Полный текст (10 391 стр.). Показаны 3571–3610 · переход к 3576.
стр. 3571
كتاب جامع لشعر محمد إقبال
السؤال
يا حبذا تدلنا على كتاب جامع لشعر محمد إقبال؟ وإذا لم يكن هناك كتاب جامع فيا حبذا لو تجمعون ما تعرفونه عن هذا الشاعر الإسلامي وتخرجونه في رسالة أو في كتاب يطبع؟
الجواب
قد ذكرت في أول المحاضرة جملة من المراجع ما يقارب ثمانية أو تسعة، ولكن لا أعلم أن هناك ديواناً جمع شعره كله، هناك (ضرب الكليم) و (الأسرار والرموز) وهو للدكتور/ عبد الوهاب عزام، شعر محمد إقبال , وله قصيدتان جميلتان اسمها: (شكوى، وجواب شكوى) أما ما اقترح الأخ فلعل الله أن يهيء من طلبة العلم والأدباء من يقوم بهذا المشروع، ولو أن شعر الرجل أصبح مشهوراً متداولاً, خاصة بين الأدباء وطلبة العلم والمثقفين.
стр. 3572
كتاب يتكلم عن حياة محمد إقبال
السؤال
هل هناك كتاب يتكلم عن حياة إقبال، وإذا لم يكن هناك فلماذا لا تكتبون عنه؟
الجواب
هناك كتابان في متداول اليد، وسأدلكم عليهما وهما سهلان وطيبان:
١ - (إقبال الشاعر الثائر لـ) نجيب الكيلاني.
٢ - (روائع إقبال) لـ أبي الحسن الندوي.
стр. 3573
ترجمة قصائد محمد إقبال
السؤال
أريد أن أفهم كيف تترجم قصائد إقبال، هل لغته التي نطق بها موافقة للغة العربية بحيث يترجم أحدهم الألفاظ فقط, أم لا بد أن يكون شاعراً، أفيدونا حفظكم الله؟
الجواب
يقولون: إن أقرب لغة إلى اللغة العربية هي اللغة الفارسية، فهي قريبة جداً, والرجل في لغته كان يؤثر في قومه، ولذلك عندهم الآن شعر إقبال عجيب جداً، وقد رأينا في إسلام آباد وفي بيشاور شوارع إقبال، ومحلات وجامعات ومدارس باسمه, وقد أثر في حياتهم كثيراً , وتجدهم مغرمين بشعره ويتهافتون عليه، وتجد العوام يرددون شعره، فهو مثل المتنبي عندنا، الآن راعي الغنم عندنا إذا مر عليه حادث يقول:
ما كل ما يتمنى المرء يدركه تجري الرياح بما لا تشتهي السفن
فأصبح إقبال عندهم كـ المتنبي عندنا، ولكن الشعر كما قلت لكم باللغة الفارسية وهي قريبة من اللغة العربية.
مثلاً: كنا في حفل تخريج الدفعة الخامسة مع المجاهدين، وكان الشيخ سياف ومحمد مولوي نبي موجودين وجماعة من المجاهدين، فقاموا ينشدون وقالوا:
نامني نظام غَرْبِيا نامني نظام شرقيا
مصطفى مجتبى نظام حبيبيا
فقلت في نفسي يمكن أنهم يقولون:
نرفض النظام الغربي ونرفض النظام الشرقي، ونريد نظامك يا رسول الله! يا مصطفى ويا مجتبى ويا حبيب! فسألت الشيخ الأفغاني فقال: نعم.
هذا هو المراد.
فيأتي عبد الوهاب عزام، ويضع المؤشرات والبويات والرتوش حتى تصبح قصيدة , وعبد الوهاب يدل على أنه ذكي وشاعر إجادته في الترجمة, وقد قالوا: إقبال له قصائد قالها بالعربية، ولكن لغته العربية ليست بذاك, ولو كانت قوية لفجر ينابيع التأثير فينا.
стр. 3574
الاحتفال بمولد محمد إقبال بدعة
السؤال
ذكرتم أن الباكستانيين يحتفلون بذكرى ميلاد محمد إقبال، ولم توضحوا مدى بدعية ذلك الأمر، أرجو التوضيح؟
الجواب
نعم أحسنت هذا أمر مبتدع كما تريد أن تقول؛ لأن ﴿من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد﴾ ولكن بدعهم كثيرة بسبب قلة الدعاة الصادقين المخلصين الذين يعرضون الدعوة الصحيحة عليهم.
تكاثرت الظباء على خراش فما يدري خراش ما يصيد
فلعل الله أن يصلح الحال، وإلا فبدعهم كثيرة، مثلاً: محمد علي مناج يسمونه جنة وإلا هو محمد علي جناح، هو في الدرجة الثانية بعد إقبال، وصوره حتى في مكاتب الخطوط وفي البقالات وفي كل مكان، مع العلم أن هذا مهلوس، ولو أنه وطني عندهم لكنه لا يصلح.
فهم دائماً كلما أتت ذكرى يومه خرجوا في الشوارع يصيحون ويضربون، وهذه كلها مخالفة لأمر الله .
стр. 3575
ديوان محمد إقبال
السؤال
هل لـ محمد إقبال ديوان مطبوع، إن كان كذلك فدلنا عليه؟
الجواب
مثل ما سلف في الكتب التي ذكرت فيها قصائد ومقطوعات، ولكن حسبك من شعره خمس أو ست قصائد, حتى يشعل في ذهنك معنى الأدب، وحتى تشعر أن هناك أدباً إيمانياً ليس أدب البطاطس والخيار والجرجير، فنحن عندنا أدب لكن أكثره أدب بطاطس وخيار وجرجير، أدب خلطة وأسمنت , أدب درجات حرارة وصيدليات مناوبة، ومن هذا القبيل؛ ولذلك فإن الجرائد ممتلئة بهذا وترمى في المزبلة في آخر النهار، رأيت ما يقارب أربعة وعشرين قصيدة نشرت في أسبوع في الصحف اليومية، وحاولت أن أجد بيتاً جميلاً، أو أحفظ شيئاً جميلاً، فما وجدت شيئاً جميلاً, وجعلناه في سلة المهملات، وأطلعكم على قليل من هذا الأدب:
انظر الفجر زاهي بالوفا قد تجلى مثل وجه المصلي عقب فرض الصلاة
جدهم عمرو والفاروق وابن المعلا ناصر الدين يوم الكفر طاغ وعاتي
وبعض الناس يقول: لا تعارض الأدب النبطي.
صحيح ربما يصلح للنبط وللعوام, ولكن لمثلكم وأنتم مثقفون وطلبة علم، وفضلاء، أيصبح معيننا أن نسمع للبدو في كل صحيفة ونحفظ أشعارهم؟ أو أدب حداثي ممجوج لغة, ولفظاً، وإيماناً، ومعنى، وكل شيء، مثل قولهم:
للنملة ثدي سال ثدي النملة باللبن
أنا ذبابة الليمون أطير من شجرة إلى شجرة
نمت على سفح الفيل، طار بي الفيل في وديان الحب عاوزين إيه!
стр. 3576
من هو عبد الوهاب عزام ؟
السؤال
ألا يعد عبد الوهاب عزام له أكبر الفضل بعد الله في نشر شعر محمد إقبال؟ فمن هو عبد الوهاب عزام؟
الجواب
بلى.
عبد الوهاب عزام دكتور فاضل وداعية كبير, وكلامي هذا مثل ترجمة بعض الطلاب عندما نسألهم في الامتحان عن الصحابة رضوان الله علهم: من هو أبو هريرة؟ قال: أبو هريرة صحابي جليل, عاش مع الرسول ﵊، وحفظ كثيراً من الأحاديث ﵁ وأرضاه.
وأنا أعتذر لأني لا أعرف الحياة التفصيلية لـ عبد الوهاب عزام، أعرف أنه فاضل وأديب.
مثلما قال محمد الراشد.
стр. 3577
استشكال حول عنوان المحاضرة
السؤال
باعتبار أني قد قرأت عنوان المحاضرة أن محمد إقبال شاعر الحب والطموح، هل من الأفضل والأحرى أن يكون غير هذا العنوان مثل: محمد إقبال شاعر الصحوة الإسلامية, أو رائد الصحوة الإسلامية في الشعر؛ لأن كلمة "حب" قد يفهمها الناظر إليها من أول وهلة فهماً مقلوباً, أو لا يعرف البطل الذي أقيمت له المحاضرة؟
الجواب
لا خلاف في المسميات إذا اتفقنا نحن على المقاصد, إن قلت أنا: إقبال أو محمد إقبال، وإن قلت: محمد إقبال شاعر الإسلام أو شاعر الصحوة أو شاعر الحب والطموح، أو شاعر الإيمان.
خذا جنب هرشى أو قفاها فإنه كلا جانبي هرشى لهن طريق
فلا خلاف بينها, لكني وضعت كلمة الحب؛ لأن بعض الناس من الشباب يظن أن الحب فقط للمغنين والمغنيات، ولكن نحن عندنا حب أعلى وأسمى، يقول الطنطاوي: نحن أهل الحب، نحن الذين صنعوا الحب وأذكوه في قلوب الرجال، نحن الذين نشروا الحب من على المنائر خمس مرات في كل يوم، نحن الذين عرفوا الحب وعرفوا الناس الحب، الحب الذي يقوله : ﴿يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾ [المائدة:٥٤] وقال تعالى: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ﴾ [المائدة:١٨] ويقول : ﴿يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ﴾ [آل عمران:٣١] فالحب إيماني وهو كالصلاة وهو عقيدة أهل السنة الجماعة ﴿من أحب لله وأبغض لله , وأعطى لله، ومنع لله فقد استكمل الإيمان﴾ أما حب مجنون ليلى، وحب صلاح عبد الصبور، وحب أودنيس، وحب بدر شاكر السياب وغيرهم, فهذا ليس من الحب في شيء, هذا حب حرام، يقول مجنون ليلى:
أتوب إليك يا رحمن مما جنت نفسي فقد كثرت ذنوب
وأما من هوى ليلى وتركي زيارتها فإني لا أتوب
وقد ذكرت من أشعارهم في محاضرة (الأدب الذي نريده).
