Полный текст (10 391 стр.). Показаны 3431–3470 · переход к 3436.
стр. 3431
الإيمان بالغيب
قال الله تعالى: ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ﴾ [البقرة:٣] ما هو الغيب؟
كل ما استتر عنك فهو غيب، فهم يؤمنون ويصدقون بما أخبرهم به محمد ﷺ ؛ أن هناك جنة وناراً، وحساباً وعقاباً وثواباً، وأن هناك ميزاناً وصراطاً، وأن هناك نعيماً مقيماً أو عذاباً أليماً، وأن هناك رباً ، إلهاً حكيماً قادراً عليماً بصيراً سميعاً، مستوياً على عرشه، إنما يقول للشيء كن فيكون، له الملك وله الأمر، كل يوم هو في شأن
ولذلك هذا هو -والله- الإيمان، فبشرى لكم يوم آمنتم ولم تروا الرسول ﷺ ، ويوم أسلمتم وآمنتم بالله ولم تروا ربكم، فاعبدوا الله كأنكم ترونه فإن لم تكونوا ترونه فإنه يراكم.
كان رجل أعرابي يصلي في الصحراء، فمر به رجل ملحد فقال له: لمن تصلي؟ قال: لله الواحد الأحد.
قال: هل رأيته؟ قال: يا عجباً منك! البعرة تدل على البعير، والأثر يدل على المسير، فسماء ذات أبراج، وليل داج، وبحار تزخر، ونجوم تزهر، وسماء تمطر ألا تدل على السميع البصير؟!
فليتك تحلو والحياة مريرة وليتك ترضى والأنام غضاب
وليت الذي بيني وبينك عامر وبيني وبين العالمين خراب
إذا صح منك الود فالكل هين وكل الذي فوق التراب تراب
قال تعالى: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ * اللَّهُ الصَّمَدُ * لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ﴾ [الإخلاص:١ - ٤].
وأسماء الله تعالى وصفاته من الغيب واستواؤه على عرشه من الغيب والجنة والنار من الغيب وما يحدث في العرصات، وما يحدث في القبر من منكر ونكير ومن عذاب ونعيم من الغيب فأنتم تؤمنون بالغيب، آمنتم بالغيب وصدقتم، فلكم النعيم وأنتم المفلحون إن شاء الله.
وبدأ الله تعالى بالغيب لأنها أعظم قضية؛ ولذلك ما ألحد من ألحد إلا يوم أن كفر بالغيب، فهم يقولون: لا إله والحياة مادة، وكل ما هو مشاهد وملموس نؤمن به وما وراء العيون لا نؤمن به وقد افتروا على الله: ﴿قُلْ لا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ * بَلِ ادَّارَكَ عِلْمُهُمْ فِي الْآخِرَةِ بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْهَا بَلْ هُمْ مِنْهَا عَمُونَ﴾ [النمل:٦٥ - ٦٦]
فالإيمان بالغيب هو أعظم قضية تواجه الإنسان، ومن لم يؤمن بالغيب لم يسلم، ولا يقبل الله منه صرفاً ولا عدلاً ولا كلاماً، ولا ينظر إليه ولا يزكيه وله عذاب أليم.
стр. 3432
إقامة الصلاة
قال الله: ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ﴾ [البقرة:٣] فذكر من صفاتهم إقامة الصلاة، والله إذا ذكر المؤمنين ذكر أنهم يقيمون الصلاة، وإذا ذكر المنافقين ذكر أنهم يصلون ولم يذكر أنهم يقيمون الصلاة وهذا فارق ينتبه له، قال الله تعالى: ﴿أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ * فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ * وَلا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ * فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ * الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلاتِهِمْ سَاهُونَ * الَّذِينَ هُمْ يُرَاءُونَ * وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ﴾ [الماعون:١ - ٧] وقال في سورة النساء: ﴿وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاؤُونَ النَّاسَ وَلا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلاً﴾ [النساء:١٤٢] فلم يقل: وإذا أقاموا الصلاة وإنما قال: (وإذا قاموا إلى الصلاة).
والناس قسمان: قسم يقيم الصلاة وقسم يصلي، فالذي يصلي بلا إقامة صلاة؛ لا تنهاه عن الفحشاء والمنكر، والذي يقيم الصلاة تنهاه صلاته عن الفحشاء والمنكر: ﴿إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ﴾ [العنكبوت:٤٥].
تقول: ما للإنسان يصلي ولكنه يتناول المخدرات؟ ما له يصلي ويزني؟ ما له يصلي ويشرب الخمر؟ ما له يصلي ويسرق؟ لأنه صلى ولكنه ما أقام الصلاة.
وإقامة الصلاة تكون بدوام خشوعها وخضوعها ووضوئها وإخلاصها وركوعها وسجودها وأذكارها وروحها، فيعصمهم الله تعالى بالصلاة من الفحشاء والمنكر، وأول ما تبدأ بصلاة الفجر، يقول ﵊: ﴿من صلى الفجر في جماعة فهو في ذمة الله، فالله الله لا يطلبنكم الله من ذمته بشيء، فإنه من طلبه من ذمته بشيء أدركه، ومن أدركه كبه على وجهه في النار﴾.
وفضل الصلاة عظيم، وهي تحتاج إلى محاضرات، ولكن نحن نقف على مقاصد الآيات، وإلا فليس هناك أحكام والحمد لله، وسوف يمر معنا الصلاة، والصيام، والحيض، والقصاص، والوصية، والدين، في سورة البقرة -إن شاء الله- فنتوسع هناك، أما هنا فآيات ورقائق وترغيب وترهيب.
стр. 3433
الإنفاق في سبيل الله
قال في صفتهم: ﴿وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ [البقرة:٣] ما قال: وما رزقناهم ينفقون، ولكن قال: (مما رزقناهم) أي: بعض ما رزقناهم، فهم ينفقون من بعض ما رزقناهم، ولو قال: وما رزقناهم ينفقون؛ لكان هذا شاقاً على الناس، ولا يستطيع الإنسان أن ينفق ماله كله، لكن قال: (مما رزقناهم) أي: شيئاً مما رزقناهم ينفقونه، فهؤلاء من الذين يدركهم الفلاح إن شاء الله.
لكن الله تعالى يقول: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾ [الحشر:٩] فكيف تؤثر على نفسك ولا تترك لنفسك شيئاً؟ وهنا يقول : ﴿وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ [البقرة:٣] فهذه الآية تقول لك: أنفق من بعض ما رزقك الله، وتلك الآية يمدح الله فيها من أنفق كل شيء وجلس وحيداً فكيف نجمع بينهما؟!
قال بعض أهل العلم: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾ [الحشر:٩] هذا لمن وثق برزق الله وبما عند الله، ومن أصبح التوكل عنده كتوكل أبي بكر الصديق؛ فله أن ينفق ماله كله، وأما مثل أحوالنا ممن لم يصل توكله إلى درجة عالية فينفق بعض ماله.
فـ أبو بكر أنفق ماله كله في الإسلام، فما رد الرسول ﷺ شيئاً؛ لأنه يعرف توكله، وبعض الصحابة أتوا بمالهم فقال لهم ﵊: ﴿أمسك عليك بعض مالك﴾ وأخذ منه ﷺ القليل وترك له الكثير؛ لأنه يعرف توكله.
فمن بلغ القمة في التوكل فليس عليه أن ينفق ماله، ومن نقص توكله فلينفق شيئاً من ماله، قال تعالى: ﴿وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ [البقرة:٣]
وقال : ﴿مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة:٢٦١] وقال : ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ لا يُتْبِعُونَ مَا أَنْفَقُوا مَنّاً وَلا أَذىً لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [البقرة:٢٦٢] وقال : ﴿وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ﴾ [سبأ:٣٩] وقال : ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَاماً﴾ [الفرقان:٦٧] وقال : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ﴾ [البقرة:٢٦٧] وقال : ﴿الصَّابِرِينَ وَالصَّادِقِينَ وَالْقَانِتِينَ وَالْمُنْفِقِينَ وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحَارِ﴾ [آل عمران:١٧].
وقد بلغ كثير من الصحابة في الإنفاق مبلغاً عظيماً، منهم أبو بكر وعثمان، وعبد الرحمن بن عوف رضي الله عن الجميع.
فأما أبو بكر فأعطى الإسلام كل ما عنده، أعطى الإسلام ماله ودمه وجهده ووقته؛ فعوضه الله أن جعله أكبر صديق بعد الأنبياء والمرسلين.
وأما عثمان فحفر بئر رومة للمسلمين فسقاه الله من سلسبيل الجنة، وجهز جيش تبوك فقال له ﷺ : ﴿غفر الله لـ عثمان ما تقدم من ذنبه وما تأخر، ما ضر عثمان ما فعل بعد اليوم، اللهم ارض عن عثمان فإني عنه راض﴾
وأما ابن عوف فأنفق ما يقارب سبعمائة جمل في لحظة واحدة، بأقتابها وأحلاسها وطعامها وزبيبها في سبيل الله خالصة مبرأة، فأخذها الفقراء وقالوا: سقى الله ابن عوف من سلسبيل الجنة.
لا ينكتون الأرض عند سؤالهم لتطلُّب الحاجات بالعيدان
بل يشرقون وجوههم فترى لها عند السؤال كأحسن الألوان
وإذا الغريب أقام وسط رحالهم ردوه رب صواهل وقيان
وإذا دعا الداعي ليوم كريهة سدوا شعاع الشمس بالفرسان
قال : ﴿وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ [البقرة:٣] و (من) هذا تبعيضية، فكأنه قال: من بعض ما رزقناهم ينفقون، فالمطلوب من الإنسان أن ينفق، وإذا أمسك الشيء فإنما أتلفه، وإذا أنفق الشيء فإنما أمسكه.
أنت عبد المال إن أمسكته وإذا أنفقته فالمال لك
وقد ذكر العلماء كثيراً من قصص الكرماء والبخلاء، وأدوى داء هو البخل: ﴿وَمَنْ يَبْخَلْ فَإِنَّمَا يَبْخَلُ عَنْ نَفْسِهِ﴾ [محمد:٣٨] ﴿مَا عِنْدَكُمْ يَنْفَدُ وَمَا عِنْدَ اللَّهِ بَاقٍ﴾ [النحل:٩٦].
والناس في الإنفاق على ثلاثة أقسام:
قسم يريد به الرياء والسمعة: فليس له حظ ولا نصيب في الآخرة، وهو أول من تسعر به النار.
وقسم ينفقه كرماً وحياءً: فله أجر ومثوبة، وقد يكون عادة.
وقسم ينفقه بقصد ونية وإخلاص: فهو المأجور العابد بماله لله الواحد الأحد.
وممن أتلفوا أموالهم فطلبوا الصيت: حاتم الطائي، كان من أكرم الناس، فعوضه الله بالصيت لأنه أراد الصيت، بالكرم حتى في مجالسنا اليوم دائماً يذكر اسم حاتم الطائي.
ومنهم: ابن جدعان كريم مكة، كان فقيراً صعلوكاً يرعى الغنم في عرفات، فاكتشف قدوراً من ذهب، فذهب بها وأطعم الناس فأصبح من أكرم الناس ورزقه الله الصيت.
أين الرجلان؟ أفي الجنة أم في النار؟
روي فيهما حديثان في صحيح مسلم، أما حاتم الطائي فقال ابنه عدي: ﴿يا رسول الله! أبي كان يكرم الضيف، ويحمل الكل، فهل ينفعه ذلك عند الله؟ قال: لا.
إن أباك طلب شيئاً فأصابه﴾ أبوك طلب الدنيا والصيت والسمعة فله الصيت والدنيا والسمعة: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لا يُبْخَسُونَ * أُولَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ إِلَّا النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [هود:١٥ - ١٦].
