Полный текст (10 391 стр.). Показаны 3291–3330 · переход к 3296.
стр. 3291
شريط للشيخ ناصر العمر
السؤال
أحد الأخوة يقول: حبذا لو نبهتم الإخوة على شريط للشيخ ناصر العمر بعنوان مشروع مقترح؛ لأنه شريط مفيد جداً؟
الجواب
نعم، الشيخ الدكتور ناصر العمر؛ من أحسن من يتكلم في هذه الموضوعات وفي غيرها، ومثله يحرص على السماع له، وقد فتح عليه من الله في كثير من القضايا؛ منها شريط مشروع مقترح، وهو يهم طلبة العلم، وشباب الصحوة، والدعاة؛ حتى يعملوا وينفعوا أمتهم على بصيرة.
فأنا أدعوكم لسماع هذا الشريط، وإهدائه على من ترون من المسلمين.
стр. 3292
شائعة بخصوص الشيخ علي الطنطاوي
السؤال
سمعنا أن الشيخ علي الطنطاوي لا زال حياً؟
الجواب
أبشركم أنه لا زال حياً، وهو لا زال على قيد الحياة، وقد تمر ببعض الأشخاص في الحياة أمور وأخبار أنهم ماتوا وهم أحياء.
يقول أحد الفضلاء: كنت جالساً في الحرم -هو من المفكرين- قال: فأتاني أحد الشباب، فقال: أنت لم تمت؟ قال: لا.
قال: حدثني فلان أنك مت، قال: لا لم أمت، قال: والله هو قال لي وهو لا يكذب.
قال: والله إن مت فلا أدري، لكني أنا موجود انظر لي هنا.
وهذا مثل قصة جحا: أتاه رجل، يستعير حماره ليركبه، فقال جحا: الحمار ليس موجود أخذه فلان قبل أن تأتي، قال: صدقت.
فنهق الحمار من البيت، فقال: أسمع الحمار نهق وأنت تقول: ليس عندك، قال: سبحان الله تصدق الحمار ولا تصدقني!!
المتنبي مات كثيراً في حياته، وهو ما مات إلا مرة، لكن أماتوه كثيراً فيقول في قصيدة له يشكو ذلك، يقول:
بم التعلل لا أهلٌ ولا وطنٌ ولا نديمٌ ولا خِلٌّ ولا سكنُ
تحملوا حملتكم كل ناجيةٍ فكل بينٍ علي آثاركم ظعنوا
ما في هوادجكم من مهجتي عوض إن مت شوقاً وما فيها لنا ثمن
سهرت بعد رحيلي وحشة لكم ثم استمر مريري وارعوى الوسنُ
لا تلق دهرك إلا غير مكترث ما دام يصحب فيه روحك البدن
فما يديم سروراً ما سررت به ولا يرد عليك الغائب الحزن
ما كلُّ ما يتمنى المرء يدركه تجري الرياح بما لا تشتهي السفن
رأيتكم لا يصون العرض جاركمُ ولا يدرُّ على مرعاكمُ اللبن
كم قد قتلت وكم قد مت عندكمُ ثم انتفضت فزال القبر والكفن
وهؤلاء المحسودون في العالم دائماً يموتون، ويقال عنهم: صادفوا مشكلة، وتعرضوا لضربة قاصمة، وحد من نشاطهم، وأوقفوا عند حدهم، فـ المتنبي يقول: كم مت وأنا لم أمت إلا مرة! وكذا الجبان يقولون يموت مرات في اليوم، والشجاع لا يموت إلا مرة، حتى يقول العقاد في قصيدته، ويسلم على سعد زغلول، يقول فيها:
وفي كل يوم يولد المرء ذو الحجا وفي كل يومٍ ذو الجهالة يُلحدُ
يقول: الجاهل، الغبي، المعرض عن الله ، يموت دائماً، أما الشجاع فإنه يولد دائماً، والموت واحد.
وأسأل الله لي ولكم التوفيق والهداية والسداد والخير والنفع العميم، وأن يجعل أعمالنا خالصة لوجهه الكريم.
سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين، وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.
стр. 3293
الشباب واهتمامات العصر
من أخطر مشكلات العصر التي تواجه الشباب مشكلة الإلحاد والزندقة ومرض الشهوات وتخدير الهمم وتنويم العزائم, وإحباط المساعي، ولكل منها أساليب يجب التنبه لها والحذر منها.
وينبغي أن نتغلب على كل العوائق التي وضعها أعداء الله ضد المسلمين، وأن نهتم بالغايات، وأن نضع كل أمرٍ في مكانه الذي وضع له، فلا تجعل الوسيلة كالغاية.
стр. 3294
الرياضة وسيلة لا غاية
الحمد لله الذي كان بعباده خبيراً بصيراً, وتبارك الذي جعل في السماء بروجاً وجعل فيها سراجاً وقمر منيراً, وهو الذي جعل الليل والنهار خلفة لمن أراد أن يذكر أو أراد شكوراً, والصلاة والسلام على من بعثه ربه هادياً ومبشراً ونذيراً, وداعياً إلى الله بإذنه وسراجاً منيراً، بلغ الرسالة, وأدى الأمانة, ونصح الأمة, وجاهد في الله حق جهاده حتى أتاه اليقين، وأشهد أن لا إله إلا الله, وأشهد أن محمداً عبده ورسوله, صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم.
التحايا راسيات كالجبال والوفا أسرع من ريح الشمال
جئتكم بالحب صباً وافداً أنثر الأشواق في نادي الهلال
هذا النادي أسلم عليه خاصاً وعاماً، فسلام الله عليه وعلى أهله ورحمة الله وبركاته.
وعلى رأسهم الأمير الماجد/ عبد الله بن سعد , الذي يريد أن يرفع مع وسيلته في الرياضة لا إله إلا الله, وليس هذا بغريب عليه؛ فهو من أبناء هذه الجزيرة التي سجدت لله واعترفت بلا إله إلا الله، جزيرة قدرها الإسلام، وماؤها الإسلام، وهواؤها الإسلام، جزيرة فيها صخرة يتحطم عليها رأس كل ملحد ورعديد وزنديق، جزيرة تعلن تفوقها ورسالتها وعبقريتها وإبداعها وروعتها في نشر لا إله إلا الله، جزيرة هبط فيها الوحي، وسرى في هواها محمد ﷺ .
يا رب! أليست هذه الجزيرة التي سبحت بحمدك وقدستك؟
يا رب! أليست هذه الجزيرة التي سار على ثراها محمد ﷺ وأبو بكر وعمر وعثمان وعلي؟!
يا رب! أليست هذه الجزيرة التي قدمت الشهداء والعلماء والأدباء؟!
من ذا الذي رفع السيوف ليرفع اسمك فوق هامات النجوم منارا
كنا جبالاً في الجبال وربما سرنا على موج البحار بحارا
بمعابد الإفرنج كان أذاننا قبل الكتائب يفتح الأمصارا
لم تنس أفريقيا ولا صحراؤها سجداتنا والأرض تقذف نارا
الله أكبر! كم لهذه الجزيرة من همم ومجد! الله أكبر! كم لها من تاريخ وعلو! الله أكبر! كم لها من حضارة وصدارة.
نحن صانعو الفن والجمال والحب، نحن أهل الأيمان والحب والطموح، لا يعرف الناس الحب إلا من جعبتنا وكيسنا ومدرستنا، ولا يدرسون الإيمان إلا في مدارسنا , ولا يغذون بالحب إلا من شجرتنا، فليس بغريب أن يأتي نادي الهلال ليكون هلالاً في سماء المجد والمكرمات، ليحمل مع الرياضة رسالة عظيمة، فالرياضة نعتقد اعتقاداً جازماً أنها وسيلة وليست غاية، فغايتنا في الدنيا أن تسلم المعمورة للا إله إلا الله، لقد ملّت الدنيا والمعمورة الأطروحات التي طرحت على ساحتها من نابليون صاحب الدمار والعار والشنار، وأطروحات هتلر الذي أحرق البشرية بقنابله، وأطروحات تيتو الذي حزب الناس ضد الناس.
نحن نريد أطروحات محمد ﵊ ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ [الانبياء:١٠٧] رحمة مهداة ونعمة مسداة.
تعال يا من حاله في وبال ونفسه محبوسة في عقال
يا راقداً لم يستفق عندما أذن في صبح الليالي بلال
روض النبي المصطفى وارفٌ أزهاره فاحت بريا الجمال
ميراثه فينا جميل الحلى وأنتم أحفاده يا رجال
الموضوع هذه الليلة: "الشباب وأزمات العصر" وهو يدور على أربعة عناصر:
العنصر الأول: مدرسة الإلحاد والزندقة.
وهي مدرسة شيخها وأستاذها وعميدها فرعون عليه لعنة الله إلى أن يرث الله ومن عليها.
العنصر الثاني: مرض الشهوات، الذي أصيب به كثير من شباب الإسلام.
العنصر الثالث: تخدير الهمم وتنويم العزائم، ونجاح الاستشراق في ذلك.
العنصر الرابع: الحرب المعنوية وإحباط المساعي.
стр. 3295
مدرسة الإلحاد والزندقة
إن الأزمة الأولى هي: مدرسة الإلحاد والزندقة, والإلحاد مركب قديم وليس بحديث، وليس من صنع ماركس ولا لينين ولا هرتزل بل هو قديم قبله فرعون, وقبل فرعون شيخه وجده إبليس، يقول موسى, وهو رسول التوحيد، ورسول لا إله إلا الله: ﴿قَالَ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنْزَلَ هَؤُلاءِ إِلَّا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ بَصَائِرَ وَإِنِّي لَأَظُنُّكَ يَا فِرْعَوْنُ مَثْبُوراً﴾ [الإسراء:١٠٢] لقد علم أن لا إله إلا الله، وعلم أن الذي رفع السماء وبسط الأرض هو الله:
قل للطبيب تخطفته يد الردى من يا طبيب بطبه أرداكا
قل للمريض نجا وعوفي بعدما عجزت فنون الطب من عافاكا
والنحل قل للنحل يا طير البوادي من ذا الذي بالشهد قد حلاكا
وإذا ترى الثعبان ينفث سمه فاسأله من ذا بالسموم حشاكا
واسأله كيف تعيش يا ثعبان أو تحيا وهذا السم يملأ فاكا
سبحان الله! السماء تشهد أن لا إله إلا الله، والأرض تشهد أن لا إله إلا الله، والماء والهواء، وكل ذرة على وجه الأرض, ولكن مدرسة الإلحاد أبت ذلك، ومن عتوها وفجورها أنها تريد أن تدخل إلى الجزيرة العربية، تريد مركب الأدب يوم أخفقت في مركب الاقتصاد.
قبل أربعين سنة كان ماركس ولينين , أهل الحديد والنار, أعداء الشعوب، ظلمة الإنسان وأكلة الإنسان.
قالوا هم البشر الأرقى وما أكلوا شيئاً كما أكلوا الإنسان أو شربوا
أرادوا أن يلحد الإنسان وقالوا: لا إله والحياة مادة، فلما أخفقوا في الاقتصاد أتوا بمركب الأدب, وحرام أن تلحد هذه الجزيرة , أو أن يلحد صحفي واحد فيها أو شاعر أو أديب.
إن صحفنا ونوادينا لا بد أن تكون إسلامية، وقصاصنا إسلاميون، لأننا نفضل أن نموت ويحيا الإسلام، نغذيه بدمائنا, ونبني مجده على جماجمنا, فهو السراج والكنز والمصير والقوة والشرف والعمق والأصالة, ويوم نتخلى عن الإسلام نتخلى عن الأصالة والعمق والشرف, ونخسر أوراقنا في الساحة.
إن مركب الإلحاد حاول بشتى الوسائل التشكيك في المعتقد، بكتابة الكتب الرخيصة التي تشكك في الرسالة، وفي الله ، وفي الرسول ﷺ , سبحان الله! ﴿أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهاً وَاحِداً﴾ [ص:٥] سبحان الله! لا إله إلا هو: ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيّاً﴾ [مريم:٦٥] والله إن القلوب لتتفطر, وإن الجبين ليندى, وإن القلب ليرجف؛ يوم يذكر الإلحاد, كل شيء ربما نتفاوض معه، إلا مسألة الإلحاد, إنهم يريدون أن يلحد صحفي، أو أديب، أو شاعر، أو رياضي في جزيرة العرب.
أما علمتم يا أعداء الله! أن هذه الجزيرة حُمِل على أكتاف أبنائها لا إله إلا الله؟ وبعد خمس وعشرين سنة من الإسلام مات أبناؤها على ضفاف نهر اللوار والسند والهند وسمرقند وأسبانيا والأندلس المفقود، أتريدون إدخال الإلحاد هنا؟ أما بحثتم عن بلد غير هذا؟ أما هذه فإنها بلاد محمد ﵊.
ومرض التشكيك والإلحاد ورد كذلك في بعض المسرحيات التي تستهتر وتستهزئ بشخص الرسول الأعظم ﷺ , وايم الله، وتالله، وبالله ما طرق العالم أعظم من الرسول ﵊، أيريدون معجزة على رسالة محمد ﷺ ؟!
يقول شاعر وادي النيل:
أتطلبون من المختار معجزة يكفيه شعب من الأموات أحياه
كنا قبل لا إله إلا الله رعاة غنم وإبل؛ لا حضارة ولا ثقافة ولا معرفة ولا رقي، فلما جاء الرسول وبعث فينا وبث فينا الروح, فأصبحنا نتكلم بكلام الله, ونمسي أولياء لله على كتاب الله, نحيا لله ونموت على لا إله إلا الله.