стр. 3578
محمد إقبال والفلسفة
السؤال
ذكرت أن محمد إقبال تعلم الفلسفة ودرسها في الجامعة، وهل هناك دخل دخول للفلسفة في الدين , التي تسعى بعض التأويلات أن تضيع على البعض الركن السادس من أركان الإيمان ألا وهو القدر، ما تعليقك رعاك الله؟
الجواب
أصلاً كل الفلسفة لا يقبلها المسلمون، ومحمد إقبال مضطر للمجتمع الذي ذهب إليه، ذهب إلى بون يريد أن يدرس، تريد أن يدرسوه كتاب الفقه من (زاد المستقنع) وإلا صحيح البخاري وإلا تفسير ابن كثير وأقرب علم للإسلام الفلسفة، فيريد هو أن يدخل إلى حضارتهم ويعرف علومهم وثقافتهم وتربيتهم وعلم النفس من طريق الفلسفة، فدرسها وعرفها، وليس معنى ذلك أن الإنسان إذا درس الشيء اعتقده أو آمن به؟ لكن العلم بالشيء خير من الجهل به:
عرفت الشر لا للشر لكن لتوقيه
ومن لا يعرف الشر جدير أن يقع فيه
والفلاسفة متهوكون، يقول الشهرستاني وهو من تلاميذهم وأساتذتهم:
لعمري لقد طفت المعالم كلها وسرحت طرفي بين تلك المعالم
فلم أر إلا واضعاً كف حائر على ذقن أو قارعاً سن نادم
فيقول له أحد الناظمين:
لعلك يا أستاذ ما زرت أحمداً رسول الهدى المبعوث من خير هاشم
فوالله لو قد زرته الدهر مرة لما كنت نهباً للصقور القشاعم
نحن نخالف الفلاسفة في المعتقدات، وفي كثير من مسائل والأصول، فالمعنى أنك تقرأ الشر لتجتنبه.
стр. 3579
مقتطفات من شعر الشيخ عائض
السؤال
هل قلت شعراً في هذا الوقت العصيب الذي تمر به الأمة الإسلامية؟
الجواب
هناك قصائد , منها قصيدة "بين الأمس واليوم" وآخر قصيدة هي لقادة المجاهدين الأفغان, قلت في بعضها:
الحق أبلج والسيوف عواري فحذار من صولات حكمتيار
بطل إذا عزف الرصاص تمايلت أطرافه بالعسكر الجرار
ومنها:
حيوا الجهاد فذكره يشجيني وأخص حكمتيار قلب الدين
ليس قَلب الدين ولكن قُلب الدين وهو رائحة الورد.
أسد براثنه شباب محمد قاد الكتائب وهو في العشرين
آماله ضرب الجماجم في الردى سماه مادحه صلاح الدين
شكراً لأستاذ المكارم والنهى سياف رمز القائد المأمون
ومعلم الأجيال في ساح الردى الشيخ يونس صاحب السبعين
لا تنس رباني فإن حديثه كالشهد أو كالتوت في تشرين
أو كالتفاح في أكتوبر.
وصلى الله وسلم على محمد, والحمد لله رب العالمين.
стр. 3580
قض نهارك مع ابن المبارك
عبد الله بن المبارك قلده أقرانه من العلماء في أفعاله فعجزوا، وقلده الأغنياء في كرمه وجوده وسخائه فلم يفلحوا!! فهو السخي الجواد، وقبل ذلك العالم العامل، العابد الشجاع المجاهد، زاحم الصحابة في العمل فلم يسبقوه إلا بصحبة النبي ﷺ .
стр. 3581
ابن المبارك نسبه وصفاته
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له, ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصبحه وسلم تسليماً كثيراً.
إخوة الإيمان، حملة المبادئ، رواد التوحيد! عنوان هذا الدرس: قض نهارك مع ابن المبارك، وهذا عنوان كتاب للذهبي -الإمام العلامة، مؤرخ الإسلام- كتبه عن الإمام ابن المبارك، ولكنه لم يخرج إلى الناس، ولا زال مخطوطاً ومفقوداً، فآثرت أن أختار هذا العنوان لنصاحب هذه الليلة ماجداً من أمجاد محمد ﵊، وشيخاً عظيماً من مشايخ الإسلام، وأستاذاً جليلاً عبقرياً، وسوف تجدون المكرمات في شخصيته، ثم أجرد هذه الليلة العاطفة وأجعلها بعيدة من هذا الدرس، ولكننا نأتي بنقولات عنه، ليكون هذا الدرس إن شاء الله مفيداً للمسلمين، وإني أعتبر الدرس من أحسن ما يكون وليس الفضل لي، بل الفضل لله، لكن الشباب خاصة بحاجة إلى أئمة يعيشون معهم ويقتدون بأخلاقهم وصفاتهم وسلوكهم.
стр. 3582
نسب ابن المبارك
ابن المبارك هو: عبد الله بن المبارك المروزي الإمام المحدث أمير المؤمنين، قالوا عنه: الزاهد العابد، الفقيه المجاهد، ثم قالوا عنه: شيخ الإسلام.
النسب والبطاقة الشخصية: نسبه يتصل "بإياك نعبد وإياك نستعين"، أما أبوه فمولى من الموالي، والليلة ترجمة ابن المبارك تكسر التمييز العنصري لأننا نخجل من أنفسنا أن يوجد في أوساطنا تمييز عنصري، أقول هذا وكلنا خَجَلٌ، فإن في بعض النواحي لا زال التميز العنصري وارداً، ولا زال التميز الطبقي حاصلاً، فمن أين أخذناه؟ أمن الكتاب والله يقول: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات:١٣]؟
أم من السنة والرسول ﵊ يقول: ﴿لا فضل لعربي على أعجمي، ولا أبيض على أحمر إلا بالتقوى﴾ أو كما قال ﵊؟
وإنما أخذت هذه من الجاهلية، أخذت من الأرض، أخذت من السفهاء، حتى وجدت في بلاد الإسلام.
ابن المبارك أبوه مبارك مولى من الموالي، دخل بلاد الإسلام واعتنق هذا الدين وشرف به.
والرسول ﵊ كانت أعظم المؤهلات عنده من يحمل لا إله إلا الله محمداً رسول الله بصدق.
ومن يتشرف بحمل العقيدة فهو ولي الله وحبيبه، بلال من أساتذة الإسلام، وصهيب وعمار وسلمان وأنسابهم ليسوا من العرب القح، فأين أبو جهل؟ وأين الوليد بن المغيرة؟ وأين حاتم الطائي؟ وأين عنترة بن شداد؟ لا شيء قال تعالى: ﴿فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ﴾ [الرعد:١٧].
стр. 3583
والد ابن المبارك
كان مبارك والد صاحبنا هذه الليلة، والد عبد الله حارساً على بستان، يحرس الرمان والتفاح والليمون أن يعتدي عليه سراق أو لصوص بأجرة بسيطة، فكان يبدأ من الصباح في عمله، وكان يتخلل عمله بركعات يركعها في البستان، ولا يفتر لسانه من ذكر الله ، فإذا استلم راتبه من سيده تصدق بثلث الراتب، وأنفق عليه وعلى أهله ثلثه وخزن ثلثه، لما سوف يعرض له.
دخل سيده ومعه ضيف يزور البستان، قال: يا مبارك! ائتنا برمان، فأتى برمان حامض، ووضعه بين يديه، قال: هذا حامض، ائتنا بغيره، فأتى برمان حامض، قال: أنت لا تفهم ولا تعي؟ هذا حامض، قال: والله لا أعرف الحامض من الحلو، قال: أما ذقته وأنت في البستان من كذا وكذا سنة؟ قال مبارك: أنت لم تأذن لي أن أذوق ما في البستان.
أي ورع هذا! أي صفاء عقدي! أي عبادة! أي مراقبة لله! فأنجب هذا المبارك -وهو مبارك على اسمه- عبد الله بن المبارك، وترعرع شاباً فصيحاً ذكياً، لكن يقال: إذا واجهته عرفت أنه ليس بعربي، تعرف أنه مروزي وعجمي من شكله.
كان فصيحاً ينظم الشعر البليغ، وهو من أكبر الشعراء، وسوف تسمعون هذه الليلة أبياته التي تهز أنياط القلوب وهو يحرك بها الأمة الإسلامية من شرقها إلى غربها.
عاش ﵀ فتتلمذ على كتب الحديث، ثم بدأ مسيرته فغطى جوانب الكمال، حتى قال بعض الفضلاء: لو قيل لي: اختر رجلاً بعد الصحابة اجتمعت فيه الفضائل، لاخترت عبد الله بن المبارك، وكان بعض تلاميذه يقول: تعالوا نجلس ونعدد فضائل ابن المبارك، فيعدودن قالوا:
كان يقوم الليل، ويصوم النهار، ويتصدق، ويجاهد، ويدعو إلى الله، ويأمر بالمعروف، وينهى عن المنكر، ثم هو شاعر، وأديب ولغوي، وهو مع ذلك فقيه محدث.
هو البحر من أي النواحي أتيته فلجته المعروف والجود ساحله
وهذه هي صفات يتقلدها عباد الله الصالحون يوم يشربون هذا الدين كالماء الزلال، اسمحوا لي أن نبدأ وهذا للذهبي، لكنه فقد كتابه قضِّ نهارك مع ابن المبارك، يقول: ابن المبارك إمام شيخ الإسلام، عالم زمانه، وأمير الأتقياء في وقته أبو عبد الرحمن الحنظلي مولاهم التركي، ثم المروزي الحافظ الغازي، أحد الأعلام.
стр. 3584
حياة ابن المبارك وسيرته
مولده سنة ١١٨ وبينه وبين الرسول ﵊ أو بين الهجرة ما يقارب ١١٨ سنة فقط، هو قريب كاد أن يدرك الصحابة ولما يدركهم ابتعد ولكن قلبه اقترب، وسوف يحشر معهم إن شاء الله.
حديثه حجة بالإجماع، روى عنه البخاري ومسلم، وتجاوز القنطرة وهو محدث جهبذ صادق لا يعرف الكذب أبداً، ينقي الأحاديث تنقية كما ينقي الصيرفي البهرج من الذهب.
أتوا بكذاب إلى هارون الرشيد وضع أربعة آلاف حديث هي كذب على محمد ﵊، فقال هارون الرشيد: والله لأذبحنك الآن، قال: اذبحني أو لا تذبحني والله لقد وضعت عليكم أربعة آلاف حديث، قال: ما علي! يعيش لها الجهابذة عبد الله بن المبارك وأبو إسحاق المروزي، ثم استدعى عبد الله بن المبارك وذاك فنقوها في ثلاثة أيام وأخرجوا أربعة آلاف حديث.
قالوا: هذه كلها كذب.
وهو مؤلف أيضاً، له كتاب: الزهد مطبوع في مجلد، كانوا إذا قربوا منه كتاب الزهد يقرأ عليهم في الجامع الكبير كأنه بقرة منحورة من البكاء، لا يستطيع أن يقرأ كما قال الذهبي.