وأما ابن جدعان فتقول عائشة: ﴿يا رسول الله! ابن جدعان كان كريماً وكان مقرياً، فهل ينفعه ذلك عند الله؟ قال: لا.
إنه لم يقل يوماً من الدهر: رب اغفر لي خطيئتي يوم الدين﴾.
وكان له خادم ينادي في الصباح من رأس جبل أبي قبيس ويقول: من أراد لباب البر بنسير العسل فليأت مأدبة ابن جدعان.
فيهب الناس بأطفالهم ونسائهم فيأكلون، فإذا أتت الظهيرة نادى خادمه من على جبل أبي قبيس: من أراد الثريد فليأت مائدة ابن جدعان فيأتون؛ حتى يقول ﵊ في غزوة بدر: ﴿ائتوني بـ أبي جهل قالوا: يا رسول الله! ما عرفنا جثته، إنه مقطوع الرأس -أصبح رأسه مقطوعاً كالشاة، رأسه في واد وجثته في واد آخر- فقال: تعرفونه بجرح في ساقه أو في ركبته، تصارعت أنا وإياه ونحن شباب على مائدة ابن جدعان فصرعته.
فأتوا على ساقه فكشفوا فوجدوا الجرح، فسحبوا جثته إلى الرسول ﵊﴾.
وكان ابن جدعان يقول للفقراء: لا يسألني أحد؛ لأنه لا يريد أن يذهب ماء وجهه أمامه، يقول: لا تسألني، قف أمامي وأنا سوف أعرف فيقول أمية بن أبي الصلت:
أأذكر حاجتي أم قد كفاني حباؤك إن شيمتك الحباء
إذا أثنى عليك المرء يوماً كفاه من تعرضه الثناء
ولذلك قال ابن تيمية: الدعاء ثناء والثناء دعاء؛ لأن العبد عندها يقول: لا إله إلا الله يريد شيئاً، والعبد لا يقول: يا قدوس! يا أحد! يا صمد! إلا لأنه يريد شيئاً.
وأما أجواد الإسلام فاختلف فيهم، ولا بأس أن نذكرهم في باب الإنفاق، فقد ذكر الذهبي أجواد العرب في الإنفاق، وذكر أنه اختلف في الحرم جلاس وسمار في عهد التابعين من هو أكرم العرب آنذاك من المسلمين؟
فقال قائل: عبد الله بن جعفر بن أبي طالب وقال ثان بل هو: قيس بن سعد بن عبادة، وقال ثالث: بل أكرم العرب عرابة الأوسي.
فقال رجل منهم: كل منكم يذهب إلى الذي يرى أنه أكرم العرب فيأتي بزي مزرٍ وزي فقير، ثم يسأله ويأتي إلينا بما أعطاه ذاك الكريم، ونرى أي العطايا أكثر.
فذهب الذي يريد عبد الله بن جعفر في زي فقير، فتعرض له فوجده قد خرج من المدينة يريد دمشق في الشام، ومعه فرس وعنده سيف وحلي الفرس، فقال: أنا رجل فقير منقطع أريد منك مالاً.
فقال عبد الله بن جعفر: لو أتيتني وأنا في المدينة لأعطيتك وأكثرت لك، ولكن خذ الفرس وخذ السيف، أما أنا فسوف يعرفني الناس ويركبونني.
قال: لا.
قال: والله لتأخذنه؛ فأخذ الفرس والسيف وترك الرجل تحت شجرة.
وأما صاحب قيس فأتى إليه وطرق عليه الباب، فخرجت الجارية وقالت: ماذا تريد؟ قال: أنا رجل فقير أريد قيساً.
قالت: هو نائم، ولكن خذ ألف دينار ولا توقظ سيدي ودعه ينام.
فذهب ومعه ألف دينار، تقارب عشرة آلاف درهم.
وذهب الذي يريد عرابة الأوسي، فوجده خارجاً من بيته يريد الصلاة، وهو أعمى وله عبدان قد اتكأ بيمينه على واحد واعتمد على الآخر، فقال له: أنا رجل منقطع؟ فقال عرابة الأوسي: والله ما عندي في بيتي شيء؛ لقد أذهبته النفقات، وليس عندي إلا هذان العبدان فخذهما لك.
فقلت: أنت أعمى! قال: خذهما.
فأخذتهما، وأصبح يتلمس من عماه إلى المسجد حتى دخل المسجد.
فعادوا، فقال الذي حكم في القصة: أما قيس بن سعد فهو كريم، ومن كرمه أن الجارية تعطي ألف دينار فكيف إذا استيقظ هو، ولكن لا بأس.
وأما عبد الله بن جعفر فسوف يعرفه الناس ويحملونه، وهو كريم لأنه ترك نفسه في الصحراء وحده.
أما أكرمهم فهو عرابة الأوسي؛ لأنه أعمى وقد أنفق أمواله وما بقي عنده إلا هذان العبدان، فأعطاك وأخذ يتلمس إلى المسجد، ثم يقول فيه القائل:
إذا ما راية رفعت لمجد تلقاها عرابة باليمين
رأيت عرابة الأوسي يسمو إلى العلياء منقطع القرين
وهو أوسي من الأنصار، ﵁ وعن آبائه وعن كل رجل من الأنصار، فإننا نتقرب إلى الله بحبهم.
стр. 3434
تفسير قوله تعالى: (أولئك على هدىً من ربهم)
قال : ﴿أُولَئِكَ عَلَى هُدىً مِنْ رَبِّهِمْ﴾ [البقرة:٥] من هم؟ ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ [البقرة:٣] ﴿أُولَئِكَ عَلَى هُدىً مِنْ رَبِّهِمْ﴾ [البقرة:٥] فقال: (على هدى) ولم يقل: في هدى؛ لأن (على) هنا أبلغ، أي: على طريق من الهدى وعلى واضحة وجادة، ولو قال: في هدى؛ لشمل أن بعضهم في هدى وبعضهم في ضلال، ولو قال: إلى هدى؛ لما وصلوا إلى الهدى؛ لأن الذي يمشي إلى الشيء ما كأنه وصله، فأنت تقول: مشيت إلى السارية أو إلى الكعبة، فكأنك ما وصلت، فلو قال: إلى هدى، لاحتمل أنهم يهتدون أو لا يهتدون، ولكنه قال: ﴿أُولَئِكَ عَلَى هُدىً﴾ [البقرة:٥] أي: وصلوا إلى الهدى، وتكنفتهم الهدى فكلامهم هدى، وفعلهم هدى، وحركاتهم هدى، وكل شيء يصدر منهم هدى.
والذي لا يفعل هذه الأمور فالهدى عنده قليل فإذا كتب في صحيفة تراه ضالاً، وإذا ألقى قصيدة فهو ضال، وإذا باع واشترى فهو ضال، وإذا تكلم فهو ضال؛ لأنه ليس له نور، ومن أين يأتي النور إلا من الله؟! ﴿أَوْ كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ يَغْشَاهُ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ سَحَابٌ ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُوراً فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ﴾ [النور:٤٠] فالناس لا يعطون النور، والعلم وحده لا يعطيك النور، والثقافة وحدها لا تعطيك النور، إنما يعطيك النور الذي أنزل النور والذي خلق النور: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ﴾ [الأنعام:١] والله يقول: ﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا﴾ [الأنعام:١٢٢] لأنه على ظلمة، وقال في المنافقين: ﴿انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ قِيلَ ارْجِعُوا وَرَاءَكُمْ فَالْتَمِسُوا نُوراً﴾ [الحديد:١٣] يقول: ليس عندكم نور، ولذلك يقول الله : ﴿يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ﴾ [البقرة:٩] لم يقل في الآية: يخادعون الله وهو يخادعهم؛ لأنه لو خادعهم لم تأت نتيجة الخداع؛ بل قال: ﴿يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ﴾ [النساء:١٤٢] أي: أوقع بهم الخداع وكيف يخدعهم الله ؟ قيل: يضيء للمنافقين نوراً يوم القيامة.
ثم انطفا نور المنافقينا ووقفوا إذ ذاك حائرينا
لأنهم بالوحي ما استضاءوا فكذبوا فذا لهم جزاء
يضاء لهم النور فيرون الصراط، ويرون جهنم في ظلمة لا يعلمها إلا الله، فإذا توسطوا على الصراط انطفأ النور فعثروا فوقعوا على وجوههم فهذا هو الخداع: ﴿يُخَادِعُونَ اللَّهَ﴾ [البقرة:٩] لأنهم يصلون مع الناس وهم لا يريدون الصلاة، ويقرءون القرآن وهم لا يريدون القرآن، فظاهرهم فيه الرحمة وباطنهم من قبلهم العذاب، وهم من أجوف الناس: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ وَإِنْ يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ﴾ [المنافقون:٤] والخشبة داخلها خواء، ويقول: (مسندة) لأنها لا تعتمد على نفسها لكنك تسندها على الجدار، فهؤلاء هم المنافقون، ويقول : ﴿مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَاراً فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ﴾ [البقرة:١٧] ولم يقل: ذهب بإضاءتهم، مع أن الأصل في غير القرآن أن يقال: فلما أضاءت ما حولهم ذهب الله بإضاءتهم.
لكن ترك الفعل وأتى بالمصدر من نوع آخر فقال: ﴿فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ﴾ [البقرة:١٧] قالوا: لأنه لو قال: ذهب بإضاءتهم؛ لاحتمل أنه بقي لهم جذوة أو شيء من النور، لكنه لم يبق لهم شيء فقال: ﴿ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لا يُبْصِرُونَ﴾ [البقرة:١٧].
قال : ﴿أُولَئِكَ عَلَى هُدىً مِنْ رَبِّهِمْ﴾ [البقرة:٥] أي: أنهم يعيشون في هدى وفي اطمئنان، ولذلك لا يحفظك على الهدى إلا هذا العمل، لا تظن أن لك حافظاً غير الله فإنه لا يمكن أن يعصمك من الفواحش إلا الله أما غيره فلا يستطيع؛ لأن الله يقول ليوسف لما كان مهتدياً: ﴿كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ﴾ [يوسف:٢٤] أي: لما كان مهتدياً صرفنا عنه السوء والفحشاء، فلا يصرف عنك السوء والفحشاء إلا الله.
والله تعالى قال: ﴿أُولَئِكَ عَلَى هُدىً مِنْ رَبِّهِمْ﴾ [البقرة:٥] ولم يقل: (هدى) ويسكت؛ لأن (هدى) كثيرة، وهي مشتقة، فمنهم من يهديه الشيطان: ﴿قُلْ هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ مَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ قُلِ اللَّهُ يَهْدِي لِلْحَقِّ أَفَمَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ أَمَّنْ لا يَهِدِّي إِلَّا أَنْ يُهْدَى فَمَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾ [يونس:٣٥] يقول: الذي يهديك إلى الصواب خير من الصنم الذي لا يهدي إلى الحق إلا أن يهدى هو.
وبعض الناس يهدي إلى الضلالة، فلذلك: الهدى من الله؛ لأن بعضهم يقول: أنه مهتد وهو ضال، أي هداه إبليس، وقد قيل لـ ابن عمر: [[إن المختار بن عبيد الله الثقفي -هذا الدجال الكاذب الخائن الساحر، الذي ادعى النبوة- يزعم أنه يوحى إليه.
فقال ابن عمر: صدق، إنه وحي من الشيطان ﴿يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُوراً﴾ [الأنعام:١١٢] وليس وحياً من الرحمن]].
فقال الله : ﴿أُولَئِكَ عَلَى هُدىً مِنْ رَبِّهِمْ﴾ [البقرة:٥] ولم يقل: من الله لماذا؟ ليذكرهم النعمة، نعمة الهداية والفطرة والحياة، أي: من ربهم الذي رباهم، لأنهم مقرون بالله، وقد سبق أن قرر التوحيد، فأتى هنا بلفظ (الرب) والله إذا ذكر الجميل ذكر الربوبية، وإذا ذكر التفرد ذكر الألوهية .
