← Джавами‘

Джавами‘ · id 7708

دروس الشيخ عائض القرني

عائض القرني

Полный текст (10 391 стр.). Показаны 3466–3505 · переход к 3471.

стр. 3466

الفاروق في القرن العشرين عمر أسلم بسورة (طه) وكان أصدق من الشمس في ضحاها, وأوضح من القمر إذا تلاها, وأشهر من النهار إذا جلاها, وتولى الخلافة فأعلاها, وقاد الأمة ورعاها. عمر مواقف ودروس خالدة بكاء ونحيب تفقد واستطلاع أتعب الخلفاء بعده قائد لقي الله خالياً من المظالم فهل سيوجد مثله في هذا القرن؟! هذا مضمون هذه المادة.

стр. 3467

عمر الفاروق لفحات ونفحات الحمد لله رب العالمين، ولي الصالحين, ولا عدوان إلا على الظالمين، والصلاة والسلام على إمام المتقين, وقدوة الناس أجمعين, وعلى آله وصحبه والتابعين. عنوان هذه المحاضرة: (عمر في القرن العشرين) ورقمها (٣٠٤) وإنه موقف صعب يوم نتكلم هذه الليلة عن عمر الفاروق!! من أين نبدأ مع أبي حفص؟! وإلى أين ننتهي؟! وماذا نقول هذه الليلة؟! وهل نمدحه فهو أغنى عن المدح؟ وكما قال الأعرابي لما رأى القمر وسط الليل: "والله يا قمر! إن قلت: رفعك الله! فقد رفعك الله، وإن قلت: جملك الله! فقد جملك الله، وإن قلت: زينك الله! فقد زينك الله". عمر التاريخ، وعمر المجد، وعمر العدالة، عمر المنهج الرباني الذي أنزله على قلب أولئك البشر من الناس، فخرجوا أمةً جديدةً للعالم، فنشروا العدل في ربوع الدنيا: والله ما ادكرت روحي لسيرته إلا تمنيت في ديناي لقياه ولا تذكرته إلا وخالجني شوق أبو حفص فحواه ومعناه تبكي عليه الملايين التي فقدت بموته عزة الإسلام إذ تاهوا الطفل من بعده يبكي عدالته يقول هل مات ذاك الغيث أماه والناس حيرى يتامى في جنازته تساءلوا من يقيم العدل إلاه مضى إلى الله والآلاف تندبه ابن الشريعة حياها وحياه نعم أحييك من قلبٍ يقطعه شوقي إليك فهل واسيت فقداه عمر أسلم بسورة طه، وكان أصدق من الشمس في ضحاها، وأوضح من القمر إذا تلاها، وأشهر من النهار إذا جلَّاها، تولى الخلافة فأعلاها، وقاد الأمة ورعاها. من أين أبدأ يا أبا حفص ولي قلب له في حبكم أسرارُ يا أيها الفاروق تاريخ الورى زورٌ وفي تاريخكم أنوار السلام عليك يا عمر بن الخطاب , يوم أسلمت! والسلام عليك يوم هاجرت! والسلام عليك يوم توليت الخلافة! والسلام عليك يوم أن مت شهيداً ويوم تبعث حياً في الخالدين! لا أترجم له، فهو أغنى عن الترجمة، وهو أكبر من الكلام، وهو أعلى من المدح. لقبه الفاروق، لقَّبه بذلك أهل الكتاب، لأن الله فرَّق به بين الحق والباطل.

стр. 3468

إسلام عمر أسلم وعمره سبع وعشرون سنة، ورضع (لا إله إلا الله) وحمل (إياك نعبد وإياك نستعين) وسجد لله، وعفَّر جبينه للخالق، ثم مضى إلى الله، وسوف نعيش معه هذه الليلة ليعلم كل إنسان إذا أراد أن يكون إنساناً مسلماً أن عمر ينبغي أن يكرر حتى في القرن العشرين، وينبغي أن يكون جامعةً للعدل وللحب وللإيمان وللطموح. قال ابن كثير: " أسلم وعمره سبعٌ وعشرون سنة، وشهد بدراً وأحداً والمشاهد كلها. وهو أول من دعي أمير المؤمنين في الإسلام، وأول من كتب التاريخ، وأول من جمع الناس على التراويح، وهو أول من عس بـ المدينة بدرته في ظلام الليل، يتفقد الأرامل والمساكين، ويتفقد أحوال المساكين، لا ينام الليل والناس ينامون، ولا يشبع والناس يجوعون، ولا يهدأ حتى يرتاح الناس ويهدءون ". تقول زوجته عاتكة بنت زيد: [[يا عمر , ألا تنام الليل؟ قال: لو نمت في الليل لضاعت نفسي، ولو نمت في النهار لضاعت رعيتي]]. نامت الأعين إلا مقلةً تذرف الدمع وترعى مضجعك

стр. 3469

تواضع عمر وكان متواضعاً لله, وحمل الدرة وأدب بها، عنده عصا اسمها: "الدرة" يخرج بها الشياطين من الرءوس، وكان يؤدب بها أمراء الأقاليم، وكان يحكم اثنتين وعشرين دولة من الدول الإسلامية اليوم يحكمها من المدينة، وكان إذا سمع بصيته كسرى وقيصر ارتعدوا على كراسيهم كما يقول محمود غنيم شاعر وادي النيل: مالي وللنجم يرعاني وأرعاه أمسى كلانا يعاف الغمض جفناه لي فيك يا ليل آهات أرددها أواه لو أدت المحزون أواه كم صرفتنا يدٌ كنا نصرفها وبات يملكنا شعبٌ ملكناه يا من يرى عمراً تكسوه بردته والزيت أدمٌ له والكوخ مأواه يهتز كسرى على كرسيه فرقاً من خوفه وملوك الروم تخشاه قال ابن كثير: "وكان عمر خشن العيش، وكان قليل الضحك، لا يمازح أحداً، وكان منقوشاً على خاتمه (كفى بالموت واعظاً يا عمر). يقول المتنبي: أرى كلنا يبغي الحياة بجهده حريصاً عليها مستهاماً بها حبا وحب الجبان النفس أورده البقا وحب الشجاع الحق أورده الحربا وكان يقول ﵊: ﴿أشد أمتي في دين الله عمر﴾ كان عمر يبكي على المنبر ويقول: [[لا يحل لي من مال الله إلا حلتان: حلة للشتاء وحلة للصيف]] وصعد عام الرمادة ليتكلم إلى الجماهير وليخطب، فقرقر بطنه من الجوع، أمعاؤه لم تجد لحماً، لم تجد خبزاً، وهو يملك الملايين المملينة من الذهب والفضة، لكنه يخاف من نارٍ تلظى، فقال لبطنه: [[يا بطن! قرقر أو لا تقرقر! والله لا تشبع حتى يشبع أطفال المسلمين]]. قال معاوية ﵁: [[أما أبو بكر فلم يرد الدنيا ولم ترده، وأما عمر فأرادته الدنيا وما أرادها، وأما نحن فتقلبنا في الدنيا ظهراً لبطن]]. وقال عمر وقد قيل له: لو أكلت طيباً؟ قال: [[ما لي وللدنيا! إني تركت صاحبي -أي: رسول الله ﷺ وأبا بكر - على جادة، ولا أريد أن أخالفهما عن تلك الجادة]]. لبست رخيص الصوف خوفاً لعله ستلبس في أخراك من سندسٍ خضر

стр. 3470

لباس عمر كان لباسه جبة صوف، بين كتفيه أربع رقاع، وأنفق في حجته التي قاد فيها المسلمين ستة عشر ديناراً فحسب، وكان يأكل خبز الشعير، ويأتدم بالزيت، وربما قدم له الملح مقشوراً، وقال: [[والله إني أعلم الناس بنسيل العسل، وبلباب البر، وبأجود اللحم، ولكن أخشى أن أجمع هذا وهذا، ثم آتي إلى الله، فيقول الله لي: ﴿أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا وَاسْتَمْتَعْتُمْ بِهَا﴾ [الاحقاف:٢٠]]]. قل للملوك تنحوا عن مناصبكم فقد أتى آخذ الدنيا ومعطيها حسبي وحسب القوافي حين أرويها أني إلى ساحة الفاروق أهديها يا رب هب لي بياناً أستعين به على قضاء حقوقٍ نام راعيها قال أنس بن مالك: [[سمعت عمر وراء الحائط وهو على الخلافة يبكي ويضرب رجله بعصا، ويقول: والله يا عمر! إن لم تتق الله ليعذبنك الله عذاباً أليماً]] ومن مآثره أنه لم يأكل اللحم والسمن عام الرمادة، وهو عام القحط، وأقسم ألَّا يأكل سميناً ولا سمناً حتى يكشف الله البلوى عن المسلمين. عليك سلام الله وقفاً فإنني رأيت الكريم الحر ليس له عمر ثوى طاهر الأردان لم تبق بقعة غداة ثوى إلا اشتهت أنها قبر ﴿وَجَزَاهُمْ بِمَا صَبَرُوا جَنَّةً وَحَرِيراً * مُتَّكِئِينَ فِيهَا عَلَى الأَرَائِكِ لا يَرَوْنَ فِيهَا شَمْساً وَلا زَمْهَرِيراً * وَدَانِيَةً عَلَيْهِمْ ظِلالُهَا وَذُلِّلَتْ قُطُوفُهَا تَذْلِيلاً﴾ [الإنسان:١٢ - ١٤].

