← Джавами‘

Джавами‘ · id 7708

دروس الشيخ عائض القرني

عائض القرني

Полный текст (10 391 стр.). Показаны 3711–3750 · переход к 3716.

стр. 3711

المجاهدون الأفغان يعيشون أصعب المواقف السؤال الإخوان الأفغان اليوم يعيشون في أصعب المواقف حيث إن كثيراً من المسلمين يعتقد أنه قد انتهى دوره في نصرة هذا الجهاد بعد هذا التقسيم وهذا الانتصار، فما تعليقكم وما توجيهكم لهؤلاء الإخوة الذين نسأل الله أن يوفقنا وإياهم؟ الجواب الإخوان المجاهدون الأفغان قوم رفعوا رأس العالم الإسلامي، قوم أمجاد أعزة، قوم علموا المستعمر والأجنبي الذلة، وعلموه أن النصر لهذا الدين, وأن المستقبل لهذا الدين، قوم نقف معهم مسلِّمين، ونقف معهم معجبين، ونقف معهم داعين لهم بالنصر والثبات. الجهاد الأفغاني لم ينته بعد، هو في أتون شدته وعنفوان اضطرامه، هم الآن يعيشون في جبهات وعلى ثغور، هم في رباط الله أعلم به؛ ولذلك ينبغي علينا في هذه الليالي أن نكثر من الدعاء لهم؛ لأنهم يضربون من الجو ومن الأرض، وهم يعيشون في معركة من أعتى المعارك، فنسأل الله أن ينصرهم وأن يثبت أقدامهم، وأن ينزل السكينة عليهم، وأن يوفقهم بنصر من عنده إنه على كل شيء قدير. وإخواننا في بلاد الأفغان لا يزالون يواصلون الزحف المقدس الذي رايته: لا إله إلا الله محمد رسول الله، وبالمناسبة لابد أن نكون شاكرين لأهل الفضل، ومن لا يشكر الناس لا يشكر الله، والذي يجحد المعروف لا خير فيه، فنشكر ولاة الأمور في هذه البلاد على أن اعترفوا بحكومتهم وهم أول دولة في العالم اعترفت بحكومة المجاهدين، وهذا أمر يثلج الصدر ويبشر بالخير، فشكر الله لهم اعترافهم، وبارك الله في قرارهم، وزادهم ثباتاً ونصرةً لهذا الدين، ونصرهم الله بالإسلام ونصر الإسلام بهم. ثم إن الإخوة المجاهدين يحتاجون إلى تبرعات، وإلى مد يد العون، وإمام هذا المسجد يتلقى التبرعات من المحسنين والمخلصين ومن المنفقين في سبيل الله، وفي هذا التبرع الذي يقدم للمجاهدين شيء وقسط منه للفقراء والمساكين، فحيهلاً بالهمم وبالأيادي البيضاء وبالعطايا وبالإنفاق في سبيل الله، وهذا شهر الصدقة، وهذا شهر البذل والعطاء، فأنفقوا ينفق عليكم، وأعطوا يخلف عليكم، وتوكلوا على الله: ﴿مَا عِنْدَكُمْ يَنْفَدُ وَمَا عِنْدَ اللَّهِ بَاقٍ﴾ [النحل:٩٦] ﴿مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة:٢٦١]. الله أعطاك فابذل من عطيته فالمال عارية والعمر رحال المال كالماء إن تحبس سواقيه يأسن وإن يجر يعذب منه سلسال ومنها الزكاة تصرف إليهم كما أفتى بذلك علماؤنا.

