: ﴿يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله تعالى﴾.
وأخرج الترمذي عن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : ﴿لا ينبغي لقوم فيهم أبو بكر أن يؤمهم غيره﴾ إذا اجتمع أبو بكر في الناس فهو المقدم.
تخلف ﵊ مرة يصلح بين أسرتين من أسر الأنصار، فتأخر عن صلاة الظهر، فأقام بلال الصلاة ولم يأت الرسول ﵊، فقال أبو بكر: تقدم يا عمر صل بالناس، قال: لا والذي نفسي بيده لا أصلي بناس وأنت فيهم؛ أي: هل يستطيع عمر أن يتقدم وأبو بكر موجود؟! أو أي أحد من الناس؟! لأنه دائماً أبو بكر هو الأول، فتقدم وصلى بالناس، وكان لا يستطيع أن يسمع الناس من قراءته.
حتى في البخاري: أن عائشة ﵂ لما أصبح ﷺ في مرض الموت، قال: ﴿مروا أبا بكر فليصل بالناس.
قالت: يا رسول الله! إنه رجل أسيف -أي: حزين- لا يستطيع أن يسمع الناس القراءة إذا قام من كثرة البكاء- قال: مروا أبا بكر فليصل بالناس.
قالت: يا رسول الله! إنه رجل أسيف﴾.
عائشة تقول: ما أردت إلا لئلا يأتي أبو بكر فيصلي بالناس، فيتشاءم الناس به بعد الرسول ﵊، لأن الناس إذا كان فيهم رجل صالح وولي من أولياء الله، وكان عادلاً، ثم أتى رجل من بعده وانحرف عن سيرته تشاءموا به، حتى إذا لم ينزل المطر قالوا: بسبب فلان، قال ﷺ : ﴿إنكن صويحبات يوسف، مروا أبا بكر فليصل بالناس﴾.
стр. 366
علم أبي بكر بالسنة
وكان مع ذلك أعلمهم بالسنة، فقد رجع إليه الصحابة في كثير من المواضع، وفاوضوه، وكان ﵁ وأرضاه هو المفتي؛ لأنه أعلم بأخبار الرسول ﷺ وبأسراره، وأكثر الناس له ملازمة من بينهم.
وأخرج أبو القاسم البغوي عن ميمون بن مهران قال: كان أبو بكر إذا ورد عليه الخصم نظر في كتاب الله، فإن وجد فيه ما يقضي بينهم قضى به، وإن لم يكن في الكتاب بحث في سنة المصطفى ﵊، فإن وجد قضى به، وإلا جمع الصحابة وقال: أتاني كذا وكذا فهل علمتم بأن الرسول ﷺ قضى بقضاء؟ وإلا استشار الناس، وكان مسدداً لكثرة تقواه، وصدقه، وإخلاصه.
стр. 367
أبو بكر وعلمه بالأنساب
كان الصديق مع ذلك علامة في النسب؛ من أعلم الناس بأنساب العرب، لا سيما قريش، وكان ﵊ يقول لـ حسان وحسان من الأنصار من المدينة، كان يسب قريشاً، فيقول ﷺ : ﴿كيف بك يا حسان والشعر وقريش؟
قال: عندي لسان يا رسول الله! لو وضعته على حجر لفلقه، ولو وضعته على شعر لحلقه.
قال: كيف تسب قريشاً وأنا منهم؟ قال: أسلك كما تسل الشعرة من العجين﴾ قال: أنت الآن تتعرض لقريش تسبهم، لأن منهم أبو سفيان عدونا، فكيف تسب أبا سفيان؟
قال: أسلك منهم كما تُسلَّ الشعرة من العجين، ولذلك يقول:
ألا أبلغ أبا سفيان عني مغلغلةً فقد برح الخفاء
بأن جيوشنا تركتك عبداًَ وعبد الدار سادتها الإماء
لو قال: بأن جيوشنا تركتك عبداً وسكت كان فيه احتمال، لكن وعبد الدار؛ رجع إلى أسرته الصغيرة التي تفصله من الرسول ﷺ .
فكان ﷺ يقول: ﴿اذهب يا حسان إلى أبي بكر يعلمك أنساب قريش﴾ حتى لا يخطئ، ويتكلم في عرض بعض الناس، ويدخل في نسب الرسول ﵊، فكان يخرج له الأنساب.
стр. 368
فصاحة أبي بكر الصديق
وقال ابن كثير: وكان ﵁ من أفصح الناس وأخطبهم، كان يرتجل الخطبة، ما كان يحضر لها، ليس عنده أوراق، وقلم، ولا مسطرة، كان يأتي يوم الجمعة يغتسل ويطلع على المنبر، فيتكلم مباشرة بكلام فصيح، يبز القائمين، ولا يتكلم بين يديه أحد، وأول يوم بويع بالخلافة، انظروا المفاجأة، أول يوم مات فيه الرسول ﵊، أتى وليس عنده خبر، كان يشتغل في المزرعة، هكذا الإسلام كما يقول أبو الأعلى المودودي: الإسلام الذي يدخل معك المزرعة، والإسلام الذي يدخل معك الدكان، والإسلام الذي يذهب معك في السوق، كان يبيع السمن والعسل، وكان يشتغل بيده بالمسحاة في المزرعة، فكانت مزرعته بـ العوالي على فرسخ، فسمع الخبر، قالوا: مات الرسول ﵊، فركب فرسه وعنده عصاً، وأتى وإذا المدينة تدور من أولها على آخرها:
جاءتك تمشي رافعاً ذراها أولها ردت على أخراها
وإذا بكاء الناس، وإذا النساء خرجن في السكك والأطفال، أعظم مصيبة في تاريخ الإنسان، قال: ماذا؟
قالوا: مات الرسول ﵊، فاقتحم الصفوف ودخل حتى أتى المسجد فشق الصفوف، وإذا عمر على المنبر سلَّ سيفه، يقول: [[يا أيها الناس: من زعم أن الرسول ﵊ مات ضربته بهذا السيف، ما مات الرسول ﷺ ، سوف يصعد أربعين ليلة كما ذهب موسى ويأتي إلينا]] وذلك لأنه خبر مذهل، فأتى أبو بكر بالعصا وفرق الناس، وقال: اجلس يا عمر، فأبى أن يجلس، فقام أبو بكر بجانبه، وقال: [[بسم الله الرحمن الرحيم -فسكت الناس، وسكت عمر يلتفت إلى أبي بكر، ماذا يقول، ما هو الإعلان- قال: أيها الناس-اسمع الكلام أفصح الناس- من كان يعبد الله فإن الله حي لا يموت، ومن كان يعبد محمداً فإن محمداً قد مات]] فسقط عمر ﵁ على وجهه من البكاء، وأغمي عليه، ورش بالماء، وذهب أبو بكر قبل أن يدخل إلى الرسول ﷺ فكشف عن وجهه الغطاء، وقبل وجهه، ودمعه في عينه، وقال: [[بأبي أنت وأمي، ما أطيبك حياً! وما أطيبك ميتاً! أما الميتة التي كتبت فقد ذقتها، ولكن والله لا تموت بعدها أبداً]].
ثم أتى في اليوم الثاني للبيعة الكبرى، فجاء أبو بكر، وإذا هو يبكي على المنبر -الآن بالعكس- أتى يتكلم في الناس فتذكر الرسول ﷺ ، وتذكر المنبر فأتى يبكي، فيقول: الحمد لله، قال: فينخلس، قال: فيعتمد على أخشاب المنبر فيبكي فيبكي الناس، فيقول: الحمد لله، فيتنحنح ويبكي، ويحاول، فلما رأى عمر الموقف، قام ﵁ وأرضاه فوقف بجانب أبي بكر، وتكلم فما بكى ذلك اليوم، انتهوا في اليوم الأول، فقال: أيها الناس تقدموا، قال: وكانت يد أبي بكر تنتفض من الخوف، قال: فقدم يده للناس هكذا، فقاموا يبايعونه صفاً صفاً ﵁ وأرضاه، ورفع منازلهم، وجمعنا بهم في دار الكرامة.