стр. 3471

عظم المسئولية عند عمر خرج عمر من المدينة -والقصة يرويها ابن كثير - عن طلحة بن عبيد الله قال: [[خرجت وراء عمر فدخل بيتاً -وروى ابن القيم هذه القصة لـ أبي بكر، ولكن يرويها ابن كثير لـ عمر - قال: فدخل عمر على عجوزٍ عمياء حسيرة، فلما خرج دخلت أنا, فوجدت المرأة العمياء الحسيرة, فقلت: من أنتِ يا أمة الله؟ قالت: أنا امرأة عجوزٌ حسيرة عمياء في هذا البيت, قال: ومن هذا الرجل الذي يأتيكِ؟ قالت: لا أعرفه, وهو عمر، قال طلحة: وماذا يفعل إذا أتى؟ قالت: يكنس بيتي، ويحلب شاتي، ويغسل ثوبي، ويصنع الفطور لي، فبكى طلحة حتى جلس، ثم قال: أتعبت الخلفاء بعدك يا عمر]]. إنه التاريخ. أيا عمر الفاروق تدعوك لهفةٌ يباشر مكواها الفؤاد فينضج متى تستعيد الأرض ثوب جمالها فتصبح في أثوابها تتبرج وعمر قصته طويلة، وعمر درسٌ لكل مسئول يريد أن يلقى الله، وقد عدل في رعيته، وعمر شرفٌ للأمة. يقول مايكل هارف -وهو أمريكي لماحٌ ذكي- في كتابه الأوائل أو العظماء المائة: إن الواحد والخمسين هو عمر بن الخطاب، وأنا أنقل من كتابه في صفحة (١٦٤) يقول: إنما مآثر عمر مؤثرة حقاً، فقد كانت شخصية رئيسية في انتشار الإسلام بعد الرسول ﷺ ، وبدون فتوحاته السريعة من المشكوك به أن ينتشر الإسلام بهذا الشكل الذي هو عليه الآن، ثم أتى هذا الكاتب بعدائه المرير، يقول: سوف يلومني الناس، ويقصد: الأمريكان أرغم الله أنوفهم، يلومونه أنه جعله العظيم الواحد والخمسين، وهو عظيم على رغم أنوفهم جميعاً شاءوا أم أبوا؛ لأنه من مدرسة محمد ﷺ ، وسوف تبقى عظمته على رأي الموافق والمخالف. يقول ابن عوف ﵁ وأرضاه: [[قال لي عمر في ليلة من الليالي! انطلق معي يا عبد الرحمن -وهو أحد العشرة المبشرين بالجنة ﵃ قال: فانطلقت معه، فاقترب من خيمة، فسمع بكاء طفل وأمه في المخاض في الولادة، فلما وضعته بكى الطفل، فاقترب عمر، فقال: يا أمة الله! من أنتِ؟ قالت: أنا امرأة من المسلمين، الله حسيب عمر ما جعل لنا نفقة، فبكى عمر حتى جلس، ثم قال: يـ ابن عوف! إلى بيت المال، قال: فذهبت معه؛ فحمل شحماً وبراً وزبيباً على كتفه، قلت: يا أمير المؤمنين! أنا أحمل عنك، قال: لا. أنت لا تحمل عني أوزاري يوم القيامة، قال: ثم ذهب وذهبت معه، فدخل طرف الخيمة، وصنع عشاءً للمرأة ولصبيها، وأخذ يوقد النار, وكان الدخان يتخلل من بين لحيته الكثة، فقدم الطعام، فقالت المرأة: والله إنك خير من عمر بن الخطاب]] وهو عمر بشحمه ولحمه، وهو عمر بإيمانه وصموده، وهو عمر بعظمته وجلالته وقداسته في الإسلام. بكاء الطفل أسهر مقلتيكا ينادي حسرة يشكو إليكا سهرت لجوعه وبكيت خوفاً من الديان بل خوفاً عليكا يقول الشاعر: أنت تبكي خوفاً من الديان، لكنَّ بكاءك في الحقيقة خوفاً على نفسك من يومٍ يخسر فيه الظالمون، ويتردى فيه الطغاة، ويخسر ويندم فيه المستبدون ولا يبقى إلا العدول. وقال: [[أسلم مولى عمر: دعاني عمر ليلة, قال: هيا انطلق بنا يا أسلم؟ قال: فانطلقت معه إلى امرأة في خيمة -عام الرمادة- وإذا هي قد نصبت قدراً ليس فيه إلا الماء على النار تريد أن تلهي أطفالها حتى يناموا. قال عمر: يا أمة الله! ما هذا القدر؟ قالت: - وهي لا تعرف أنه عمر - ماء في القدر، قال: أما لكم طعام؟ قالت: لا. ليس لنا طعام، قال: فما هذا الماء؟ قالت: ألهي أطفالي حتى يناموا. فذرفت عينا عمر، ثم رجع إلى بيت المال؛ فأخذ شيئاً من طعام، وفرض لهم نفقة، وأعطاهم العشاء بعد أن أصلحه، ثم عاد فصلى بالناس صلاة الفجر، قال: فما سمعنا ماذا يقول من كثرة بكائه]] وهذا مصداق قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ [الحج:٤١]. الذين إن مكناهم وسلَّمناهم مقاليد الأمور عاشوا هموم وأحزان ودموع الأمة. الذين إن مكناهم في الأرض قاموا بالعدل، فرعوا الضعيف والمسكين، وأطعموا الجائع. الذين إن مكناهم في الأرض، سهروا من أجل راحة الشعوب، ومن أجل بطون الشعوب، ومن أجل دموع الشعوب، ومن أجل فلذات قلوب الشعوب، ومن أجل أكباد الشعوب. الذين إن مكناهم في الأرض، حملوا لا إله إلا الله ﴿يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ﴾ [ص:٢٦]. وهذا ميزان الله في الأرض أنزله على محمد ﵊. يقول الأستاذ الأديب علي الطنطاوي شكر الله سعيه في مقالة له مبكية بعنوان (نحن المسلمين) يقول: " اسألوا كل سماءٍ في السماء عنا, واسألوا كل أرض في الأرض عنا، من الذي نشر العدل؟ من الذي أعلن مبادئه على المنائر كل يوم خمس مرات؟ من الذي صلى على ضفاف دجلة والفرات؟ من الذي فتح السند والهند بلا إله إلا الله؟ من الذي كتب على الأرض بدمه ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة:٥]؟ سيقول المجد: نحن المسلمين، وهي مقالةٌ يجدر بكم أن تعودوا إليها، هي من مآثرنا، ولا يعرف التاريخ إلا نحن، ونحن الذين تنزلت علينا آيات الله، ونحن الذين انطلقت من بلادهم كتائب الحق. أما عملاء الوثنية، أما أعداء الله، أما شراذمة البشر فلا يجوز لهم أن يتصدروا لقيادة العالم، ولا أن يجلسوا على منبر التاريخ ". يقول أبو العلاء المعري: إذا عير الطائي بالبخل مادرٌ وعير قساً بالفهاهة باقل وقال السهى للشمس أنت كسيفة وقال الدجى للبدر وجهك حائل فيا موت زر إن الحياة ذميمة ويا نفس جدي إن دهرك هازل يقول محمد إقبال في قصيدة له: يا رب! أي أمة غير أمتي العربية -يقولها بلغته: لكن سوف تسمعون ترجمتها شعراً- يقول: يا رب! أي أمة غير أمتي العربية يوم سجدت لك على الصحراء ثم رفعت اسمك على النجوم؟! أي أمةٍ ينبغي أن تصدر وأن توقر وأن تقدس؟! كنا جبالاً في الجبال وربما سرنا على موج البحار بحارا بمعابد الإفرنج كان أذاننا قبل الكتائب يفتح الأمصارا لم تنس إفريقيا ولا صحراؤها سجداتنا والأرض تقذف نارا وكأن ظل السيف ظل حديقة خضراء تنبت حولنا الأزهارا لم نخش طاغوتاً يحاربنا ولو نصب المنايا حولنا أسوارا ندعو جهاراً لا إله سوى الذي خلق الوجود وقدَّر الأقدارا كنا نرى الأصنام من ذهبٍ فنهدمها ونهدم فوقها الكفارا لو كان غير المسلمين لحازها كنزاً وصاغ الحلي والدينارا

стр. 3472

عمر يطارد بعيراً هذا عنوان لأحد المفكرين، كان عمر ﵁ يجمع إبل الصدقة، ويأخذ القطران بيده في حرارة الشمس، ويلبس ثوباً قديماً فيطلي الإبل حتى لا تجرب، لا يوكِّل أحداً من الناس أن يطليها بالقطران، وفي أثناء ما كان يطلي الإبل ﵁ انطلق بعير ناداً خارجاً شارداً، فانطلق عمر وراءه مسرعاً، وكان الصحابة في بيوتهم في القيلولة في حرارة الشمس، يتظللون من الشمس، ولم يعلموا أن أمير المؤمنين يطلي الإبل في المدينة، فانطلق عمر وراء البعير وخرج علي من النافذة. يا الله! من الذي يطارد البعير أعمر؟! فأوقفه، وقال: [[يا أمير المؤمنين! إلى أين؟ قال: ند بعير فأنا أطلبه، قال: أنا أكفيك مؤنته وآتي به، قال: لا والله، الله يسألني عن البعير يوم القيامة ولا يسألك]]. الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر! عفاءٌ على دنيا رحلت لغيرها فليس بها للصالحين معرج كأنك لما مت ماتت قبائلٌ أأنت امرؤ أم أنت جيشٌ مدجج وعاد بالبعير وهو يلهث من الظمأ والجوع والتعب وربطه, وقال: الآن أنا أرضيت نفسي، الآن أرضى نفسه، لأن الله إذا جمع الأولين والآخرين يوم القيامة وند البعير، يقول: يا عمر! ضاع البعير من إبل صدقة المسلمين وتركته.