стр. 3712

الوقت عمرك فافعل به ما تشاء السؤال إنني أشعر بالفراغ وخاصة في رمضان خاصة بعد صلاة التراويح، فما هو الطريق لاستغلال هذا الوقت، بارك الله فيكم؟ الجواب أما الفراغ الذي يعيشه كثير من الشباب في رمضان وغير رمضان فهذه مأساة عامة، مأساة عامة في العالم الإسلامي إلا من رحم ربك، شباب مستقيم ومتجه، نحن لا نتكلم عن الضائع، الضائع المفلوت من الصلاة المفلوت من القرآن المفلوت من السنة هذا لا يتكلم فيه لقد ذهب الحمار بأم عمرو فلا رجعت ولا رجع الحمار لكن نتكلم عن شباب الصحوة، المقبلين على الله والتائبين إلى الله أين تصرف أوقاتهم؟ ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لا تُرْجَعُونَ * فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ﴾ [المؤمنون:١١٥ - ١١٦] فوصيتي لإخواني أن يستثمروا أوقاتهم، الدقائق محسوبة، صح في الحديث: ﴿لن تزول قدما عبد يوم القيامة حتى يسأل عن أربع، عن عمره فيما أفناه﴾: دقات قلب المرء قائلة له إن الحياة دقائق وثواني فارفع لنفسك قبل موتك ذكرها فالذكر للإنسان عمر ثاني يا إخوتي في الله: كم سلبت منا الساعات؟ كم ضاعت منا الأوقات؟! كم أكثرنا من المخالفات والسيئات؟! فهل آن لنا العودة في استثمار الأوقات؟! ظواهر: كثرة الزيارة بين الشباب على غير جدول عمل وعلى غير تلاوة وعلى غير طاعة، أزورك وتزورني، وأحبك وتحبني، وأتعشى عندك وتتعشى عندي، لكن حديثنا في مجريات الحياة وأخبار ونكت ومزاح لا تحصيل، هذه لا تبشر بخير. الأمر الثاني: نوم طويل؛ بعض الناس جعل نهار رمضان نوماً، فهو يرى أنه يرى في المنام أنه صائم، يرى في المنام أنه يرى سبع بقرات سمان وأخرى عجافاً، ويرى أنه صائم، ثم يستيقظ وقت الغروب لا أحس بالجوع ولا أحس بالظمأ ولا تدبر القرآن ولا ذكر الله، فهل سمعتم بإنسان يصوم وهو نائم؟! وسهر في ظلام الليل، من صلاة التراويح إلى السحر، إما كرة ودائماً كرة كرة، أو رحلة ونزهة لا طائل من ورائها، أو جلسة لا يحمد ما يدار فيها، فوصيتي لإخواني أن يعتبروا كل ثانية تصرف من أوقاتهم، فهي عمرك فافعل به ما شئت.

стр. 3713

فضل الدعاء في السحر السؤال يمر بالفرد المسلم وبالمسلمين عامة أزمات وتحديات من قبل أعداء الإسلام، فأرجو من فضيلة الشيخ الإرشاد والتوجيه لاستخدام سلاح الليل وهو الدعاء في السحر لمواجهة هذه الشدائد، وجزاكم الله خيراً؟ الجواب نعم. السهام التي تسري في ظلام الليل هو دعاء السحر، سئل علي بن أبي طالب فيما يروى عنه [[كم بين العرش والأرض؟ قال: دعوة مستجابة]] وصح في الحديث ﴿أن الله ينزل إلى سماء الدنيا في الثلث الأخير من الليل فيقول: هل من سائل فأعطيه؟ هل من داع فأجيبه؟ هل من مستغفر فأغفر له؟﴾ قلت لليل هل بجوفك سر عامر بالحديث والأسرار قال لم ألق في حياتي حديثاً كحديث الأحباب في الأسحار دعاء الثلث الأخير من الليل، دعاء السحر، في السجود، في أدبار الصلوات سلاح للمسلم، إذا فاته الدعاء فاته خير كثير ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ [غافر:٦٠] ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ﴾ [البقرة:١٨٦] فيا إخوتي في الله, الله الله في الدعاء، وورد في الحديث ﴿لن يهلك مع الدعاء أحد﴾ وقال عمر: [[إني لا أحمل هم الإجابة إنما أحمل هم الدعاء]]. وعند الترمذي من حديث سلمان أن الرسول ﷺ قال: ﴿إن الله يستحي من عبده إذا رفع يديه إليه أن يردهما صفراً﴾ اللهم فوفقنا واهدنا سبل السلام، وأخرجنا من الظلمات والنور وانصرنا على من ظلمنا وعلى من بغى علينا، ومن أرادنا بسوء ومن أراد الإسلام بسوء فأشغله بنفسه واجعل تدبيره في تدميره إنك على كل شيء قدير.