هؤلاء تاريخنا، إذا أردنا أن نتشرف بين الأمم نقدم أبا بكر، ونقدم عمر، ونقدم عثمان، ونقدم علياً، إذا أردنا أن نكون سادة للناس، وعندنا تربية، وعندنا طموح، وعندنا إيمان، فإننا نقدمهم، ونعيدهم، ونبدي سيرهم في المدارس، والمحافل، والمساجد، والنوادي.
стр. 369
علم أبي بكر بتعبير الرؤيا
يقول: وكان الصديق مع ذلك عالماً بتأويل بالرؤيا، كان يؤول الرؤيا بأمر الله، وكان يعبر الأحلام زمن النبي ﷺ .
وقال محمد بن سيرين -هذا محمد بن سيرين كان عجباً في الأحلام، هو المقدم في هذا العلم بالاتفاق- يقول: كان أبو بكر أعبر هذه الأمة بعد النبي ﷺ .
وقال ﵊: ﴿أمرت أن أؤول الرؤيا، وأن أعلمها أبا بكر﴾ رواه الديلمي في مسند الفردوس وابن عساكر عن سمرة، ولكنه حديث ضعيف.
وكان خطيباً للناس ﵁ وأرضاه في المواسم، ومع ذلك كان من أسد الناس رأياً وأصوبهم، وكانوا يستشيرونه فيأتي رأيه المحقق بإذن الله؛ لكثرة إيمانه ولسداده مع الله.
قال النووي في تهذيبه: الصديق أحد الصحابة الذين حفظوا القرآن كله، وقيل: إنه جمع القرآن أربعة من الأنصار، لكن يقولون: أبو بكر حفظ القرآن كله، وهذه مسألة مختلف فيها، ولكن سواءً حفظ القرآن أم لم يحفظ القرآن فهو قرآن يمشي على الأرض، وسواء كان القرآن في صدره فهو يعبر عن القرآن كل القرآن، وسواء كان في ذهنه حروف القرآن فحدود القرآن قام بها؛ لأنه من الناس من يحفظ القرآن ولكن لا يحكم حرفاً منه!
زعيم من زعماء العالم الإسلامي، يقول: إنه يحفظ القرآن مثل الفاتحة، لكنه لا يحكم من القرآن حرفاً واحداً أبداً! فما فائدة الحفظ؟!
المستشرق جولد زيهر كان يحفظ القرآن كله، وهو عليه عمى ولعنة، ولا فائدة في أن يردد القرآن فقط؛ إنما الفائدة أن يعمل به في الأرض.
стр. 370
فضائل أبي بكر الصديق
أما فضله بين الصحابة، فأجمع أهل السنة أن أفضل الناس بعد رسول الله ﷺ أبو بكر ثم عمر ثم عثمان ثم علي ثم بقية العشرة ثم باقي أهل بدر ثم باقي أهل أحد ثم باقي أهل بيعة الرضوان ثم باقي الصحابة، هكذا حكى الإجماع عليه أبو منصور البغدادي.
روى البخاري عن ابن عمر ﵄ وأرضاهما قال: ﴿كنا نخير بين الناس في زمن الرسول ﷺ فنخير أبا بكر ثم عمر ثم عثمان بن عفان﴾ وزاد الطبراني في الكبير: ﴿فيعلم بذلك النبي ﷺ فلا ينكره علينا﴾ يقرنا عليه.
وعند أحمد والترمذي عنه ﷺ أنه قال من حديث أنس: ﴿أرحم أمتي بأمتي أبو بكر﴾ فهو كان رحيماً، رقيق القلب، عطوفاً على الأيتام والمساكين، وسبق معنا أن ابن القيم أشار إلى قصة أن عمر خرج وراء أبي بكر فوجده عند عجوز عمياء حسيرة يصنع لها الطعام.
تصور خليفة يذهب إلى امرأة مسكينة ضعيفة إلى ضواحي المدينة، ويترك أشغاله، ويترك أموره، ويأتي إليها فيكنس البيت، وكان بإمكانه أن يرسل خادماً، أو يستأجر إنساناً، لكن لأنه يعلم أنه سوف يلقى الله يوم يقوم الناس لرب العالمين، فيكنس البيت، ويصنع الطعام، ويقدم الأكل، فيقول عمر عندما دخل: من هذا الشيخ الذي يأتيك؟
قالت: لا أعرفه، لم يقل أنا أبو بكر الصديق، اذكروني للناس حتى يكون هناك دعاية! قالت: ما عرفته؟
قالت: فجلس عمر يبكي، ويقول: أتعبت الخلفاء بعدك، يقول: من يستطيع أن يواصل على هذه المسيرة لك؟
ورويت هذه القصة أيضاً لـ عمر.
стр. 371
ما نزل فيه من القرآن
وأما ما نزل في مدحه من القرآن، فإنه كثير كثير، واسمع إلى الآيات المباركات.
قال سبحانه: ﴿ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ﴾ [التوبة:٤٠] أجمع المسلمون على أن الصاحب المذكور هو أبو بكر الصديق ﵁ وأرضاه.
وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ﴾ [التوبة:٤٠] قال: [[على أبي بكر، أما الرسول ﵊ فإن السكينة لم تزل عليه]] أي: لم تزل عليه من قبل، لكن أنزلها الله -وهذا رأي ابن عباس - على أبي بكر لأنه خاص.
فرق بين الرسول ﷺ وبين أبي بكر، الرسول ﷺ يتصل بالله صباح مساء، والملائكة تنزل عليه، وأبو بكر ليس هناك وحي ينزل عليه، فأنزل الله السكينة عليه وثبته؛ لأنه موطن يخيف.
وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن مسعود أن أبا بكر اشترى بلالاً من أمية بن خلف وأبي بن خلف ببردة وعشر أواقٍ من فضة، فأعتقه لله، فأنزل الله: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى﴾ [الليل:١] إلى قوله تعالى: ﴿إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى﴾ [الليل:٤] سعي أبي بكر وأمية وأبي، سعي أبي بكر إلى الجنة، وسعي أمية وأبي إلى النار، سعي هذا في رفع لا إله إلا الله، وسعي أولئك في رفع (لا إله والحياة مادة) والضلالة والزندقة والانحراف.
وفيه نزلت: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى﴾ [الليل:٥] كما ذكر ابن جرير في التفسير؛ نزلت في أبي بكر ﵁ وأرضاه.
﴿وَسَيُجَنَّبُهَا الْأَتْقَى﴾ [الليل:١٧] ذكر ابن أبي حاتم والطبراني أنها نزلت في أبي بكر.
﴿وَمَا لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزَى﴾ [الليل:١٩] نزلت في أبي بكر الذي أنفق أمواله وما كان ينتظر من أحد شكراً ولا ثواباً، كان يعطي أمواله.
وكان أبو بكر كما ذكر عنه، إذا أظلم الليل ونام الناس قام بالطعام فحمله وأعطاه، وكانت تسأله العجوز من أنت؟
فيقول: رجل من المسلمين، ولا يهمه أن تعرفه العجوز فالله يعرفه.
قتل شهداء في قندهار في عهد عمر وقندهار في أفغانستان، قال عمر: من القتلى؟
قالوا: فلان وفلان وفلان، وأناس ما عرفناهم يا أمير المؤمنين، فبكى عمر وقال: ولكن الله يعرفهم.
بـ قندهار ومن تكتب منيته بـ قندهار يرجم دونه الخبر
كان ابن المبارك إذا قاتل في سبيل الله في المعركة غطى وجهه ما تظهر إلا عيناه، فيقال له: مالك؟
قال: ليعرفني الله فقط، الدعايات محبطات، أن تبذل عملاً ثم تدعو الناس وتقول انظروا ماذا فعلت وماذا بذلت، التعداد هذا إحباط المسيرة، ولذلك لا يجعل الله لمن ادعى عملاً، وشهر عمله قبولاً في الأرض.