стр. 3473

عمر وجابر والطعام ﵄ وهذا عنوان آخر عصري، خرج جابر يشتري لحماً! ولما اشتراه شواه ووضعه في كيس، ولما أقبل عمر أخفى اللحم تحت إبطه، لأن عمر كان يحاسب الناس، وكان كثير الأسئلة، وكان يستوقف الأمة، من يشتري؟ من أين اشتريت؟ أين ذهبت؟ كالأب الحاني، فقال لـ جابر: ما هذا الذي تحت إبطك؟ قال: لحمٌ، قال: لحم؟ أتجدون ما تشترون اللحم -عام الرمادة- وهو ما أكل اللحم, قال: لحمٌ اشتهيته فاشتريته يا أمير المؤمنين! قال: أكلما اشتهيت اشتريت؟ والله إني أعلمكم بأحسن اللحم، لكن والله ما وجدت ما أشتري به اللحم، يعيش الفقر. قد كنت نجماً في ذرا العلياء يا منصف الموتى من الأحياء وبنيت صرح العدل يا علم الهدى ورفعت رأس الدين للجوزاء

стр. 3474

عمر والأعرابي على المنبر عمر يستقل المنبر يوم الجمعة ليتكلم للناس، ليخطب في الناس، وليختبر ذكاء الأمة، وحرارتها, وصراحتها فتوقف عمر وبكى، ثم مسح دموعه وقال: [[أيها الناس! ما رأيكم لو رأيتموني اعوججت عن الطريق هكذا -وأشار بيده, يقول: ما رأيكم لو رأيتموني انحرفت عن الطريق في العدالة، في تطبيق حكم الله، في تنفيذ الشريعة ماذا ترون؟ - فسكت الناس، وقام أعرابي بدوي من آخر المسجد فسل سيفه، وقال: والله -يا أمير المؤمنين- لو رأيناك اعوججت عن الطريق هكذا لقلنا بالسيوف هكذا، فدمعت عينا عمر، وقال: الحمد لله الذي جعل في رعيتي من لو اعوججت عن الطريق هكذا، قال بالسيف هكذا]]. إنه الحق وإنها إرادة الله بهذا الدين، وإنه العدل الذي أقام هذه الدولة الإسلامية، الذي كان خليفتها من بغداد هارون الرشيد يتحدى السحاب، السحابة يقول لها: أمطري فتتحداه وتخرج, قال: أمطري حيث شئت؛ فإن خراجك سوف يأتيني. ملكوا الدنيا بلا إله إلا الله، وعمروا الأرض بإياك نعبد وإياك نستعين، وفتحوا العقل بمنائر ومفاتيح التوحيد.

стр. 3475

سلمان وعمر ﵄ على المنبر يتكلم عمر للناس، ويقول: اسمعوا وعوا، قبل الجمعة يوم الخميس حين وزع عليهم ثوباً ثوباً، عندما أتته ثياب من اليمن اشتراها، فلما وصلت الثياب أعطى المسلمين, كل مسلمٍ ثوباً، وأخذ هو ثوباً واحداً، لكن عمر كان طويلاً, عملاقاً، كبير البنية، ما كفاه ثوبٌ واحد! فقال لابنه عبد الله: أعطني ثوبك مع ثوبي؛ لأني رجل طويل، ثوبك الذي هو حصتك مع المسلمين ألبسني إياه. فقال عبد الله: خذ ثوبي, فلبس ثوبين -تغير الشكل، كيف يلبس ثوبين والمسلمون لبسوا من ثوب واحد- فبدأ الخطبة، وقال: أيها الناس! اسمعوا وعوا، فقام سلمان من وسط المسجد، وقال: والله لا نسمع ولا نطيع، فتوقف واضطرب المسجد، وقال: ما لك يا سلمان؟ قال: تلبس ثوبين وتلبسنا ثوباً ثوباً ونسمع ونطيع. قال عمر: يا عبد الله! قم أجب سلمان، فقام عبد الله يبرر لـ سلمان، وقال: هذا ثوبي الذي هو قسمي مع المسلمين أعطيته أبي، فبكى سلمان، وقال: الآن قل نسمع, وأمر نطع، فاندفع عمر يتكلم. إن هؤلاء الأقزام الذين يدعون الديمقراطية في بلادهم شرقاً وغرباً كذبوا، لم يأخذوا إلا جزئية من المائة من الديمقراطية، بل من شورى الإسلام، رعاية الفرد، رعاية أموال الشعوب، الكفالة الاجتماعية، العدالة، رفع الظلم عن الناس.

стр. 3476

عمر ومحمد بن عمرو بن العاص كان عمرو بن العاص أميراً على مصر , الداهية الدهياء، تولى إمارة مصر لـ عمر، وابنه محمد كان يسابق مع المصريين في الخيل، فتسابق هو ومصري من القبط، فسبقه القبطي بفرسه، فنزل الأمير محمد بعصاه، فضرب ابن القبطي، وقال: خذها وأنا ابن الأكرمين!! كيف فرسك يسبق فرسي وفرسي فرس أمير، وفرسك فرس فقير؟ ينبغي أن يتخلف فرسك. فرفع القبطي عريضة إلى عمر بن الخطاب إلى القيادة العليا، وذهبت الرسالة, وأتى القبطي بلحمه وشحمه إلى المدينة , وبكى أمام عمر، قال: ضربني ابن أميرك في مصر، قال: عليَّ به وعليَّ بأبيه، ودخلوا عليه والصحابة مجتمعون, وقام عمر بالدرة، وقال: [[والله لا يحول بيني وبين هذا الأمير وبين ابنه أحد]] ثم أخذ محمداً فطرحه أرضاً، ثم أتى بـ عمرو فطرحه على ابنه فضربهم بالدرة ظهراً لبطن، وهو يقول: [[متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحراراً؟!]] من أين لكم هذه التعاليم؟ من كسرى وقيصر؟ من فرعون؟ من النمرود بن كنعان؟ أليس للإنسان كرامة؟! أليس له صوت؟! أليس له حرية؟! (متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحراراً؟!) أخذوها درساً أمام الناس، وعاد وقال للمصري: أرضيت أم لا؟ قال: رضيت يا أمير المؤمنين! فأرضاه بمال، وذهب المصري يتبسم فرحاً بهذا الإمام العظيم.

стр. 3477

عمر والهرمزان ناطح عمر دولة فارس الكافرة، يريد إسقاطها وأسقطها الله، وقد أسقطها الله بيد عمر. رمى بك الله جنبيها فحطمها ولو رمى بك غير الله لم يصب أرسل جيشاً عرمرماً هناك، وحاصرها من كل جهة، يريد إسقاطها، وبعد أن أسقطت أرسل أهل فارس مفوضاً ومندوباً اسمه الهرمزان يتكلم مع عمر في الأسارى وفي شئون المفقودين واللاجئين والفقراء، وهذا الهرمزان كان من أعيانهم، كان من وزرائهم كان ذكياً، وأصابه الله بالرعب؛ لأنه يريد أن يتكلم مع عمر، وهو يسمع صيت عمر يدكدك الدنيا ويهز المعمورة، فكان يتساءل الهرمزان!! كيف يقابل عمر؟ بأي لسان يقابله؟ وكيف يجلس معه؟ وصل إلى المدينة، وكان مع الهرمزان حاشية, وقال أهل العلم: كان يلبس حريراً وعليه تاج وكان مرصعاً بالديباج في يده، كان كافراً لا يعترف بأحكام الإسلام، فقال للناس وللمسلمين: أين قصر الخليفة؟ قالوا: لا قصر له، قال: دلوني على بيته، قالوا: تعال، فأتوا إلى بيته؛ فإذا هو مبنيٌ من طين في طرف المدينة، قال: هذا بيته؟! قالوا: نعم هذا بيته، فطرق الباب فخرج ابن عمر، قال: أين أبوك؟ قال: خرج وأظنه نائماً في المسجد، التمسه في المسجد، قال: أليس له حرس؟ قال: لا حرس له، فذهب إلى المسجد والناس حوله ينظرون إلى الديباج والحرير الذي يلمع مع الشمس، لأن المسلمين ما رأوا تلك الحضارة البراقة، حضارة المادة، حضارة البطون، عرفوا حضارة القلوب، وحضارة الأرواح، ولكن هذا الديباج، وهذا الذهب والحرير ما رأوه. فذهبوا إلى المسجد فما وجدوه، فخرجوا معه فوجدوه تحت شجرة قد نام، وعصاه الدرة عند رأسه، وقد توسد ذراعه، فقال الهرمزان: أهذا عمر؟ قالوا: هذا عمر. قال: أهذا الخليفة؟ أهذا الذي أسقط دولة فارس؟ قالوا: هذا الذي أسقط دولة فارس، فقال وهو ينتفض: "حكمت فعدلت فأمنت فنمت". قال حافظ إبراهيم لله دره، شاعر مصر: وراع صاحب كسرى أن رأى عمراً بين الرعية عطلاً وهو راعيها فوق الثرى تحت ظل الدوح مشتملاً ببردةٍ كاد طول العهد يبليها فقال قولة حقٍ أصبحت مثلاً وأصبح الجيل بعد الجيل يرويها أمنت لما أقمت العدل بينهمُ فنمت نومَ قريرِ العين هانيها من لجسم شفه طول النوى ولعينٍ شفها طول السهر جسدٌ لفف في أكفانه رحمة الله على ذاك الجسد

стр. 3478

عمر يفتح بيت المقدس بيت المقدس الذي يشكو إلى الله ماذا فعل به المسلمون؟! بيت المقدس الذي ما وجد من ينقذه كـ عمر أو كـ المعتصم، أو صلاح الدين؟! يقول أبو ريشة: رب وامعتصماه انطلقت ملء أفواه الصبايا اليتم لامست أسماعهم لكنها لم تلامس نخوة المعتصم يجيش عمر جيوشه وتحاصر فلسطين، أربعة جيوش وأربعة أمراء، يقودهم أبو عبيدة، يسمى: أمير الأمراء، وكان مركزهم في الشام.