أرواحنا يا رب فوق أكفنا نرجو ثوابك مغنماً وجوارا
كنا نرى الأصنام من ذهب فنهدمها ونهدم فوقها الكفارا
لو كان غير المسلمين لحازها كنزاً وصاغ الحلي والدينارا
من الذي جعل عمير بن الحمام يأتي في معركة بدر وهو يأكل التمر، فيقول ﵊ قبل المعركة وهو يعلن ساعة الصفر: ﴿يا أهل بدر , إن الله اطلع عليكم فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم، والله ما بينكم وبين الجنة إلا أن يقتلكم هؤلاء.
فيقول عمير بن الحمام وهو يأكل التمرات: يا رسول الله, ما بيني وبين الجنة إلا أن يقتلني هؤلاء.
قال: نعم.
فأخذ غمد سيفه فكسره على ركبته، ورمى بالتمرات، وقال: لا إله إلا الله، اللهم خذ من دمي هذا اليوم حتى ترضى.
ثم رمى بالدرع في الأرض وقاتل حتى قتل﴾.
أيفعل جنود نابليون وهتلر وتيتو وغاندي هذا الفعل؟!
كذبوا لعمر الله، والله ما يستميتون إلا على إحراق البشر، وأخذهم وامتهانهم.
لكن أصحاب الرسول ﵊ يريدون الله وما عند الله.
стр. 3296
مرض الشهوات
والأزمة الثانية التي تعرض لها شبابنا هي: الشهوات, وقى الله شبابنا المحن، وحماهم من الفتن ما ظهر منها وما بطن.
يا رب رحماك! أسلمت لك الجزيرة، وآمنت بك، لا نقولها والله تعصباً، فـ كابل هي قطعة منا, ثراها من ثرانا، وترابها من ترابنا، والهند وأسبانيا وتونس والعراق، وكل أرض في الأرض وكل سماء في السماء, لكن قلبنا هنا، ومصيرنا هنا، وكعبتنا هنا، وقبر رسولنا هنا, فاللهم احفظ علينا إسلامنا وإيماننا.
أزمة الشهوات قدمها الاستشراق والحزب الرأسمالي الغربي -حزب وارسو - إلى الشرق وأبناء المسلمين في كأس الخمر، وفي امرأة زانية وأغنية رخيصة ومجلة خليعة، هذه الأربع هدموا بها قممنا وشموخنا وعزتنا.
يوم كان العربي ينام على الثرى, وسيفه مصلوت, يستفيق الصباح فيقول: لا إله إلا الله, الحمد الله الذي أحيانا بعد موتنا وإليه النشور.
وينام على ذكر الله؛ أصبح اليوم ينام على العزف والناي والأغنية الرخيصة, عجباً! بعد أن كان ينام على القرآن ينام اليوم على الأغنية.
من فعل هذا؟ إنه الاستشراق، إنه مؤتمر بلغراد الذي يقول لأبنائه وأعضائه: لقد خسرنا الساحة مع المسلمين يوم أن قاتلناهم بالصواريخ والطائرات والقنابل, وبقي معنا حرب واحدة هي حرب الكأس والمرأة والأغنية والمجلة.
стр. 3297
كأس الخمر
لقد نجحوا نجاحاً باهراً يوم أن قدموا كأس الخمر ليضل به كثير من الناس، وإذا ذهب العقل ذهب المجد والعرض والشرف والسؤدد والنبل في الحياة الدنيا وفي الآخرة, وإذا ذهب العقل فلا تسل عن صاحبه، وإذا ذهب العقل فقد وصل الإنسان إلى مستوى البهائم والببغاوات والعجماوات.
стр. 3298
المرأة الفاتنة
قدموا المرأة الفاتنة إلى الشرق الأوسط، كوكب الشرق تعزف في الجماهير وتغني فيهم وهم يصفقون لكوكب الشرق، ويرددون كلمات كوكب الشرق, وطائرات إسرائيل غطت علينا شعاع الشمس.
قالوا هم البشر الأرقى وما أكلوا شيئاً كما أكلوا الإنسان أو شربوا
مهلاً فديت أبا تمام تسألني كيف احتفت بالعدا حيفا أو النقب
إذا تبدت لنا الميراج تقصفنا سعت لتسقطها الصيحات والخطب
شجباً ونكراً وتنديداً بغارتها الله كم نددوا يوماً وكم شجبوا
كيف انهزمنا وما هذي بعادتنا سيخبر السيف عنا والقنا السلب
لأن من يرقص مع كوكب الشرق لا يصارع طائرات إسرائيل.
والمرأة المنتفضة في فلسطين -ونسأل الله أن تكون انتفاضتها إسلامية- من المسئول عنها؟ إنهم شباب الجزيرة العربية، يرفع الجهاد من هنا، وتخرج الكتائب من هنا، ويسال الدم من هنا.
فالمرأة تقول: وامعتصماه، والطفل يقول: وإسلاماه.
حضر قطز -وهو مولى- معركة عين جالوت، فأراد المسلمون الانهزام فخلع خوذته وداس بها الأرض, وزأر كالأسد وقال: وإسلاماه, فتحرك المسلمون وعادوا إلى المعركة، فقتلوا التتار في لحظة.
وقفت امرأة في سوق عمورية , غريبة مسلمة تشهد أن لا إله إلا الله وتصلي الصلوات الخمس، وتخاف الله, فأتى إليها رومي فضربها على وجهها، فقالت: وامعتصماه.
تنادي الخليفة العباسي في بغداد.
فضحك الرومي وقال لها: انتظري الخليفة المعتصم حتى يأتيك على فرسه الأبلق وينصرك، فذهب رجل مسلم فأخبر المعتصم , فانتفض في قصره وقال: والله لا يغشى رأسي ماء من جنابة حتى أذهب إليها وأنصرها بإذن الله، فخرج بجيش مسلم موحد، جيش يقوم الليل ويردد الأذكار، يقول أبو تمام:
تسعون ألفاً كأساد الشرى نضجت جلودهم قبل نضج التين والعنب
وقد جاء المنجمون إلى المعتصم وقالوا: لا تقاتل هذا الشهر؛ لأن الأنجم السبعة والشهب السبعة تشهد أنك ستهزم في المعركة، فقال: كفرت بكم وبعلمكم، أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً رسول الله, توكلت على الله، حسبي الله ونعم الوكيل، فخرج فدكدك المدن واحدة واحدة، فلما انتصر قال أبو تمام للمنجمين: يا خرافيون يا متخلفون، يا من يعيش على الفكر العفن، أما انتصر؟
أين الرواية أم أين الدراية ما صاغوه من زخرف فيها ومن لعب
بهارج وأحاديث منمقة ليست بنبع إذا عدت ولا غرب
فالنصر في شهب الأرماح لامعة بين الخميسين لا في السبعة الشهب
وعاد وانتصر لأنه حمل لا إله إلا الله.
стр. 3299
المجلة الخليعة
ويتمثل مرض الشهوات في المجلة الخليعة.
إن المجلة الخليعة أخذت وقت القرآن، ووقت الحديث النبوي، ووقت الكتاب الإسلامي، والشريط الإسلامي، وهذا معناه أن الإسلام ينسحب تدريجياً من الساحة, والمجلة الخليعة يوم تنتشر هذا الانتشار؛ معناه أن مرض الجنس العدوى الجنسية سوف تنتشر بين الشباب، والتأخير عن صلاة الجماعة، وعن التلهف لتاريخ الإسلام، والتكاتف لحماية مقدسات الإسلام، وعن كعبة المسلمين، ومسرى الرسول ﵊، إن من صالحنا أولاً ومن صالح بلادنا وأمتنا أن نعود إلى القرآن لينقذنا الله .
يا أيها الفضلاء! ويا أيها النبلاء! إن هذا ليس بجديد عليكم, إن مسألة المجلة الخليعة لا بد أن يوجد لها بديل، أقولها بصراحة وأنا بين يدي مسئولين وأمراء وعلماء وطلبة علم يتفهمون القضية ويحرصون على خير الإسلام والمسلمين، نصبوا أنفسهم للمسئولية، وألقوا على عواتقهم تبعة لا إله إلا الله محمد رسول الله، ويوم توجد المجلة الخليعة وأمثالها؛ معناه أن هذا القرآن يؤخذ وقته, ولا يحب ولا يقرأ, وأمة لا تقرأ القرآن عفى عليها الزمن، وأمة لا تتصرف بالقرآن ليست بأمة.
كنا نقاتل الناس والقرآن في يد والسيف في اليد الأخرى، فسلوا عنا الشعوب, لقد فتحناها بالقرآن وبالسيف.
стр. 3300
الأغنية الماجنة
مهما ترخص مترخص فإن الأغنية التي تحبب الوله والغرام والعشق؛ تهدم صرح الإسلام، يقول المغنون والمغنيات، وأنا لا أثرب على أحد، ولا أذكر أسماءً ولا هيئاتٍ، ولكني أعرض حقائق.
يقولون: هم أهل الحب والفن والجمال! لا.
بل نحن أهل الحب والفن والجمال، حبهم ليس حباً، وفنهم ليس فناً، وجمالهم ليس جمالاً، وهذه مقالة قد عرض لها أبو الحسن الندوي الداعية الكبير وغيره من أساطين دعاة الإسلام، فما هو الحب حتى نعرف الحب؟
الحب يعرفه القرآن: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْداً عَلَيْهِ حَقّاً فِي التَّوْرَاةِ وَالْأِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ﴾ [التوبة:١١١].
فالذي دفع هؤلاء هو الحب، وقال تعالى: ﴿يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾ [المائدة:٥٤] قال ابن القيم: " ليس العجب من قوله (يحبونه) فالإنسان مجبول على حب من أحسن إليه".
إنسان يعطيك عشرة ريال أو يلبسك ثوبًا ربما أحببته, لكن الذي غمرك بالنعم ظاهراً وباطناً أليس هو الله؟ فليس العجيب أن تحب الله؛ لأنه أحسن إليك، لكن العجيب أن يحبك الله .
الحب يصوره عبد الله بن عمرو الأنصاري أحد المجاهدين، يوم نزل في المعركة يوم أحد، فالتفت إلى السماء وقد تكفن في أكفانه، وأخذ طيباً وكسر غمد سيفه على ركبته، وقال: [[اللهم خذ من دمي هذا اليوم حتى ترضى, اللهم إني أحب لقاءك فلا تردني من لقائك اليوم]].
سبحان الله!
وحضرت المعركة, فعلم الله أنه صادق، وأنه مخلص، وقتل في المعركة.
فقال ﵊ لابنه جابر: ﴿أتدري ماذا فعل الله بأبيك؟ -اسمع إلى كلمات الصدق والحرارة, وإلى الكلمات البديعات الرائعات- قلت: لا والله يا رسول الله.
قال: والذي نفسي بيده لقد كلمه الله كفاحاً -بغير حجاب وبلا ترجمان- فقال: تمنّ يا عبدي.
ويأتي هذا الرجل ويقول: يا رب, أتمنى أن تعيدني إلى الدنيا فأقتل فيك ثانية.
قال: إني كتبت على نفسي أنهم إليها لا يرجعون، فتمنّ، قال: أتمنى أن ترضى عني؛ فإني قد رضيت عنك﴾ أليس هذا حباً؟ إنه والله لمن أعظم الحب.
أتى البراء بن مالك -أحد الصحابة- في معركة تستر , فلبس أكفانه وقال: [[يا رب, أقسم عليك أن تنصرنا وأن تجعلني أول شهيد فإني أحبك]].
فحضر المعركة فقتل وانتصر الإسلام، فهذا هو الحب.
يقول شوقي أمير الشعراء: الحياة هي الحب، والحب هو الحياة.
لكن لمن يريد أن يكون محبوباً وحبيبا، ويكون محبوبه الله ﵎, وإلا فسوف ينتهي حبه، أما الحديث الذي وضعه الوضاعون المخرفون: ﴿من أحب فعف فكتم فمات فهو شهيد﴾ قال ابن القيم: لو كان سنده كالشمس لكان باطلاً كذباً موضوعاً.
أرجل يحب كأساً، وامرأة أجنبية محرمة يكون شهيداً؟ أي شهيد؟ أشهادة تيتو ونابليون وهتلر، شهداء الفن والمسارح والدعارة، شهداء الليالي الحمراء، أما شهداء محمد ﷺ الذين يستشهدون من أجل لا إله إلا الله محمد رسول الله ﷺ .
стр. 3301
تخدير الهمم وتنويم العزائم
الأزمة الثالثة التي يتعرض لها شباب الإسلام؛ وهي مطروحة في الساحة وموجودة: تخدير الهمم وتنويم العزائم.
وهذه تروجها الصهيونية العالمية ممثلة في اليهود.
أمتي هل لك بين الأمم منبر للسيف أو للقلم
ألإسرائيل تعلو راية في حمى المهد وظل الحرم
أو ما كنت إذا الموت اعتدى موجة من لهب أو من دم
رُب وامعتصماه انطلقت ملء أفواه الصبايا اليتم
لامست أسماعهم لكنها لم تلامس نخوة المعتصم
إسرائيل صنفت مع الصهيونية العالمية وهي جزء منها، وهي تنشر مع هيئة الإذاعة البريطانية في حرب التفريق بين الخط المستقيم، خط العلماء والدعاة وطلبة العلم, والخط الآخر وقالوا: إنهم متطرفون.
لقد وجد المتطرفون في الساحة لكن ليس بهذه الصورة التي صنفتها إسرائيل، وليس بهذا الانتشار الذي أرادته إسرائيل وأعوانها, وجد التطرف من فجر الإسلام يوم أن قام الخارجي يعترض على الرسول ﵊, هذا هو التطرف، لكن أن تجعل الصحوة الإسلامية والدعوة إلى الله تطرفاً, فليس هذا بصحيح.
ونسأل أعداء الإسلام هؤلاء: ما هو التطرف؟
المحافظة على صلاة الجماعة تطرف!
قراءة القرآن وحفظه تطرف!
هجر الغناء وعدم إضاعة الوقت تطرف!
الدعاء وحب الصالحين تطرف!
الدعوة وتفهيم الناس وتوعيتهم تطرف!