وأخرج البزار وابن عساكر قال علي: [[والذي جاء بالحق: محمدٌ ﵊ -كتبها البزار هكذا، ولكن الصحيح: والذي جاء بالصدق وصدق به- وصدق به: أبو بكر الصديق]] قال ابن عساكر: هكذا الرواية بالحق، ولعلها قراءة علي بن أبي طالب أي لعل قراءته أن يقرأ: والذي جاء بالحق وصدق به، والقراءة المشهورة ﴿وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ﴾ [الزمر:٣٣].
وعند الحاكم عن ابن عباس، قال: [[نزل قوله : ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ﴾ [آل عمران:١٥٩] في أبي بكر وعمر]] أي شاور أبا بكر وعمر، والصحيح أنها عامة، لكن المهم أنه يدخل دخولاً أولياً أبو بكر وعمر.
﴿وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [التحريم:٤] المقصود به: أبو بكر وعمر.
وقوله عند عبد بن حميد عن مجاهد ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ﴾ [الأحزاب:٥٦] قال أبو بكر: يا رسول الله! ما أنزل الله عليك خيراً إلا أشركنا فيه.
فنزلت هذه الآية ﴿هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلائِكَتُهُ﴾ [الأحزاب:٤٣].
وأخرج ابن عساكر في قوله: ﴿وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْوَاناً عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ﴾ [الحجر:٤٧] نزلت في أبي بكر وعمر، والصحيح أنها عامة، وأول من يدخل فيها أبو بكر وعمر، إلى آخر ذلك من الأفضال.
стр. 372
من كلمات أبي بكر الدالة على شدة خوفه من ربه
وننتقل لنعيش مع أبي بكر في لحظات مؤنسة في حياته، وإلا فحياته كثيرة كثيرة، وطويلة طويلة.
عن معاذ بن جبل عند أحمد والحاكم قال: [[دخل أبو بكر حائطاً وإذا بدبسيٍّ في ظل شجرة -طائر جميل- فتنفس الصعداء، ثم قال: طوبى لك يا طير! تأكل من الشجر وتستظل بالشجر، وتصير إلى غير حساب، يا ليت أبا بكر مثلك]] يقول: ليتني مثلك طائر! هذا أبو بكر، والله على لسان الرسول ﷺ بشره بالجنة، فكيف بنا؟!
وعند ابن عساكر عن الأصمعي قال: كان أبو بكر إذا مدح قال: [[اللهم أنت أعلم مني بنفسي، وأنا أعلم بنفسي منهم، اللهم اجعلني خيراً مما يظنون، واغفر لي ما لا يعلمون، ولا تؤاخذني بما يقولون]].
وعن مجاهد قال: [[كان ابن الزبير إذا قام في الصلاة كأنه عود من الخشوع، وقال: وحدثت أن أبا بكر كان كذلك، وكان يقرأ سورة يوسف فإذا بلغ قوله تعالى: ﴿وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ﴾ [يوسف:٨٤] اندفع في البكاء، حتى لا يسمع لقراءته صوت من كثرة بكائه، وكثرة نشجيه]].
وقال أبو بكر فيما أُخرج عن قتادة يقول: [[وددت أنني خضرة، أو نبتة تأكلني الدواب]].
وكان يجلس كثيراً في حوائط المدينة، ويقول: [[يا ليت أمي لم تلدني]].
وكان كثير الزيارة للمقابر ليجدد عهده بالله .
وكان يلبس ما خشن، ويعمل بنفسه ﵁ وأرضاه، وكان مضيافاً للناس؛ يمتلئ بيته كل ليلة من الضيوف، فكان ينفق عليهم ويعطيهم.
يقول: [[حضرت الوفاة ابناً لـ أبي بكر الصديق، فجعل الفتى يلحظ إلى وسادة، فلما توفي قالوا لـ أبي بكر: لحظنا ابنك يلحظ إلى وسادة، فدفعوه عن الوسادة فوجدوا تحتها خمسة دنانير أو ستة، فضرب أبو بكر بيده على الأخرى يتوجع، ويقول: إنا لله وإنا إليه راجعون! يا فلان! ما أحسب جلدك يتسع لهذا]] طفل لـ أبي بكر مات فكان الطفل ينظر إلى الوسادة، عنده دراهم كان يدسها، فلما مات لحظ أبو بكر، فرفع الوسادة فوجد خمسة دنانير، فيقول: ما أحسب جلدك يتسع لهذا، يقول: أخاف أن تحاسب، من شدة خوف أبي بكر، يقول: من أين أدخلتها؟ لأنه كان ﵁ هو وعمر يحاسبون بيوتهم.
كانت امرأة عمر كما سلف، يأتيها دقيق، كان عمر يوزع الدقيق في كل صباح، لكل بيت وجبة من الدقيق للبيوت، فكانت امرأة عمر تأخذ قليلاً من الدقيق وتحجزه من حصتها، وهي ليست مخطئة وعادلة، فجمعته وجمعته، ولما جمعته أتت بجارية من جواري المدينة، وقالت: اذهبي إلى عمر في بيت المال، ولا تخبريه أن الدقيق من عندي، وقولي له: يعطيك بدل هذا الدقيق حلوى -تريد أن تأكل حلوى هي- فذهبت الجارية بالدقيق في كيس، جمعته من أشهر، فطرقت الباب على أمير المؤمنين وهو جالس، قال: [[من أين هذا؟
قالت: من المدينة.
قال: جارية من أنت؟
قالت: من آل فلان.
قال: من أرسلك بالدقيق؟
قالت: امرأة.
قال: أفي الناس من يخزن دقيقاً، والناس يموتون جوعاً؟
-عام الرمادة- قالت: يا أمير المؤمنين امرأة.
قال: من هذه المرأة؟
قالت: اعفني.
قال: لا أعفيك.
قالت: عاتكة بنت زيد امرأتك فأعاده إلى بيت المال، ونقص من حصتها دائماً بمقدار ما نقصتها]] وحافظ إبراهيم يقول:
لما اشتهت زوجه الحلوى فقال لها من أين لي ثمن الحلوى فأشريها
قل للملوك تنحوا عن مناصبكم فقد أتى آخذ الدنيا ومعطيها
أي: يأخذها في ساعة، ويعطيها في ساعة، هذا هو الذي فتح الدنيا، ومع ذلك هكذا نفقته ﵁ وأرضاه.
وكان أبو بكر يتمثل بهذا البيت ويبكي، يقول:
لا تزال تنعى ميتاً حتى تكونه قد يرجو الفتى الرجاء يموت دونه
يقول: أنت كل يوم تبكي على الأموات، لكنك ما تبكي على نفسك.
وكان فصيحاً، ويتمثل بالأشعار كثيراً، لكن هذا البيت يكرره دائماً:
يقول: قد يرجو الفتى آمالاً وطموحات وتسمى المستقبل، لكنه كفنت أكفانه وهو لا يدري، ومع الصباح: ﴿ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلاهُمُ الْحَقِّ أَلا لَهُ الْحُكْمُ وَهُوَ أَسْرَعُ الْحَاسِبِينَ﴾ [الأنعام:٦٢].
وكان ﵁ كثير النوافل، وكان يقوم من الليل فيبكي ويبكي ثم يرتاح قليلاً، ثم يقوم يقرأ ويبكي ويبكي ﵁ وأرضاه.
وذكره أهل العلم منهم ابن سعد، وأطنب في ذكره، ونحتسبه على الله في هذه الجلسة أن تكون عبادة لنا بإذنه في ذكر أبي بكر.
стр. 373
وفاة أبي بكر واستخلافه لعمر
هذه داهية الدواهي، آخر يوم في حياته، أخرج سيف والحاكم عن ابن عمر: [[كان سبب موت أبي بكر، وفاة رسول الله ﷺ ]] كمد فما زال جسمه يضوي ويضوي حتى مات -يضوي: أي ينقص- لما مات الرسول ﵊ أتاه هَمَّ وحزن، فكان يذوب ويذوب كما تذوب الشحمة ثم مات.