стр. 3435
تفسير قوله تعالى: (وأولئك هم المفلحون)
قال تعالى: ﴿أُولَئِكَ عَلَى هُدىً مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [البقرة:٥] لماذا يكثر من الضمائر؟ لأن زيادة المبنى تدل على زيادة المعنى، قال في المنافقين: ﴿هُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ﴾ [المنافقون:٤] فأتى بالضمير (هم) وأتى بـ (العدو) معرفة، والجملة إذا ظرفت بمعرفتين -المبتدأ معرفة والخبر معرفة- أفادت الحصر، وقال هنا: ﴿أُولَئِكَ عَلَى هُدىً مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [البقرة:٥] فأعاد اسم الإشارة، وأعاد الضمير، وأعاد التعريف بأل.
والفلاح ذكر في القرآن على أقسام، يقول : ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ [الأعراف:٢٠٤] وهذه الرحمة للإنصات، وقال : ﴿وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [الحشر:٩] فذكرهم بالفلاح في عدة سور، وذكر الفلاح بعد الذكر وبعد الصبر والجهاد والنفقة.
والفلاح في اللغة يسمى السحور، ومعناه: السعود والنجاة، وبمعنى: الذهاب إلى الشيء، ومعناه هنا: أنهم سعداء في الدنيا والآخرة: ﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [البقرة:٥] أي: أفلحوا ونجحوا وأصلحوا ظاهراً وباطناً، وأمنيتنا ورجاؤنا وسؤالنا إلى الواحد الأحد، الذي لا تخيب عنده المسائل، ولا تعطل عنده الرسائل، ولا يسد حجابه، ولا تغلق أبوابه؛ أن يجعلنا من المفلحين، ومن المقيمين للصلاة، ومن الذين يؤمنون بالغيب ومما رزقهم الله ينفقون والحمد لله رب العالمين.
стр. 3436
الأسئلة
стр. 3437
حكم المزاح
السؤال
نحن شباب فينا خير -إن شاء الله- لكن يكثر فينا المزاح.
فما تنصحنا؟
الجواب
المزاح لا بأس به في أمور إذا لم تكذب فيه، وإذا لم يكن فيه فحش وبذاءة، وإذا لم تكثر منه، فحاول ألا تكذب ولا تكثر منه ولا تفحش فيه، وما عليك منه إن شاء الله، وأكثر من الاستغفار والصدقة.
стр. 3438
نصيحة لمن له جار لا يصلي
السؤال
بجوار بيتي مسجد أصلي فيه أنا ووالدي، وهناك جار لنا وللمسجد لم يصلِّ معنا.
فماذا أعمل؟
الجواب
انصحه وادعه وحاول معه، فإذا لم يستجب لك وليس عنده عذر فحاول أن تجفوه وأن تعلن له الهجر، حتى يرى أنك غضبت من انتهاكه حرمات الله وحدوده وتضييع فرائضه، ولا تزره بعد أن تنصحه كثيراً ولا تجلس معه.
стр. 3439
حكم رفع الصوت بالقراءة لمن فاتته الركعتان الجهريتان
السؤال
لاحظت ظاهرة وهي أن بعض المأمومين إذا فاته شيء من الصلاة الجهرية قام ليتمها رافعاً صوته.
فما هو الواجب؟
الجواب
هذه رواية لبعض أهل العلم وعليها دليل، فلا بأس أن يرفع صوته في الجهرية إذا سبقه الإمام، وإن أسر فما عليه، والمسألة اجتهادية.
стр. 3440
الفرق بين الصدقة والنفقة
السؤال
ما هو الفرق بين الصدقة والنفقة؟
الجواب
كلاهما واحد، وليس بينهما فرق.
стр. 3441
حكم حجز المكان في المسجد
السؤال
ما رأيك في الذي يحجز المكان بكتاب أو غيره، ثم يذهب إلى بيته ثم يعود ويشغل المكان على الناس؟
الجواب
أما إذا كان هذا الإنسان له مكانة في الإسلام، كأن يكون عالماً جليلاً، أو سلطاناً عادلاً، أو رجلاً من الأخيار الصلحاء كبار السن أهل الشيخوخة؛ فلا بأس أن يحجز له المكان ليبقى في المقدمة، لقوله ﷺ : ﴿ليليني منكم أولو الأحلام والنهى﴾.
أما هؤلاء الذين يأتون ويسدون الأماكن على الناس، ويذهبون وينامون في بيوتهم، ويلعبون الكرة، ويأخذون الصفوف الأولى فلا يصح هذا، بل تخرج كتبهم ونظاراتهم وعمائمهم وأحذيتهم وسراويلهم من المسجد، وتحتل مباشرة بالكتائب الإسلامية!
стр. 3442
توضيح لحكم الأغاني
السؤال
قرأت في جريدة تقول أنت فيها: إن الذي خرب البيوت المسلمة بعض الأغاني؛ فكأنه يفهم منك أن بعضها حلال! أرجوا التوضيح.
الجواب
لا.
كل الأغاني حرام، وتتأكد من هذا، وقد يكون وقع هذا لكن الأغاني حرام والله المستعان.
стр. 3443
حكم مسابقة الإمام
السؤال
ما حكم مسابقة الإمام في الصلاة؟
الجواب
مسابقة الإمام ليست بجائزة، وهي تبطل الصلاة لمن تعمدها، وعليكم بالمتابعة لا بالمسابقة ولا بالتأخر ولا بالموافقة، فهناك أربع صور: المسابقة، والموافقة، والتخلف، وكلها لا تجوز، والمتابعة هي التي ينبغي أن تكون، وهي السنة، كما قال ﵊ في الصحيح: ﴿أما يخشى الذي يرفع رأسه قبل الإمام أن يحول الله رأسه رأس حمار؟﴾.
سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين.
وصلى الله على محمد وعلى آله وسلم تسليماً كثيراً.
стр. 3444
الخطر الأحمر
إن مما عمَّت به البلوى في هذه الأيام، وفي هذا العصر آفة عظيمة، وهي المخدرات والخمر، فيا ترى ما هي الأسباب التي جعلت الكثير من المسلمين يقعون في هذه الآفة العظيمة؟
وما هو سبب انتشارها بين المسلمين؟
وما هو السبب الذي جعل الصحابة رضوان الله عليهم يبتعدون عن مثل هذه الأشياء؟
وما هي الوسائل التي تجنبنا مثل هذه الأشياء؟
وما هو الحل لمن وقع في هذه الآفة؟
أهو الحبس والسوط؟ أم ماذا؟
стр. 3445
أخطار المخدرات
الحمد لله الذي كان بعباده خبيراً بصيراً، وتبارك الذي جعل في السماء بروجاً وقمراً منيراً، وهو الذي جعل الليل والنهار خلفة لمن أراد أن يذكر أو أراد شكوراً، وتبارك الذي نزل الفرقان على عبده ليكون للعالمين نذيراً، الذي له ملك السماوات والأرض، ولم يتخذ ولداً، ولم يكن له شريك في الملك، وخلق كل شيء فقدره تقديراً، أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، بعثه ربه هادياً ومبشراً ونذيراً، وداعياً إلى الله بإذنه وسراجاً منيراً صلى الله وسلم على محمد حامل لواء العز في بني لؤي، وصاحب الطود المنيف في بني عبد مناف بن قصي، صاحب الغرة والتحجيل، المذكور في التوراة والإنجيل، المؤيد بجبريل، المعلم الجليل، وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.
سلام الله عليكم ورحمته وبركاته.
سلام الله أرفعه إليكم بأشواقي لكم في خير لقيا
وأرفع من رُبى أبها سلاماً لأهل الفضل من سكان صبيا
إن هذا الاجتماع يعلن أن البقاء للإسلام، وأن المستقبل للإسلام، وأن البناء لهذا الدين الذي أنزله الله على البشرية، قال تعالى: ﴿أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى تَقْوَى مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٍ خَيْرٌ أَمْ مَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى شَفَا جُرُفٍ هَارٍ فَانْهَارَ بِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ [التوبة:١٠٩].
المخدرات، وما أدراك ما المخدرات؟ اسم مرعب، مخيف مزعج، وما أتت المخدرات وما وجدت إلا ومعها قرائن من المعاصي والسيئات والمخالفات ﴿ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُوراً فَمَا لَهُ مِنْ نُور﴾) [النور:٤٠].
هذه المخدرات تدخل في مظلة الخمر، وهي بنات عم الخمر، ومن سلالته وفصيلته.
تلك العصا من هذه العصية لا تلد الحية إلا حية
قال الله ﵎: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ * إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾ [المائدة:٩٠ - ٩١].
لماذا انتشرت المخدرات؟ لماذا كثر المروجون؟ لماذا ضاع كثير من الشباب؟ لماذا أُودِع كثير من فتيان الإسلام السجون؟ لماذا يوضع أحفاد أبي بكر وعمر وعثمان وعلي في السجن على جريمة المخدرات؟ لماذا يؤخذ أبناء صلاح الدين وطارق بن زياد وعقبة بن نافع، ويوضعون في السجون بجريمة المخدرات؟ ما هي الأسباب؟ أأتت عفوية؟ أم ماذا؟ لا.
والله، إذاً ما هو السر؟ وما هو السبب؟ كيف يؤخذ شبابنا في المخدرات والمخالفات والمعاصي والمغريات التي اطلع عليها رب الأرض والسماوات؟!
стр. 3446
أسباب الوقوع في المخدرات وانتشارها
стр. 3447
من أسباب الوقوع في المخدرات: ضعف الإيمان
انقطاع الحبل بين الإنسان والواحد الديان، ونسيان الرحمن إذا خلا الإنسان بين الحيطان وفي الظلام وهذه هي قلة المراقبة، أو عدم الوصول إلى درجة الإحسان.
إن درجة الإحسان التي صحت عنه ﷺ ، والتي أتى بها في الحديث الصحيح هي: ﴿أن تعبد الله كأنك تراه؛ فإن لم تكن تراه، فإنه يراك﴾.
يقول الشيخ/ حافظ الحكمي ﵀ في الإحسان:
وهو رسوخ القلب في العرفان حتى يكون الغيب كالعيان
وهذه الدرجة نالها أصحاب الرسول ﵊، ولذلك انتهوا عن الخمر والزنا، والربا، وعن الغناء، والفواحش، أما نحن فوجدت فينا يوم ضعف الإيمان.
أين إيماننا من إيمان أبي بكر الصديق؟! الذي دخل مزرعة رجل من الأنصار، فرأى طائراً يطير من شجرة إلى شجرة، فبكى، وقال: [[يا ليتني كنت طائراً، طوبى لك أيها الطائر! ترد الشجر، وتشرب الماء، ثم تموت لا حساب ولا عذاب]] يا ليتني كنت طائراً! هذا وهو أبو بكر الصديق!
أيضاً أين درجة إيماننا من إيمان عمر ﵁؟! يوم يقول: [[والله الذي لا إله إلا هو، لو عثرت بغلة في ضفاف دجلة -في العراق - لخشيت أن يسألني الله عنها: لِمَ لم تسوِّ لها الطريق يا عمر؟]].
يقف على المنبر، وتقرقر بطنه من الجوع، فيقول لبطنه: [[قرقر، أو لا تقرقر، والله لا تشبع حتى يشبع أطفال المسلمين]].
ومما نسب لـ أبي الحسن علي بن أبي طالب أنه قال -وهذا يدل على من زيادة، وعمق الإيمان، ومعرفة الرحمن-: [[والله لو كشف الله لي الغطاء فرأيت الجنة والنار، ما زاد على ما عندي من إيمان مثقال ذرة]].
