← Джавами‘

Джавами‘ · id 7708

دروس الشيخ عائض القرني

عائض القرني

Полный текст (10 391 стр.). Показаны 3536–3575 · переход к 3541.

стр. 3536

أقرب الناس من الله أكثرهم عبادة وأقرب العباد من الواحد الأحد أكثرهم عبادة، وأبعدهم منه أكثرهم معصية، وقف ثلة من الصحابة على باب أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁ وأرضاه يستأذنون يوم الندوة، يوم المؤتمر الذي يعقده أمير المؤمنين كل سنة، وأردوا الدخول فمن هم هؤلاء الثلة؟ وما هي مواصفاتهم؟ وما هي مؤهلاتهم التي يدخلون بها على عمر بن الخطاب؟ هم أبو سفيان بن حرب قائد قريش في حروبهم مع رسول الهدى ﷺ ؛ من بني عبد شمس، أسرته من أرقى أسر العرب في النسب، وسهيل بن عمرو خطيب العرب، والحارث بن هشام وقف هؤلاء الثلاثة وبجانبهم بلال بن رباح , العبد، المولى، الرقيق، الحبشي، وصهيب الرومي وسلمان الفارسي وابن مسعود الراعي, فطرقوا الباب مستأذنين في دار القضاء. ودار القضاء حول المسجد النبوي، لا يحضرها إلا جلة الناس، وكبراؤهم وعلماؤهم في عهد عمر ﵁ وأرضاه، كان يدخل أقرب الناس من الله، فيدخل بقية العشرة، ثم يدخل أهل بدر على منازلهم، ثم يختار من الناس. فخرج الحاجب وقال: من بالباب؟ فقال أبو سفيان: أخبر أمير المؤمنين أنَّا هنا. قال: من أنتم؟ فعدوا له أسماءهم؛ فعاد إلى عمر وأخبره، قال: ائذن لـ بلال بن رباح فليدخل، ثم قال: أدخل صهيباً، فدخل. ثم قال: أدخل سلمان؛ فدخل. ثم قال: أدخل ابن مسعود فدخل. ثم لما أدخل هؤلاء قال أبو سفيان -وقد اشتد غيظه-: والله الذي لا إله إلا هو ما ظننت أنه يطول بي حتى يدخل هؤلاء الأعبد قبلي على عمر بن الخطاب. لماذا؟ لأنه يزن الأمور بميزان الجاهلية، لا زال في ذهنه وظر من أوظار الجاهلية، أما عمر ﵁ وأرضاه فإنه يزنهم بالكتاب والسنة، فقال سهيل بن عمرو وكان عاقلاً: يا أبا سفيان! والله ما علي من باب عمر ومن إذن عمر، ولكن أخشى أن يدعون يوم القيامة فيدخلون الجنة ونترك، إنهم دعوا فأجابوا وأبطأنا، وعرفوا وأنكرنا، وتقدموا وتأخرنا. فانظر كيف جعل عمر ﵁ وأرضاه مؤهلات الناس بتقوى الله ليس إلا! ولو كانت القيم تقاس بقانون هتلر أو نابليون أو لينين أو ماركس لكان لـ بلال مواصفات أخرى لأنه أسود، لكن عمر ﵁ وأرضاه في دولته ما ارتضى هذا، رأى أن بلالاً ينبغي أن يقدم على هؤلاء جمعياً؛ لأنه كان سابقاً إلى الإسلام. هل نسي المسلمون كلمة "أحد أحد" يصهر على الرمال، ويضرب، ويسحب، ويجلد، ويقولون له: تنازل عن معبودك فيقول: أحد أحد. أحد رميت بها بكل معطل تشفي بحول الله قلب معلل فلهذا كان هذا الرجل مقدماً لأنه عرف الطريق إلى الله. كان رسول الله ﷺ جالساً مع أصحابه فقال: ﴿دخلت الجنة البارحة فسمعت دفي نعليك يا بلال! -أي: خشخشة الحذاء- فماذا تصنع؟ قال بلال ﵁ وأرضاه: والله يا رسول! الله ما كنت كثير صلاة ولا صيام ولا صدقة, ولكن ما توضأت وضوءاً في ليل أو نهار إلا صليت بعده ركعتين﴾. ما قال: لأنني ذو مال أو ولد أو منصب أو جاه, فلا جاه ولا ولد ولا منصب ولا مال، جاهه تقوى الله، ومنصبه لا إله إلا الله، وزاده لا حول ولا قوة إلا بالله، ومركبه آمنت بالله، وهو نداء الحق الذي يبعثه من منائر المسلمين، ويقع في الآذان التي تريد أن تحيا، هذا هو القريب من الله .

стр. 3537

سلمان ﵁ الباحث عن الحقيقة يوم أتى سلمان الفارسي يبحث عن النور وعن الطريق إلى الله , كان في أرض فارس المجوس عبدة النار، الذين ما أطفأ نارهم إلا محمد ﷺ . أم من رمى نار المجوس فأطفئت وأبان وجه الصبح أبيض نيرا ومن الألى دكوا بعزم أكفهم باب المدينة يوم غزوة خيبرا هذا الرجل كان يسجد للنار من دون الله، والعقل إذا لم يعرف الله ضل، والقلب إذا لم يهتدِ إلى الله أصبح قلباً رخيصاً سافلاً حقيراً لا يساوى فلساً واحداً. فأراد أن يهتدي، ورأى بعض النصارى يقومون بطقوسهم الدينية فذهب إليهم فأعجبه دينهم، لأن دينهم أرفع قليلاً في المستوى من دين المجوسية -وبعض الأديان خير من بعض- فذهب إلى راهب فدله ذاك الراهب في قصة طويلة على راهب آخر، والآخر على آخر، وقبل أن يتوفى الراهب قال له سلمان ﵁ وأرضاه: إنني صحبتك ورأيت فيك الخير فإلى من توصي بي؟ هل تعرف في الأرض رجلاً صالحاً توصي بي إليه؟ فقال هذا الراهب: ما أعلم اليوم على الأرض من رجل صالح إلا نبياً سوف يبعثه الله ، أظلك زمانه -أي: قرب حينه- فإذا سمعت به فالحق به، فهو في أرض ذات حرة سوداء وذات نخل. وركب سلمان ﵁ وأرضاه مركب التوفيق، يوم سمع الله أكبر يُهتف بها من مكة، يوم يقول الله لرسوله ﷺ : ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء:١٠٧] حتى يقول بعض المفكرين: سبحان الله! الرسالة المحمدية على صاحبها أفضل الصلاة والسلام تعلن عالميتها من مكة وهو لم يكن عنده إلا شيخ واحد هو أبو بكر، ومولى وهو زيد بن حارثة، وامرأة وهي خديجة، وصبي وهو علي! ويقول الله له: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء:١٠٧] ولما سمعها كفار مكة ضحكوا وقالوا: أي رحمة وهم لا يجرؤ أحدهم أن يبول خوفاً من سيوفنا؟! لكن بعد عشرات السنوات أصبحت أعلام لا إله إلا الله على مشارف أسبانيا وعلى ضفاف نهر السند وفي جنوب أفريقيا، سرت هذه الدعوة؛ لأنها رحمة للعالمين. فأتى سلمان ونزل في المدينة , وهو لا يريد المال فعنده المال، وأبوه من أغنى أغنياء الدنيا, لكنه يريد الطريق إلى الله، يريد توفيق الله، يريد أن ينقذ نفساً حملها بين جنبيه، والرسول ﵊ يوم أتاه عمه - كما في الحديث الحسن- العباس بن عبد المطلب قال: ﴿يا رسول الله! أريد إمارة -أي: أنه يريد أن يتولى إمارة- لأنك وليت فلاناً وفلاناً. فقال له: يا عباس! يا عم رسول الله! نفس تنجيها ولا إمارة تحصيها﴾. أعظم ما يمكن أن تنفع نفسك في الحياة الدنيا أن تنجو من غضب الله ولعنته وسخطه، فوصل سلمان ﵁ وأرضاه إلى المدينة وعرف الحرتين ورأى النخل, وكان يتوقع وصول الهادي ﵊ ليعرض نفسه على الطبيب؛ لأنه مرض من المشارب، ومن الملل والنحل، ومن الشركيات والانحراف والتقليد، فلما وصل كان من أعظم العلامات التي أخبر بها سلمان ثلاث علامات في الرسول ﷺ : أولها: أنه لا يقبل الصدقة ويقبل الهدية، انظر إلى هذه النفس التواقة الشريفة، نفس مرتفعة، الصدقة هي أوساخ الناس، وهي تطهير لأموال الناس وأعراضهم، فما قبلها ولا يقبلها ﵊، وفي صحيح البخاري أنه رأى ﵊ الحسن بن علي -ابن بنته فاطمة - يأكل تمرة من تمر الصدقة فقال له: ﴿كخ كخ _أي: اتركها- أما تعلم أنه لا تحل لنا الصدقة؟﴾ طفل صغير يريد أن يربيه على الحلال فيقول له: كخ كخ، هذا لا ينبغي لنا، نحن بيت نربى على طاعة الله وعلى الحلال الصرف، فمن مواصفاته ﵊ أنه لا يقبل الصدقة ويقبل الهدية. ثانيها: أن بين كتفيه خاتم النبوة ﵊، فأتى سلمان ﵁ وأرضاه وذهب إلى النخل وأتى بشيء من الرطب وتقدم به إلى الرسول ﷺ في أصحابه, فقال: هذه صدقة أتصدق بها عليكم، فكف ﷺ يده وأكل أصحابه، وفي اليوم الثاني أتى برطب فقدمه وقال: هذه هدية أهديها لكم؛ فأكل ﵊. وذهب ﷺ يشيع جنازة فرأى سلمان خاتم النبوة بين كتفيه، فجعل يقبل ذلك الخاتم وشهد أن لا إله إلا لله وأن محمداً رسول الله، وبعد أيام ليست بطويلة يقول ﵊: ﴿سلمان منا آل البيت﴾ أصبح ذلك المولى الفارسي الفقير المسكين من بني هاشم بالتقوى، والزهد، والعبادة، والإقبال على الله! جلس سلمان ﵁ وأرضاه -بعد أن عرف الطريق إلى الله- مع قوم من العرب، فقالوا لبعضهم: انتسبوا. فيقول الأول: أنا تميمي، ويقول الآخر: أنا غطفاني، ويقول ذاك: أنا فزاري، فقالوا لـ سلمان: وأنت ممن أنت؟ فقال: أبي الإسلام لا أبَ لي سواه إذا افتخروا بقيس أو تميم وهذا هو الفخر العظيم لـ سلمان ﵁ وأرضاه. وبقيت حياته على وتيرة من الزهد والصدق والعفاف، ويوم تولى عمر ﵁ وأرضاه كان لا يعرف الرجال بالطول ولا بالعرض، ولا يعرفهم بالأسر ولا بالمناصب, بل يعرفهم بتقوى الله، حتى إنه يقول لبعض الأمراء: تول ولاية كذا وكذا. فيقول: اعفني يا أمير المؤمنين! قال: والله لتتولينها فإني رأيتك في الليل تصلي وتبكي ولا يراك إلا الله. هذه هي المؤهلات عند عمر بن الخطاب، وكان ﵁ وأرضاه يحاسب أمراءه وهو في عرفات , يحاسب أمراء الأقاليم على الدنيا فكان يقول: يا أيها الناس! والله ما بعثتكم لضرب أبشار الناس ولا أجسادهم, وإنما بعثتكم رحمة للناس. يا من يرى عمراً تكسوه بردته والزيت أدم له والكوخ مأواه يهتز كسرى على كرسيه فرقاً من خوفه وملوك الروم تخشاه وهذه فعلها واحد من أحفاده وهو عمر بن عبد العزيز الخليفة الزاهد، جلس في الأيام الأُول من خلافته في السرادق -الإيوان أو الديوان- فأتى الناس وفوداً يسلمون عليه ويخرجون من الباب الآخر, فدخل ثلاثة شباب في عنفوان الصبا وفي زهرة الفتوة فجلسوا على الكراسي؛ فالتفت إليهم أمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز الزاهد فقال: أبناء مَن أنتم؟ قال الأول: أنا ابن الوالي الذي كان والياً لـ عبد الملك بن مروان على البصرة؛ فسكت عمر بن عبد العزيز؛ لأن هذه لا تذهب عنده كثيراً، وقال للثاني: وأنت ابن مَن؟ قال: أنا ابن أحد قواد الجيش الذين كانوا مع الوليد بن عبد الملك؛ فسكت، وقال للثالث: وأنت ابن مَن؟ وهو ابن قتادة بن النعمان الأنصاري , الذي ضربت عينه يوم أحد مع رسول الله ﷺ وسالت على خده فردها ﷺ بيده الشريفة قال الفتى: أنا ابن الذي سالت على الخد عينه فردت بكف المصطفى أحسن الرد فبكى عمر بن عبد العزيز والتفت إليه وقال: تلك المكارم لا قعبان من لبن شيبا بماء فعادا بعد أبوالاً يقول: من أراد أن يفتخر فليفتخر بمثلك؛ لأن فخرك بالإسلام، وبالخدمة وبالجهاد في سبيل الله، وبرفعة لا إله إلا الله.

стр. 3538

سلمان يتولى إمارة الكوفة فهذا سلمان الذي عرف الطريق إلى الله، ولاه عمر بن الخطاب على الكوفة , فذهب وخرج أهل الكوفة لاستقباله لما سمعوا بقدومه، وظنوا أنه سوف يأتي في حشد عظيم عرمرم من الناس، فأتى على حمار! نعم، يركب الحمار وتحته حلس وبيده عضو من لحم ينهشه نهشاً لأنه جائع، فتقدم إليه أهل الكوفة وقالوا له: هل رأيت سلمان الفارسي الذي أرسله عمر إلينا قال: أنا سلمان الفارسي. قالوا: لا تضحك علينا، لا تستهزئ بنا. فقالوا مثل ما قالت بنو إسرائيل حين قالوا: ﴿أَتَتَّخِذُنَا هُزُواً قَالَ أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾ [البقرة:٦٧] الوقت ليس وقت مزح. لماذا؟ لأن أهل العراق كانوا مجاورين للدولة الفارسية ذات القصور الشاهقة التي كانت تموه بالذهب والفضة، ذات الكنبات والديباج والإستبرق والطنافس، كان ظن أهل الكوفة أن الدين دين زينة ومظاهر, لكنه قال: نحن جئنا ببساطة وحياتنا للأرواح, وجئنا لرفع مستويات القلوب، فنزل معهم أميراً, فكان يعطيه عمر بن الخطاب ﵁ وأرضاه عطاءه -راتبه- فيوزعه ثلاثة أثلاث: ثلث له، وثلث يهديه، وثلث يتصدق به.

стр. 3539

وفاة سلمان ﵁ وفي الأخير حضرته الوفاة وهو أمير, فأتوا ينظرون إلى ميراثه فإذا هو شملة وعصا وصحفة! شملة يفترشها له ولضيوفه ويجلس عليها في محكمته، وعصا يتوكأ عليها ويخطب عليها ويحتمي بها، وصحفة يأكل فيها ويغتسل ويتوضأ بها؛ فبكى سلمان وهو في سكرات الموت. فقالوا: ما لك تبكي؟ قال: لأن الرسول ﷺ قال لنا: ﴿ليكن زاد أحدكم من الدنيا كزاد الراكب﴾ ونحن أكثرنا من الدنيا. قالوا: غفر الله لك وأي إكثار من الدنيا؟! قال: أتتهاونون؟ إني أخاف أن أسأل يوم القيامة عن هذه الشملة والعصا والصحفة!! ﵃ وأرضاهم، هؤلاء هم الذين عرفوا الطريق إلى الله.