وكان سبب موته أنه أتته حمى قبل أن يموت بأيام، فلما أتى يوم الاثنين، قال: [[أي يوم هذا؟
قالوا: يوم الاثنين في الصباح.
قال: أرجو الله أن أموت في هذا اليوم، متى مات رسول الله ﷺ ؟
قالوا: مات يوم الإثنين.
قال: أموت إن شاء الله يوم الإثنين]] فمات في آخر النهار، وهذه حكمة من الله، كان وفاته يوم الإثنين، ولكن ما مات إلا بعد ما أصلح الأمة، وسوف تسمعون أخباره.
وأخرج ابن سعد والحاكم بسند صحيح عن ابن شهاب أن أبا بكر والحارث بن كلدة كانا يأكلان خزيرة أهديت لـ أبي بكر -نوع من الطعام- فقال الحارث لـ أبي بكر: ارفع يدك يا خليفة رسول الله، والله إن فيها لسم سنة -أي مسمومة لسم سنة- وأنا وأنت نموت في يوم واحد، فلم يزالا عليلين حتى ماتا في يوم واحد عند انقضاء السنة.
ودخلوا على أبي بكر الصديق، كما روى ابن سعد وابن أبي الدنيا، قالوا: يا خليفة رسول الله! ألا ندعو لك طبيباً ينظر إليك؟
قال: قد نظر إليَّ الطبيب.
قالوا: ما قال لك؟
قال: إني فَعَّالٌ لِمَا أرِيدُ، أي: وصل الموت، يقول أحد شعراء العرب:
مات المداوي والمداوى والذي صنع الدواء وباعه ومن اشترى
وهذا البيت ينسب إلى أبي العتاهية، وقيل لـ ابن الرومي.
نزل به الموت، يقولون: نحن ندعو لك طبيب، نبحث لك عن طبيب.
قال: هيهات! يقول الطبيب: إني فعال لما أريد.
ودخلوا على ابن تيمية، وهو في مرض الموت ﵁، وكان يتقلب من ألمٍ ألمَّ به، والله يشدد على الصالحين في سكرات الموت حتى يمحص ذنوبهم، واستدل على ذلك بحديث رواه الترمذي: ﴿المؤمن يموت بعرق الجبين﴾.
فقالوا لـ ابن تيمية: ماذا تشتكي؟ قال:
تموت النفوس بأوصابها ولم يدرِ عوادها ما بها
وما أنصفت مهجة تشتكي أذاها إلى غير أحبابها
هذه من أجمل ما قيل.
ودخلوا على أحد الصالحين، قالوا: كيف بك؟ أتريد الطبيب؟ قال: تريدون أن تعيدوني إلى الشباب!! ﴿وَمَنْ نُعَمِّرْهُ نُنَكِّسْهُ فِي الْخَلْقِ أَفَلا يَعْقِلُونَ﴾ [يس:٦٨] ثم قال:
أترجو أن تكون وأنت شيخ كما قد كنت في عصر الشباب
لقد كذبتك نفسك ليس ثوب بلي كالجديد من الثيابِ
ودخل عليه بعض الصحابة، فقال له قائل: [[ما أنت قائلٌ لربك إذا سألك عن استخلافك عمر علينا، وقد ترى غلظته، وشدته، وحزمه، وقوته، فقال أبو بكر: بالله تخوفني؟
أقول لله إذا سألني: اللهم إني استخلفت عليهم خير أهلك، أبلغ عني ما قلت من وراءك]] أي: من المسلمين، أخبرهم أني استخلفت عليهم خيرهم.
وكتب له، وكان الكاتب عثمان، وكان أبو بكر يملي على عثمان، وكان أبو بكر على مخدة وكان مريضاً، وعثمان كاتب الوصية، وصية المسلمين، وكان عمر يبكي في بيته، لكن كان عمر يزور أبا بكر كثيراً، وفي الأخير خرج يبكي ذاك اليوم لأنه عرف أن أبا بكر سيموت، فتأخر علَّ الله أن يصرف عنه الخلافة لأحد من الناس؛ لأنها مشكلة، كارثة، كيف يتولى عمر الأمة.
وفي أثنائها قال أبو بكر لـ عثمان اكتب:
[[بسم الله الرحمن الرحيم هذا ما عهد أبو بكر بن أبي قحافة في آخر عهده بالدنيا خارجاً منها إلى الله، وعند أول عهده بالآخرة داخلاً فيها -وكان عثمان يكتب الرسالة ودموعه تسقط على القرطاس، هذا عثمان بن عفان الخليفة الثالث- حيث يؤمن الكافر ويوقن الفاجر، ويصدق الكاذب، إني استخلفت عليكم بعدي عمر بن الخطاب فاسمعوا له وأطيعوا، وإني لم آلُ الله ورسوله ودينه ونفسي وإياكم خيراً -يقول: والله إني اجتهدت- وإني اجتهدت في هذا فإن عدل في الحكم فذلك ظني به وعلمي فيه -يقول: والله إني أحسنت الظن به، إن عدل بعدي فعسى الله أن يكون، وهذا ظني به- وإن بدل فإن لكل امرئ ما اكتسب، والخير أردت، ولا أعلم الغيب: ﴿وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ﴾ [الشعراء:٢٢٧]-يقول: انتبه يا عمر - والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته]].
ثم أمر بالكتاب فختم، فقام به عثمان، وتباكى الصحابة وعثمان يسلم الخطاب لـ عمر، ومعه خطاب آخر يقول: [[يا عمر اتق الله لا يصرعنك الله مصرعاً كمصرعي]] فوصل الخطاب، ففتحه عمر، وبكى وأبكى من معه من أهل البيت، ثم جلس، فقال: ماذا أفعل؟
قالوا: انظر ماذا فعل أبو بكر، فقدموا له بقية التركة، قال ابن سعد والحاكم عن ابن مسعود قال: ما قدموا له إلا شيئاً يسيراً فبكى عمر وقال: [[أتعبت الخلفاء بعدك يا أبا بكر]] رضي الله عن أبي بكر.
стр. 374
أوليات أبي بكر الصديق
منها: أنه أول من أسلم ﵁.
وأول من جمع القرآن، وأول من سماه مصحفاً.
وأخرج أحمد عن أبي بكر بن أبي مليكة قال: قيل لـ أبي بكر، يا خليفة الله -أول ما نادوه بالخلافة لم يكن معه اسم، ماذا يقولون له؟ توفي رسول الله ﷺ ولم يعين أسماء لمن بعده؟ قالوا: يا خليفة الله، قال: [[أنا خليفة رسول الله ﷺ ، وأنا راضٍ بهذا]] أي يقول: سموني خليفة الرسول ﷺ .
وأول من تسمى بأمير المؤمنين: عمر، إنما أبو بكر كان يسمى خليفة رسول الله ﷺ .
ومنها: أنه أول من ولي الخلافة وأبوه حي.
وأول خليفة فرض له رعيته العطاء؛ لما أراد العطاء مع المسلمين، وزع العطاء على المسلمين إلا نفسه تركها، فقام وجمعهم، وقال: [[أيها الناس: إني شغلت بالخلافة عن الكسب، وكنت احترف، وكنت أعمل لأهلي، وأكد على أهلي، فافرضوا لي من بيت المال فرضاً؟
قالوا: لك ألفا درهم.
فقام أبو عبيدة قال: لا.
أبو بكر رجل مضياف أرى أن نفرض له ألفين وخمسمائة درهم في السنة، فرضي بها ﵁، وقالوا: لك حلتان، حلة في الشتاء وحلة في الصيف، أي: إذا أتى الشتاء كسوناك من بيت المال ثوب صوف، وإذا أتى الصيف كسوناك ثوباً أبيض تتبرد فيه.
قال: رضيت بهذا، فرضي بهذا ﵁، وفرض له هذا]].