يأتي أعرابي إلى الرسول ﵊، فيقول: ﴿يا رسول الله! أين ألقاك غداً يوم القيامة؟ أين ألقاك يوم الزحام؟﴾ أعرابي علم علم اليقين أن القيامة سوف تقوم، وأنها لا محالة، ولذلك ينادينا الله، ويسمي يوم القيامة غداً، كأنه غداً القريب.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ﴾ [الحشر:١٨].
ويقول تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢].
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً﴾ [النساء:١].
وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١].
يقول الله لبني إسرائيل أهل المخدرات، وأهل الخمر والمسكرات، وأهل السيئات والمعاصي والمخالفات، الذين أغضبوا رب الأرض والسماوات، يقول: ﴿فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَنَسُوا حَظّاً مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ﴾ [المائدة:١٣].
ويقول عن علمائهم: ﴿كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَاراً﴾ [الجمعة:٥].
ويقول عن عالمهم: ﴿فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ ذَلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنَا فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [الأعراف:١٧٦].
يقول الأعرابي: ﴿يا رسول الله! أين ألقاك غداً يوم الزحام؟ قال: تلقاني في أحد مواطن ثلاثة -كأن الأعرابي يتصور يوم القيامة-: إما عند الصراط، وإما عند الحوض، وإما عند الميزان﴾.
اللهم سلم سلم، يا شباب الإسلام! يا فتيان هذا الدين! يا حملة الرسالة الخالدة! هل جلس واحدٌ منا، فتفكر في ذلك اليوم؟ وهول ذلك اليوم؟ وشدته ورعبه؟ يقول عمر بن عبد العزيز الخليفة ﵁ وأرضاه: [[والله الذي لا إله إلا هو، إنه لتمر بي الليلة، فأفكر في قيام الساعة منذ أن يبدأ الله في الحساب إلى أن يدخل الجنة قومٌ ويدخل النار قومٌ، ﴿فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ﴾ [الشورى:٧] وإذا بأذان الفجر]] أو كما قال ﵁ وأرضاه.
نور الدين محمود -السلطان العظيم الصالح الزاهد التركي- جمع مهرجاناً يقارب ألف ألف (مليون) من الجيش، فخرج عليه أحد الزهاد، فقال:
مثل لنفسك أيها المغرور يوم القيامة والسماء تمور
إن قيل: نور الدين جاء مسلماً فاحذر بأن تأتي ومالك نور
حرمت كاسات المدام تعففاً وعليك كاسات الحرام تدور
من يصدق أن بعض كبار السن في مجتمعاتنا يعاقرون الخمر، يوم يقوم المتهجدون لربهم في ظلام الليل، يوم ينزل الحي القيوم إلى السماء الدنيا في الثلث الأخير من الليل، يوم ينادي بصوت: هل من سائل فأعطيه؟! هل من مستغفرٍ فأغفر له؟! هل من داع فأجيبه؟! هؤلاء الذين أتاهم النذير من الشيب، ألم يعلموا بقوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ﴾ [فاطر:٣٧] فيعاقرون الخمر والقات والدخان ولعب الورقة والبلوت وكل ما يشغلهم عن الله!
يا إنسان! هل خلقت لهذه الأمور؟! إنما أوجدك الله لترفع لا إله إلا الله، وإذا بك تأتي هذه الأمور، فما هو السبب؟ وما هو السبب في وجود العطالة والبطالة في مجتمعاتنا؟ شيوخ كبار لا يذكرون الله، ولا يتنفلون، ولا يسبحون، ولا يقرءون القرآن، جلسات من الغيبة والزور، وجلسات من الفحش على المخدرات والقات؛ والمخدرات والقات سيئات تغضب الواحد الأحد، وهي مما يدمي قلوب الموحدين، لكن السبب ضعف وقلة الإيمان.
عبد الله بن أنيس - أحد الصحابة - يأتي إلى الرسول ﵊ -والحديث صحيح- فيرسله ﷺ ، ليقتل خالد بن سفيان الهذلي، فيقول: ﴿يا رسول الله! فإذا قتلته، فما لي! قال: لك الجنة -وهو صادق، والرسول ﷺ صادق، فوافق صدقه صدق المصطفى ﵊ فذهب فقتل المجرم، وأتى برأسه، فلما رآه ﷺ قال لـ عبد الله بن أنيس -الشاب-: أفلح الوجه، قال: ووجهك يا رسول الله! قال ﷺ : يا عبد الله بن أنيس:! خذ هذه العصا، فتوكأْ بها في الجنة، فإن المتوكئين بالجنة بالعصي قليل، فأخذها، وأصبح بها وأمسى، فلما مات، أمر أن تدفن معه﴾ لأنه علم أن من أخبره صادق، وأن من علمه صادق، وأن رسالته صادقة، قال تعالى: ﴿نُورٌ عَلَى نُورٍ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [النور:٣٥].
يقول ابن القيم: "أنزل الله كتاباً عقداً من السماء - صكاً - أملاه بنفسه ﵎، وأتى به جبريل، والطرف الأول محمد، والطرف الثاني المؤمنون، والسلعة الجنة، والثمن أرواح المؤمنين, فأُنزل قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْداً عَلَيْهِ حَقّاً فِي التَّوْرَاةِ وَالْأِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ [التوبة:١١١] فلما أتى به ﷺ -يقول ابن القيم في أثناء كلامه- فبايعه الصحابة على دفع الأرواح والأنفس، وقاموا من المجلس والبيعان بالخيار ما لم يتفرقا، فإذا تفرقا، فقد وجب البيع".
فلماذا وجدت المخدرات في أبناء الصحابة، أبناء الذين حملوا الرسالة؟ إنه ضعف الإيمان، وسبب ضعف الإيمان: قلة التربية، كيف قلة التربية؟
ثلاثة يسألون يوم القيامة عن تربية أبناء المسلمين، من هم؟
المسئول الأول: الأب في البيت، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلائِكَةٌ غِلاظٌ شِدَادٌ لا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ [التحريم:٦] ﴿كلكم راع، وكلكم مسئول عن رعيته﴾ أبٌ ما أدْخَل الإيمان في قلب ابنه، أبٌ ما غرس لا إله إلا الله في نفس ولده، أبٌ ما راقب ابنه في الصلوات، ولا في الأوقات والجلسات، ولا فيما يقدم له ولا فيما يؤخذ منه، ومن يصاحب، ومن لا يصاحب أبٌ عاطل في البيت، أحضر الخبز والماء، وأحضر الخضروات والفاكهة، وألبس ابنه أحسن الثياب؛ ولكنه ما منحه الإيمان والعمل الصالح.
والمسئول الثاني: أستاذ يدرس أبناء المسلمين لا يحمل إيماناً ولا رسالة، فخرَّج طلبة، إذا سألت الطالب منهم: ما هوايتك في الحياة؟ قال: هوايتي جمع الطوابع والمراسلة، وصيد الحمام والدجاج والأرانب.
أبناء خالد بن الوليد الذي خاض مائة معركة، وتكسرت الرماح في يده، ليرفع لا إله إلا الله، أبناء عقبة بن نافع الذي وقف على المحيط الأطلنطي وقال للبحر: [[والله لو أعلم أن وراءك أرضاً، لخضتك بفرسي؛ لأرفع لا إله إلا الله في تلك الأرض]].
يرجعون إلى أن تكون أمنياتهم جمع الطوابع والمراسلة، وضرب العود والغناء، والنجوم اللامعة في الفن، وهي نجوم مظلمة، قال تعالى: ﴿ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُوراً فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ﴾ [النور:٤٠].
أستاذ يأتي إلى الفصل يلقي المادة، لكنه بلا إيمان، إما أنه يريد راتباً أو شهرةً أو يقضي وقتاً، فيقدم مادته باردة لقلوب باردة، فتموت القلوب، فتخرج ميتة، وتقع في المعاصي.
والله أمر بإحياء القلوب، قال تعالى: ﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا﴾ [الأنعام:١٢٢].
يقول شوقي للرسول ﵊:
أخوك عيسى دعا ميتاً فقام له وأنت أحييت أجيالاً من الرمم
بإذن الله.
يقول: إن كان عيسى يحيي الموتى، ويبرئ الأكمه والأبرص بإذن الله، فأنت أحييت قلوباً كانت ميتة.
هذا كله بسبب ضعف الإيمان، نحن نتحدث في الدنيا، ولكن الآخرة ليس لها وقت عندنا؛ ولذلك وقع كثير من الشباب في المعاصي والمخدارت.
стр. 3448
من اسباب الوقوع في المخدرات: قلة الطاعات
الأمر الثاني: قلة الطاعات، وقد تدخل تبعياً في مسألة ضعف الإيمان، لكن لها انفصال من جانب آخر، والحق أن نقول: اللاطاعات، فنحن ليس عندنا نصيب للقبر، ولا أعمال صالحة، إلا من رحم ربك، تصور كيف نعيش مع القرآن؟ وكم يأخذ القرآن من أوقاتنا؟، وكيف نتدبر ونعمل بالقرآن؟ والله جعل السعادة في القرآن، ويوم أعرضنا عن القرآن وقعنا فيما وقعنا فيه من غضب الواحد الديان، قال تعالى: ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً﴾ [الإسراء:٨٨].
وقال تعالى: ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ [ص:٢٩].
وقال تعالى: ﴿أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾ [محمد:٢٤].
وقال تعالى: ﴿أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً﴾ [النساء:٨٢].
أنا أعرف قطاعاً هائلاً من شباب الإسلام حتى من الملتزمين من لا يقرأ في اليوم إلا صفحات من القرآن ببرودة ووسوسة وذهول وشرود، ولكنه يقرأ من المجلات والجرائد، والنشرات والصحف والكتب ما الله به عليم.
يا أمة القرآن: يا أمة أرسلها الله بالقرآن لتزرع الإيمان في النفوس! يا أمة جعلها الله رائدة بهذا الكتاب العظيم! ما لنا نعرض عن القرآن؟! مالنا نريد كتاباً آخر؟! أين القرآن.
أتهجرون كتاباً بين أظهركم لو كلم الذكر جلموداً لأحياه
وكان أصحاب محمد ﷺ كما قال صاحب هذه المنظومة:
عباد ليل إذا جن الظلام بهم كم عابد دمعه في الخد أجراه
وأسد غاب إذا نادى الجهاد بهم هبوا إلى الموت يستجدون لقياه
يا رب فابعث لنا من مثلهم نفراً يشيدون لنا مجداً أضعناه
أما قلة الطاعات، فتتصور في قلة النوافل، يقول الذهبي في سيرة الإمام أحمد: كان ورده في اليوم في غير الفرائض ثلاثمائة ركعة، ولذلك قال الله: ﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآياتِنَا يُوقِنُونَ﴾ [السجدة:٢٤].
وكان عبد الغني المقدسي -صاحب الكمال في معرفة الرجال - يصلي ثلاثمائة ركعة لماذا؟، لأنه ﷺ يقول فيما صح عنه: ﴿إنك لن تسجد لله سجدة إلا رفعك الله بها درجة﴾.
يقول الصحابي للرسول ﷺ : أريد الجنة، قال: ﴿أعني على نفسك بكثرة السجود، فإنك لا تسجد لله سجدة إلا رفعك الله بها درجة﴾.
ومن قلة الطاعات: قلة الاستغفار، وقلة الذكر.
ماذا تنتظر من أشرطة ماجت في السوق في الغناء الماجن؟ ومجالس هراء، وجلسات تغضب المولى، وخرجات ورحلات ونزهات ليس فيها من الطاعة لا قليل ولا كثير، فماذا ينتظر منها؟ ينتظر قسوة القلوب، وعمى النفوس، وغياب مراقبة الواحد الأحد.