стр. 3479

طلب النصارى أن يفتح عمر بيت المقدس ولما رأى النصارى -أهل الصليب- ألَّا حيلة لهم ولا قوة بقتال المسلمين، كتبوا رسالة إلى عمر وقالوا: نريد أن تفتح أنت بيت المقدس، أن تأتي أنت لاستلام المفاتيح، ووافق عمر، وانطلق عمر من المدينة فشاوره علي، قال: نرى أن يصحبك منا وفد -أي: حرس موكب- قال: لا. من لم يصحبه الله فلا يصحبه أحد! يقول: الله رفيقي ﴿لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾ [التوبة:٤٠]. قالوا: يا أمير المؤمنين! إنك تفد على قومٍ كثر من الصليبين، ونريد أن تكون لك شارة، قال: لا شارة لمن لا تقوى له، ثم قال قولته المشهورة: [[نحن قومٌ أعزنا الله بالإسلام, ومهما ابتغينا العزة بغيره أذلنا الله]] وأتى بمولاه، وقال: تذهب معي؟ قال: معك يا أمير المؤمنين! فأخذ عمر الجمل، وقال لمولاه: تركب أنت عقبة وأنا أركب عقبة، أنت وقتاً وأنا وقتاً. قال: يا أمير المؤمنين! لا يصلح هذا، أنت أمير المؤمنين، قال: أما تتعب أنت كالناس؟ أي: أنت ألست كالبشر؟ قال بلى، قال: والله لتركبن عقبة، وأنا أركب عقبة فركب المولى وقاد عمر، فإذا انتهى ركب عمر، وقاد المولى الجمل، واقتربوا من مشارف بيت المقدس، وخرج الأمراء يستقبلون عمر: عمرو بن العاص، وشرحبيل بن حسنة وأبو عبيدة ويزيد بن أبي سفيان، والسادة والجحافل، وطوابير الجيوش تصطف كأنها الجبال، هذا جيش عمر، فأتى عمرو بن العاص قال: يا أمير المؤمنين! خيبتنا أتيت بهذا الزي، قال: [[اسكت نحن قوم أعزنا الله بالإسلام ومهما ابتغينا العزة بغيره أذلنا الله]]. قال: يا أمير المؤمنين! ألا نهيئ لك من يحرسك؟ قال: لا. فشق الصفوف، وسلم على أبي عبيدة، وقال لـ أبي عبيدة: تعال يا أبا عبيدة أبكي أنا وإياك على عهودنا التي خلفناها, أو التي خلفنا عليها رسول الله ﷺ . -أي: تعال أبكي أنا وأنت التقصير، تعال أنا وأنت نتذكر الأيام التي عشناها مع الرسول ﷺ فلما انتهى استمر في الطريق، وخرج النصارى عن بكرة أبيهم في بيت المقدس، على شرفات المنازل، خرج الأطفال، خرجت النساء والرجال، خرجت الدنيا لترى من هو هذا الإنسان، هل هو بشر يمشي على الأرض؟ من هو صاحب هذا الصيت الذي دوخ الدنيا؟ من هو هذا الذي يفتح الدنيا وهو في المدينة؟ من هو هذا الرجل الذي أدخل الله رعبه في قلوب الملوك؟

стр. 3480

عمر يستلم مفاتيح بيت المقدس وقليلاً قليلاً وإذا بالجمل يقدم، وعليه عمر، ولما اقتربوا من بيت المقدس قال عمر: انتهت عقبتي أنزل واركب أنت، قال: يا أمير المؤمنين! وصلنا، قال: والله لتركبن، قال: يا أمير المؤمنين! الناس ينظرون، يظنون أني أنا الخليفة، قال: ولو ظنوا ذلك، فنزل ﵁ وركب الخادم، وأتى عمر ولما اقترب من المدينة -وعودوا إلى ابن كثير وابن جرير واسمعوا ماذا قالوا- فأخذ عمر يرفع ثيابه من الطين خوف أن تتبلل ثيابه وهو يقود الجمل، فقال النصارى: من هذا؟ أمبشرٌ بقدوم الخليفة؟ -يعني: هذا الجمل وصاحبه أتى يبشر اقتراب الخليفة؟ - قالوا: هذا هو الخليفة. قالوا: هل هو الذي على الجمل؟ قالوا: كلا. هو الذي يمشي على الأرض ويقود الجمل، فضج الناس بالبكاء، وفتح بيت المقدس، والتقى بالصحابة هناك، وقال لـ بلال: أذن؟ قال: يا أمير المؤمنين! ما أذنت لأحد بعد رسول الله ﷺ . قال: عزمت عليك أن تؤذن هذا اليوم، فرفع نداء الحق، ورفع صوته الخالد يؤذن، فبكى عمر وبكى الناس. تلك المكارم لاقعبان من لبن وهكذا السيف لا سيف ابن ذي يزن وهكذا يفعل الأبطال إن غضبوا وهكذا يعصف التوحيد بالوثن

стр. 3481

حال القدس بعد عمر ماذا فعلنا بعد عمر؟ ماذا فعلنا مع فلسطين وبيت المقدس؟ ماذا فعلنا بقداسة الإسلام، وبلاد الإسلام؟ ماذا فعلنا مع الأندلس (الفردوس المفقود)؟ ماذا فعلنا برسالتنا التي ائتمننا الله عليها لننشرها في الأرض؟ ماذا فعلنا؟! ماذا فعلنا شجبنا بالكلام ولم نحمل سلاحاً ولم نركب على سفن نشكو على مجلس الأمن الدعي وهل أشقى العروبة إلا مجلس المحن من أشقى الناس إلا مجلس الأمن؟! ومن الذي سلب إرادة المسلمين إلا مجلس الأمن؟! ويقول شاعرٌ من الشعراء العرب، أتى يزور دمشق ويزور قبر صلاح الدين، ثم ذهب إلى حمص ليزور قبر خالد بن الوليد: دمشق يا كنز أحلامي ومروحتي أشكو العروبة أم أشكو لكِ العربا أدمت سياط حزيران ظهورهم فقبَّلوها وباسوا كف من ضربا وطالعوا كتب التاريخ واقتنعوا متى البنادق كانت تسكن الكتبا متى كان لإسرائيل أن تسكن في العالم الإسلامي وتبقى فيه؟ هل إذا كان عمر أو صلاح الدين أو طارق أو الأفذاذ أو خالد أو سعد أتبقى إسرائيل؟ ألإسرائيل تعلو راية في حمى المهد وظل الحرم أو ما كنت إذا البغي اعتدى موجة من لهبٍ أو من دم أمتي هل لك بين الأمم منبرٌ للسيف أو للقلم لا. لو وجد مثل عمر ما بقيت إسرائيل على وجه الأرض. رفيق صلاح هل لك عودةٌ فإن جيوش الروم تنهى وتأمر رفاقك في الأغوار شدوا سروجهم وجيشك في حطين صلوا وكبروا تغني بك الدنيا كأنك طارق على بركات الله يرسو ويُبْحِرُ نساء فلسطين تكحلن بالأسى وفي بيت لحم قاصرات وقصر وليمون يافا يابس في حقوله وهل شجر في قبضة الظلم يثمر إنه تاريخنا وأنا لم آتِ بشيءٍ من عندي هذه الليلة، أنا أتيت لأقرأ التاريخ، وأعيد فقط كلام أهل العلم، وأتشرف بأن أذكر عمر على منبر محمد ﷺ ، ونواصل مع عمر، والحديث مع عمر لا ينقطع أبداً.

стр. 3482

من حِكَم عمر كان ﵁ وأرضاه حكيماً، كان يتكلم بالكلمة فتقع كفلق الصبح. فمن حكمه يقول: [[لست بالخب ولا الخب يخدعني]]. يقول: أنا لست مكاراً خداعاً ولكن لا يخدعني أحد، أنا لا ألعب على الناس، ولكن لا يلعب الناس عليَّ. قال عمر ﵁ وأرضاه: [[إنما تنقض عرى الإسلام عروة عروة من قومٍ نشئوا في الإسلام لا يعرفون الجاهلية]] معنى ذلك: أن تتعلم الجاهلية، أن تعرف واقعك، أن تقرأ المذاهب الهدامة الكفرية، قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآياتِ وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ﴾ [الأنعام:٥٥]. وكان يقول الكلمة فتنطق السكينة, حتى يقول ابن عمر: [[كنا نتحدث أن السكينة تنطق على لسان عمر]].

стр. 3483

عمر والعباس والميزاب وهذه قصة يذكرها الذهبي وغيره، خرج يصلي الجمعة ﵁ وأرضاه، ولبس ثوبه المعهود الذي يغسله يوم الجمعة, ثوبه الوحيد، كان ينام في الفراش حتى يجف ثوبه مع حرارة الشمس، ثم يغتسل ويلبس الثوب، فخرج بالثوب يخطب الناس على المنبر، وفي أثناء الطريق مر من تحت ميزاب العباس بن عبد المطلب عم الرسول ﷺ , فسال عليه دم من دم دجاج، فوقع على ثوب عمر، فغضب عمر ومد يده وكان عملاقاً رهيباً قوياً فاقتلع الميزاب حتى أوقعه في الأرض، وعاد فغسل ثيابه، ثم أتى فصلى بالناس، وقال للعباس: [[أتؤذي الناس بهذا الميزاب، ما هذا الدم؟ قال: دم دجاجة ذبحتها قبل الصلاة -يا أمير المؤمنين- فسال، قال: قد قلعت ميزابك في الأرض، قال: يا أمير المؤمنين! والله ما وضع ذاك الميزاب إلا الرسول ﷺ بيده، قال: أسألك بالله أهو الرسول ﷺ الذي وضعه؟ قال: إي والذي نفسي بيده! فذرفت عيناه دمعاً، وقال: والذي نفسي بيده! لأبركن لك أمام الناس في الأرض وتصعد أنت على ظهري، وتأخذ الميزاب وترده مكانه كرامة للرسول ﷺ ]]. سقى الله ذاك اللحد دمع غمامة إذا راعها برق الشمال استهلت على خير مدفونٍ وشهم ممزقٍ سعادتنا من بعده قد تولت

стр. 3484

عمر وآية: (وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْؤُولُونَ) صلى بالناس، وقرأ سورة الصافات، واستمر يقرأ حتى وصل قوله : ﴿وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْؤُولُونَ﴾ [الصافات:٢٤] فانقطعت قراءته باكياً، قال ابن كثير: كان يعاد شهراً كاملاً إذا سمع الآية من القرآن، إذا تأثر بالآية مرض في البيت شهراً وعاده الناس. إنه يفهم معنى القرآن، إنه أمة تعيش القرآن، كان قرآناً يمشي على الأرض. أمة بعثها الله من الصحراء, كانت قبل الإسلام لا تعرف إلا البقر والإبل والغنم، كانت تعبد الوثن والصنم، فلما رزقها الله هذا الدين خرجت للعالم بل لكل العالم. صلت في قرطبة، وبنت الحمراء، وخطبت في الفسطاط، وبنت المسجد الأموي، وانتشرت في بقاع الأرض تعلن العدل والحب والسلام، أمة لم يكن لها تاريخ قبل الإسلام. يقول أحد الشعراء وأنتم تعرفونه عبد الهادي حرب وهو سوري مسلم يقول: إن البرية يوم مبعث أحمد نظر الإله لها فبدل حالها بل كرم الإنسان حين اختار من خير البرية نجمها وهلالها لبس المرقع وهو قائد أمة جبت الكنوز وكسرت أغلالها لما رآها الله تمشي نحوه لا تبتغي إلا رضاه سعى لها أي: لما رأى الله الأمة العربية المسلمة، كانت أمة لا تسجد إلا لله. كانت أمة تتمرد على الدهر. كانت أمة أقوى من الزمن. كانت أمة أفصح من الفجر. يدخل ربعي بن عامر وهو يحمل: لا إله إلا الله على رستم قائد فارس في البلاط الملكي الفارسي المجرم الكافر، فيقول رستم لـ ربعي: من أنت؟ قال: أنا مسلم. قال: ماذا جاء بكم؟ قال: جئنا نفتح الدين بلا إله إلا الله. قال: جئتني على فرس معقور وثياب ممزقة، ورمح مثلم تفتح لي الدنيا؟!! قال: نعم. [[إن الله ابتعثنا لنخرج العباد من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد، ومن ضيق الدنيا إلى سعة الآخرة، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام]] وبدأت المعركة، وانتصر الإسلام، واكتسح ثلاثة أرباع المعمورة، ودخل كل بيت، وأذنت المآذن، وأصبح العالم الإسلامي مليار، لكن المليار ينقصهم ذرات من إيمان عمر!! لكن المليار يحتاجون إلى حقن من حقن عمر. لكن المليار يحتاجون إلى دم من دم عمر يجري في شرايينهم. عدد الحصى والرمل في تعدادهم فإذا حسبت وجدتهم أصفارا من كل مفتونٍ على قيثارة كلٌ رأيت بفنه بيطارا أو كاذب خدع الشعوب بدجله عاش الزمان بعمره ثرثارا أو عالمٍ لو مالقوه بدرهم رد النصوص وكذب الأخبارا نحن نحتاج إلى جرعة، وإلى حقنة، وإلى بلسم من بلاسم عمر.