قال: لما بويع أبو بكر أصبح وعلى ساعده أبراد ثياب يذهب بها إلى السوق، فلقيه عمر قال: أين تريد؟ قال: السوق، ترتاح أنت وفلان وفلان وتتركون أطفالي جياعاً، يقول: شغلتموني بالخلافة، أكتب، وأجهز الجيوش، وأدير الدولة، وأطفالي يموتون، أول النهار أشتغل في البز أبيع وأشتري في القماش، وفي آخر النهار أصرف أمور الدولة، قال عمر: لا، فجمع الصحابة وقال: نفرغك للخلافة لكن بشرط أن نعطيك راتباً تقنع به، فرضي الله عنه وأرضاه.
وهو أول من جمع القرآن، قال زيد بن ثابت: أرسل إلي أبو بكر مقتل أهل اليمامة -قتل القراء في اليمامة - وعنده عمر، فقال أبو بكر: إن عمر أتاني فقال: إن القتل قد استحر في أهل اليمامة، وإني أخشى أن يذهب القراء، ويذهب القرآن معهم، فاجمع القرآن فإنك شاب عاقل لا نتهمك، وقد كنت تجمع القرآن في عهد الرسول ﵊، قال زيد بن ثابت: [[والله لو كلفوني بنقل جبل من مكانه لكان أسهل عليَّ]] فبدأ يتتبعه ويجمعه، وكان يشرف على هذا المشروع أبو بكر بنفسه ﵁ وأرضاه.
وكان أبو بكر ﵁ يسأل، ويمر على كثير من بيوت الأنصار، ويسأل عن معاريف الرسول ﷺ فيصلهم، معاريف الرسول ﷺ الذين كان رسول الله يحسن إليهم، كان يصلهم بخلافته، وكان إذا قسم شيئاً بدأ بزوجات الرسول ﷺ فأعطاهن، ثم بدأ بالمسلمين، وكانت تستوقفه العجوز ﵁ وأرضاه، فيقف لها طويلاً يحدثها حتى تنتهي.
стр. 375
بيعة أبي بكر في سقيفة بني ساعده
أما مبايعته فتعرفون أنه لما اختلف الناس بعد موت الرسول ﷺ ، وقد أشار رسول الله ﷺ إلى فضل أبي بكر في سكرات الموت، لما قال: ﴿مروا أبا بكر فليصل بالناس﴾ واجتمع الأنصار في سقيفة بني ساعدة، واختلفوا من يولوا عليهم، أتى أبو بكر وعمر وأبو عبيدة، فتكلم عمر بكلام لم يعجب الأنصار، كان عمر ﵁ قوياً، وهذه المجالس التي فيها جدل وفيها محاورة وشورى تحتاج إلى رجل لين فصيح، يحاول أن ينظم الكلام، قال عمر: فزورت كلاماً في صدري، فمنعني أبو بكر أن أتكلم، وأسكتني، فتكلم بكلام فوالله ما ترك في صدري شيئاً إلا أتى بأحسن منه وما تهيأ أبو بكر، وقد كان الأنصار يريدون الخلافة لأنهم في الدار، أو يريدون أن يكون منهم خليفة، وعندهم اقتراحات، يكون الخليفة منهم، والاقتراح الثاني: يكون من المهاجرين خليفة ومن الأنصار خليفة.
قال أبو بكر: أيها الأنصار: واسيتم وكفيتم وأطعمتم وسقيتم، فجزاكم الله عنا خير الجزاء، والله يا معشر الأنصار ما مثلكم ومثلنا إلا كما قال طفيل الغنوي يمدح بني جعفر:
جزى الله عنا جعفراً حيث أشرفت بنا نعلنا في الشارفين فزلتِ
هم خلطونا بالنفوس وألجئوا إلى غرفاتٍ أدفأت وأظلتِ
أبوا أن يملونا ولو أن أمنا تلاقي الذي يلقون منا لملتِ
فلما سمعوا هذا الكلام العجيب، والسحر الحلال، قاموا فبايعوه فبايعه الناس، ثم عاد إلى المسجد فبايعه الناس البيعة العامة، وتولى أمر الأمة، ومكث سنتين وستة أشهر، وكان في خلالها مريضاً، مجهداً، قليل النوم حتى توفاه الله، جمعنا الله به في دار الكرامة.
وكان ﵁ وأرضاه إذا أراد الخروج إلى الصلاة مرَّ ببيوت جيرانه، وببيوت أبنائه وأخرجهم معه إلى الصلاة.
стр. 376
طرائف من حياة الصديق
ومن الطرائف في حياته: أنه مر بابنه فأخرجه، فتأخر ابنه فعاد إليه يصيح عليه عند الباب، وكان عند أبي بكر حدة، ويقول: أخرته فلانة، يعني: زوجته، يقول: ما خرج معنا يدرك تكبيرة الإحرام أخرته فلانة.
ومن الطرائف في حياته التي رواها البخاري، أن ضيوفاً أتوا الرسول ﷺ ، وكان أبو بكر يتصدى للضيافة في أول الناس هو وسعد بن عبادة، فأكثر ما ينطلق من الضيوف مع أبي بكر وسعد لأنهما أكرم الناس وعندهم تجارة وخير، فكان أبو بكر من المهاجرين، وكان سعد بن عبادة من الأنصار، قال: كان بعض الصحابة يضيف اثنين وثلاثة على حسب ما عنده من الطعام، وكان أبو بكر يأخذ الثمانين وحول ذلك، فانطلق بهم إلى سرحة معه، فقال لـ بنت أبي فراص -أي زوجته- اصنعي لهؤلاء طعاماً، وصنعوا طعاماً، وذهب هو وقال للناس أن يتعشوا ويأكلوا، فقدموا الطعام، وذهب هو إلى الرسول ﵊، لأن الرسول ﷺ كان عنده ضيوف، لكن يريد أبو بكر أن يكون مع الرسول ﷺ ، قريباً منه حيث تأتيه وفود العرب يسمع ماذا يقولون؟ وماذا يقال له؟ ولا يرتاح أن يكون في بيته ويفارق الرسول ﷺ ، وترك ابنه في البيت، ليضيف الناس، فصنعوا الطعام، وأنزلوا الصحاف للناس ليأكلوا، وقال الضيوف من العرب: والله لا نأكل حتى يأتي أبو بكر، فبرد العشاء عليهم، وأتى أبو بكر بعدما نام الناس، قال: أين الضيوف؟ نام بعضهم وبعضهم لم ينم، قال: قدمنا لهم الطعام، ولكن ما أكلوا، واختفى ابنه -وهذا في البخاري - اختفى وراء الستار خوفاً من أبي بكر.
قال: يا غنثر! يقول لابنه، وسبَّ، وجدَّع، لكنه يتأثر، كلوا ثم قال: بسم الله الرحمن الرحيم، فأنزل الضيوف يأكلون، قالوا: والله ما رفع لقمة إلا أتى بدلها لقمة، قال: فلما أكل هؤلاء الثمانون ما نقص من الصحاف شيء، فوزعها في أهل المدينة.
ونص على ذلك النووي في رياض الصالحين في باب كرامات الأولياء ﵁ وأرضاه.
وكان شديد الحدة، دخل مرعى الصدقة الذي تقسم فيه إبل الصدقة ومعه خطام، قال لـ عمر: ادخل معي ولا يدخل أحد.
فوقف الناس الأعراب، والمسلمون، والفقراء خارج السور، يريدون أن يأخذوا شيئاً من الإبل، فدخل وقال: للحارس لا يدخل أحد، فدخل أعرابي مع دخول عمر.
فنظر إليه أبو بكر، فأخذ الخطام فضرب الأعرابي على رأسه بالخطام، وقال: اخرج.
ثم التفت فتأثر، وتذكر لقاء الله ﴿يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [المطففين:٦] قال: تعال يا أخا العرب تعال، اقتص مني خذ الخطام، قال عمر: والله لا تكون، قال: ولم؟
قال: كلما أدبنا الرعية ضربونا، أي: تريد تسنها سنة، يعني: كلما أدبت إنساناً مشاغباً قام يضربني، لأنه لو فعلها أبو بكر كان عمر يفعل ذلك.