يقول الأندلسي لابنه:
وإذا خلوت بريبة في ظلمة والنفس داعية إلى العصيان
فاستحي من نظر الإله وقل لها إن الذي خلق الظلام يراني
стр. 3449
من أسباب الوقوع في المخدرات: الفراغ
فراغ يعيشه قطاع هائل منا، بطالة وعطالة ومادة ومال وثراء وقلة إيمان، وتصور إنساناً يجتمع له الشباب والصحة والفراغ والمال، ماذا يكون حاله؟!
إن الشباب والفراغ والجِدَة مفسدة للمرء أي مفسدة
فإذا اجتمعت هذه الأمور فهي عمىً على عمى، وقضية الفراغ محسوبة على الأمة، وما أتى الفراغ إلا يوم أتى نقص الإيمان، ولذلك يقول في الحياة والوقت: ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لا تُرْجَعُونَ * فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ﴾ [المؤمنون:١١٥ - ١١٦] تعالى الله أن يخلقنا عبثاً، وتعالى الله أن يضيع ليلنا ونهارنا سدى، وتعالى الله أن يجعلنا هملاً، ولكن فعلها كثير من الشباب.
شاب يقول لزميله - وهو يحاوره-: والله ما فتحت المصحف ستة أشهر! كيف تعيش؟ وكيف تحيا؟ وكيف تستنير؟ وكيف ترى طريقك؟ وبم تدخل القبر؟ وكيف يُنَوَّر لك قبرُك وأنت لا تقرأ القرآن؟ من أين تأتيك الهداية؟ من التمس الهداية في غير القرآن، أضله الله، ومن التمس النور من غير القرآن؛ أعماه الله، ومن التمس السداد من غير القرآن؛ أغلق الله أمامه الأبواب، ومن طلب الغنى من غير القرآن؛ أفقره الله.
يقول ﷺ عند مسلم وغيره: ﴿اقرءوا القرآن، فإنه يأتي يوم القيامة شفيعاً لأصحابه، اقرءوا سورة البقرة وآل عمران، اقرءوا الزهراوين سورة البقرة وآل عمران، فإنهما تأتيان كغمامتين، أو غيابتين، أو كفرقان من طير صواف تظلان صاحبهما يوم القيامة﴾.
ويقول ﷺ : ﴿خيركم من تعلم القرآن وعلمه﴾.
ويقول ﵊: ﴿سورة في القرآن ثلاثون آية شفعت لصاحبها، فأدخلته الجنة: سورة الملك (تبارك)﴾ فمن ذا يحفظها؟ ومن يتدبرها؟ ومن يعيش معها؟ إذاً الفراغ هو السبب في أننا وقعنا في المعاصي.
صح عنه ﷺ أنه قال: ﴿نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس: الصحة والفراغ﴾
نروح ونغدو لحاجاتنا وحاجات من عاش لا تنقضي
تموت مع المرء حاجاته وتبقى له حاجة ما بقي
وصح عنه ﷺ أنه قال: ﴿لا تزولا قدما عبد يوم القيامة حتى يسأل عن أربع: -وذكر عمره فيما أفناه-﴾ فيم صرفت عمرك؟ دقائقك، وثوانيك، ليلك، ونهارك؟ أين ذهبت؟
دقات قلب المرء قائلة له إن الحياة دقائق وثوان
فارفع لنفسك قبل موتك ذكرها فالذكر للإنسان عمر ثان
ومن هو المسئول الثالث عن الشاب؟ إنه الداعية المسلم، الأب والأستاذ والداعية، وهذا أمر نطرحه بين يدي أصحاب الفضيلة العلماء، والقضاة، وكتبة العدل، والأساتذة، والمشايخ، أن ينقذوا شباب المسلمين، أن ينزلوا إلى الساحة، ويتركوا الصوامع العاجية، والحواشي المظلمة، ويقودوا الشباب، ويعلموهم، ويدخلوا الإيمان في قلوبهم، ويجلسوا في المساجد والحلقات والدور والبيوت، وهذا لا يخفىعليهم، ولكنه لا بأس بالتذكير، فإنه مما علم أن هذه المنطقة وغيرها، وهذه بالذات من أكثر المناطق وجوداً للعلماء وأصحاب الفضيلة منهم نستفيد لابد أن منهم الشباب، ويوم ينزلون لتوجيه المسيرة، ويوم يرتقون المنابر، ويخرجون إلى المساجد، ويتصدرون الحلقات يكتب الله على يديهم الفتح المبين لهذه الأمة، أمة والله لا تصلح بـ (أرأيتَ) و (أرأيتَ) هذه اجعلوها في اليمن.
جاء رجل إلى ابن عمر، فقال: [[أرأيتَ إن فعلتُ وفعلتُ، قال: اجعل أرأيتَ في اليمن]] أمة -والله- لا تصلح إلا بالعلماء، ولا يستقيم شبابها إلا بالعلماء، هناك صحوة لكن تحتاج إلى علماء، تحتاج إلى قال الله وقال رسوله ﷺ .
стр. 3450
مفاسد الخمر
ومن مفاسد الخمر: أفقر الله مقتنيها إن لم يتب، وأعدم صحته، وأذهب عقله ذلك العقل العزيز الكريم.
قال تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ﴾ [ق:٣٧].
وقال تعالى: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآياتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ) [آل عمران:١٩٠] أي: لأولي العقول.
يقول المتنبي:
لولا العقول لكان أدنى ضيغم أدنى إلى شرف من الإنسان
قال ابن الوردي:
اهجر الخمرة إن كنت فتى كيف يسعى في جنونٍ مَن عَقَل؟!
وهي قصيدة وعظية ينادي بها الشباب- وقد خمسها أحد العلماء، وهي تعرف باسم: (اعتزل ذكر الأغاني والغزل) فهل صحا شبابنا؟! وهل عاد شبابنا؟! وهل وعى شبابنا أن مسألة العود والكمنجة قد انتهى وقتها؟! وقد أظلم عليها، وقد قامت عليها اللعنة، أما تكفي الأمة خيبة وخسارة وفشلاً أننا بقينا على العود والوتر والناي وطائرات إسرائيل يحجز شعاع الشمس.
قالوا هم البشر الأرقى وما أكلوا شيئاً كما أكلوا الإنسان أو شربوا
إذا تبدت لنا الميراج تقصفنا سعت لتسقطها الصيحات والخطب
ظنوا القنابل أبواقاً مزخرفةً والقاذفات هي الأترنج والعنب
أمة مخدرة، أم كلثوم -كوكب الغرب أو الشرق أو الظلام- تغني الشباب، وكأس الخمر يقدم للأمة والحبوب المخدرة والدخان والقات والكمنجة، ثم التصفيق، ونقصف من مليون صهيوني أحفاد القردة والخنازير.
أين أبناء خالد؟ أين أبناء علي؟ أين أبناء طارق وصلاح الدين؟ ولذلك وصلنا إلى هذا المستوى الذي لا نحسد عليه، فيقول ابن الوردي للشباب:
اعتزل ذكر الأغاني والغزلْ وقل الفصل وجانب من هزلْ
عارضه الطوسي وخمَّس قصيدته، فقال:
أيها اللاهي بلا أدنى وجلْ
اتق الله الذي
واستمع قولاً به ضرب المثل
اعتزل ذكر الأغاني والغزل
وقل الفصل وجانب من هزل
قال ابن الوردي:
إن أهنا عيشة قضيتها ذهبت لذاتها والإثم حل
فقال الطوسي:
كم أطعت النفس إذ أغويتها
وعلى فعل الخنا ربيتها
كم ليال لاهياً أنهيتها
إن أهنا عيشة قضيتها
ذهبت لذاتها والإثم حل
ثم يقول:
اهجر الخمرة إن كنت فتىً كيف يسعى في جنونٍ منْ عقل؟!
ويسافر بعض الناس في العطل الصيفية للفساد، وللزنى، ولشرب الخمر، وللدعارات وغضب المولى، فلماذا؟ إنه بسبب عدم الإيمان، ووجود ظلام دامس في القلب نخره النفاق، فدخلت فيه الزندقة، حتى ابتعد عن الله؛ والقلب إذا ابتعد عن الله، تقطعت به الحبال.
استمع لما قاله ﷺ في أحاديث عن الخمر وبنات عمها من المخدرات، والمخدرات رضعت مع الخمر، ويحرم من الرضاع ما يحرم من النسب، وكذلك قريبتها القات، وقد صح عنه ﷺ أنه قال: ﴿كل مفتر حرام﴾ فإذا قال أهل القات: إنه لا يسكر.
قلنا: يفتر وهم متفقون معنا في أنه يفتر، فهو حرام، وقد صح عنه ﷺ أنه قال: ﴿كل مفتر حرام﴾ وفيها ذهاب للمال وللأوقات، وذهاب للعقول، وذهاب للمصالح العامة والخاصة.
قال ﵊ في الحديث المتفق عليه وعند أحمد والنسائي وابن ماجة عن ابن عمر: ﴿من شرب الخمر في الدنيا، لم يشربها في الآخرة إن لم يتب﴾ فمن شرب الخمر -ويلحقها المخدرات- لم يشربها في الآخرة، إن لم يتب، كيف؟ أفي الجنة خمر؟ نعم.
فيها نهر من خمر لذة للشاربين- أسقانا الله من ذاك الخمر الذي لا غول فيه ولا هيام ولا مرض ولا علة- وصح عنه ﷺ أنه قال: ﴿لعن الله الخمر وشاربها وساقيها، وعاصرها ومعتصرها، وبائعها ومبتاعها، وحاملها والمحمولة إليه، وآكل ثمنها﴾ رواه أبو داود والحاكم بسند صحيح.
ملعون من يفعل ذلك، من يروج المخدرات، ومن يريد أن تشيع في الساحة، ومن يسعى في انتشارها بين شباب المسلمين فإنه ملعون، وصح عنه ﷺ أنه قال: ﴿ما أسكر كثيره؛ فقليله حرام﴾.
وصح عنه أنه قال: ﴿كل مفتر حرام﴾.
وصح عنه أنه قال: ﴿كل مسكر حرام، وما أسكر منه الفرق فملء الكف منه حرام﴾.
وعند الطبراني بسند فيه نظر عنه ﷺ أنه قال: ﴿من شرب خمراً خرج نور الإيمان من قلبه﴾ من شرب خمراً خرج نور الإيمان من قلبه ونور القرآن ونور الإسلام.
وصح عنه ﷺ في أحاديث أنه قال: ﴿كل مسكر خمر، وكل مسكر حرام، ومن شرب الخمر في الدنيا، فمات وهو يدمنها ولم يتب منها، فلن يشربها في الآخرة﴾.
وعنه ﷺ عند الطبراني بسند حسن: ﴿من شرب مسكراً لم يقبل الله له صلاة أربعين يوماً﴾ صلاة أربعين يوماً لا يقبلها الله لمن شرب مسكراً، أو تناول مخدراً، أو ما في حكم ذلك.
وقال ﵊: ﴿من شرب الخمر، أتى عطشاناً في يوم القيامة﴾ رواه أحمد بسند حسن عن قيس بن سعد.
ولكن الآن ما هو الحل لهذه المعاصي؟
وكم من المرات خرجنا نستسقي فلم ينزل إلا بعض الفطرات اليسيرة، والعلة معروفة: الذنوب وخطايا، خرجنا لصلاة الاستسقاء ونسينا أن الربا منتشر، خرجنا لصلاة الاستسقاء والزنا عام، والغناء يُرَوَّجُ له، والفنانون يملئون الساحة، والراقصون والراقصات، والمغنون والمغنيات، والمطبلون والمطبلات، خرجنا لصلاة الاستسقاء والمجلة الخليعة تحمل الصورة الداعرة للمرأة الفاسدة وهي تملأ الحوانيت والبقالات والأسواق، خرجنا والقرآن يُهْجَر إلا في بيوت من رحم ربك، خرجنا والقطيعة والعقوق وكل ما سألت عنه من المعاصي موجود.