стр. 3540

معاذ وسؤاله العظيم للنبي ﷺ جاء عند الترمذي بسند حسن -والحديث بمجموع طرقه يصل إلى درجة الصحيح- عن معاذ رضي الله وأرضاه, وهو الداعية الكبير، قدوة كل شاب إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، معاذ الذي كان له المنصب العالي في حياته ﵊، والذي أرسله ﷺ داعية إلى أهل اليمن فهدى الله به الأرواح، ويوم ودع الرسول ﵊ ذاهباً إلى اليمن بكى، وهذه القصة أوردها الذهبي في سير أعلام النبلاء في ترجمة معاذ فقال النبي ﷺ : ﴿ما لك تبكي يا معاذ؟ قال: يا رسول الله أبكي لفراقك. قال: لا تجزع فإن الجزع من الشيطان، يا معاذ! اتق الله حيثما كنت، وأتبع السيئة الحسنة تمحها، وخالق الناس بخلق حسن، يا معاذ! اذكر الله عند كل شجر وحجر ومدر﴾. يقول معاذ بن جبل ﵁: كنت مع رسول الله ﷺ , فدنت راحلتي من راحلته. أي: اقترب منه وهم في السفر، فخلا له الجو بسيد الخلق ﵊، وتصور أنت في نفسك أنك في جمع عظيم، وفي جيش عرمرم جرار، وفي ألوف مؤلفة من الناس، ثم تخلو برسول الهدى ﷺ في الطريق أنت وهو! فلما خلا معاذ ﵁ وأرضاه برسول الهدى ﷺ أراد أن يسأله أعظم سؤال, ومن أعظم الأسئلة في تاريخ الإنسان، وأهل الدنيا يسألون للدنيا, وأهل الجاه يسألون للجاه: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لا يُبْخَسُونَ * أُوْلَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الآخِرَةِ إِلاَّ النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [هود:١٥ - ١٦]. اقترب معاذ من الرسول ﷺ ، ودنا منه الرسول ﷺ , وأخذها فرصة ثمينة غالية، وكان بإمكانه أن يسأله الإمارة, أو أن يؤتيه منصباً أو أن يمنحه مالاً, لكنه رفض ذلك كله، وما سأله إلا عن سؤال عظيم في الآخرة؛ لأن الناس أتوا إلى الرسول ﷺ فمنهم من سأله المال فأعطاه ﷺ المال، ومنهم من سأله المنصب فأعطاه المنصب، ومنهم من سأله أعراضاً أخرى فأعطاهم ﵊: ﴿كُلّاً نُمِدُّ هَؤُلاءِ وَهَؤُلاءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُوراً * انْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَلَلْآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلاً﴾ [الإسراء:٢٠ - ٢١]. خذوا كل دنياكم واتركوا فؤادي حراً طليقاً غريبا فإني أعظمكم ثروة وإن خلتموني وحيداً سليبا عندما كان الرسول ﷺ يوزع غنائم حنين , وكانت -كما يقول أهل السير- أربعة وعشرين ألف رأس من الغنم، وسبعة آلاف رأس من الإبل غير البقر والذهب والفضة، فما سأله أبو بكر ولا عمر ولا معاذ ولا أبو هريرة ولا أُبي إنما أتى الذين كانوا حديثي عهد بالإسلام يسألون، لا زالت قلوبهم فارغة من التوحيد ومن الإيمان ومن الذكر ومن العمل الصالح. أتى حكيم بن حزام فقال: يا رسول الله! أعطني. فقال: أترى الغنم التي بين الجبلين؟ قال: نعم. قال: هي لك، فأخذها. وأتى في اليوم الثاني فقال: يا رسول الله! أعطني. قال: خذ, فأعطاه مائة ناقة. وفي اليوم الثالث ظنها فرصة ويظن أنها لفضله, فجاء وقال: أعطني يا رسول الله! فأعطاه مائة ناقة، وفي اليوم الرابع قال: أعطني يا رسول الله! وكان من أغنى أغنياء مكة، يكسو الكعبة سنة وأهل مكة يكسونها سنة! فالتفت إليه ﷺ وقال: يا حكيم! إن هذا المال حلوة خضرة، واليد العليا خير من اليد السفلى. فقال: والله يا رسول الله! لا أرزأ بعدك أحداً من الناس. أو كما قال. أي: لا أطلب مالاً أنقصه على أحد من الناس بعدك، حتى عطاؤه ما كان يسأله من أحد من الخلفاء، فكان أبو بكر يعطيه العطاء فيقول: لا، وكان عمر يعطيه فيقول: لا، فيقول عمر ﵁: أشهدكم أيها الناس أن حكيماً دفعت له عطاءه فأبى ذاك العطاء. فالمقصود أنه أتى معاذ وهو من العلماء النبلاء، وفي حديث سنده حسن أن الرسول ﷺ قال: ﴿معاذ قائد العلماء يوم القيامة برتوة﴾ وفي لفظ: ﴿يدخل أمام العلماء يوم القيامة برتوة﴾ والرتوة رمية الحجر، أي أن علماء الأمة الإسلامية إذا اجتمعوا يوم العرض الأكبر، يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم, يكون قائدهم معاذ ﵁ وأرضاه، يمضي قبلهم حتى يدخل الجنة. قال معاذ: ﴿يا رسول الله! أخبرني بعمل يدخلني الجنة ويباعدني من النار -لا فض فوك، ما أحسن هذا المقال! وما أحسن هذا السؤال! - فقال ﵊: لقد سألت عن عظيم﴾ هذا السؤال من أعظم الأسئلة في تاريخ الإنسان؛ ولذلك جعل أهل العلم هذا الحديث من أصول أحاديث الأعمال، وأتى به النووي في الأربعين النووية، وتكلف كثير من العلماء في شرحه، وقاموا بتوضيحه للناس وهو وصية أهديها لنفسي وإليكم جميعاً. قال: ﴿لقد سألت عن عظيم! وإنه ليسير على من يسره الله عليه: تعبد الله لا تشرك به شيئاً, وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان، وتحج البيت﴾ هذا هو الإسلام، هذا السطر هو مفهوم رسالة الرسول ﷺ ، ليس فيه ألغاز ولا مشكلات ولا تصفيف كلام ﴿تعبد الله لا تشرك به شيئاً وتقيم الصلاة وتؤتي الزكاة وتصوم رمضان وتحج البيت ثم قال: ألا أدلك على أبواب الخير؟ الصوم جنة -أي: وقاية من العذاب ومن النار والعار والدمار- والصدقة تطفئ الخطيئة، وصلاة الرجل في جوف الليل، ثم تلا ﵊ ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ﴾ [السجدة:١٦] حتى بلغ ﴿يَعْمَلُونَ﴾ [السجدة:١٧] ثم قال: ألا أخبرك برأس الأمر وعموده وذروة سنامه؟ قلت: بلى يا رسول الله! قال: رأس الأمر الإسلام، وعموده الصلاة، وذروة سنامه الجهاد في سبيل الله، ثم قال: ألا أخبرك بملاك ذلك كله؟ قلت: بلى يا رسول الله! قال: فأخذ ﷺ بلسان نفسه ثم قال: كف عليك هذا. قلت: يا نبي الله! وإنا لمؤاخذون بما نتكلم به؟ قال: ثكلتك أمك يا معاذ! -أي: فقدتك أمك لا تفهم هذه المسألة، وهو دعاء عند العرب لا يراد منه إمضاء هذا الدعاء ولا إيقاع هذا الدعاء بالمدعو عليه- وهل يكب الناس في النار على وجوههم إلا حصائد ألسنتهم﴾ -وفي لفظ آخر: ﴿وهل يكب الناس في النار على مناخرهم أو على أنوفهم إلا حصائد ألسنتهم﴾. هذا السائل عن طريق الجنة أجابه الرسول ﵊ بهذه الإجابة، والطريق إلى الله يكمن في هذا الحديث ﴿تعبد الله لا تشرك به شيئاً﴾ ولذلك كان يوصي بها رسول الله ﷺ الناس.

стр. 3541

عبادة الله وعدم الشرك به وعند ابن حبان بسند صحيح, أن أبا ذر ﵁ وأرضاه قال: ﴿أوصاني خليلي ﷺ بثمان، من هذه الثمان: أن تعبد الله لا تشرك به شيئاً ولو قطعت ومزقت وحرقت﴾. والتقطيع والتمزيق والتحريق أهون والله من الشرك بالله، ولذلك كان يوصي به ﷺ الناس دائماً. وعند مسلم في صحيحه , أن الرسول ﵊ سمع رجلاً في جوف الليل يقول: لا إله إلا الله محمد رسول الله. فقال: ﴿نجوت من النار ورب الكعبة﴾ لأنه قالها مخلصاً من قلبه, أو أن الرسول ﷺ عرف أن ذلك الرجل سوف يقوم بمؤدى لا إله إلا الله، وإلا فلا إله إلا الله وحدها لا تكفي إلا بعمل. عند البخاري في الصحيح أن وهب بن منبه قال: لا إله إلا الله كالمفتاح والفرائض كالأسنان، فأنت إذا جئت بالمفتاح بأسنان فتح لك الباب (الجنة) وإذا أتيت بمفتاح بلا أسنان لم يفتح لك الباب. فلا إله إلا الله محمد رسول الله هي من أعظم ما أوصى بها رسول الهدى ﷺ الناس، ورسالته تكمن في هاتين الكلمتين، قال ابن القيم: " هي تجريد العبودية لله وتجريد المتابعة لرسول الله ﷺ ". فالعبودية لله بلا شرك, والمتابعة للرسول ﷺ ألا تجعل لك قدوة مع الرسول ﷺ غيره من الناس: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيراً﴾ [الأحزاب:٢١]. وضمام بن ثعلبة كما جاء في الحديث المشهور, وهو يكرر دائماً لعظمه، ولذلك أورده البخاري في كتاب العلم, ومسلم في كتاب الإيمان، وشرحه الشراح, واعتنى به أهل العلم من أهل التصنيف: كان ﵊ جالساً بعد صلاة العصر, فوفد ضمام بن ثعلبة أخو بني سعد بن بكر على راحلته فقال: أين محمد بن عبد المطلب؟ هو ابن عبد الله ﷺ ، لكنه تجّوز إلى جده؛ لأن جده أشهر في العرب من أبيه، ولذلك يقول ﷺ يوم حنين: ﴿أنا النبي لا كذب، أنا ابن عبد المطلب﴾. قالوا له: هو ذاك الرجل الأبيض الأمهق المرتفق, فتخطى الصفوف وأخذ ينادي: يا بن عبد المطلب. أتى على حاله من البادية، وأهل البادية أهل جفاء إلا من رحم ربك، أتى بأحذيته يتخطى الصفوف, يضرب هذا ويصفع هذا ويرد هذا ويقول: يا محمد، يا بن عبد المطلب ولم يقل: يا رسول الله! والله يقول: ﴿لا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضاً﴾ [النور:٦٣] فلما اقترب قال ﵊: نعم. قال إني سائلك فمشدد عليك في المسألة فلا تجد عليّ -يقول: سؤالي صعب وشديد وشاق فلا تغضب علي- قال: سل ما بدا لك. قال: يا رسول الله! من رفع السماء؟ قال: الله. قال: من بسط الأرض؟ قال: الله. قال: من نصب الجبال؟ قال: الله. قال: أسألك بمن رفع السماء وبسط الأرض ونصب الجبال آلله أرسلك إلينا رسولاً؟ وكان ﷺ متكئاً فتربع واحمر وجهه من عظم السؤال وقال: اللهم نعم. قال: أسألك بمن رفع السماء وبسط الأرض ونصب الجبال آلله أمرك أن تأمرنا بخمس صلوات في اليوم والليلة؟ قال: اللهم نعم. فأخذ يسأله حتى انتهى من أركان الإسلام فتولى وفك عقال ناقته وقد تعلم الإسلام فيما يقارب العشر الدقائق! وركب الناقة وقال: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أنك رسول الله، والله لا أزيد على ما سمعت ولا أنقص, أنا ضمام بن ثعلبة أخو بني سعد بن بكر؛ فتبسم ﷺ للناس وقال: ﴿من سره أن ينظر إلى رجل من أهل الجنة فلينظر إلى هذا﴾ وقال في لفظ آخر: ﴿أفلح ودخل الجنة إن صدق﴾ إن كان صدق على ما قال من إعطائه العهد والميثاق والملازمة وأخذ الضمان عليه أنه سوف يوفي حقوق الله وحقوق الدين فسوف يدخل الجنة لا محالة.

стр. 3542

أبواب الخير ثم يقول ﵊ لمعاذ: ﴿ألا أدلك على أبواب الخير؟﴾ فالخير أبوب؛ ولذلك سئل ابن تيمية في الفتاوى فقيل له: أصحيح هذه الكلمة التي تقال أن الطرق إلى الله عدد الأنفاس؟ قال: إن كان قصد السائل أن طرق التبليغ من الله إلى خلقه عدد الأنفاس فهذا ليس بصحيح، بل التبليغ عن الرسل عليهم الصلاة والسلام وعن محمد فحسب، وإن كان قصده طرق الخير فصحيح هذا الكلام؛ ولذلك جعل الله للجنة أبواباً ثمانية. وقل لـ بلال العزم من قلب صادق أرحنا بها إن كنت حقاً مصلياً توضأ بماء التوبة اليوم مخلصاً به ترقَ أبوب الجنان الثمانيا وجاء عند البخاري في صحيحه في كتاب الجهاد, قال ﵊: ﴿إن للجنة أبواباً ثمانية، فمن كان من أهل الصلاة دعي من باب الصلاة، ومن كان من أهل الصدقة دعي من باب الصدقة، ومن كان من أهل الصيام دعي من باب الصيام، ومن كان من أهل الجهاد دعي من باب الجهاد﴾ و السؤال كيف يقسم ﷺ الأبواب ويجعل الناس أقساماً, مع أنه لا بد أن يكون المسلم مصلياً والمسلمون جميعاً من أهل الصلاة؟ هل المعنى أن ينادى يوم القيامة فيقال: يا أيها المصلون ادخلوا من هذا الباب، ويا أيها المجاهدون ادخلوا من هذا الباب، ويا أيها الصائمون ادخلوا من هذا الباب؟ إذاً فما هو المعنى؟ المعنى: أن المسلمين لا بد أن يقوموا بالفرائض جميعاً, وبعضهم يزيد في الصلاة فيعرف بالمصلي من كثرة صلاته, فتصير عبادته هي الصلاة, فلا يرتاح إلا للصلاة؛ فيدعى من باب الصلاة، وبعضهم يرتاح للجهاد بعد أداء الفرائض من الصلاة وغيرها فيدعى من باب الجهاد، وبعضهم يرتاح للصيام, ولذلك قال تعالى: ﴿قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَشْرَبَهُمْ﴾ [البقرة:٦٠] ترى بعض الناس يأخذ الطريق إلى الله من طريق الصيام؛ فتجده في شدة الحر وفي معمعان الصيف وهو صائم، فباب الريان باب الصائمين، وبعض الناس لا يرتاح إلا للذكر بعد الفرائض, فلسانه يهتف بذكر الله دائماً وأبداً، لسانه رطب بذكر المولى . إذا مرضنا تداوينا بذكركم ونترك الذكر أحياناً فننتكس وكذلك الجهاد، وهذا فتح من الله يفتحه على بعض الناس، يقول ابن القيم في طريق الهجرتين: بعضهم يأتي فيوفق لهذه العبادة ولهذا الباب، وأما الكُمَّل (الكاملين من الناس) فإنهم يأخذون من كل غنيمة بسهم. تجده مع المصلين مصلياً، ومع الذاكرين ذاكراً، ومع المتصدقين متصدقاً ﴿ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾ [الجمعة:٤] مثل أبي بكر الصديق فقد كان من أكثر الناس عبادة لله بالخشية والمراقبة، صلى وتنفل بالصلاة, وصام وزكى وجاهد وعدل وبذل أمواله في سبيل الله، وحفظ أوقاته وسكب وقته ودموعه ودمه وعرقه لخدمة لا إله إلا الله ولرفع لا إله إلا الله؛ فلذلك كان سابقاً بهذا العمل. وكان ﵊ يعرف مواصفات الناس وطاقاتهم وجهودهم، يأتيه الرجل فيقول: يا رسول الله! أوصني. فيوصيه ﷺ بما يناسبه، يأتيه نحيف البنية الهزيل الضعيف فيقول: يا رسول الله! دلني على عمل فيقول: ﴿لا يزال لسانك رطباً من ذكر الله﴾ لأنه لو دله على الصيام والجهاد ما استطاع، ويأتيه الرجل وله والدان فيقول: يا رسول الله! دلني على عمل. فيقول: ﴿عليك ببر الوالدين﴾ ويقول غيلان الثقفي القوي البدين: يا رسول الله! دلني على عمل. قال: ﴿عليك بالجهاد في سبيل الله﴾ وهذا لا يعرفه إلا رسول الهدى ﵊.

