Полный текст (10 391 стр.). Показаны 3326–3365 · переход к 3331.
стр. 3326
قراءة ما تيسر بعدها
وما تيسر من القرآن إما آية أو سورة أو الجمع بين سورتين، أو الأخذ من سور متفرقة من القرآن وقد توقفوا في هذا، وقد فعله بلال، وأقره ﵊ في حديثٍ يقبل التحسين، كما ذكره الذهبي، أنه قال: ﴿كلٌ كثيرٌ طيب﴾ وكان يفعله خالد بن الوليد يوم صلَّى بالناس في غزوة، فقد قرأ بعض الآيات من سورة وبعضها من سورة وبعضها من سورة، وهذا خلاف الأولى لكنه صحيح مجزئ.
وهل لك أن تقدم بعض السور على بعض؟ كأن تقرأ -مثلاً- في الأولى (عمَّ) وفي الثانية (تبارك)؟ قالوا: هذا من تنكيس القرآن، وقد كرهه الأحناف، والصحيح عند المحدثين أنه جائز، وقد روى البخاري في الصحيح عن عمر أنه قرأ في الركعة الأولى سورة يوسف وقرأ في الثانية سورة يونس، وقد قال البخاري: من عاد إليه وجد ذلك.
فهو مجزئ، بشرط أن تكون الأولى أطول من الثانية.
стр. 3327
الركوع
قبل هذا اعلموا أن الرسول ﵊ كان يرفع يديه في أربعة مواطن في الصلاة:
الأول: عند تكبيرة الإحرام.
الثاني: عند الركوع.
الثالث: عند الرفع من الركوع.
لحديث ابن عمر في الصحيحين ﴿أن النبي ﷺ كان يرفع يديه عند تكبيرة الإحرام، وعند الركوع، وعند الرفع منه﴾ هذه ثلاثة مواطن.
الموطن الرابع جاء عند أبي داود، وهو عند القيام من التشهد الأول للركعة الثالثة، فهي أربعة مواطن.
والأحناف قالوا برفعٍ واحد وهو عند تكبيرة الإحرام، ولذلك صلى أبو حنيفة إماماً بـ ابن المبارك المحدث، فكبر أبو حنيفة فكبر ابن المبارك ورفع يديه، فكبر ليركع فرفع ابن المبارك يديه، ولم يرفع أبو حنيفة، فلما سلم قال أبو حنيفة لـ ابن المبارك: خفتُ أن تطير بجانبي من كثرة ما رفعت يدك.
فقال ابن المبارك: لو أردت أن أطير لطرتُ في الأولى.
قال علي بن المديني: شيخ البخاري المحدث الكبير: من لم يرفع يديه عند الركوع والرفع منه، فقد أزرى بالصحابة.
وقال المروزي: رفع اليدين ثابتٌ عن الأئمة مجمعٌ عليه.
وكأن المروزي ما التفت إلى خلاف أبي حنيفة، والأمر ليس مجمعاً عليه؛ لأن أبا حنيفة يقول: الرفع عند تكبيرة الإحرام فقط.
فكان ﷺ إذا أراد الركوع قال: الله أكبر ثم ركع، فهصر ظهره، كما جاء في حديث أبي حميد في الصحيحين، برأسه ﵊، حتى لو وضع إناءٌ من ماء ما سقط منه شيء.
وكان يجعل يديه كالقابض على ركبتيه، ويقول: سبحان ربي العظيم، سبحان ربي العظيم، سبحان ربي العظيم، وورد عند أحمد -وقد ضعفها أحمد - زيادة (وبحمده) والصحيح أنها زيادة صحيحة، فقد صححها بعض المتأخرين.
وصح عنه ﷺ أنه كان يقول: ﴿سبوحٌ قدوس، رب الملائكة والروح﴾ في الركوع والسجود، وكان يقول في الركوع والسجود كما في الحديث الصحيح عن عائشة: ﴿سبحانك اللهم وبحمدك، رب اغفرلي﴾ يتأول القرآن، وصح عنه ﷺ أنه قال: ﴿إني نهيت أن أقرأ القرآن وأنا راكع، فأما الركوع فعظموا فيه الرب، وأما السجود فاجتهدوا في الدعاء فقمنٌ أن يستجاب لكم﴾ وهذا أمر معلوم، لكن لابد أن يتدارس وأن يتفقه فيه، ولعل الله أن ينفع من سمعه، لأن في بعض البيوت من لا يحسن الصلاة، وبعض العجائز تصلي جالسة، وبعض الناس لا يعرف الصلاة إلا تقليداً، من فاتته الصلاة فقد فاته الإسلام.
وهل يقول: سبحان ربي العظيم مرة واحدة؟
قال بعض الفقهاء: يجزئ مرة واحدة، وقال بعضهم: لا يجزئ إلا ثلاثاً.
والصحيح أنه يقولها المصلي ما استطاع، أو ما يقارب العشر مرات لحديث حذيفة: ﴿كان يقولها ﷺ عشر مرات﴾ وصلى أنس وراء عمر بن عبد العزيز، فكان يقول (سبحان ربي العظيم) عشراً، فقال أنس: [[ما صليت وراء أحدٍ أشبه صلاةً برسول الله ﷺ من هذا]] يعني عمر بن عبد العزيز.
стр. 3328
الرفع من الركوع
أما الرفع فكان ﷺ يقول: (سمع الله لمن حمده) ويرفع يديه، ثم يقول: (ربنا ولك الحمد).
قال ابن القيم: وردت (ربنا ولك الحمد) ووردت (اللهم ربنا لك الحمد) ولم ترد (ربنا لك الحمد).
والصحيح أنها وردت، وقد رد المحدثون على ابن القيم ﵀ وقالوا: بل وردت أربع صيغ، ربنا ولك الحمد، ربنا لك الحمد، اللهم ربنا ولك الحمد، اللهم ربنا لك الحمد، فمن قال واحدةً منها فقد أصاب.
وقد ذكرنا أن من البدع المخالفة قول بعضهم: من قال: (ربنا ولك الحمد والشكر) فاعترض بعض المعترضين وقالوا: سبحان الله! كيف يعترض على أن نقول لله الشكر؟ أما أنعم الله علينا؟! كيف لا نشكر الله؟! ونقول: هذا رجلٌ جاهلٌ عارض الشرعية برأيه، والشريعة لم تأت بالآراء، قال علي ﵁: [[لو كان الدين بالرأي، لكان باطنٌ الخف أولى بالمسح من ظاهره]] إذاً الدين نقل، الدين من المعصوم ﷺ : ﴿من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد﴾ أقول: صحيح أن الله هو الذي أنعم علينا، والشكر هو لله تعالى، لكن لماذا تأتي بكلمة ما أتى بها محمد ﷺ ؟ من الذي علمنا السنة إلا محمد ﵊!
إذاً قف حيث وقف القوم، وسر حيث ساروا، مع سيد القوم ﷺ .
أما المأموم فإذا سمع الإمام يقول: (سمع الله لمن حمده) قال: (ربنا ولك الحمد، حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه، ملء السماوات وملء الأرض وملء ما شئت من شيءٍ بعد، أهل الثناء والمجد، أحق ما قال العبد، وكلنا لك عبد، لا مانع لما أعطيت، ولا معطي لما منعت، ولا ينفع ذا الجد منك الجد) وقد سمع النبي ﷺ رجلاً يوماً يقولها، فقال: ﴿من قال هذا؟ فقال أحد الصحابة: أنا يا رسول الله! فقال ﷺ : لقد رأيتها ابتدرها ثلاثون من الملائكة يكتبونها﴾ وفي بعض الروايات أنها عضلت ببضعة عشر ما استطاعوا رفعها ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ﴾ [فاطر:١٠].
إذا رفع المسلمُ من الركوع فهل يعيد يديه إلى صدره، أم يرسلها، أم ماذا؟ وقد نشر في بعض الصحف الإسلامية والجرائد كلام لعالمين محدثين كبيرين، أحدهما يقول: لا يضم يده اليمنى على اليسرى لأنه مخالف للأصول، ويسميها بدعةً حجازية، والعالم الآخر الجليل يقول: الضم بعد الركوع سنة، وذلك إلحاقاً بهيئة القيام بالفاتحة، لأن لكل هيئةٍ هيئةً منه ﷺ ، فالأقرب أن يجعل اليمنى على اليسرى، وقد أصاب من قال هذا القول الأخير، فالأحسن أن يضم يده اليمنى على اليسرى على صدره، إلحاقاً بهيئة القيام بالفاتحة التي فعلها ﵊.
стр. 3329
السجود
أما السجود فكان ﵊، إذا أراد أن يسجد لم يرفع يديه، بل يقول: الله أكبر، ويبدأ بركبتيه ثم يديه، ثم ما ولي من جسمه، فعن عبد الله بن عباس ﵄ أن النبي ﷺ قال -كما في الصحيحين -: ﴿أمرتُ أن أسجد على سبعة أعظم، على الجبهة وأشار إلى أنفه، وعلى اليدين، وعلى الركبتين، وعلى الرجلين﴾ فهذه سبعة أعظم لابد من السجود عليها، قال بعض العلماء -وأصاب-: لو سجد على أنفه ولم يسجد على جبهته، فقد أخطأ وما سجد، ولو سجد على جبهته ولم يسجد على أنفه فقد أجزأته صلاته، والكامل والأولى أن يسجد على الأنف والجبهة لفعله ﵊.
وكان ﷺ إذا سجد أمكن يديه من الأرض، وجافى يديه عن عضديه، واستقبل بأطراف أصابعه القبلة، وبعض الناس يجافي ولا يستقبل بيديه ولا رجليه القبلة، وهذا أخطأ، فقد كان ﷺ كما في حديث أبي حميد: ﴿يستقبل بأطراف أصابعه القبلة﴾ وهو في الصحيحين.
وجاء عن البراء بن عازب، أن النبي ﷺ قال له: ﴿ضع يديك وارفع مرفقيك﴾ أي لا تفترش المرفقين، وقد نهى الرسول ﷺ أن يفترش الرجل يديه كافتراش السبع.
قال الصنعاني في سبل السلام: نهينا عن هيئات، منها: هيئة الغراب، وهو نقر الصلاة كالغراب، ومنها: الالتفات كالتفات الثعلب، ومنها: البروك كبروك البعير، ومنها: تحريك اليدين بعد السلام كأذناب خيلٍ شمس، ومنها: افتراش اليدين كافتراش الكلب أو السبع، فلا يفترشها المسلم، بل يفعل كما فعل ﵊.
وكان ﷺ إذا سجد قال: ﴿سبحان ربي الأعلى وبحمده، رب اغفر لي﴾ ودعا، وربما قال: ﴿سبوحٌ قدوس رب الملائكة والروح﴾ وربما قال: ﴿سبحانك اللهم وبحمدك، رب اغفر لي﴾ وكان يدعو كثيراً في السجود، كما في حديث عائشة عند مسلم، هذه أحواله ﷺ في السجود التي نقلت إلينا، وقد جاء عند النسائي من حديث أبي ذر الغفاري بسندٍ جيد: ﴿أن الحسن امتطى على ظهر الرسول ﵊﴾ وهذا يستدل به بعض المحدثين على أنه يجوز أن يطول بعض السجود على بعض ﴿فارتقى الحسن فطول ﵊ في السجود، فلما سلم سألوه فقال: إن ابني ارتحلني فخشيت أن أرفع فأؤذيه، فمكثتُ حتى نزل﴾ أو كما قال ﵊.
وأيهما أفضل النزول على الركبتين أم على اليدين؟ يقول: ابن القيم ﵀ في حديث أبي هريرة، الذي هو حسن على الصحيح ولو أن بعض أهل العلم اتهم السند: ﴿إذا سجد أحدكم فلا يبرك كما يبرك البعير وليقدم يديه قبل ركبتيه﴾ قال ابن القيم: في الحديث قلب في قوله: ﴿وليقدم يديه قبل ركبتيه﴾ ولكن قد جاء عند الحاكم من حديث وائل بن حجر، وقد ذكره شعيب الأرنؤوط: ﴿أن الرسول ﷺ ربما قدم يديه قبل ركبته﴾ فما موقفنا من ذلك؟ الأصوب أن تقدم الركبتين قبل اليدين، لحديث وائل وغيره من الأحاديث، والأصل في ذلك أن يبدأ الإنسان بالأقرب فالأقرب إلى الأرض، وأما حديث الحاكم فسنده صحيح، وربما فعله ﷺ مرة من المرات، لكن تقديم اليدين قبل الركبتين فيه نكارة في الهيئة، وليس بصحيح.
إذاً نقول: الصحيح والذي تطمئن إليه النفس هو تقديم الركبتين على اليدين عند النزول، وهو فعل الرسول ﵊ غالباً، أما ما ورد عند الحاكم فهو نادر.
وقول ابن القيم أنه لم يقل به أحد من أهل العلم.
غير صحيح بل قال به الأوزاعي والبغوي، وجمٌ غفيرٌ من المحدثين، وكان ابن عمر ﵁ يقدم يديه قبل ركبتيه.
فالخلاف في المسألة مشهور بين العلماء.
خلاصة المسألة: أن الأصوب والأولى تقديم الركبتين، ومن بدأ بيديه فقد أجزأته صلاته، وما ارتكب أمراً محرماً، والمسألة أسهل من ذلك، أن يختلف فيها المحدثون كثيراً، أو يكثر فيها الخلاف، كالجهر بالبسملة، وضم اليدين بعد الركوع، هذه من المسائل التي يتنازع فيها الأئمة، والأمر كما يقول ابن تيمية في أصول الفقه: ما ينبغي أن يعنف على المخالف فيها.