كان يعيش في خراسان، وهو يعيش في خراسان، وإذا أراد أن يخرج لحج أو عمرة أو جهاد خرج أهل خراسان، رجالهم ونساؤهم وأطفالهم يودعونه، لأن أمواله كانت تطوف على فقرائهم وعلى مساكينهم، وكان ينفق الطعام على كل بيوت خراسان، فكانوا يبكون ويقولون الأبيات المشهورة التي صنفها شاعرهم حيث يقول:
إذا سار عبد الله من مرو ليلة فقد سار منها نجمها وهلالها
إذا ذكر الأحبار في كل بلدة فهم أنجم فيها وأنت هلالها
وكان إذا صلى العصر دخل غرفته وأغلق عليه الباب، وأخذ القرآن فقرأ قليلاً، وكتب الحديث فعاش مع محمد ﵊ فيقول له تلاميذه، أو بعض الفارغين -بعض الناس فارغ في الحياة، لا يستطيع أن يجلس وحده ساعة، يستوحش، حتى تجده إذا وجد فراغاً في حياته ذهب إلى جاره أو زار فلاناً أو علاناً، أو جلس على الرصيف يعد السيارات الذاهبة والآيبة، أو تجده يجلس عند الدكاكين، أو القماشين، أو البزازين ويقول: يا فلان! نريد أن نقطع اليوم تعال نتحدث- قالوا له: ألا تستوحش؟ قال: [[كيف أستوحش وأنا مع الرسول ﵊ ومع أصحابه؟!]] فالذي يجلس مع محمد ﵊ لا يستوحش، والجلوس معه ﵊ يكون بالجلوس مع سنته، مع تعاليمه التي هي مودعة في الكتب.
الإمام أحمد شكى إليه أحد تلاميذه، قال: أخاف الوحشة إذا سافرت، قال: خذ لك كتباً تقرأها في السفر، فإذا أغلقت عليك بابك وعندك كتاب فلا تستوحش، حتى قال الجاحظ: الكتاب هو الأنيس الذي لا يؤذيك، والرفيق الذي لا يملُّك متى احتجت إليه فتحته، ومتى استغنيت عنه أغلقته، لا يفشي عنك سراً، ولا يطيل الجلوس، ولا يملُّك أو كما قال، فهذا هو الكتاب، حتى يقول المتنبي:
أعز مكان في الدنا سرج سابح وخير جليس في الزمان كتاب
وهي من قصيدته المشهورة التي يقول في آخرها:
ليعلم قوم خالفوني وشرقوا وغربت أني قد ظفرت وخابوا
إلى أن يقول:
وما أنا بالباغي على الحب رشوة أطيف هوى يبغي عليه ثواب
أعز مكان في الدنا سرج سابح وخير جليس في الزمان كتاب
دخل الخليفة الرقة ودخل ابن المبارك في وقت واحد وفي ساعة واحدة، وكانت المدينة متهيئة لاستقبال الخليفة الذي يتحدى السحاب في السماء أن يمطر على الأرض وهارون الرشيد شاور بل فاوض ملوك الأرض وقاتل نقفور كلب الروم وفرض عليه الجزية، وأدخل الذلة بلاده، وبلغت هيبته إلى فرنسا.
دخل الرقة واستعد الناس لاستقباله، لكن فوجئ الناس بدخول ابن المبارك على بغلة ومعه تلاميذه، فترك أهل الرقة جميعهم الرشيد وانصرفوا إلى ابن المبارك حتى تقطعت النعال من الزحام، وبقي هارون الرشيد في ملأ قليل من الناس معه حرسه ووزراؤه، فقالت المرأة وهي في القصر: -امرأة هارون - من هذا؟ قالوا: عالم خراسان عبد الله بن المبارك، قالت: هذا والله الملك لا ملك هارون الذي يجمع الناس بالسياط والسيوف، هذا يجمعهم بالحب، يجمعهم بالولاية، يجمعهم بالرسالة، يجمعهم بإياك نعبد وإياك نستعين.
يأبى السؤال فلا يراجع هيبة والسائلون نواكس الأذقان
أدب الوقار وعز سلطان التقى فهو المطاع وليس ذا سلطان
стр. 3585
جود ابن المبارك ﵀
كان ابن المبارك إذا أراد أن يحج اجتمع إليه إخوانه من أهل مرو، فيقولون: نصحبك، فيقول: هاتوا نفقاتكم، فيجمعون نفقاتهم جميعاً، هذا عنده مائة درهم، وهذا مائتا درهم، وهذا ثلاثمائة درهم، فيأخذها في صرة ويكتب اسم صاحبها على الصرة، ثم يضعها في غرفة، فيظن الحاج أنه يحج بنفقته، فإذا حج بهم أطعمهم وسقاهم وكساهم وتنقل بهم، فإذا انتهوا من الحج ذهب بهم إلى المدينة، فإذا زاروا المسجد وسلموا على الرسول ﵊ سأل كل واحدٍ عن حاجته، لأنه كان غنياً من أغنياء العالم الإسلامي في عهده، والإسلام لا يعترف بالدروشة، أن تضيع المال وتقول: الزهد الزهد؛ كلنا فانون رائحون! لا.
بل يعترف أن تكون غنياً تخاف الله، تملك المال وتصرفه في مصارفه.
كان عنده مئات الألوف من الدراهم، حتى لامه العلماء، مثل سفيان الثوري وإسماعيل بن علية والفضيل بن عياض لاشتغاله بالتجارة، فقال: [[والله لولاكم ما اشتغلت بالتجارة]] لأنه ينفق عليهم كل سنة.
ولذلك كان يعطي سفيان الثوري عشرة آلاف درهم كل سنة، ويعطي الفضيل مثله، نفقاتهم كلها من عند ابن المبارك.
المقصود: فلما انتهوا من الزيارة قال: أحد منكم يريد هدية لأهله؟ فيشتري لهم، ثم يرتحل فإذا وصل إلى خراسان، دعا أهل خراسان في وليمة عامة مع الحجاج ومع ذويهم وأهاليهم وضيفهم، ثم دعا الحجاج ورد لكل نفقته مكتوب اسم صاحب النفقة عليها، قالوا: كيف؟ وأين نفقتنا في الحج؟ قال: أما سمعتم في الحديث أنه يبارك للحاج في نفقته؟ فقد بارك الله لكم في نفقتكم.
حج مرة فوصل إلى الكوفة، يقولون: كان إذا ارتحل كأن موكبه موكب ملك، حتى يقولون: إنه يأخذ الدجاج المشوي على اثني عشر جملاً، وكان يطعم الناس الفالوذج، وهي أكلة طرية لو رأيتموها لسال لعاب الواحد منكم، فكيف لو أكلها، قالوا لـ أبي يوسف القاضي: الفالوذج والبالوذج أحسن؟ قال: لا يحكم على غائبين -وهو قاضي الدنيا- لا بد أن أراهما في صحنين ثم أحكم، فقدموهما في صحنين، فأكل من هذا لقمة وأكل من ذاك لقمة، فقال: كلما أدلى هذا بشهادة أدلى هذا بشهادة، حتى صفى الصحنين ثم قال: كلهم سواء في الميزان.
فـ ابن المبارك كان يطعم الناس الفالوذج، وكان يسرد الصيام سرداً، وكان يدور ويغرف من القدور المرق للناس في الصحون.
لما حج ووصل إلى الكوفة، وهو في طريقه يخترق من خراسان يريد مكة، فمر بـ الكوفة فوجد أهل الكوفة في سنة مجدبة، في قحط لا يعلمه إلا الله، بلغ بهم الجوع إلى أن خرجت جارية من بيت إلى مزبلة -قمامة- فأخذت غراباً ميتاً وذهبت به إلى البيت فقال لغلامه: بالله اذهب واسألها لماذا أخذت الغراب؟ فسألها فقالت: والله مالنا من طعام منذ ثلاث ليال إلا ما يلقى في هذه المزبلة، فلما أخبروا ابن المبارك، بكى وجعل يده على وجهه وقال: الله المستعان! نحن نأكل الفالوذج وهم يأكلون الغربان الميتة، قسموا هذه القافلة على أهل الكوفة وعودوا لا حج لنا هذه السنة، فقسموا على أهل الكوفة كل ما على القافلة من البر والزبيب والمأكولات والمطعومات، ورجع بدون حج من الطريق، فلما وصل إلى خراسان ونام أول ليلة.
رأى قائلاً في المنام يقول: حج مبرور، وسعي مشكور، وذنب مغفور -فعسى الله أن يتقبل منا ومنه الحج، فإن هذا من أعظم المقاصد التي قد تكون أعظم من الحج؛ لأن بعض الناس يتنفل بحج وجاره جائع بجانبه، وجاره فقير ولا يجد أكلة، فهذا من فقه ابن المبارك وعلمه، وهذا من سعة إدراك ابن المبارك - ونريد أن نكرر من تلاميذ الإسلام من مثل ابن المبارك.
стр. 3586
أقوال العلماء في ابن المبارك
يقول عبد الرحمن بن مهدي: "ما رأت عيناي مثل أربعة، ما رأيت أحفظ للحديث من الثوري - ولا أشد تقشفاً من شعبة، ولا أعقل من مالك , ولا أنصح للأمة من ابن المبارك " كان يحب الأمة المحمدية على صاحبها الصلاة والسلام.
حب المسلمين يجري في دمه، حتى يؤثر عنه أنه قال: [[ياليت أن الله يجعلني فداء لأمة محمد]] وكان يقول لتلاميذه إذا أراد أن يرسل أحداً منهم في السفر:
إذا صاحبت قوماً أهل ود فكن لهم كذي الرحم الشفيق
ولا تأخذ بزلة كل قومٍ فتبقى في الزمان بلا رفيق
يقول: حاول أن تصاحب الناس، لكن احذر دائماً أن تبحث عن أخطائهم وتعلق على نواقصهم، فإن العبد فيه نقص، وتجد بعض الناس يطلب الكمال من غيره وهو ليس بكامل، ويطلب أن يخلص الناس أنفسهم من العيوب وهو كله عيوب، مثل ما يقول ابن تيمية: "بعض الناس كالذباب لا يقع إلا على الجرح" فتجده دائماً نقاداً، لا يستطيع أن يعيش مع أحد ولا يستطيع أن يصاحب أحداً، ولا يستطع أن يسافر مع أحد، ثم يوصي كذلك ببيتين آخرين وهما منهج تربوي لمن أراد أن يتعلم أدب السفر وأدب الصحبة مع الناس يقول:
وإذا صاحبت فاصحب ماجداً ذا عفاف وحياء وكرم
قوله للشيء لا إن قلت لا وإذا قلت نعم قال نعم
يقول: إذا صاحبت إنساناً فابحث لك عن إنسان سمح في طاعة الله ، ليس سمحاً في معصية الله، لا تصاحب رجلاً شكوساً عبوساً، بعض الناس مفطور على المخالفة، كما يقول الشريف الرضي:
مشغوفة بخلافي لو أقول لها يوم الغدير لقالت ليلة الغار
فيقول ابن المبارك: حاول أن تقول: نعم، إذا قال صاحبك: نعم، وإذا قال صاحبك: لا، فقل: لا، إلا في المعصية، هذه من مدرسته.