قال: ماذا ترى؟
قال: أعطه جملاً من الجمال.
قال: صدقت، فأعطاه جملاً بالخطام، وقال: خذ، والأعرابي يريد الجمل ولو بعشرين ضربة، فأخذها وخرج وقد عفا عن أبي بكر، وقال: غفر الله لك! وهذا الذي يريد ﵁ وأرضاه.
ومن الطرائف في حياته: أنه كتب صكوكاً لأناس يتألفهم على الناس؛ والتألف في عهد الرسول ﵊، لكن من الأراضي العامة يتألفهم، فكتب لـ عيينة بن حصن أرضاً قريبة من المدينة يتألفه وادٍ فيه ماء، قال: فأتى عيينة بن حصن إلى أبي بكر ﵁ وقال: أنجز لي ما وعدتني من الأرض، فكتب له رسالة وقال: مر بـ عمر يرى الرسالة؛ لأنه مستشاره، فمر إلى عمر وهو يطين حائطاً له، فقال: أرني الرسالة؟
فأراه فقطعها، ثم رماها، فقال: كنا نتألف الناس في عهد الرسول ﵊ ونحن ضعفة، فأما الآن فنحن أقوياء، إما أسلمت وإلا هذا السيف.
قال: أنت الخليفة أم أبو بكر؟
قال: أنا هو غير أنه إياي! وهذا من أجمل ما قيل في كلام العرب، يقول: أنت الخليفة لماذا تشق المرسوم، قال: أنا وهو شيء واحد.
فأقره أبو بكر، وتبسم لما سمع خبره، لأنه يفوضه في كثير من الأمور، ومقصود عمر أنه لا تتألف الناس والإسلام قوي كما في عهد الضعف، أما في عهد القوة فمن يدخل فبها ونعمت! ومن يخرج يقتل بالسيف، بعدما وضح الدين، فألغى أبو بكر الإقطاعيات بسبب كلام عمر ﵁ وأرضاه.
وكان أبو بكر إذا تحدث وقف عمر كالحارس على ظهره، أي: كالجندي، يريد أبو بكر أن يتكلم للناس، يقف ﵁ وأرضاه من باب التشريف لـ أبي بكر والتقديم له يقف حتى ينتهي من الكلام، ويسل سيفه بين يديه.
وقال الأحنف بن قيس: [[دخلت المدينة فإذا الصحابة مجتمعون، وإذا شيخان أحدهما يقبل رأس الآخر، قلت: من هذان الشيخان؟ قالوا: أبو بكر وعمر]] أي: اختلفوا في مسألة ثم تراضوا، فقام هذا يقبل رأس هذا، وذلك لأن عمر قال لـ أبي بكر: لا تقاتل من منع الزكاة ولكن ادعهم، فقام أبو بكر غضباً من كلام عمر، فأخذ بلحية عمر وكانت كثة، وهز رأسه، وقال: جبار في الجاهلية، خوار في الإسلام؟!
يقول: كنت تخوف الناس في الجاهلية، ولما أتيت في الإسلام أصبحت جباناً، فدعا له بالبركة ثم عفا عنه، ثم قام معه، وكان من أول من قاتل معه في سبيل الله .
انتهت محاضرة " أبو بكر في عصر الذرة" وأسأل الله أن يجمعنا به، وأخباره طويلة، ومن أراد الاستزادة فليراجع كتب التاريخ، وليعش مع أبي بكر ﵁ وأرضاه، وليتقدم بين يديه، وليسمع أخباره؛ فإنها مضرجة في الصحيح، بل في الصحيح أن الرسول ﷺ عند مسلم قال: ﴿من أصبح منك اليوم صائماً؟ قال أبو بكر: أنا.
قال: من زار مريضاً؟ قال أبو بكر: أنا.
قال: من شيع جنازة؟ قال أبو بكر: أنا.
قال: من تصدق بصدقة اليوم؟ قال أبو بكر: أنا، وسكت الناس، قال: ما اجتمعت هذه الخصال في امرئ في يوم واحد إلا دخل الجنة﴾ وهو من أهل الجنة نشهد الله على ذلك، ونشهد الله على محبته فإنه كان من أكبر الأسباب والمتسببين من الناس في نشر هذا الدين، وفي اجتماعنا في هذا المسجد، وفي نزول هذا الهدى، وفي انتصار هذا الدين، وهذا المنهج الرباني، وفي بقائه في الأرض، هو من أكبر المناصرين، فرضي الله عنه وأرضاه.
стр. 377
الأسئلة
стр. 378
الوصول إلى درجة أبي بكر
السؤال
أريد أن أصل إلى درجة أبي بكر، فماذا أفعل؟
الجواب
لن تصل ولا تتعب نفسك أبداً، يقول الشاعر:
لا تعرضن لذكرنا في ذكرهم ليس الصحيح إذا مشى كالمقعد
ولو اجتمعنا كلنا ما وصلنا إلى جزئية من جزئيات أبي بكر ﴿قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَشْرَبَهُمْ﴾ [البقرة:٦٠]
عذرت البزل إن هي قارعتني فما بالي وبال ابن اللبونِ
وابن البونِ إذا ما لز في قرنٍ لم يستطع صولة البزل القناعيسِ
لشتان ما بين اليزيدين في الندى: هذان يزيدان كانا أميرين أحدهما في مصر والآخر في العراق، فأحدهما كان لصاً ومرتشياً يسرق أموال الناس ويبني بها البيوت، ويزيد بن حاتم كان ينفق على الناس وعلى الفقراء ولا يمسك شيئاً، فأتى شاعر عند يزيد القيسي فطلب منه فمنعه، ويقولون: إنه احتال عليه حتى أخذ ما عنده من رحل، بعض الناس إذا أتيت ومعك حذاء جميل أخذها، ومعك سيارة جيدة سلبها، ولكن الآخر أعطاه، فقال في شعره:
لشتان ما بين اليزيدين في الندى يزيد بن عمرو والأغر بن حاتم
فهمُّ الفتى الأزدي إتلاف ماله وهمُّ الفتى القيسي جمع الدراهمِ
ولا يحسب التمتام أني هجوته ولكنني فضلتُ أهل المكارمِ
والتمتام الذي لا يعرف يتكلم.
فعلى كل حال لا نستطيع أن نصل إلى درجة أبي بكر، لكنك بحبك تحشر معه، وبعملك على قدر مستواك، وبجهدك، لأن أبا بكر وفق لأمور:
منها: أن النبي ﷺ معه.
ومنها: أنه عاش في زمن الوحي.
ومنها: أن الله أعطاه الإخلاص والإيمان.
ومنها: أنه بذل وجاهد.
ولكنا نطلب من فضيلتك -أيها السائل- أن تصلي الفجر معنا في الجماعة وكثر الله خيرك، وحفظك، وألا تستمع الغناء، ولا تطيل ثوبك، ولا تحلق لحيتك، ولا تشرب الدخان، وإن شاء الله بإذن الله تنجو يوم القيامة.
أما أبو بكر، فالعالم الإسلامي عدده مليار اليوم، لو جمعت المليار وصغتهم في رجل واحد ما صاروا مثل أبي بكر، ولو كان عندنا أبو بكر هنا كنا انتصرنا على العالم بإذن الله، بفضل الله ، لكن ليس عندنا أبو بكر.
يقول محمد إقبال: مخ مائتي حمار لا تساوي مخ رجل، وليس أقصد الناس المستمعين فإنهم أبطال وأسود، ولكني أقصد الأوباش المتخلفين لو جمعت مخوخهم وأدمغتهم ما بلغوا مثل دماغ أبي بكر أبداً.
أبو بكر أتى بتربية من الرسول ﵊ واجتهد.
стр. 379
سيرة أبي بكر الصديق حقائق وليست مبالغات
السؤال
أنا أحب الواقعية ولا أحب المبالغة في الأمور، ولا أتأثر بالشيء الذي أرى فيه غرابة، ولكني رقيق القلب عند الموعظة كثيراً كثيراً، وأحاول قيام الليل، وأوبخ نفسي كثيراً؟
الجواب
أما قولك في المبالغة إن شاء الله فليس هنا مبالغة، بل نحن ما زلنا في أقل الأخبار عن أبي بكر، وكلها ما صح عنه، إن كان تقصد هذا، إن كان تعرف بنا.