فالمسألة أوسع من ذلك.
стр. 3330
الجلوس بين السجدتين
أما الجلوس بين السجدتين فقد كان ﵊ يقول: الله أكبر، ويجلس، وقال للمسيء في صلاته: ﴿ثم اجلس حتى تطمئن جالساً﴾ وما أعرف أنه يصح في الدعاء بين السجدتين إلا حديثان اثنان: الأول حديث حذيفة أن الرسول ﷺ كان يقول بين السجدتين: ﴿رب اغفر لي رب اغفر لي رب اغفر لي﴾ والثاني: حديث ابن عباس، أن النبي ﷺ ﷺ ، كان يقول: ﴿رب اغفر لي وارحمني واهدني وارزقني وعافني﴾ وفي بعض الألفاظ ﴿واجبرني﴾ ولا أعلم ألفاظاً أخرى صحت.
وبعضهم يقول: اغفر لي ولوالدي والمسلمين أجمعين، هذا لا بأس به لكنه لم يرد في هذا الموضع، وبعضهم يقول: رب اغفر لي، وللمسلمين والمسلمات، والمؤمنين والمؤمنات، الأحياء منهم والأموات، هذا الدعاء يكون خارج الصلاة، أما داخل الصلاة فلم يصح إلا حديثان اثنان: حديث ابن عباس وحديث حذيفة.
أما الإشارة بالسبابة، بين السجدتين، فقد قال بها بعض العلماء المتأخرين؛ وذلك إلحاقاً لها بالتشهد.
وقال بعض العلماء من أهل الحديث الأثريين: الإشارة بالسبابة بين السجدتين روايةٌ شاذة، لأن الإشارة بالسبابة عند الدعاء في التشهد، أو عند التشهد في التحيات فقط.
والذي أرى -والله أعلم- أن الإشارة بالسبابة بين السجدتين غير صحيحة، ومن أشار فله ذلك، ولكن السنة أن يمد أصابعه ويستقبل بها القبلة، ويقول: رب اغفر لي رب اغفر لي رب اغفر لي لحديث حذيفة، أو رب اغفر لي وارحمني واهدني وارزقني وعافني، أو واجبرني، لحديث ابن عباس الصحيح.
والبغوي يرى أنها سنة، وقد ذكرها في الجزء الأول من حديث وائل بن حجر وهذا هو الكلام الذي أتى به الألباني وغيره من أهل العلم، لكن قال العلماء: السنة ما نقلت إلا في هذا النقل من حديث وائل، بينما الأحاديث العامة الواردة في صفة صلاته ﵊ لم ترد بهذا.
على كل حال أقول: الذي يظهر لي حسب ما راجعتُ وما رأيتُ أن الإشارة بين السجدتين غير صحيحة، وهذا هو الأقرب -إن شاء الله- للأحاديث، كحديث أبي حميد الساعدي، وحديث أبي هريرة، ولكن لا يعنف على من أشار، وكما قال بعض العلماء: إن الإشارة منه ﷺ عند التشهد، ولا تشهد بين السجدتين.
الأمر الثاني: أنه ﷺ كان يشير بأصبعه في التشهد، وجاء عند الترمذي بسند حسن عن سعد أنه كان يشير في التشهد بأصبعين فقال له النبي ﷺ : ﴿أحدٌ يا سعد﴾ ولو لم يكن فيها خلاف ما أوردتها.
стр. 3331
التشهد الأول
كان من هديه ﷺ أن يتشهد التشهد الأول المعلوم لديكم، وهو: (التحيات لله والصلوات الطيبات، السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله).
بعض المحدثين يكتفي بهذا القدر، وبعضهم يرى الصلاة الإبراهيمية في التشهد الأول، والأحسن أن يصلي على الرسول ﷺ باختصار، فيقول: وأشهد أن محمداً عبده ورسوله ﷺ ثم ينهض.
وفي السنن أنه ﷺ كان في التشهد الأول مسرعاً مستعجلاً كأنه كان على الرضف، ثم يقوم ناهضاً وكان ﵊ يشير بأصبعه في التشهد.
وهل يحرك إصبعه عند الإشارة بها في التشهد أو لا يحركها؟
لأهل العلم في ذلك ثلاثة أقوال:
القول الأول: يشير بها ولا يحركها في التحيات جميعاً.
القول الثاني: يحركها عند التشهد.
القول الثالث: بعضهم يحركها عند الدعاء، والأقرب أنه يحركها عند التشهد لأنها علامة الوحدانية، لحديث سعد أنه كان يشير بالإصبعين، فقال له النبي ﷺ : ﴿أحد يا سعد﴾ وكان ﷺ إذا تشهد أشار بأصبعه.
وأما قول الفقهاء لا يحركها روايةٌ منكرة، ليست بصحيحة، بل قال المحدثون: يشير بها إذا أراد أن يتشهد ويحركها، كما كان يفعل ﵊، وينظر إليها.
والأمر أهون من أن يختلف عليها، فإن البعض قد يعنف على الآخر ويقول: لابد أن تحركها كل التحيات.
والأمر أهون من ذلك، وهذه المسائل خلافية لا ينازع ولا يعنف عليها.
стр. 3332
جلسة الاستراحة
جاء في حديث مالك بن الحويرث في الصحيح: ﴿أن الرسول ﷺ كان إذا كان في وترٍ من صلاته، لا ينهض حتى يستوي جالساً﴾ فما موقفنا من جلسة الاستراحة؟ هل هي سنة أم لا؟
وقد سألتُ سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز عن هذه المسألة، وذلك لأن ابن القيم تحدث عنها بكلام طيب، وهي أن للعلماء فيها ثلاثة أقوال: منهم من قال ببدعيتها، وقد أخطأ، ومنهم من قال: إنها سنة في كل صلاة، ومنهم من قال: تفعل أحياناً.
قال الشيخ ابن باز: تفعل أحياناً.
وهذا هو الأقرب، فتفعلها أحياناً، وتتركها أحياناً، ولا تلزم الناس أن يفعلوها.
وقد جاء في بعض الروايات أن النبي ﷺ كان إذا أراد أن ينهض للثانية أو الرابعة، جلس جلسةً خفيفة ثم نهض أما من قال ببدعيتها فهو المبتدع، ومن قال: تفعل في كل صلاة، فليس بصحيح ولكن الأقرب والأوسط أن تفعل أحياناً لهذا الحديث، وهو خلاصة جلسة الاستراحة.
وأنا أعرف أن بعض المحدثين يقولون بفعلها دائماً، ونقول لهم: افعلوا ما شئتم.
خذا جنب هرشى أو قفاها فإنه كلا جانبي هرشى لهن طريقُ
والأمر أوسع من ذلك.
стр. 3333
الدعاء في السجود
ومعنا حديث ابن عباس الصحيح أن الرسول ﵊ قال: ﴿إني نهيت أن أقرأ القرآن وأنا راكع، فأما الركوع فعظموا فيه الرب، وأما السجود فاجتهدوا في الدعاء، فقمنٌ أن يستجاب لكم﴾ أي: حريٌ وقريبٌ أن يستجاب لكم وصح عنه ﷺ أنه قال: ﴿أقرب ما يكون العبد إلى ربه وهو ساجد، فاجتهدوا في الدعاء، فقمنٌ أن يستجاب لكم﴾.
стр. 3334
الدعاء قبل السلام
وهذه المسألة قد بحثها بعض العلماء وقالوا: هل تدعو بما ورد أم لك أن تدعو بما شئت؟ هل لك أن تقول قبل السلام -مثلاً-: اللهم اغفر لي ولوالدي وللمسلمين أجمعين، اللهم ارزقني رزقاً حلالاً، ونجح أبنائي في الدارسة واغفر لهم، أم أنه لابد أن تتقيد بالدعاء الوارد عن النبي ﷺ في حديث ابن عباس، وسهل وأبي هريرة وعائشة: ﴿اللهم إني أعوذ بك من عذاب القبر، وعذاب النار، ومن فتنة المحيا والممات﴾ وغيرها من الأدعية؟
قال بعضهم: لك أن تدعو بما شئت.
وهذا هو الصحيح إن شاء الله، لقوله ﷺ كما في الصحيحين، في حديث ابن مسعود: ﴿ثم ليتخير من الدعاء أعجبه إليه فليدعُ﴾ قالوا: أعجبه: أي أقربه وأحسنه، ولحديث أبي هريرة في الصحيح ﴿أن رجلاً أتى إلى الرسول ﵊، فسأله الرسول ﵊ بم يدعو، فقال: أسأل الله الجنة، وأستعيذ به من النار، أما دندنتك ودندنة معاذ فلا أحسنها.
فقال: حولهما ندندن﴾ يعني حول هذا الكلام ندور.
فأقره ﵊ على ذلك، ولو قلنا: إنه لابد أن يقيد بالألفاظ التي أتت عن الرسول ﷺ ، لأفسدنا صلاة الناس، لأن أكثر الناس يدعون بأدعية من عند أنفسهم لم ترد نصاً عن النبي ﷺ .
وورد في الحديث الصحيح: أن ذا الخويصرة الأعرابي أتى إلى الرسول ﵊، فصلى معه، فلما انتهى من الصلاة وأراد أن يسلم، قال ذو الخويصرة: اللهم ارحمني ومحمداً ولا ترحم معنا أحداً، ثم سلم، فقال ﷺ : من الداعي آنفاً؟ والرسول ﷺ يعرفه غالباً، لكن لم يكن يتعمد أن يشهر بالناس، بل كان يوري، فقال: أنا يا رسول الله.
قال النبي ﷺ : ﴿لقد حجرت واسعاً﴾ أي: إن رحمة الله وسعت كل شيء، ثم قام هذا الأعرابي فما لبث أن بال في المسجد!! في قصة طويلة.
فالمقصود أن الرسول ﷺ أنكر عليه تحجيره للرحمة، ولم ينكر عليه الدعاء من حيث هو، ما قال له: لقد استحدثت دعاءً وإنما قال: تحجرت رحمة الله، وكان السلف يدعون في صلاتهم بأمور لم تأتِ عن الرسول ﷺ كأن يدعو الإنسان بتسهيل أموره، أو برزقٍ حلالٍ أو مباح على كل حال، فليتخير من الدعاء أعجبه إليه فليدعُ وحولهما ندندن، هذا هو الأصل في المسألة، إلا بقطيعة رحم والعياذ بالله، أو بتعدٍ في الدعاء، كما صح عنه ﷺ في حديث سعد: ﴿إن أقواماً يعتدون في الدعاء والوضوء﴾ فلا يعتد الإنسان في الدعاء، كقول بعضهم: اللهم إني أسألك القصر الأبيض عن يمين الجنة.
ولا بقطعية رحم، كأن يقول: اللهم عذب فلاناً من أقاربه، ولا بإثم كأن يقول: اللهم دمر المسلمين، أو افعل بهم، نعوذ بالله من ذلك.
стр. 3335
السكتات في الصلاة
هناك سكتةٌ صحت عند البخاري ومسلم، وهي في حديث أبي هريرة: ﴿بأبي أنت وأمي يا رسول الله؛ أرأيت سكوتك بين التكبير والقراءة﴾ هذه هي أصح السكتات.
السكتة الثانية: قبل الركوع.
فقد جاء عن جابر بن سمرة ﵁: ﴿حفظت من رسول الله ﷺ سكتتين: إذا استفتح القراءة قبل أن يقرأ، وقبل أن يركع إذا انتهى من القراءة﴾ قال بعض المحدثين، ومنهم الشيخ الألباني: هذا حديث مضطرب، وبعض المحدثين يحسنه، والأقرب أنه حديثٌ حسن، فالسكتات إذاً سكتتان.
أما السكتة الثالثة التي ناقش عليها الفقهاء، ولم ترد في الحديث، فهي التي ذكرها ابن القيم في زاد المعاد، وهي بعد أن ينتهي الإمام من قراءة الفاتحة، فيسكت سكتة خفيفة حتى يقرأ المأموم الفاتحة.
والصحيح أن هذه ما ورد فيها نص من المعصوم ﵊، وإن سكت الإمام فهو الأقرب، وذلك ليقرأ المأموم سورة الفاتحة، لكني ما أعرف حديثاً صحيحاً ينص على أن الرسول ﵊ كان يسكت بعد قوله: ولا الضالين آمين، حتى يقرأ المأموم الفاتحة، ومن يعرف في ذلك دليلاً فليخبرنا به، وليفدنا به لنستفيد جميعاً، إنما المعروف الذي ناقش عليه العلماء هو في بداية الصلاة، وفي نهاية القراءة قبل الركوع، وابن القيم لما قال: لعله يسكت ليقرأ المأموم؛ لم يأت بحديثٍ في ذلك.
وأما السكتة الثانية، التي قبل الركوع وبعد الانتهاء من القراءة، فهي سكتةٌ سهلة لترداد النفس.
стр. 3336
السلام من الصلاة
كان من هديه ﷺ إذا انتهى من الصلاة أن يقول: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وقد قال بعض الفقهاء لا يقول وبركاته، ولكن قد صح عند أبي داود أن النبي ﷺ كان يقول: وبركاته، وربما قال: السلام عليكم ورحمة الله فحسب، وربما قال: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته مرةً ويتركها مرة.
وهي زيادةٌ صحيحة ثابتة، قال بها المحدثون.