стр. 3485

عمر وخولة بنت ثعلبة هذه خولة التي أنزل الله فيها قرآناً، امرأة مسلمة، لكن كما يقول أحد المفكرين: نحن الأمة التي لما توضأت أنزل الله فيها قرآناً يتكلم في شئونها، دستور من السماء ﴿وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى * مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى * وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى﴾ [النجم:١ - ٣]. أتت تشكو إلى الرسول ﷺ زوجها في طرف البيت وعائشة في طرف البيت الآخر. زوجة الرسول ﷺ في الطرف، وخولة مع الرسول ﷺ في طرف، والبيت لا يتجاوز مسافته ثلاثة أمتار، قالت عائشة: [[والله ما سمعت ماذا قالت للرسول ﷺ ؟ ووالله ما سمعت ماذا قال لها الرسول ﷺ ، ولكن الله سمع من فوق سبع سموات]] وانتهى المجلس بين الرسول ﷺ وبين هذه المرأة المؤمنة ونزل القرآن ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا﴾ [المجادلة:١] سمع الله ماذا دار في الحوار، وماذا قلت لها وقالت لك. أرسلت خولة إلى عمر تقول: أريدك، وكانت عجوزاً في عهد عمر، تقول: أريد أن أتكلم مع عمر، فشغل عمر وما أتى إليها، والواجب أن تأتي هي إلى عمر ﵁، لأن عمر يتكلم للدنيا، عمر مشغول بالمعمورة، عمر يسوس دولة، فتأخر عنها، فغضبت وخرج عمر ﵁ للصلاة، قالت: يا عمر! قف ووقف في الشمس، قالت: كنا نسميك في الجاهلية عميراً - تتكلم من غضب- قال: نعم. قالت: فلما أسلمت سميناك عمر، قال: نعم، قالت: ثم سميناك أمير المؤمنين، قال: نعم. فماذا تريدين يا خالة! فتكلمت معه واقترب منها حتى قضى حاجتها. قال أحد الصحابة: تتكلم عليك هذا الكلام وتوقفك هذا الموقف وتقف لها؟ قال: [[كيف لا أسمع كلامها وقد سمع الله كلامها من فوق سبع سماوات]]. يا إماماً صدق الله فما زاده إلا سناءً وعُلا كل قلبٍ يا أبا حفص غدا يتراءى فيك مجداً أجملا

стр. 3486

فاروق الإسلام وفاروق مصر وتستمر أعطيات هذا الإمام، ويكتب محمد إقبال قصيدة لـ فاروق مصر , كان في مصر رجلٌ اسمه فاروق لكنه نكرة محذوف منه (ال) وعمر معرفة دخلت عليه (ال) فزادته تعريفاً. فاروق مصر كان عنده ناي وطبل، وفاروق الإسلام عمر كان عنده قرآن وذكر. فاروق مصر كان عميلاً مرتزقاً، وفاروق الإسلام كان متحرراً زعيماً فاتحاً. فاروق مصر كان يجيد اللعب مع الحمام والبلوت والكيرم، وفاروق الإسلام كان يجيد ضرب رءوس أعداء الله وفتح المدن والقلاع بلا إله إلا الله. فاروق مصر كان يجبي الجبايات, ويأخذ الرشا, ويسحب الأموال، وفاورق الإسلام كان يدفع من دموعه، ويجوع قبل أن يجوع الناس، ويظمأ قبل أن يظمأ الناس. فمر محمد إقبال بـ قناة السويس وتوقف هناك، يريد أوروبا كان يدرس الفلسفة في بون في ألمانيا، ودرَّس الفلسفة هناك، وله قصيدة اسمها (بحثت عنك يا رسول الله في ألمانيا) يقول: أين أنت يا رسول الله؟ أنت سكنت بون، وهو ﷺ لم يسكن هناك، ويدري إقبال، لكن يقول: وجدت في ألمانيا الطائرات، والشاحنات، والقاطرات، والسيارات ولكني ما وجدت من أنزلت عليه الآيات البينات محمد ﷺ . فمر وتوقف في قناة السويس، وأرسل رسالة إلى فاروق مصر يقول: إنك لن تكون كـ الفاروق عمر حتى تحمل درة كدرة عمر. يقول: لا تظن أن الأسماء تخدعنا، لا تضحك على عقولنا، سميت نفسك فاروقاً لتتسمى بـ عمر , إن كنت صادقاً فخذ درة واحكم بالعدل واحكم بالشريعة، وانزل إلى الميدان وانظر إلى الأمة، أما أن تلعب على الأجيال وتضحك علينا بالتسمية، فهذه لعبة قد ذقناها وجربناها. ووصلت الرسالة إلى هناك، وبعدها كتب محمد إقبال فيها قصيدة.

стр. 3487

رؤية النبي ﷺ لعمر في المنام يقول ﵊ في الصحيح: ﴿عرض عليَّ الناس البارحة - أي: رآهم ﵊ في المنام- وعليهم قمص -أي: ثياب- منها ما يبلغ الثدي، ومنها ما دون ذلك، وعرض عليَّ عمر بن الخطاب عليه قميص يجره، قالوا: ما أولت ذلك يا رسول الله؟ قال: الدين﴾. دينه أسبغ عليه، دينه غطاه، دينه من أعمق الأديان وأصدقها ومن أرجحها عند الله. يقول ﷺ في الصحيح أيضاً: ﴿رأيت البارحة في المنام كأني أشرب لبناً في كأس، فبقي فيه فضلة، فدفعته إلى عمر بن الخطاب﴾ وفي الرواية الأخرى يقول: ﴿رأيت كأني أشرب لبناً فشربت حتى رأيت الري في أظفاري -أي: أن بقية اللبن يدخل في الأظفار من كثرة ما شرب ﷺ ثم دفعت فضله إلى عمر بن الخطاب. قالوا: ما أولت ذلك يا رسول الله؟ قال: العلم﴾ فهو من أعلم الناس وكان يتفجر علماً، والله أعطاه من لدنه علماً وفتح عليه فتوحاً لأنه صدق مع الله. أتى ﷺ -وكان سهلاً قريباً من الناس، قريباً إلى القلوب- فجلس مع نساء المدينة وهو معصوم, يتكلم معهن، وكن يتمازحن في مجلسه، وإذا بـ عمر قد أقبل من ورائه بمسافة، فسمعت النساء صوت عمر أقبل، فهربن واختفين وراء الأستار ووراء الحجر، فدخل عمر وقال: يا عدوات أنفسكن! الرسول ﷺ أولى أن توقرنه، وخفتن مني، أو كما قال. قالت امرأة: أنت فظ غليظ والرسول ﷺ سهل رحيم، فقال ﷺ وهو يتبسم من الحوار: ﴿هيه يا ابن الخطاب والله ما سلكت فجاً إلا سلك الشيطان فجاً غير فجك﴾. قد كنت أعدا أعاديها فصرت لها بفضل ربك حصناً من أعاديها نعم، كان عدواً للإسلام، لكن لما أسلم؛ اجتاح كل عدو للإسلام، كان قبل الإسلام في كفة الكفر، فلما أسلم؛ انتصر بإذن الله الإسلام انتصاراً خالداً ليس بعده انتصار. لما أسلم جرد السيف ونزل في بطحاء مكة -كان المهاجر إذا هاجر المدينة اختفى، وخرج خلسة- أما هو فقد قال: [[يا معشر قريش! إني مهاجر الآن إلى المدينة، فمن أراد أن تثكله أمه فليلقني في بطن الوادي]] فما لقيه أحد. حتى وضعت يميني لا أنازعها في كف ذي نقماتٍ قوله القيل ويستمر عمر ﵁ وأرضاه، وأكثر ما يميز عمر الزهد في الدنيا، والانقطاع عنها إلى الله.

стр. 3488

اغتيال رهيب وشهادة عظمى هذا آخر المطاف مع أبي حفص!! يحج آخر حجة، ويأتي يرمي الجمار، وكان من أطول الناس، يقول بعض المؤرخين: كان أطول الحجاج على الإطلاق. يقولون عنه: إذا مشى كأنه يمشى على فرسه، وكان إذا ركب الفرس تخط قدماه في الأرض، وسمعت أحد المتحدثين بالنكت والطرائف، يقول: أتى حلاق يحلق رأس عمر عند الجمرات، فعطس عمر فأغمي على الحلاق ورش بالماء. وسمعت أنا خطيباً آخر يقول: لما دفن عمر أتاه الملكان في القبر يحاسبانه، قال: فخرج عليهم عمر فجلس، وقال: من ربكما؟ ومن نبيكما؟ وما دينكما؟ قبل أن يتكلم، وهذا يحتاج إلى نقل وسمع؛ لأنه من علم الغيب. عمر ﵁ وأرضاه لم يكن يتبسم، كان صارماً قوياً في ذات الله . كان إذا جاءه الرجل ينتفض أمامه، ملوك العرب يتكلمون معه وهم ينتفضون خوفاً، مؤيد بروحٍ من الله. أتى يحج ولما آتى يرمي الجمار كان أصلع، قليل الشعر في الرأس، فأتى رجل من أهل اليمن بنبلة وهي من الخذف الذي يرمى به الجمار، فنبل أمير المؤمنين في رأسه فسال الدم، قال عمر: [[هذه شهادتي، هذا قتلي]] معنى ذلك: أني سوف أقتل، فلما انتهى من الجمرات التفت إلى القبلة وقال: [[اللهم إنها ضاعت رعيتي، ورق عظمي، ودنا أجلي، اللهم فاقبضني إليك غير مفرطٍ ولا مفتون، اللهم إني أسألك شهادة في سبيلك، وموتةً في بلد رسولك]].