يقول سفيان الثوري وهو عالم الدنيا: "إني لأشتهي عمري كله أن أكون سنة مثل ابن المبارك فما أقدر أن أكون مثله ثلاثة أيام".
كان ابن المبارك يجاهد نفسه حتى يجلس اليوم الطويل لا يتحدث إلا بطاعة، وكان يقول: [[إن عليكم ملائكة يكتبون ما تتكلمون به]] فكان يحصي كلامه؛ ماذا يقول، وكيف ينطق؛ لأنه يخاف الله.
قال ابن عيينة: "نظرت في أمر الصحابة وأمر عبد الله بن المبارك فما رأيت لهم عليه فضلاً إلا بصحبتهم النبي ﷺ وغزوهم معه ﵊".
وقال سويد بن سعيد: "رأيت ابن المبارك بـ مكة فلما طاف وأتى زمزم -والناس ينظرون إليه- أخذ شربة بيده ثم استقبل القبلة وقال: [[اللهم إن ابن أبي الموالي -هذا راوي، يعرض السند على الله، لأنه يتعامل بالسند- حدثنا عن محمد بن المنكدر عن جابر عن نبيك ﵊ أنه قال: ﴿ماء زمزم لما شرب له﴾ اللهم إني أشرب هذا لظمأ ذاك اليوم]].
يقول ابن عباس: [[إن سألت الله أن يشفيك به شافاك، أو يرزقك علماً غزيراً رزقك، أو مالاً رزقك الله مالاً، وماء زمزم لما شرب له]] وهذا حديث صحيح، ابن المبارك لم يطلب علماً لأنه عالم، ولا مالاً ولا رزقاً بل قال: [[اللهم إني أشربه لظمأ ذاك اليوم]] وظمأ ذاك اليوم معروف، نسأل الله أن يروينا من حوض الرسول ﵊، فإن الناس يكونون عطشى ويشتد بهم العطش والكرب.
ودنت الشمس من الرءوس وكثر الكرب على النفوس
واستشفع الناس بأهل العزم في راحة العباد من ذي الموقف
وليس فيهم من رسول نالها حتى يقول المصطفى أنا لها
أما بعضهم فيضمأ فيشرب ثم يروى، ومن شرب من حوض محمد ﷺ شربة فلن يظمأ بعدها أبداً، وبعضهم يبقى ظامئاً صادياً ويدخل النار وهو ظامئ، نعوذ بالله من ذلك.
قال نعيم بن حماد: [[كان ابن المبارك إذا قرأ كتاب الرقاق يصير كأنه ثور منحور أو بقرة منحورة من البكاء، لايجترئ أحد منا أن يسأله عن شيء إلا دفعه، كان إذا أقبل عليه سائل يرده في صدره]] يبكي لا يستطيع يتكلم وقالوا: كان إذا ذكر الموت مات كل عضو منه على جهة.
أتاه تلاميذه مرة يودعونه يريدون السفر فبكى وقال:
وخفف وجدي أن فرقة واحد فراق حياة لا فراق ممات
يقول: الذي يخفف علي الحزن أنكم سوف تأتون، تغيبون وتحضرون لكن المشكلة والمصيبة من غاب ثم لم يحضر.
لكل إنسان غيبة، إلا من مات فإن غيبته لا يعود بعدها إلا في العرصات.
يقول أحد الناس وهو يودع بعض أحبابه:
إن كان قد عز في الدنيا اللقاء ففي مواقف الحشر نلقاكم ويكفينا
والتهامي الشاعر الأديب كان عنده ابن مات في الخامسة عشرة من عمره، فمن شدة ولهه به وأسفه عليه وحزنه؛ دفنه في جرين البيت -في الحوش- قالوا: لماذا؟ قال: لكي لا يبتعد عني، فكان إذا أظلم الليل قام عنده وقال: يا فلان أقريب فتناجيني أم بعيد فتناديني فلم يجبه فألقى قصيدة يقول:
يا كوكباً ما كان أقصر عمره وكذا تكون كواكب الأسحار
جاورتُ أعدائي وجاورَ ربه شتان بين جواره وجواري
طول الحياة إذا مضى كقصيرها والعسر للإنسان كالإيسار
في قصيدة طويلة مبكية، يقول: أنت جار لله، لست بجار لي، فهنيئاً لك بجوار الله.
قال أبو حاتم الرازي وهو يروي حديثاً عن ابن المبارك عن أحد أهل العلم قال: كنا سرية مع ابن المبارك في بلاد الروم فصادفنا العدو؛ فلما التقى الصفان خرج من العدو رجل فدعا إلى البراز -المبارزة- فخرج إليه رجل مسلم فقتله يعني الرومي قتل المسلم- ثم خرج رجل آخر فقتله الرومي، ثم خرج رجل مسلم فقتله الرومي الكافر، ثم دعا إلى البراز فخرج إليه رجل فطارده ساعة فطعنه فقتله، قال: فلما فتك هذا الرجل الرومي بالناس خرج ابن المبارك ملثماً -وكان بطلاً قوياً شجاعاً- فتبارز هو والرومي، فذبحه ابن المبارك، ثم قتل في تلك المعركة سبعة، ودخل خيمته فقال قائد المعركة: التمسوا لي من هذا؟ -وكان قد خمر وجهه حتى لا يعرف في المعركة- فذهبوا فوجدوه ابن المبارك، قالوا: القائد يريدك ليعرفك قال: [[لكن الله يعرفني]] إذا عرفني الله انتهى الأمر.
وما مصلحة أن يعرفه القائد؟ وما مصلحة الدعايات إذا برزوا في سبيل الله؟ إذا عرفه الله فكفى.
لما فتح المسلمون قندهار؟ قتل كثير من الصحابة هناك فقال عمر: [[من قتل في قندهار قالوا: قتل فلان وفلان وفلان، قال: ومن؟ قالوا أناس لا نعرفهم، فبكى عمر وقال: لكن والذي نفسي بيده، إن الذي خلقهم ليعرفهم]] فالله يعرف الصادق من الكاذب، وهو أعرف سبحانه بأعمال عباده من غيره.
стр. 3587
ورع ابن المبارك ﵀ ورجاحة عقله
يقول ابن المبارك استعرت قلماً بأرض الشام، فذهب عليّ أن أرده، فلما قدمت مرو نظرت فإذا هو معي فرجعت إلى الشام حتى رددته على صاحبه.
دمشق في سوريا ومرو في جهة شرق إيران أو شمال إيران، استعار قلماً من رجل دمشقي يكتب به، فكتب به ووضعه في جيبه ونسي أن يرده وركب بغلته وسافر ما يقارب خمسة عشر أو عشرين يوماً، فلما دخل مرو نظر فإذا القلم في جيبه، قلم لا يساوي درهماً، لكنه ركب البغلة ورجع ووصل إلى الدمشقي وقال: هذا قلمك، فانظروا هذا الورع العظيم.
وبعض الناس جهاراً نهاراً يتلاعب بالأموال، ويحاول أن يحتال بكل وسيلة ليخدع عباد الله، من أجل أن يحصل على شيء من المال، فانظر إلى هذا، أين هذا الورع؟ قلم واحد لا يساوي درهماً، الناس الآن لا يسألون عن هذا، ولا يسأل أحدهم عن هذه الأمور البسيطة، حتى لو حدثتهم أنت عن هذا لضحكوا عليك؛ لأن بعض الناس أصبح يأكل من الحرام كالجبال.
الآن مثلاً: كثير من التجار أموالهم رباً، يأكلون ويشربون ويلبسون من الربا، ويطعمون أطفالهم من الربا، سيارتهم وفللهم رباً ويأتيك ويسأل: هل يقص الشارب أو يحلق؟ ويقول: الضحى أربع ركعات أم ركعتان!
يقول ﵊ عن صاحب الربا وهو يدعو الله: ﴿يارب يا رب، ومطعمه حرام، وملبسه حرام، ومشربه حرام، فأنى يستجاب له!﴾ الله يحرم الربا، ويعلن الحرب والقتال لمن يأكل الربا، وهؤلاء يصلون ويصومون ويحجون ويعتمرون وهم أغنياء ولكن كله رباً، أنا أوقف هؤلاء أمام قلم ابن المبارك.
قال: كان ابن المبارك إماماً يقتدى به، كان من أثبت الناس في السنة، إذا رأيت رجلاً يغمز ابن المبارك، فاتهمه على الإسلام، أي: اعرف أن في إسلام هذا الذي يغمز ابن المبارك شيئاً؛ لأن هذا إمام نصر الله به الدنيا، وقالوا: كنا نعد خصال ابن المبارك، وكان فيه العلم والفقه، والأدب والنحو واللغة، والزهد والفصاحة والشعر، وقيام الليل والعبادة والحج، والغزو والشجاعة، والفروسية والقوة، وترك الكلام فيما لا يعنيه، والإنصاف، وقلة الخلاف على أصحابه.
стр. 3588
من أقواله وأفعاله ﵀
يقول حبيب الجلاب: سألت ابن المبارك [[ما خير ما أعطي الإنسان؟ قال: غريزة عقل]] أن يكون عنده عقل-[[]] أي: إذا سلب الله بعض العقول، فكان عقله (٥٠%) أو (٢٠%) [[]] يقول: الذي ليس عنده عقل فالأحسن أن يكون عنده أدب أي: لا يتكلم؛ لأن بعض الناس سكوته أحسن من كلامه، وبعض الناس يعجبك حتى يتكلم، فإذا تكلم سقط، فالأحسن في مثل هذا أن يصمت.
كان أبو حنيفة جالساً فقدم عليه رجل عليه شارة وأبهة، وجمال ووسامة وعمامة، وكان أبو حنيفة ماداً رجله، فضم رجله وتهيأ لاستقبال الرجل، واستقبله وأجلسه بجانبه، وهابه واستحى منه، فسكت الرجل فكان أبو حنيفة يستحي منه ويتكلم معه بوقار، ثم بدأ الرجل يسأل ويتكلم -أنطقه الله الذي أنطق كل شيء- قال: يا إمام! متى يفطر الصائم؟ قال: أبو حنيفة إذا غربت الشمس، قال: فإذا لم تغرب إلا نصف الليل؟ -حلها الآن! سمعتم عن شمس لا تغرب إلا نصف الليل، فلماذا يأتي الليل إذاً؟! سبب مجيء الليل غروب الشمس- قال: فإذا لم تغرب الشمس إلا نصف الليل؟ فمدد أبو حنيفة رجليه الإثنتين وقال: [[آن لـ أبي حنيفة أن يمد رجليه]].