وربما اكتفى ﷺ بتسليمةٍ واحدة، لكن الذي أعلم أن ذلك في النوافل وقيام الليل، وقد صلى بعض المشايخ ببعض الناس -كما سمعنا من بعض العلماء- في فريضة، فسلم تسليمةً واحدة ثم سكت، فلاموه، قال: ثبت عن النبي ﷺ أنه سلم تسليمة واحدة، لكن الذي نعرفه أن هذا في النافلة، ولا ينبغي التلبيس على الناس في مثل هذه الأمور التي ما عرفوها، وقد قال المحدثون: الواحب تسليمة واحدة، والثانية سنة، لقول النبي ﷺ ، عند أبي داود بسندٍ صحيح: ﴿مفتاحها الوضوء وتحريمها التكبير وتحليلها التسليم﴾ فلا بد من تسليمة وجوباً، والثانية سنة.
стр. 3337
الذكر بعد السلام
لم يكن من هديه ﵊ إذا سلم أن يقول بعد السلام مباشرة: الله أكبر، مع أنه قد قال بهذا بعض المشايخ، وكتب لي بعضهم رسالة يعنفني، وهو أجل وأعلم مني وأفضل، لكن كلٌ يؤخذ من كلامه ويرد إلا صاحب ذاك القبر ﵊، فإنه المعصوم، ولا يمكن أن نسمع لقول أحد إلا من يأتينا بآية أو حديث.
يقول هذا الشيخ الفاضل العلامة: يقال بعد السلام: الله أكبر.
والصحيح -إن شاء الله- أنه ﷺ كان إذا سلم قال: أستغفر الله أستغفر الله أستغفر الله وهو مستقبل القبلة، ثم يقول: اللهم أنت السلام ومنك السلام، تباركت يا ذا الجلال والإكرام.
ثم يلتفت إلى الناس عن يمينه وربما يلتفت عن يساره، قال ابن مسعود: [[لا يجعل أحدكم حظاً للشيطان من صلاته، يرى أنه لا يلتفت إلا على اليمين، لقد رأيت الرسول ﷺ يلتفت كثيراً -أو كما قال- عن يساره]] ويقول أنس بن مالك: [[أكثر ما كان يلتفت الرسول ﷺ عن يمينه]] فإذا قابل الناس أتى بالدعاء المأثور والأذكار، ومنها: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيءٍ قدير، اللهم لا مانع إلا لما أعطيت، ولا معطي لما منعت، ولا ينفع ذا الجد منك الجد.
وحديث أبي هريرة الصحيح المعروف ﴿وتسبح ثلاثاً وثلاثين، وتكبر ثلاثاً وثلاثين، وتحمد ثلاثين وثلاثين﴾ وأما قوله: ﴿وتكبر أربعاً وثلاثين﴾ فقد جاء عند الترمذي عن علي، لما علمه النبي ﷺ هو وفاطمة الذكر عند النوم.
أمَّا بَعْد الصلاة فيقول: لا إله إلا الله، تتمة المائة، أما قراءة آية الكرسي بعد الذكر فقد أوردها ابن القيم، وقد روى النسائي في السنن الكبرى بسندٍ فيه ضعف، عن أبي أمامة أن الرسول ﵊ قال: ﴿من قرأ آية الكرسي بعد كل صلاة، لم يمنعه من دخول الجنة إلا أن يموت﴾.
قال ابن القيم وقد تكلم عن ضعف الحديث: ورأيت شيخنا ابن تيمية يقرأ آية الكرسي.
وقد سألت سماحة الشيخ الوالد ابن باز، فقال: يقرأ آية الكرسي بعد كل صلاة.
وأما ضعف الحديث فهو من فضائل الأعمال، وقد ذكره ابن تيمية في المجلد الثامن عشر من الفتاوى، قال الإمام أحمد: إذا أتى الحديث في الحلال والحرام تشددنا، وإذا أتى في الحلال تساهلنا.
والتساهل في الحديث الضعيف يكون بثلاثة شروط:
الأول: ألا تعتقد أن الرسول ﷺ قاله.
الثاني: ألا يكون شديد الضعف.
الثالث: أن تؤيده قواعد وأصول الإسلام.
فهذا الحديث تؤيده قواعد؛ لأن آية الكرسي من الذكر، ومن فضائل الأعمال، وليس بضعيف شديد الضعف، إن شاء الله.
وقراءة ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص:١] و ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ﴾ [الفلق:١] و ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ﴾ [الناس:١] بعد كل صلاة، رواه الطبراني كما أورده ابن حجر في بلوغ المرام، ولكنه حديثٌ ضعيف، ومن قرأها فلا بأس إن شاء الله.
стр. 3338
رفع اليدين في الدعاء بعد الصلاة
وقد أثيرت هذه المسألة كثيراً، ولم يكن من هديه ﷺ أن يرفع يديه في الدعاء بعد الصلاة، فلم يفعله ﷺ ولا أصحابه الأخيار، قال ابن القيم: من داوم على ذلك فقد ابتدع، و ﴿من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد﴾ بل كان ﷺ يعلم أصحابه الدعاء بعد الصلاة، فقد جاء في سنن أبي داود بسندٍ صحيح: ﴿يا معاذ إني لأحبك، لا تدع في دبر كل صلاة أن تقول: اللهم أعني على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك﴾ قال ابن تيمية: الدبر قبل السلام، ودبر الشيء منه، ودبر الحمار فيه.
وقال ابن حجر في الفتح: أخطأ ابن تيمية لما قال: دبر الصلاة قبل السلام، بل الصحيح أنه بعد السلام.
والحق مع ابن حجر، والله أعلم.
ولو أن محبة ابن تيمية أكثر من ابن حجر!! لماذا؟ أولاً: حب من الله لمنزلته في الإسلام.
الأمر الثاني: أن ابن تيمية سلفي العقيدة، وابن حجر كان يؤول بعض الصفات، ويجب أن ننزل الناس منازلهم، فنترحم على ابن تيمية ونترحم على ابن حجر، ونسأل الله أن يجمعنا ب ابن تيمية وبـ ابن حجر في دار الكرامة، لكن الحق -إن شاء الله- في هذه المسألة مع ابن حجر؛ لأن الدبر خارج الصلاة، ومن دعا قبل السلام فقد أصاب، ومن دعا بعد السلام فقد أصاب، والمسألة سهلة.
وقد انتقد ابن حجر على ابن تيمية ثلاث مسائل فأصاب فيها:
منها هذه المسألة والمسألة الثانية: يقول ابن تيمية: لم يؤاخِ الرسول ﷺ بين الصحابة إلا في المدينة.
وقد آخى بين بعضهم في حديثٍ صحيح في مكة.
المسألة الثالثة: قال ابن تيمية: لم يأتِ عن الرسول ﷺ أنه قال في التشهد: اللهم صلِّ على محمد وعلى آل محمد، كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، إنما كان يقول: اللهم صلِّ على محمد يقول: وبارك على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، وإذا قال وعلى آل محمد ما يأتي بالأخرى.
قال ابن حجر: بل أتت في الطبراني، وساق الأحاديث بالأسانيد الصحيحة، فصح كلامه.
وربما أتى المفضول بشيءٍ أعظم مما يأتي به الفاضل، وذهب الله بالكمال، وإنما تأتي هذه الأمور من العلماء ليظهر الله بها كماله .
ولا تتعجبوا أن يختلف بعض طلبة العلم من المبتدئين من أمثالنا والمقصرين، فقد اختلف الأئمة، كالإمام مالك وأحمد والشافعي وأبي حنيفة، ولـ ابن تيمية رسالة اسمها: رفع الملام عن الأئمة الأعلام.
وقد اعتذر فيها للأئمة الأربعة لما اختلفوا في بعض المسائل ولغيرهم، وأتى من الأعذار أن بعضهم بلغه الحديث وبعضهم لم يبلغه، وبعضهم يكون الحديث عنده منسوخاً، وبعضهم يكون عنده ثابتاً، وبعضهم يصح عندهم الحديث وبعضهم لا يصح، وبعضهم يفهم غير الفهم الذي فهمه ذاك، وغيرها من الأعذار.
فأقول: قد يكون كثير منكم من يخالف في المسائل التي ذهبت إليها، فلا يعنف أحد على أحد، وله أن يذهب إلى ما رأى وربما يكون قوله هو الأصوب، وقد قيل لـ ابن تيمية: لماذا لم تؤلف في الفرعيات؟ فقال: الفروع سهلة، وأي رجلٍ عمل بما قاله بعض أهل العلم فقد أصاب.
ولكن الأصول هي المهمة، وهي العقائد.
стр. 3339
الأسئلة
стр. 3340
حكم هجر العاصي
السؤال
ما حكم من التزم فترة ثم انتكس، وصار يترك الصلاة ويحلق اللحية، ويستمع إلى الغناء، ولا يحضر مجالس الذكر، وإذا وعظته لم يسمع الكلام؟ هل يجوز مصاحبته إذا كان يسمع لي في بعض الأحيان أم يجب هجره، وأرجو أن توضح كيف أهجره؟
الجواب
أولاً: يا أخي! عليك أن ترى ما هي الحكمة في هذا الرجل، إن كان ما وصلته البينة والدعوة، وما وصلته النصيحة، وما أظهرت له الأحكام، فإني أوصيك أن تبين له، وتدعوه بالتي هي أحسن، فإذا أقمت عليه الحجة وانتكس فاهجره، والرسول ﵊ ما كان يهجر أهل المعاصي حتى يرى أنهم وصلتهم البينة، فإذا وصلتهم البينة هجرهم، وإلا فهو ما هجر الكفار في أول الطريق حتى دعاهم إلى الله، فما دام أنك قد دعوته وبينت له، ونصحته ووعظته فأعرض، فأرى أن تهجره ليرتدع، وقد قال ابن تيمية في باب الهجر: المسلم يكون حكيماً في مثل هذه الأمور، فإذا رأى أن الهجر أفضل هجر، وإذا رأى أن التأليف أفضل ألف.
ولذلك بعض المذنبين لم يهجرهم ﷺ ، كمن يكون عنده شوكة وقدرة، فإن بعض الناس الوجهاء إذا هجرته ما يبالي بك، سواء هجرته أو لم تهجره، فلو تحببت إليه وتألفت لنفعته، وبعض المعرضين يخاف إذا هجرته، كأن يكون لك هيمنة أو مكانة عنده، فهذا تهجره، وتعجبني كلمة لـ ابن تيمية أذكرها كثيراً، يقول: ليس الذكي هو الذي يعرف الخير من الشر، بل الذكي الفطن هو الذي يعرف خير الخيرين وشر الشرين.
فوصيتي لك إن كنت قد بلغته وأسمعته فتهجره ليرتدع، لكن مع ذلك تتواصل معه بالنصائح والوسائل والأشرطة الإسلامية والكتب، علّ الله أن يهديه.
стр. 3341
ما الحكم إذا كان الزوج لا يصلي
السؤال
ذكر أن له أختاً متدينة وهي تحت زوجٍ لا يصلي، وإن صلّى صلى بعض الأحيان في المسجد، وأكثر الأوقات ينقرها نقراً كنقر الغراب، يقول: ماذا يفعل، وأبوه لا يوافقه على أخذ أخته من زوجها، مع أنها تحب زوجها وتحب أن تمكث معه؟
الجواب
أقول: أنت أديت ما عليك: ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا﴾ [البقرة:٢٨٦] وأرى أن تهجر هذا الزوج، حتى يرتدع، وتهجر هذه الزوجة حتى تقوم بما أمرها الله به ما دام أن زوجها لا يصلي فكيف تبقى معه؟! هي أخطأت وشاركته في الإثم، وكذلك عليك ألا تيئس من روح الله، وأن تدعو لهم، بالهداية، هذا ما أراه في هذه المسألة.
стр. 3342
حكم ذكر النوادر والفكاهات في المسجد
السؤال
إنك تذكر في بعض المجالس أنت وغيرك من بعض طلبة العلم، بعض النوادر والفكاهات لتضحك الناس، فهل هذا وارد؟ مع أننا نخاف إذا أكثرنا الضحك أن تخرج الملائكة من المسجد، وهل كان الرسول ﷺ والسلف يضحكون في مجالسهم؟
الجواب
أنا أقصد من هذا تشويقاً وتسهيلاً للنفوس، وتغييراً لجو المجلس، فإن كنت مصيباً فالحمد لله، وإن كنت أخطأت فأستغفر الله، وأسأل الله أن يغفر لي ولكم، وقد ورد حديث لـ جابر بن سمرة بسند صحيح ﴿أن الصحابة كان يجلسون مع الرسول ﵊ في المسجد بعد الفجر، فيتحدثون في أخبار الجاهلية فيضحكون، وهو يتبسم ﵊﴾ فأنا لا أرى بأساً بالفكاهة المقتصدة، بشرط ألا يكثر منها وألا تكون كذباً، وألا يكون فيها فحش أو مجون أو بلاء، هذا ما أراه.
وقد خففت منه والحمد لله، بعد ما أرسل لي بعض العلماء وطلبة العلم رسائل في هذا الجانب، ورأينا أنه يؤلف بعض الشباب المعرضين، وكاتب الرسالة قد لا يحتاج إلى تأليف، لكن بعض الناس ما يمكن أن يترك مجلس المسرحية، والمسلسل، والأغنية، والمجلة، وملعب الكرة، والحديقة، ويجلس في مجلسي، وأنا آتيه بجدٍ صارم من صلاة المغرب إلى صلاة العشاء، فجعلنا شيئاً من هذا، وهذا منهج سلكه بعض أهل العلم، فقد سئل عالم في مثل هذا فقال: نظرت إلى الأخذ بالعزائم والرخص، فوجدت أن الأخذ بالرخص لأنها أرفق بالناس، والله المستعان.
وأدلكم على كتاب: القصاص والمذكرين، قال ابن الجوزي في آخره: ولا بأس للمذكر والواعظ أن يأتي ببعض الطرائف والنكت ليشوق النفوس.
وابن الجوزي ليس برسول، لكنه عالم يؤخذ من كلامه ويرد.