стр. 3714

شكر نعمة الرخاء في العيش السؤال كثير من الشباب وأخص منهم الطيبين يعيشون في رخاء عظيم، ولكن نلاحظ أنهم يفرطون فيه بالتشاغل بأمور هامشية، وكثرة المخالطة وجلسات السمر، نرجو من فضيلة الشيخ التوجيه لاستغلال هذا الرخاء، ومجالات الاستغلال المفيدة. الجواب سبق في الحديث عن الوقت ما يغني عن الكثير من الإجابة عن هذا السؤال، وأما الرخاء الذي نعيش فيه فنحمد الله ﵎: ﴿لَقَدْ كَانَ لِسَبَأٍ فِي مَسْكَنِهِمْ آيَةٌ جَنَّتَانِ عَنْ يَمِينٍ وَشِمَالٍ كُلُوا مِنْ رِزْقِ رَبِّكُمْ وَاشْكُرُوا لَهُ بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ﴾ [سبأ:١٥] جيراننا من الدول والشعوب ينامون على أصوات المدافع، ويستيقظون على هدير الصواريخ، القنابل تقع على بيوتهم، حطمت منازلهم، قتل شيوخهم، أعدم أطفالهم، أجهضت نساؤهم، ذاقوا الجفاف، ذاقوا الفيضانات، ذاقوا الجوع، ونحن في أمن وسكينة تجبى إلينا ثمرات كل شيء، والطيبات تأتينا من كل مكان، فهل من شاكر؟ وهل من مستغفر؟ إن استدامة النعم إنما تكون بتقوى الله ﴿وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ﴾ [إبراهيم:٧] ﴿وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ﴾ [النحل:٥٣] فهل من شكر؟ وهل من عبادة؟ وهل من استلهام لهذا الرشد؟ فمحافظة على هذا الرخاء والنعيم بالعودة إلى الله واستثمار الوقت. والملاحظ على كثير من الشباب إشغال أنفسهم بأمور هامشية ومجريات الحياة، أو مشاغل لا تنفعهم عند الله، والإعراض عن طلب العلم أو تدبر القرآن أو النوافل فعودة صادقة إلى الدين، ومن تبصر بنور الكتاب والسنة بصره الله.

стр. 3715

الأسواق وخروج المرأة إليها السؤال ما هو الواجب على المرأة من ناحية خروجها إلى السوق، وكما تعلمون فالأسواق في هذه الأوقات مليئة بالشباب والمعاكسين، أرشدونا وفقكم الله؟ الجواب الأسواق مجامع يجتمع فيها لغير طائل أهل الريبة الذين ليس لهم غرض, أهل الريبة وسوء الأخلاق ومن في قلوبهم شك ونفاق، وأصبحت الأسواق ظاهرة من ظواهر التفسخ والتبرج وقلة المروءة والحياء، والتطاول على تعاليم هذا الدين، وأصبحت كثير من الأسواق فرصةً لدعاة الشيطان ودعاة السوء في أن يمزجوا بين الصنفين الرجال والنساء، وهناك نساء قل الإيمان ووازع الإيمان في قلوبهن وقل أثر القرآن والتربية الإسلامية فجعلت من السوق متفسخاً لها، تفسخ جلبابها وحياءها وستر الله عنها، فنحن نسائلها من هذا المكان أن تتقي الله، وألا تخلو مع أجنبي، فإن الخلوة معه معصية ومحرم. وأشير إلى ناحية أنه وجد من بعض النساء أنها تذهب مع السائق ولو كانت صالحة وعابدة، ولو كانت تذهب إلى المسجد، ولو كانت تذهب لصلاة التراويح فيستقل بها السائق الأجنبي وتظن لأنه سائق أنه لا يتحرك فيه شيء. ما دام رجلاً، فعنده ما عند الرجال وهو أجنبي، هل إذا كان سائقاً يحل منه ما يحرم من غيره؟! لا والله، فخلوتها معه في السيارة لا تجوز، وهو محرم عليها، ويمكن أن الإثم الذي حصل لها من خلوتها مع السائق إلى المسجد, أعظم من الأجر الذي قد يحصل لها من صلاة التراويح والتباكي مع الإمام، لا. عليها أن تنتبه لنفسها! وأن تتقي الله في عرضها، وفي دينها وفي رسالتها.