стр. 3543

الصوم جنة قال ﵊: ﴿ألا أدلك على أبوب الخير؟ الصوم جنة﴾ الصوم شيء عجيب، وفيه تربية للأرواح، وفيه من المنافع والفوائد ما لا يعلمه إلا الله ﵎، وبالمناسبة أوصيكم ونفسي باستغلال الفرص السانحة الغادية الرائحة على العبد, فإنه لا يدري متى يموت, وذلك كصيام عاشوراء مع صيام يوم قبله أو يوم بعده, فإنه سئل عنه ﷺ -كما في الحديث الصحيح- فقال: ﴿أرجو أن يكفر الله به السنة الماضية﴾ سنة كاملة يكفرها الله بهذا اليوم فأوصيكم بهذا اليوم وغيره من الأيام الفاضلة. وكان الصحابة رضي الله عليهم وأرضاهم من أكثر الناس صياماً حتى في الجهاد، وفي المعركة قد يرخص المسلم لنفسه؛ لأنه يقاتل ويقارع بالسيوف ويضرب بالرماح فيقول: ولماذا أصوم؟ أريد أن أتقوى بالطعام على القتال. لكن وجد من الصحابة من يصوم والسيف على رأسه, وطنين الرمح على شرفات حاجبه وهو صائم لله مثل من؟ مثل عبد الله بن رواحة، الشاعر البطل، الشاب المقدام، الذي قدم نفسه قرباناً فتقبلها الله يوم أن تقبل الله من الصادقين في مؤتة، وكان ﵁ صائماً, وكان دوره في القيادة الدور الثالث بعد زيد بن حارثة وجعفر، والرسول ﷺ لما أرسل الجيش كانوا ثلاثة آلاف، والجيش المقابل -كما قال بعض المؤرخين- كانوا مائة وثمانين ألفاً! ما كنا نقاتل الناس بطائرات ولا صواريخ ولا دبابات، صحيح أن الله أمرنا أن نستعد, لكن كنا نفوز بقلوب ملأتها لا إله إلا الله أمتي هل لك بين الأمم منبر للسيف أو للقلم أتلقاك وطرفي حاسر أسفاً من أمسك المنصرم ألإسرائيل تعلو راية في حمى المهد وظل الحرم أو ما كنت إذا البغي اعتدى موجة من لهب أو من دم نعم كانت الأمة الإسلامية موجة من لهب وموجة من دم يوم عرفت لا إله إلا الله. وصل ثلاثة آلاف إلى قرب عمان في أرض الأردن , ووصل مائة وثمانون ألفاً منهم العربي وغير العربي من النصارى وغيرهم إلى هناك، وتقابل الفريقان، فلما رأى الصحابة أن هذا العدد الهائل الذي أقبل كالبحر أو كالجبال بعضها يزحف على بعض، وأنت تصور مائة وثمانين ألفاً! كل كتيبة ألف مقاتل، وكل كتيبة تعرف أنها تريد احتلال الجزيرة العربية ودحض الإسلام وإنهاء الدعوة المحمدية، ووراء وأمام كل كتيبة قائد! فلما رأى المسلمون ذلك قال عقلاؤهم: نريد الرجوع إلى المدينة ولا نقاتل؛ لأن العدد ليس متكافئ, فقال عبد الله بن رواحة الصائم المجاهد: يا أيها الناس! أما نحن فقد خرجنا لإحدى الحسنيين, إما الموت في سبيل الله وهي الشهادة وإما النصر والعزة للإسلام، والذي نفس عبد الله بن رواحة بيده لا أعود حتى أموت شهيداً أو ينصر الله الإسلام والمسلمين، ثم أخذ غمد سيفه وكسره على ركبته، وهذا عند العرب ساعة الصفر!! معناه عدم العودة إلى الوراء، وتقدم زيد فقتل ثم تقدم جعفر فقتل، وأتى دوره ليأخذ راية لا إله إلا الله مع الغروب، الشمس تودع الدنيا بأشعتها الصفراء وتريد الانتهاء وهو صائم لا يجد بلل الريق في فمه، صائم مجاهد وهو على فرسه!! فلما دعي وقالوا: أين عبد الله بن رواحة؟ يدعونه الصحابة، قال: نعم. قالوا: لقد قتل جعفر. فتقدم. فقال: ناولوني شيئاً من الطعام أتقوى به على القتال فإني أصبحت اليوم صائماً, فناولوه عرقاً من لحم فأخذ يأكله, ولما أراد أن يمضغه لم يعد للطعام مذاقاً ولا للشراب مساغاً سبحان الله! أيساغ الطعام ويذاق والصحابة يجندلون, ورءوس الأبطال تضرب تحت سنابك الخيل؟! يرى جعفر ابن عم الرسول ﷺ يقطع أمامه ثم يأكل! يرى زيد بن حارثة يقطع ثم يأكل! فأخذ السيف وأخذ يقول: أقسمت يا نفس لتنزلنه لتنزلن أو لتكرهنه إن أقبل الناس وشدوا الرنة مالي أراك تكرهين الجنة هل أنت إلا نطفة في شنة ثم تقدم واقتحم على الفرس وقاتل وقتل مع الغروب، والرسول ﵊ يتابع المعركة من المدينة، كشف الله له الغطاء حتى رأى الجيوش ورأى القتال ورأى القواد, فجمع الناس وهو يبكي على المنبر ﷺ ويقطع صوته البكاء ويقول: لقد مر بي الثلاثة على أسرة، وفي سرير عبد الله بن رواحة ازورار وقد دخلوا الجنة جميعاً. ﵃ وأرضاهم. ومن الذي باع الحياة رخيصة ورأى رضاك أعز شيئاً فاشترى هؤلاء هم صحابة محمد ﷺ ، يوم ما كان غير الله يديدن عليهم أبداً، كانت رايتهم لا إله إلا الله، لا قومية، ولا بعثية، ولا علمانية، ولا شيوعية؛ لأن هذه الرايات جربناها كثيراً في الساحات وأخفقت, وداسها أبناء القردة والخنازير بطائراتهم وصواريخهم ودكوها وردوها على أعقابها خاسرة منكسرة آسفة، نعم جربت هذه الشعارات أكثر من خمسين سنة, وهي ترفع وتقول إنها تريد تحرير فلسطين ورد القدس للمسلمين، لكن تقدمت فخسرت وخسأت وخابت لأنها علمانية، وعادت وهي تحمل العار والشنار والدمار؛ لأن لا إله إلا الله ما ارتفعت في سماء المسلمين. جاء عن أبي الدرداء ﵁ أنه قال: ﴿خرجنا مع رسول الله ﷺ في حر شديد, حتى إن أحدنا يضع يده على رأسه من شدة الحر﴾ تصور يوم تخرج في الجزيرة العربية القاحلة الرمضاء, التي تكاد تشوي البشرة وتمتص الدم من الشرايين, وتجد الرجل من الصحابة يضع يده على رأسه يتقي حرارة الشمس! قال: ﴿وما منا صائم إلا رسول الله ﷺ وعبد الله بن رواحة﴾. ولذلك استوصى أبناء أبي موسى الأشعري أباهم فقالوا: بم توصنا؟ قال: عليكم بالصيام في شدة الحر وفي المعمعمان يقيكم الله الحر ذلك اليوم؛ لأن ذاك اليوم لا يتقى إلا بالعمل الصالح يوم لا ظل فيه إلا ظل الله، يوم لا رحمة فيه إلا رحمة الله . ذكر ابن كثير في ترجمة أحد الصالحين أن روح بن زنباع , وهو أمير أموي قيل كان أميراً لـ عبد الملك بن مروان , وقيل للوليد بن عبد الملك، كان روح بن زنباع مسافراً يريد مكة لأداء العمرة, ومعه موكب, وعنده سُفَر يمد عليها ما لذ وطاب من الطعام والشراب، ومن كل الفواكه والأطعمة، فرأى رجلاً صالحاً يرعى غنماً معه, كلما مشى قليلاً توضأ وصلى ركعتين، فقال روح: علي بالرجل. فذهبوا وأتوا به, فقال له ابن زنباع: أتريد أن تكون ضيفنا هذا اليوم. قال: لقد دعاني من هو أكرم منك. قال: ومن أكرم مني وليس في هذه البوادي رجل إلا أنا؟ قال: دعاني رب العالمين للإفطار الليلة عنده. قال: أإنك لصائم؟ قال: نعم. قال: أفطر عندي اليوم وصم غداً. قال: وهل تضمن لي أن تبقى عليَّ الأيام؟ يقول: هل تضمن لي أن تبقى أيامي وعمري إلى الغد؟ قال: لا. قال: فلا والله، لن أفطر هذا اليوم لأنني أخاف أن أموت غداً؛ فبكى الأمير وقال: ضاعت أيامك يا روح بن زنباع! على موائد بني أمية. ولذلك كان طريق الجنة للأخيار والصالحين هو هذا الطريق، وذكروا في ترجمة زيد بن سهل الأنصاري أبي طلحة ﵁, الذي يقول فيه الرسول ﷺ : ﴿والذي نفسي بيده لصوت أبي طلحة في الجيش خير من مائة فارس﴾ صوت أبي طلحة فحسب إذا كبر وهلل وسط قعقعة السيوف، وضرب الرماح يساوي مائة فارس, فما بالك بالرجل؟! يقول: ما صام إلا رمضان وحده في عهد الجهاد لاشتغاله بالجهاد، ثم سرد الصيام إلا يوم الفطر ويوم الأضحى أربعين سنة. ذكروا ذلك في ترجمته, ونحن لا نوردها لسرد الصيام، ولا نبحث هل يجوز سرد الصيام إلا عيد الفطر وعيد الأضحى؟ إنما نوردها للاعتبار وقوة همم هؤلاء الصحابة على العبادة. قال ﵊: ﴿والصوم جنة﴾ وعند مسلم عن أبي سعيد ﵁ وأرضاه؛ قال ﵊: ﴿من صام يوماً في سبيل الله باعد الله وجهه عن النار سبعين خريفاً﴾. وذكر عن ابن عمر ﵁ وأرضاه أنه كان يصوم في حر المدينة , وما كان هناك مكيفات ولا ماء بارد ولا ثلج ولا شيء من هذا. قال: فكان يوضع له قربة في الشجرة وتقطر هذه القربة بمائها على صدره، فيقولون له: لو تركت الصيام إلى الشتاء. قال: إني أخاف أن أموت قبل أن يأتي الشتاء. إنه عمر محسوب. يا متعب الجسم كم تسعى لراحته أتعبت جسمك فيما فيه خسران أقبل على الروح واستكمل فضائلها فأنت بالروح لا بالجسم إنسان وهذا الوزير ابن هبيرة الحنبلي, صاحب كتاب الإفصاح، كان من أعظم الوزراء، ومن أزهدهم في تاريخ الإسلام، كان وزيراً للخليفة العباسي المستنجد، وهو حنبلي المذهب ومحدث، ويخشى الله كثيراً، كان يجلس لمجلس الحديث بعد صلاة العصر من يوم الجمعة, فيقرأ عليه العلماء الحديث فيبكي حتى يقول الناس: سيموت هذه الليلة. حج وكان صائماً، ولما وصل إلى مكة أصاب الناس حر شديد وانتهى الماء، والتمس الناس الماء حتى أشرفوا على الهلاك من كثرة الضمأ! فتوضأ وقام ورفع يديه وقال: اللهم اسقنا، اللهم اسقنا قال الراوي -وهذا في طبقات الحنابلة في ترجمته-: فوالله ما اقترب الغروب إلا وقد تساقط الغيث على الناس وسقط مع الغيث ثلج مبرد، فأخذ يحمل الثلج في إنائه ويبكي ويقول: يا ليتني سألت الله المغفرة، يا ليتني سألت الله المغفرة. كان ابن هبيرة من أعظم الوزراء شهامة وريادة وتقوى وخشية وقراءة وتلاوة وعلماً، حتى يقول فيه الخليفة المستنجد وهو يمدحه: صفت نعمتان عمتاك وخصتا فخيرهما حتى القيامة يذكر وزهدك والدنيا إليك فقيرة وجودك والمعروف في الناس يذكر ولو كان مكانك جعفر ويحيى لكف عنه يحيى وجعفر ولم أر من ينوي لك السوء يا أبا الـ ـمظفر إلا كنت أنت المظفر الشاهد: أن الرسول ﷺ قال: ﴿والصوم جنة﴾ أي: يتقي به العبد يوم القيامة من غضب الله ومن سخطه، فالله الله في الصيام لكن باقتصاد، الذهبي ترجم لأحد العلماء في سير أعلام النبلاء فقال: عليك بالصيام وأكثر منه. قال الذهبي: باقتصاد. أي تقتصد في الصيام؛ ثلاثة أيام من كل شهر من أعظم الصيام في الإسلام، وهي صيام الدهر وهي صيام رسولنا ﷺ وإبراهيم ﵇.

стр. 3544

الصدقة وفضلها قال ﵊: ﴿والصدقة تطفئ الخطيئة كما يطفئ الماء النار﴾. هذا مبدأ آخر وباب آخر فتحه الله للمقبولين من عباده، والكلمة الطيبة في الإسلام صدقة، والبسمة صدقة، واللين صدقة، وفي الصحيح: ﴿يصبح على كل سلامى من أحدكم -والسلامى هو المفصل- صدقة، كل يوم تصلح فيه بين اثنين صدقة، والكلمة الطيبة صدقة، وبكل تسبيحة صدقة ويجزئ عن ذلك ركعتان يركعهما أحدكم من الضحى﴾ فالشاهد: الصدقة، ولذلك دخل كثير من الصالحين الجنة بسبب الصدقة. ومن أعظم ما يذكر في هذا الباب أبو بكر ﵁ وأرضاه؛ فإنه أنفق أمواله في سبيل الله وما ادخر شيئاً، وعمر بن الخطاب قدم نصف ماله في سبيل الله، وعثمان جهز جيش العسرة في غزوة تبوك , حتى قال ﷺ : ﴿اللهم ارض عن عثمان فإني عنه راض، اللهم اغفر ل عثمان ما تقدم من ذنبه وما تأخر﴾ ﵃ وأرضاهم جميعاً. وجاء عن عبد الرحمن بن عوف أن قافلة قدمت المدينة إليه في أيام قحط, فقال لتجار المدينة: كم تعطوني في كل درهم؟ قالوا: درهماً. قال: وجدت من زادني. قالوا: نعطيك درهمين. قال: وجدت من زادني. قالوا: ثلاثة. قال: وجدت من زادني. قالوا: نحن تجار المدينة وما يزيدك أحد. قال: فإن الله قد زادني في الدرهم عشرة إلى سبعمائة إلى أضعاف كثيرة قال تعالى: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة:٢٦١] ثم قال: أشهدكم أيها الناس أنها في سبيل الله؛ فتفرق الناس وهم يقولون: سقى الله ابن عوف من سلسبيل الجنة. فقوله ﷺ : ﴿والصدقة تطفئ الخطيئة﴾ يقول أهل العلم: من أعظم ما يكفر به العبد عن سيئاته إذا أساء الصلاة والصدقة. قال الله تعالى: ﴿وَأَقِمِ الصَّلاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفاً مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ﴾ [هود:١١٤]. فدل ﵊ معاذاً على الصدقة؛ لأنها من أبواب الخير التي ذكرها المصطفى ﷺ .

стр. 3545

صلاة الليل ثم قال: ﴿وصلاة الرجل في جوف الليل، وتلا ﵊ قوله تعالى: ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفاً وَطَمَعاً وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ [السجدة:١٦]﴾ صلاة الليل قلّت في هذا الزمن، ونشكو حالنا إلى الله ، وسبب قلتها كثرة المعاصي وكثرة تمرسنا في المباحات وسهرنا الذي كله -إلا ما رحم ربك- ليس فيه منفعة، فكلما سهر العبد عطل عليه تلك الساعة التي يتنزل فيها ربنا إلى السماء الدنيا نزولاً يليق بجلاله فينادي: هل من سائل فأعطيه؟ هل من مستغفر فأغفر له؟ هل من داع فأجيبه؟ فأوصى رسول الله ﷺ معاذاً بهذه الوصية قلت لليل هل بجوفك سر عامر بالحديث والأسرار قال لم ألق في حياتي حديثاً كحديث الأحباب في الأسحار فمن أحسن عبادة المسلم, وهي المربية للأرواح، والمكفرة للذنوب، والمنمية للإيمان قيام الليل, ولو كان نصف ساعة، وأقل ورد هما ركعتان، فداوم على ركعتين كل ليلة قبل صلاة الفجر يمنحك الله إيماناً ونوراً ويقيناً, ويسددك ويهديك سواء السبيل. ولذلك يرى ابن الجوزي في صيد الخاطر أن من أعظم ما يربي الفرد المسلم قيام الليل، وهذا الذي أوصى به رسول الهدى ﷺ , فقال ل عبد الله بن عمر يوم سألته حفصة: ﴿نعم الرجل عبد الله لو كان يقوم من الليل﴾ فما كان ينام من الليل إلا قليلاً. وقال لـ عبد الله بن عمر كما في الصحيح: ﴿يا عبد الله! لا تكن كفلان كان يقوم الليل ثم ترك قيام الليل﴾ فالله الله في هذه السنة التي تركت, وفي هذه الشعيرة العظيمة التي هجرت إلا عند من رحم الله . ويكفي العبد -كما ذكرت- أن يقوم ولو قليلاً من الليل, ويتهجد ويقرأ شيئاً من القرآن, ثم يختم ذلك بالاستغفار ويرفع يديه إلى علام الغيوب, الذي لا تغيب عنه الحوائج ولا ترد عنده المسائل، ولا تختلف عليه اللهجات، ولا تتنوع عليه الحاجات ﵎، فيشكو إليه حاله وقلته وضعفه وذنوبه وسيئاته وخطاياه, فإذا لم يرحم الله فمن يرحم؟! وإذا لم يغفر فمن يغفر؟! وإذا لم يتب علينا فمن يتوب علينا؟!