стр. 3343
ما الحكم إذا كان لك جار لا يصلي
السؤال
لي جارٌ لا يحضر صلاة الجماعة في المسجد، ولقد نصحته فلم ينتصح، فما هي الوسيلة التي أعملها معه؟
الجواب
ما دام أنك نصحته وأقمت عليه الحجة فأرى أن تهجره، وألا تستجيب دعوته، وألا تزوره إلا لفائدة الدعوة، وألا تستزيره.
جارٌ لا يصلي بلا عذر في المسجد، فكيف تؤاخيه وتشاربه وتؤاكله؟! لأن الصلاة في المسجد واجبة، وتركها علامة للنفاق.
стр. 3344
حكم تخطي الرقاب
السؤال
هل يجوز أن يأتي الرجل متأخراً إلى المسجد ثم يتخطى الصفوف؟
الجواب
تخطي الصفوف بدون أن ترى مكاناً ليس بوارد وهو من الإثم، وقد ورد عن النبي ﷺ أنه قال لرجل يتخطى الصفوف: ﴿اجلس فقد آنيت وآذيت﴾ أي تأخرت وآذيت الناس، لكن قال الحنابلة كما في زاد المستقنع قالوا: إلا أن يجد فرجة لا يصل إليها إلا بأن يتخطى الصفوف فله ذلك، لكن الأحسن يا أخي إن كنت تريد الصف الأول فأتِ مبكراً، أما أن تتخطى الصفوف فلا يجوز لك، لا في الجمعة، ولا في الدروس، ولا في غيرها.
وبعض الناس تجده في الأخير، يدافع ويناطح ويصارع حتى يصل إلى الصف الأول، ليكتسب أجر الصف الأول، وهو قد ضيع من الأجور واكتسب من السيئات ما الله به عليم، وهذا مثل ما تفعل بعض النساء، تذهب مع السائق لتصلي التراويح، فيقال لها: حنانيك، خففي على نفسك، ضيعتِ من الفرائض والواجبات أعظم من هذه النافلة، تخرج متزينةً متجملةً متعطرةً متبرجةً، تخلو بأجنبي، ثم تركب معه في السيارة، وتذهب لتصلي معه صلاة التراويح وهي نافلة!! وقد ورد في السنن ﴿أيما امرأة استعطرت ثم مرت على قوم ليجدوا ريحها فهي كذا وكذا﴾ يعني زانية.
على كل حال، على الإخوة ألا يتخطوا الصفوف، ولا يؤذوا المسلمين، وجلوسهم في الأخير من الرفق بالمسلمين أحسن لهم مع إيذاء المسلمين، ولو كان في الصف الأول.
стр. 3345
حكم سنة الفجر
السؤال
بعض الناس من أهل القرى يصلون أكثر من ركعتين بعد أذان الفجر، فما نصيحتكم؟
الجواب
السنة إذا طلع الفجر ألا تصلي إلا ركعتين، فقد جاء في الحديث: ﴿إذا طلع الفجر فلا صلاة إلا ركعتي الفجر﴾ أورده عبد الرزاق في المصنف، وذكره ابن حجر في بلوغ المرام، فالسنة إذا طلع الفجر ألا تصلي إلا ركعتين ثم الفريضة، أما قول ابن حجر: يصلي ركعتين تحية المسجد، وركعتين سنة.
فقد خالف المحدثين في ذلك، وأخذ بالظاهر، وهذا خلاف السنة، فالسنة أن تصلي ركعتين فحسب، وكان ﷺ يقرأ فيها: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ [الكافرون:١] في الركعة الأولى بعد الفاتحة، و ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص:١] في الركعة الثانية بعد الفاتحة، هذا هو الصحيح.
стр. 3346
حكم من فاتته ركعتا الفجر
السؤال
من فاتته الركعتان اللتان قبل الفجر، فماذا يفعل؟
الجواب
لأهل العلم قولان:
قالت المالكية: يصليها بعد طلوع الشمس، لحديث الترمذي ﴿من فاتته الركعتان فليصلهما بعد أن تطلع الشمس﴾ وهو حديثٌ ضعيف لا يستدل به، والرأي الصحيح، أن يصليها بعد صلاة الفجر مباشرة، لحديث قيس بن عمر ويسمى قيس بن فهد قال: ﴿صليتُ مع الرسول ﷺ ولم أصل قبل صلاة الفجر ركعتين، فلما صلَّى قمتُ لأقضي الركعتين، فرآني وقد لاث به الناس، فقال لي: ﴿آلصبح أربعاً؟ قلت: يا رسول الله! إني ما صليت الركعتين قبل الفجر، قال: فنعم إذاً﴾ فأقره على قضائها بعد الفجر.
وقد أورد الشيخ الألباني ﵀ في إرواء الغليل، أن رجلاً من العوام دخل في عهد سعيد بن المسيب إمام التابعين، إلى المسجد بعد أذان الفجر، فكان يصلي ركعتين ويسلم، ثم يزيد ركعتين وهكذا، فقال له سعيد بن المسيب: اتق الله، خالفت السنة.
فقال الرجل: لا يعذبني الله لأني أصلي له.
يريد أن يعارض برأيه، فقال ابن المسيب: لا يعذبك الله لأنك تصلي، ولكن والله ليعذبنك الله لأنك خالفت السنة!! الأمر ليس مزايدة، ولا مناهبة، الأمر سنة، ركعتان فقط.
стр. 3347
خطر الاستهزاء بالعلماء والدعاة
السؤال
ما رأيكم فيمن كذب العلماء، واستهزأ بهم، ولم يعترف بهم؟
الجواب
هذ الأمر يوجد عند بعض الناس الذين في قلوبهم نفاق، وهؤلاء من أهل الشبهات والشهوات، يتهجم على العلماء وطلبة العلم! وقد يصل ببعضهم إن كان يقصد الدين والكتاب والسنة إلى الكفر: ﴿قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ * لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾ [التوبة:٦٥ - ٦٦] فمثل هذا يصل به إلى درجة الكفر، إذا استهزأ بالعلماء بسبب أنهم يحملون الشريعة والكتاب والسنة.
وأنا أقول لهؤلاء المستهزئين المستهترين: اتقوا الله، ويلكم من الله: ﴿وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ * اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ * أُوْلَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوْا الضَّلالَةَ بِالْهُدَى فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِين﴾ [البقرة:١٤ - ١٦].
فوصيتي باحترام العلماء والمشايخ ومعرفة قدرهم، وأنت يا مستهزئ اعلم أنك لا تزال في الحضيض، حتى تعرف قدر العلماء وطلبة العلم، وهم ليسوا بمعصومين، وربما أخطئوا وأذنبوا، فأحسن من ذلك أن تناصحهم أو تكتب إليهم أو تسألهم، ولحوم العلماء مسمومة.
غفر الله لي ولكم، وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.
стр. 3348
قذيفة العصر
سورة (العصر) اشتملت على السبيل الذي من تمسك به نجا ومن تركه هلك، وهي على قصرها تحمل في طياتها معانٍ عظيمة لمن تدبرها.
وفي هذا الدرس المبارك يقف الشيخ حفظه الله وقفات بديعة مع هذه السورة العظيمة.
стр. 3349
إعجاز القرآن
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره ونتوب إليه, ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا, من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له, وأشهد أن لا إله إلا الله, وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.
عنوان هذه الدرس "قذيفة العصر"، ويعلم الله لقد فكرت اليوم في سورة العصر, وفي معالمها وأحكامها وأضوائها وإشراقاتها, وأردت أن يكون حديثها هو هذه الليلة, ونورها نور هذه الليلة، حتى قرأها فضيلة الشيخ أحمد الحواش في صلاة المغرب, فتواردت الأفكار واتسقت الخواطر على أن تكون هذه السورة هي درسنا هذه الليلة, وهي كلام الواحد الأحد الذي: ﴿لا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ [فصلت:٤٢] الكلام الذي لم يبلَ على كثرة الترداد, ويزداد عمقاً وأصالة وإبداعاً وإشراقاً, يقول شوقي عن هذا الكلام:
آياته كلما طال المدىجدد يزينهن جلال العتق والقدم
أتى على سفر التوراة فانهزمت فلم يفدها زمان السبق والقدم
ولم تقم منه للإنجيل قائمة كأنه الطيف زار الجفن في الحلم
ويقول عن كلامه: ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْأِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً﴾ [الإسراء:٨٨] ويقول عن كلامه: ﴿أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً﴾ [النساء:٨٢] ويقول : ﴿أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾ [محمد:٢٤].
فما هي هذه السورة؟
وما مضمونها؟
وماذا تريد؟
بسم الله الرحمن الرحيم: ﴿وَالْعَصْرِ * إِنَّ الْأِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ * إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ [العصر:١ - ٣] فهذان سطران أعجزا البشرية.
وقد تحدى الله الناس أن يأتوا بسورة من مثل هذا القرآن, قال أهل العلم: كسورة العصر أو الكوثر, لكنهم ما استطاعوا، جرّب ذلك بعض الملاحدة والفلاسفة والزنادقة والمعطلة فباءوا بالفشل.
فمن ذلك الكندي الطبيب الفيلسوف: قرأ قوله تعالى في أول سورة المائدة: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعَامِ إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ مَا يُرِيدُ﴾ [المائدة:١] , فقال: أنا أستطيع أن أنظم مثل هذا, فدخل بيته وأغلق بابه وأخذ القلم والقرطاس وجلس يكتب فأيبس الله يمينه, فما رفعها إلى فمه مرة ثانية, لأن هذا الكلام لا يمكن أن يأتي به البشر، فكلام البشر كالبشر, وفضل كلام الله على كلام البشر كالبون الذي بين الخالق والمخلوق, فتعالى الله علواً كبيراً أن ينال كلام الناس كلامه, أو أن يكون هناك تناسب أو نسبة بين كلامه وبين كلام الناس.
стр. 3350
تفسير قوله تعالى: (والعصر)
﴿وَالْعَصْرِ﴾ [العصر:١] الواو للقسم، ولله أن يقسم بما شاء من خلقه, وليس للمخلوق أن يقسم إلا بالخالق, فالله أقسم بالليل وما أدراك ما الليل إذا سجى، وأقسم بالضحى, والفجر, والقارعة والطامة والصاخة, وأقسم بالشمس والقمر, وأقسم بالنفس, وأقسم بكثير من الآيات الكونية, وأجاب عن القسم.
والله أقسم ليقرر كثيراً من المسائل في عقول الذين لم يصدقوه إلا بالقسم.
يقول الأصمعي -وقد ذكرها ابن قتيبة وابن عبد ربه في العقد الفريد -: "سافرت وأنا في طريق الحج, فسمعت قارئاً يقرأ قول الله : ﴿وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ * فَوَرَبِّ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ مِثْلَ مَا أَنَّكُمْ تَنْطِقُونَ﴾ [الذاريات:٢٢ - ٢٣] قال: فبكى الأعرابي فقال: من الذي أحوج الجليل حتى يقسم؟ " يقول: من الذي في هذه البشرية وهذه البرية أحوج الله حتى يحلف، ألا يرضون إلا بقسم؟! ولا يصدقون إلا بيمين؟! من الذي أحوجه حتى حلف ؟
إنهم البشر.
إنها العقول التي ما استفاقت على الوحي, وما عرفت طريقها إلى الله، إنها العقول التي عبدت الحجر والوثن.
إن جدي وجدك قبل الوحي كانوا يجمعون التمر ويسجدون له، فإذا جاعوا أكلوه, جدي وجدك قبل الرسالة كان يبول الثعلب على أصنامهم ويسجدون للصنم.
أتى واحد منهم إلى صنم في جهينة ليسجد له, فخرج ثعلب من وراء الصنم فهربت ناقته وسقط من على الناقة, قال:
أتينا إلى سعد ليجمع شملنا ففرقنا سعد فما نحن من سعد
وأتى آخر من أجدادنا الوثنيين قبل الإسلام, فوجد ثعلباً يبول على حجر وهو يعبد هذا الحجر, قال:
أرب يبول الثعلبان برأسه لقد ذل من بالت عليه الثعالب
فلما أتى ﵊ أخرجني وأخرجك، وأخرج أبي وأباك، وأخرج جدي وجدك, كانت أنوفنا في التراب حتى أتى من الغار بـ (اقرأ).
اقرأ فأنت أبو التعليم رائده من بحر علمك كل الناس يغترف
إن لم تصغ منك أقلام معارفها فالظلم ديدنها والزور والتلف
سعد وسلمان والقعقاع قد عبروا إياك نعبد من سلسالها رشفوا
ويقول يخاطب الرسول ﷺ ، وهو الأمي الذي لم يحمل قلماً ولا طبشورة ولا وقف عند سبورة, ولا عرف جامعة ولا كلية: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحاً مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلا الْأِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُوراً نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الشورى:٥٢].
كانت الأمة ميتة فنفخ الله فيها هذا القرآن فأصبحت مبصرة, فمن يتصور أننا قبل الإسلام في جزيرة العرب نصيد الضباب ونرعى الإبل والبقر والغنم، وبعد خمس وعشرين سنة نتكلم على منبر قرطبة , ونؤذن في منائر إشبيلية , ونسجد لله في الحمراء , ونصلي في سيبيريا ونفتتح الهند والسند , من يصدق؟!
وهذا إنما كان بالوحي.
стр. 3351
حكم القسم بغير الله
﴿والعصر﴾ [العصر:١] أقسم , وليس لأحد -عند أهل العلم- أن يقسم بغيره .