لا والله ليس هذا تطرفاً, لكن هذا هو فعل أعداء الإسلام.
ولو أني بليت بهاشمي خئولته بنو عبد المدان
لهان علي ما ألقى ولكن تعالوا فانظروا بمن ابتلاني
وهذا ما انتهجه أعداء الإسلام وأذناب أعداء الإسلام, من جعل رجال دين ورجال دنيا, وهذا غير موجود في الإسلام, هذا من الكنيسة يوم جعلت هناك رجال دين همهم الكنيسة لا يخرجون منها وينزوون فيها، لكن الإسلام يقول لك: ﴿قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الأنعام:١٦٢].
فحياتنا وموتنا وليلنا ونهارنا لله رب العالمين، ويوم يوجد في أوساطنا أناس يسمون برجال الدين؛ حينها يكون هناك خصام نكد بين الناس، فنحن هنا وفي غير هذه البلاد من بلاد الإسلام، وكل من أشرقت عليه شمس لا إله إلا الله، كلنا نحمل لا إله إلا الله، ملكنا وأميرنا، ومسئولنا وعاملنا، وقاضينا، وكل واحد فينا يحمل لا إله إلا الله، لا نعفى من المسئولية، ولو اختلفت مشاربنا أو سائلنا أو أساليبنا، فمظلتنا لا إله إلا الله، يقول أبو تمام في الإسلام:
إن كيد ما مطرف الفؤاد فإننا نغدو ونسري في إخاء تالد
أو يختلف ماء الغمام فماؤنا عذب تحدر من غمام واحد
أو يفترق نسب يؤلِّفُ بيننا دينٌ أقمناه مقام الوالد
من أتى بـ بلال الحبشي ليجلسه بجانب أبي بكر القرشي؟
من جاء بـ صهيب الرومي ليعانق عمر بن الخطاب الكعبي؟
من أتى بـ سلمان الفارسي ليكون أخاً لـ علي؟
إنه الإسلام, وإلا فقبل الإسلام كان أبو طالب وأبو لهب وأبو جهل ينظرون لـ بلال على أنه رقيق يباع كما تباع الدابة، لكن لما أتى محمد ﵊ أعلن حقوق الإنسان، وكذب من قال إنهم يحفظون حقوق الإنسان, لم يحفظ حقوق الإنسان إلا محمد ﷺ .
يموت أحد الأمريكان في غابة من غابات أفريقيا فيحتجون له, ويقيمون الدنيا ويقعدونها، ويجتمع مجلس الأمن، وتنعقد هيئة الأمم , وأما شعب أفغانستان وفلسطين فيدمر ويدكدك ولا احتجاج ولا اجتماع.
قتل امرئ في غابة جريمة لا تغتفر
وقتل شعب كامل مسألة فيها نظر
فهذه الأمة هي التي أعلنت حقوق الإنسان، وأعلنها محمد ﵊، والشاهد من ذلك أن الحرب التي تتعرض لها هذه البلاد هي حرب شعواء, يتعرض لها دعاتها وعلماؤها ومسئولوها؛ حرب لا تزال تنزف حتى يتنبهوا إلى الخطر من الذي أنتجه؟ ومن الذي عرضه في الساحة؟ ومن المسئول عنه؟ هذه تساؤلات لا بد من الإجابة عليها.
стр. 3302
الحرب المعنوية وإحباط المساعي
العنصر الرابع من أزمات الشباب: الحرب المعنوية وإحباط المساعي.
стр. 3303
تعظيم المستعمر الكافر
الحرب المعنوية تتمثل في رؤية المستعمر برؤية عالية، فالإنسان الآن يتشرف أن يسافر إلى أمريكا , ونحن لا نقول: إن السفر حرام, فقد تكون له دواعٍ, لكنا نقول: لا تنظر إلى المستعمر هذا النظر الذي هالك وأعجبك وأدهشك وأذهلك، فأنت تسافر من أرض الحضارة.
من بلادي يطلب العلم ولا يطلب العلم من الغرب الغبي
وبها مهبط وحي الله بل أرسل الله بها خير نبي
هذه البلاد هي بلاد الأصالة, فلا يخطئ الإنسان بأن يرى المستعمر قوياً؛ بيده الصاروخ والقنبلة والطائرة؛ لأنهم كما قال الله تعالى: ﴿يَعْلَمُونَ ظَاهِراً مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ﴾ [الروم:٧].
стр. 3304
إحباط الكلمات الغير مسئولة
والإحباط الذي أصيب به ديننا إحباط الكلمات الغير مسئوله: الرجعية، التخلف، الدول النامية، العالم الثالث، كلها من السموم التي ألقيت في الساحة، حتى ننظر إلى أولئك أنهم متحضرون ومتطورون, يقول الأمريكي كريسي مرسون , في كتاب الإنسان لا يقوم وحده: أيها المسلمون! قدمنا لكم الطائرة والثلاجة والسخانة والبرادة، وما قدمتم لنا الإسلام.
إنهم يريدون الإسلام, إنهم بحاجة إلى الإسلام, إنهم يعيشون في ظلم, لقد طرحت أوراقهم وأحرقت في الساحة، لقد جربوا الرأسمالية فما أنتجوا شيئاً, وجربوا الشيوعية والاشتراكية , وهي تحت مظلة الشيوعية، وجربوا كل حل وكل شيء فما وجدوا خيراً لهم من الإسلام، وعاد أذكياؤهم وأساطينهم إلى الإسلام, في حين يذهب بلداؤنا وأغبياؤنا ليعلنوا عمق أولئك وأصالتهم.
أيطلب الشفاء من مريض؟!
أيطلب الطعام من جائع؟!
أيطلب الماء من ضامئ؟!
إن الخسارة كل الخسارة يوم أن نحتقر ما عندنا، إننا أمة نسير على أصول، أمة أصيلة وعميقة, يجمعنا جميعاً من الشرق إلى الغرب كتاب الله وسنة الرسول ﵊، قبلتنا واحدة، ونصلي في أوقات مرتبة، غنينا وفقيرنا سواء, ليس عندنا ألوان ولا تمييز عنصري، أما تلك البلاد فهي:
في بلد أفكاره منكوسة تثقله بصائر مطموسة
يقدسون الكلب والخنزيرا ويبصرون غيرهم حقيرا
ما عرفوا الله بطرف ساعة وما أعدوا لقيام الساعة
فهم قطيع كشويهات الغنم هزل وجد وضياع ونغم
من ضرب العمال في بولندا ومن أتى بالرق في يوغندا
من دمر البيوت في نجزاكي من ضرب اليونان بالأتراك
من الذي ناصر إسرائيلا حتى تصب عنفها الوبيلا
استيقظوا بالجد يوم نمنا وبلغوا الفضاء يوم قمنا
منهم أخذنا العود والسيجارة وما عرفنا ننتج السيارة
يذهب الرجل منا إلى هناك فينظر إلى المستعمر كأنه روح القدس, ويأتي إلى عالم من علمائنا وهو يشرح الروض المربع، فيقول: يا شيخ! الناس صعدوا إلى سطح القمر، وأنت تشرح الروض المربع، فقال له الشيخ: وأنت ما صعدت إلى سطح القمر ولا جلست معنا تقرأ الروض المربع.
ليته يوم أخفق في الصعود إلى سطح القمر درس معنا الروض المربع , لكنه من المذبذبين, لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء.
فيا أخي! أنت لن تصنع لنا صاروخاً ولا طائرة, ولا ثلاجة ولا برادة، فاجلس معنا، واقرأ في فتح الباري ورياض الصالحين وبلوغ المرام، أما أن تبقى لا داخل الحلبة ولا خارجها، فهذه قسمة ضيزى يتركها العقلاء.
стр. 3305
ضرورة استخدام الإحباط للمستعمر
إن الإخفاق والإحباط والحرب المعنوية أمر لا بد للمستعمر منه, وهو أمر يدرس ويوضع في الساحة, فمن الذي جعل أباريَّة يتهجم على السنة ويقول: هذه أحاديث لا يصدقها العقل؟ ومن الذي جعل فلاناً من الناس يقول: إن الإسلام لا يواكب العصر؟ ومن الذي جعل الثالث يقول: أؤمن بالقرآن وأما السنة فأطرحها؟ سبحان الله! ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْماً لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ [المائدة:٥٠].
стр. 3306
الاشتغال بالتوافه عن الأصول
تلك بعض أدوائنا وأزماتنا, وأشير إلى البعض الآخر باختصار:
أزمة الاشتغال بالتوافه عن الأصول، أو إشغال الوقت في غير ما خلق له الإنسان، ونحن نؤمن بالوسائل لكن لا نجعلها غايات، فالرياضة في الإسلام وسيلة وليست غاية، ولا مبدأ يوالى ويعادى عليه, ويحب ويبغض من أجله، إنما الذي يوالى ويعادى عليه هو الإسلام, فنحن هنا نعتبر الرياضة وسيلة, هذا هو رأي الإسلام، ويوم أن تجعل غاية معنى هذا أننا حطمنا رسالتها، وألغينا فاعليتها في الأرض؛ لأنها يوم أن تصبح غاية فسوف يوالي هذا هذا؛ لأنه من ناديه، ويلبس لونه ويسير في مسيرته, ويعادي ذاك ولو كان أخاه لأبيه وأمه.
فالمقصود أنها وسيلة ليس إلا، وهي الغاية لنربي أجسادنا على رفع لا إله إلا الله؛ لأننا أمة ينتظر منا أن نفتح العالم كل العالم، ليس الجزيرة فحسب بل العالم كله يتوجه إلى الكعبة خمس مرات في اليوم والليلة.
واسمحوا لي إن أكثرت من الشعر فهذا نادي الشعر والحب والأدب:-
يا أمة كم علقوا بكيانها خيط الخيال
وهي البريئة خدرها فيض عميم من جلال
شاهت وجوه الحاقدين بكف خسف من رمال
موت أتاتورك الدعي كموت تيتو أو جمال
يا أمة في عمرها لم تحي إلا بالجهاد
كفرت بمجلس أمن من نصب المنايا للعباد
القاتلو الإنسان خابوا مالهم إلا الرماد
جثث البرايا منهمو في كل رابية وواد
فالمقصود أن غايتنا من الرياضة أن نرفع لا إله إلا الله، كان ابن تيمية يصعد وينزل في جبل كسروان عصراً, فقالوا له: ما لك؟ قال: إنني أتقوى على الجهاد في سبيل الله، أما أن نقوي أجسادنا ثم بعد ذلك لا تكون هناك نتيجة ولا غاية فهذا ليس بصحيح.
من غاياتنا أن نتقوى على طاعة الله , ومن غاياتنا أن ندخل بالرياضة إلى بلاد العالم وإلى قلوب الناس إذا حملنا الرسالة؛ لأن الناس إذا خرج أحد منا ومن أنديتنا ومنتخباتنا إلى العالم, قالوا: هذا خرج من بلاد مهبط الوحي، من الجزيرة، من مكان يستقبله كل يوم وليلة ألف مليون (مليار) مسلم, فإذا رأى الشاب علم أنه يحمل رسالة فما هي رسالتنا إلى الناس؟ رسالتنا ليست رياضة، رسالتنا لا إله إلا الله محمد رسول الله، لننقذ العالم وندخل بهذه الوسيلة ليعلم بنا العالم، ويجلس معنا ويستمع إلينا.
إن العالم ينتظر من أبنائنا وشبابنا وينظر إليهم نظرة الطموح والإيمان والحب، فهذا محمد إقبال شاعر الباكستان , أتى إلى هذه البلاد وطاف بالبيت العتيق, ورأى شباب الإسلام فما رأى كالذي سمع, كان يتصور أنه يجد شباب الجزيرة قوماً همهم حمل لا إله إلا الله، قوماً يتمنى الواحد منهم أن يموت في سبيل الله، قوماً يتلمظ الواحد منهم كالأسد متى يشرق دين الله تعالى على الأرض كلها، فبكى وأبكى وسجل قصيدته (تاجك مكة) يقول فيها وهي مترجمة:
نحن الذين استيقظت بأذانهم دنيا الخليقة من تهاويل الكرى
حتى هوت صور المعابد سجداً لجلال من خلق الوجود وصورا
ومن الذي باع الحياة رخيصة ورأى رضاك أعز شيء فاشترى
أم من رمى نار المجوس فأطفئت وأبان وجه الصبح أبيض نيرا
فمن الذي أطفأ نار المجوس إلا أصحاب محمد ﷺ , يوم انطلقوا من الصحراء, ليس عندهم طائرات ولا دبابات ولا قنابل ولا صواريخ، يدخل ربعي بن عامر -أحد جنود الإسلام في الثلاثين من عمره- على رستم القائد الفارسي المجرم، فيقول له رستم وهو يضحك استهزاءً به, يوم أن رأى فرسه الهزيل وثيابه الممزقة ورمحه المثلم، قال له: يا ربعي , جئتم تفتحون الدنيا بهذا الفرس المعقور والرمح المثلم والثياب الممزقة.
فيقول ربعي كلمة كالقذيفة بل أقوى من القذيفة قال: [[إن الله ابتعثنا لنخرج العباد من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد، ومن ضيق الدنيا إلى سعة الآخرة، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام]] وبدأت المعركة, وكان جيش كسرى مائتين وثمانين ألفاً، وكان جيش المسلمين ثلاثين ألفاً، وبعد ثلاثة أيام أخفق الإلحاد والزندقة والتبعية والتخلف وارتفعت لا إله إلا الله، وأصبح الشهداء يقدمون دماءهم إلى الله.
يقول سعد وهو يرى قصر كسرى الذي حكم فيه ألف سنة: الله أكبر, فانصدع القصر، فبكى سعد وقال: ﴿كَمْ تَرَكُوا مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ * وَزُرُوعٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ * وَنَعْمَةٍ كَانُوا فِيهَا فَاكِهِينَ * كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا قَوْماً آخَرِين * فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ وَمَا كَانُوا مُنْظَرِين﴾ [الدخان:٢٥ - ٢٩].