стр. 3546

خطر اللسان ثم قال ﵊: ﴿ألا أخبرك بملاك ذلك كله؟ -أي: ما يجمع عليك ذلك- قلت: بلى يا رسول الله! فأخذ ﷺ بلسان نفسه وقال: كُفَّ عليك هذا﴾ أخطر ما يمكن أن يواجه العبد في الدنيا هو لسانه، ولذلك قالوا: تسعة أعشار الذنوب من اللسان! والغزالي في الإحياء بوب أبواب الذنوب التي تصاب من اللسان فجعلها عشرة أبواب، والرسول ﵊ كلما ذكر عبداً ذكره بذنب لسانه، فإنه أسرع في الذنوب وفي الخطأ, وهو يتكلم بلا حساب، وهو يفرط منك بلا شعور، فيغتاب وينم ويأتي بالبذاءة، ويأتي بكلمة مدلهمة قد تهوي بصاحبها في النار سبعين خريفاً، فنسأل الله العافية. ورد عن أبي بكر ﵁ وأرضاه أنه وقف يبكي وحده ويقول: [[هذا أوردني الموارد ويأخذ بلسانه]]. هذا أبو بكر ﵁ فما بالنا نحن؟! وابن عباس بكى على الصفا وأخذ بلسان نفسه وقال: [[يا لسان قل خيراً تغنم أو اسكت عن شر تسلم]]. ويقول ابن مسعود -كما نقل عنه ابن رجب في جامع العلوم والحكم -: [[والله الذي لا إله إلا هو ما في الدنيا أحق بطول حبس من اللسان]] , والشافعي ﵀ يقول: لسانك لا تذكر به عورة امرئ فكلك عورات وللناس ألسن وعيناك إن أبدت إليك معايباً لقوم فقل يا عين للناس أعين والرسول ﷺ يقول كما في الصحيح: ﴿من يضمن لي ما بين لحييه وما بين فخذيه أضمن له الجنة﴾ فهي ضمانة من رسول الله ﷺ ، لكن من يضمن؟ انظر إلى نفسك من يوم أن تصبح الصباح إلى أن تنام وأنت في كلام مستمر، ولو ذكرنا الله بقدر كلامنا مع الناس وأخذنا وعطائنا واتصالاتنا وزياراتنا لكنا من الذاكرين الله كثيراً، لكن إذا ذكرنا ذكرنا بغفلة ونسيان وهوس، وإذا أتينا لنتكلم مع الناس استحضرنا قلوبنا وأبدعنا في الكلام، وصححنا الكلمات والنطق، وهذا ليس منهجاً سديداً؛ أن يكثر العبد من اللغو، والله وصف المؤمنين بأنهم عن اللغو معرضون. ذكر عن الربيع بن خثيم -أحد الزهاد العباد التابعين الأخيار- أنه كان يحسب كلامه من الجمعة إلى الجمعة! فقالوا: ما لك؟ أتستطيع ذلك؟! قال: ألا تظنون أن علي رقيباً وعتيداً يحصي ما أقول عن اليمين وعن الشمال؟ وعطاء بن أبي رباح ذكر عنه صاحب التذكرة أنه قال: يا أيها الناس! اتقوا الله في ألسنتكم، لا تتكلموا إلا بخير أو بتلاوة أو بذكر، أو بأمر بمعروف أو نهي عن منكر؛ فإن أعمالكم تحصى عليكم. وسمعت عائشة ﵂ وأرضاها جارات لها يتحدثن بعد صلاة العشاء, فأرسلت جارية لها وقالت: قولي لهن يتقين الله ويرحن الكتبة، لأن الملك لا يترك الكتابة حتى تنام، فمهمته أن يبقى معك حتى تنام، فما بالك بإنسان يبقى حتى الساعة الواحدة أو الساعة الثانية عشرة وهو يتكلم في هذا وذاك وفي المجريات؟ وهذا إن كان من المحسنين، ففي الأخبار والأسعار والأمطار وما جد في المجتمع، والسيء من يغتاب الناس ويأكل لحومهم وأعراضهم، يُجرح ويُعدل بعد صلاة العشاء التي كان السلف يقومون يتباكون فيها ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفاً وَطَمَعاً وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ [السجدة:١٦] الوقت الذي ننام فيه نحن كان السلف يقومون فيه ويصلون. تجد كثيراً من المجالس تئن وتشكو إلى الله من كثرة الذنوب والخطايا، والحرمات التي تنتهك في هذه المجالس. إني أدعو نفسي وإياكم إلى حفظ هذا اللسان، وإلى ذكر الله به كثيراً، وإلى تقوى الله فيه, فإنه كما ورد في حديث ابن عباس -يرفعه تارة ويقفه على نفسه تارة-: ﴿يأتي العبد يوم القيامة أحنق شيء على لسانه, يقول: هذا أوردني الموارد﴾. فنعوذ بالله من لسان لا يسلم من الخطأ، ونعوذ بالله من لسان لا يتسدد على الحق، ونعوذ بالله من لسان لا يجتنب اللغو, فإن الله إذا هدى سدد ووفق, يقول : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١]. أيها الإخوة الكرام! أسأل الله لي ولكم التوفيق والهداية والسداد والرشد, وأن يلهمنا رشدنا ويقينا شر أنفسنا، وأسأله أن يعمر قلوبنا وقلوبكم بذكره ، وأن يهدينا وإياكم سواء السبيل. سبحان ربك رب العزة عما يصفون, وسلام على المرسلين, والحمد لله رب العالمين، وصلى الله على محمد وعلى آله وسلم تسليماً كثيراً.

стр. 3547

الأسئلة

стр. 3548

المقصود بالأيام البيض السؤال هل المقصود بصيام ثلاثة أيام من كل شهر الأيام البيض: (١٤،١٣، ١٥) من كل شهر, أم لا يشترط الترتيب؟ الجواب الأيام البيض هي ما ذكرت: (١٣، ١٤، ١٥) أما هل يشترط أن تسرد، وأن توقع الأيام في هذه الأيام البيض؟ فهذه مسألة أخرى، وقد جاء في الصحيحين من حديث أبي هريرة قال: ﴿أوصاني خليلي ﷺ بثلاث لا أدعهن حتى أموت: ركعتي الضحى، وبصيام ثلاثة أيام من كل شهر، وأن أوتر قبل أن أنام﴾. فأما هذا الحديث ففيه عموم: ثلاثة أيام من أوله أو من آخره أو من وسطه، وابن حجر العسقلاني في فتح الباري ذكر ما يقارب عشرة أقوال في هذه الأيام، فمن السلف الصالح والصحابة من يصوم الثلاثة في أول الشهر، ومنهم من يصوم في كل عشرة أيام يوماً واحداً، ومنهم من يصوم الأيام البيض، لكن الأفضل والأحسن والأولى، والذي هو السنة صيام الثلاثة البيض، لكن إذا عرفت من نفسك وقدرتك أنك لا تستطيع سرد الأيام الثلاثة فانثرها ولا بأس، إنما المقصود ألا يخرج عليك الشهر إلا وقد صمت ثلاثة أيام. وقد يعرض للإنسان سفر في الأيام البيض أو عمل شاق؛ فله أن يؤخر أو يقدم ولا بأس بذلك.

стр. 3549

الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر السؤال أرجو أن تنصحوا الشباب بكيفية إنكار المنكر والأمر بالمعروف لعامة الناس وخاصتهم؟ الجواب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من أشرف الأعمال في الإسلام، ويسمى الحسبة عند علماء الإسلام، والاحتساب يكون لوجه الله ، ولا يتقيد الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بهيئة فحسب، ولا يمكن أن هذه الهيئة تكفي المسلمين مسئولية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فالرسول ﷺ عمم الأمر بقدر الطاقة، ففي الصحيحين من حديث أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله ﷺ : ﴿من رأى منكم منكراً فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان﴾ وأحسن من تكلم في هذه المسألة ابن تيمية في المجلد الثامن عشر من فتاويه، فله مبحث عجيب يستحسن الرجوع إليه في كيفية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر, يقول: "ليكن أمرك بالمعروف بالمعروف، ولا يكن نهيك عن المنكر بالمنكر". لأن بعض الناس إذا أتى لينهى عن المنكر أتى بشيء من المنكر أدهى من الذي ينهى عنه، وفوت من الأمر الحاصل أضعافاً مضاعفة على ما يطلب. ويشترط في الداعية ثلاثة شروط: أولها: الإخلاص لوجه الله، فلا يقصد رياءً ولا سمعة. ثانيها: العلم، فلا يدعو الداعية إلا وهو يعلم بما يدعو إليه, ولا يشترط أن يكون مبرزاً أو متخصصاً, لكن المسألة التي تطرقها لا بد أن تكون عالماً بها. ثالثها: العمل. وبعضهم يزيد شرطاً رابعاً, كما ذكر ذلك الشيخ محمد بن عبد الوهاب في الأصول الثلاثة: وهو الصبر على ما تدعو إليه، ولذلك يقول لقمان لابنه وهو يعظه ببعض الوصايا يقول: ﴿يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ﴾ [لقمان:١٧] فانظر كيف ذكر الصبر بعد الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. والله طلب من رسله اللين مع المخاطبين, فقال لموسى لما أرسله إلى فرعون: ﴿فَقُولا لَهُ قَوْلاً لَيِّناً لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى﴾ [طه:٤٤] قال ابن عباس: [[أتدرون ما القول اللين؟ قالوا: لا. قال: أمره الله أن يلين له الخطاب فيقول له: إن أنت أسلمت وآمنت متعك الله بشبابك وبملكك وبمالك]] فرعون أطغى الطغاة. وأفجر الفجار، شيخ كل متكبر إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها, يقول الله لموسى: ﴿فَقُولا لَهُ قَوْلاً لَيِّناً لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى﴾ [طه:٤٤] لا تجرح شعوره، لا تؤذه بالخطاب القاسي، لا تحاول أن تنغص عليه فإنه لا يستجيب، والناس لهم قدرهم، ولهم شرفهم، ولهم أعراضهم، ولهم قيمتهم، فإذا شعروا أنك تكسر هذا الحاجز، وأنك تهددهم بسحق قيمهم لا يستجيبون أبداً، وتأخذهم العزة بالإثم، بينما إذا دخلت باللين وبالكلمة الطيبة وبالبسمة؛ أخذتهم وجذبتهم بإذنه ، ولذلك يقول الله لرسوله: ﴿وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [الأنفال:٦٣] وقال: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾ [آل عمران:١٥٩] ويقول: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم:٤] وأمره بوصية فقال له مخاطباً إياه ﵊: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾ [الأعراف:١٩٩] ولذلك أزال ﷺ غضب الناس وكسب قلوبهم، يأتيه الرجل وهو يشعر بالعداء المرير والحقد الدفين والحسد والبغض النكير؛ فما يلبث إلا ساعة فيقبل عليه ﷺ بكليته, فيبتسم في وجهه ويلين له في الخطاب، ويرفع له من المقام، ويعطيه قيمته؛ فيكسبه في الدعوة وهذا أسلوبه ﵊. وبالمناسبة أوصي كل طالب علم أن يوزع علمه وينفقه على الناس، فإن العلم إذا لم يزكَّ لم يبارك الله فيه، والله لام بني إسرائيل على كتمانهم العلم وعلى بخلهم به فقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ * إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا فَأُولَئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ [البقرة:١٥٩ - ١٦٠] وقال : ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلا تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ﴾ [آل عمران:١٨٧] فنعوذ بالله من علم لا ينفع، والعلم الذي لا ينفع هو الذي لا ينفع صاحبه ولا ينفع الناس، والعلم كما يقول الأندلسي: هو العضب المهند ليس ينبو تصيب به مقاتل من أردتا وكنز لا تخاف عليه لصاً خفيف الحمل يوجد حيث كنتا يزيد بكثرة الإنفاق منه وينقص إن به كفاً شددتا فبادره وخذ بالجد فيه فإن أعطاكه الله انتفعتا وإن أوتيت فيه طول باع وقال الناس إنك قد رأستا فلا تأمن سؤال الله عنه بتوبيخ علمت فهل عملتا

стр. 3550

طلب العلم والقراءة السؤال أنا شاب ولي رغبة -ولله الحمد- في طلب العلم, وأريد أن أقرأ لأن القراءة هي إحدى الطرق التي توصل إلى طلب العلم، لكنني حينما أريد أن أقرأ لا أجد العزم والقوة، وسرعان ما يتلاشى هذا الحماس فأرشدني إلى طريقة طيبة؟ الجواب القراءة والاطلاع وطلب العلم ليس بالأمر السهل، والعبد المؤمن إذا أراد أن يطلب العلم أو يقرأ عليه أن يصابر نفسه, فلن يؤتى خيراً من خير الدنيا أو خير الآخرة إلا بالصبر، ولذلك ذكر الله الصبر في أكثر من تسعين موضعاً، وقضية أن العلم ينال هكذا بلا صبر وبلا مثابرة ولا سهر ولا بحث ولا مدارسة فهذا بعيد، والمال أرخص من العلم، وأهل المال ورجال الأعمال وأهل رءوس الأموال دائماً في جد وفي عمل، وفي سهر وضنك حتى يجمعوا أموالهم, فكيف بالعلم الذي هو أشرف؟! فإذا علمت ذلك فاعلم أن القراءة ينبغي أن تصبر عليها حتى تكون لك عادة، وهي لا تلبث أن تكون كلفة ثم تكون ألفة بإذن الله، تتكلفها في أول الطريق ثم يتألف قلبك على القراءة. فهذا عبد السلام جد ابن تيمية صاحب المنتقى لأن شيخ الإسلام اسمه أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام يقولون في ترجمته: كان من شغفه على القراءة أنه إذا دخل الخلاء قال لابنه: اقرأ وارفع صوتك حتى أسمع القراءة. ولذلك ترجم له الذهبي وقال: أما عبد السلام -جد ابن تيمية - فكان قمراً, وكان أبوه نجماً, وكان شيخ الإسلام شمساً ﴿فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنَا آيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً﴾ [الإسراء:١٢]. فالمقصود: عليك أن تتقي الله , وأن تستعين به وتقرأ، وأعداؤنا من الخواجات الأمريكان والإنجليز يلومون العرب ويقولون: أقل الناس قراءة هم العرب، وقرأت في بعض المقالات أن موشي ديان وزير حرب العدو الهالك قالوا له: لقد نشرتم أسراركم في الصحف, حتى الصحف العربية نشرت أسرار الجيش الإسرائيلي, فكيف لم يكتشفه العرب؟ قال: إن العرب قوم لا يقرءون. يريدون كل شيء بارتياح، ولذلك تجد أن الكتب عندنا مصنفة ومؤلفة وموشحة ومرجحة ومحققة ومنقحة ولا نقرؤها!! مسند الإمام أحمد جمعه في أربعين سنة، مشى في الدنيا وطاف في البلاد الإسلامية في تلك الفترة ودخل مصر والعراق والشام وخراسان واليمن والحجاز ثم جمع أربعين ألف حديث وتركه وقال لأبنائه: عليكم بهذا الكتاب فإنه سوف يكون للأمة إماماً. وبعد أن طبع وأخرج للناس لا أحد يقرؤه إلا ما رحم ربك. دائماً نقول: نحن أصابنا الملل وأصابنا السأم, وإن لنفسك عليك حقاً ولعينيك عليك حقاً، وأحاديث الرخص تأتينا إذا أتينا نصلي ونقرأ ونذكر الله ، تأتينا أحاديث الرخص حتى نترك الخير، فالمقصود علينا بالصبر وأن نحتسب الأجر والمثوبة. أحد الأمريكان له كتاب دع القلق وابدأ الحياة يقول: الأمريكان يقرءون في الأربعة والعشرين ساعة اثنتي عشرة ساعة. أمريكي لا يؤمن بالله ولا باليوم الآخر, ولا يريد جنة ولا يخاف ناراً, ومع ذلك يقرأ اثنتي عشرة ساعة! خواجة كالكلب! فما بالك أنت أيها المسلم؛ ميراث محمد ﷺ بين يديك, وكتاب الله وسنة رسوله ﷺ بين يديك وأنت لا تقرأ! وهي طريقك إلى الجنة بإذن الله!!