стр. 3716

المعاصي ونسيان العلم السؤال عندما سئلت في أحد المحاضرات عن طريقة حفظ كتاب الله وكتب السنة قلت: إن كان يرتكب المعاصي فتجده ينسى دائماً وأبداً، و السؤال ما هي الطريقة التي على المرء اتباعها لكي تبقى هذه الكتب وخاصة كتاب الله عالقة في الذهن، علماً أنني أحس أنني لا أرتكب المعاصي؟ الجواب في هذا السؤال مسألتان، وأبدأ بالمسألة الأخيرة التي أعتبرها الأولى بالنسبة لي: المسألة الأولى: وهي أن السائل كأنه يزكي نفسه، يقول: أنه لا يرتكب المعاصي أو أنه ليس عنده شيء من المعاصي فيما يعلم، وهذه تزكية والله يقول: ﴿فَلا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى﴾ [النجم:٣٢] ﴿وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَى مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَداً﴾ [النور:٢١] كلنا مخطئون، وأبونا آدم سن لنا الخطيئة فقلدناه، وتاب فينبغي أن نقلده في التوبة، ومن شابه أباه فما ظلم، فعليك أن تعرف أن عندك ذنوب، وأنك ما طهرت ولا طهرنا من الذنوب والخطايا ﴿كلكم خطاء وخير الخطائين التوابون﴾ ولو من الصغائر. الأمر الثاني: نعم ذكرت أن من أسباب النسيان المعاصي لكتاب الله ولغيره من العلم قال : ﴿فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَنَسُوا حَظّاً مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ﴾ [المائدة: ١٣] والحظ الذي ذكروا به قالوا هو العلم، وفي بعض الآثار: [[إن العبد ينسى الباب من العلم بالذنب يصيبه]] ونظر بعض الناس إلى امرأة لا تحل له، قال له أحد الصالحين: تنظر إلى الحرام؟ والله لتجدن غبها وعقوبتها ولو بعد حين قال: فنسيت القرآن بعد أربعين سنة. شكا الشافعي إلى وكيع سوء حفظه، عله أن يجد مأكولاً يقوي حفظه وقد روي عن الزهري أنه قال: جربت المأكولات فما وجدت كالزبيب للحفظ. فأتى الشافعي إلى وكيع بن الجراح الرؤاسي فسأله ما هو دواء سوء الحفظ؟ قال: ترك المعاصي. لا أكل الزبيب ولا البطاطس ولا البقدونس، إنما تقوى الله واجتناب المعاصي، فيقول في بيتين: شكوت إلى وكيع سوء حفظي فأرشدني إلى ترك المعاصي وقال اعلم بأن العلم نور ونور الله لا يؤتى لعاصي وبعض الناس تجده ولياً عابداً خاشعاً زاهداً تالياً لكتاب الله لا يعرف كثيراً من المعاصي لكن لا يحفظ آية، ربما ينسى اسمه الثلاثي، يتحفظه في الصباح وينساه مع الظهر، فما الحل؟ نقول: هذه جبلة، فإن بعض الناس فيه جبلة عجيبة، ينسى كل شيء، حتى يروى عن بعضهم أنه: طلب العلم ما يقارب عشر سنوات، فأخذ سطرين يكررها من صلاة العشاء إلى قرب الفجر ثم نام، فاستيقظ في الصباح وقال للجارية: أتذكرين السطرين الذين كنت أكرر في البارحة؟ قالت: هي كيت وكيت. قال: ألهمك الله الشهادة ذكرتني العلم. فبعض الناس، قد لا يحفظ الفاتحة وهو وراء الإمام أربعين سنة؛ والله هو الذي يقسم الذكاء ويقسم العي، وهذا لا يعني أنه باخس الحظ مع الله, بل قد يكون من الأولياء الكبار. ابن الراوندي الملحد الذي سماه الذهبي الكلب المعفر, كان من أذكياء الناس، قال: كان ذكياً ولم يكن زكياً؛ كلب معفر، هاجم الإسلام، هاجم السنة، ملحد، زنديق، وقف على نهر دجلة عنده كسرة خبز يأكلها وهو فيلسوف، وكم حسب علينا من فلاسفة! ابن سيناء، والفارابي، وابن الريوندي حسبوا علينا ونحن منهم براء، وهم منا براء. وقف ابن الراوندي يأكل كسرة خبز، فمر مولى من الموالي معه خيول ومعه تاج ومعه ذهب ومعه أموال، فالتفت إلى السماء وقال: أنا الفيلسوف الذكي تعطيني كسرة وتعطي الخادم هذه الخيول! هذه قسمة ضيزى! ثم رمى الكسرة في النهر. ولذلك سخط الله عليه. ولما مدحه ابن خلكان قال ابن كثير: ترجم له ابن خلكان ومدحه؛ لأنه شاعر وذكي، وكأن الكلب ما أكل له عجيناً! ومن الأذكياء أيضاً أبو العلاء المعري كان من أذكياء الناس، لكنه زنديق فيما يؤثر عنه إلا أن يكون تاب، وتجد بعض الصالحين لا يحفظون كثيراً من الحديث، إذاً -يا أخي- ليست العبرة بالحفظ، حتى يقول الذهبي في ترجمة ابن الرواندي: فحيا الله البلادة بالتقوى! ولعن الله الذكاء بالزندقة!