стр. 3307
تضييع الأوقات
من الأزمات التي أشير إليها باختصار: تضييع الوقت.
الوقت غالٍ لكن عند غير المسلمين في الجملة, يقول صاحب كتاب دع القلق وابدأ الحياة: الأمريكان يقرءون أكثر من اثنتي عشرة ساعة في أربع وعشرين ساعة.
ويقول موشي ديان وزير الحرب الهالك الملعون: العرب قوم لا يقرءون.
فمن يقرأ إذا لم نقرأ نحن؟
ومن يطالع إذا لم نطالع نحن؟
أمه أصيبت بالملل والسأم, يقرأ أحدنا ساعة ثم يقول: إن لعينك عليك حقاً, ولنفسك عليك حقاً, ولأهلك عليك حقاً.
يشعر المسلم بالإجهاض والانهزامية يوم أن يقف أمام تراث من تراث المسلمين, فما لذلك الخواجة يركب الطائرة وهو يقرأ، وفي القطار يقرأ، وهو منتظر في صالة المغادرة يقرأ، فلماذا يقرأ؟
أيريد جنة أم يخشى ناراً؟
لا, ولكن لأنه يعرف قيمة الوقت، يقول : ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لا تُرْجَعُونَ * فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيم﴾ [المؤمنون:١١٥ - ١١٦].
أمة تقدر الوقت، أمة تحسب للدقيقة حسابها، أمة ترى أن الليل والنهار يطويان العمر، فحينما نعرف قيمة الوقت يا شباب الإسلام, يا أبناء لا إله إلا الله, يا أحفاد من رفع لا إله إلا الله، إذا عرفنا قيمة الوقت أنتجنا، وعلمنا، وطالعنا، لنكون نحن في مقدمة الأمم، وفي المنزلة الأولى، نحن كما قال أبو فراس الحمداني:
ونحن أناسٌ لا توسط بيننا لنا الصدر دون العالمين أو القبر
إما أن نكون قادة العالم وعلماءه وأدباءه، وإلا فشهادة في سبيل الله، هذه أغلى الأماني التي يبحث عنها المسلم، أما حياة التبعية، وأن نعيش على هامش الأحداث، وأن يذهب الوقت سُدىً؛ لا مطالعة ولا ذكر ولا قراءة، فهذا ليس بصحيح، وأعظم ما يحفظ هي الصلوات الخمس, ويوم تترك الصلوات الخمس, فاعرف أنه الدمار والعار والشنار في الدنيا والآخرة، ويوم أن نتنازل عن الصلوات الخمس فهو الكفر البواح، ويوم نخل بالصلوات الخمس فاعرف أن رسالتنا قد أحرقت ورقتها في الساحة، وقد انتهت أصالتنا وعمقنا وانتصارنا وإرادتنا.
وما كل شيء يقرأ بل لا بد أن يكون المقروء شيئاً طيباً مثمراً مفيداً، والحمد لله مساجدنا ترحب بمصاحفها وآياتها البينات، ولكن نشترط على الجميع شرط أن يكونوا مؤمنين كما أسلفت، ليتقي الله إذا كتب في صحيفة، أن ينظر إلى نظر الله إليه , وليعلم أن الله يسأله يوم القيامة فيمَ كتب؟ ولماذا كتب؟ وعمن كتب؟ وليعلم أن هذه البلاد كما أسلفت بلاد قداسة، فليتق الله في هذه البلاد؛ فإنها بلاد لا إله إلا الله، أديباً رياضياً، شاعراً، قصصياً، لا نتفاوض معه حتى يؤمن بالله الذي لا إله إلا هو، وأما أن نجعل الدين في جهة, والأدب في جهة, والرياضة في جهة، فليس بصحيح، فهذه أمة مترابطة الأطراف، لابد أن تكون أمة رسالة وأمة معتقد، وأدبنا بالذات, ونسأل الله أن لايستغل مركب الإلحاد الرمزية المغرقة في الرمز، فإن سألنا أصحابها قالوا: إن وراءها أسرار لا تفقهونها أنتم، سبحان الله أنفقه شعر امرؤ القيس والمتنبي وأبي تمام ولا نفقه شعركم، أنعرف عمق إقبال وشوقي وهؤلاء القمم ولا نعرف شعركم، ما هو الشعر الرمزي المغرق في الرمزية الذي تفهمونه ولا نفهمه، فشعر وأدب وكلمة لا تفهمها الأمة ليس بأدب ولا شعر وكلام ولا عمق ولا أصالة، يا أمة الحب والطموح، يا أمة الرسالة الخالدة، أنا عرضت هذه الكلمة عرضاً مختصراً, ويكون في الأسئلة أجوبة على ما سوف يرد.
التحايا راسيات كالجبال والوفا أسرع من ريح الشمال
جئتكم بالحب صباً وافداً أنثر الأشواق في نادي الهلال
سبحان ربك رب العزة عما يصفون, وسلام على المرسلين, والحمد لله رب العالمين, وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.
стр. 3308
الأسئلة
стр. 3309
مشاركة الصالحين في النوادي
السؤال
هل تنصحون الشباب الصالحين أن يرتادوا هذه النوادي وأن يشاركوا فيها؟ وما واجبهم نحو ذلك؟
الجواب
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً، أشهدكم أني أحبكم في الله ، ونسأل الله كما جمعنا هنا أن يجمعنا في الجنة، في أرض الرحمة والغفران والسماح والعفو، أما بالنسبة للسؤال الذي تقدم به الأخ وهو قضية هل ينصح الشباب بدخول النوادي؟ فما من شك أنهم ينصحون، والأعمال بالنيات، وتختلف نية من أراد أن يدخل هنا، فإن أراد إصلاحاً وخير لهذه البلاد، ولمسار هذه البلاد، وهذا الوطن الغالي فمعناه أنه سوف يجعل رسالته الإسلام وحمل لا إله إلا الله محمد رسول الله، وأبناء هذه النوادي أعضاءه ومنتخبه هم إخواننا وأحبابنا وأصدقاؤنا، لا يفرق بيننا وبينهم شيء, وليس بغريب أن نزورهم ويزوروننا, وأن يستقبلوننا ونستقبلهم بحفاوة وإكرام, فعلى من دخل أن يدخل بقصد أن يحمِّل الشباب رسالة، وأن يجعل الرياضة وسيلة لا غاية؛ لنكون مؤمنين منطلقين من أسس ومبادئ, نحمل مبادئ أصيلة وأهدافاً جليلة، وأخلاقاً جميلة، هي أهدافنا ومبادؤنا وأخلاقنا.
السؤال
فضيلة الشيخ: لماذا أهمل طلبة العلم هذه الأندية وتهاونوا بالمشاركة فيها, فهل لكم من كلمة حول هذا؟
الجواب
أولاً: لا يطلب من الناس جميعاً أن يكونوا علماء, ولو طلب منهم أن يكونوا علماء لتعطلت مصالح الناس, ولا يطلب منهم جميعاً أن يكونوا صناعين أو نجارين، أو خبازين، فحينها تتعطل الحياة، والله قال: ﴿قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَشْرَبَهُمْ﴾ [البقرة:٦٠].
ومن حكمة الله أن يجعل للإنسان طاقات, فهذا الشاب يمكن أن يجدي في هذا النادي وأن يقدم شيئاً وذاك يصلح للمسجد أن يكون خطيباً، وذاك يصلح أن يكون مفتياً، وذاك معلم في الفصل، وكل يعرف طاقاته وإمكانياته.
أما تأخر الشباب عن الأندية فما أعلم له إلا بعض الأسباب التي ربما أوافق عليها أو أنازع فيها, منها: بعضهم يشعر بالحرج في بعض مسائل قد تقع في بعض الأندية، وقد سمعت من أمثالهم يوم طرح هذا السؤال نخشى أن تؤخر الصلوات في بعض الأندية إذا حضرت المباراة، أو أن بعض اللباس قد لا يكون لباس شرعياً، أو أن هناك تحزبات وولاء وبراء عند الأندية تحدث الضغينة بين أبناء هذا البلد الواحد وهذا الوطن الواحد الذي يتحاب أبناؤه في لا إله إلا الله, هذه قد تكون مبررات لكن طرحت في الساحة، وسمعت هذا وسمع غيركم كثيراً ولعل القائمين على النادي يسمعون هذا.
стр. 3310
الجهاد الأفغاني
السؤال
فضيلة الشيخ: هل من كلمة لكم حول المجاهدين في أفغانستان لا سيما وأن إدارة النادي قد رأت أن تحدث الإخوة بجمع التبرعات لكي تصل إليهم بإذن الله -جل وعلا- وستكون التبرعات التي ستجمع هذه الليلة، وفي مباراة النادي يوم الخميس القادم، ستكون بإذن الله للمجاهدين في أفغانستان وللمتضررين من الفيضانات في السودان وللمجاهدين أصحاب الانتفاضة في فلسطين؟
الجواب
شكر الله لإدارة هذا النادي على هذه الخطوة الجميلة، المجاهدون الأفغان هم المجاهدون الأفغان، وأكبر تعريف للأعلام أن يسموا بأسمائهم:
بينما يذكرنني أبصرنني عند قيد الميل يعدو بي الأغر
قالت الصغرى أتعرفن الفتى قالت الوسطى نعم هذا عمر
قالت الكبرى وقد تيمتها قد عرفناه وهل يخفى القمر
المجاهدون الأفغان قوم التحفوا السماء، وافترشوا الأرض, ونازلوا الملحد الرعديد بطائراته وصواريخه ودباباته؛ ليقال له: ها نحن مسلمون نقاتلك بالأسلحة البدائية, فاجمع كيدك وشركاءك وتعال إلى الساحة لتنتصر.
المجاهدون الأفغان حطموا تلك القاعدة التي تقول: لا تغلب أمريكا ولا روسيا , أميثاق من السماء؟! أعهد نزل به جبريل ﵇؟! لا.
بل تغلب مرة وألف مرة؛ لأن من يحمل لا إله إلا الله محمد رسول الله, والذي يريد الموت ليدخل الجنة ذاك المنتصر, المجاهدون الأفغان الكلام عنهم طويل، ولي مقطوعة في المجاهدين أعرضها في هذه الجلسة:-
مروا بقلبي فقد أصغى له البانُ لي في حمى الحب أصحاب وجيران
نعم لك الله ما قد تبت من وله أما لكم صاحبي صبرٌ وسلوان
دع ذا وهات قواف منك صادقة لأمة مجدها بالأمس فينان
يا أمة النصر والأرواح أثمان في شدة الرعب ما هانوا وما لانوا
هم الرعود ولكن لا خفوت لهم خسف ونسف وتدمير وبركان
كم ملحد ماجن ظن الحقوق له زفوا له الموت مراً وهو مجان
وبلشفي أتى كالعير منتخياً رأى المنايا فأضحى وهو جعلان
ردوه كالقرد لو بيعت سلامته بشعبه لشراها وهو جذلان
فروا على نغم البازوك في غسق فقهقهت بالكلاشنكوف نيرانُ
وأنا أهيب مع إدارة النادي بالجمع الكريم الحافل إلى التبرع للمجاهدين، فكأنك بدراهمك تقتل شيوعياً -إن شاء الله- أو تنقذ مسلما سودانياً جزاكم الله خيراً, وتقبل الله منكم أحسن ما تقبل من عباده الصالحين.