стр. 3551

تنبيه على بعض المنكرات السؤال هنا بعض المنكرات التي انتشرت في المجتمع, كالغناء الماجن بالمكبرات، والرقص الجاهلي الذي يفعل في كثير من الحفلات. فهل من تنبيه على هذا الأمر؟ الجواب أولاً: الغناء -كما تعرفون- محرم، وقد أفتى بهذا كثير من أهل العلم، وهو مستند إلى أحاديث من المصطفى ﷺ ، ففي الصحيح من حديث أبي مالك الأشعري يقول ﵊: ﴿ليكونن أقوام من أمتي يستحلون الحر والحرير والخمر والمعازف﴾ واستحلالها يكون بعد التحريم، وعند أبي داود من حديث ابن عمر أن الرسول ﷺ سمع زمارة راعٍ, فوضع أصبعيه في أذنيه حتى انتهى الصوت، وفعل ذلك ابن عمر. وعند ابن خزيمة بسند صحيح قوله ﵊: ﴿إني نهيت عن صوتين أحمقين فاجرين: صوت عند نعمة وصوت عند مصيبة﴾ فهذا محرم وأمره وظاهر. أما الحفلات والأعراس ففيه تفصيل، فإن اجتمع النساء في مكان لا يخالطهن الرجال، ولا ضيعت فيه الصلوات فلا بأس بضرب الدف، وقد جاء في سنن أبي داود عنه ﷺ بسند صحيح: ﴿أعلنوا النكاح واضربوا عليه بالدف﴾ فالدف في حد ذاته للنساء لا بأس به في الأعراس، وأما إذا زاد وصاحبه عود أو وتر أو مغنية فاجرة أو مغن فاجر فهذا يحرم، إنما الدف في حد ذاته مباح وحلال للنساء في الأعراس بشروطه التي وردت. كذلك التصوير للنساء المخدوعات وقد يصل الأمر إلى التصوير بالفيديو، وهذه من المنكرات الطامة التي بدأت تظهر في المجتمع ونسأل الله أن يكفينا شرها، وإذا انتشرت هذه السيئة فقل على الأمة السلام، إذا خرجت صورة المرأة في المجتمع، أو خرجت في الأندية أو تدوولت في المجالس فقد انتهك العرض، وانكسر الشرف على عتبة الهلاك -نسأل الله العافية- وضاع البيت وانهار، وذهبت القيم والأخلاق، وانهارت كل قيم المجتمع، وأصبحت البيوت ملطخة بالعار والدمار والشنار نعوذ بالله من ذلك. حتى ذكروا أن البلاد العربية التي دخلها الاستعمار ما تمكن فيها إلا يوم أن خرجت صورة المرأة سبحان الله! تصور وأنت العاقل الأريب البار الخير الذي تريد حماية عرضك في الدنيا والآخرة وتريد شرفك في الدنيا والآخرة, فتفاجأ وأنت في مجلس من المجالس وإذا بصورة زوجتك تتناول بين أيدي الرجال الذين لا يريدون الله ولا الدار الآخرة! لأن في الناس فجرة، وفيهم من لا يملك القيم ومن ليس عنده مروءة، ومن يريد أن ينتشر الزنا تماماً في المجتمع، وأن تباع الخمر كما يباع البيبسي في الأسواق! قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ [النور:١٩] والله أعلم بالسرائر، فتصور أن صورة زوجتك يطاف بها في المجالس, ثم تفاجأ وإذا بها في يدك، أو صورة ابنتك أو صورة أختك؛ تصبح الحياة في عينك مرة مظلمة سوداء منتنة ولا تستطيع العيش. فالله الله يا من آمن بالله وباليوم الآخر أن تكون كلمتكم واحدة، وأن تقوموا في وجه الذين يريدون الإفساد في الأرض؛ فإن الله طلب إيقافهم ونهيهم عن المنكر, فإن الشر يعم والخير يخص. ويا أهل العقول أوصيكم ونفسي بتقوى الله، وأوصيكم أن تقوموا في سبيل الله دعاة خير, وأن تتآمروا بالمعروف وتتناهوا عن المنكر؛ ليرضى الله عنكم ظاهراً وباطناً، وليسعدكم في الدنيا والآخرة، وليكون الله معكم أينما كنتم وأينما سرتم، أيدوا كلمة الحق وقوموا مع المحق، ولا ترضوا بالباطل وقوموا في وجهه؛ حينها يرضى الله عنا وعنكم. نسأله لنا ولكم التوفيق والهداية، والسداد والرشد، اللهم بعلمك الغيب وبقدرتك على الخلق أحينا ما كانت الحياة خيراً لنا، وتوفنا إذا كانت الوفاة خيراً لنا، اللهم إنا نسألك خشيتك في الغيب والشهادة، ونسألك كلمة الحق في الغضب والرضا، ونسألك الغنى في القصد والفقر، ونسألك لذة النظر إلى وجهك والشوق إلى لقائك؛ في غير ضراء مضرة ولا فتنة مضلة برحمتك يا أرحم الراحمين. وصلى الله على محمد وعلى آله وسلم تسليماً كثيراً، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

стр. 3552

محمد إقبال شاعر الإيمان والحب والطموح إن الشعر سلاح ذو حدين, فمن استخدمه في الخير نفع وكان سلاحاً قوياً مؤثراً, وهو بعكس ذلك في الشر والعياذ بالله! وعلى مدار التاريخ لا تخلو الأمة من شعراء يحيون لها مجدها الماضي, ويذكرونها بمآثر الآباء والأجداد الذين حملوا هذا الدين على الأكتاف ونشروه شرقاً وغرباً, من أولئك الشعراء الشاعر محمد إقبال.

стр. 3553

مقدمة ترحيبية بالشيخ عائض اللهم لك الحمد كما ينبغي لجلال وجهك وعظيم سلطانك، لك الحمد بالإسلام، ولك الحمد بالقرآن، والصلاة والسلام الأتمان الأكملان على نبينا وحبيبنا نبي البشرية محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين، نحييكم بتحية الإسلام, تحية مباركة طيبة من عند الله فسلام الله عليكم ورحمته وبركاته، وأسعد الله مساءكم بالخيرات والمسرات، وحياكم الله جميعاً يوم أجبتم الدعوة في هذه الليلة المباركة، وبالأصالة عن نفسي وبالنيابة عن إدارة الأنشطة الطلابية بفرع جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية في أبها: وفي مقدمة هذه المحاضرة يسعدنا أن نرحب بالشيخ الفاضل المبارك الداعية، الشيخ: عائض القرني في محاضرته التي هي بعنوان: (محمد إقبال شاعر الحب والطموح) فحياه الله وحياكم جميعاً، وبين يدي محاضرته الكريمة نقدم له تحية عاطرة في باقة شعرية لأن الشيخ يحب الشعر، وتهتهز أريحيته لسماع الشعر: سلام من الأعماق يا شيخ عائض سلاماً يضاهي الغيث بالحب ناهضُ حللتم سويداء القلوب بفضلكم فلله كم يسمو وكم هو رائض ومرحى بكم في معقل العلم والهدى وطئتم رياض الود والود نابض ولله در الشيخ إن قام واعظاً فمن غيض ما يلقيه والبحر فائض فكم من قلوب هزها بحديثه وكم من دموع سيلتها المواعظ إذا شئت علماً فالزم البحر زاخراً وإن شئت شعراً فالمُزون العوارض وإن كنت مشتاقاً إلى ورد منهل تبل الصدى منه فنعم المرابض فما يعرف الأشواق إلا مكابد ولم يدر طعم النفل إلا الفرائض سيشهد هذا الجمع بالحق داعياً إلى الله بالحسنى هو الشيخ عائض والآن أدعو فضيلته ليعطينا ما ييسر الله له، فليتفضل جزاه الله وإياكم خير الجزاء.

стр. 3554

التعريف بمحمد إقبال الحمد لله رب العالمين ولي الصالحين, ولا عدوان إلا على الظالمين، والصلاة والسلام على إمام المتقين وقدوة الناس أجمعين، وعلى آله وصحبه والتابعين, سلام الله عليكم ورحمته وبركاته. نعم عنوان هذه المحاضرة: (إقبال شاعر الإيمان والحب والطموح). وزدت هذه الليلة كلمة الإيمان, ورقم هذه المحاضرة العاشرة بعد المائة، وقبل أن أبدأ أشكر لأهل الفضل فضلهم, وعلى رأسهم هذا الأستاذ الحبيب، والأديب الأريب عبد الله بن محمد بن حميد وقد أخذني على غرة بهذه الأبيات، وما كنت أعلم بها, وأقول له كما قال المتنبي ل سيف الدولة: أتاني رسولك مستعجلاً فلباه شعري الذي أذخر ولو كان يوم وغى قاتم للباه سيفي والأشقر أصرف نفسي كما أشتهي وأملكها والقنا أحمر فشكر الله له كلماته, وأنا أعرف أنه يحبني ولذلك تغاضى عن نقصي وزاد في مدحي. وعين الرضا عن كل عيب كليلة كما أن عين السخط تبدي المساويا أنا أشهد الله على محبته ومحبتكم فيه، وأسأل الله لي ولكم وله الثبات والهداية والسداد، والرشد والتوفيق. أيها الإخوة: هذه المحاضرة عن شاعر عالمي وليس بإقليمي، ليس على مستوى أبها وليس على مستوى الجزيرة ولا على مستوى العرب، ولا على مستوى المسلمين، إنه شاعر على مستوى القارات الست، يعرفه الناس جميعاً، يعرف محمد إقبال الأمريكان، والأوروبيون، والهنود، واليابانيون، والصينيون، والأتراك، والأفغان، يعرف محمد إقبال العلماء والأدباء والجامعات، تعرفه الفلسفة والأدب، وتعرفه القصة والمسرحية، وأنا لن أبالغ في مدحه هذه الليلة لأنه مشهور عندكم, ولكني سوف أتكلم في ظلال هذه الكلمات الثلاث: الإيمان، الحب، الطموح. الإيمان بالله ﵎ رباً، وبمحمد ﷺ نبياً، وبالإسلام ديناً، والحب ما هو معناه الذي ترجمه محمد إقبال؟ والطموح يعني الهمة العالية التي تحدت حدود الزمن وآفاق التاريخ.

стр. 3555

نبذة مختصرة عن حياة محمد إقبال محمد إقبال: هندي الأصل والجنس والمولد، ولد هذا الشاعر العالمي في البنجاب عام (١٨٧٧م). وبكلمة مختصرة قبل أن أغوص في شخصيته أقول: لقد أثر في حياته ثلاث مؤثرات: أولاً: القرآن الكريم: كان محمد إقبال يقرأ القرآن من بعد الفجر إلى طلوع الشمس في كل يوم، ولا يختم المصحف -كما قيل عنه- حتى يبله بالدموع، كان يتأثر تأثراً بالغاً من القرآن لأنه عرف مشارب الجاهلية, قرأ الفلسفة وقرأ العلوم الأخرى وسافر إلى الغرب وذهب وأتى. ثانياً: إطلاعه الواسع: يقول عنه الدكتور الشرباصي: أظن أنه ما وقع كتاب في يد محمد إقبال إلا التهمه، والرجل ذكي ذكاءً خارقاً إبداعياً رهيباً، فلم يك رجلاً عادياً. ثالثاً: خروجه إلى العالم: خرج أولاً من بومباي إلى قناة السويس ثم ذهب إلى أوروبا، واستقر في لندن فترة من الفترات، ثم ذهب إلى ألمانيا فحضر رسالة الدكتوراه في الفلسفة، ودرسها هناك في الجامعة, ثم عاد يطوي العالم, ومر بالعالم العربي، وكان يلقى ترحيباً واسعاً من العالم، وكان إذا هبط بلداً سمع الناس بقدومه فخرجوا لاستقباله. كانت محادثة الركبان تخبرنا عن جعفر بن فلاح أروع الخبر حتى التقينا فلا والله ما سمعت أذني بأحسن مما قد رأى بصري يقول أبو الحسن الندوي في كتابه روائع إقبال صـ٢٠: وجدته شاعراً في الطموح والحب والإيمان، أشهد على نفسي أني كلما قرأت شعره جاش خاطري، وثارت عواطفي، وشعرت بدبيب المعاني والأحاسيس في نفسي، وبحركة للحماسة الإسلامية في عروقي. وتلك قيمة شعره وأدبه في نظري، وأشهد على ما شهد عليه أبو الحسن الندوي أنه يأتيني أمر عجيب إذا قرأت شعره, وسوف أورد نماذج من شعره في هذه الليلة.

стр. 3556

أحواله الشخصية كانت معيشته معيشة متوسطة تميل إلى الفقر، من أبوين متدينين، دخل عليه أبوه وهو يقرأ القرآن بعد الفجر ويلاعب أخته الطفلة الصغيرة، فقال له: يا إقبال! اقرأ القرآن كأنه أنزل عليك. قال: فأخذت بهذه الوصية فكنت أقرأ القرآن كأنه أنزل عليّ, فيتأثر بذلك. يقول سيد قطب ﵀ في الظلال: كدت أتوافق أنا ومحمد إقبال في المعاني، وربما توافقنا في الألفاظ. وحياة الرجلين متفقة في مجملها؛ فذاك درس الدراسة الغربية، وهذا كذلك، وذاك يملك طموحاً وهذا كذلك، وذاك يملك عصا الإيمان، وهذا كذلك. شعراء الضلال سحار فرعون وأنت العصا وأنت الكليم تزوج ثلاث مرات، المرة الأولى لم يوفق وأنجب من زوجته الأولى طفلتين وولداً، وتزوج الثانية ثم الثالثة. كان يسكن بيتاً متواضعاً، فقيل له: لماذا تسكن هذا البيت؟ قال: إني أسكن العالم. وبالفعل كان يسكن العالم، كان يتبرم بالأوضاع التي يعيش فيها، وينظر إلى الهنود وإذا هم يعيشون حياة بعيدة عن الإسلام، وينظر وإذا المسلمون مستخذلون بالاستعمار، فينفر ويقطب جبينه ويحاول أن يثور كالبركان. كان مريضاً في حياته، والعظماء كثيراً ما يمرضون، فتجد العظماء عندهم خلل في الهيكل الجسمي, قطع الغيار عندهم لا تتوفر، إما الكلى أو الرئة أو العين أو اليد، وهذا أمر معلوم بالاستقراء والله أعلى وأعلم. عاش في فترات ثلاث: الفترة الأولى: فترة الشباب: قضاها في العلم النافع، وهو علم مجمل من علم الشريعة، والرجل ليس مفتياً ولا واعظاً وإنما كان عنده علم مجمل، ويخالفه طلبة علم وعلماء الشريعة في بعض القضايا التي سوف أعرج عليها. أنا -يا أيها الأخوة! - لا أعرض عليكم الليلة محمد إقبال على أنه مفتٍ، ولا من هيئة كبار العلماء، ولا شارحاً للطحاوية، إنما أعرض عليكم محمد إقبال شاعراً عالمياً، لا نجد مثلاً للشاعر الذي يقدم للإسلام شعراً قوياً أصيلاً إلا محمد إقبال. وأنا أعرف أن أمامي من الدكاترة والأساتذة والأدباء من قد يخالفني في بعض المسائل ويوافقني في البعض ولكن أقول لهم: إن يختلف ماء الوصال فماؤنا عذب تحدر من غمام واحد أو يفترق نسب يؤلف بيننا دين أقمناه مقام الوالد الفترة الثانية: فترة الرجولة: عاش إقبال صارخاً في شعبه يريد أن يوحد دولته، ولذلك هو الذي كان سبباً في إقامة دولة باكستان بعد الله ، وأهل باكستان اليوم إذا احتفلوا بعيد محمد إقبال يخرج ثمانون مليوناً في الشوارع، يحملون صور محمد إقبال ويهتفون: إذا الإيمان ضاع فلا أمان ولا دنياً لمن لم يحي ديناً ومن رضي الحياة بغير دين فقد جعل الفناء لها قريناً والشعر شعر إقبال. الفترة الثالثة: فترة الشيخوخة: قضاها متأملاً , كان يصعد إلى الجبال ويكتب، ونحن لم نفهم شعره, لكنه مترجم, وربما تكلم بالعربية ببعض القصائد فحرك الأجيال، يقول الباكستانيون: كان يكتب قصيدة في الليل، فتنشر في الصحيفة في اليوم الثاني -كما يذكر الشرباصي وغيره- فيخرج الشعب هائجاً مائجاً في الشارع, وهذا والله الأدب، وهذا والله السحر الحلال، وهذا والله الفيتامين الذي ما ملكه إلا محمد إقبال؛ أن ينظم قصيدة وتنشر في الصحيفة ثم يخرج الملايين يدندنون بفكرته، ولذلك ثاروا على الإنجليز وأقاموا دولة, وسوف أعرض لبعض مقتطفاته.