[[]] بعض الناس يوفق ببعض الإخوة يستشيرهم في كل قضية، وهذا من أحسن ما يكون لكن قل الناصح الآن، بعض الناس إذا استشرته في مشروع أشار عليك بعدمه حتى يستبقك إليه، إذا استشرته أن تتزوج زوجة قال: لا أرضاها لك، وإذا به قد تزوجها، وبعضهم تستشيره في سفر قال: والله أرى أنك لا تسافر، وهو يخاف أنك تحصل على هذا.
ولذلك يقول ﷺ : ﴿الدين النصيحة﴾ وقليل من ينصح، قليل من الناس من ينصح، حتى إنه أصبح كثير من الناس متهم في النصيحة، فيقول: [[]] وينبغي للمسلم أن يبحث عن رجاله من أهل العلم والعقل ومن أهل الزهد والتقوى ليستشيرهم في قضاياه العامة والخاصة؛ مثل الأمور الزوجية وأمور الطلاق والعشرة، حتى هذه لا بأس بالاستشارة فيها، فقد كان الصحابة يستشير بعضهم بعضاً، وكانوا يعرضون على الرسول ﷺ ؛ لأن بعض القرارات الخطيرة في حياتك تندم عليها عشر سنوات وأكثر بسبب موقف طارئ، أو عاطفة، أو عجلة، فمن الأحسن أن تعرض مشكلتك وتحلها على بصيرة بينك وبينه، ولا تستشر من هب ودب، فإن بعض الناس يشير عليك دائماً بما يخالف الصواب لقلة علمه، أو قلة عقله، أو تسرعه، أو هواه.
[[]] أي: ما وجد أخاً يستشيره، [[]] فالموت أحسن شيء لمثل هذا، قال ابن المبارك -واسمع المنهج في التجريح والتعديل، منهج تصنيف الرجال والحكم على الناس- قال: إذا غلبت محاسن الرجل على مساويه فلا تذكر المساوئ، وإذا غلبت المساوئ على المحاسن فلا تذكر المحاسن، أي: إنسان (٦٠%) صالح، أسقط (٤٠%) فلا تذكرها يكفي أنه تجاوز النصف.
ولذلك إذا بلغ الماء القلتين لم يحمل الخبث.
بعض الناس تستطيع أن تعدد سيئاته وتقول: فيه كذا وكذا، لكن بعضهم لا تستطيع أن تعدها لا في العبادة ولا في الأخلاق ولا في السلوك ولا في الصدق، ولا في الأمانة ولا في التعامل، ولا في المأكل ولا في المشرب، فنسأل الله أن يحفظنا وإياكم، وهذا المنهج الذي يقوله ابن المبارك هو منهج القرآن، يقول في سورة الأحقاف: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَنَتَجَاوَزُ عَنْ سَيِّئَاتِهِمْ فِي أَصْحَابِ الْجَنَّةِ وَعْدَ الصِّدْقِ الَّذِي كَانُوا يُوعَدُونَ﴾ [الأحقاف:١٦].
هل علمت معصوماً بعد الرسول ﵊؟ ما من فاضل ولا عالم ولا زاهد ولا شريف ولا وضيع من المسلمين إلا وله سيئات وحسنات، لكن إذا زاد حسنه فهو الحسن، وإذا زادت مساوئه فهو السيء، هذا ما يقرره لك ابن المبارك في هذا المنهج، فحاول أن تتذكره دائماً في الحكم على الأشخاص وعلى الهيئات.
وقيل لـ ابن المبارك: إذا أنت صليت، لم لا تجلس معنا؟ قال: [[أجلس مع الصحابة ومع التابعين أنظر في كتبهم وآثارهم، فما أصنع بكم؟ أنتم تغتابون الناس]].
كان يفر من المجالس العامة، وإذا حضر مجلساً اندفع في الحديث يحدثهم قال الله وقال رسوله ﵊.
قال: ويقول ﵀: [[أول شيء من منفعة العلم أن يفيد بعضهم بعضاً]] أي: أنك تستفيد وتفيد، المجالس العلمية، الندوات والمحاضرات أن ينصح الناس بعضهم لبعض، وهم أفضل الناس، وجاء أن ابن المبارك [[سئل: من أحسن الناس؟ قال: العلماء، قال: فمن الملوك؟ قال: الزهاد، قيل: من الغوغاء؟ قال: خزيمة وأصحابه]] خزيمة رجل مبتدع وشرير، والغوغاء هؤلاء الذين ليس لهم عمل إلا تتبع الشائعات والحوادث وسد السيل وإطفاء الحريق، ويستبشرون بالحوادث.
الآن الحوادث المرورية إذا وقع حادث تجد الغوغاء ثلاثمائة في دقيقتين تجدهم واقفين وتجد أحدهم يبقى عند الحادث أو عند الحريق، ويبقى عند الزحام في السير وعند الطوارئ التي تحدث والشائعات ساعات طوال، يقول أهل العلم: رأى عمر ﵁ وأرضاه رجلاً جُلِدَ من المسلمين، وإذا هو يمشى به إلى بيت عمر ﵁ وإذا الناس وراءه كثير، الغوغاء الذين يسمعون بالمجلودين والحوادث، أي: كل الذي وقع في السوق يخبرك به، لأنه لا يقرأ ولا يسبح ولا يشتغل بنفسه، فقط معه الحوادث، فأخذ عمر حفنة من التراب وحثا بها على وجوههم قال: [[شاهت هذه الوجوه التي لا تُرى إلا في الشر]] يعني: لو دعوتهم في الخير لا يأتون، مثل المحاضرات والدورس العلمية واللقاءات التربوية والعبادات والجمع والجماعات.
[[قيل: فمن السفلة؟ قال: الذي يعيشون بدينهم]] الذي يعيش بدينه، هذا يسمى سافل أي: أنه يتظاهر بالدين ليعيش به، تجده يتقرب إلى الناس ليعيش بدينه، ويتقرب إلى الظلمة ليعيش بدينه، فيفتي ويتكلم ويمدح وينافق ويجامل.
стр. 3589
قوله في أثر النية على العمل
وقال ﵀: [[ربَّ عمل قليل تكثره النية وربَّ عمل كثير تقلله النية]] هذا ﴿إنما الأعمال بالنيات﴾ ربما تعمل عملاً قليلاً لكن بنيتك وإخلاصك وصدقك يكبر هذا العمل، فمثلاً من يتصدق بعشرة ريالات، لكنه لا يجد إلا هي وفي قلبه من الحب لله ولرسوله ﷺ وحب نصرة الإسلام وأن ينفع الله بهذا الدين فيأجره الله كالجبال.
وبعضهم يتصدق بالمليون لكن فيه من الرياء والسمعة وحب الذكر، من يتبرع في مشاريع الخير الآن والجهاد، والفقراء والمساكين، ثم يطلب من الصحافة أن تعلن باسمه في الصحف والتلفاز والراديو، ما حكم هذا في الإسلام؟! فيأتون يقرءون على الأسماع، والصحف الصباحية: تبرع بمائة ألف ريال فلان بن فلان بن فلان، أين الإخلاص؟! ﴿من راءى راءى الله به ومن سمع سمع الله به﴾ أول ما تسعر النار بجواد أنفق ليقال جواد أو كريم فتسعر به النار، فأين الإخلاص؟! كان السلف إذا أراد أحدهم أن يتصدق جعل يده اليسرى في جيبه، لأن بعضهم يفهم من حديث: ﴿ورجل تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه﴾ يقول: ربما يحتمل أنها قد تعلم، فيجعل شماله في جيبه ويخفيها.
وكان علي بن الحسين زين العابدين ﵁ وأرضاه إذا أظلم الليل ونام الناس، أخذ الصدقات وحملها على كتفه ووزعها على فقراء المدينة، فلا يعلم الفقير من الذي أعطاه، لكن الواحد الأحد يعلم.
فيا أيها الإخوة لنتجنب الشهرة في أعمال الخير، ولنحذر الرياء والتبجح بما قدمنا قال تعالى: ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُوراً﴾ [الفرقان:٢٣] وقال ابن المبارك: [[في صحيح الحديث شغل عن سقيمه]] يقول: يكفيك الحديث الصحيح عن غيره، فتشاغل به واستنبط منه، تجد بعض الناس حاطب ليل يتكلم من الأحاديث الموضوعة والضعيفة، والأحاديث الصحيحة لا يمسها، حتى إني أعلم أن بعض الشباب يركز مثلاً على غير الكتب الستة ليبرز للناس، ليقولوا: ماشاء الله يقرأ حتى وصل إلى الطبراني! فدائماً يقول: رواه الطبراني، رواه الدارقطني، رواه ابن خزيمة، هذا إذا كان طالب العلم متضلعاً في طلب الحديث، أو أحوجه العلم إلى ذلك الأثر فلا بأس، أما أن يذهب يقفز هناك ويترك كتب العلم المشهورة فهذا فيه نظر.
فيا أيها الإخوة: يوجد من الوعاظ والخطباء من يأتي إلى الحديث الضعيف ويشرحه للناس، أليس عندنا أحاديث صحيحه؟ أليس عندنا البخاري ومسلم؟ أنا أنصح الخطباء إذا تكلموا أن ينقلوا من القرآن ومن الصحيحين وهذا يكفي الناس، أما من يأتي بالغرائب، حديث علقمة، حديث ثعلبة، والناس يحبون الغرائب، حتى تجد في الترهيب والترغيب حديثاً يقول: ﴿من قال: لا إله إلا الله محمد رسول الله بنى الله له سبعين قصراً في الجنة، في كل قصر سبعين حورية، على كل حورية سبعين وصيفة، في كل سبعين وصيفة سبعين﴾ فيبقى في السبعين ساعة ونصف! كله موضوع، ألا تكفينا الأحاديث في البخاري ومسلم؟!
فلا تشغل الأمة بالحديث الضعيف ولا الموضوع، ولا بالغرائب والخرافات والخزعبلات.
стр. 3590
توقيره للحديث ولآل البيت
وقال: جاء رجل من بني هاشم إلى عبد الله بن المبارك ليسمع منه، وأسرة بني هاشم أسرة النبي ﷺ ، فأبى أن يحدثه، يقول ابن المبارك: أنا لا أحدثك، فقال الشريف لغلامه: قم فإن أبا عبد الرحمن لا يرى أن يحدثنا، فلما قام ليركب فرسه، جاء ابن المبارك ليمسك بركاب الفرس، فقال: يا أبا عبد الرحمن! تفعل هذا ولا ترى أن تحدثني؟ قال: [[أذل لك بدني ولا أذل لك الحديث]] أنا أترجم لكم القصة.
الهاشمي هذا شريف من الأشراف السادة، جاء والطلاب فقراء عند ابن المبارك، فأراد هذا الشريف أن يأخذ ابن المبارك في مجلس خاص ويحدثه بالحديث، قال ابن المبارك: لا.