стр. 3311
قصيدة أمريكا التي رأيت والبازية
السؤال
فضيلة الشيخ: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته, وبعد، نرجو منك التكرم بإلقاء أرجوزتكم التي قلتموها في رحلتكم إلى أمريكا، فهل تجيب الرجاء؟ ونرجو أن تسمعنا شيئاً من قصيدتك المسماة بالبازية، التي هي في والدنا وشيخنا الشيخ: عبد العزيز بن عبد الله بن باز؟
الجواب
رحلة أمريكا كانت في مؤتمر الشباب العربي المسلم في أكلاهوما، وهذه حضرها ما يقارب خمسة آلاف شاب من أمثالكم، ومن أمثال طلعاتكم، كلهم -إن شاء الله- يحملون رسالة إلى الأمم لينشروا الإسلام في بقاع الأرض، وهذا الأرجوزة هي أشبه بأرجوزة هزلية فيها دعابة، وإلا فالجدية قد ذكرت بعض الأبيات منها أذكر مقطعين من الجدية ثم آتي بالهزلية:
ما زرت أمريكا فليـ ست في الورى أهل المزار
بل جئت أنظر كيف ند خل بالكتائب والشعار
لنحرر الإنسان من رق المذلة والصغار
وقرارنا فتح مجيد نحن أصحاب القرار
ورأيت أمريكا التي نسجوا لها أغلى وسام
قد زادني مرأى الضلا ل هوىً إلى البيت الحرام
وتطاولت تلك السنون فصار يومي مثل عام
أما الأرجوزة فهي كما تسمعون:
يقول عائض هو القرني أحمد ربي وهو لي ولي
مصلياً على رسول الله مذكراً بالله كل لاهي
قد جئت من أبها صباحاً باكراً مشارك لحفلكم وشاكراً
وحملتنا في السما طيارة تطفح تارة وتهوي تارة
قائدها أظنه أمريكي تراه في هيئته كالديك
يا سائل الأخبار عن أمريكا اسمع رعاك الله من يفتيكا
فهذي أخبار هذه النشره مسافة السير ثلاث عشره
من الرياض عفشنا ربطنا وفي نيويورك ضحى هبطنا
أنزلنا في سرعة وحطنا وقد قصدنا بعده واشنطنا
ثم ركبنا بعدها سياره مستقبلين جهة السفاره
منزلنا في القصر أعني ريديسون يا كم لقينا من قبيح وحسن
ومعنا في صحبنا العجلان أكرم به مع العلا جذلان
وصالح المنصور من بريدة يشبه سعداً وأبا عبيدة
والشهم عبد القادر بن طاشي ذو القلم السيال في انتعاش
فهوا أبونا في مقام الترجمة لأننا صرنا صخوراً معجمه
وبعدها زرنا مباني الكنجرس فلم نجد مستقبلاً ولا حرس
بها ملايين حوت من الكتب في كل فن إنه هو العجب
في بلد أفكاره مطموسه تثقله بصائر منكوسه
يقدسون الكلب والخنزيرا ويبصرون غيرهم حقيرا
ما عرفوا الله بطرف ساعه وما أعدوا لقيام الساعه
فهم قطيع كشويهات الغنم هزل وجد وضياع ونغم
فواحش قد أظلمت منها السما والأرض منها أوشكت أن تقصما
من ضرب العمال في بولندا ومن أتى بالرق من يوغندا
من دمر البيوت في نزاكي من ضرب اليونان بالأتراك
من الذي ناصر إسرائيلا حتى تصب عنفها الوبيلا
استيقظوا بالجد يوم نمنا وبلغوا الفضاء يوم قمنا
منهم أخذنا العود والسجاره وما عرفنا ننتج السياره
أما قصيدة الشيخ / عبد العزيز بن عبد الله بن باز فكلكم يعرف سماحته وهو علم لا يعرف ونحبه ونتقرب إلى الله بحبه، والعلماء يحبون في الله خاصة أن الله أكسب هذا الرجل من المحاسن والفضائل ما هو جدير بالحب، وقد سبقت من شعراء في العالم الإسلامي بمدحه منهم المجذوب يوم يقول:
روى عنك أهل الفضل كل فضيلةٍ فقلنا حديث الحب ضربٌ من الوهمِ
فلما تلاقينا وجدناك فوق ما سمعنابه في العلم والأدب الجمِ
فلما أَرَ بازاً قط من قبل شيخنا يصيد فلا يؤذي المصيد ولايدمي
وأما تقي الدين عالم المغرب فيقول:
خليلي عوجا بي لنغتنم الأجرا على آل باز إنهم بالثنا أحرى
وزهدك في الدنيا لو أن ابن أدهم رآه رأى فيه المشقة والعسرا
والبازية قلت فيها:
قاسمتك الحب من ينبوعه الصافي فقمت أنشد أشواقي وألطافي
لا أبتغي الأجر إلا من كريم عطا فهو الغفور لزلاتي وإسرافي
عفواً (لك الله) قد أحببت طلعتكم لأنها ذكرتني سير أسلافي
يادمع حسبك بخلاً لا تجود لمن أجرى الدموع كمثل الوابل السافي
يا شيخ يكفيك أن الناس قد شغلوا بالمغريات وأنت الثابت الوافي
أغراهم المال والدنيا تجاذبهم مابين منتعل منهم ومن حافي
مجالس اللغو ذكراهم وروضتهم أكل اللحوم كأكل الألطف العافي
وأنت جالست أهل العلم فانتظمت لك المعالي ولم تولع بإرجافِ
بين الصحيحين تغدو في خمائلها كما غدا الطل في إسراقه الضافي
تشفي بفتياك جهلاً مطبقاً وترى من دقة الفهم دراً غير أصدافي
إلى آخر القصيدة.
стр. 3312
التوبة والاستقامة
السؤال
فضيلة الشيخ: استقمت ثم انتكست ثم استقمت مرة أخرى ولكني فقدت حلاوة الإيمان التي وجدتها من قبل، وإن الشيطان -أعاذنا الله منه- يوسوس عليّ؛ لكي أرجع إلى الفساد وجلساء السوء, ويقول لي: إنه ختم على قلبك وإنك منافق تخادع الله.
وأريدك أن تخبرني بالأعمال التي تجعلني أجد حلاوة الإيمان وتذهب القسوة من قلبي، كما أريد أن تدعو لي ولإخوتي بالثبات؟ وسؤال مماثل أيضا نود أن نسمع من فضيلتك بعض نماذج لشباب كانوا مضربَ مثلٍ في التوبة والرجوع إلى الله؟
الجواب
السائل الأول يسأل أنه يستغفر ثم ينتكس، ثم يستغفر ثم ينتكس، وباب التوبة مفتوح حتى تطلع الشمس من مغربها، ومن قال لك ومن أخبرك: أنك تحرم التوبة فقد افترى على الله والله كما صح في صحيح مسلم من الحديث القدسي: ﴿يا عبادي إنكم تذنبون بالليل والنهار، وأنا أغفر الذنوب جميعاً فاستغفروني أغفر لكم﴾ والله يقول في محكم كتابه: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [الزمر:٥٣] وقال سبحانه: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [آل عمران:١٣٥].
يارب عفوك لا تأخذ بزلتنا وارحم أيا رب ذنباً قد جنيناه
كم نطلب الله في ضر يحل بنا فإن تولت بلايانا نسيناه
ندعوه في البحر أن ينجي سفينتنا فإن رجعنا إلى الشاطي عصيناه
ونركب الجو في أمن وفي دعة وما سقطنا لأن الحافظ الله
الله الله يا شباب الإسلام في مراقبة الواحد القهار، الله الله في العودة إليه، فإنه يعلم السر وأخفى, باب التوبة لا يزال مفتوحاً, وعند الترمذي بسند حسن: ﴿يابن آدم! إنك ما دعوتني ورجوتني إلا غفرت لك على ما كان منك ولا أبالي، يابن آدم! لو بلغت ذنوبك عنان السماء ثم استغفرتني غفرت لك ولا أبالي، يابن آدم! لو أتيتني بقراب الأرض خطايا ثم جئتني لا تشرك بي شيئاً لأتيتك بقرابها مغفرة﴾.
وعند ابن حبان حديث عائشة أن عبد الله بن حريب: ﴿قال: يا رسول الله إني رجل مقراف للذنوب قال: تُب إلى الله واستغفره، قال: فأعود، قال: تُب إلى الله واستغفره، قال: فأعود، قال: تُب إلى الله واستغفره، قال: إلى متى يا رسول الله؟ قال: حتى يكون الشيطان هو المدحور﴾.
إنك لن تزال تخطيء لكن العجيب أن تتوب، أما الذي يهلك نفسه بالخطايا ثم لا يعرف لله قدراً ولا قيمة ولا مراقبة: ﴿مَا لَكُمْ لا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَاراً * وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَاراً * أَلَمْ تَرَوْا كَيْفَ خَلَقَ اللَّهُ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقا * وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُوراً وَجَعَلَ الشَّمْسَ سِرَاجاً﴾ [نوح:١٣ - ١٦] فيا إخوتي في الله! الله الله في محاسبة النفس والعودة إلى الواحد الأحد ليحمي علينا أبصارنا وأسماعنا ومجدنا وأصالتنا وكرمنا، وأسجل هذه الليلة وصية الرسول ﵊ يوم دفعها ساخنة قوية لـ ابن عباس: ﴿احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده تجاهك، تعرف على الله في الرخاء يعرفك في الشدة﴾.
أما الأخ الذي سأل أن يعطى له نماذج، فأنا آخذ له على عجالة قطوفاً من رياض السنة.
سامحن بالقليل من غير عذل ربما أقنع القليل وأرضى
يقول ﵊ كما في الصحيحين: ﴿كان رجل فيمن كان قبلكم -من بني إسرائيل- أسرف على نفسه بالخطايا, فلما حضرته الوفاة؛ أمر أبناءه أن يجمعوا له حطباً وأن يحرقوه بالنار﴾ كان موحداً مؤمناً بالله، لكن أسرف بالخطايا والمعصية والذنوب ﴿ثم قال: فإذا أنا مت فأحرقوني بالنار واسحقوني وذروني علّ الله ألا يجدني﴾ سبحان الله! الله لا يجده: ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الْأِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئاً مَذْكُوراً * إِنَّا خَلَقْنَا الْأِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعاً بَصِيراً﴾ [الإنسان:١ - ٢].
﴿وَضَرَبَ لَنَا مَثَلاً وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ * قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ﴾ [يس:٧٨ - ٧٩].
سحقوه بعد أن أحرقوه, فأخذته الريح في كل مكان، فجمعه الذي أنشأه أول مرة: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [يس:٨٢] ثم أصبح أمامه رجلاً والحديث في الصحيحين، قال: ﴿يا عبدي ما حملك على ما صنعت؟ قال: يا رب خشيتك وخفت ذنوبي، قال: يا ملائكتي أشهدكم أني غفرت له، وأدخلته الجنة﴾ فلا إله إلا الله كم من المغفرة، ولا إله إلا الله كم من الرحمة، ولا إله إلا الله كم من العطاء.
إن الملوك إذا شابت عبيدهم في رقهم عتقوهم عتق أبرار
وأنت يا خالقي أولى بذا كرماً قد شبت في الرق فاعتقني من النار
هذه وصية لكل مسلم, وهي معلومة باليقين والإجماع أن من تاب تاب الله عليه.
تأتي المرأة وقد زنت إلى الرسول ﵊ فتقول: طهرني يا رسول الله! فيطهرها بالحجارة حتى تموت، فيسبها أحد الصحابة، فيقول ﵊: ﴿لا تسبها والله إني أراها تنغمس في أنهار الجنة﴾.
سبحان الله! يا للعطاء ويا للرحمة ويا للفيض، ويا للجلال ويا لسعة رحمة الله, من يغفر الذنب إلا الله, من يستر العيب إلا الله, من يجازي على السيئة الحسنة إلا الله، لكن من يعرف قدر الله إلا عباد الله: ﴿يا عبادي إنكم تذنبون بالليل والنهار وأنا أغفر الذنوب جميعا، فاستغفروني أغفر لكم﴾ اللهم إنا نستغفرك من هذا المكان فاغفر لنا يارب العالمين.
стр. 3313
التوفيق بين الدعوة والمشاركة في الأندية
السؤال
فضيلة الشيخ: أنا أدعو إلى الله ولاعب في أحد الأندية، فكيف أوفق بين اللعب والدعوة؟
الجواب
للدعوة وقت وللعب وقت هذا أبو الطيب المتنبي أحمد بن الحسين يقول:
فوضع الندى في موضع السيف بالعلا مضر كوضع السيف في موضع الندى
قد جعل الله لكل شيء قدراً، والدعوة لها وقت، تعرفه أنت ويعرفه الناس, وللعب وقت لكن بحدوده؛ أن لا يتعارض مع الفرائض ولا تؤخر له فريضة أو لا تعطل أمراً أهم، وأنت تدخل إلى النادي تدخل وفي ضميرك الدعوة إلى الله ، وقدوتك محمد ﵊.
حضر سوق عكاظ وخطب الناس ودعاهم، وحضر ناديهم في عكاظ وتكلم في النادي بخطبة ما سمع الدهر بمثلها، وما أنصت الزمان لخطبة تقرع قرعها، أو تنزل نزولها، محمد ﵊ أتاه رجل بدين في جسمه، فأتى ينازله بوسائله ويطرح أوراقه معه في ساحة الدعوة, فيقول: لا أؤمن لك حتى تصارعني، أقوى أقوياء العرب, أكبر مصارع في العرب.
فقام له ﷺ قال: إن صرعتك أتؤمن، قال: نعم، الرسول ﷺ مستعد إذا كان هذا يخدم لا إله إلا الله وينفع لا إله إلا الله، ويعلي لا إله إلا الله، فله ﷺ دور في هذا, فقام فأخذ هذا المصارع فحمله على الأرض حملاً ثم أوقعه على الأرض.
وقام الرجل غضباناً متحمساً لينازل رسول الهدى ﷺ فصرعه مره ثانية، فقام ثالثة فأنزله الأرض فقال: أشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله.
الرسول ﷺ لم يقل الإسلام لا يحتاج إلى شعر، لا يحتاج إلى فن ولا جمال لم يقل ذلك، أتى بالمنبر ونصبه في المسجد وقال: ﴿يا حسان اهجهم وروح القدس معك﴾.
الرسول ﷺ ، استمع إلى الحبيب إلى القلوب يقول لـ أنجشه: ﴿أُحْدُ لنا﴾ فلما صدح صوته بلا وتر ولا ناي ولا موسيقا عزفت قلوب النساء، فقال: ﴿رويدا يا أنجشه بالقوارير﴾.
الرسول ﷺ حي العاطفة، قوي الإحساس، يتعامل مع كل من وضعته معه، ولذلك شكل من الصحابة جبهة أو جداراً لا يخترقهم الصوت، الإداري يضعه في الإدارة، الشاعر يضعه في الأدب، السياسي في السياسية، الاقتصادي في الاقتصاد، الفرضي في الفرائض، الداعية في الدعوة، هذا تصنيفه ﵊.
والذي أريد أن أقوله: لا تتحرج يوم تعلم أن في دخولك إلى نادٍ أو مكان دعوة وخدمة للإسلام، فإن الدعوة إذا مسكت المساجد، فالناس ما أتوا إلا يصلون، لكن أن نقوم على رءوس الناس والشيوخ والشيوبة صلوا صلوا فما جاء بهم إلا الصلاة, لكن قطيع الناس وشباب الأمة، وأجيال الأمة، الذين في الأندية، من يقف أمامهم داعيةً لبيباً كما فعل موسى ﵇، موسى يستعد أن ينازل كل من ينازله, لكن فرق بين المدعو هنا والمدعو هناك, فرعون شيخ الطغاة وأستاذ الضلال، وهنا مسلمون مصلون من إخواننا وأحبائنا، موسى ينازله في الديوان فيقول في الأرض، فيقول في الأرض، فيقول في البحر، فيقول في البحر، فنحن ندخل معهم, فيرحبون بنا فنعرض لهم دعوتنا ورسالتنا لنكون جميعاً حملة خير ورسل هداية.