تكاثرت الظباء على خراش فما يدري خراش ما يصيد
صلينا وفينا بقية باقية خرجت خائفة وجلة، فأتانا قليل من الغيث، قحطت البلدان، وغضب الرحمن، وجفت المياه من الأنهار، وغاضت الآبار، وماتت الأشجار، وذبلت الأزهار، وغضب رب الأرض والسماء الواحد القهار، فأين التوبة؟، وأين العودة؟، وأين مراجعة النفس؟ هذه كلها بسبب ذنوبنا التي سددنا بها طريق القبول والرزق من الواحد الأحد.
فما الحلول لنا من معاصينا؟
стр. 3451
أسباب النجاة من المعاصي
هناك أسباب كثيرة، منها:
стр. 3452
من أسباب النجاة من المعاصي: التوبة النصوح
يا شباب الإسلام والله لا مخرج لنا إلا أن نتوب صباحاًَ ومساءً وكلنا مذنبون.
إن الملوك إذا شابت عبيدهم في رقهم عتقوهم عتق أبرار
وأنت يا خالقي أولى بذا كرماً قد شبت من الرق فاعتقنا من النار
قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [آل عمران:١٣٥].
شربوا الخمر أو زنوا أو قتلوا أو عقوا فتابوا، فلا طريق ولا مخرج إلا بالتوبة، قال تعالى: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [الزمر:٥٣].
التوبة النصوح، قال تعالى في الحديث القدسي: ﴿يا عبادي! إنكم تذنبون بالليل وأنا أغفر الذنوب جميعاً فاستغفروني أغفر لكم، يا بن آدم! إنك ما دعوتني ورجوتني غفرت لك على ما كان منك ولا أبالي، يا بن آدم! لو بلغت ذنوبك عنان السماء ثم استغفرتني غفرت لك ولا أبالي، يا بن آدم! لو أتيتني بقراب الأرض خطايا، ثم جئتني لا تشرك بي شيئاً لأتيتك بقرابها مغفرة﴾ حديث صحيح.
стр. 3453
من أسباب النجاة من المعاصي: مصاحبة الصالحين
ومفهوم المخالفة من الكلام: اعتزال جلساء السوء، فإنه ما أفسد كثيراً من شبابنا إلا جلساء السوء، وعصابات الإجرام والانحلال، وشلل البغي والعدوان، يأخذون ابنك من بين يديك وأنت تنظر بحجة الرحلة، وبحجة النزهة، والأخوة والصحبة، فيفسدون عقله وقلبه، ويخرجون منه الإيمان ويدخلون النفاق، ويخرجون مراقبة الواحد الديان، ويدخلون عمالة الشيطان، فيصبح الابن ممسوخاً، لا دين، ولا حياء، ولا صلاة، ولا حب، ولا استقبال، ولا دعاء، ولا خشوع، والعياذ بالله.
جلساء السوء هم جلساء العذاب والفرقة والغضب، ولذلك يقول علي فيما صح عنه: [[تزودوا بالإخوان، فإنهم ذخر في الدنيا والآخرة]].
قالوا: في الدنيا صحيح، لكن في الآخرة قال: يقول : ﴿الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ﴾ [الزخرف:٦٧] فوصف الله المتقين بأنهم ينفعون إخوانهم بالخلة يوم القيامة، وقال عن الفجرة: ﴿فَمَا لَنَا مِنْ شَافِعِينَ * وَلا صَدِيقٍ حَمِيمٍ﴾ [الشعراء:١٠٠ - ١٠١] فعلم أن الصديق لو كان ينفعهم، وكانوا مسلمين نفعهم ذاك اليوم.
والرسول ﵊ يقول: ﴿المرء يحشر مع من أحب﴾ فكيف رضينا لأبنائنا وإخواننا بجلساء السوء؟! كيف لم يشعر الوالد أن ابنه سرق من بين يديه؟! سرقة المال سهلة، قد يعاد، لكن أن يُسْرَق ابنك من بين يديك، كيف يُسْرَق؟! يُسْرَق من جلسائه في الفصل وفي الشارع، وجلسائه في المقهى يأخذونه مصلياً ويعود متنكراً، يأخذونه عابداً فيعيدونه فاجراً، يأخذونه مستحياً ويعيدونه ممسوخاً، فهذه هي بسبب ذنوب جلساء السوء التي من آثارها المخدرات وانتشارها في مجتمعنا المسلم.
стр. 3454
من أسباب النجاة من المعاصي: القضاء على الفراغ
بماذا يقضى على الفراغ؟ يقضى عليه بالطاعات، وبعمل الصالحات، وبالمحاضرات والندوات والدروس، وبمطالعة الكتب المفيدة، وبالشريط الإسلامي ومن العجيب أن تسمع أن أحد الشباب يكتب في الأسئلة: أنا أعيش فراغاً، وأزمةً روحية - سبحان الله! - أما عرفت طريقك؟! كيف لا تعرف هو يقضي هذه الدقائق والثواني؟
أحد علماء المسلمين كان ينام أربع ساعات، قيل له: لو زدت في ساعات النوم، قال: الحاجات أكثر من الأوقات.
ولهذا بعض الصالحين مر برجل نائم، فقال: أتنام الليل كله؟ قال: نعم.
قال: اُصْحُ، والله لتنام في القبر نومةً ما أطول منها.
فما أطال النوم عمراً وما قصر في الأعمار طول السهر
فمن البلايا الفراغ الحادث في شبابنا، تجد شاباً لا يقرأ كتاباً، ولا يسبح، ولا يتدبر القرآن، ولا يحضر درساً، فيأتي الشيطان إليه من باب الفراغ، فيخيم على عقله، ويسلب إيمانه، ثم يضيع هذا الشاب.
стр. 3455
من أسباب النجاة من المعاصي: كثرة الدعاء والذكر
ومن الحلول كذلك التي تقترح في هذا الجانب: كثرة الدعاء والذكر والابتهال إلى الواحد الأحد.
يوم أن ضيعنا الذكر وقعنا فيما وقعنا فيه.
كان السلف الصالح إذا جلسوا بعد صلاة الفجر جلسوا يسبحون إلى طلوع الشمس، هذا زادهم الروحي.
يقول ابن تيمية: هذا غدائي، ولو لم أتغدَّ لسقطت قواي.
فيا إخوتي في الله: هل من ذكر؟! هل من دعاء؟! هل من تبتل إلى الله؟! يقول تعالى: ﴿أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ [الرعد:٢٨] وهل من عودة صادقة إلى الحي القيوم؟! عل الله أن يشرح صدورنا وصدوركم للإيمان.
هذا بعض ما يقال في كيفية النجاة من هذه المخدرات.
стр. 3456
الحل لمن وقع في المخدرات
ولكن بقيت مسألة هامة وسوف أطرحها بين أيديكم، وقد طرحتها بين يدي كثير من الناس من الوجهاء وأهل الحل والعقل، وهذه المسألة تقول: ما هو حل الشباب الذين وقعوا في المخدرات؟ أهو الحبس؟ أم السجن؟ أم السوط؟ أم السيف؟ أم ماذا؟ والحل هو: أن يوصل الإيمان إلى قلوبهم، السوط والسجن والسيف ليس حلاً.
قد يدخل السجن، ولكنه يعود، وقد عاد بعضهم أربع مرات، وقد رأينا بعضهم في السجون قد عاد مرات كثيرة في المخدرات، تولع لها؛ لأنه يضرب ويسجن ويحبس، ثم يخرج وقلبه قلبه، وما زاد إيمانه، فالحل: أن يدخل الإيمان في قلوب هؤلاء، وأن يعلموا طريق الجنة، وأن يحذروا من طريق النار، وأن يكون الله أهيب إليهم من كل أحد، وأن تكبر منزلة الإيمان في قلوبهم، وهذا حل مقترح يعرض عليهم.
وقضية الأوامر لا تكفي وحدها للناس، قضية السوط، وقضية افعل واترك؛ لا تكفي، ولم يستخدمها ﵊، متى حرمت الخمر؟ حرمت في المدينة، ولم تحرم في مكة لأن القرآن نزل والناس على أول استقامة والرسول ﷺ يربيهم بالإيمان، ويغرس شجرة الإيمان، ويزرع في قلوبهم لا إله إلا الله، لو قال: "اتركوا الخمر" لقالوا: لا.
ولو قال: "لا تزنوا" لقالوا: لا.
ولو قال: "لا تسرقوا" لقالوا: لا.
لأنه ليس هناك إيمان، لكن لما هاجر إلى المدينة، وامتلأت قلوبهم بالإيمان، وامتلأت عقولهم بالقرآن أنزل الله : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ * إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾ [المائدة:٩٠ - ٩١].
قال أنس: [[لما نزلت هذه الآية كنت أطوف على بعض الصحابة وهم يشربون الخمر، قال: فلما نزلت هذه الآية قام الصحابة فسكبوا الخمر في السكك حتى سالت بها سكك المدينة، وهم يقولون: انتهينا، انتهينا، انتهينا]].
هذا هو الإيمان، لما أتى الأمر ائتمروا، ولما أتى النهي انتهوا؛ لأن قلوبهم أصبحت مضيئة بالإيمان، أما أن يربى الناس على فراغ، وعلى الأغاني، وعلى كلام لا ينفع، وعلى جلساء سوء، وعلى معاصي، ويقال لهم: لا تتناولوا المخدرات، لا تأخذوا القات! فهذا بعيد.
فقد يختفون وراء الجدران ويأكلونها، ويتسترون بالحيطان ويزاولونها، لأن رقابة الله لم تكن في نفوسهم.
فيا إخوتي في الله!
أولاً: لله الحمد والشكر على أن جعل من بين هؤلاء الشباب الذين نتحدث عنهم شباباً كهذه الوجوه، شباباً حافظوا على الصلوات الخمس، شباباً توضئوا بالماء البارد، وحملوا القرآن، وعرفوا السنة، وتلألأت على وجوههم بسمات الخير.
شباب ذللوا سبل المعالي وما عرفوا سوى الإسلام دينا
وما عرفوا الأغاني مائعات ولكن العلا صيغت لحونا
اللهم لك الحمد، ولك الشكر، ولك الرضا على أن أخرجت هؤلاء الشباب ليقولوا للعالمين: ها قد عدنا من جديد، نحن أبناء أبي بكر وعمر وعثمان وعلي، ها قد أتينا إلى الساحة، وقد أعلنا بطاقتنا وهويتنا وجنسيتنا أننا مسلمون، وأننا نحمل لا إله إلا الله محمد رسول الله، ولماذا وجد مثل هؤلاء الشباب؟، لأن الناس جربوا الباطل، وجربوا كل لذة، فما وجدوا ألذ من التقوى، وجربوا كل شراب، فما وجدوا أحسن من التقوى، وجربوا كل لباس، فما وجدوا أحسن من التقوى، وسكنوا ناطحات السحاب، فإذا هي لعنة بلا إيمان، وركبوا السيارات الفاخرة، فإذا هي لعنة بلا إيمان، وأكلوا الموائد الشهية، فإذا هي لعنة بلا إيمان، قال تعالى: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى * قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصيراً * قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى﴾ [طه:١٢٤ - ١٢٦] لم يجدوا الإيمان، فكانت عليهم لعنات، فأتى الناس الآن يدخلون الإيمان، لأنهم وجدوا الإيمان حلاً لمشكلاتهم.
اللهم كما زينت الإيمان في قلوب أصحاب رسولك ﷺ فزينه في قلوبنا، وثمره وبارك فيه، اهدنا وسددنا وخذ بأيدينا، وتولنا في الدارين.