أنا لا أحدثك وحدك، اجلس مع الطلبة وأنا أحدثك معهم، فقام وقال: أنا استأذنك إذن، سبحان الله! بعض الناس فيهم الكبر، حتى أعرف أن من المسلمين من يمنعه كبره من حضور مثل هذه الندوات أو الدروس، يقول: أنا أحضر مع هؤلاء! لقد قرأت ترجمة رجل ترك صلاة الجماعة يقول: والله تركت صلاة الجماعة لئلا أزاحم السوقة بأكتافي، أنا أزاحم هؤلاء!!! فتجده يصلي في البيت، حتى بعضهم يسأل ويقول: من أين أتيتم؟ قالوا: من الدرس، قال: ما في هذه الدروس؟ قالوا: علم، أو فهم، أو توجيه عام، قال: لا بأس بها، لا بأس بها، والحمد لله أعطانا الله من علمه ما أعطانا!!
فلذلك يقول مجاهد: [[لا ينال العلم متكبر ولا مستحي]].
قال ابن المبارك: لا أعطيك، فخرج هذا الرجل الشريف، فأمسك ابن المبارك بركابه يهيء له الركاب لأنه من أسرة الرسول ﵊، وحق علينا أن نقدر الطائعين من أسرته ﵊، ﴿قُلْ لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى﴾ [الشورى:٢٣] قال هذا الشريف: تمنعني من الحديث الآن وتهيء لي ركابي، قال: [[أذل لك بدني ولا أذل العلم]] أو كما قال.
يقول ابن المبارك: [[السيف الذي وقع بين الصحابة فتنة، ولا أقول أن أحداً منهم مفتون]] يقول: الذي وقع بين الصحابة في الجمل وصفين فتنة، لكن لا أقول لأحد منهم: مفتون؛ لأن الله عصم الصحابة في مجموعهم من الفتنة فليسوا بأهل فتنة ﵃، بل كلهم -إن شاء الله- في الجنة، لكن أن نقول: أنهم مفتونون أو نخوض فيهم، فحذارِ حذارِ من هذا، وليس من السداد أن يتكلم الإنسان في أعراض الصحابة، أو يخوض فيما شجر بينهم فإن الله قد غفر لهم سيئاتهم، وتقبل منهم حسناتهم، أسأل الله أن يجمعنا بهم في دار الكرامة.
стр. 3591
الأتقياء لا يأمنون من أربع
يقول ابن المبارك: [[إن البصراء -يعني: الأتقياء- لا يأمنون من أربع: ذنب قد مضى لا يدرى ما يصنع الله فيه]] فأنت خائف دائماً من الذنب الماضي، لا تدري ماذا يُصنع فيه، لأنه ليس عندك وثيقة أنه قد غفر لك [[وعمر قد بقي لا يدرى ما فيه من الهلكة]] لا تدري ما يأتي من الفتن، نعوذ بالله من الفتن ما ظهر منها وما بطن، قد يفاجأ العبد بفتنة تذهب عليه دينه، فعليه أن يعتصم بالله، وأن يخلص وأن يلتجئ إلى الله أن يعصمه من الفتن [[وفضل قد أعطيه العبد لعله مكر واستدراج]] بعض الناس يمكر به بمال أو بغنى أو بمنصب حتى يتلفه بهذا الشيء ويظن أنه خير، ولكنه قد يكون شراً وضلالة قد زينت وهو يراها هدى [[وزيغ قلب في ساعة]] فقد يسلب المرء دينه ولا يشعر، ببدعة وهوى وارتكاب الشبهات والشهوات، هذا مما يزيغ به قلب العبد.
وكان ابن المبارك ﵀ يعجبه إذا ختم القرآن أن يكون دعاؤه في السجود، فقد كان للسلف ختمات، ومعظم السلف يختمون القرآن في سبعة أيام، كانوا يحزبون القرآن، يجعلون لليوم الأول ثلاث سور، واليوم الثاني خمس سور، واليوم الثالث سبع، اليوم الرابع تسع سور، واليوم الخامس إحدى عشرة سورة، واليوم السادس ثلاث عشرة سورة، واليوم السابع من (ق) إلى (الناس) وهذا ترتيب وتجزئة للقرآن، فإن لم يستطيعوا ختموه في شهر، فكل يوم جزء وهو ثلاثون جزءاً، وما كانوا يتجاوزون الشهر، فكان ابن المبارك إذا ختم القرآن يجعل آخر ختمة في صلاة؛ فإذا وصل إلى (قل أعوذ برب الفلق، وقل أعوذ برب الناس) صلى ركعتين وختم فيها القرآن ودعا وابتهل لأنه يؤثر أن من أحوال إجابة الدعاء ختم القرآن.
يقول ابن المبارك: [[من استخف بالعلماء ذهبت آخرته، ومن استخف بالأمراء ذهبت دنياه، ومن استخف بالإخوان ذهبت مروءته]] وهذا كلام عجيب، يقول: من استخف بأهل العلم واستهزأ بهم ولم يتأدب معهم أذهب الله عليه آخرته؛ لأنهم خلفاء الأنبياء، ومن استهزأ بالسلطان وسخر منه ذهبت دنياه، يقول: احذروا السلطان واحذروا بطشه لأنه إذا قال فعل [[ومن استخف بالإخوان ذهبت مروءته]] فيصبح بلا أخ.
ويقول: [[الحبر في الثوب خلوق العلماء]] أي: الحبر في الثوب خضاب العلماء، ما أجمل الحبر في ثوب طلبة العلم وهو شرف لهم!!
ودخل أحد العلماء على خليفة وعلى ثوبه حبر فوصل إليه فجلس بجانبه، قال: "والله للحبر الذي على ثوبك أحسن عندي من الدم الذي على الشهيد الذي قتل في المعركة"، وذكر الغزالي في الإحياء: "أن الحبر الذي يكتب به العلماء يوزن يوم القيامة بدم الشهداء" ولكن هذا يحتاج إلى نقل من المعصوم ﵊، وقد تفقه ابن المبارك بـ أبي حنيفة وأحبه، وهو معدود في تلامذته، ولو أنه لا يوافقه في كثير من المسائل، لأن ابن المبارك محدث وعالم في الحديث، ومن ضمن ما اختلفوا فيه: أن أبا حنيفة صلى إماماً وعلى ميمنته ابن المبارك، فكبر أبو حنيفة فرفع ابن المبارك يديه، والأحناف لا يرفعون أيديهم إلا في تكبيرة الإحرام، أما ما بعدها من التكبيرات فلا يرون الرفع، وابن المبارك محدث يرى أن ترفع الأيدي مع التكبيرات الأربع، فكان أبو حنيفة لا يرفع يديه وكان ابن المبارك كلما قال أبو حنيفة: (الله أكبر) وهو إمام قال ابن المبارك: الله أكبر، ورفع يديه، فلما سلم قال أبو حنيفة: خشيت أن تطير من جانبي -أي: كأن له جناحين وكأنه طائر- قال ابن المبارك: لو أردت أن أطير لطرت في الأولى، أي أنا وإياك كبرنا سوياً في تكبيرة الإحرام، لكن لم نطر والحمد الله، والصواب مع ابن المبارك.
стр. 3592
من ورع ابن المبارك
ولما احتضر ابن المبارك في السفر قال: [[أشتهي سويقاً]] كان جائعاً ويريد سويقاً، أي سويق الشعير الذي يلت بالتمر أو بغيره، قال: فلم نجده إلا عند رجل كان يعمل للسلطان -كان هذا الرجل يعمل عند السلطان صاحب السويق- وكان معنا في السفينة، فذكرنا لـ ابن المبارك فقال: [[دعوه]] فمات ولم يأكله، مادام يعمل هذا العمل أنا لا أريده، لا يدري من أين أتى الدخل، وهذه نظرية للسلف، لأنهم يقولون: الذي لا يظهر دخله أو يكون عند الظلمة ففي دخله شبهة، حتى إن الإمام أحمد ما رأى أن يمر على الجسر الذي بناه أبو مسلم الخراساني على دجلة، كان يأتي الإمام أحمد ببغلته من طريق بعيد ولا يمر على الجسر، قالوا: لماذا؟ قال: "بناه من الظلم من أموال المسلمين"، قالوا: ترى أن نصلي في مسجد أبي مسلم الخراساني، قال: "لا، لا تصلوا فيه" لأنه جزاه الله خيراً ما قصر، قتل ألف ألف من أمة محمد ﷺ ثم بنى مسجداً، أي: قدم مشروعاً للأمة، بنى مسجداً جامعاً وذبح مليوناً من أمة محمد ﷺ المصلين الصائمين.
فلما بنى مسجداً قال الإمام أحمد: "لا تصلوا فيه" فكان الجسر هذا من المشاريع التي نفذها أبو مسلم على نهر دجلة، وكان الإمام أحمد إذا وصل إلى رأس الجسر ضرب البغلة وردها، انظر الورع حتى لا تمر البغلة من على الجسر، فـ ابن المبارك وأمثاله يتورعون من هذا ويخافون كثيراً، يقول : ﴿وَلا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ﴾ [هود:١١٣].
وقد رأى الحسن البصري رجلاً ينظر إلى موكب ظالم، قال: [[لا تنظر إليه، قال: وماذا يضر النظر؟ قال: يقول الله: ﴿وَلا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ﴾ [هود:١١٣]]].
стр. 3593
رسالة ابن المبارك إلى الفضيل في الجهاد
قال: أملى عليّ ابن المبارك سنة (١٧٧) وأنفذها معي إلى الفضيل بن عياض من طرسوس، وكان يجاهد فيها هارون الرشيد والمأمون وكان ابن المبارك مقيماً هناك يجاهد العدو وكتب إلى الفضيل يقول:
يا عابد الحرمين لو أبصرتنا لعلمت أنك بالعبادة تلعب
من كان يخضب خَده بدموعه فنحورنا بدمائنا تتخضب
يعرض بـ الفضيل يقول: إن كنت تبكي بالحرم وتسيل دمعوك على خدك فو الله إن نحورنا تسيل بالدماء صباحاً ومساء، أيهما أغلى الدم أم الدمع؟ الدم الأحمر الذي يسيله شباب محمد ﷺ في الجبهات، قال:
أو كان يتعب خيله في باطل فخيولنا يوم الصبيحة تتعب
خيول المسلمين أصبحت للسباق فقط، أما الجهاد في سبيل الله فالحمد لله الذي لايحمد على مكروه سواه، قال:
ريح العبير لكم ونحن عبيرنا رهج السنابك والغبار الأطيب
يقول: أنتم بالمجامر في الحرم تدار عليكم البخور والألوة، البخور الكمبودي، أما نحن فالغبار كل صباح من الخيل، وهذا أحسن من بخوركم.