فما أتينا إلا بالحق وليست مبالغة ﴿أَفَسِحْرٌ هَذَا أَمْ أَنْتُمْ لا تُبْصِرُونَ﴾ [الطور:١٥] البخاري يروي ومسلم والعالم كلهم وأنتم تقولون مبالغة.
مايكل هارف يثبت سيرة أبي بكر وسيرة عمر وكريسي موريسون وفلان وفلان، والغربيون ألفوا عنه كتباً، وأنتم نقول: إنها مبالغة، ما بالغنا لأننا نعيش في عصر إذا قارنت ما فيه بذاك قلت: مبالغة، وليس فيه من المبالغة شيء.
стр. 380
المفاضلة بين الصحابة في الحب
السؤال
أحب الصحابة كلهم، لكن أحب أبا بكر أكثر؟
الجواب
هذا هو السنة، ألا تساوي بين أبي بكر وعمر وعثمان وعلي، وهكذا دواليك.
стр. 381
معنى قول الرسول ﷺ : إنكن صويحبات يوسف
السؤال
ما معنى قول الرسول ﷺ : ﴿إنكن صويحبات يوسف﴾؟
الجواب
أي: أن النساء هن مثل اللواتي اجتمعن في بيت امرأة العزيز، فقطعن أيديهن ليمكرن به ﴿وَقُلْنَ حَاشَ لِلَّهِ مَا هَذَا بَشَراً إِنْ هَذَا إِلَّا مَلَكٌ كَرِيمٌ﴾ [يوسف:٣١] فمن باب أن الرسول يسبهن سب تأديب.
стр. 382
قصيدة في أبي بكر الصديق
السؤال
هل تسمعنا أبيات في مدح الصديق ﵁؟
الجواب
سوف يكون لي في ذلك قصيدة، ولكن الآن قصيدة حسان، وصاحب الغار:
إني سوف أذكره وطلحة بن عبيد الله ذا الجود
يقول حسان:
إذا تذكرت شجواً من أخي ثقة فاذكر أخاك أبا بكر بما فعلا
التالي الثاني المحمود سيرته وأول الناس طراً صدق الرسلا
стр. 383
أحوال الأمة
السؤال
كان الناس يقولون كلمة الحق، وكان العلماء ينصحون، ويوجهون، وكانت الأمة تستمع كلمة الحق، وكان العصاة يتأثرون، فما للأمة أصبحت كما ترى؟
الجواب
يقول الأصمعي: مررت بأعرابي يقول:
يا رب إني جالس كما ترى وامرأتي جالسة كما ترى
فما ترى يا ربنا فيما ترى
أي هو فقير فيقول: أنا فقير والمرأة فقيرة، وأنت برأيك؟!
أحد الناس الحمقى ذهب إلى غار حراء، فكان يدعو الله ، وكان وراءه حجر صغير فسقط، قال: لا تدفعنا يا رسول الله! أتينا نطلب الله!
أيها الإخوة الكرام: إلى لقاءٍ آخر نترككم، ونسأل الله لنا ولكم التوفيق والهداية، وسلام الله عليكم ورحمته وبركاته.
стр. 384
احفظ الله يحفظك
إن كل متمسك بهذا الدين معتز به يعلم أنه إذا حفظ الله فإن الله سوف يحفظه، وكم في هذه الأمة من نماذج رائعة ضربت أروع الأمثلة في الشجاعة والتضحية والعزة في هذا الدين، ولم يكن ذلك إلا بحفظ الله، وقد ذكر الشيخ - حفظه الله- خمسة عشر قصة تبين حال من حفظ الله، فكان بحفظ الله لا يخاف في الله لومة لائم، ولا بطش سلطان ولا جبروت متجبر، ولكن ليعلم كل إنسان أن هذا الحفظ مقرون بالتزامات من ضيعها فإنه ليس ممن يستحق حفظ الله له.
وحتى تكتمل الصورة ذكر الشيخ نماذج ممن ضيعوا الله فضيعهم الله.
стр. 385
نص حديث: (احفظ الله يحفظك) وروعة معانيه
الْحَمْدُ لِلَّهِ الذي كان بعباده خبيراً بصيراً، وتبارك الذي جعل في السماء بروجاً وجعل فيها سراجاً وقمراً منيراً، وهو الذي جعل الليل والنهار خلفة لمن أراد أن يذكر أو أراد شكوراً، وأشهد أَنْ لا إِلَهَ إِلَّا الله، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله بعثه ربه هادياً ومبشراً ونذيراً، وداعياً إلى الله بإذنه وسراجاً منيراً، بلغ الرسالة وأدى الأمانة ونصح الأمة وجاهد في الله حتى أتاه اليقين، فصلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.
أيها المسلمون: عنوان هذه المحاضرة: احفظ الله يحفظك.
وهي للمرة الثانية تقال، ولا تزال تُكرر ما دام في الأرض إسلام وما دام في الأرض مسلمون.
من يتقِ الله يحمد في عواقبه ويكفه شر من عزوا ومن هانوا
من استجار بغير الله في فزع فإن ناصره عجز وخذلان
فالزم يديك بحبل الله معتصماً فإنه الركن إن خانتك أركان
صح عنه ﵊ عند الترمذي وأحمد أنه قال لابن عمه -حبر الأمة- عبد الله بن عباس ﵄: ﴿يا غلام! إني أعلمك كلمات: احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده تجاهك، تعرف على الله في الرخاء يعرفك في الشدة، إذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله، واعلم أن الأمة لو اجتمعوا على أن ينفعوك بشيء لن ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك، وإن اجتمعوا على أن يضروك بشيء لن يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك، رفعت الأقلام وجفت الصحف﴾ زاد أحمد في المسند: ﴿واعلم أن الفرج مع الكرب، وأن النصر مع الصبر، وأن مع العسر يسراً﴾.
وهذا الحديث صحيح، وهو وصية محمد ﵊ للأولين والآخرين.
قال بعض الصالحين: إذا أردت أن توصي حبيبك أو صاحبك أو ابنك فقل له: احفظ الله يحفظك.
قال أحد العلماء: تأملت في هذا الحديث فكدت أدهش لما فيه من معان جليلة.
ولذلك قال سليمان بن داود ﵇ وعلى أبيه: تعلمنا مما تعلم الناس ومما لم يتعلم الناس فما وجدنا كحفظ الله في الغيب والشهادة.
وقال ﵊ فيما صح عنه لـ معاذ وأبي ذر: ﴿اتق الله حيثما كنت، وأتبع السيئة الحسنة تمحها، وخالق الناس بخلق حسن﴾.
стр. 386
نماذج ممن حفظوا الله فحفظهم
وعناصر هذه المحاضرة هي:
أبو الطيب الطبري يقفز من السفينة بحفظ الله.
البرامكة ضيعوا الله فضيعهم الله.
العصفور في حفظ الله وفي كلاءته ينقل للحية رزقها.
الرجل الإسرائيلي يرسل رسالة في خشبة في البحر فيوصلها عالم الغيب والشهادة.
صلة بن أشيم يحميه الواحد الأحد من الأسد وهو في الصحراء.
عقبة بن نافع يخترق غابة أفريقيا فيتكلم بحفظ الله مع الوحوش فتعود إلى مستعمراتها.
سيف الله أبو سليمان خالد بن الوليد يتكلم مع الروم فينصره الله بكلمة رائعة.
إبراهيم ﵇ يلقى في النار فيتذكر عظمة الله فينصره الله ويحفظه الله.
نوح يركب البحر فيتذكر الواحد الأحد ويتخلى عن الأضداد والأنداد فيعلي الله كلمته.
يونس بن متى في ظلمات ثلاث حفظه الله عندما حفظ الله في الرخاء.