ولو أن الجاهليين أقسموا بغيره، وقد قال زهير:
فأقسمت بالبيت الذي طاف حوله رجال بنوه من قريش وجرهم
ولكنه وثني, لكن اسمع إلى الذين تربوا في الإسلام ولم يعرفوا أدب الشريعة, يقول المتنبي:
فومن أحب لأعصينك في الهوى قسماً به وبحسنه وبهائه
لا تعذل المشتاق في أشواقه حتى يكون حشاك في أحشائه
فهو يقسم بمحبوبته!
فهذه العقول إذا ما توجهت للوحي ولم تعرف القبلة, أصبح معبودها هواها: ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً﴾ [الجاثية:٢٣] انظر إليه كيف بلغ به الحال أن يقسم بمحبوبته، وهذا واقع.
وهذا مجنون ليلى عند المقام في البيت العتيق يقول:
أتوب إليك يا رحمن مما جنت نفسي فقد كثرت ذنوب
وأما من هوى ليلى وتركي زيارتها فإني لا أتوب
فهو عند المقام ويقول: من كل شيء أتوب, أما ليلى هذه فلا تحدثني فيها, وأتوب من كل ذنب إلا من زيارة ليلى وحب ليلى , وذلك لأنه لم يتوجه للوحي, ولم يعرف طريقه للقيامة.
وجميل بثينة طلب منه قادة التابعين أن يجاهد في سبيل الله ليبيع دمه من الله, على العقد الذي أتى به جبريل، قال:
يقولون جاهد يا جميل بغزوة وأي جهاد غيرهن أريد
قال: لا أريد إلا النساء, ولا أريد إلا الغزل, فتجد كثيراً من الناس لما انتكسوا وارتكسوا لم يعرفوا إلا الغناء والوله والضياع والعبث, فما عرفوا طريقاً, وما سددوا هدفاً.
﴿والعصر﴾ [العصر:١] أقسم وله أن يقسم بما يريد, والمقسِم هو ويقسم بشيء، وجواب القسم سوف يأتي.
стр. 3352
معنى العصر
له عند أهل العلم معنيان:
١ - قيل: هو الزمن, فإنه يسمى عصراً, فالزمن هذا الذي نعيشه نحن وعاشه آباؤنا وأجدادنا من ملة آدم ﵇، وهو العصر.
٢ - وقيل: هو وقت العصر المعروف، أي: وقت صلاة العصر في النهار, وهو العشي من آخر النهار.
والظاهر أن الأول أولى, فإن هذا جزء من ذاك.
стр. 3353
أهمية الوقت
وقد أقسم الله به لعظمته, فإنه عمرك, وحياتك, وهو دقائقك وثوانيك, وهذا الزمن عظيم والله يحاسب الناس يوم القيامة على الزمن والعمر فيقول : ﴿قَالَ كَمْ لَبِثْتُمْ فِي الْأَرْضِ عَدَدَ سِنِينَ * قَالُوا لَبِثْنَا يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ فاسْأَلِ الْعَادِّينَ * قَالَ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا قَلِيلاً لَوْ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ * أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لا تُرْجَعُونَ * فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ﴾ [المؤمنون:١١٢ - ١١٦].
والصلتان السعدي الشاعر المصقع ذكر له الجاحظ في كتاب الحيوان أبياتاً في الزمن والعصر, يقول:
أشاب الصغير وأفنى الكبير كرّ الغداة ومرّ العشي
فهو يقول: أخذ الملوك والمملوكين والرؤساء والمرءوسين هذا الصباح وهذا العشي.
أشاب الصغير وأفنى الكبير كرّ الغداة ومرّ العشي
إذا ليلة هرمت يومها أتى بعد ذلك يوم فتي
نروح ونغدو لحاجاتنا وحاجات من عاش لا تنقضي
تموت مع المرء حاجاته وتبقى له حاجة ما بقي
فهل سألتم أهل القبور: هل أكملوا حوائجهم في الدنيا؟
منهم من دعا لوليمة فمات قبل أن يحضر ضيوفه, ومنهم من عقد على امرأة ولم يبن بها, ومنهم من دخل في دراسة ولم يكملها, ومنهم من عمر عمارة ولم يسكنها، فماتت معهم أغراضهم في نفوسهم.
وقد قرأت هذا اليوم لخليفة عباسي اسمه الظاهر , كان سفاكاً ذبح من العلماء والوزراء وفعل ما الله به عليم, ومات وعمره ست وأربعون سنة، أصابه خوانيق في حنجرته, فأخذ يصيح ويخور مثل الثور ويقول:
يا كوكباً ما كان أقصر عمره وكذا تكون كواكب الأسحار
فهو يقول: ما أقصر عمري!
والخليفة المعتصم لما حضرته الوفاة تقلب وبكى وقال:"والله لو أعلم أن عمري قصير ما فعلت ما فعلت من الذنوب والخطايا".
فبعض الناس يظن أن الموت لا يدرك الشباب, فالله يقرر الزمن لأهله, فيقول: ﴿والعصر﴾ [العصر:١] فهذا الزمن الذي نعيشه هو حياتنا وهو على أحد ضربين: حياة السعداء وهي في طاعة الله, وحياة الأشقياء وهي في معصية الله, ويقول ﷺ كما في صحيح البخاري: ﴿نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس: الصحة والفراغ﴾.
فتجد أكثر الناس منكوبين في الوقت, يجلسون الجلسات الطويلة لا استغفار أو قرآن, ولا ذكر أو توبة, ولا علم أو مدارسة, فيمر هذا الوقت ويحاسبون عليه عند الواحد الأحد, بل بعضهم جعل الوقت حرباً لله , فهذا هو العصر, وهو الزمن الذي نعيشه.
دقات قلب المرء قائلة له إن الحياة دقائق وثواني
فارفع لنفسك بعد موتك ذكرها فالذكر للإنسان عمر ثاني
وعند الترمذي بسند صحيح أن الرسول ﷺ قال: ﴿لا تزول قدما عبد يوم القيامة حتى يسأل عن أربع -وذكر منها-: وعمره فيما أبلاه﴾ فيسأله الله: أما أمهلتك؟ أما خولتك؟ أما تركتك؟ فيقول: بلى يا رب, فيقول: ماذا فعلت؟ فيسأله عن العمر, وقوله : ﴿أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ﴾ [فاطر:٣٧] ومعناه عند أهل التفسير: أو لم نتركم زمناً يمكنكم أن تتذكروا فيه فما تذكرتم؟!
وأما النذير, فقال ابن عباس: "الشيب" وما أحسن هذا من تفسير! وغيره قال هذا.
فإن هذا الشيب خطر وإنذار رهيب، فإذا شاب رأسك وشابت لحيتك؛ فاعلم أنه نذير لك بالقدوم على الله:
ويقبح بالفتى فعل التصابي وأقبح منه شيخ قد تفتى
أي: يقبح بالشاب أن يلهو, وأقبح منه شيخ كبير يلهو, ولذلك تجد بعض الشيوخ الكبار في الستين والسبعين كالسفيه والطفل, برنامجه اليومي كبرنامج الطفل تماماً, تجده في المنتديات العامة والمقاهي والأرصفة.
يتحدث بكلام فارغ، وقد أصبحت رجله في حفرة القبر.
قال سفيان الثوري: "حق على من بلغ ستين سنة أن يلبس كفناً" ويقول ﷺ : ﴿أعمار أمتي ما بين الستين والسبعين﴾ فالستون والسبعون معترك المنايا, فأكثر من يموت هم أصحاب الستين إلى السبعين وقليل من يجوزها أو يتعداها: ﴿حَتَّى إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً قَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحاً﴾ [الأحقاف:١٥] فلما بلغ الأربعين عاد, ولا يعني ذلك ألا يعود الإنسان حتى يبلغ الأربعين, فيسيئ ويعصي ويقول: حتى أبلغ الأربعين ثم أتوب، فإن كثيراً من الناس لم يبلغوا الأربعين, بل عليه من سن التمييز أن يبدأ مع الله , حاداً لحدوده محترماً لحرماته, عامراً بكتابه وسنة رسوله ﷺ عمره وحياته.
فالوقت هو النعمة التي تذهب من الناس كثيراً ولا يفكرون فيها إلا في سكرات الموت.
وهذا الشيب -على ذكره- عجيب, يقول أبو العتاهية:
بكيت على الشباب بدمع عيني فلم يغن البكاء ولا النحيب
ألا ليت الشباب يعود يوماً فأخبره بما فعل المشيب
قالوا: ما فعل المشيب يا أبا العتاهية؟
قال: أحنى ظهري, وأذهب عني لذة الشراب والطعام, وملذة المنام.
فصاحب الثمانين والسبعين لا يتلذذ لا بطعام ولا بشراب ولا بمنام, وهو أمر معلوم من سير الناس.
﴿والعصر﴾ [العصر:١] يقسم بالعصر, فيحلف بالزمن على شيء سوف يخبرهم به , والله يقسم بالأمور التي تتعلق بما بعدها.
فمثلاً: الضحى لما كان فيه لطف مع رسوله ﷺ ورحمة, اختار وقت الضحى لأن فيه شيئاً من السداية والرعاية, وكذلك الفجر فيه تبلج الحق فأقسم به, ومثله تنزل الملك على الرسول ﷺ بالوحي فيقسم بالنجم, فاسمع جواب القسم: ﴿وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى * مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى * وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى * عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى * ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوَى * وَهُوَ بِالْأُفُقِ الْأَعْلَى * ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى﴾ [النجم:١ - ٨] قالوا: فالنجم يدنو ويتدلى ويهوي, والملك يدنو ويتدلى ويهوي, فسبحان الذي أنزل كتابه, وأبدع كلامه وجعله معجزاً.
стр. 3354
بيان جواب القسم: (إن الإنسان لفي خسر)
﴿والعصر﴾ [العصر:١]: وجواب القسم: ﴿إِنَّ الْأِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ﴾ [العصر:٢] والإنسان هنا هو الكافر, فكل إنسان مجرد عن الإيمان في خسر وخسارة في الدنيا والآخرة, قال : ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى * قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيراً * قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى﴾ [طه:١٢٤ - ١٢٦] قال ابن عباس: [[إن الله أخذ على نفسه أن من عمل بهذا الكتاب ألا يضل في الدنيا ولا يشقى في الآخرة]].
وأما من أعرض عن هذا الكتاب فضلالة في الدنيا وشقاوة في الآخرة, وكل من انحرف عن منهج الله فهو خاسر.
стр. 3355
حقيقة النعمة
ولك أن تسألني سؤالاً: الآن نرى كثيراً من الناس ضلالاً عن منهج الله، وهم يعيشون في نعيم ورغد عيش وقصور ومناصب وبساتين وحدائق وأموال وأولاد, فأين الشقاوة والضلال؟
أقول لك: أما حج ﵊ وخطب يوم عرفة على ناقته؟ أما كان فقيراً في غالب أيامه؟ ومع ذلك أنزل الله عليه عليه في يوم عرفة: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي﴾ [المائدة:٣] يقول بعض الفضلاء: "يا سبحان الله! يقول الله للرسول ﷺ : ﴿وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي﴾ [المائدة:٣] مع العلم أنه كان يربط الحجرين على بطنه فأي نعمة هذه؟!
ويقول: ﴿وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي﴾ [المائدة:٣] مع العلم أنه كان يسكن بيتاً من طين طوله ثلاثة أمتار في مترين.
﴿وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي﴾ [المائدة:٣] وكان ينام على خصيف من نخل.
﴿وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي﴾ [المائدة:٣] وما شبع من خبز الشعير ثلاث ليال متتابعة.
﴿وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي﴾ [المائدة:٣] ومات ودرعه مرهونة عند يهودي في ثلاثين صاعاً من شعير, فأين النعمة؟!
فالنعمة ليست هي التي يتصورها الناس: نعمة البقر والحمير والثيران, أو نعمة الأكل والشرب, فهذا يحصل عليه الوثني الأفريقي والأحمر النصراني والأشقر البلشفي, لكن النعمة غير ذلك, فالنعمة هي أن تعرف الله.
أين ما يدعى ظلاماً يا رفيق الليل أينا إن نور الله في قلبي وهذا ما أراه
قد مشينا في ضياء الوحي حباً واهتدينا ورسول الله قاد الركب تحدونا خطاه
ويقول تعالى: ﴿يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾ [البقرة:٢٥٧] ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولاً مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ [الجمعة:٢].
أسأل سؤالاً: ما هو أثر هذه النعمة على مجتمعنا؟ أما سكنا القصور؟! أما عندنا سيارات فاخرة؟ أما عندنا حدائق وبساتين ومناصب فماذا قدمنا بالنسبة لمن كان قبلنا؟
شيخ الإسلام ابن تيمية لا زوجة له ولا ولد ولا قصر ولا منصب ولا سيارة, بل كان عنده غرفة بجانب جامع بني أمية, وقد ألف أكثر من سبعمائة مجلد, ورد على أكثر من عشر طوائف, ونازل الإلحاد فدمغه في الأرض, فأقام منهجاً ربانياً على كتاب الله ، وسنة رسوله ﷺ , فأين أثر هذه النعمة في حياته؟
هل وجد الكهرباء ليكتب عليها؟ هل كان يجد من وسائل العصر التي تخدمه في الكتابة؟
بل كان يشعل السراج ويكتب عليه حتى ينطفئ.
والإمام أحمد بن حنبل إمام أهل السنة والجماعة , الذي نجتمع الآن على سماع حديثه في المسند , كان يحفظ ألف ألف حديث بالمقطوعات والموقوفات والآثار وكلام الصحابة, يقول عنه الذهبي في سير أعلام النبلاء: "نزل سوق بغداد وعلى كتفه حزمة من الحطب, فأتى الفتح بن خوقان وهو وزير عباسي, فأسرع الإمام أحمد فقال الفتح: أنا -يا أبا عبد الله - أحمل عنك حزمة الحطب, قال الإمام أحمد: لا.