ولقد أتانا من مقال نبينا قول صحيح صادق لايكذب
لا يستوي وغبار خيل الله في أنف امرئ ودخان نار تلهب
لأن الله لا يجمع يوم القيامة في أنف عبد بين دخان جهنم وغبار في سبيل الله أبداً تظن أن رجلاً خرج في سبيل الله ودخل الغبار أنفه أن الله يدخله نار جهنم على أنفه، لا.
قال:
هذا كتاب الله ينطق بيننا ليس الشهيد بميت لا يكذب
فلقيت الفضيل بكتابه بالحرم، فقرأه وبكى حتى بله بالدموع وقال: [[صدق أبو عبد الرحمن ونصح]].
وكان ابن المبارك يقول وينشد:
أبإذن نزلت بي يا مشيب
نظر في المرآة وكان شاعراً فرأى الشيب، والعرب يفرون من الشيب، ويبكون منه، ويندمون ويرون أنه نذير الموت، ويقول ابن عباس في قوله : ﴿أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ﴾ [فاطر:٣٧] قال: [[الشيب نذير الموت]] وقال الإمام أحمد: "والله ما مثلت الشباب إلا مثل شيء كان في يدي ثم سقط منها" قال:
أبإذن نزلت بي يا مشيب أي عيش وقد نزلت يطيب
تعرفون أن الذي يدخله الشيب -خاصة من توغل فيه- لم يعد يجد قوة الشباب، ولا طعم الطعام في الشباب، ولا شرب الشراب في الشباب، ولا المزح في الشباب قال:
وكفى الشيب واعظاً غير أني آمل العيش والممات قريب
كم أنادي الشباب إذ بان مني وندائي مولياً ما يجيب
وكان ابن المبارك يقول:
كيف القرار وكيف يهدأ مسلم والمسلمات مع العدو المعتدي
شاعر الجهاد اسمع إليه، واسمع إلى العلم كيف يقفز به في قضايا الإسلام! والحرارة في الدفاع عن بلاد الله !
كيف القرار وكيف يهدأ مسلم والمسلمات مع العدو المعتدي
الضاربات خدودهن برنة الداعيات نبيهن محمد
القائلات إذا خشين فضيحة جهد المقالة ليتنا لم نولد
ما تستطيع ومالها من حيلة إلا التستر من أخيها باليد
وكان ابن المبارك يقول وهو يندِّم الناس على فضل أوقاتهم وعلى ماضاع من أعمارهم:
اغتنم ركعتين زلفى إلى الله إذا كنت فارغاً مستريحا
وإذا ما هممت بالنطق بالـ باطل فاجعل مكانه تسبيحا
فاغتنام السكوت أفضل من خو ض وإن كنت بالكلام فصيحا
اسمعوا ديباجة الأدب والفصاحة المتناهية! وهي فصاحة كسبها من الكتاب والسنة.
стр. 3594
وفاة ابن المبارك وماله من المبشرات
لما احتضر ابن المبارك حضرته سكرات الموت وكان على فراش الانتقال إلى الله ، جعل رجل يلقنه لا إله إلا الله، فأكثر عليه والسنة إذا لقنت المحتضر لا إله إلا الله ألا تعيدها عليه إلا إذا تكلم بكلام أو أغمي عليه فقل: قل لا إله إلا الله، أما أن تبقى عند رأسه وتقول: قل لا إله إلا الله، قل لا إله إلا الله فلا، ويكفي مرة فإذا قال: لا إله إلا الله فاصبر لأن هذه هي السنة، لأنه في حشرجة وفي هول، وفي ساعة ما مر بالعالم مثلها، الساعة التي يذعن فيها الجبار، ويذل فيها المتكبر، ويضعف فيها القوي ويتوب فيها العاصي، ساعة أليمة سوف نمر بها جميعاً، أسأل الله أن يسهلها علينا وعليكم.
فمن السنة ألا تضجره فإن أمامه هول وفزع وخوف ومشقة، يتذكر صحفه وعمره وسيئاته، ثم تلاحقه: قل لا إله إلا الله قل: لا إله إلا الله.
فأكثر عليه فقال له: [[لست تحسن -يقول ابن المبارك - وأخاف أن تؤذي مسلماً بعدي، إذا لقنتني فقل: لا إله إلا الله ثم إذا لم أحدث كلاماً بعدها فدعني، فإذا أحدثت كلاماً فلقني حتى تكون آخر كلامي من الدنيا]] هذه السنة، علمه السنة وهو في سكرات الموت.
وقال محمد بن الفضيل بن عياض: [[رأيت ابن المبارك في النوم، فقلت: أي العمل أفضل؟ قال: الأمر الذي كنت فيه، قلت: الرباط والجهاد؟ قال: نعم.
قلت فما صنع بك ربك؟ قال: غفر لي مغفرة ما بعدها مغفرة]] أي: أتت على جميع الخطايا.
وقال: [[سمعت أبا حاتم الفربري يقول: رأيت ابن المبارك واقفاً على باب الجنة بيده مفتاح فقلت: ما يوقفك هنا؟ قال: هذا مفتاح الجنة، دفعه إلي رسول الله ﷺ ، وقال: حتى أزور الرب، فكن أميني في السماء كما كنت أميني في الأرض]] هذا ذكره الذهبي في سير أعلام النبلاء، وذكره غيره من أهل العلم وقال: [[رأيت الحارث بن عطية في النوم، فسألته فقال: غفر لي، قلت: فـ ابن المبارك، قال: بخ بخ -أي: حسن جميل- ذاك في عليين، ممن يلج على الله كل يوم مرتين]] يزور الله مرتين كل يوم، أي: يرى ربه .
ورؤية الله ثابتة عند أهل السنة في الآخرة، كل يوم مرتين لأعماله ولخيره ولفضله، ولما جعل الله فيه من الصدق والإخلاص، وعن نوفل قال: [[رأيت ابن المبارك في النوم فقلت: ما فعل الله بك؟ قال: غفر لي برحلتي في الحديث، عليك بالقرآن، عليك بالقرآن]] أي: اقرأ القرآن كثيراً، عليك بالقرآن لأنه شفيع مشفع عند الله ولأنه يقود صاحبه إلى الجنة إذا عمل به، ولأنه شاهد صادق ناطق يوم العرض الأكبر على من قام به آناء الليل وأطراف النهار.
стр. 3595
ابن المبارك عند الإمام مالك
وقال يحيى بن يحيى الليثي: [[كنا عند مالك بن أنس إمام دار الهجرة- فاستأذن لـ عبد الله بن المبارك بالدخول فأذن له، فرأينا مالكاً تزحزح له في مجلسه، ثم أقعده بجانبه]] كان مالك لا يتزحزح لأحد ولا يقوم، لكن لما أتى ابن المبارك، تزحزح وأجلسه بجانبه، قال: [[وما رأيت مالكاً يتزحزح لأحد في مجلسه غيره، فكان القارئ يقرأ على مالك فربما مر بشيء فيسأل مالك ما مذهبكم في هذا؟ أو ما عندكم في هذا؟ فرأيت ابن المبارك يجاوبه بسكوت وصمت لا يسمعه إلا مالك]] هذا من الأدب، الناس جلوس أمام الإمام مالك: في مسجد الرسول ﵊ وابن المبارك بجانب مالك فكان مالك إذا مر به الحديث يقول: [[ما هو مذهبكم في هذه المسألة؟]] وابن المبارك عالم مثل مالك أو أكثر في الحديث، وذاك يمكن أن يكون أكثر في الاستنباط، فكان يدني رأسه ويكلم مالكاً في أذنه حياء من الإمام مالك وأدباً، وهذا درس لطلبة العلم ودرس للشباب أن يتقوا الله في العلم، فمن يفعل مثل هذا؟ أما الآن فإذا عرضت مسألة وقال فيها طالب علم قوله، قام طالب هناك وقال: هذا خطأ والحديث ضعيف لا يصح، في سنده فلان بن فلان وقد حققته في رسالة،، أهكذا يبكت الناس؟ وهي مسألة فرعية للذي اجتهد فيها ولم يوفق للصواب أجر واحد ومن يوفق للصواب فله أجران؟! حتى إذا سألت مثلاً في المجلس مجموعة من الشباب -من طلبة العلم- تبادروا كل يفتي، تقول: ما رأيكم في هذا الحديث؟ فقائل: صحيح، وقائل: لا.
حسن، وقائل: هذا ضعيف، وقائل: ذاك موضوع، كلهم يريد أن يتكلم!! فـ ابن المبارك يعلمك الأدب، يقول: ما عليك ألا تتكلم وقد وجد عالم في الحلقة، فعلمه في أذنه، أو لا حظ عليه، لا أن تفتي معه وتتكلم، وكذلك من الأدب ألا تتكلم، وهناك من هو أولى منك بالكلام في المجلس، بل تجد أحياناً بعض الكبار من العلماء يحضرون مجالس العامة فتجد شباباً يتكلمون في حضورهم فيبدأ الشاب وبدون حياء، ويقول: (إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه، أمَّا بَعْد: فنرى أن نمضي هذا الوقت فيما ينفع، ومن الواجب عليّ ألا أكتم العلم الذي عندي) وليس عنده ما يملأ كوباً، بينما العلماء الكبار موجودون، فمادام أن العالم موجود فقد عفاك الله فأحل عليه، ثم أن هذا من الوقار وحسن الأدب أن تحول الكلام إليه وتقول: الشيخ موجود ولا نتكلم بوجوده، و (لا يفتى ومالك في المدينة) ونريد منه أن يتحفنا، ثم إذا أردت أن تتكلم أنت فتكلم لكن بأدب بعد أن تقول: كما تفضل والدنا وشيخنا في هذه الكلمة المباركة ,وأنا لست زائداً عليه ولا أريد أن أضيف إلى كلامه شيئاً، لكني أعرض عليكم بعض المسائل، هذا من الأدب ومن الوقار ومن هذا الأمر الذي يريده ابن المبارك ﵀.
وقالوا: سئل ابن المبارك بحضور سفيان بن عيينة عن مسألة فقال: [[إنا نهينا أن نتكلم عند أكابرنا]] ما شاء الله ابن عيينة أكبر منه سناً، وابن المبارك أصغر، فسئل وابن عيينة جالس فقال: [[نهينا أن نتكلم عند أكابرنا]] ولذلك يقول ﷺ : ﴿كبر كبر﴾ أي ابدأ بالكبير، فإذا عرضت عليك مسألة وفي المجلس من هو أولى منك فأحل إليه المسألة وقل: مارأيكم في هذا؟ وقد قلت وقال غيري من طلبة العلم ومن الدعاة: إن هناك أشياء تنقص في بعض الشباب منها: عدم احترام الكبير: تجد أحياناً كبير سن في السبعين من عمره -وأقصد: ممن يتبعون السنة، أما كبير في السن وهو فاسق فهذا لا تكرمه، لكن أقصد شيخاً كبيراً على السنة، يحب الله ورسوله تجده يجلس في طرف المجلس وتجد الشباب في صدر المجلس هذا خلاف السنة، أو تجد أحياناً بعض القضاة يدخل فيجلس في طرف المجلس فهذا ليس من السنة فلا بد أن يكرم، وسلطان عادل يحكم بالكتاب والسنة ويخاف الله لا بد أن يكرم.