إخوتي في الله: أسأل الله لي ولكم استقامةً وهدايةً ورشداً، اللهم بعلمك الغيب وبقدرتك على الخلق أحينا ما كانت الحياة خيراً لنا، وتوفنا إذا كانت الوفاة خيراً لنا، اللهم إنا نسألك خشيتك في الغيب والشهادة، ونسألك كلمة الحق في الغضب والرضا، ونسألك القصد في الغنى والفقر، ونسألك لذة النظر إلى وجهك والشوق إلى لقائك في غير ضراء مضرة، ولا فتنة مضلة برحمتك يا أرحم الراحمين.
وأنا أقترح أن يكون عنوان هذا الدرس " الخطر الأحمر"؛ لأن المخدرات دخلت جزءاً في هذا الكلام، وسوف نستمع إلى بعض الأسئلة، وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.
стр. 3457
الأسئلة
.
стр. 3458
حكم بيع الدخان
السؤال
هذا سائل يتساءل عن الدخان ويقول: إن أبي يبيع الدخان، وقد قلت له: يا أبي! إن الدخان حرام بيعه وماله، ونحن لا نريد مالاً حراماً، فما رأيك؟
الجواب
الحمد لله، الأخ سأل وأفتى نفسه، فأراحنا أثابه الله، هو سأل أن أباه يبيع دخاناً، فقال له: الدخان بيعه وتداوله حرام، فصدق، فإن من آخر ما استقرت عليه الفتوى من أهل العلم أن الدخان حرام، وأنه يدخل في الخبائث، ويدخل في عموم قوله : ﴿وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ﴾ [الأعراف:١٥٧] ولمضرته وما أنتج عنه من دمار في الصحة وضياع للأموال والأوقات وسوء رائحة، وما ينتجه من أمراض تناسلية وعضوية، تؤثر على النتاج وعلى غير ذلك حَرُم هذا الأمر، فأصبت يوم ذكرت تحريمه، وعلى والدك أن يتوب إلى الله وأن يترك التعامل به، وإلا فكسبه حرام خبيث، والتعامل به سعي خبيث حرام نسأل الله أن يهديه سواء السبيل.
стр. 3459
حكم الجلوس مع المدخن وآكل القات
السؤال
هل يجوز الجلوس مع المدخن وآكل القات؟ وتعرفت على رجل، ولكني اكتشفت أنه يخزن القات، هل أهجره؟
الجواب
من هدي أهل السنة هجر أهل المعاصي، وقد دلت عليها نصوص كثيرة في السنة عنه ﷺ وعن الأئمة من بعده، وعلى ذلك فشارب الدخان في أثناء شربه ومزاولته، وآكل القات في أثناء أكله يهجرون، ولا يجلس معهم إلا بقصد أن تبلغهم الدعوة وتنكر عليهم، ثم تذهب، فهجرهم متعين عليك، وهذا الرجل الذي اكتشفت أنه يأكل القات عليك أن تنصحه، فإن انتصح فبها ونعمت، وإلا فاهجره، فهجر أهل المعاصي من سننه ﷺ دل عليه حديث كعب بن مالك في الصحيحين على هجر أهل المعاصي، وبوب بعض أهل العلم من أهل الحديث، باب: هل يهجر أهل المعاصي ليرتدعوا، أو كما قال.
стр. 3460
حكم الجلوس في المقاهي
السؤال
فضيلة الشيخ! ما حكم الجلوس في المقاهي الرجاء التفصيل؟
الجواب هذا سؤال يأخذ حكم السؤال الأول، والمقاهي هذه تعود بين الناس أنهم يجلسونها، أقصد المقاهي التي فيها شيشة ودخان وأمثالها للسفلة من الناس، وللمتبذرين والأراذل الذين ما عندهم دين ولا حياء؛ لأن بعض الناس قد يكون عاصياً مركباً:
قال حمار الحكيم توما لو أنصف الدهر كنت أركب
فإنني جاهل بسيط وصاحبي جاهل مركبُ
ولذلك بعض الناس قد يكون فاجراً، لكن عنده حميةً لأسرته، أو لعشيرته، أو لمروءته، فيقول: كيف أكون أنا من الأسرة، أو العشيرة وأجلس في المقهى مع المتبذلين الأراذل، لكن بعض الناس ينسلخ من الحياء، وإذا لم تستح فاصنع ما شئت، فهؤلاء الجلوس معهم لا يجوز إلا بقصد الدعوة، أن تدعوهم وتوجههم فلا بأس، أما أن تجلس معهم فإنك إذاً مثلهم، قال تعالى: ﴿وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَاماً﴾ [الفرقان:٧٢] وقال بعض أهل العلم في قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ لا يَشْهَدُونَ الزُّورَ﴾ [الفرقان:٧٢] قالوا: هي مجالس الباطل، ومن مجالس الباطل: المقاهي.
стр. 3461
نصيحة لمن يشربون الخمر
السؤال
وهذا سائل يقول: قرب بيتنا أناس يشربون الخمر، وأنا أخاف إن نصحتهم أن يضربونني، فماذا أفعل؟ هل أذهب فأخبر الشرطة أم أنكر عليهم؟ أرجو الإجابة على هذا السؤال؟
الجواب
قال تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن:١٦] وقال تعالى: ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة:٢٨٦] ويقول ﵊: ﴿من رأى منكم منكراً فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان﴾ وهؤلاء الذين يشربون الخمر بجوار بيتك عليك أن تنصحهم بجهدك وطاقتك، إما برسالة أو بكلمة، فإن لم تستطع فأنكر بقلبك، أما الإخبار بهم فإن كانوا مجاهرين وأفسدوا في البلد، فلا بأس، وإن كانوا متسترين على معصيتهم فلا أرى أن تخبر عنهم، ولا أن تشهر بهم لحديث الحاكم: ﴿إذا ابتليتم بهذه القاذورات، فاستتروا بستر الله﴾ وحديث آخر، وقد صح عنه ﷺ ﴿أن رجلاً أخبر عن رجل زنى، قال: لو سترته بطرف ثوبك لكان خيراً لك﴾ فإن كانوا متسترين بالمعصية، فلا تخبر عنهم، وإن كانوا مجاهرين أفسدوا في البلد، فأخبر عنهم، وأما أنك تخشى أن يضربوك فقد أصبت، لا تتقدم إليهم، لأن بعض الناس من العصاة يضرب الناهي والآمر ضرباً مبرحاً حتى لا يدري أين الشرق من الغرب.
стр. 3462
كيفية دعوة متعاطي القات
السؤال
كيف توجه صاحب القات غير المتعلم للإقلاع عنه، وكيف أرشده إلى طريقةٍ يسلكها تحول بينه وبين تعاطي القات؟
الجواب
ليس هناك شيء مقترح ومرشح إلا الدعوة إلى الله بالتي هي أحسن على مستواه، وهذا موكولة إلى القضاة وطلبة العلم والدعاة، وما يدخل من ضمنهم من الأساتذة، أن يجلسوا مع هؤلاء العوام ويخبرونهم بالحكم والدلائل التي فيها عموم في القرآن والسنة، ثم الممارسة معهم حتى يهتدوا، وهذه طريقة الرسول ﵊، وعلم أن بعض العوام لم يهتد إلى التوبة بسبب أنهم يأتيهم دعاة على مستوىً عالٍ من الكلام والفهم، فيلقون عليهم كلمات لا يفهمونها، أو دعاة فيهم جفوة وغلظة، فلا يتقبلون منهم، هذا المقترح هو الذي يظهر لي.
стр. 3463
حكم الشَّمَّة
السؤال
وهذا سؤال عن أكل الشمة وما حكمها؟
الجواب
هذه أتأملها وأحيلها على بعض المشايخ من أهل المنطقة، وكانت قبل فترة قد أثيرت من قبل بعض طلبة العلم، فتحتاج إلى شيء من التأمل، قال تعالى: ﴿وَلا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ﴾ [النحل:١١٦] أنا سمعت وقرأت في بعض الرسائل لبعض العلماء أنها محرمة، لكن ما أعرف وجهة التحريم، هل هو لإسكارها؟ فما أعرف أنها تسكر، أو لضياع المال فلا يكفي ضياع المال للتحريم فقط، فالمقصود: أنها تحتاج إلى تأمل ومحاورة مع بعض المشايخ إن شاء الله.
стр. 3464
حكم طلب فسخ العقد من الزوج الذي يشرب الخمر أو المخدرات
السؤال
امرأة زوجها يشرب الخمر أو المخدرات، فهل يحق لها طلب فسخ عقد النكاح علماً أنها قد نصحته كثيراً ولكنه لم يستجب، فما رأي فضيلتك؟
الجواب
الزوج الذي يشرب الخمر قد ارتكب كبيرة من الكبائر وأمراً محرماً، ولكن لا يوجب هذا فسخ العقد بينه وبين زوجته , ولا إنهاء الزوجية، وإنما أوجب أهل العلم إنهاء الزوجية وحرموا استمرار الزواج بترك الصلاة؛ لأنه كفر لقوله ﷺ : ﴿بين المسلم والكافر ترك الصلاة﴾
و ﴿العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة، فمن تركها فقد كفر﴾ أما الكبائر فلا توجب الكفر، وعليها أن تناصحه إلا إذا استحل الخمر، فقال: الخمر حلال، فيصبح كافراً، وينتهي العقد، أما إذا شربها ويعلم أنها محرمة، فإنها تنصحه ولكن لا ينفسخ العقد، وإن حاولت أن تفادي نفسها، فلا بأس من باب المفاداة.
стр. 3465
نبذة تعريفية عن شيخ الإسلام ابن تيمية
السؤال
وهذا يطلب من الشيخ أن يحدثه عن الإمام الفاضل ابن تيمية؟
الجواب
مرحباً بك وبـ ابن تيمية، وبيض الله وجه ابن تيمية يوم تبيض وجوه وتسود وجوه.
بنفسي تلك الأرض ما أحسن الربى وما أحسن المصطاف والمتربعا
أقلوا عليهم لا أباً لأبيكم من اللوم أو سدوا المكان الذي سدوا
هو أبو العباس أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام بن تيمية، قال الذهبي فيما ينسب له: كان جده - عبد السلام صاحب المنتقى - قمراً وأبوه نجماً، وابن تيمية شمساً فمحونا آية الليل وجعلنا آية النهار مبصرة.
ولد عام ٦٦٦هـ،- وهذا الكلام ليس ترجمة وإنما نبذة عنه، سقط رأسه في الأرض وملأ الله قلبه بالإيمان، وغرس الله في قلبه لا إله إلا الله، كان يسجد وعمره ثمان سنوات ويبكي وهو في السجود، ويقول: "يا معلم إبراهيم علمني، ويا مفهم سليمان فهمني" نشأ تقياً ذكياً زكياً، فأما التقوى فلا تسل؛ ليله ونهاره مع الله ﵎ ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [العنكبوت:٦٩] وزكياً زكَّى نفسه بالطاعة، وعبقرياً عبقرية فياضة، يقول - وهو يتحدث بنعمة الله-: إني لأقرأ الكتاب الواحد المجلد فينتقش في ذهني مرة واحدة، وكان فيما ذكر عنه أن اثنين من الأكراد، أو من التركمان وقعت بينهم مشكلة بلغتهم تسابوا وتضاربوا في السوق، وابن تيمية حاضر، فاستدعاهم القاضي، فقال لهم: هل لكم شهود؟ قال أحدهم: ابن تيمية حضرنا، فاستدعى ابن تيمية قال: هل سمعت؟ قال: أنا سمعت كلاماً ما أفهم معناه بلغتهم، قال: أعده علينا، فأعاد كلام الرجلين.
ثبت عن تقي الدين بن دقيق العيد أنه رأى ابن تيمية، فرأى عيناه كأنهما لسانان ناطقان تكاد تتحدثان، أي: بقي قليل وتقول عينه: باسم الله.