стр. 3717

الشعراء والهجاء بين القبائل السؤال بعض القبائل تحضر في الحفلات والمناسبات بعض الشعراء الشعبيين، ثم تكون فيها محاورات بين شاعر وآخر، ويكتنف هذه الأشعار إظهار عيوب قبيلة الشاعر الآخر، ويدفع من الأموال الطائلة ما يدفع، وقد يكلف إحضار هؤلاء الشعراء الألوف الكثيرة، فما حكم هذه المبالغ التي تصرف؟ وما حكم الوقت الذي يصرف في هذه المحاورة علماً أنها تستمر إلى طلوع الفجر؟ الجواب ما ذكره السائل من هذه المشاهد والظواهر موجود في كثير من المجتمعات، وهناك قبائل كأنهم يعيشون بمعزل عن العالم، كأنهم في أرض والناس في أرض، يأتي شاعرهم فيمدح قبيلته، وكأنها هي التي انتصرت في بدر واليرموك , ورفعت راية لا إله إلا الله في القادسية، وقدمت الشهداء، وإذا رجعت إلى تاريخ هذه القبيلة تجده لا يساوي ريالين أو قرشين، ما عندهم شيء سوى الأكل والشرب وتزوجوا ودخل فلان على فلان فزاره في بيته وأكرمه وذبح له ناقة، ونحن فعلنا وصبحنا القبيلة وذبحناها! مسلمون يذبحون مسلمين! ويتهتكون في أعراض المسلمين، هؤلاء مثلهم كما قال ابن تيمية: كصوفي أعمى يقرأ وهو أعمى القلب والبصر ومن غلاة الصوفية، ويقرأ في سورة النحل: فخر عليهم السقف من تحتهم. قال ابن تيمية: لا عقل ولا قرآن! لأن السقف دائماً يأتي من فوق، هل سمعتم بسقف أسفل؟! لو لم يكن معك قرآن فعلى الأقل معك عقل تعرف أن السقف دائماً فوق فقال ابن تيمية: لا عقل ولا قرآن، فبعض القبائل لا عقل ولا قرآن، لا دين ولا رسالة في الحياة، ولا تواصي بالمعروف. وواجب الدعاة أن يفهموا هؤلاء وأن يعايشوهم وأن يوصلوا كلمة النور والهداية إليهم. أما اجتماعهم ففيه محاذير: المحذور الأول: يوجد في بعض القبائل -وأعرف ذلك علم اليقين- اختلاط بين الرجال والنساء، يقف مجموعة -خاصة في البوادي- من النساء ينظرن إلى الرجال، والرجال ينظرون إلى النساء، بل من العجيب أنه وجد في بعض النواحي أن يأتي صف من الرجال وصف من النساء هذا لا يوجد إلا في موسكو أو في باريس. والمحذور الثاني: شعراء ضلالة، يدعون إلى أبواب النار، يمدح هذه القبيلة ويقترف إثماً وزوراً وبهتاناً في عرض قبيلة أخرى، فيصفهم بالبخل وبالجبن وبالخيانة وبالغدر وبالكذب. والمحذور الثالث: مبالغ تصرف في غير طائل؛ رياءً وسمعةً وبذخاً، والله يقول: ﴿وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بَطَراً وَرِئَاءَ النَّاسِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [الأنفال:٤٧] لو صرفت هذه الأموال في تحفيظ القرآن أو في بناء مساجد أو في شراء كتب وأشرطة إسلامية للمسلمين لكانت عند الله شيئاً كثيراً. فهذه ثلاثة محاذير أنبه عليها وهي محرمة.