وحامل القرآن لا بد أن يكرم، وداعية له أثر لا بد أن يكرم، وشيخ قبيلة له أثر في الخير يحب الله ورسوله ويفعل الخير لابد أن يكرم، فإنزال الناس منازلهم وارد، أما بعضهم فإنه يقول: لا.
ليس عندنا تميز كلنا سواسية، الإنسان يجلس بأي مكان، وكان ﷺ لا يقام له، صحيح وضعٌ للنصوص في غير مواضعها، بل لابد من إنزال الناس منازلهم، واحترام الناس.
стр. 3596
فوائد من حياة ابن المبارك
نخرج من ترجمة ابن المبارك بمسائل:
стр. 3597
الفضل بالتقوى
أولاً: الفضل بالتقوى، ومن حمل هذا الدين نكرمه، ونعتبره من أشرفنا ولو كان مولى من الموالي، أما اللعب على العقول بمسألة الأنساب فهذه مسألة فيها تبجح، بعضهم يخرج لك شجرة نسبه، ويضعها في برواز في المجلس، ينسب لك أنه من آدم، يخاف أن تقول إنه من فصيلة الدود!! وكلنا من آدم، وهل سمعتم أن أحداً في الكرة الأرضية من غير آدم، كل حام وسام من آدم، وهؤلاء الذين يفتخرون بالأنساب يعودون في أصل السلسلة إلى آدم، لا يخرجون عنه وليس لهم فصيلة أخرى غيره لا من البراغيث ولا من الزواحف.
طرق طارق على الفضل بن دكين فقال أبو نعيم: وكان مزاحاً: من؟ وكان وراء الباب، قال: معك رجل من ذرية آدم! فخرج واحتضنه وقال: ماشاء الله ماظننت أنه بقي من ذرية آدم أحد!
فكلنا والحمد لله من ذرية آدم، خلق الله آدم واحداً ثم أتت الذرية منه، فيأتي لنا الآن ليقول: خط مائتين وعشرين وخط مائة وعشرة، وأنا أسرتي كانت تفعل وتفعل، وأنا من فلان بن فلان بن فلان وينسب لك ويحسب ﴿من افتخر بتسعة آباء في الجاهلية، فهو عاشرهم في النار﴾ [حديث حسن يرويه البخاري في الأدب المفرد، وغيره]
إذا فخرت بآباء لهم شرف نعم صدقت ولكن بئسما ولدوا
إن الفتى من قال هاأنا ذا ليس الفتى من قال كان أبي
стр. 3598
الحرص على طلب العلم
ثانياً: من الدروس المستفادة من سيرة هذا الإمام: أن من أعظم ما يتقرب إلى الله به طلب العلم والحرص عليه، وحفظه، وتدارسه واستنباطه، فإنني أدلكم وأرشد نفسي وإياكم وأدعوكم، وأستحثكم -يا معشر من حمل العلم للعالَم- بتوجيه طاقات وقدرات الشباب والناشئة لطلب العلم والدروس العلمية والمحاضرات العامة، وأن يكون التوجه العام لطلب هذا العلم الشرعي الموروث عن محمد ﵊.
стр. 3599
الموازنة بين الحسنات والسيئات
ثالثاً: من الدروس المستفادة: كما مر أن منهج الجرح والتعديل: أن من كثرت حسناته على سيئاته فهو محسن، ومن كثرت سيئاته على حسناته فهو مسيء، وأن نعامل الناس بحسب قربهم من الله.
стр. 3600
العمل بالعلم
رابعاً: ومن الدروس أيضاً: أن العلم في الإسلام إنما هو العمل والتطبيق وأن يظهر على سلوك العبد.
стр. 3601
اللين في الدعوة
خامساً: إن من أنجح وسائل الدعوة، اللين وعدم التجريح والتشهير، والدخول إلى قلوب الناس بالحب كما فعل ابن المبارك.
стр. 3602
تواضع العلماء
سادساً: أن علماء السنة، علماء عامة، يجلسون مع العامة، يعتمرون ويحجون معهم، ويحضرون ولائمهم وأعراسهم، وأبوابهم مفتوحة كما كان ابن المبارك يفعل، أما الاعتزال والاحتجاب وقطع الصلة، وعدم معايشة الناس في مشاكلهم، وعدم التمشي معهم، وعدم النزول إليهم، فهذا ليس من منهج علماء السنة كما مر في سيرة ابن المبارك والحمد لله رب العالمين.
стр. 3603
الأسئلة
стр. 3604
الاستكثار من الشعر
السؤال
يقول الشافعي:
ولولا الشعر بالعلماء يزري لكنت اليوم أشعر من لبيد
فهل هو من قوله فعلاً؟
الجواب
نعم.
للشافعي هذا البيت، لكن على كل حال ليس هذا نصاً شرعياً، وهذه وجهة نظر الشافعي، ثم إنه شاعر ولم يمنعه هذا البيت من قول الشعر فقد قال قصائد كثيرة، لكن أظنه لو كان في درجة لبيد لما امتنع عن الشعر ولما حبس شعره.
بل لا بد أن ينطلق، لكنه شاعر ومن العلماء ومكثر، والصحيح في الشعر أن يقلل منه بقدر الحاجة، ولا بأس به فهو كلام حسنه حسن، وقبيحه قبيح.
стр. 3605
التوفيق بين طلب الرزق والعلم ونحوهما
السؤال
كيف أوفق بين التجارة وطلب العلم؟
الجواب
بأن يكون لك جدول، وقت لطلب العلم، ووقت للتجارة، أما قضية أن بعض الناس يقول: لا يستطاع أن يطلب العلم مع التجارة فليس بصحيح، السلف جمعوا بين التجارة وطلب العلم وباستطاعتك أن تفعل هذا، مثلاً: نصف النهار لطلب العلم ونصفه للتجارة، أو أيام من الأسبوع لطلب العلم وأيام للتجارة، وتجمع بينهما، وهؤلاء الصحابة من أين كان دخلهم؟ كانوا مزارعين فلاحين ومجاهدين وتجاراً، وكان أبو بكر يبيع ويشتري وهو سيد الأولياء، ليس التصوف الهندوسي الذين يعتكفون في الزوايا يشحذون من الناس، ويدعون أنهم الأولياء، تولى أبو بكر الخلافة وبعد ثلاثة أيام من توليه الخلافة خرج بالخطام وذهب إلى السوق يبيع جمالاً ويشتري ويزاول مهنته، فلقيه عمر وأبو عبيدة، المستشاران العظيمان اللذان حضرا ساعة البيعة، قالوا: [[إلى أين يا أبا بكر؟ قال: إلى السوق أبيع وأشتري، قالوا: تترك أمور المسلمين وتبيع وتشتري؟ قال: يموت أطفالي جوعاً وعرياً ويبقى أطفالكم وتشغلوني بالخلافة، بل أبيع وأشتري، قالوا: نفرض لك راتباً من بيت المال -أي: من الميزانية، يستلمه في آخر السنة- قال: كم؟ قالوا: ألفي درهم، أي: في السنة، قال: ما يكفيني، قالوا: ألفين وخمسمائة، قال: زيدا، قالا: لا.
قال: ألفين وخمسمائة وعاد إلى البيت، وأتى يوم الجمعة وقال للناس: يا أيها الناس: ما رأيكم: فرض لي عمر وأبو عبيدة ألفين وخمسمائة درهم كل سنة من بيت المال هل أنتم مسامحون بهذا وأترك التجارة واشتغل بأموركم أو تجعلون لي وقتاً للتجارة ووقتاً لأموركم؟ قالوا: رضينا بألفين وخمسمائة درهم كل سنة، قال: جزاكم الله خيراً]].
стр. 3606
ماء زمزم لما شرب له
السؤال
هل يشرب ماء زمزم لأكثر من سبب؟
الجواب
نعم.
يشرب لأكثر من سبب، سبب أن يرزق زوجة صالحة، ورزقاً واسعاً، وعلماً نافعاً، وصحة في البدن، ومغفرة في الآخرة.
стр. 3607
المشاركة في المراكز الصيفية
السؤال
المراكز الصيفية هل ترى أن ننتظم فيها وأن نكون في صفوفهم؟
الجواب
نعم، أرى ذلك، المراكز الصيفية التي قامت على النصح وقام عليها رجال ناصحون -كما هو العادة في معظمها- وقامت على طلب العلم الشرعي، وعلى حفظ شباب المسلمين وتوجيههم، فأرى أنها من أحسن ما يستثمر فيها الوقت في العطل الصيفية، ودفع الشباب إليها فهي من أحسن ما يكون وقد أثمرت، من ثمارها هذا الجيل الرائد الخالد الذي اتجه إلى الله والذي ظهر خيره ونفعه للمسلمين.
стр. 3608
كتب في العقيدة
السؤال
أنا أدرس في بعض القرى وأريد أن توجهني إلى بعض كتب العقيدة لأدرس الناس منها؟
الجواب
عليك بثلاثة كتب في العقيدة، كتاب التوحيد للشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀، كتاب معارج القبول للشيخ حافظ بن أحمد الحكمي ﵀، وكتاب شرح الطحاوية لـ ابن أبي العز ﵀، هذه عندك اجلعها مراجعك ودرس الناس منها وسوف تستفيد ويستفيدون.
стр. 3609
حكم القات
السؤال
ما هو الحكم الصحيح في القات؟
الجواب
القول الصحيح فيه أنه محرم؛ لأنه من الخبائث، وقد أفتى كثير من أهل العلم بتحريمه.
стр. 3610
حكم مصافحة الأجنبية
السؤال
دخلت في مستشفى على امرأة وهي أجنبية فسلمت عليها وأنا كاره؟
الجواب
ارتكبت محرماً، لأن مصافحة المرأة الأجنبية محرم، والرسول ﷺ لم يصافح النساء وإنما كان يبايعهن من وراء حجاب، وعليك أن تستغفر وتتوب إلى الله ، وتنبه في مثل هذا الموقف أن هذا أمر محرم، وأنه لا يلزمك أن تمد يدك لأنه لا يتحاكم إلى الجاهلية، ولا إلى الأعراف والتقاليد، حتى بعضهم يعارضك ويقول: هذه نشأنا عليها وأجدادنا وآباؤنا ولا نستطيع أن نجرح شعورهم، فهل ترضيهم وتسخط ربك؟!
следующие страницы →