стр. 3314
الواجب نحو المجلات الخليعة
السؤال
صاحب الفضيلة: ما هو واجبنا نحو المجلات الخليعة، وما تعليقكم على القرار النجيب الذي صدر من المجلس الأعلى للإعلام بمنع دخول ما يقارب ثلاثين مجلة من المجلات الهابطة الرخيصة؟
الجواب
هذا القرار قرار عصامي، يعني قرار إسلامي وهو يرفع الرأس ويشكر أصحابه, وندعو لهم في أدبار الصلوات: أن الله يهديهم ويسددهم، وليس بغريب على المسئولين أن يفعلوا ذلك، فهي رسالتهم ومهمتهم وتكليفهم أمام الله ، وهذه المجلات التي كثرت في الساحة وقد أفسدت كثيرًا وأبطلت من الهمم والمساعي ما الله به عليم، والآن وقد أتى وقت سحبها فإلى غير رجعه:
لقد ذهب الحمار بأم عمرو فلا رجعت ولا رجع الحمار
وعندنا من كتبنا وصحفنا ومجلاتنا الإسلامية ما تغطي الساحة والحمد لله.
أما نصيحتي نحو هذا: أن تقوم بواجب الداعية المسلم؛ الذي يريد الخير له ولبلاده ولشعبه ولأمته؛ حينها يسعدك الله في الدنيا والآخرة، ولتعلم أن هذا من الفساد الذي لا يرضاه الله , فواجبك أن تنهى عنها وأن تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر، والحمد لله على ما فعل حمد اً كثيراً.
стр. 3315
نصيحة لأصحاب الصحافة الرياضية
السؤال
فضيلة الشيخ: هل من كلمة إلى المعنيين بالصحافة الرياضية، حيث قد يبدر من بعضهم أحياناً شيء من الإسفاف تجاه البعض الآخر؟
الجواب
إن شاء الله أنهم على وعي تام، وعلى خلق نبيل ومروءة, وإن حدث هذا فهو من نقص البشر وذنوب العباد، ونصيحتي لهم في صفحتهم الرياضية، أن يدخلوا الإيمان أكثر، وأن يصوروا الغايات, وأن يفصلوا بين الغاية والوسيلة, وألا يجعلوا هنا ولاءً وبراءً على هذه الأمور أو خصاماً نكداً بين هذا وهذا، لأننا نسعى إلى غاية ولنا وسائل, فقضية أن نفرق بين هذا وهذا، هذا ليس بمنهج صحيح، والكلام الجارح لا يثمر شيئاً في عالم الرياضة، ولا عالم الدعوة ولا عالم العلم، إن الكلمة اللينة الحبيبة يوم يبعثها الكاتب والصحفي والأديب يحي الله بها قلوب الناس, وهو ما فعله الرسول ﷺ يوم أحيا الشعوب والهمم والقلوب.
أخوك عيسى دعا ميتاً فقام له وأنت أحييت أجيالاً من الرمم
مقطوعة رباعية في الثناء عليه ﷺ ، والعجب يتملك كل مسلم حينما يقف أمام عظمته ﷺ :
نسينا في ودادك كل غالٍ فأنت اليوم أغلى ما لدينا
نلام على محبتكم ويكفي لنا شرفاً نلام ولا علينا
ولما نلقكم لكن شوقاً يذكرنا فكيف إذا التقينا
تسلَّى الناس بالدنيا وإنا لعمر الله بعدك ما سلينا
وفي أبها كان يشرفنا من أمثالكم، من الرياضي ومن غير الرياضي، ضيوف فجعلناها لهم قصيدة دائمة العضوية, تصلح لأي زمان ومكان هذه القصيدة نقول فيها:
ضيوف الخير قد شرفتمونا بلقياكم ربوع الجو طابا
فـ أبها من زيارتكم تباهت بثوب الخلد أطلقت الضبابا
كأن إشبيلية نقلت بـ أبها فأحيت في ضمائرنا الطلابا
وسار شذا العبير بكل وادٍ فعانق في تسربه الضبابا
وتبدو الشمس من خدر خجول وإن شاءت تكنفت السحابا
تطالعنا وراء الغيم تيهاً وإن شاءت تكنفت السحاب
فيا عصر الشبيبة دمت عصراً ويا عصر الصبا حي الشبابا
فإني سوف أذكرك اعتباراً إذا ضمر القنا والرأس شابا
وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين, والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
стр. 3316
هدي الرسول ﷺ في الصلاة
إن الله قد أمرنا في كتابه الكريم باتباع نبيه والاقتداء به في كل شيء: (وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ) [الحشر:٧] ومن ذلك الاقتداء به في أهم أمر من أمور الدين وهو الصلاة.
فقد قال ﷺ : (صلوا كما رأيتموني أصلي) لذلك كان لزاماً علينا معرفة هدي الرسول ﷺ في الصلاة، وهذا هو ما تحدث عنه الشيخ حفظه الله في هذا الدرس.
стр. 3317
ضرورة معرفة هدي النبي ﷺ في الصلاة على طريقة المحدثين
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢] ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً﴾ [الأحزاب:٧٠].
موضوع هذا الدرس (هديه ﷺ في الصلاة).
وقد سلف معنا في الأسبوع الماضي (وصف النار من صحيح الأخبار) وعلاقة هذا الموضوع بذاك، أنه لا ينجي المؤمن إلا الأعمال الصالحة، وأعظمها ورأسها وعمودها الصلاة، وقد صح عنه ﵊، عند البخاري أنه قال: ﴿صلوا كما رأيتموني أصلي﴾.
إذاً كان لزاماً علينا أن نتعلم كيف كان هديه ﷺ في الصلاة، واعلموا أني مستعين بالله في إيراد هديه ﷺ في الصلاة قولاً وعملاً، على منهج المحدثين لأنهم أصوب الناس، وأعظم علماً وعملاً، وأخلصهم قلوباً، وأصدقهم إيماناً.
يقول ابن تيمية عن المناطقة والمحدثين: أما أهل الحديث فهم بمنزلة صحابة محمد ﵊، وأما أهل المنطق وأهل الفلسفة فهم بمنزلة المنافقين على عهده ﷺ ، وقال غيره كالإمام أحمد: إن لم يكن أهل الحديث هم الطائفة المنصورة فلا أدري من هم.
أهل الحديث همُ أهل النبي وإن لم يصحبوا نفسه أنفاسه صحبوا
стр. 3318
موضوعات الدرس
وسوف يكون الحديث هذه الليلة في إحدى وعشرين مسألة:
١ - عظم الصلاة وفضلها.
٢ - صلاة الجماعة.
٣ - استقبال القبلة.
٤ - التكبير.
٥ - وضع اليدين على الصدر.
٦ - الاستفتاح.
٧ - قراءة الفاتحة.
٨ - قراءة ما تيسر بعدها.
٩ - الركوع.
١٠ - الرفع من الركوع.
١١ - السجود.
١٢ - الجلوس بين السجدتين.
١٣ - التشهد الأول.
١٤ - جلسة الاستراحة.
١٥ - الإشارة بالسبابة.
١٦ - الدعاء في السجود.
١٧ - الدعاء قبل السلام.
١٨ - السكتات في الصلاة.
١٩ - السلام من الصلاة.
٢٠ - الذكر بعد السلام.
٢١ - السنن الرواتب.
نسأل الله السداد والإصابة والإخلاص، وأبرأ إلى الله من الحول والقوة، وأسأله أن ينفعنا وإياكم بما نسمع وبما نقول.
стр. 3319
عظم الصلاة وفضلها
أما عظم الصلاة وفضلها، فقد جاء في الصحيحين عن ابن مسعود قال: سألت رسول الله ﷺ عن أفضل الأعمال فقال: ﴿الصلاة على وقتها﴾ وعند الترمذي بسندٍ صحيح: ﴿الصلاة في أول وقتها﴾ وقال سبحانه: ﴿إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنْ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ﴾ [العنكبوت:٤٥].
قال شيخ الإسلام عند شرح هذه الآية في الأجزاء الأخيرة من الفتاوى: أخطأ عامة المفسرين في تفسير هذه الآية ﴿إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنْ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ﴾ [العنكبوت:٤٥] وقال: للصلاة فائدتان ومنفعتان، أحدها: أنها تنهى عن الفحشاء والمنكر، والثاني: أن في الصلاة يقام ذكر الله فيها، وذكر الله في الصلاة أعظم من نهي الصلاة عن الفحشاء والمنكر، وبعضهم يقول: ولذكر الله أكبر من كل شيء، لكن لا صلة في الآية ولا مناسبة.
وهذا صحيح، وهو من فهمه ﵀، أي: أن ذكرك لله في الصلاة أعظم من نهي الصلاة عن الفحشاء والمنكر، أي فائدة أن تذكر الله في الصلاة أعظم لك أثراً من نفع الصلاة في نهيها عن الفحشاء والمنكر.
يقول: وأما حديث: ﴿من لم تنهه صلاته عن الفحشاء والمنكر، لم يزدد من الله إلا بعداً﴾ فحديثٌ باطل لا يصح، بل من صلى وارتكب الفواحش أقرب إلى الله ممن ارتكب الفواحش ولم يصلِّ.
وأما في السنة فقد صح عنه ﷺ أنه قال: ﴿الصلوات الخمس، والعمرة إلى العمرة، والجمعة إلى الجمعة، كفارات لما بينهن ما لم تؤت كبيرة، وذلك الدهر كله﴾ وقد صح عنه ﷺ في الصحيحين أنه قال: ﴿أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله، وأني رسول الله، ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة، فإذا فعلوا ذلك فقد عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها، وحسابهم على الله﴾ وصح عنه ﷺ أنه قال: ﴿بين المسلم والكافر ترك الصلاة﴾ وصح عنه ﷺ أنه قال: ﴿العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة، فمن تركها فقد كفر﴾.
قال ابن تيمية ﵀: لم يأتِ عنه ﷺ تفريقٌ بين من تركها عامداً أو متهاوناً، لأن بعض الفقهاء -كما يدرس في بعض المدارس- يقولون: من تركها تهاوناً فهذا يستتاب، وأما من تركها عامداً فيقتل.
والمتهاون عندهم شيء، والعامد شيء، وهذا خطأ، فليس هناك متهاون ولا عامد، من ترك الصلاة فقد كفر، ما نقول: هل تركتها تهاوناً؟ ولا نسأله عن قلبه؟ ما تركها إلا بعد ما كفر بالله العظيم، فنمسح بالسيف على رأسه، هذا هو الصحيح، أما التفريق بين من تركها تهاوناً أو تكاسلاً أو عمداً فليس له أصل، لا من عند الرسول ﵊، ولا الصحابة، ولا أئمة المسلمين، فليعلم ذلك، وإنما هو تقسيمٌ استحدثه بعض الفقهاء.
стр. 3320
صلاة الجماعة
صلاة الجماعة شرطٌ عند ابن تيمية، وواجبٌ عند فقهاء المحدثين، وسنةٌ عند مالك وأبي حنيفة والشافعي، والصحيحُ أنها واجبة إلا لعذر، لقوله : ﴿وَإِذَا كُنتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمْ الصَّلاةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ﴾ [النساء:١٠٢] فهذا في صلاة الخوف، فكيف بصلاة الأمن؟! وقوله : ﴿وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾ [البقرة:٤٣] وقول الرسول ﵊ في الصحيحين: ﴿لقد هممت أن آمر بالصلاة فتقام، ثم أخالف إلى أناسٍ لا يشهدون الصلاة معنا، فأحرِّق عليهم بيوتهم بالنار﴾ وعند أحمد بسندٍ جيد: ﴿والذي نفسي بيده لولا ما في البيوت من النساء والذرية﴾ فمنعه ﵊ من إحراق بيوتهم ما فيها من النساء والذرية.
وجاء عند ابن ماجة والحاكم وأحمد وصححه عبد الحق الإشبيلي وابن تيمية، أنه ﷺ قال: ﴿من سمع النداء فلم يأتِ فلا صلاة له إلا من عذر﴾ وجاء عند مسلم، أن النبي ﷺ قال للرجل الأعمى: ﴿أتسمع حي على الصلاة حي على الفلاح؟ قال: نعم، قال: فأجب، فإني لا أجد لك رخصة﴾ أما حديث ﴿لا صلاة لجار المسجد إلا في المسجد﴾ فالصحيح عند كثيرٍ من المحدثين أنه موقوفٌ على علي ﵁ وأرضاه.
وقال ﷺ كما في الصحيحين: ﴿صلاة الجماعة تفضل على صلاة الفذ بسبعٍ وعشرين﴾ وفي رواية ﴿بخمسٍ وعشرين﴾.
إذاً: صلاة الجماعة واجبة، يعزر من تركها بلا عذر، يؤخذ على يديه من قبل السلطان والإمام ومن القضاة، ويهجر ولا يزار ولا يجلس معه حتى يصلي في المسجد، وإذا سمعتم فتوى رخيصة تقول: صلاة الجماعة سنة، وللإنسان أن يصلي في بيته، فهذا -والعياذ بالله- بابٌ يفتح للمنافقين.
قال ابن مسعود كما في صحيح مسلم: [[ولقد رأيتنا وما يتخلف عن الصلاة إلا منافقٌ معلوم النفاق]] فكان الصحابة يرون من يتخلف عن صلاة الجماعة منافقاً معلوم النفاق.
وروى الترمذي عن النبي ﷺ أنه قال: ﴿إذا رأيتم الرجل يعتاد المسجد، فاشهدوا له بالإيمان.
قال سبحانه: ﴿إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلاَّ اللَّهَ﴾ [التوبة:١٨]﴾ وهذا الحديث ضعيف، في سنده دراج بن أبي السمح عن أبي الهيثم، وروايته عن أبي الهيثم ضعيفة.