стр. 3489

وصول عمر إلى المدينة بعد أن قضى مناسك الحج وارتحل إلى المدينة ونام قبل أن يقتل بليلة، فرأى في المنام أن ديكاً ينقره ثلاث نقرات، فسأل أسماء بنت عميس الخثعمية -إحدى الصحابيات المؤمنات تفسر الرؤيا- قال: ما تفسير هذه الرؤيا؟ قالت: يقتلك رجلٌ من العجم بثلاث طعنات وتموت، فخرج على الناس يوم الجمعة, وهذا هو اللقاء الأخير في البرلمان مع المسلمين, هذا الوداع، كان الخطاب كما يقول بعض المؤرخين المتأخرين، يقول: خطاباً مكشوفاً صريحاً، فتكلم للناس، وكان يبكي من أول الخطبة، ويقول: [[ألا من مظلمة؟ ألا من مظلوم؟ إن ظلمت أحداً في عرضه فليقتص من عرضي، وإن أخذت من مال أحد فليأخذ من مالي، وإن ضربت أحدكم فليضرب جسمي، هذا عرضي، وهذا جسمي، وهذا مالي]]. ماذا رد عليه الناس؟! تلعثم المسجد بالبكاء، وقال: [[إني سألت أسماء بنت عميس عن رؤيا رأيتها فأخبرتني أني سوف أقتل فوليي عليكم الله، فأستودعكم الله الذي لا تضيع ودائعه]] ثم نزل، وصلى الفجر يوم السبت صباحاً، وأتاه أبو لؤلؤة المجوسي. مولى المغيرة لا غادتك غادية من رحمة الله ما سالت غواديها مزقت في حومة الإسلام ذا مثل راعي الرعية قاصيها ودانيها

стр. 3490

أبو لؤلؤة المجوسي يغتال أمير المؤمنين وأتى يصلي فلما قرأ سورة يوسف وقبل أن يركع قال: ﴿وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ﴾ [يوسف:٨٤] وبكى وبكى الناس, ثم ركع وتقدم المجرم عليه غضب الله، وكان يحمل خنجراً ذا حدين مسمومين، فطعن عمر ثلاث طعنات, ست ضربات، فهوى على الأرض وهو يقول: [[حسبي الله لا إله إلا الله, عليه توكلت وهو رب العرش العظيم]] ولما سمع ورأى ابن عوف هذا تقدم فأكمل الصلاة، وانكشف وجه عمر للناس، وهو يقول: [[الله المستعان! إنا لله وإنا إليه راجعون]] ﴿الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ * أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ﴾ [البقرة:١٥٦ - ١٥٧] ثم قال: من قتلني؟ يسأل وهو في الرمق الأخير، قالوا: قتلك أبو لؤلؤة المجوسي، قال: [[الحمد لله الذي جعل قتلي على يد رجلٍ ما سجد لله سجدة]] ثم حملوه وكانت دماؤه تثعب على أكتاف الرجال، يقول أنس: [[والله إنا ظننا أن القيامة قامت يوم مات عمر]] وخرجوا وقد اغبرت الدنيا وتغير وجهها, وتغير كيان العدالة، وضربت الأمة في أعز ما تملك، في رَجُلِها وزعيمها وأستاذها، في شيخها ومعلمها، ذهبوا به والبكاء يملأ شوارع المدينة، اختلط بكاء الرجال والنساء والأطفال، وشيعوه إلى بيته وهو لا يزال حياً، وقد صلى ركعةً واحدة من الفجر وبقيت الركعة الثانية، ودخلوا به في البيت، وقدم ابنه عبد الله المخدة لرأس عمر، فوضع رأسه على المخدة, قال: يا عبد الله! انزع المخدة من تحت رأسي، ضع رأسي على التراب لعل الله يرحمني، فوضع رأسه على التراب مباشرة، قال: أدخلوا علي أطفال المدينة، فأدخلوا عليه الأطفال؛ فكان يقبلهم ويمسح رءوسهم ويودعهم الوداع الأخير. بنتم وبنا فما ابتلت جوانحنا شوقاً إليكم ولا جفت مآقينا نكاد حين تناديكم ضمائرنا يقضي علينا الأسى لولا تأسينا إن كان قد عز في الدنيا اللقاء ففي مواقف الحشر نلقاكم ويكفينا

стр. 3491

عمر يودع الوفود الداخلة عليه في مرضه الأخير ثم قال: أدخلوا عليَّ الشباب، فأدخلوا عليه الشباب فسلم عليهم ودعا لهم، ولما انتهى الشباب خرج شابٌ, كان مطيلاً لإزاره. يقول أهل العلم: أمير المؤمنين يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر في سكرات الموت، قال: عليَّ بالشاب -فأتى- قال: [[يا ابن أخي! ارفع إزارك, فإنه أتقى لربك, وأنقى لثوبك -فقال الشاب: جزاك الله عن الإسلام خيراً، قال: بل جزى الإسلام عني خيراً]] ثم قال: عليَّ بعلماء الصحابة، فلما دخل ابن عباس وضع يده على كتف عمر، وكان دم عمر يثعب في الأرض، فبكى ابن عباس طويلاً، ثم قال: [[يا أمير المؤمنين! أسلمت فكان إسلامك نصراً، وهاجرت فكانت هجرتك فتحاً، وتوليت فكانت ولايتك رحمة، فأسأل الله أن يحشرك مع صاحبيك]] فبكى عمر، وقال: [[يـ ابن عباس! ليتني نجوت كفافاً لا لي ولا عليَّ]]. ثم دخل علي بن أبي طالب وكان أفصح الناس، فسلم وقبّل جبين عمر فكانت دموع عمر تهل كالمطر من خوف لقاء الله، وقال: ماذا أقول لله غداً؟ وكان يقول: [[يا ليتني شجرةً تعضد]] يا ليتني ما عرفت الحياة، فدخل علي وقال: [[ما عليك يا أمير المؤمنين، والله لطالما سمعت الرسول ﷺ يقول: جئت أنا وأبو بكر وعمر، ودخلت أنا وأبو بكر وعمر، وخرجت أنا وأبو بكر وعمر، فأسأل الله أن يحشرك مع صاحبيك]] ثم قال عمر: هل صليتُ الفجر؟ قالوا: لا. بقيت عليك ركعة، قال: الله المستعان، فقام فأكمل الركعة، ثم قال: اسقوني لبناً، فسقوه اللبن فخرج اللبن من بين أمعائه مع الكبد، فقال: لا قرار لي، وأوصى بالخلافة ثم ودع الناس، ولما قرب الغروب قبضت روحه. ﴿يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ * ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً * فَادْخُلِي فِي عِبَادِي * وَادْخُلِي جَنَّتِي﴾ [الفجر:٢٧ - ٣٠]. كذا فليجل الخطب وليفدح الأمر فليس لعينٍ لم يفض ماؤها عذر توفيت الآمال بعد محمدٍ وأصبح في شغلٍ عن السفر السفر عليك سلام الله وقفاً فإنني رأيت الكريم الحر ليس له عمر إذا ورقات العز جذت غصونها ففي أي غصن يوجد الورق النضر ذهب إلى الله، ولكن بقي عدله، وبقيت سيرته، وبقي حبه في القلوب. ذهب إلى الله وبقيت رسالته، وهي رسالة محمد ﷺ . بقي عمر في عيوننا وفي تاريخنا، بقي عمر في ضمائرنا وفي مجدنا، وعلى منابرنا. بقي عمر في أكبادنا، وفي شعوبنا، وعلى أعلامنا. بقي عمر تاريخاً وشرفاً لنا حتى نلقى الله. نسأل الله أن يجمعنا بـ عمر. نسأل الله أن يرفع منزلته، وأن يرينا وجهه، وأن يعظم أجره جزاء ما قدم للإسلام. أشجاك آي الهدى والذكر أبكاكا وجنة الخلد والفردوس مأواكا