نحن قوم مساكين لولا ستر الله افتضحنا".
يقول ابنه عبد الله: بقيت حذاء أبي معه سبع عشرة سنة وكان يرقعها دائماً, ومع ذلك مات وعنده ثوب وحذاء واحد، ولكن في أصقاع الدنيا أحمد بن حنبل، وفي سمع الدنيا أحمد بن حنبل، وفي ذاكرة الدنيا أحمد بن حنبل، ﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآياتِنَا يُوقِنُونَ﴾ [السجدة:٢٤].
إذاً: فما هي النعمة؟!
النعمة هي طاعة المولى, قال ابن تيمية: الكرامة لزوم الاستقامة، والنعمة هي أن تعرف منهجك في الحياة، فتصلي الصلوات الخمس جماعة, والنعمة ألا تكون غاوياً ولا شقياً ولا منحرفاًَ.
أما قضية هذه الدنيا فإن الله أعطى البر منها والفاجر, وأعطاها من يحب ومن لا يحب, قال عن أعدائه: ﴿وَلَوْلا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً لَجَعَلْنَا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفاً مِنْ فِضَّةٍ وَمَعَارِجَ عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ * وَلِبُيُوتِهِمْ أَبْوَاباً وَسُرُراً عَلَيْهَا يَتَّكِئُونَ * وَزُخْرُفاً وَإِنْ كُلُّ ذَلِكَ لَمَّا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةُ عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [الزخرف:٣٣ - ٣٥].
يقول ابن بطوطة صاحب الرحلة: " ذهبت وراء خراسان فوقفت في تربة هناك فأخبرني أهل خراسان أنه دفن في تلك التربة ألف ملك من ملوك الدنيا" فهؤلاء ألف ملك، كنا نظن نحن أننا من ابتدأ التاريخ وكأن الصفر من عندنا, قال: "فوجد حجراً مكتوباً عليه هناك:
وسلاطينهم سَلِ الطينَ عنهم والرءوس العظام صارت عظاما
يقول: سل وتكلم مع الطين, يقول : ﴿وَسَكَنْتُمْ فِي مَسَاكِنِ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ وَتَبَيَّنَ لَكُمْ كَيْفَ فَعَلْنَا بِهِمْ وَضَرَبْنَا لَكُمُ الْأَمْثَالَ * وَقَدْ مَكَرُوا مَكْرَهُمْ وَعِنْدَ اللَّهِ مَكْرُهُمْ وَإِنْ كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ * فَلا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ مُخْلِفَ وَعْدِهِ رُسُلَهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ﴾ [إبراهيم:٤٥ - ٤٧] يقول: لا تظنوا أنكم أول من سكن الديار بل سكنها قبلكم أمم.
وسلاطينهم سَلِ الطينَ عنهم والرءوس العظام صارت عظاما
وهؤلاء الذين كان الواحد منهم لا يتكلم مع البشر, ولا يسلم عليهم, ولا ينظر إليهم، أصبح رأسه عظاماً.
وهذا علي بن أبي طالب أمير المؤمنين أبو الحسن الزاهد الولي قدموا له كوباً من خزف ليشرب فيه, فنظر ﵁ وأرضاه إليه فبكى, فقالوا: ما لك تبكي يا أبا الحسن؟ قال: [[آلله! كم كان في هذا الإناء من طرف كحيل ومن خد أسيل]] يمكن أن يكون هذا الخزف من تراب ورفات الناس الذين ماتوا، مزجت به وأصبحنا نشرب منه, كما يقول أبو العلاء:
خفف الوطء ما أظن أديم الـ أرض إلا من هذه الأجساد
رب لحد قد صار لحداً مراراً ضاحك من تزاحم الأضداد
صاحِ! هذي قبورنا تملأ الرحب فأين القبور من عهد عاد
فلذلك يظن بعض الذين يعملون المنكر الآن, ويجاهرون الله بالمعاصي, ويحاربونه بالانحراف أنهم أول من أتى في فجر هذا التاريخ.
والله لا يعجزه أحد, فإن الله ذكر كل أمة ثم قال: ﴿فَكُلّاً أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ﴾ [العنكبوت:٤٠] فمن الذي اعترض على قضاء الله؟ ومن الذي استطاع أن يقف أمام الله؟!
هذا نمرود بن كنعان قتله الله ببعوضة, وأذلته أمام الله, وهذا النمرود ربّى نسرين وأطعمها اللحم وقال: أقتل عليها إله إبراهيم, وصعد على النسرين فكان يضرب بالأسهم في السماء ليقتل الله, فأرسل الله عليه بعوضة دخلت في أنفه, فأخذت تأكل من دماغه، فإذا هشهشت بأجنحتها كالعصفور؛ ارتج دماغه فلا يهدأ حتى يضرب الخدم رأسه, فضرب أحد الخدم رأسه فأخرج نخاعه من أنفه فمات, فانظر إلى هذا المصير.
وفرعون أين مات؟
لقد مات في ماء كان يتحدى به, فكان يقف يوم العيد -يوم النيروز- بين قومه الجهلة الفسقه: ﴿فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْماً فَاسِقِينَ﴾ [الزخرف:٥٤] ويقول للخونة الأذيال الأذناب كما حكى الله عنه: ﴿أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الْأَنْهَارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي أَفَلا تُبْصِرُونَ﴾ [الزخرف:٥١]؟ فيصفقون له ويعظمونه ويقدسونه.
وعند قوله تعالى حاكياً قول فرعون: ﴿أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الْأَنْهَارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي أَفَلا تُبْصِرُونَ﴾ [الزخرف:٥١] قال أحد العلماء: فأجراها الله من فوق رأسه في سكرات الموت: ﴿وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا مَا حَوْلَكُمْ مِنَ الْقُرَى وَصَرَّفْنَا الْآياتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ [الأحقاف:٢٧] لكن من يرجع إلى الله؟ إنه الذي يعرف آياته ويعيش عبره ويستفيد من عظاته.
стр. 3356
بيان معنى الخسارة والإيمان
قال: ﴿وَالْعَصْرِ * إِنَّ الْأِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ﴾ [العصر:١ - ٢] الخسر هنا ليس خسارة المال -فإذا خسرت المال في صفقة عوضت في صفقة أخرى- ولا خسران الولد, فإن الله إذا أخذ الصفي فاحتسبته من الولد والقريب عوضك عنه الجنة كما في صحيح البخاري , ولا خسارة المنصب فإن الدنيا تذهب وتأتي, لكن الخسارة خسارة الدين.
إذا أبقت الدنيا على المرء دينه فما فاته منها فليس بضائر
فكل شيء أمره سهل إلا الدين, ويمكن أن تعوض الخسارة إلا في ميثاق: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة:٥] فإنه إذا ذهب منك خسرت خسارة ما بعدها خسارة.
﴿إِنَّ الْأِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ﴾ [العصر:٢] فالكافر خاسر أبداً مهما جمع وحاز ومهما تولى: ﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [العصر:٣] فهذا جواب القسم: ﴿إِنَّ الْأِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ﴾ [العصر:٢] ثم استثنى منه, يقول أهل النحو: المستثنى في العادة أقل من المستثنى منه, فهل الناجون المؤمنون أقل من الكفار؟
الجواب
نعم.
فإن الله تعالى يقول: ﴿وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ﴾ [سبأ:١٣] وأقل الناس من شكر.
وأقل أهل الدنيا الآن المسلمون, وأقل المسلمين أهل السنة، والقليل في أهل السنة المخلصون.
فقد كانوا إذا عدوا قليلاً فقد صاروا أقل من القليل
ويقول : ﴿وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [الأنعام:١١٦] , وقد خرج عمر ﵁ وأرضاه إلى السوق فسمع رجلاً يقول: [[اللهم اجعلني من عبادك القليل, فقال عمر: ما هذا الدعاء؟ قال الأعرابي: يا أمير المؤمنين! يقول الله: ﴿وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ﴾ [سبأ:١٣] فسألت الله أن يجعلني من هذا القليل, قال: كل الناس أفقه منك يا عمر]].
﴿إِنَّ الْأِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [العصر:٢] فالإيمان برسالة محمد ﵊ هو الميثاق الذي أتى به, وهو الفتح العظيم الذي نزل عليه في الغار ﵊, يقول : ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولاً مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ [الجمعة:٢] وهو الإيمان الذي ذهب به الصحابة بأيديهم ففتح الله لهم الدنيا, فلما ذهبنا نحن والدنيا في أيدينا ما فتحت لنا بل أغلقت أمامنا الأبواب, وسلبت ديارنا وكرامتنا وأرضنا ومجدنا وسؤددنا وأصبحنا في مؤخرة الركب:
كم صرفتنا يد كنا نصرفها وبات يملكنا شعب ملكناه
أنى اتجهت إلى الإسلام في بلد تجده كالطير مقصوصاً جناحاه
أتطلبون من المختار معجزة يكفيه شعب من الأموات أحياه
стр. 3357
من معجزات الرسول ﷺ
فمن ذا الذي يريد معجزة من الرسول ﷺ أكبر من أن يأتي برعاة البقر والإبل فيجلسهم مجلس كسرى وقيصر، يتكلمون بالقرآن ويحكمون بالعدل وينشرون الحق؟!
أتطلبون معجزة أكبر من أن يأتي ﷺ بثلة كانت تعبد الصنم فيوزعهم على ثلاثة أرباع الكرة الأرضية؟!
فهذا ربعي بن عامر أحد أصحابه ﷺ يدخل على رستم قائد فارس -وقد تكررت هذه لكن تكرر للفائدة- فيقول رستم وهو يضحك من لباس هذا الأعرابي, لأن الرسول ﷺ لما أتى إلى الصحابة لم يفصل لهم ثياباً, أو يهد لهم بشوتاً, ولم يوزع لهم سيارات, أو يفتح دور الرعاية, ولم تكن عندهم مستشفيات, ولا صوامع غلال, نعم.
هم بحاجة إلى هذه الأمور, لكنه ﷺ أتى ففتح أولاً قلوبهم بالقرآن والسنة, كان يسكن في بيت من الطين، لكن من بيت الطين هذا حول ثلاثة أرباع الكرة الأرضية إلى لا إله إلا الله محمد رسول الله, مات وما في بيته إلا سبعة دنانير وزعت صدقة, وما ترك إلا البغلة والسيف (ذو الفقار) ومع ذلك لا زال في الخافقين.
فبعث ﷺ أصحابه في مشارق الأرض ومغاربها يهللون ويكبرون, فيقول رستم وهو يضحك على ربعي: جئتم تفتحون الدنيا يا ربعي؟
لأن الصحابة يقولون نفتح الدنيا وصدقوا.
وهذا عقبة بن نافع خرج بفرسه وثلة من الصحابة في أفريقيا , فكان يكبر وكانت الوحوش تدخل جحورها وبيوتها من تكبيره.
لم تنس أفريقيا ولا صحراؤها سجداتنا والأرض تقذف نارا
كنا نقدم للسيوف صدورنا لم نخش يوماً غاشماً جبارا
وكأن ظل السيف ظل حديقة خضراء تنبت حولنا الأزهارا
أرواحنا يا رب فوق أكفنا نرجو ثوابك مغنماً وجوارا
ثم يقول:
لم نخش طاغوتاً يحاربنا ولو نصب المنايا حولنا أسوارا
فهذا عقبة أتدرون ماذا فعل؟
فتح القيروان وخطب الجمعة وذهب، ووصل في الجمعة الثانية إلى المحيط الأطلنطي , فوقف بفرسه ليس عنده زورق أو غواصة أو سفينة أو باخرة وليس عنده طائرة! فقال وهو على فرسه: "والله -يا بحر- لو أعلم أن وراءك أرضاً لخضت بفرسي هذا البحر حتى أرفع لا إله إلا الله محمد رسول الله".
قال رستم: جئتم تفتحون الدنيا بهذا الفرس المعقور والرمح المثلم؟!
فيقول ربعي -اسمع الكلام الذي ليس مثل كلامنا بارد ميت، قال كلاماً كأنه من الوحي-: [[نعم.
إن الله ابتعثنا لنخرج العباد من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد, ومن ضيق الدنيا إلى سعة الآخرة, ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام]] فبدأت المعركة فانتصروا ودخلوا ديوان قيصر وحكموه بالقرآن والسنة.
стр. 3358
مفهوم الإيمان عند السلف
إن هؤلاء الذين أتوا بالإيمان الذي بعث به محمد ﷺ , والإيمان سهل إنما عقدته الثقافة العصرية الحديثة, حتى أصبح معقداً, لأن الشباب والأطفال في سن الفهم وسن حفظ القرآن والسنة أُشغلوا بدرس وزرع وخاط وأكل وشرب, وطه والطبلة كان لطه طبلة يضرب عليها, فلمّا بلغوا سن الفهم لم يحفظوا من المتون شيئاً وليس عندهم إلا طه والطبلة, والرسول ﷺ في هذا السن لقن أصحابه وغرس في قلوبهم عقيدة: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة:٥] فكانت تسري في دمائهم قوية كالبركان, صادقة كالفجر, واضحة كالشمس.
فالإسلام سهل والإيمان بسيط يُتعَلم ولو في دقائق, كان الرسول ﷺ يعرض الدين عرضاً موجزاً, أتاه ضمام بن ثعلبة , قال: ﴿يا رسول الله! إني سائلك ومشدد عليك في المسألة -والحديث في الصحيحين - قال: سل ما بدا لك -وضمام هذا إعرابي من الطائف أقبل بناقة فعقلها في طرف المسجد وتخطى الصفوف بسرعة- قال: من رفع السماء؟ قال ﷺ : الله﴾.