стр. 3321
استقبال القبلة
جاء في الصحيحين أن النبي ﷺ قال للمسيء في صلاته: ﴿إذا أردت الصلاة فتوضأ وأسبغ الوضوء، ثم استقبل القبلة﴾ قال سبحانه: ﴿وَحَيْثُ مَا كُنتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾ [البقرة:١٤٤] قال الشافعي: من كان في الحرم فعليه أن يستقبل الكعبة، ومن كان في مكة فعليه أن يستقبل الحرم، ومن كان في الآفاق فعليه أن يستقبل مكة.
وهذا شيءٌ عجيب وفقهٌ طيب، يقبل ولا يعارض النصوص.
فاستقبال القبلة شرط إلا في صلاة النافلة على الراحلة في السفر، فتستقبل القبلة عند التكبير ثم لا يهمك أين توجهت بك راحلتك.
واستقبال القبلة يسقط إذا اجتهد العبد فصلى إلى غير القبلة، ثم بانَ له أنه صلى إلى غير القبلة، كأن يصلي في ظلمة، أو في صحراء، أو في سفر، لقول عقبة بن عامر: ﴿صلينا مع الرسول ﵊، فلما أصبح الصباح رأينا أنا صلينا إلى غير القبلة، فأنزل الله: ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ [البقرة:١١٥] فلم نعد الصلاة﴾ وهذا حديثٌ صحيح.
فاستقبال القبلة وارد مع القدرة، إلا من كان مريضاً لا يستطيع استقبال القبلة فهذا معذور، قال الله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن:١٦] وقال ﵊: ﴿إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم﴾.
стр. 3322
تكبيرة الإحرام
التكبير عند أهل العلم هو الوارد وهو السنة، ولم يقل الرسول ﷺ في بداية الصلاة إلا (الله أكبر) لم يقل: الله أكبر كبيراً، ولم يقل: كبرتُ لله، ولم يبدأ بكلمة أخرى غير التكبير، فلم يقل الحمد لله، ولا سبحان الله، ولا لا إله إلا الله، وإنما قال الراوي: ﴿ثم كبر﴾ وكان يقول: الله أكبر، وقد ذهب الجمهور إلى أنه لا يجزئ إلا (الله أكبر) وذهب أبو حنيفة إلى أنه يجزئك أن تقول أي ذكر، كأن تقول: سبحان الله، أو الحمد لله، لا إله إلا الله، أو أستغفر الله فإذا قلت ذلك انعقدت صلاتك، بل زاد في روايةٍ ﵀ أن قال: لو كبر بالعجمية لأجزأه ذلك، كأن يقول: اشكمدرت، ونحوها.
وهذا مخالفٌ للنصوص، وقد نص المحدثون على أنه لا يصح هذا القول، وأنه مجانبٌ للصواب، ولا يجوز الأخذ به، وذلك لعموم أمره ﷺ بالتكبير، وكان إذا كبر ﷺ رفع يديه وقال: ﴿الله أكبر﴾ ولم يكن يضم أصابعه أو يفرجها، وإنما كان يجعلها على هيئتها وعادتها.
وأما رفع اليدين، فقد جاء في الصحيحين من حديث أبي حميد ﴿أن النبي ﷺ كان يرفعهما إلى فروع أذنيه أو حذو منكبيه﴾ وجاء عند البخاري ومسلم من حديث وائل بن حجر ﴿أن النبي ﷺ كان يرفعهما إلى فروع أذنيه﴾ فكيف نجمع بينهما؟
قال بعض العلماء: أما أواخر الكفين فعند المنكبين؛ لحديث أبي حميد، وأما أطراف الأصابع فعند فروع الأذنين؛ لحديث وائل بن حجر.
فمن جعلها عند فروع الأذنين أجزأه، ومن جعلهما حذو منكبيه أجزأه، ومن رفعهما بين الأذنين والمنكبين أجزأه كذلك.
وهنا مسألة ذكرها ابن قدامة، وهي: هل تكبر مع الرفع؟ أو بعد الرفع؟ أو قبل الرفع؟ أصوبها أن تكبر مع رفع اليدين، وإن رفعت قبل التكبير جاز، وإن رفعت بعد التكبير جاز، ولكن مع التكبير هو الأصوب والأحسن، وهو هديه ﵊.
стр. 3323
كيفية وضع اليدين على الصدر
جاء من حديث وائل بن حجر: ﴿أن النبي ﷺ كان إذا كبر وضع يديه على صدره﴾ ولفظه عند ابن خزيمة بسندٍ صحيح: ﴿يضع اليمنى على اليسرى على صدره﴾ وأصله في البخاري، ولكن ليس في البخاري بلفظ: أنه كان يضع اليمنى على اليسرى على صدره، وأما حديث علي عند أبي داود: [[من السنة وضع اليمنى على اليسرى تحت السرة]] فهو حديثٌ ضعيف، وهو رواية للحنابلة عملوا بها، والصحيح أنه ضعيف، والأصل أن توضع على الصدر، ولا ترفع رفعاً كما يفعل بعض الناس؛ لأن بعض الناس يحملهم التشدد في السنة إلى أن يخرجوا من السنة، حتى يقول ابن تيمية: بعض الناس هربوا من طرفٍ مجانب للسنة، فخرجوا من الطرف الآخر، المرجئة خافوا من مذهب الخوارج، فذهبوا فخرجوا من مذهب السنة إلى الإرجاء، والخوارج خافوا من مذهب المرجئة، فخرجوا من السنة وأهل السنة توسطوا، فلا تجعل يديك فوق الصدر ولا تحته، ولكن اجعلهما على الصدر، وسنة محمد ﷺ هي الأصل.
стр. 3324
الاستفتاح
صح عنه ﷺ في الاستفتاح أحاديث، ومن استفتح بشيءٍ منها صحت صلاته، منها: حديث أبي هريرة في الصحيحين قال: ﴿يا رسول الله! سكوتك بين التكبير والقراءة ماذا تقول؟﴾ وفي رواية أخرى: ﴿يا رسول الله! بأبي أنت وأمي﴾ أي: فديتك بأبي وأمي، وهو يستحق أن نفديه ﵊، وهو أسلوبٌ يستخدمه الصحابة للمصطفى ﵊، وقد قالها عمر لـ أبي بكر، كان يقول له: فداك أبي وأمي، والجاهليون كان يقول أحدهم للزعيم أو للسلطان: أبيت اللعن، أي أعوذُ أن أستجلب أمراً يوجب اللعن، أو أن أكرهك أو أغضبك، فاستبدلها المسلمون بكلمةٍ أطيب فقالوا: فديتك بأبي وأمي، وكان الجاهليون يقول أحدهم: عمت صباحاً، فاستبدلناها بقولنا: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، يقول النابغة الذبياني للنعمان بن المنذر:
أتاني أبيت اللعن أنك لمتني وتلك التي منهن قد كنتُ أنصبُ
فإنك شمسُ والملوك كواكبٌ إذا ظهرت لم يبد منهن كوكبُ
قال أبو هريرة: ﴿فديتك يا رسول الله بأبي وأمي، ماذا تقول في سكوتك بين التكبير والقراءة؟ قال: أقول: اللهم باعد بيني وبين خطاياي كما باعدت بين المشرق والمغرب، اللهم نقني من خطاياي كما ينقى الثوب الأبيض من الدنس، اللهم اغسلني من خطاياي بالماء والثلج والبرد﴾ وهذا هو أصح حديث في الاستفتاح، ويستفتح به المحدثون.
ويرى ابن تيمية وابن القيم أن أحسن استفتاح: سبحانك اللهم وبحمدك، وتبارك اسمك، وتعالى جدك، ولا إله غيرك؛ لأنه جمع تنزيهاً وتوحيداً وتسبيحاً وتحميداً.
ومن استفتح بهذا أو بذاك فقد أصاب، والأول جاء في الصحيحين، وأما الثاني فقد رواه مسلم بسندٍ منقطع، قاله الدارقطني وغيره، وقد وصله الدارقطني بسندٍ موصول، وهو صحيح.
وجاء عند مسلم من حديث علي بن أبي طالب ﵁: ﴿أن الرسول ﵊ كان إذا استفتح الصلاة قال: وجهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض حنيفاً مسلماً وما أنا من المشركين، إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين لا شريك له، وبذلك أمرتُ وأنا أول المسلمين﴾ قال أهل العلم: قال ﵊ وأنا أول المسلمين، لأنه أول المسلمين، وأما نحن فنقول: وأنا من المسلمين.
وقد أورد ابن القيم في زاد المعاد استفتاحات أخرى، لكن هذه ثلاثة استفتاحات، حديث أبي هريرة في الصحيحين، وحديث عمر في مسلم، وحديث علي: ﴿وجهت وجهيَ للذي فطر السماوات والأرض حنيفاً وما أنا من المشركين﴾ والرابع أورده ابن القيم في صلاة الليل، قال: ﴿كان يسبح عشراً، ويحمدُ عشراً، ويكبر عشراً، ويهلل عشراً، ويستغفر عشراً﴾ إلخ.
ومن صلى بلا استفتاح صحت صلاته، وكان ﷺ يقول: ﴿أعوذ بالله من الشيطان الرجيم من همزه ونفخه ونفثه﴾ فالاستعاذة واردة في حديث أبي سعيد الصحيح، وقالوا: النفث هو الشعر، والنفخ هو الكبر، والهمز هو الموتة، أي: الجنون قاله أبو عمر أحد الرواة.
стр. 3325
قراءة الفاتحة
صح عنه ﵊ أنه قال للأعرابي: ﴿واقرأ ما تيسر معك من القرآن﴾ أخذ بهذا الجمهور وقالوا: لا يجزئ إلا قراءة الفاتحة، وقال الأحناف: لو قرأ بأي شيءٍ من القرآن لأجزأه ذلك، والصحيح أنه لابد من الفاتحة، لحديث عبادة بن الصامت في الصحيحين: ﴿لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب﴾ وصح عنه ﷺ أنه قال: ﴿صلاةٌ لا يقرأ فيها بفاتحة الكتاب فهي خداجٌ خداجٌ خداج﴾ أي باطلة، وعند ابن حبان مصححاً وأبي داود والترمذي، أن النبي ﵊ قال للصحابة: ﴿لعلكم تقرءون خلف إمامكم.
قالوا: نعم، قال: لا تقرءوا إلا بأم الكتاب، فإنه لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب﴾ وهل تقرأ وراء الإمام في الجهرية؟
لأهل العلم ثلاثة أقوال: القول الأول: لابد من قراءتها في السرية والجهرية وهو قول جمهور المحدثين.
القول الثاني: تُقرأ في السرية ولا تُقرأ في الجهرية خلف الإمام، وهو قول شيخ الإسلام ابن تيمية.
القول الثالث: يكفيك قراءة الإمام في السرية والجهرية، وهو مذهب الأحناف.
والقول الأول هو الصحيح، أنك تقرأ بها في السرية والجهرية، فلا تسقط عنك الفاتحة على الصحيح، ولو قرأ الإمام، لعموم قوله ﷺ : ﴿لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب﴾ ولقوله: ﴿فاقرءوا بأم القرآن، فإنه لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب﴾.
стр. 3326
قراءة ما تيسر بعدها
وما تيسر من القرآن إما آية أو سورة أو الجمع بين سورتين، أو الأخذ من سور متفرقة من القرآن وقد توقفوا في هذا، وقد فعله بلال، وأقره ﵊ في حديثٍ يقبل التحسين، كما ذكره الذهبي، أنه قال: ﴿كلٌ كثيرٌ طيب﴾ وكان يفعله خالد بن الوليد يوم صلَّى بالناس في غزوة، فقد قرأ بعض الآيات من سورة وبعضها من سورة وبعضها من سورة، وهذا خلاف الأولى لكنه صحيح مجزئ.
وهل لك أن تقدم بعض السور على بعض؟ كأن تقرأ -مثلاً- في الأولى (عمَّ) وفي الثانية (تبارك)؟ قالوا: هذا من تنكيس القرآن، وقد كرهه الأحناف، والصحيح عند المحدثين أنه جائز، وقد روى البخاري في الصحيح عن عمر أنه قرأ في الركعة الأولى سورة يوسف وقرأ في الثانية سورة يونس، وقد قال البخاري: من عاد إليه وجد ذلك.
فهو مجزئ، بشرط أن تكون الأولى أطول من الثانية.
стр. 3327
الركوع
قبل هذا اعلموا أن الرسول ﵊ كان يرفع يديه في أربعة مواطن في الصلاة:
الأول: عند تكبيرة الإحرام.
الثاني: عند الركوع.
الثالث: عند الرفع من الركوع.
لحديث ابن عمر في الصحيحين ﴿أن النبي ﷺ كان يرفع يديه عند تكبيرة الإحرام، وعند الركوع، وعند الرفع منه﴾ هذه ثلاثة مواطن.
الموطن الرابع جاء عند أبي داود، وهو عند القيام من التشهد الأول للركعة الثالثة، فهي أربعة مواطن.
والأحناف قالوا برفعٍ واحد وهو عند تكبيرة الإحرام، ولذلك صلى أبو حنيفة إماماً بـ ابن المبارك المحدث، فكبر أبو حنيفة فكبر ابن المبارك ورفع يديه، فكبر ليركع فرفع ابن المبارك يديه، ولم يرفع أبو حنيفة، فلما سلم قال أبو حنيفة لـ ابن المبارك: خفتُ أن تطير بجانبي من كثرة ما رفعت يدك.
فقال ابن المبارك: لو أردت أن أطير لطرتُ في الأولى.
قال علي بن المديني: شيخ البخاري المحدث الكبير: من لم يرفع يديه عند الركوع والرفع منه، فقد أزرى بالصحابة.
وقال المروزي: رفع اليدين ثابتٌ عن الأئمة مجمعٌ عليه.
وكأن المروزي ما التفت إلى خلاف أبي حنيفة، والأمر ليس مجمعاً عليه؛ لأن أبا حنيفة يقول: الرفع عند تكبيرة الإحرام فقط.