стр. 3718

السنة في تطبيق السنة السؤال ما هي الطريقة في تطبيق السنة؟ الجواب السنة في تطبيق السنة، أن يكون التطبيق وفق سنة الله، بين الإفراط والتفريط، بين الجفاة والغلاة، وسنة الله وسط كما قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً﴾ [البقرة:١٤٣] والسنن -يا إخوتي في الله- لابد أن تعطى حقها، فإن الناس انقسموا إلى ثلاثة أقسام: قسم أتى إلى مثل هذه السنن مثل اللحى وتقصير الثياب والسواك والأكل باليمين والشرب باليمين وتقديم الرجل اليمنى عند دخول المسجد، واليسرى عند دخول الخلاء وقالوا: هذه قشور، والإسلام دين لباب. فيذهب بالقشور وبالقشور حتى ما يبقي سنة واحدة في الإسلام. تقول له: قيام الليل، فيقول: المسألة ليست مسألة قيام الليل، تقول له: طلب العلم فيقول: المسألة ليست مسألة طلب العلم، المسألة مسألة دين. فما هو الدين؟ فيقول: هذه السنن قشور، ونحن ندعو إلى الأصول، وعلينا أن نعرف الناس بهذا. فيقللون من شأنها حتى سمعت من بعض الدعاة أنه سمع داعية يقول: ينبغي على بعض الدعاة أن يحلقوا لحاهم حتى لا يشعروا الناس بالتزمت ولا بالتشدد وليقبلهم المجتمع. سبحان الله! هذا مثل اليهود حرم الله عليهم شحوم الحيوانات فجملوه وباعوه وأذابوه وأكلوا ثمنه، وهذا خطأ فاحش فلا يدعى إلى الله بمعصية. وقوم تشددوا في هذا الجانب، فرأوا أن الإسلام هو هذا الثوب، وهذه اللحية، حتى سمعت أن بعض الناس مر به خواجة فقال: حسبنا الله ونعم الوكيل، انظر إلى العاصي، عاصي جددته حلق لحيته! خواجة لا يعرف لا إله إلا الله ولا يؤمن بالله ولا باليوم الآخر ثم ينكر عليه حلق لحيته! وتجد بعض الدعاة يتكلم قبل الظهر وبعد الظهر وفي المناسبات وفي المجالس عن تقصير الثياب، وربما الذين يتكلم فيهم زنادقة، أو فيهم نفاق، أو لا يصلون، أو لا يصومون، أو يرتكبون من الفواحش مثل الجبال وتوسط قوم ممن هدى الله ﴿فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [البقرة:٢١٣] فقالوا: هذه السنن أتى بها الرسول ﷺ ، لا ننكرها ولا نجحدها ولا نقول: قشور، لكن نعطيها حجمها، فالذي أتى باللحية هو الذي أتى بلا إله إلا الله، والذي أتى بتقصير الثوب هو الذي أتى بالإيمان بالله واليوم الآخر، فعلينا أن نعطيها حجمها، لكن لا نغلو ولا نلغي، لا نغلو فيها ولا نلغيها، وهذا الدين الوسط ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً﴾ [البقرة:١٤٣].