يوسف ﵇ يسبح في الجب فيحفظه الله في المآزق.
موسى بن عمران تدلهم عليه المصائب فيجتبيه الواحد الأحد.
الحسن مع الحجاج في صراع رهيب.
الأوزاعي مع عبد الله بن علي العباسي في مجلس من مجالس الموت.
أعرابي يتكلم مع الحجاج في الحرم.
الثوري مع أبي جعفر يصمته بحجة.
هذا وبقية العناصر سوف ترد، والله المستعان، وإنها لوصية للأولين والآخرين، وإن هذه المحاضرة لا توجه لصنف من الناس، إنما هي للملوك والأمراء وللوزراء، وللموظفين والأطباء والمهندسين، وللتجار والفلاحين، وللرجال والنساء.
دعها سماوية تجري على قدر لا تفسدنها برأي منك منكوس
يا حافظ الآمال أنتت حميتني ورعيتني
وعدا الظلوم علي كي يجتاحني فمنعتني
فانقاد لي متخشعاً لما رآك نصرتني
﴿فَاللَّهُ خَيْرٌ حَافِظاً وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾ [يوسف:٦٤] قالها يعقوب لما ضاع منه يوسف، وتذكر يعقوب أن الذئاب سوف تأكل يوسف، فقال: ﴿فَاللَّهُ خَيْرٌ حَافِظاً وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾ [يوسف:٦٤] وتذكر أن الفرقة حلت بينه وبين ابنه الحبيب، فقال: ﴿فَاللَّهُ خَيْرٌ حَافِظاً وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾ [يوسف:٦٤] وتذكر أن فلذة كبده لا يدري هل يعود أم لا؟! فقال: ﴿فَاللَّهُ خَيْرٌ حَافِظاً وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾ [يوسف:٦٤].
قال بعض العلماء: ضاع يوسف من أبيه يعقوب أربعين سنة، فرده الذي هو خير حافظاً وهو أرحم الراحمين.
стр. 387
أبو الطيب الطبري يقفز من السفينة
أتى أبو الطيب الطبري -أحد علماء الإسلام- إلى سفينة فركبها، فلما اقترب من الشاطئ -وهو في السبعين من عمره- أراد أن يدلف إلى الشاطئ فقفز، وكان معه شباب فأرادوا أن يقفزوا فما استطاعوا؛ فقالوا له: كيف استطعت وما استطعنا وأنت شيخ كبير؟ قال: هذه أعضاء حفظناها في الصغر فحفظها الله علينا في الكبر.
﴿فَاللَّهُ خَيْرٌ حَافِظاً وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾ [يوسف:٦٤] وهذه القصة ذكرها ابن كثير ﵀.
فالعين يحفظها الله إذا حفظت الله، والسمع يحفظه الله يوم يحفظ الله، وكذلك اليد والرجل: ﴿فَاللَّهُ خَيْرٌ حَافِظاً وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾ [يوسف:٦٤].
стр. 388
البرامكة ضيعوا الله فضيعهم
كان البرامة وزراء لبني العباس، فأعطاهم الله المال من الذهب والفضة، وطلوا قصورهم بكل شيء من الألوان، حتى قال بعض المؤرخين: كانوا يطلون قصورهم بماء الذهب! لكنهم ضيعوا أوامر الله، فالمعصية في داخل القصور؛ غناء وخمر ومجون وضياع وتضييع للصلاة، وزنا وفحش، فأخذهم علام الغيوب الذي يمهل ولا يهمل: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [يس:٨٢] فسبحانه ما أقدره! ولا إله إلا الله ما أعظمه! ولا إله إلا الله ما أجله! ورد في أثر قدسي: ﴿رقاب الملوك بيدي إذا أردت أن أقصم ملكاً قصمته﴾ وصح في الحديث: ﴿الكبرياء ردائي، والعظمة إزاري؛ من نازعني فيهما عذبته﴾.
فهؤلاء الوزراء أخذوا في غداة واحدة، سلط الله عليهم أحب الناس إليهم وهو هارون الرشيد، الذي كان صديقهم وأخاهم وهو الخليفة، فغضب عليهم ضحى (قبل الظهر) فأخذ شبابهم، فقتلهم بالسيف قبل الظهر، وأخذ أشياخهم فأودعهم في السجن، وأخذ أبناءهم فجعلهم في المستعمرات تحت الأرض، وأخذ النساء فأوصد عليهن في الغرف.
بكاء هنا وبكاء هناك، ودمع هنا ودمع هناك.
قيل لـ يحيى بن خالد البرمكي: ماذا أنزلكم في هذا المنزل في الظلام بعد هذه النعم، بعد الذهب، والحرير، والديباج؟! قال وهو يبكي: دعوة مظلوم سرت في ظلام الليل غفلنا عنها وما غفل الله عنها!
جاءت تردى تمشي رافعاً ذراها أولها ردت على أخراها
قيل لـ علي أبي الحسن ﵁ وأرضاه: كم بين العرش والتراب؟ قال: دعوة مستجابة.
لم يجب بالأميال ولا بالكيلومترات ولا بالمقايسات، وإنما قال: دعوة مستجابة يرفعها الله على الغمام حتى تصل إليه، ثم يقول: وعزتي وجلالي لأنصرنك ولو بعد حين.
وكان ﵊ يقول لـ معاذ فيما صح عنه: ﴿واتق دعوة المظلوم فإنه ليس بينها وبين الله حجاب﴾.
أُخِذ البرامكة، فبقي الشيخ أبوهم في السجن سبع سنوات، طالت أظافره، وطال شاربه، ما وجد مقراضاً يقلم أظفاره ما وجد مقصاً يأخذ من شاربه، كان يتوضأ ويقضي حاجته في مكانه وفي زنزانته، وهو يبكي بعد النعيم، وبعد السرير والديباج.
باتوا على قمم الأجبال تحرسهم غلب الرجال فما أغنتهم القلل
واستنزلوا بعد عز من معاقلهم إلى مقابرهم يا بئسما نزلوا!
﴿فَاللَّهُ خَيْرٌ حَافِظاً وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾ [يوسف:٦٤].
من الذي يصرف الأمور إلا الله؟! من الذي بيده المقاليد إلا الواحد الأحد؟! من الذي يأخذ رقاب الناس ويأخذ لهذا من هذا إلا الله؟! فاعتمد على الله، ولذلك ندد الله بالمشركين والمتخلفين والفجرة فقال: ﴿وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً لا يَخْلُقُونَ شَيْئاً وَهُمْ يُخْلَقُونَ وَلا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ ضَرّاً وَلا نَفْعاً وَلا يَمْلِكُونَ مَوْتاً وَلا حَيَاةً وَلا نُشُوراً﴾ [الفرقان:٣].
стр. 389
العصفور ينقل للحية رزقها
قال ابن الجوزي في صفة الصفوة: رأى رجل عصفوراً يطير من شجرة إلى شجرة وبفمه لحم، فصعد هذا الرجل إلى النخلة فوجد فيها حية عمياء، فكان إذا اقترب منها العصفور وشوش لها بصوته فتفتح فمها فيضع قطعة اللحم.
حية يصلها رزقها إلى رأس النخلة بعصفور، وهي عمياء يوصوص لها العصفور فترفع فتفتح!!
من الذي دل العصفور؟! إنه الواحد الأحد، رب العصفور، ومن الذي رزق الحية؟! إنه الحي القيوم رب الحية: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ [هود:٦].
стр. 390
مالك بن دينار
قال ابن رجب وهو يروي عن أحد الصالحين، وهو مالك بن دينار قال: نمت في حديقة، فاستيقظت من نومي وإذا بحية أخذت زهرة في فمها وهي تزيل البعوض والذباب عن وجهي.
سبحان الله! ونحن نقر كرامات الأولياء ونشهد أنها حق، وقد أقرها أهل السنة والجماعة، ولكن الشاهد ﴿فَاللَّهُ خَيْرٌ حَافِظاً وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾ [يوسف:٦٤].
следующие страницы →