فكان ﷺ إذا أراد الركوع قال: الله أكبر ثم ركع، فهصر ظهره، كما جاء في حديث أبي حميد في الصحيحين، برأسه ﵊، حتى لو وضع إناءٌ من ماء ما سقط منه شيء.
وكان يجعل يديه كالقابض على ركبتيه، ويقول: سبحان ربي العظيم، سبحان ربي العظيم، سبحان ربي العظيم، وورد عند أحمد -وقد ضعفها أحمد - زيادة (وبحمده) والصحيح أنها زيادة صحيحة، فقد صححها بعض المتأخرين.
وصح عنه ﷺ أنه كان يقول: ﴿سبوحٌ قدوس، رب الملائكة والروح﴾ في الركوع والسجود، وكان يقول في الركوع والسجود كما في الحديث الصحيح عن عائشة: ﴿سبحانك اللهم وبحمدك، رب اغفرلي﴾ يتأول القرآن، وصح عنه ﷺ أنه قال: ﴿إني نهيت أن أقرأ القرآن وأنا راكع، فأما الركوع فعظموا فيه الرب، وأما السجود فاجتهدوا في الدعاء فقمنٌ أن يستجاب لكم﴾ وهذا أمر معلوم، لكن لابد أن يتدارس وأن يتفقه فيه، ولعل الله أن ينفع من سمعه، لأن في بعض البيوت من لا يحسن الصلاة، وبعض العجائز تصلي جالسة، وبعض الناس لا يعرف الصلاة إلا تقليداً، من فاتته الصلاة فقد فاته الإسلام.
وهل يقول: سبحان ربي العظيم مرة واحدة؟
قال بعض الفقهاء: يجزئ مرة واحدة، وقال بعضهم: لا يجزئ إلا ثلاثاً.
والصحيح أنه يقولها المصلي ما استطاع، أو ما يقارب العشر مرات لحديث حذيفة: ﴿كان يقولها ﷺ عشر مرات﴾ وصلى أنس وراء عمر بن عبد العزيز، فكان يقول (سبحان ربي العظيم) عشراً، فقال أنس: [[ما صليت وراء أحدٍ أشبه صلاةً برسول الله ﷺ من هذا]] يعني عمر بن عبد العزيز.
стр. 3328
الرفع من الركوع
أما الرفع فكان ﷺ يقول: (سمع الله لمن حمده) ويرفع يديه، ثم يقول: (ربنا ولك الحمد).
قال ابن القيم: وردت (ربنا ولك الحمد) ووردت (اللهم ربنا لك الحمد) ولم ترد (ربنا لك الحمد).
والصحيح أنها وردت، وقد رد المحدثون على ابن القيم ﵀ وقالوا: بل وردت أربع صيغ، ربنا ولك الحمد، ربنا لك الحمد، اللهم ربنا ولك الحمد، اللهم ربنا لك الحمد، فمن قال واحدةً منها فقد أصاب.
وقد ذكرنا أن من البدع المخالفة قول بعضهم: من قال: (ربنا ولك الحمد والشكر) فاعترض بعض المعترضين وقالوا: سبحان الله! كيف يعترض على أن نقول لله الشكر؟ أما أنعم الله علينا؟! كيف لا نشكر الله؟! ونقول: هذا رجلٌ جاهلٌ عارض الشرعية برأيه، والشريعة لم تأت بالآراء، قال علي ﵁: [[لو كان الدين بالرأي، لكان باطنٌ الخف أولى بالمسح من ظاهره]] إذاً الدين نقل، الدين من المعصوم ﷺ : ﴿من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد﴾ أقول: صحيح أن الله هو الذي أنعم علينا، والشكر هو لله تعالى، لكن لماذا تأتي بكلمة ما أتى بها محمد ﷺ ؟ من الذي علمنا السنة إلا محمد ﵊!
إذاً قف حيث وقف القوم، وسر حيث ساروا، مع سيد القوم ﷺ .
أما المأموم فإذا سمع الإمام يقول: (سمع الله لمن حمده) قال: (ربنا ولك الحمد، حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه، ملء السماوات وملء الأرض وملء ما شئت من شيءٍ بعد، أهل الثناء والمجد، أحق ما قال العبد، وكلنا لك عبد، لا مانع لما أعطيت، ولا معطي لما منعت، ولا ينفع ذا الجد منك الجد) وقد سمع النبي ﷺ رجلاً يوماً يقولها، فقال: ﴿من قال هذا؟ فقال أحد الصحابة: أنا يا رسول الله! فقال ﷺ : لقد رأيتها ابتدرها ثلاثون من الملائكة يكتبونها﴾ وفي بعض الروايات أنها عضلت ببضعة عشر ما استطاعوا رفعها ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ﴾ [فاطر:١٠].
إذا رفع المسلمُ من الركوع فهل يعيد يديه إلى صدره، أم يرسلها، أم ماذا؟ وقد نشر في بعض الصحف الإسلامية والجرائد كلام لعالمين محدثين كبيرين، أحدهما يقول: لا يضم يده اليمنى على اليسرى لأنه مخالف للأصول، ويسميها بدعةً حجازية، والعالم الآخر الجليل يقول: الضم بعد الركوع سنة، وذلك إلحاقاً بهيئة القيام بالفاتحة، لأن لكل هيئةٍ هيئةً منه ﷺ ، فالأقرب أن يجعل اليمنى على اليسرى، وقد أصاب من قال هذا القول الأخير، فالأحسن أن يضم يده اليمنى على اليسرى على صدره، إلحاقاً بهيئة القيام بالفاتحة التي فعلها ﵊.
стр. 3329
السجود
أما السجود فكان ﵊، إذا أراد أن يسجد لم يرفع يديه، بل يقول: الله أكبر، ويبدأ بركبتيه ثم يديه، ثم ما ولي من جسمه، فعن عبد الله بن عباس ﵄ أن النبي ﷺ قال -كما في الصحيحين -: ﴿أمرتُ أن أسجد على سبعة أعظم، على الجبهة وأشار إلى أنفه، وعلى اليدين، وعلى الركبتين، وعلى الرجلين﴾ فهذه سبعة أعظم لابد من السجود عليها، قال بعض العلماء -وأصاب-: لو سجد على أنفه ولم يسجد على جبهته، فقد أخطأ وما سجد، ولو سجد على جبهته ولم يسجد على أنفه فقد أجزأته صلاته، والكامل والأولى أن يسجد على الأنف والجبهة لفعله ﵊.
وكان ﷺ إذا سجد أمكن يديه من الأرض، وجافى يديه عن عضديه، واستقبل بأطراف أصابعه القبلة، وبعض الناس يجافي ولا يستقبل بيديه ولا رجليه القبلة، وهذا أخطأ، فقد كان ﷺ كما في حديث أبي حميد: ﴿يستقبل بأطراف أصابعه القبلة﴾ وهو في الصحيحين.
وجاء عن البراء بن عازب، أن النبي ﷺ قال له: ﴿ضع يديك وارفع مرفقيك﴾ أي لا تفترش المرفقين، وقد نهى الرسول ﷺ أن يفترش الرجل يديه كافتراش السبع.
قال الصنعاني في سبل السلام: نهينا عن هيئات، منها: هيئة الغراب، وهو نقر الصلاة كالغراب، ومنها: الالتفات كالتفات الثعلب، ومنها: البروك كبروك البعير، ومنها: تحريك اليدين بعد السلام كأذناب خيلٍ شمس، ومنها: افتراش اليدين كافتراش الكلب أو السبع، فلا يفترشها المسلم، بل يفعل كما فعل ﵊.
وكان ﷺ إذا سجد قال: ﴿سبحان ربي الأعلى وبحمده، رب اغفر لي﴾ ودعا، وربما قال: ﴿سبوحٌ قدوس رب الملائكة والروح﴾ وربما قال: ﴿سبحانك اللهم وبحمدك، رب اغفر لي﴾ وكان يدعو كثيراً في السجود، كما في حديث عائشة عند مسلم، هذه أحواله ﷺ في السجود التي نقلت إلينا، وقد جاء عند النسائي من حديث أبي ذر الغفاري بسندٍ جيد: ﴿أن الحسن امتطى على ظهر الرسول ﵊﴾ وهذا يستدل به بعض المحدثين على أنه يجوز أن يطول بعض السجود على بعض ﴿فارتقى الحسن فطول ﵊ في السجود، فلما سلم سألوه فقال: إن ابني ارتحلني فخشيت أن أرفع فأؤذيه، فمكثتُ حتى نزل﴾ أو كما قال ﵊.
وأيهما أفضل النزول على الركبتين أم على اليدين؟ يقول: ابن القيم ﵀ في حديث أبي هريرة، الذي هو حسن على الصحيح ولو أن بعض أهل العلم اتهم السند: ﴿إذا سجد أحدكم فلا يبرك كما يبرك البعير وليقدم يديه قبل ركبتيه﴾ قال ابن القيم: في الحديث قلب في قوله: ﴿وليقدم يديه قبل ركبتيه﴾ ولكن قد جاء عند الحاكم من حديث وائل بن حجر، وقد ذكره شعيب الأرنؤوط: ﴿أن الرسول ﷺ ربما قدم يديه قبل ركبته﴾ فما موقفنا من ذلك؟ الأصوب أن تقدم الركبتين قبل اليدين، لحديث وائل وغيره من الأحاديث، والأصل في ذلك أن يبدأ الإنسان بالأقرب فالأقرب إلى الأرض، وأما حديث الحاكم فسنده صحيح، وربما فعله ﷺ مرة من المرات، لكن تقديم اليدين قبل الركبتين فيه نكارة في الهيئة، وليس بصحيح.
إذاً نقول: الصحيح والذي تطمئن إليه النفس هو تقديم الركبتين على اليدين عند النزول، وهو فعل الرسول ﵊ غالباً، أما ما ورد عند الحاكم فهو نادر.
وقول ابن القيم أنه لم يقل به أحد من أهل العلم.
غير صحيح بل قال به الأوزاعي والبغوي، وجمٌ غفيرٌ من المحدثين، وكان ابن عمر ﵁ يقدم يديه قبل ركبتيه.
فالخلاف في المسألة مشهور بين العلماء.
خلاصة المسألة: أن الأصوب والأولى تقديم الركبتين، ومن بدأ بيديه فقد أجزأته صلاته، وما ارتكب أمراً محرماً، والمسألة أسهل من ذلك، أن يختلف فيها المحدثون كثيراً، أو يكثر فيها الخلاف، كالجهر بالبسملة، وضم اليدين بعد الركوع، هذه من المسائل التي يتنازع فيها الأئمة، والأمر كما يقول ابن تيمية في أصول الفقه: ما ينبغي أن يعنف على المخالف فيها.
فالمسألة أوسع من ذلك.
стр. 3330
الجلوس بين السجدتين
أما الجلوس بين السجدتين فقد كان ﵊ يقول: الله أكبر، ويجلس، وقال للمسيء في صلاته: ﴿ثم اجلس حتى تطمئن جالساً﴾ وما أعرف أنه يصح في الدعاء بين السجدتين إلا حديثان اثنان: الأول حديث حذيفة أن الرسول ﷺ كان يقول بين السجدتين: ﴿رب اغفر لي رب اغفر لي رب اغفر لي﴾ والثاني: حديث ابن عباس، أن النبي ﷺ ﷺ ، كان يقول: ﴿رب اغفر لي وارحمني واهدني وارزقني وعافني﴾ وفي بعض الألفاظ ﴿واجبرني﴾ ولا أعلم ألفاظاً أخرى صحت.
وبعضهم يقول: اغفر لي ولوالدي والمسلمين أجمعين، هذا لا بأس به لكنه لم يرد في هذا الموضع، وبعضهم يقول: رب اغفر لي، وللمسلمين والمسلمات، والمؤمنين والمؤمنات، الأحياء منهم والأموات، هذا الدعاء يكون خارج الصلاة، أما داخل الصلاة فلم يصح إلا حديثان اثنان: حديث ابن عباس وحديث حذيفة.
أما الإشارة بالسبابة، بين السجدتين، فقد قال بها بعض العلماء المتأخرين؛ وذلك إلحاقاً لها بالتشهد.
وقال بعض العلماء من أهل الحديث الأثريين: الإشارة بالسبابة بين السجدتين روايةٌ شاذة، لأن الإشارة بالسبابة عند الدعاء في التشهد، أو عند التشهد في التحيات فقط.
والذي أرى -والله أعلم- أن الإشارة بالسبابة بين السجدتين غير صحيحة، ومن أشار فله ذلك، ولكن السنة أن يمد أصابعه ويستقبل بها القبلة، ويقول: رب اغفر لي رب اغفر لي رب اغفر لي لحديث حذيفة، أو رب اغفر لي وارحمني واهدني وارزقني وعافني، أو واجبرني، لحديث ابن عباس الصحيح.
والبغوي يرى أنها سنة، وقد ذكرها في الجزء الأول من حديث وائل بن حجر وهذا هو الكلام الذي أتى به الألباني وغيره من أهل العلم، لكن قال العلماء: السنة ما نقلت إلا في هذا النقل من حديث وائل، بينما الأحاديث العامة الواردة في صفة صلاته ﵊ لم ترد بهذا.
على كل حال أقول: الذي يظهر لي حسب ما راجعتُ وما رأيتُ أن الإشارة بين السجدتين غير صحيحة، وهذا هو الأقرب -إن شاء الله- للأحاديث، كحديث أبي حميد الساعدي، وحديث أبي هريرة، ولكن لا يعنف على من أشار، وكما قال بعض العلماء: إن الإشارة منه ﷺ عند التشهد، ولا تشهد بين السجدتين.
الأمر الثاني: أنه ﷺ كان يشير بأصبعه في التشهد، وجاء عند الترمذي بسند حسن عن سعد أنه كان يشير في التشهد بأصبعين فقال له النبي ﷺ : ﴿أحدٌ يا سعد﴾ ولو لم يكن فيها خلاف ما أوردتها.
следующие страницы →