стр. 3557

الذين تكلموا عن محمد إقبال - تكلم عن محمد إقبال، أبو الحسن الندوي , وأبدع أيما إبداع في كتاب روائع إقبال , وأبو الحسن الندوي أديب عملاق، إذا كتب قلمه فالله المستعان، ويقول: أخالفه في بعض القضايا. وصدق؛ لأن إقبال أراد أن يحول بعض قضايا الإسلام إلى قضايا فلسفية, ونحن لا نوافقه على ذلك، حتى سيد قطب يعترض عليه. - وكتب عن إقبال نجيب الكيلاني في قصة طويلة أسماها: (إقبال الشاعر الثائر). إقبال في مسجد قرطبة للدكتور عبد الوهاب عزام. - فلسفة إقبال , للدكتور علي شعلان الصاوي. - إقبال وموقفه من الحضارة الغربية: لـ خليل الرحمن عبد الرحمن. - إقبال العرب: لمجموعة من العلماء. - وكتب عنه طه حسين مقالة. - وكتب عنه العقاد مقالة، وذكره في كثير من كتبه. - وذكره الطنطاوي في مقالات, ونسي نفسه وهو يتحدث عن إقبال. - وتعرض له سيد قطب كثيراً وأشاد به. - وكتب عنه مقالة المراغي شيخ الأزهر. - وكتب عنه كذلك الشرباصي. ولا أعرف مفكراً إسلامياً إلا تكلم عن محمد إقبال , إما بقصيدة أو بموعظة أو بكلمة أو بمقالة. وعندي قضايا هذه الليلة أعرضها عن حياة محمد إقبال.

стр. 3558

شعر محمد إقبال

стр. 3559

الإيمان في شعر إقبال قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدّاً﴾ [مريم:٩٦] الإيمان وصله بالله، الإيمان الذي تفتقر إليه الدنيا، الإيمان الذي من وجده وجد كل شيء، ومن فقده فقد كل شيء. أين ما يدعى ظلاماً يا رفيق الليل أينا إن نور الله في قلبي وهذا ما أراه قد مشينا في ضياء الوحي حباً واهتدينا ورسول الله قاد الركب تحدوه خطاه يقول إقبال في قصيدته الطويلة "شكوى" دمعة أرسلها من عينه وتكلم بها في قصيدة يشكو إلى الله حال العالم الإسلامي، يشكو من المسلمين ويشكو من بعدهم عن دينهم وعن رسالتهم، ويبين لهم أن انتصار الإيمان في الدنيا أمر مجمع عليه, وأن الإنسان لا يصلح إلا بالإيمان وأن الدنيا لا تصلح إلا بالآخرة، وأن المسجد لا يصلح إلا مع المزرعة والمزرعة مع المسجد، هذا هو ما يريد أن يقوله للناس. ولذلك يخالف السعد الشيرازي والسعد الشيرازي: واعظ أفغاني وشاعر كبير, وقيل: هو عجمي إما من حدود إيران أو نحو ذلك, وكنت أظنه من شمال إيران، ويقول عنه محمد إقبال: وهو عالم وواعظ يريد أن يبقى في طرف المسجد وأنا أريد أن أحرك العالم كله، أريد أن تسلم لندن، وأن تسلم موسكو وبون لله رب العالمين، أما السعد الشيرازي فيريد أن يبقى مع كسر خبزه وملحه يعظ الناس في شيراز، فأنا أختلف معه، والسعد الشيرازي شعره جميل, يقول: بكت عيني غداة البين دمعاً وأخرى بالبكا بخلت علينا فعاقبت التي بالدمع ضنت بأن أغمضتها يوم التقينا وأسعدت التي بالدمع جادت بأن أقررتها بالوصل عينا ويقول: ما مر من طيف الهوى بمسمعي لو سمعته الورق ما ناحت معي يا معشر الخلان قولوا للمعافى لست تدري ما بقلب الموجع أما إقبال فيقول عن هذا: إذا الإيمان ضاع فلا أمان ولا دنيا لمن لم يحي دينا ومن رضي الحياة بغير دين فقد جعل الفناء لها قرينا تساندها الكواكب فاستقرت ولولا الجاذبية ما بقينا وفي التوحيد للهمم اتحاد ولن نصل العلا متفرقينا هذه من قصائده في الإيمان، ويقول عن المؤمن والكافر، يصف الكافر بأنه ضيق ضيق ومتخلف متخلف وحقير حقير في علم الله وفي الأرض والكون، ويأتي بالمؤمن فيجعله عالماً وكوناً، يقول في بيتين: إنما الكافر تيهان له الآفاق تيه وأرى المؤمن كوناً تاهت الآفاق فيه تدبروا واسمعوا السحر الحلال، يقول: الكافر يتوه في الآفاق، والمؤمن تتوه الآفاق فيه. ويصف مشاعره وأحاسيسه في قصيدة اسمها: "إلى مدينتك يا رسول الله" وأنا قد ترجمت منها بعض المعاني, وعبد الوهاب عزام ترجم كثيراً منها , وأبو الحسن الندوي آثر أن يترجمها نثراً، فترجمها نثراً لأنه ليس بناظم. يقول أبو الحسن الندوي: يا رسول الله! زرتك البارحة في المنام فأتيت إليك أشكو ظلم الهنود، وأشكو ما فعلوا برسالتك، إنهم يا رسول الله! حولوا رسالتك إلى تمائم ومسابح وإلى رقصات، إن رسالتك يا رسول الله! انبعثت من المدينة فأحيتني وأحيت أمثالي, لكن رفض الهنود أن يستجيبوا لك يا رسول الله. ثم يصف خروج الرسالة من طيبة الطيبة وذهابها إلى العراق ثم إلى الأتراك ثم إلى الهنود، وأنها ترتفع بإذن الله لتغطي الدنيا: من ثراها قد كتبنا النور في دنيا الوجود وعلى أهدابها صغنا معان من خلود حكمة الإيمان من طيبة سارت للعراق وهفا الأتراك في دنيا رُؤاها والهنود وكانت قضيته الكبرى أن يؤمن الناس. وأرسل رسالة إلى لينين، وكان محمد إقبال مشهوراً على مستوى العالم يعرفه لينين، ويعرفه أذناب الشرق والغرب، يقول: اتق الله يا لينين! فإنك قصمت ظهر الرأسمالية فأحسنت، فألحق بقصمك لـ الرأسمالية لا إله إلا الله. لينين هذا ثار على الحق الفردي في الرأسمالية , ولكنه أخرب كل الخراب عليه لعنة الله، كفر بالله، يقول: لا إله والحياة مادة. يقول: تعال بلا إله إلا الله. ولكن ذاك رفض. ودخل على نادر شاه في كابل , ونادر شاه كان ملك أفغانستان آنذاك، وكتب رسالة إلى محمد إقبال يقول: أقدم إلينا أقدم إلينا، فدخل محمد إقبال فخرج الأفغان ألوفاً مؤلفة في الشوارع يستقبلونه، فأخذ -قبل أن يقابل الرئيس أو الملك- نسخة من المصحف وأعطاه وقال: يا نادر شاه! والله لن تعلو بشعب الأفغان حتى تأخذ هذه الوثيقة, إنني أتيت بها من الله. يعني: أن هذا القرآن من الله.

стр. 3560

العرب في شعر محمد إقبال هو يحب العرب ويعتذر ويقول: يا ليتني أجيد اللغة العربية (١٠٠%) ولو أجادها (١٠٠%) لأبكانا كما أبكى الهنود، ولأبدع لنا في أدبنا وفي ثرواتنا، وجعلنا في أدب رائد جميل نعيشه من محمد إقبال، ولكن لا زلنا -والحمد لله- نتمتع بمقطوعاته الجميلة الإيمانية، نسأل الله أن يغفر له زلَلَه، يقول في قصيدته وهو ينادي الرسول ﵊: إن كان لي نغم الهنود ودلهم لكن ذاك الصوت من عدنان يقول: أنا أتكلم بالهندي ولا أعرف اللغة العربية, لكني يا رسول الله! أحبك وأموت في حبك وقلبي عربي. ويقول في مقطوعته: هضبات نجد في مغانيها المها ومحاور الغزلان ملء تلالها والمجد مشتاق وأمة أحمد يتهيأ التاريخ لاستقبالها هكذا انبعاث الأرواح والإيمان والعقائد في أبيات الشعر: والمجد مشتاق -يشتاق إلى أمة الرسول ﵊. والمجد مشتاق وأمة أحمد يتهيأ التاريخ لاستقبالها كأن التاريخ نائم، ثم أفاق وما رأى أمة جديرة بأن تقود التاريخ والدهر والزمن إلا أمة الرسول ﷺ ، فوقف يستقبل هذه الأمة. ثم يقول: سبحانك يا رب! خرج من الصحراء أناس كانوا يعبدون اللات ومناة والعزى، ثم أصبحوا يطوفون بالبيت لله، يقول: وأصبح عابدو الأصنام قدماً حماة البيت والركن اليماني من هم؟ أبو بكر وعمر وعثمان وعلي. أصبح عكرمة وخالد اللذان كانا يطوفان بمناة واللات يحملان لا إله إلا الله والرسالة الخالدة, ويطوفان بالبيت لله رب العالمين. ويقول في قصيدة له اسمها: (تاجك مكة): من ذا الذي رفع السيوف ليرفع اسـ ـمك فوق هامات النجوم منارا كنا جبالاً في الجبال وربما صرنا على موج البحار بحارا من هم؟ العرب، العرب المسلمون، لا عروبة القومية ولا البعثية ولا العلمانية، لكنها عروبة لا إله إلا الله، عروبة تجري في دمك بإياك نعبد وإياك نستعين، عروبة أن تتوضأ وتسجد لله خمس مرات في خمس صلوات، عروبة أن تقول: لا إله إلا الله، فتهتز لها وتقدم دمك من أجلها. يقول: لم تنس أفريقيا ولا صحراؤها سجداتنا والأرض تقذف نارا وكأن ظل السيف ظل حديقة خضراء تنبت حولنا الأزهارا يقول: وكأن السيوف في المعارك تقدم لنا باقات من الزهر عند خالد وسعد وطارق وصلاح الدين، يقول: أرواحنا يا رب فوق أكفنا نرجو ثوابك مغنماً وجوارا يقول: ما كنا نأتي بأرواحنا في أجسامنا، كنا نبيعها لله قبل المعركة، والثمن الجنة, إن الله اشترى، وسوف يأتي بها في قصيدة (إن الله اشترى) قال: فكنا نأتي بأرواحنا في أكفنا إليك يا ربنا فنبيعها منك. لم نخش طاغوتاً يحاربنا ولو نصب المنايا حولنا أسوارا ندعو جهاراً لا إله سوى الذي خلق الوجود وقدر الأقدارا كنا نرى الأصنام من ذهب فنهـ ـدمها ونهدم فوقها الكفارا لو كان غير المسلمين لحازها كنزاً وصاغ الحلي والدينارا يقول: يا رب! أما فتحنا الهند -يعني: أجدادنا فتحوا الهند - أما فتحناها فقدموا لنا الأصنام وقلنا: لا لا نريد الأصنام؟ قالوا: من ذهب اشتروها؟ قلنا: لا فحرقناها وحرقنا الكفار معها، وهدمناها وهدمنا الكفار عليها، أليس نحن المسلمين؟ يقول: محمود مثل إياز قام كلاهما نكبا العبادة تائباً مستغفراً العبد والمولى على قدم التقى فارحم بوجهك عبد سوء في الثرى والمقصود من هذين البيتين محمود بن سبكتكين المسلم، كان عنده ألف ألف من الأبطال فتح بهم ما وراء نهر سيحون وجيحون، ثم قدموا له الأصنام فرفض كما فعل قتيبة بن مسلم وقال: لا والله لا يدعوني الله يوم القيامة ويقول لي: يا مشتري الأصنام، ولكن يدعوني: يا مهدم الأصنام، فكسرها بفأسه، وأحرقها وأتى بالملك فذبحه ثم نكسه على الصنم. فيقول: محمود مثل إياز، وهو خادم محمود بن سبكتكين , وهو قائد الراية بعده رحم الله الجميع. محمد إقبال في قصيدة له بعنوان " آه من لهفات إلى الحجاز ": نغمات مضين لي هل تعودوا أنسيم من الحجاز يعود آذنت عيشتي بوشك رحيل هل لعلم الأسرار قلب جديد لماذا يحب الحجاز؟! ألغبار الحجاز؟! ألجبال الحجاز السوداء؟! ألفقر الحجاز؟! لا لأن في الحجاز رجلاً مدفوناً هناك. لأن في الحجاز نوراً انبعث لأن في الحجاز رسالة خالدة لأن في الحجاز جماجم الأبطال لأن في الحجاز مخرجاً من مخارج التوحيد والتاريخ. في الحجاز محمد ﵊ في الحجاز والكعبة والحجر الأسود وزمزم وطيبة في الحجاز آمال المسلمين وطموحهم، فهو يحب الحجاز. وله قصيدة اسمها " ناقتي في الحجاز " وصف نفسه وهو يبكي ويقول: يا ليتني أعتمر مرة ثانية, ولم تكن متسهلة له, كان يدرس في الجامعة الفلسفة، وشرح ديوان المتنبي , وكان يدور في الليل والنهار ويلقي محاضرات، وفي آخر عمره كان يلقي في اليوم الواحد عشر محاضرات, يريد أن يعيد الأمة إلى الله تعالى بشعره يقول: يا ناقتي الخطارة وظبيتي المعطارة حثي الخطا قليلاً منزلنا قريب هذا من نظم الدكتور/ عبد الوهاب عزام، ولكن ذاك أفضع وأفضع، وذاك أقوى وأقوى, يقول: يا قلب حسبك لا تفيق صراحة إلا على مصباح نور محمد يقول: لا يفيق قلبي إلا على مصباح نور الرسول ﵊، ويقول في عالم الإيمان قبل هذا: بحثت عنك يا رسول الله! في ألمانيا فما وجدتك هل سافر رسول الله إلى ألمانيا؟ لا إقبال درس في ألمانيا الفلسفة. قال: وجدت القاطرات والسيارات، والشاحنات والطائرات، والثلاجات والبرادات والبنات وما وجدت من أنزلت عليه الآيات البينات ﵊.