وهذا الأعرابي يعرف أن الله هو الذي رفع السماء: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [لقمان:٢٥] لكنه يأتي بمقدمات حتى يصل إلى نتيجة, وهذا أدب الحوار, ولذلك قال أنس: [[ما رأينا وافداً مباركاً كـ ضمام بن ثعلبة]]؟
فمن أدب الحوار أن تبدأ مع من تحاوره أو تجادله بقضايا مسلمة تشترك أنت وإياه في الإيمان بها, فقال: ﴿من رفع السماء؟ قال: الله, قال: من بسط الأرض؟ قال: الله, قال: من نصب الجبال؟ قال: الله, قال: أسألك بمن رفع السماء وبسط الأرض ونصب الجبال آلله أرسلك إلينا رسولاً؟ فاتكأ ﵊ وقال: اللهم نعم﴾ كان يخاف أن يقول من نفسه هل أنت رسول، أو أنت رأيت أنك تأتينا وتقول: أنك مرسل، أو أنك تريد أن تملك العرب أو ماذا تريد ﴿ثم قال: أسألك بمن رفع السماء وبسط الأرض ونصب الجبال آلله أمرك أن تأمرنا بخمس صلوات في اليوم والليلة؟ قال: اللهم نعم -فسأله عن أركان الإسلام كلها فلما انتهى- قال: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أنك رسول الله، والله لا أزيد على ما سمعت ولا أنقص, أنا ضمام بن ثعلبة -هذه هي البطاقة الشخصية- أخو بني سعد بن بكر , ثم ولّى وفك عقال الناقة وركبها, فقال ﵊: من سره أن ينظر إلى رجل من أهل الجنة فلينظر إلى هذا﴾.
هذا هو الدين والإسلام؛ فالإيمان يعرض في دقائق, ويفهمه الناس ويخرج هؤلاء الأعراب علماء للناس, يعلمونهم أمور الدين, يقول عمر: [[نهينا عن التكلف]].
﴿إِنَّ الْأِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ * إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ [العصر:٢ - ٣] والإيمان عند أهل السنة: "قول باللسان وعمل بالأركان واعتقاد بالجنان".
والمرجئة قالوا: "اعتقاد بالجنان وقول باللسان".
والكرامية قالوا: "قول باللسان فحسب".
وأخطأت المرجئة وأخطأت الكرامية وأصاب أهل السنة.
فالإيمان اعتقاد بالجنان: أي أن تعتقد وحدانية الواحد الأحد، وأن تصدق بما جاءت به الرسل عليهم الصلاة والسلام, وإلا فالذي يصلي ولا يؤمن بالله منافق, لا تعذره صلاته، وإنما يرفع السيف عنه في الدنيا وهو في الآخرة خالد مخلد في النار, في الدرك الأسفل من النار: ﴿إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ﴾ [المنافقون:١] لأنهم أظهروا شيئاً وأبطنوا شيئاً آخر, فهذا الاعتقاد بالجنان.
стр. 3359
أول واجب على المكلف
النطق باللسان هو أول ما يجب على المكلف، أن يقول: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله, قال ﵊ كما في الصحيحين: ﴿أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأني رسول الله، ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة؛ فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها وحسابهم على الله﴾.
وهذا أبو المعالي الجويني إمام الحرمين يقول: "أول واجب على المكلف النظر والاستدلال في الكون " وهذا أورده ابن حجر في فتح الباري , فرد سماحة الشيخ ابن باز في الحاشية, وقال: "لا.
أول واجب على المكلف شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداَ رسول الله".
وهذه هي الكلمة التي طلبها محمد ﷺ من عمه, ومن الناس جميعاً, وهي كلمة التوحيد التي تنجي صاحبها إذا قالها مخلصاً وعمل بمقتضاها.
لكن بعض الناس يظن أن الإيمان أن يقول: لا إله إلا الله محمد رسول الله, ثم ينتهك الحدود ويحارب أولياء الله, ويعطل شرع الله, ويكون حجر عثرة في طريق هذا الدين, فأين هو من لا إله إلا الله؟
من خان حي على الصلاة يخون حي على الكفاح
وكثير من الناس يقولها ولكن لم يصدقوا في قولها ولم يقولوها مخلصين, ولم يعملوا بمقتضاها.
стр. 3360
ضرورة الإتيان بعمل الجوارح
وعمل بالأركان: وأن تعمل بجوارحك الفرائض: ﴿من ترك الصلاة فقد كفر﴾ والمرجئة يقولون: تارك الصلاة لا يكفر, فيكفي الإنسان أن يقول: لا إله إلا الله محمد رسول الله ويعتقدها وإن صلى أو تركها فسيان, والرسول ﷺ يرد عليهم ويقول في الصحيح: ﴿العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة فمن تركها فقد كفر﴾ , ويقول: ﴿بين المسلم والكافر ترك الصلاة﴾.
﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ [العصر:٣] لأنه -لاحظ- لا بد مع الإيمان من عمل الصالحات, والإيمان بلا عمل الصالحات هو الإيمان المجرد الذي لا ينفع, وهذه هي العواطف المجنحة التي نسمعها من الناس صباح مساء.
فإذا طلبت من جارك أن يصلي في المسجد, يقول: الله يعلم أني أحبه وأني أحب رسوله لكن لا أستطيع أن أصلي صلاة الفجر في المسجد, فما هذه المحبة المدعاة؟
وما هذا الكذب الزائف؟!
وما هذا البرود السامج؟!
يقول تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ﴾ [آل عمران:٣١] , ويقول: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ﴾ [المائدة:١٨] , فكأن المعنى: يا كذبة! يا مردة! يامن ادعيتم أنه يحبكم فلم يعذبكم؟ فأنتم تخالفون ويعذبكم بهذه النكبات والويلات, فبنو إسرائيل ضرب الله عليهم الذلة عبر التاريخ, وما تسودوا إلا علينا! وما تصدروا إلا علينا! لأننا قل قدرنا -نحن- عن الدين وعن التمسك به فعزوا علينا, وإلا فانظر إلى تاريخهم: كانوا مشردين مضطهدين في سويسرا وبلجيكا وفرنسا وإنجلترا وألمانيا , كانوا يؤتى بهم بالعشرات في الأفران يربطون مع الخنازير, يذبحون دبحاً لأن الله يقول: ﴿ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الْمَسْكَنَةُ﴾ [آل عمران:١١٢] ولكنهم صادفوا قوماً لم يحملوا ميراث نبيهم ﵊.
لهم شموخ المثنى ظاهراً ولهم هوى إلى بابك الخرمي ينتسب
فسادوا وسيطروا عليهم وأخذوا زمام المبادرة.
стр. 3361
شروط العمل الصالح
لا بد مع الإيمان من العمل الصالح، والعمل الصالح لا بد فيه من شرطين اثنين:
١ - أن يكون صاحبه مخلصاً قاصداً بعمله وجه الله يقول تعالى: ﴿أَلا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ﴾ [الزمر:٣] ويقول: ﴿مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [البينة:٥] ويقول : ﴿وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [الزمر:٦٥] وقال سبحانه: ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُوراً﴾ [الفرقان:٢٣] , وقال سبحانه: ﴿إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ﴾ [المائدة:٧٢] ويقول سبحانه: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء:٤٨] وعند مسلم: ﴿من عمل عملاً أشرك معي فيه غيري تركته وشركه﴾.
٢ - الشرط الثاني: أن يكون على سنة النبي ﷺ , فهو الإمام العظيم الذي لا يجوز للأمة أن تخالف نهجه, وحرام عليها أن تأخذ إماماً غيره, أو شيخاً في الطريق سواه: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي﴾ [آل عمران:٣١] ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ [الأحزاب:٢١].
قال ﵊ في الصحيح: ﴿والذي نفسي بيده لا يسمع بي يهودي ولا نصراني ثم لا يؤمن بما جئت به إلا دخل النار﴾ فيجب اتباع سنته ﵊ وهديه:
فهو يصلي ويقول: ﴿صلوا كما رأيتموني أصلي﴾.
ويحج ويقول: ﴿خذوا عني مناسككم﴾.
فأنت تقلم أظفارك وهو معك بسنته, وتقص شاربك وهو معك بسنته, في حياتك وليلك ونهارك وهو يتابعك بسنته, لكن متى؟
إذا رضيته إماماً: ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ [النساء:٦٥].
﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ [العصر:٣] وعمل الصالحات دأب عباد الله الصالحين, ولا ينزل العبد في درجات الجنة إلا بالعمل الصالح, وهنا مسألة -يا أيها الأحباب- بحثها ابن القيم ﵀ وغيره من العلماء, وهي الجمع بين قوله ﵊ ﴿لا يدخل الجنة أحد بعمله، قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟ قال: ولا أنا إلا إن يتغمدني الله برحمته﴾ وظاهر الحديث أنه لا يدخل داخلٌ جنة الله إلا برحمته مهما كان عند هذا العامل من العمل.
إذاً: فالعمل ليس له دخل في دخول الجنة, ولا يدخل الناس الجنة بسبب أعمالهم، فهذا ظاهر الحديث.
وقال : ﴿وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الزخرف:٧٢] وظاهر الآية أن الجنة يرثها عباد الله بأعمالهم, فكيف نجمع بين الحديث الذي يقول: ﴿لا يدخل الجنة أحد بعمله﴾ وبين الآية التي تقول: ﴿وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الزخرف:٧٢]؟
الجواب أن يقال: أما دخول الجنة فبرحمة الله أرحم الراحمين, وأما نزول المنازل داخل الجنة وتبوّء الدرجات فبالأعمال، هذا هو الصحيح, الدخول أولاً برحمة أرحم الراحمين, أما التنزل في الدرجات وأخذ المنازل وتبوء المقاعد إنما يكون بالأعمال الصالحة وهذا هو الصحيح إن شاء الله الذي لا يعدل عنه إلى غيره.
стр. 3362
تفسير قوله تعالى: (وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر)
من ميزة هذه الأمة أنها تتواصى, وأنها لا تدفن الأخطاء وتقول: كل شيء على ما يرام, ولا تجامل, ولا تحابي في دين الله.
إذا رأينا الخطأ مثل الجبل وقلنا: كل شيء جيد وحسن؛ فإن هذا يعتبر خيانة, وعند ابن حبان عن أبي ذر قال: ﴿أوصاني خليلي ﷺ أن أقول الحق وإن كان مراً﴾ فالحق مر وأحياناً يذهب الرءوس, ويزهق النفوس, ويسيل الدماء لأنه مر.
يقول أبو إسماعيل عبد الله بن محمد الأنصاري شيخ الإسلام الهروي: قدمت رأسي للسيف خمس مرات, كانوا يضعون السيف تحت أذني من أجل ألا أهاجم أو أسب المذاهب الأخرى فما رجعت.
وذلك لأنه يريد أن يقول الحق.
فقل الحق ولو كان مراً، وهذا هو الذي جعل ابن تيمية مصفداً في الحديد في قلعة دمشق والإسكندرية , وفي كل مكان لأنه يقول الحق, أما الذي لا يقول الحق فإنه لا يؤذى.
فقول الحق والتواصي به صعب, ولا بد أن يقال ولكن بلين.
ومن صفات هذه الأمة أنها تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر وهو من التواصي, وعند البخاري عن جرير بن عبد الله البجلي قال: ﴿بايعت رسول الله ﷺ على إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة وشرط عليّ والنصح لكل مسلم﴾ وعند مسلم: ﴿الدين النصيحة, الدين النصيحة, الدين النصيحة, قلنا: لمن يا رسول الله؟ قال: لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم﴾.
والتواصي ألاَّ نسكت على الأخطاء, لأن الشر يعم والخير يخص: ﴿فَلَوْلا كَانَ مِنَ الْقُرُونِ مِنْ قَبْلِكُمْ أُولُو بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسَادِ فِي الْأَرْضِ إِلَّا قَلِيلاً مِمَّنْ أَنْجَيْنَا مِنْهُمْ﴾ [هود:١١٦].
فسُبحَانَهُ وَتَعَالى يقول: فهلاّ كان منكم عصابة يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر؟
ويقول لوط لقومه: ﴿أَلَيْسَ مِنْكُمْ رَجُلٌ رَشِيدٌ﴾ [هود:٧٨] , ويقول : ﴿وأَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ﴾ [الأعراف:١٦٥] فما نجى الله إلا من أمر ونهى, وقد وصف ﵊ من يأمر وينهى الأمة بالسفينة التي لو ترك فيها الأشرار لخرقوها، وكذلك سفينة الأمة إذا تركت للسفهاء والأنذال والمحرومين والمخذولين خرقوا شرع محمد ﷺ وتحطمت وخسرنا هذا الدين بسبب أننا سكتنا.
والساكت عن الحق شيطان أخرس, والناطق بالباطل شيطان ناطق, والناطق بالحق على لسانه ملك يؤيده, وهؤلاء أتباع الرسل عليهم الصلاة والسلام: ﴿الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلا يَخْشَوْنَ أَحَداً إِلَّا اللَّهَ﴾ [الأحزاب:٣٩] وهو البلاغ الذي قال عنه ﵊ كما عند أبي داود: ﴿بلغوا عني ولو آية﴾ , وقال: ﴿نضَّر الله امرأً سمع مني مقالة فوعاها فأداها كما سمعها فرب مبلغ أوعى من سامع﴾.