يقول البردوني:
من تلظي لموعه كاد يعمى كاد من شهرة اسمه لا يسمى
فقال ابن دقيق العيد: ما أظن أن الله يخلق مثلك! -أستغفر الله- بل يخلق أكثر، ولكن هكذا اندهش الرجل، حتى يقول الذهبي: لو حلفت بين الركن والمقام أن عيني ما رأت مثله لصدقت وما حنثت.
كان إذا خطب يغلق عينيه، فيستفيد الناس جميعاً: المفسر والأصولي والعرضي والنحوي والصرفي، وغير ذلك من أصناف الناس، أما ليله، فيقول: تركته لله، فكان يقوم من نصف الليل يتهجد إلى صلاة الفجر، أما نهاره فمن طلوع الفجر بعد الصلاة إلى ارتفاع الشمس ضحى يذكر الله، دخل المواعظ، وارتقى المنابر، ورد على الملاحدة والزنادقة، وقاتل التتار، حتى أخذ السيف، وقال: والله لننتصرن اليوم، قالوا: قل إن شاء الله، قال: إن شاء الله تحقيقاً لا تعليقاً، فانتصروا بإذن الله، حتى سالت الدماء على ثيابه ﵁ ورحمه الله رحمةً واسعةً، ماذا أقول؟ حتى أعجز الكثر من الكتبة الكتابة عنه، وكتب عنه بعض الفرنسيين والإنجليز والأمريكان وهي موجودة في الساحة، شخصية نادرة فياضة، ترك من المؤلفات ما يربوا على ثلاثمائة مؤلف، وفتاويه يقولون: لو جمعت كلها كانت ثلاثمائة مجلد، يكتب في اليوم الكراريس، كتب في﴾ الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه:٥] كررايس هائلة، كان دائماً لا يترك الذكر، قالوا: كيف؟ قال: أنا قلبي كالسمكة إذا خرجت من الماء ماتت، وأنا قلبي إذا ترك الذكر مات.
ممن ترجموا عنه: ابن عبد الهادي، والذهبي وكذلك ابن كثير، وغيره كثير وكثير، رحم الله ابن تيمية، نحن نعجز عن الترجمة عنه، ولكن أسكنه الله فسيح الجنات، قال جولد زيهر - المستشرق المجري من المجر، هاجم الحديث- يقول: وضع ابن تيمية ألغاماً في الأرض فجَّر بعضها محمد بن عبد الوهاب، وبقي بعضها لم يفجر حتى الآن.
سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين، وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.
стр. 3466
الفاروق في القرن العشرين
عمر أسلم بسورة (طه) وكان أصدق من الشمس في ضحاها, وأوضح من القمر إذا تلاها, وأشهر من النهار إذا جلاها, وتولى الخلافة فأعلاها, وقاد الأمة ورعاها.
عمر مواقف ودروس خالدة بكاء ونحيب تفقد واستطلاع أتعب الخلفاء بعده قائد لقي الله خالياً من المظالم فهل سيوجد مثله في هذا القرن؟! هذا مضمون هذه المادة.
стр. 3467
عمر الفاروق لفحات ونفحات
الحمد لله رب العالمين، ولي الصالحين, ولا عدوان إلا على الظالمين، والصلاة والسلام على إمام المتقين, وقدوة الناس أجمعين, وعلى آله وصحبه والتابعين.
عنوان هذه المحاضرة: (عمر في القرن العشرين) ورقمها (٣٠٤) وإنه موقف صعب يوم نتكلم هذه الليلة عن عمر الفاروق!!
من أين نبدأ مع أبي حفص؟! وإلى أين ننتهي؟! وماذا نقول هذه الليلة؟!
وهل نمدحه فهو أغنى عن المدح؟ وكما قال الأعرابي لما رأى القمر وسط الليل: "والله يا قمر! إن قلت: رفعك الله! فقد رفعك الله، وإن قلت: جملك الله! فقد جملك الله، وإن قلت: زينك الله! فقد زينك الله".
عمر التاريخ، وعمر المجد، وعمر العدالة، عمر المنهج الرباني الذي أنزله على قلب أولئك البشر من الناس، فخرجوا أمةً جديدةً للعالم، فنشروا العدل في ربوع الدنيا:
والله ما ادكرت روحي لسيرته إلا تمنيت في ديناي لقياه
ولا تذكرته إلا وخالجني شوق أبو حفص فحواه ومعناه
تبكي عليه الملايين التي فقدت بموته عزة الإسلام إذ تاهوا
الطفل من بعده يبكي عدالته يقول هل مات ذاك الغيث أماه
والناس حيرى يتامى في جنازته تساءلوا من يقيم العدل إلاه
مضى إلى الله والآلاف تندبه ابن الشريعة حياها وحياه
نعم أحييك من قلبٍ يقطعه شوقي إليك فهل واسيت فقداه
عمر أسلم بسورة طه، وكان أصدق من الشمس في ضحاها، وأوضح من القمر إذا تلاها، وأشهر من النهار إذا جلَّاها، تولى الخلافة فأعلاها، وقاد الأمة ورعاها.
من أين أبدأ يا أبا حفص ولي قلب له في حبكم أسرارُ
يا أيها الفاروق تاريخ الورى زورٌ وفي تاريخكم أنوار
السلام عليك يا عمر بن الخطاب , يوم أسلمت! والسلام عليك يوم هاجرت! والسلام عليك يوم توليت الخلافة! والسلام عليك يوم أن مت شهيداً ويوم تبعث حياً في الخالدين!
لا أترجم له، فهو أغنى عن الترجمة، وهو أكبر من الكلام، وهو أعلى من المدح.
لقبه الفاروق، لقَّبه بذلك أهل الكتاب، لأن الله فرَّق به بين الحق والباطل.
стр. 3468
إسلام عمر
أسلم وعمره سبع وعشرون سنة، ورضع (لا إله إلا الله) وحمل (إياك نعبد وإياك نستعين) وسجد لله، وعفَّر جبينه للخالق، ثم مضى إلى الله، وسوف نعيش معه هذه الليلة ليعلم كل إنسان إذا أراد أن يكون إنساناً مسلماً أن عمر ينبغي أن يكرر حتى في القرن العشرين، وينبغي أن يكون جامعةً للعدل وللحب وللإيمان وللطموح.
قال ابن كثير: " أسلم وعمره سبعٌ وعشرون سنة، وشهد بدراً وأحداً والمشاهد كلها.
وهو أول من دعي أمير المؤمنين في الإسلام، وأول من كتب التاريخ، وأول من جمع الناس على التراويح، وهو أول من عس بـ المدينة بدرته في ظلام الليل، يتفقد الأرامل والمساكين، ويتفقد أحوال المساكين، لا ينام الليل والناس ينامون، ولا يشبع والناس يجوعون، ولا يهدأ حتى يرتاح الناس ويهدءون ".
تقول زوجته عاتكة بنت زيد: [[يا عمر , ألا تنام الليل؟
قال: لو نمت في الليل لضاعت نفسي، ولو نمت في النهار لضاعت رعيتي]].
نامت الأعين إلا مقلةً تذرف الدمع وترعى مضجعك
стр. 3469
تواضع عمر
وكان متواضعاً لله, وحمل الدرة وأدب بها، عنده عصا اسمها: "الدرة" يخرج بها الشياطين من الرءوس، وكان يؤدب بها أمراء الأقاليم، وكان يحكم اثنتين وعشرين دولة من الدول الإسلامية اليوم يحكمها من المدينة، وكان إذا سمع بصيته كسرى وقيصر ارتعدوا على كراسيهم كما يقول محمود غنيم شاعر وادي النيل:
مالي وللنجم يرعاني وأرعاه أمسى كلانا يعاف الغمض جفناه
لي فيك يا ليل آهات أرددها أواه لو أدت المحزون أواه
كم صرفتنا يدٌ كنا نصرفها وبات يملكنا شعبٌ ملكناه
يا من يرى عمراً تكسوه بردته والزيت أدمٌ له والكوخ مأواه
يهتز كسرى على كرسيه فرقاً من خوفه وملوك الروم تخشاه
قال ابن كثير: "وكان عمر خشن العيش، وكان قليل الضحك، لا يمازح أحداً، وكان منقوشاً على خاتمه (كفى بالموت واعظاً يا عمر).
يقول المتنبي:
أرى كلنا يبغي الحياة بجهده حريصاً عليها مستهاماً بها حبا
وحب الجبان النفس أورده البقا وحب الشجاع الحق أورده الحربا
وكان يقول ﵊: ﴿أشد أمتي في دين الله عمر﴾ كان عمر يبكي على المنبر ويقول: [[لا يحل لي من مال الله إلا حلتان: حلة للشتاء وحلة للصيف]] وصعد عام الرمادة ليتكلم إلى الجماهير وليخطب، فقرقر بطنه من الجوع، أمعاؤه لم تجد لحماً، لم تجد خبزاً، وهو يملك الملايين المملينة من الذهب والفضة، لكنه يخاف من نارٍ تلظى، فقال لبطنه: [[يا بطن! قرقر أو لا تقرقر! والله لا تشبع حتى يشبع أطفال المسلمين]].
قال معاوية ﵁: [[أما أبو بكر فلم يرد الدنيا ولم ترده، وأما عمر فأرادته الدنيا وما أرادها، وأما نحن فتقلبنا في الدنيا ظهراً لبطن]].
وقال عمر وقد قيل له: لو أكلت طيباً؟ قال: [[ما لي وللدنيا! إني تركت صاحبي -أي: رسول الله ﷺ وأبا بكر - على جادة، ولا أريد أن أخالفهما عن تلك الجادة]].
لبست رخيص الصوف خوفاً لعله ستلبس في أخراك من سندسٍ خضر
стр. 3470
لباس عمر
كان لباسه جبة صوف، بين كتفيه أربع رقاع، وأنفق في حجته التي قاد فيها المسلمين ستة عشر ديناراً فحسب، وكان يأكل خبز الشعير، ويأتدم بالزيت، وربما قدم له الملح مقشوراً، وقال: [[والله إني أعلم الناس بنسيل العسل، وبلباب البر، وبأجود اللحم، ولكن أخشى أن أجمع هذا وهذا، ثم آتي إلى الله، فيقول الله لي: ﴿أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا وَاسْتَمْتَعْتُمْ بِهَا﴾ [الاحقاف:٢٠]]].
قل للملوك تنحوا عن مناصبكم فقد أتى آخذ الدنيا ومعطيها
حسبي وحسب القوافي حين أرويها أني إلى ساحة الفاروق أهديها
يا رب هب لي بياناً أستعين به على قضاء حقوقٍ نام راعيها
قال أنس بن مالك: [[سمعت عمر وراء الحائط وهو على الخلافة يبكي ويضرب رجله بعصا، ويقول: والله يا عمر! إن لم تتق الله ليعذبنك الله عذاباً أليماً]] ومن مآثره أنه لم يأكل اللحم والسمن عام الرمادة، وهو عام القحط، وأقسم ألَّا يأكل سميناً ولا سمناً حتى يكشف الله البلوى عن المسلمين.
عليك سلام الله وقفاً فإنني رأيت الكريم الحر ليس له عمر
ثوى طاهر الأردان لم تبق بقعة غداة ثوى إلا اشتهت أنها قبر
﴿وَجَزَاهُمْ بِمَا صَبَرُوا جَنَّةً وَحَرِيراً * مُتَّكِئِينَ فِيهَا عَلَى الأَرَائِكِ لا يَرَوْنَ فِيهَا شَمْساً وَلا زَمْهَرِيراً * وَدَانِيَةً عَلَيْهِمْ ظِلالُهَا وَذُلِّلَتْ قُطُوفُهَا تَذْلِيلاً﴾ [الإنسان:١٢ - ١٤].
следующие страницы →