стр. 3561

إقبال يتفجع على المسلمين إقبال يتفجع على مجد المسلمين، كان شعره قطعاً من نور، وحمماً من براكين، وقذائف من زلزال، كان شعره يترنم به جيش الباكستان في أول ما قامت دولة محمد علي جناح، كان جيشه يصلح في الطوابير الصباحية، وكان ينشد جيشه على مستوى العالم، حتى أن له بعض المقطوعات ترجمت إلى شعر الإنجليز وترجمت بالروسية, وله شعر بالعربي، وشعر بالبشتو وبالفارسي وبالأردو، فهو شاعر على مستوى العالم، وشعراء العالم في هذا العصر كما يقولون خمسة هم: محمد إقبال، وحالي، والسعد الشيرازي، وطاغور وشكسبير. ويقول وهو يتفجع على المسلمين وقد زار قرطبة، ووقف أمام الجامع ولم يجد المسلمين, وجد المسجد قد حول إلى حانات من الخمر والعياذ بالله، وجد العاهرات وهن في محراب المسجد؛ فبكى، وجلس عند الباب وأنشد قصيدته الفضفاضة الشهيرة في مسجد قرطبة وهو يقول: أرى التفكير أدركه خمول ولم تبق العزائم في اشتعال وأصبح وعظكم من غير نور ولا سحر يطل من المقال وعند الناس فلسفة وفكر ولكن أين تلقين الغزالي ثم يقول: وجلجلة الأذان بكل حي ولكن أين صوت من بلال يقول: تؤذنون ولكن نغمة بلال لا تجيدونها، عندكم أذان ولكن لا تستطيعون أن تؤذنوا مثل بلال. وجلجة الأذان بكل حي ولكن أين صوت من بلال منائركم علت في كل ساح ومسجدكم من العبَّاد خالي وأما قصيدة (إن الله اشترى) فهو يتكلم بها إلى العالم الإسلامي كله, ويخبر بأهل بيعة الرضوان رضوان الله عليهم: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْداً عَلَيْهِ حَقّاً فِي التَّوْرَاةِ وَالْأِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ﴾ [التوبة:١١١]. وفي مقالة له نثرية يقول: أتيت إلى العرب فوجدتهم يتقاتلون، وأتيت إلى الأتراك فوجدتهم يصبغون بالبويات أطراف الزجاج. -أي: أصبحوا نجارين وخشابين وأتيت إلى الهنود وهم يبحثون على الخبز في الأسواق، ولكن ما وجدت من الأصناف من يحمل لا إله إلا الله للعالم، فكل مشغول بخبزه وسيارته ووظيفته، لكن ما وجد محمد إقبال جيلاً يحمل لا إله إلا الله. يقول: نحن الذين استيقظت بأذانهم دنيا الخليقة من تهاويل الكرى حتى هوت صور المعابد سجداً لجلال من خلق الوجود وصورا ومن الألى دكوا بعزم أكفهم باب المدينة يوم غزوة خيبرا أين هم؟ من هم؟ إنهم أجدادنا. أم مَن رمى نار المجوس فأطفئت وأبان وجه الصبح أبيض نيرا ومن الذي باع الحياة رخيصة ورأى رضاك أعز شيء فاشترى إنهم المسلمون. وهي من أبدع ما قال في حياته. أما قصيدته المشهورة والتي يعرفها غالبكم وهي "شكوى "، فقد بدأها بقوله: حديث الروح للأرواح يسري وتدركه القلوب بلا عناء يقول: أنا أتكلم من روح إلى روح ومن قلب إلى قلب، أنا لا أتكلم إلى الآذان، فقد أكثرنا من الندوات والمحاضرات. هتفت به فطار بلا جناح وشق أنينه صدر السماء ومعدنه رخاميٌّ ولكن سرت في لفظه لغة السماء هذا محمد إقبال في شكواه يتفجع على المسلمين، ثم يقف على معالم أسبانيا بعد رحيل المسلمين من هناك، ويرى مساجدهم ويرى القرآن وحلقات العلم قد عطلت، ويرى الفرنجة قد استولوا على معالم الدين هناك فيقول: قد كان هذا الكون قبل وصولنا شؤماً لظالمه وللمظلوم لما أطل محمد زكت الربى وافتر في البستان كل هشيم وصف الكون بروض, ولكن هذا الروض يبس، وصوح نبته، وماتت أعشابه، وذوت أزهاره، وماتت أطياره، وجف معينه، فأطل محمد ﷺ ، فاهتزت الروح وربت وأنبتت من كل زوج بهيج، لما أتى محمد ﵊ اهتز الكون: لما أطل محمد زكت الربى وافتر في البستان كل هشيم

стр. 3562

محمد إقبال والحضارة الغربية هذا الرجل عرف الحضارة ودرسها ودرَّس هناك، وقادهم في كثير من القضايا الفكرية وهو يعرفها معرفة تامة, يقول أبو الأعلى المودودي ﵀: كنا نعظ الناس ونحذرهم من الحضارة الغربية، فما يستمعون إلينا لأنا ما سافرنا إلى الغرب، فلما أتى محمد إقبال يحذرهم من الحضارة الغربية، أنصتوا إليه واستمعوا واتعظوا بما قال. مر معنا ماذا قال في ألمانيا عندما رآها ورأى حضارة القصور, وهو المنطق الإيماني، لكن من شبابنا من يسافر إلى هناك ويأتي يمدح لنا أوروبا، ويمدح لنا أمريكا، إنهم يمدحون ناطحات السحاب، والطائرات والسيارات والقاطرات , جلست مع شاب يتحدث عن أمريكا فقال: رأيت في مدينة دلس عمارة طولها مائة وستة وخمسون دوراً. وهو مثلج الصدر متعجب، ويقولون: في أمريكا أكثر من ألف مطار، وفي أمريكا شوارع تحت الأرض لا يدري بها الذين فوق الأرض، ثم ترك هذا كله في جانب، وترك جانب الروح والإيمان. قال تعالى: ﴿يَعْلَمُونَ ظَاهِراً مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ * بَلِ ادَّارَكَ عِلْمُهُمْ فِي الْآخِرَةِ بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْهَا بَلْ هُمْ مِنْهَا عَمُونَ﴾ [النمل:٦٥ - ٦٦]. أما تركوا منهج الله؟ أما قلبوا في الحياة لما انحرفوا عن لا إله إلا الله؟ أما انتحر الكثير منهم؟ أما تفصمت عرى الأسر عندهم؟ أما فشا الربا؟ وأصبحت المرأة سلعة رخيصة في المنتديات والمسرحيات؟ أما أصبح الشعب هائجاً مائجاً فارغاً؟ أما أصبحت الآلة عندهم أغلى من الإنسان؟ أما أصبح الإنسان عندهم من العجلة يأكل وهو واقف كالآلة؟ أما أصبح عندهم العبد مبرمجاً يذهب ويأتي؟ أما أصبح الرخيص عندهم يعمل ولكن عليه الجنابة سنة كاملة لا يغتسل؟ أما أصبح الإنسان يبول واقفاً كالكلب أمام الملايين من الناس في الشارع؟ أما أصبح الكلب مقدساً معظماً؟ احتج على كلب ضرب في دنفر ورفعوا فيه مذكرة، بينما شعب فلسطين والأفغان يسحقون بالألوف وما احتُج لذلك، بل التي تحتج ضد القرار دائماً هي أمريكا، هي صاحبة النقض نقض الله أساسها، وهي صاحبة الفيتو فتت الله رشدها دون هذا الشعب؛ لكن للكلب عندهم مقدراً, رأينا والله عجوزاً في أكلاهوما إذا أصبحت الصباح تغسل كلبها بالشامبو والصابون والماء الدافئ وكان الجو بارداً، ثم تركبه في السيارة بجانبها في الميمنة وهي تقود، وتطيبه وتعطره وتركب الميدالية في نحره، نحرها الله، أهذه هي الحضارة؟!! أمنتهى الحضارة أن يبقى الإنسان على هذا المستوى؟! محمد إقبال نثرها وخرج من ألمانيا , وأتى إلى المسلمين وأعلن أن الحضارة محتاجة إلى إيمان المؤمنين وصلاة المصلين وصدق الصادقين، يقول للمسلم: أنت كنز الدر والياقوت في لجة الدنيا وإن لم يعرفوك محفل الأجيال محتاج إلى صوتك العالي وإن لم يسمعوك يقول: ليس في العالم إلا أنت، ولا يضرك هذا الضجيج والإعلام والفلسفة، لأن أذناب العلمنة الذين ولدوا في لوس أنجلوس ودرسوا في ديفرسايد، ولا يعرفون القرآن ولا زمزم ولا توضئوا بالماء، طلسموا عقول الناس وجعلوا الدين خرافة ورجعية, فيقول محمد إقبال: أنت كنز الدر والياقوت في لجة الدنيا وإن لم يعرفوك يقول: أنت في لحافك، وأنت في طرف المسجد، أشرف من ألف من أمثال ريجن وكارتر وفورد، ثم يقول: محفل الأجيال محتاج إلى صوتك العالي وإن لم يسمعوك يقول: لكنك لم تتكلم ولم تهدِ الشعوب. ويقول: كريسي مريسون الأمريكي كما ينقل عنه: يا مسلمون! قدمنا لكم الثلاجة والسيارة، والغسالة والطائرة ولكن ما قدمتم لنا الإيمان. يقول محمد إقبال تكلم, اخرج, عظ الناس. وحضارتهم يسميها حضارة القشور والتبعية ويقول: دخلت ألمانيا فأظلم قلبي، وانطفأت معالم الروح في نفسي، ونسيت حلاوة القرآن التي كنت أجدها في البنجاب، لماذا؟ يقول: لأن الفتاة العاهرة تجلس بجانبي على كرسي الدراسة، وكأس الخمر على ماستي، يعني: زميله يجعله على ماسة محمد إقبال، وإلا فـ محمد إقبال مؤمن، فلذلك أتى وهو ثائر كالمصدوع، متفجر الرأس, وينذر الناس من هذه الحضارة ويقول: أيقظوا العالم, أيقظوا الناس، وجهوهم إلى الله رب العالمين.

стр. 3563

محمد إقبال ومواقف خاصة محمد إقبال له قصيدة عنوانها (فاطمة الزهراء) يعني بنت الرسول ﵊, وعناوين قصائده دائماً رائعة بديعة، يقول: هي بنت من؟ -يسأل الناس وهو يعرف أنها بنت الرسول ﷺ ، لكن يضخمها، وإبهام السؤال للتعظيم والتهويل، مثل قوله تعالى: ﴿الْقَارِعَةُ * مَا الْقَارِعَةُ﴾ [القارعة:١ - ٢] وقال تعالى: ﴿الْحَاقَّةُ * مَا الْحَاقَّةُ﴾ [الحاقة:١ - ٢]. هي بنت من؟ هي أم من؟ هي زوج من؟ ثلاثة أمور, بنت محمد ﷺ ، وزوجها علي وهي أم الحسن والحسين. هي بنت من؟ هي زوج من؟ هي أم من؟ من ذا يساوي في الأنام علاها أما أبوها فهو أشرف مرسل جبريل بالتوحيد قد رباها وعلي زوج لا تسل عنه فما أزكى شمائله وما أنداها إيوانه كوخ وكنز ثرائه سيف غدا بيمينه تياها هذه فاطمة الزهراء قدمها للناس في تعريف بسيط، أما أبوها فهو أكرم الناس، وجبريل رباها بالتوحيد, وعلي زوج لا تسأل عنه إلخ.

стр. 3564

فاروق مصر ومحمد إقبال مر محمد إقبال في سفينة تبحر به يريد أوروبا، فتوقف بحفظ الله ورعايته في قناة السويس، وبينما هو في قناة السويس كتب رسالة من القناة إلى فاروق مصر؛ لأنه كان حاكماً آنذاك في مصر , وبقي حاكماً حتى انقلب عليه الثوريون بقيادة محمد نجيب وجمال عبد الناصر، وقد كتب إليه محمد إقبال رسالة صارخة؛ لأن المصريين اشتكوا إلى محمد إقبال وقالوا: هذا ظالم، اسمه فاروق لكنه يختلف عن الفاروق عمر (بألـ) التعريفية. هذا فاروق يشبع حماره من أموال المسلمين والأطفال يموتون الشارع، والفاروق المعرف (بألـ) جائع دائماً ليشبع أطفال المسلمين. فاروق هذا أدخل الإنجليز إلى مصر، واستخذى لهم عند الأحذية , والفاروق ذاك صاحب (ألـ) اهتز منه كسرى وقيصر وهما في عروش الظلم حتى زلزلهم زلزله تامة ﴿فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الأنعام:٤٥] قالوا: اكتب له رسالة، لأن فاروق يعرف من هو محمد إقبال، فكتب إليه: (بسم الله الرحمن الرحيم: من إقبال إلى فاروق مصر، يا فاروق مصر! إنك لن تكون كـ الفاروق عمر حتى تحمل درة عمر، والسلام) هذا من أقصر الكتب في التاريخ، يقولون: من أقصر الكتب في التاريخ كتاب خالد بن الوليد لما أصبح في اليرموك واشتعلت عليه المعركة واصطدم بالأعداء، نظر فإذا المسلمون ثلاثون ألفاً، والروم مائتان وثمانون ألفاً، فقال: الله المستعان! علي برسالة, والتجأ إلى الله وقال: حسبنا الله ونعم الوكيل، لكن لا بد من أخذ الأسباب, وأخرج القلم وأخذ رقعة وكتب إلى قائد القبائل العربية وشيخها عياض بن غنم: (بسم الله الرحمن الرحيم: من خالد إلى عياض , إياك أريد والسلام) فذهبت الرسالة إلى عياض، فقال: ما يريدني أنا وحدي, إن الكتاب خطير، فجمع كتائب العرب وحشدهم وبعد ثلاثة أيام إذا هم بجيوش كالجبال، والمقصود هذه رسالته.

стр. 3565

محمد إقبال والشيرازي أما السعد الشيرازي عند محمد إقبال فله موقف معه, يقول: أنا لا أحب أن يبقى الواعظ في المسجد، أنا أحب الإنسان أن يكون عالمياً يغير مجرى التاريخ، أنت تصلي لنفسك، وتسبح لنفسك، وتصوم لنفسك، لكنك تغير العالم لله رب العالمين، وتكون مؤثراً في هذا العالَم. الشيرازي كان يؤمن ببعض القضايا الصوفية، ووحدة الحب عنده مزاجية، ولذلك يقول في قصيدته المشهورة, وهي مكتوبة على هيئة الأمم المتحدة في نيويورك، يسمونها وحدة الشعوب, يقول فيها: قال لي المحبوب لما زرته من بباببي قلت بالباب أنا قال لي أخطأت تعريف الهوى حينما فرقت فيه بيننا ومضى عام فلما جئته أطرق الباب عليه موهناً قال لي من أنت قلت انظر فما ثَمَ إلا أنت بالباب هنا قال لي أحسنت تعريف الهوى وعرفت الحب فادخل يا أنا وهذا من أحسن ما قيل في الشعر، وهي قصيدة جميلة ولكن محمد إقبال يقول: لا لا بد يا شيرازي أن تخرج بعصاك وببردتك لتغير العالم، وقد أتى إلى مشايخ الأزهر فخطب وألقى فيهم كلمة، فقال: لا يكفي أن تبقوا في مصر، أنتم لـ مصر ولكل الأمصار، لستم أنتم هنا على الكراسي تفتون للناس، بل أنتم للدنيا كلها.

стр. 3566

إقبال يذم الديمقراطية يقول في (بيام مشرق) وهو كتاب له مترجم إلى العربية, يقول في صـ١٣٥: (كن تلميذاً لرجل صالح خبير، واهرب من نظام ديمقراطي, فإن مخ مائتي حمار لا تنتج مخ إنسان واحد) يقول: النظام الديمقراطي أنا أخالفه، وقد غروا الناس بالنظام الديمقراطي، والإسلام أعظم شورى في الأرض، لكن النظام الديمقراطي فيه ثلاث سلبيات: أولها: أنه يجعل لك حرية حتى فيما بينك وبين الله، يقول: ليس لأحد عليك ملكية ولا عبودية حتى الله، يريدون أن يوصلونك إلى أن تتفسخ من كل شيء، تشرب الخمر تتهتك تزني تفعل ما تشاء، ليس بينك وبين أحد علاقة, ولا تخف من أحد حتى من الله، وهذا كفر وإلحاد, وهو المفعول والمعمول به الآن في أمريكا. ثانيها: الديمقراطي يأتي بالإنسان الرخيص بكثرة الأصوات فيصبح رئيساً. ريجن كان ممثلاً في ديفرسايز في كاليفورنيا وكارتر كان يزرع الفول في جورجيا، ولكن صعد بكثرة الأصوات. يقول محمد إقبال: هذا ليس بصحيح، نحن لسنا بالكثرة، إن مخ مائتي حمار لا تصنع لك مخ إنسان، والإسلام يرفض هذه الهمجية والحشد الهائل من الأصوات، الإسلام عنده أهل الحل والعقد، كما فعل عمر ﵁ والخلفاء الراشدون، أن يجتمع علماء الناس وخيارهم، فيختارون رجلاً واحداً من أحزمهم رأياً وأحسنهم, أما أن تجعل التصويت سارياً، الفوال والخباز والكناس والمغني والمعربد وشارب الخمر له صوت، فيختارون من شاءوا، إذاً من الممكن أن يسقط ذاك الشريف ويرفع هذا الدنيء. ثالثها: أنها ديمقراطية موهومة في نظره، يقول: أنا عشتها، (وقد كان محامياً) قال: وجدتهم يلعبون على الناس، ليس بصحيح ما يدّعون,، في الظاهر ديمقراطية , لكني بحثت عن حقي كهندي مسلم فلم يعطوني حقي؛ لأنني لست إنجليزياً ولا أمريكياً، وهذا موجود. ولو عشت أنت عربياً في أمريكا ثم تشاجرت مع يهودي، لنصروا اليهودي عليك، ولو أنهم يزعمون أنهم أهل الحرية، وأهل الديمقراطية. (كن تلميذاً لرجل صالح خبير) سلم قيادك لرجل عادل كـ عمر، اختير بالشورى لا بكثرة الأصوات من المائجين الضائعين، كثرة الأصوات جعلت بنازير بوتو تصعد على ثمانين مليون مسلم، علماء وأدباء باكستان، وشعب باكستان تستولي عليهم مراهقة معربدة، لا تملك من الإيمان ذرة، رافضية شيوعية يسارية وكل شر فيها لأنها بالأصوات, لكن لو كان هناك مجلس شورى, والعلماء يختارون الرجل السديد الحصيف العاقل، لما وقع هذا. فهو ينادي بترك الكذب على الناس: (كن تلميذاً لرجل صالح خبير, واهرب من نظام ديمقراطي، فإن مخ مائتي حمار لا تنتج مخ إنسان واحد) يصبح إنساناً لكن ليس عنده مخ. ويقول في كتاب (ضرب الكليم) صـ١٤٩: (الديمقراطية نظام للحكم تعد فيه الرءوس ولكن لا توزن) يعني رأس خبل, ورأس مجنون، ورأس مصدع، ورأس مثلج، ورأس بليد , ولكنهم لم يزنوا هذه الرءوس، ونحن نحتاج في الإسلام لوزن الرءوس لنختار، قال تعالى: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ [الزمر:٩] وقال تعالى: ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾ [المجادلة:١١] يقول الشاعر العربي، وهو يساوي برجل آخر حقير: ولو أني بليت بهاشمي خئولته بنو عبد المدان لهان علي ما ألقى ولكن تعالوا فانظروا بمن ابتلاني