стр. 3492

دروس من سيرة الفاروق هذا هو عمر بن الخطاب، وفي سيرته دروس: أولاً: أن العظيم من عظم الله. ثانياً: العدل محكمة يحتكم إليها من يريد الله والدار الآخرة ويسوسها كتاب الله والسنة. ثالثاً: من زهد في الدنيا أعطاه الله ما تمنى. رابعاً: يبقي الله أثر الصالحين، ويجعلهم أئمة ﴿يَوْمَ نَدْعُو كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ﴾ [الإسراء:٧١] ﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآياتِنَا يُوقِنُونَ﴾ [السجدة:٢٤]. خامساً: نحن الذين علم الناس العدل، ونحن أهل العدل، حين نعود إلى العدل وسيرة العدل، ونحن الذين فتحوا الدنيا بلا إله إلا الله، ومعلمي البشرية عقيدة ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة:٥]. نبني كما كانت أوائلنا تبني ونفعل مثل ما فعلوا لكن متى؟ يوم نعود إلى تاريخنا، يوم نعود لسيرة نبينا ﷺ ، وسيرة السلف الصالح من الصحابة والتابعين. سادساً: عمر يتكرر, وعمر يعيش معنا في القرن العشرين بسيرته وبتعاليمه. سابعاً: يعترف الأعداء بسيرة عمر، كما ذكرت لكم مايكل هارف وغيره كثير من علماء العرب، وليم جيمس يعترف به، ودايل كارنيجي وغيره، وكريسي موريسون، ومؤرخوهم يطبقون، بل أُلّف عن عمر من الفرنسيين والإنجليز والأمريكان أكثر من ستة وخمسين كتاباً، وبعضهم درس علم الاجتماع في حياة عمر، وبعضهم درس العدل في حياة عمر، وبعضهم درس موضوع العمران في دولة عمر، وبعضهم درس أساسيات الأخلاق في حكومة عمر، أو ميزانية عمر، أو تصريف عمر للشورى، إلى غير ذلك مما درسوا. استرشد الغرب بالماضي فأرشده ونحن قومٌ لنا ماضٍ تركناه تركنا ماضينا وكنا في الصف الأول, فلما تبلدنا وتخلينا عن سيرة عمر وعن سيرة أمثاله، تخلينا فأصبحنا تصرفنا الأيادي وتستهزئ بنا الشعوب، وتلعب بنا الأمم. ثامناً: شباب الصحوة هم جيل عمر بن الخطاب، وهم حملة رسالة عمر، وهم سوف يكررون سيرة عمر، في زهده وسلوكه وتواضعه إذا أحبوه ﵁ وأرضاه. تاسعاً: الحب بيننا وبين عمر نسب أسسه محمد ﷺ ، وهو نسب التقوى فأحببناه، ولهذا عسى الله ألا يحرمنا محبته. عاشراً: مدرسة الإسلام المعطاءة التي سوف تكرر نماذج مثل عمر، متى ما استعدوا أن يتعلموا من القرآن والسنة؟ متى ما استعدوا أن يجلسوا في حلق الذكر؟ متى كان عندهم تهيؤ أن يعرفوا سيرة أجدادهم، وسيرة خلفائهم، وسيرة أئمتهم وزعمائهم، متى كان عند الأمة وعي أن تعرف أن العظماء هنا. من بلادي يطلب العلم ولا يطلب العلم من الغرب الغبي وبها مهبط وحي الله بل أرسل الله بها خير نبي قل هو الرحمن آمنا به واتبعنا هادياً من يثرب متى نكون سادة؟ يوم نعرف أنا كنا سادة. متى نكون أئمة؟ يوم نعرف أنا كنا أئمة للناس.

стр. 3493

الأسئلة

стр. 3494

هذا الفاروق فما بال معلمه ؟! السؤال إذا كان هذا عمر الفاروق، فما بالك بمعلم عمر وقدوة عمر، وأستاذ عمر محمد ﷺ ؟ الجواب ما بالي؟! وماذا أفعل؟! وهل لم يسبق حديث قبل هذا عن الرسول ﷺ ؟! وهل يشك مسلم أن عمر ليس إلا قطرة من بحر الرسول ﷺ ، وليس إلا ورقةً في شجرته، وليس إلا إصبعاً في يده؟! المصلحون أصابع جمعت يداً هي أنت بل أنت اليد البيضاء عمر تلميذ من جامعة محمد ﷺ . عمر شعرة في دستور محمد ﷺ . عمر كلمة من المنظومة التي وضعها ﷺ للدنيا، لولا الله ثم الرسول ﷺ ما ذكرنا عمر هذه الليلة، ولم يكن لـ عمر تاريخ، ولم يكن لـ عمر إيمان، ولم يكن لـ عمر عدل ولا منبر. أتظن أني أتيت الليلة أقارن بين الرسول ﷺ وعمر؟ أستغفر الله، أستغفر الله، أستغفر الله. الرسول ﵊ إمام, والملايين كلها ليست إلا قطرات في بحره الذي لا ينضب ﷺ . إنه المعلم بأبي هو وأمي الذي يستعد أن ينتج بمنهجه آلاف الآلاف من أمثال عمر ﵁ وأرضاه. فإنك شمسٌ والملوك كواكبٌ إذا طلعت لم يبد منهن كوكب

стр. 3495

لماذا يكرهون الفاروق ؟! السؤال لماذا يحقد كثير من غير المسلمين على عمر؟ الجواب يحقدون على عمر؛ لأنه الذي نكسهم من على عروشهم؛ ولأن جيوشه دكدكت امبراطورية الخيانة والعمالة، إمبراطورية فارس وإمبراطورية الروم. لأن الذي قاد الخونة والمستبدين كالشياه من على منابر الظلم والعدوان وأنزلهم هو عمر. لأن الذي فضح سيرة المجرمين في الشرق والغرب هو عمر، ولأنه الذي أسس منبر العدالة ومنبر التآخي ومنبر التحدث بالوعي والفهم والعدل وكرامة الإنسان وحقوق الإنسان، هو عمر. لأن الذي أعطى للإنسان قيمته هو عمر، فلذلك يكرهون عمر، ولو أتيت لهم بدرويش ربما أحبوه، لكن هذا العظيم الذي أدخل الضعف في قلوبهم وطاردهم بجيوشه حتى تكلم مع الناس، وناقش أمور الناس، وأعطى حقوق الناس. عمر يقول: [[والله لو عثرت بغلة على ضفاف دجلة لخشيت أن يسألني الله عنها يوم القيامة لم لم تصلح لها الطريق؟]]. أتظن أن سيرة العظماء تذهب سدى. يقول صاحب " دع القلق وابدأ الحياة ": " كن عصياً على النقد، ثم يقول: قيمتك نقدك، ونقدك يساوي قيمتك ", ويقول الشاعر العربي: إن العرانين تلقاها محسدة ولا ترى للئام الناس حسادا على ماذا يحسد اللئيم الدرويش؟ على ماذا يحسد الضائع المنفلت من حبل الله؟ يقول أحد المحسودين: وشكوت من ظلم الوشاة ولم تجد ذا سؤددٍ إلا أصيب بحسد لا زلت يا سبط الكرام محسداً والتافه المسكين غير محسد ويقول أبو تمام: وإذا أراد الله نشر فضيلة طويت أتاح لها لسان حسود لولا اشتعال النار فيما جاورت ما كان يعرف طيب نفح العود نعم، الفرنجة والصليبيون والمسيحيون والزنادقة والمرتزقة يكرهون عمر، لأن سيرة عمر فضيحة على رءوسهم، وقنبلة ذرية تفضح مخططاتهم، وتكرارها وإعادتها فضيحة لكفرة الشرق والغرب فيحقدون على عمر ﵁ وأرضاه، يقول الشاعر: إذا محاسني اللاتي أدل بها كانت ذنوبي فقل لي كيف أعتذر إذا كان العدل ذنب عمر، والحرية ذنب عمر، والإيمان ذنب عمر، وفتح الدنيا ذنب عمر، فكيف نعتذر لـ عمر؟

стр. 3496

فرق بين أبي بكر وعمر السؤال رأى أحد الشباب النبي ﷺ في المنام، ورأى أبا بكر وعمر ووصف كل واحدٍ منهم، قال: إنه رأى أبا بكر ضعيفاً، ورأى عمر قوياً أو كبير الهيئة، شكله يبث الرهبة، فهل هذا صحيح؟ الجواب صحيح ما رأى، أبو بكر كان نحيف الجسم، ولكن في قلبه همة، وأنا أعدكم أنه سوف يكون هناك محاضرة عن أبي بكر وهو أعظم من عمر ﵃ جميعاً، ولكن لكلٍ خاصية ولكلٍ ميزة، ولكلٍ فضل عند الأمة، وكان أبو بكر نحيفاً وفي قلبه همة تمر مر السحاب صنع الله الذي أتقن كل شيء، أما عمر فكان قوياً. وسمعت بل قرأت في بعض التواريخ أن أحد الفجرة من الزنادقة وراء نهر سيحون ونهر جيحون -أعوذ بالله- كان عنده فرسان من بغضه للإسلام، سمى أحد الفرسين عمر والثاني أبا بكر، فاستمر به الحال, وفي الصباح رفسه أحد الفرسين فمات. قال أحد العلماء: انظروا لن يرفسه إلا من سماه عمر، فبحثوا فوجدوه الفرس الذي سماه عمر وعمر كبير قوي الجسم، وكان يقول بعض المؤرخين: كان يشرب الخمر قبل الإسلام، وكان أحمر، وورد في سيرته أنه رأى عفريتاً في ظلام الليل، فقال عمر: أتصارعني؟ فصرعه عمر وجلس على صدره، قال الجان: (والله لقد علم الجن أني من أقواهم) يعني: أنه أقواهم. فـ عمر قوي بلا شك، وهو كبير البنية، وما أعلم في الصحابة مثله إلا خالد بن الوليد، قالوا: جسمه وجسم خالد متقاربان، وابن تيمية يقول: لم يصلح خالد في دولة عمر. أول ما تولى عمر عزل خالداً , أول مرسوم عزل خالد - قال: لأنهما قويان، وتحتاج الدولة إلى وزير سهل، مع حاكمٍ قوي، فصلح أبو عبيدة مع عمر؛ لأن أبا عبيدة لين وعمر قوي، وصلح خالد مع أبي بكر كان قائده، لأن خالداً قوي، وأبا بكر لين، فلما عزله قال خالد: قاتلت قبل هذا لله، وأقاتل اليوم لله، وما قاتلت لـ عمر. تسعون معركة مرت محجلة من بعد عشر بنان الفتح يحصيها وخالد في سبيل الله يشعلها وخالد في سبيل الله يذكيها ما نازل الفرس إلا خاب نازلهم ولا رمى الروم إلا طاش راميها

стр. 3497

زهد عمر ودعوى التصوف السؤال ألا يفهم من سيرة عمر في زهده ولبسه للصوف أن هناك دعوة للتصوف المرفوض، الذي يحتج به كثير من الناس أرجو توضيح ذلك؟ الجواب لا. ليس فيه دعوة للتصوف، عمر زاهد وكان يأكل الطيب أحياناً، وهو على منهج النبوة، وأنا وإياك لا نعرف بجانب عمر في الإسلام شيئاً, نحن أصفار، عمر منه نتعلم، ومنه نتلقن، وعلى مائدته نتتلمذ، فهو أعرف بمنهجه، وأعرف بما يقربه إلى الله ولم يحرم الطيبات، أما المذموم فهو تحريم الطيبات، وفرض هذا على الأمة ابتداع ما أنزل الله به من سلطان.