وأكثر الناس الآن محبوسون في الشعير, هذه الأكياس التي تباع للغنم وتوزع في السيارات فيتضاربون عليها، فأكثرهم الآن محبوس في كيس شعير, أو قطعة أرض, أو في غنم أو تيوس, أو محبوس من أجل عادة أو طريق بينه وبين جاره, وهذه التضحيات وعالم الضحيات من أجل البطون والقدور, وهم شهداء الشعير الذين إذا ماتوا شهدت لهم أكياس الشعير يوم العرض الأكبر, بأنهم قدموا منهجهم من أجل أكياس الشعير, وصدق فيهم محمد إقبال إذ يقول:
ومن الذي باع الحياة رخيصة ورأى رضاك أعز شيء فاشترى
أم من رمى نار المجوس فأطفئت وأبان وجه الصبح أبيض نيرا
ولذلك بعض الناس الآن تعال وخذ متراً من أرضه, والله لا تستطيع، ويسيل دمك في الأرض, ويقاتلك بمسدسه الأسباني رقم تسعة، لأن الأرض أرضه.
فإن الماء ماء أبي وجدي وبئري ذو حفرت وذو طويت
لكن يُستهزئ بالدين, يقول: للدين رب يحميه, مثل عبد المطلب أتى أبرهة ليحطم الكعبة فقال: رد لي إبلي أما البيت فله رب يحميه, فإبلي لي وأنا رب الإبل.
فالناس يقولون الشعير شعيرنا, والدين لربنا, والمساجد لله، والذي يستهزئ بالرسول ﷺ كل يلقى عمله عند الله, والذي يستهزئ بالقرآن الله يحاسبه ولا نتدخل فيه, والذي يسب الإسلام في الصحف الصباحية ويستهزئ بالدين في الملاحق الرياضية, فالله سبحانه الحسيب وهناك جنة ونار, أما الشعير شعيرنا, والأرض أرضنا والدنيا دنيانا, فلماذا لا تغضب لدين الله كغضبك على هذه الأمور؟ هذا الفارق بيننا وبين الصحابة, فالصحابة غضبوا من أجل (لا إله إلا الله) ونحن نغضب من أجل الشعير, هم قدموا مهجهم من أجل: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة:٥] , ونحن قدمنا مهجنا من أجل الماء والطين, فالفارق بيننا واضح.
وأكثر القتلى الآن بل ما سمعنا أن أحداً قتل من أجل لا إله إلا الله! من أجل هذه الكلمة قتل من الأنصار (٨٠%).
وهذا حنظلة الذي غسلته الملائكة -أنا لا أريد أن أذكر أباه لأنه فاسق مجرم- أتى من مكة يحرض ابنه على الارتداد عن الدين, فأخذ ابنه كفاً من التراب ولطخ به وجه أبيه وقال: اخرج يا فاسق!
لم يعد أباً له بل انقطعت هذه الأبوة وانقطع هذا النسل, الدم الضال انقطع، العرق الآثم المشئوم انفصل, أصبح حنظلة شيئاً آخر؛ فقد رباه محمد ﷺ في المسجد, تزوج حنظلة وعمره عشرون وقيل أقل, بنى بزوجته وفي الصباح سمع الهتاف الخالد في أحد والملائكة تتنزل, وكان أبو سفيان يحشد الكفر ليجتاح عاصمة الإسلام, يخرج الرسول ويعلن الحرب على أبي سفيان من على المنبر, فسمع حنظلة الصياح.
وقاتلت معنا الأملاك في أحد تحت العجاجة ما حادوا وما انكشفوا
فخرج وهو لم يغتسل من الجنابة, لبس ثيابه لأن الأمر أسرع, كيف يغتسل والرسول أصبح يقود المعركة؟! الدقيقة تؤخر، فالرءوس أصبحت تقطع في سبيل الله, فأخذ سيفه بدون غمد, وذهب سريعاً إلى أحد , فقاتل وقتل قبل صلاة الظهر, والتفت ﵊ إلى السماء فأشاح بوجهه وقال: ﴿والذي نفسي بيده! لقد رأيت حنظلة بين السماء والأرض تغسله الملائكة بماء المزن في صحاف الذهب, سلوا أهله لِمَ تغسله الملائكة؟ قالت امرأته: خرج جنباً ولم يغتسل﴾ فغسلته الملائكة قبل أن يدخل الجنة.
أملاك ربي بماء المزن قد غسلوا جثمان حنظلة والروح تختطف
وكلم الله من أوس شهيدهم من غير ترجمة زيحت له السجف
وهذا شهيد آخر مات من أجل: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة:٥] أتى في الصباح فلبس أكفانه, فهذا لا يريد خط الرجعة، لأن الذي يلبس أكفانه هذا لا يريد أن يعود مرة ثانية, ترك ثيابه في البيت ولبس أكفانه وتتطيب واغتسل وأخذ السيف؛ لأنه رأى في المنام أنه أول قتيل في المعركة, فلما حضر المعركة قال: [[اللهم خذ من دمي هذا اليوم حتى ترضى]] فقتل, فقال الرسول ﷺ : ﴿والذي نفسي بيده! ما زالت الملائكة تظله بأجنحتها حتى رفعته﴾ وهو عبد الله بن عمرو الأنصاري والد جابر , فـ جابر هذا حافظ الحديث ولد هذا الذي قتل, يقول الرسول ﷺ : ﴿يا جابر! والذي نفسي بيده لقد كلم الله أباك كفاحاً بلا ترجمان -مباشرة- فقال: تمن, قال: أتمنى أن تعيدني إلى الدنيا فأقتل فيك ثانية, قال: إني كتبت على نفسي أنهم إليها لا يرجعون, فتمن, قال: أتمنى أن ترضى عني فإني قد رضيت عنك, قال: فإني قد أحللت عليك رضواني لا أسخط عليك أبداً﴾ فهؤلاء هم الشهداء, وهذا هو موكب الأمة, وهو جيل محمد ﷺ .
فتجد الآن أعداء الله يقدمون من التضحيات أكثر مما يقدم أولياء الله , كم قتل من العرب من أجل البعث! وكم قتل من العرب من أجل مذهب ماركس؟
ألوف مؤلفة من أجل أن يبقى مذهب لينين -"لا إله والحياة مادة"- في الأرض, والوطنيون حزب الطليعة والصاعقة.
ناصريون نصرهم أين ولى يوم داست على الجباه اليهود
ويقول الآخر:
وَحدَوِيوُّن وهذا يقول: المظلة العربية الدم العربي الأخوة العربية.
وحدويون والبلاد شظايا كل جزء من لحمها أشلاء
ماركسيون والجماهير جوعى فلماذا لا يشبع الفقراء
لو قرأنا التاريخ ما ضاعت القدس وضاعت من قبلها الحمراء
стр. 3363
بيان معنى الحق والصبر
قال : ﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ [العصر:٣] ما هو الحق؟ وما هو الصبر؟ وهل بينهما عموم وخصوص؟ أوليس الحق صبراً والصبر حقاً.
أما الحق فهو الذي أتى به رسولنا ﷺ , فالكتاب والسنة هما الحق, وتواصوا به أي: تعلموه وعلموه الناس, وتواصوا به: تفقهوا به, وعلم بعضهم بعضاً هذا الحق, فالحق كله ما أتى به ﷺ , وكل ما أتى به الرسول ﷺ فهو الحق, وأما ما سوى ما أتى به ﷺ لا يخلو من أمرين:
إما حق, فهو في شرعه ﵊.
وإما باطل فلا نريده.
وأي أمر لا يعرف أنه حق أو باطل حتى يعرض على الكتاب والسنة, قال مالك ﵀: "ما منا إلا راد ومردود عليه إلا صاحب هذا القبر ﵊" , وإنما قال : الحق لتكون كلمة جامعة لكل خير, ورشد وهدى, فكل ما أتى به الرسول ﷺ حق, فلا يجوز للإنسان أن يوجب على الناس شيئاً إلا ما أوجب الله ورسوله, ولا أن يستحب لهم إلا ما استحبه الله ورسوله, ولا يجوز أن يحرم عليهم إلا ما حرم الله ورسوله, ولا أن يكره لهم إلا ما كره الله ورسوله ﵊، ولا أن يبيح لهم إلا ما أباح الله ورسوله, فلا بد من هذه القضايا الخمس.
فكلام الله ورسوله ﷺ يحتج به, ولا يحتج له, وكلام غير الله ورسوله ﵊ يحتج له ولا يحتج به, فهذه قواعد يقررها شيخ الإسلام ابن تيمية وغيره من أهل العلم، وهي قواعد تكتب بماء الذهب وتحفظ, فهذا هو الحق: ﴿وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ﴾ [العصر:٣].
والحق لا يحمل إلا بصبر, والحق لا يبلغ إلا بصبر, والصبر لا بد له من حق, فاجتمعت الرسالة التي هي حق مع وسيلتها وهو الصبر, حتى تبلغ للناس.
إذاً: من هم المبلغون؟ إنهم المؤمنون الذين عملوا الصالحات, وماذا يبلغون؟ يبلغون الحق , بأي وسيلة؟ بالصبر.
والصبر ثلاثة أقسام:
صبر على طاعته .
وصبر عن المعاصي.
وصبر على المصائب.
فأما الصبر على الطاعات فهو أشرفها وهو القول الصحيح الذي يختاره كثير من أهل العلم كالشيخين: ابن تيمية وابن القيم , فالصبر على الطاعات أشرف من الصبر عن المعاصي, وأشرف من الصبر على المصائب, ويجعل ابن تيمية المقصود من الدين إقامة الشعائر والفرائض, فإن من صلى وشرب الخمر خير ممن ترك الخمر ولم يصلِ, مع العلم أن العبد الطائع لله هو الذي يصلي ولا يشرب الخمر, لأن الخمر من الكبائر وحق على الله أن من شرب الخمر ولم يتب منها أن يسقيه الله من طينة الخبال، وهي عصارة أهل النار والعياذ بالله.
والصبر على الطاعات: أن تؤديها في أوقاتها بخشوعها وفرائضها وسننها, كالصبر على الصلاة, فهي تحتاج إلى صبر: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ [البقرة:١٥٣].
والصبر عن المعاصي: أن تكف عنها, واصبر عنها وما صبرك إلا بالله, طلباً في ثواب الله وخوفاً من عقابه, لأن بعض الناس يكف عن المعاصي حفظاً لجاهه, أو خوفاً من السلطة, وهذا ليس مأجوراً.
والصبر على المصائب: هي أن تصبر على قضاء الله وقدره فيما يصيبك, وتقول: "إنا لله وإنا إليه راجعون".
فهذه بعض معالم سورة: ﴿وَالْعَصْرِ * إِنَّ الْأِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ * إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ [العصر:١ - ٣]
أسأل الله بأسمائه الحسنى وصفاته العلى أن يغفر لنا ولكم, وأن يرحمنا وإياكم, وأن يتولانا وإياكم, وأن يهدينا وإياكم سواء السبيل, وأن يخرجنا وإياكم من الظلمات إلى النور, وأن يوفقنا إلى اتباع سنة محمد ﵊, وأن يثبتنا على الإيمان حتى نلقاه, ولا يجعل فينا شقياً ولا محروماً, وأن يتولانا وإياكم ولاية عامة وخاصة.
стр. 3364
الأسئلة
стр. 3365
حكم النوم عن صلاة الفجر والعصر
السؤال
لي جار لا يصلي الفجر ولا العصر مع الجماعة, فنصحته, فأجاب بأنه ينام في هذين الوقتين، فما حكم ذلك؟
الجواب
سبحان الله! اختار الفجر والعصر والرسول ﷺ يقول: ﴿من صلى البردين دخل الجنة﴾ والبردان: الفجر والعصر, وإنما سماهما ﷺ "البردين" لأنهما يأتيان في وقت براد, واختار ﷺ لهما جزاءً الجنة لأنهما في وقت مشقة, فإن العصر يأتي بعد العمل والكسب والكدح, والفجر يأتي بعد النوم, ولا يحافظ عليهما إلا مؤمن, يقول ﵊: ﴿من فاتته صلاة العصر فكأنما وتر أهله وماله﴾ يعني: فقد أهله وماله, وكأنما احترق بيته بأهله وفقد ماله.
أما النوم فإنه عذر إذا وقع نادراً, وأما إذا صار عادة وتعمد ووضع في موضع الصلوات فليس بعذر لصاحبه, وهذا يدل على تفريطه, فما دام يعرف أنه سوف ينام عن الصلاة, وأن من عادته أن ينام عنها فهو مسيء, وصلاة الجماعة واجبة عند أهل العلم, دلَّ على ذلك أكثر من أربعة عشر دليلاً من الكتاب والسنة منها: ﴿وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾ [البقرة:٤٣] ومنها: ﴿وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ﴾ [النساء:١٠٢] وهذا في صلاة الخوف ففي صلاة الحضر الجماعة أولى.
ومنها قوله ﷺ : ﴿من سمع النداء فلم يأت فلا صلاة له إلا من عذر﴾ رواه ابن ماجة وأحمد والحاكم وصححه عبد الحق الإشبيلي وابن تيمية وهو حديث صحيح.
ومنها أن الرسول لم يرخص للأعمى وقال: ﴿أتسمع حي على الصلاة، حي على الفلاح؟ قال: نعم, قال: فأجب فإني لا أجد لك رخصة﴾ فوصيتي لك يا أخي! يا من ينام عن الفجر والعصر! أن تتقي الله وأن تُعِدَّ للقاء الله, وأن تعلم أنه سوف يكون هنالك نوم طويل, إما في روضة من رياض الجنة، وإما في حفرة من حفر النار.
فما أطال النوم عمراً وما قصر في الأعمار طول السهر
следующие страницы →