стр. 3567

إقبال يذم حضارة الغرب يقول محمد إقبال في (بال جبريل) في صـ١٠٨: لقد حان قرب نهاية العالم القديم الذي حوله المقامرون الغربيون إلى نادٍ للقمار. يقول: العالم هذا أصبح عالماً للقمار، عالماً للأغنية، وللتهتك, وللمرأة، ولإشباع الغرائز، ليس فيهم إنسان يدعو للفضيلة إلا قليل، وليس لهم أصوات تسمع، وقد رأيت كتاباً أمريكيين يدعون إلى الفضيلة -صراحة- لكن ليس على أساس الإيمان، يدعون إلى حفظ العرض, ويدعون إلى الشرف، وإلى حفظ الوقت، أسماؤهم معروفة، لكنهم إذا اهتدوا إلى الإيمان كان هذا هو الأصل، وكان هذا هو الموجه، ولكن لله حكمة. ويقول: (إن العلم إذا كان منحرفاً عن الفطرة السليمة ومزيفاً في أصله، فهو عندنا أعظم حجاب وأعظم حرمان، العلمانية، اللادينية علم ولكن بلا دين، يقول تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَالْأِيمَانَ﴾ [الروم:٥٦] دين وإيمان، علم وإيمان، يقول أهل العلمنة: ما لله لله وما لقيصر لقيصر، ويقولون: صل في المسجد ولا تجرح شعور الآخرين. أي: لا تأمر ولا تنهى، كن شيطاناً أخرس، يقولون: لا بأس على الإنسان إذا فرغ من عمله أن يصلي العيد والجمعة وليكون حبيباً عند هؤلاء المتطرفين، أي: يجاملهم حتى يكون حبيباً عند الناس الملتزمين, يعايدهم ويستسقي معهم، لكن الصلوات الخمس يضرب بها عرض الحائط. فـ محمد إقبال يقول: (إن العلم إذا كان منحرفاً عن الفطرة السليمة ومزيفاً في أصله فهو عندنا أكبر حجاب وأعظم حرمان ونعوذ بالله من الحرمان: إذا ما لم يزدك العلم خيراً فليتك ثم ليتك ما علمتا وإن ألقاك فهمك في مغاوٍ فليتك ثم ليتك ما فهمتا إذاً ما هو العلم؟ العلم أن تتصل بالله، قال تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَالْأِيمَانَ﴾ [الروم:٥٦] وقال تعالى: ﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتاً﴾ [الأنعام:١٢٢] أي: بالجهل ﴿فَأَحْيَيْنَاهُ﴾ [الأنعام:١٢٢] أي: بالعلم ﴿وَجَعَلْنَا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ﴾ [الأنعام:١٢٢] بالبصيرة ﴿كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا﴾ [الأنعام:١٢٢] وقال تعالى: ﴿أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلاً﴾ [الفرقان:٤٤] فهو ينادي إلى أن العلم بلا إيمان وبلا صلاة وبلا خير؛ إنما هو كفر بالله, ويعترض على مصطفى كمال أتاتورك , في رسالة ذكرها خليل الرحمن عبد الرحمن في كتابه: (إقبال وموقفه من الحضارة الغربية) يقول: كنت أؤمل فيك يا مصطفى كمال أتاتورك! أن تكون مجدداً, ولكنك أتيت مهداداً ومخرباً. ولعن الله أتاتورك فهو الرجل الصنم كما سماه فلاسفة ومسلمو الأتراك، رجل أتى إلى تركيا وهي متدينة، الخلافة كانت في تركيا من بني العثمان، فأتى إليهم وحجب الناس عن المسجد، وأتى إلى امرأة مفتعلة فأنزلها في الميدان وشق حجابها أمام الجماهير فصفق له الناس، وبتر اللغة العربية ومزق المصحف أمام الناس, وكفر بالله رب العالمين، فتعثرت تركيا وأصيبت بضربة على الدماغ، وضربت في كيانها وفي عرضها وفي إيمانها، وأصبح هذا الرجل مجرماً على عباد الله إلى يوم الدين، وأصبح صنماً يعبد من دون الله، وصفق له العلمانيون في العالم العربي, وعلى رأسهم المجرم المتهالك المعتوه بورقيبة، وقد أصبح الآن لا يدري أين يمينه من شماله، وقد أدخل العلمنة مع سوهارتو، في إندونيسيا، وحسيبهم الله , وقد انتشرت بأذيالها وأفراخها وسمومها، وحقرائها الذين ينشرونها في الجامعات وفي كل مكان، ولكن عسى الله أن يصدهم بجيل من أمثالكم، وبموكب كريم منكم، يا متوضئون ويا متطهرون! ويا أبطال الدعوة وحفاظ الرسالة! قوم أبوهم سنان حين تندبهم طابوا وطاب من الأولاد ما ولدوا لو كان يُقعد فوق الشمس من كرم قوم بآبائهم أو مجدهم قعدوا محسَّدون على ما كان من نعم لا ينزع الله منهم ماله حسدوا

стр. 3568

خاتمة عن شعر محمد إقبال إقبال يحتاج إلى محاضرات كثيرة، وأنا أهتز لشعره وأتأثر به، وكما قال أبو الحسن الندوي: يجيش الخاطر وتهتز العواطف، ويلهب الشعور بشيء لا ندري ما هو بسبب قراءة كلمات شعره، فما بالك بشعره إذا كان بلغته هو؟! إنه السحر الحلال، وإنه الوجدان والبركان والزلزال. وأنا أعرف أن الرجل لم يتمكن من قراءة تفاصيل الشريعة في السنة المطهرة، وإن له بعض العثرات، ولكن عسى الله أن يجبر عثرته، بإجمال إيمانه وبغيرته على الدين، وبأنه قاوم الفلاسفة والمستشرقين الغربيين, وراسل زعماء العالم, ووقف في الجامعات منذراً ومحذراً, وفند الحضارة الغربية أمام الناس، وجمع العلماء وتكلم فيهم كثيراً، وأسس جيلاً يحملون شعره ونبوغه ورسالته, فهو شاعر الإيمان والحب والطموح، وكان يخرج من مدينته الصغيرة في البنجاب في الصباح بعد أن يقرأ ورده من القرآن. وهذه -أيها الأخوة- عادة جميلة تركناها, والأفغان الآن والباكستانيون والهنود المسلمون يحفظونها دائماً، وهي أنهم دائماً يقرءون القرآن من بعد الفجر إلى طلوع الشمس، هذا برنامجهم اليومي دائماً، مع أنهم في بقية الأوقات يشتغلون بأمور، لكن من بعد الفجر يقرءون القرآن. كان محمد إقبال يخرج بعد طلوع الشمس إلى الزهرات في كثبان البنجاب وفي حقولها , ويناجي الزهرة ويكتب قصيدة, ويأتي إلى السفح ويكتب قصيده، وإلى النهر ويكتب قصيدة، وإلى الشجرة ويكتب قصيدة، ولكنه يربطها برباط لا إله إلا الله محمد رسول الله، قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ * تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا وَيَضْرِبُ اللَّهُ الأَمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ * وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ﴾ [إبراهيم:٢٥ - ٢٦] كلمات الفجور في الشعر، كلمات الغناء الفاحش، كلمات الكفر والإلحاد ﴿كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ اجْتُثَّتْ مِنْ فَوْقِ الأَرْضِ مَا لَهَا مِنْ قَرَارٍ * يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ﴾ [إبراهيم:٢٦ - ٢٧]. أيها الإخوة! لا أريد أن أطيل, وربما يكون هناك مداخلات, وهنا أسئلة كثيرة, والآن أترك المجال للدكتور صالح بن عون الغامدي الشاعر والأديب, أن يشارك في هذه الليلة, عل الله أن ينفعنا بما نسمع من هذه المحاضرة، فليتفضل جزاه الله خيراً.

стр. 3569

كلمة للدكتور صالح بن عون الغامدي بسم الله الرحمن الرحيم: الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، أيها الأخوة الأفاضل! السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. شكراً لشيخنا الفاضل/ عائض القرني على هذه المحاضرة التي حلق بنا فيها مع شاعر إسلامي رائع؛ لم يكن شاعر الهند ولا شاعر العرب، إنما كان شاعر الإسلام وكفى، لا أريد أن أقول الشاعر العالمي، لكن شاعر الإسلام وهذا يزيده فخراً. لا شك أن لشاعرنا الإسلامي هفوات وتركيز على الجانب الفلسفي، ولكن شيخنا الفاضل الأستاذ/ عائض، قال: إن حسناته فاقت على سيئاته، وهذا عذر له. إن تجربة الشاعر الإسلامي في البلاد الأوروبية ربما كان لها جانبان: الجانب الأول: هو جانب الإبداع والمناجاة التي أبدع فيها عندما تناول الجانب الإيماني، وقارنه بالحياة الفاشلة أو الحياة السيئة والتفكك الأسري في أوروبا، لكن أيضاً هناك جوانب أثرت عليه، وهو الجانب الآخر وهي عملية الفلسفة التي درسها في أوروبا، وكلنا يدرك هذا الشيء, لأن الأوروبيين يركزون دائماً على محاولة إفساد العقل المسلم وإشباعه بالخرافات والمعتقدات السيئة, ومع ذلك لم ينزلق شاعرنا الإسلامي فيها. شكراً لكم, والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

стр. 3570

الأسئلة

стр. 3571

كتاب جامع لشعر محمد إقبال السؤال يا حبذا تدلنا على كتاب جامع لشعر محمد إقبال؟ وإذا لم يكن هناك كتاب جامع فيا حبذا لو تجمعون ما تعرفونه عن هذا الشاعر الإسلامي وتخرجونه في رسالة أو في كتاب يطبع؟ الجواب قد ذكرت في أول المحاضرة جملة من المراجع ما يقارب ثمانية أو تسعة، ولكن لا أعلم أن هناك ديواناً جمع شعره كله، هناك (ضرب الكليم) و (الأسرار والرموز) وهو للدكتور/ عبد الوهاب عزام، شعر محمد إقبال , وله قصيدتان جميلتان اسمها: (شكوى، وجواب شكوى) أما ما اقترح الأخ فلعل الله أن يهيء من طلبة العلم والأدباء من يقوم بهذا المشروع، ولو أن شعر الرجل أصبح مشهوراً متداولاً, خاصة بين الأدباء وطلبة العلم والمثقفين.

стр. 3572

كتاب يتكلم عن حياة محمد إقبال السؤال هل هناك كتاب يتكلم عن حياة إقبال، وإذا لم يكن هناك فلماذا لا تكتبون عنه؟ الجواب هناك كتابان في متداول اليد، وسأدلكم عليهما وهما سهلان وطيبان: ١ - (إقبال الشاعر الثائر لـ) نجيب الكيلاني. ٢ - (روائع إقبال) لـ أبي الحسن الندوي.

стр. 3573

ترجمة قصائد محمد إقبال السؤال أريد أن أفهم كيف تترجم قصائد إقبال، هل لغته التي نطق بها موافقة للغة العربية بحيث يترجم أحدهم الألفاظ فقط, أم لا بد أن يكون شاعراً، أفيدونا حفظكم الله؟ الجواب يقولون: إن أقرب لغة إلى اللغة العربية هي اللغة الفارسية، فهي قريبة جداً, والرجل في لغته كان يؤثر في قومه، ولذلك عندهم الآن شعر إقبال عجيب جداً، وقد رأينا في إسلام آباد وفي بيشاور شوارع إقبال، ومحلات وجامعات ومدارس باسمه, وقد أثر في حياتهم كثيراً , وتجدهم مغرمين بشعره ويتهافتون عليه، وتجد العوام يرددون شعره، فهو مثل المتنبي عندنا، الآن راعي الغنم عندنا إذا مر عليه حادث يقول: ما كل ما يتمنى المرء يدركه تجري الرياح بما لا تشتهي السفن فأصبح إقبال عندهم كـ المتنبي عندنا، ولكن الشعر كما قلت لكم باللغة الفارسية وهي قريبة من اللغة العربية. مثلاً: كنا في حفل تخريج الدفعة الخامسة مع المجاهدين، وكان الشيخ سياف ومحمد مولوي نبي موجودين وجماعة من المجاهدين، فقاموا ينشدون وقالوا: نامني نظام غَرْبِيا نامني نظام شرقيا مصطفى مجتبى نظام حبيبيا فقلت في نفسي يمكن أنهم يقولون: نرفض النظام الغربي ونرفض النظام الشرقي، ونريد نظامك يا رسول الله! يا مصطفى ويا مجتبى ويا حبيب! فسألت الشيخ الأفغاني فقال: نعم. هذا هو المراد. فيأتي عبد الوهاب عزام، ويضع المؤشرات والبويات والرتوش حتى تصبح قصيدة , وعبد الوهاب يدل على أنه ذكي وشاعر إجادته في الترجمة, وقد قالوا: إقبال له قصائد قالها بالعربية، ولكن لغته العربية ليست بذاك, ولو كانت قوية لفجر ينابيع التأثير فينا.

стр. 3574

الاحتفال بمولد محمد إقبال بدعة السؤال ذكرتم أن الباكستانيين يحتفلون بذكرى ميلاد محمد إقبال، ولم توضحوا مدى بدعية ذلك الأمر، أرجو التوضيح؟ الجواب نعم أحسنت هذا أمر مبتدع كما تريد أن تقول؛ لأن ﴿من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد﴾ ولكن بدعهم كثيرة بسبب قلة الدعاة الصادقين المخلصين الذين يعرضون الدعوة الصحيحة عليهم. تكاثرت الظباء على خراش فما يدري خراش ما يصيد فلعل الله أن يصلح الحال، وإلا فبدعهم كثيرة، مثلاً: محمد علي مناج يسمونه جنة وإلا هو محمد علي جناح، هو في الدرجة الثانية بعد إقبال، وصوره حتى في مكاتب الخطوط وفي البقالات وفي كل مكان، مع العلم أن هذا مهلوس، ولو أنه وطني عندهم لكنه لا يصلح. فهم دائماً كلما أتت ذكرى يومه خرجوا في الشوارع يصيحون ويضربون، وهذه كلها مخالفة لأمر الله .

стр. 3575

ديوان محمد إقبال السؤال هل لـ محمد إقبال ديوان مطبوع، إن كان كذلك فدلنا عليه؟ الجواب مثل ما سلف في الكتب التي ذكرت فيها قصائد ومقطوعات، ولكن حسبك من شعره خمس أو ست قصائد, حتى يشعل في ذهنك معنى الأدب، وحتى تشعر أن هناك أدباً إيمانياً ليس أدب البطاطس والخيار والجرجير، فنحن عندنا أدب لكن أكثره أدب بطاطس وخيار وجرجير، أدب خلطة وأسمنت , أدب درجات حرارة وصيدليات مناوبة، ومن هذا القبيل؛ ولذلك فإن الجرائد ممتلئة بهذا وترمى في المزبلة في آخر النهار، رأيت ما يقارب أربعة وعشرين قصيدة نشرت في أسبوع في الصحف اليومية، وحاولت أن أجد بيتاً جميلاً، أو أحفظ شيئاً جميلاً، فما وجدت شيئاً جميلاً, وجعلناه في سلة المهملات، وأطلعكم على قليل من هذا الأدب: انظر الفجر زاهي بالوفا قد تجلى مثل وجه المصلي عقب فرض الصلاة جدهم عمرو والفاروق وابن المعلا ناصر الدين يوم الكفر طاغ وعاتي وبعض الناس يقول: لا تعارض الأدب النبطي. صحيح ربما يصلح للنبط وللعوام, ولكن لمثلكم وأنتم مثقفون وطلبة علم، وفضلاء، أيصبح معيننا أن نسمع للبدو في كل صحيفة ونحفظ أشعارهم؟ أو أدب حداثي ممجوج لغة, ولفظاً، وإيماناً، ومعنى، وكل شيء، مثل قولهم: للنملة ثدي سال ثدي النملة باللبن أنا ذبابة الليمون أطير من شجرة إلى شجرة نمت على سفح الفيل، طار بي الفيل في وديان الحب عاوزين إيه!
следующие страницы →