стр. 3498

التأسي بعمر السؤال كيف نصبح كـ عمر؟ الجواب يوم يكون عندنا نية أن نقلد عمر، وأن نتهيأ لسلوك طريق عمر، بل نتبع معلم عمر ﵊، لكن لا تتعب نفسك لن نصل أنا وإياك إلى عمر مهما كان, ولو أطبقت السماء على الأرض، لأن هذه منزلة اختص الله بها بعض الناس، الله خصص عمر لهذه المنزلة، نعم سوف نقرب وسوف نكون في ركبه، وسوف نحبه، وسوف نتشبه به متى ما أردنا وكانت عندنا النية الجازمة إذا كان باستطاعتنا ذلك. نستطيع أن نصل إلى عمر بأن نربي أجيالنا وطلابنا على سيرة عمر لا على سيرة هتلر، أو نيكسون ولا على سيرة أعداء الله وأعداء الشعوب الخونة المرتزقة، نربيهم على سيرة عمر وعلي وخالد وسعد وطارق وصلاح الدين، هؤلاء هم الأبرار الأخيار، وهؤلاء شموس الدنيا.

стр. 3499

دواوين من الشعر السؤال دلني على دواوين شعر يمكن أن تشير عليَّ بها؟ الجواب أدلك على كتيب اسمه شكوى وجواب، شكوى لـ محمد إقبال، يشكو حال المسلمين بعد أن تخلفوا عن قيادة حضارة الإنسانية، ومنها يقول: حديث الروح للأرواح يسري وتدركه القلوب بلا عناء هتفت به فطار بلا جناح وفض أنينه صدر الفضاء ومعدنه رخامي ولكن سرت في لفظه لغة السماء وأدلك على مختارات البارودي وهي أربع مجلدات، وديوان أبي الطيب المتنبي، وهو أحسن من قال شعراً في العربية أبو الطيب أحمد بن حسين المتنبي.

стр. 3500

كتب ألفت في عمر السؤال هل من الممكن أن تدلنا على أحسن كتاب تم تأليفه عن عمر بن الخطاب؟ الجواب هناك مناقب عمر بن الخطاب لـ ابن الجوزي , من أحسن ما كتب في مناقب عمر. وهناك سيرة لـ عمر لكنها فكرية، وفيها شيءٌ وخيرٌ طيب اسمه (صور من حياة عمر) للشيخ والأستاذ/ علي الطنطاوي، و (بين يدي عمر) لـ خالد محمد خالد، لكن عليه ملاحظات منها: عدم اعتنائه بالنقل، وهناك أيضاً بعض المعاني التي رسبت في ذهنه غفر الله له، ولعله قد تاب وأظن هذا من المادية الجدلية في شبابه. وهناك كتاب اسمه (عبقرية عمر) لـ عباس محمود العقاد، لكن يلاحظ على العقاد أمور منها: المقارنة بين سياسة عمر ونابليون في بعض المواصفات، وهذا ليس بوارد. ألم تر أن السيف ينقص قدره إذا قيل إن السيف أمضى من العصا وبعض المواقف التي لا يؤيد فيها العقاد في بعض ما اقترح.

стр. 3501

تخلي عمر عن الدنيا وما فيها السؤال هل عمر بن الخطاب أثناء وفاته كانت مؤثرة عليه؟ الجواب عمر كان يتمنى لقاء الله، وحصلت له الشهادة وهو مرتاح، لكنهم يقولون: إنه تأثر من لقاء الله ومن محاسبة الله ، وكلما خاف الإنسان من الله كثر بكاؤه وخوفه، وهو ما خاف على أملاكه، لأنه ما خلَّف شيئاً، عنده بيت من طين, وعنده بغلة ردوها إلى بيت مال المسلمين، وثوب كفن به، لا يوجد لديه شيء، أراد الشهادة وحصلت له. أسأل الله لي ولكم التوفيق والهداية، وشكر الله لكم استماعكم. وسلام الله عليكم ورحمة الله وبركاته.

стр. 3502

في ظلال إياك نعبد وإياك نستعين لقد أنزل الله علينا الكتاب الكريم, لنستظل تحت وارف ظله, وجعله لنا نوراً وهداية, وأمرنا بتدبره. وقوله تعالى: (إياك نعبد وإيك نستعين) هو ملخص رسالة النبي ﷺ ، وفي هذا الدرس معنى العبادة الواردة فيها، وأنواع العبادة، وأخبار العباد الذين استظلوا بظلها، ومعنى الاستعانة وأقسامها.

стр. 3503

شرح قوله تعالى: (إياك نعبد وإياك نستعين) الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه, حمداً يوافي نعماءه, والصلاة والسلام على معلم الخير وهادي البشر, الذي أتى بالكتاب المبين, والقرآن العظيم, والحبل المتين, صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً, أمَّا بَعْد: فسلام الله عليكم ورحمته وبركاته ومع كتاب الله ﵎, ومع هذه النعمة التي من الله بها على الأمة الإسلامية, يقول شوقي: آياته كلما طال المدى جدد يزينهن جلال العتق والقدم أخوك عيسى دعا ميتاً فقام له وأنت أحييت أجيالاً من الرممِ أتى على سفر التوراة فانهدمت فلم يفدها زمان السبق والقدم ولم تقم منه للإنجيل قائمة كأنه الطيف زار الجفن في الحلم أمَّا بَعْد: فكنا مع الفاتحة، ولا نزال معها أبداًَ إن شاء الله, يقول : ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ * الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ * مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ * إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ * اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ * صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ﴾ [الفاتحة:١ - ٧] وصلنا في هذا الدرس إلى قوله : ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة:٥]. وهذا الدرس اسمه "في ظلال إياك نعبد وإياك نستعين" وهذه الكلمة هي ملخص لرسالته ﵊, لما أنزل الله الكتب السماوية: التوراة والإنجيل والزبور والقرآن, جمعها في المفصل, ثم جمعها في الفاتحة, ثم جمعها في قوله تعالى: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة:٥] وفي هذه الآية ثمان قضايا: الأولى: إياك بالتشديد أو بالتخفيف, وما الفرق بين إياك , واياك. الثانية: لماذا قدم الضمير فقال: إياك نعبد ولم يقل: نعبد إياك؟ الثالثة: لماذا جمع نعبد ولم يقل: أعبد؟ الرابعة: ما معنى العبادة؟ وما أقسامها؟ وما أقسام العباد؟ الخامسة: أنواع العبادة. السادسة: أخبار العباد، في رحلة شائقة مع العباد الذاكرين, والصائمين والمصلين, والقائمين الليل من السلف الصالح. السابعة: الاستعانة بقسميها الاثنين. الثامنة: الناس في العبادة والاستعانة أقسام, سوف أذكرها إن شاء الله.

стр. 3504

(إياك) بالتشديد والتخفيف والفرق بينهما فتقرأ (إيّاك) بالتشديد, ومن قرأها (إِيَاك) فقد أخطأ خطأً بيناً, وقد ذهب بعض القراء إلى أنها تقرأ (إِيَاك) بالتخفيف وليس (إِيّاك) وهذا خطأ؛ لأن (إياك) هي الشمس, فمن أسماء الشمس: إياك, فإذا نطقها القارئ (إياك) فمعناها: الشمس نعبد, وهو خطأ في القراءة, بل لا بد من التشديد فتقول: إيّاك نعبد وإيّاك نستعين, بالتشديد. وتغيير الحركات تقلب المعاني, ومن لم يتنبه إليها فإنها توصله إلى تغيير الألفاظ, بل وقع في تغيير بعض الكلمات أن أودت ببعض الرءوس, فبعض السلاطين كتب في كلمة له فقلبت الحركات والسكنات فأعدمت رءوس وأنفس؛ لأنها أزيلت حركات وسكنات, أما (إيّاك) فهي القراءة المطلوبة، التفت الخطاب هنا من الغائب إلى الحاضر, يقول : (الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِين) خطاب للغائب, (الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ) خطاب للغائب, (مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ) خطاب للغائب, (إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ) خطاب للحاضر المشاهد, وهو للتعظيم، وكأن المصلي يوم وجه وجهه إلى الله كأنه يكلم ربه, ويناجيه, وهو الصحيح, وفي الحديث الصحيح: ﴿إن أحدكم إذا قام يصلي فإنه يناجي ربه، فلا يبصقن أمامه﴾ فأنت يوم تقول: (إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ) تناجي ربك، وتخاطب مولاك جل وعلا.

стр. 3505

لماذا قدم الضمير فقال: (إِيَّاكَ نَعْبُدُ) ولم يقل: نعبد إيّاك ؟ أما لماذا قدم الضمير فقال: (إِيَّاكَ نَعْبُدُ) ولم يقل: نعبد إيّاك؟ فللحصر والاهتمام, تقول: إيّاك أريد, ولا تقول: أريد إيّاك, فإذا قلت: إيّاك أريد فكأنك تنبهه أي: انتبه فإني أريدك أنت لا أريد غيرك, و (إيّاك أريد) وهي أبلغ عند أهل اللغة من: أريد إيّاك, وأقصر كتاب في التاريخ, كتبه خالد بن الوليد سيف الله المسلول, لـ عياض بن غنم وهو قائد آخر, يوم اجتمع على خالد بن الوليد ﵁ وأرضاه أهل الباطل بالجيوش فضاقت على خالد بن الوليد بما رحبت, لكنه لجأ واستعان بالواحد الأحد. فالزم يديك بحبل الله معتصماً فإنه الركن إن خانتك أركان فلما طوقته الجيوش أرسل لـ عياض بن غنم رسالة هي أقصر رسالة في التاريخ قال: (بسم الله الرحمن الرحيم, من خالد إلى عياض إيّاك أريد والسلام) يقول: أدرك الموقف, فهو موقف خطير, من خالد إلى عياض إيّاك أريد والسلام, وهو يوم قصّر الخطاب, معناه انتبه وأدرك وإلا لن تدرك, فنحن في مأزق, فهذا أقصر خطاب. وتقديم قدم (إيّاك) في الآية يقيد الاختصاص, أي: إيّاك نعبد وحدك, وإن قلت: نعبد إيّاك فربما يحتمل أن يكون مع الله معبود غيره, سبحان الله عما يشركون, لكنك إن قلت: إيّاك وحدك نعبد, إيّاك وحدك نستعين, وإيّاك وحدك ندعو, فهو للحصر والاهتمام.
следующие страницы →