стр. 3719

حكم من يعمل في قطاع الموسيقى العسكرية السؤال إنني عسكري في قطاع الموسيقى العسكرية، أرجو إفادتي هل الذي أستلمه حلال أم حرام؟ جزاكم الله خيراً! الجواب هذا السؤال ينبغي أن يتأمل فيه كثيراً وأن يحال على هيئة كبار العلماء ليجيبوا عنه؛ لأن وراءه مجريات وأسباب ونتائج عن الموسيقى وعن حكمها وعما يستدر منها، والذي أعلم أن الموسيقى محرمة، وأنها لم تكن عند السلف الصالح، وأنها من المعازف المحرمة، أما دخله فعليه أن يحيل المسألة على الشيخ عبد العزيز بن باز؛ لأنه أعرف وأفهم، لأن هذا السؤال ينبغي أن يكون شفهياً ولا يحتاج إلى كتابة. في نهاية هذه المحاضرة نسأل الله أن ينفعنا بما نقول، وأن يجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.

стр. 3720

عقيدتنا إن مما يثبت المسلم على دينه أن يكون لديه عقيدة صحيحة يدفع بها الشبهات والشهوات التي تعترضه، وقد ضلت كثير من الفرق في هذه العقيدة المأخوذة من الكتاب والسنة، فليحذر المسلم منها، وقد اختصر الشيخ عقيدة أهل السنة والجماعة في سبع وعشرين مسألة مبسطة سهلة الفهم لطالب العلم بل والعامي.

стр. 3721

حقيقة الإيمان الحمد لله رب العالمين، ولي الصالحين، ولا عدوان إلا على الظالمين، والصلاة والسلام على إمام المتقين، وقدوة الناس أجمعين، وحجة الله على الهالكين، وعلى آله وصحبه والتابعين. سلام الله عليكم ورحمته وبركاته، وأسعد الله ليلكم باليمن والمسرات. أما بعد: فإن معنا في هذه الليلة درس بعنوان (عقيدتنا) وهذا اقتراح من بعض الإخوة، لما رأى من الحاجة في بعض النواحي، واقترح هذا الأخ الكريم أن تبسط العقيدة الإسلامية، عقيدة السلف الصالح، بسطاً يسيراً مسهلاً يفهمها الناس في القرى والبوادي، وكثير من الأماكن. وهذه العقيدة أسأل الله أن تكون صائبة وموفقة، وأن يعيننا وإياكم على العمل بها، واعتقادها حتى نلقى الله ، وقد حرصت كل الحرص أن تكون مدللة بالكتاب والسنة، وبما قاله سلف الأمة، فإن أصبت فمن الله وحده ، وإن أخطأت فمن نفسي والشيطان والله ورسوله بريئان من الخطأ. عقيدتنا هي عقيدة أهل السنة والجماعة التي أتى بها محمد ﵊، والتي ذكرها الله في كتابه، وقد جعلت هذه العقيدة في سبع وعشرين مسألة:

стр. 3722

الأدلة على زيادة الإيمان المسألة الأولى: الإيمان قول وعمل. نقول: إن الإيمان قول وعمل واعتقاد، يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية، والدليل على ذلك قوله : ﴿لِيَزْدَادُوا إِيمَاناً مَعَ إِيمَانِهِمْ﴾ [الفتح:٤] وقوله : ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمْ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَاناً وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾ [آل عمران:١٧٣] فدل ذلك على أن الإيمان يزيد وينقص، فيزيد بالطاعة ويتعاظم، حتى يكون كأمثال الجبال الرواسي، ويقل حتى يكون في القلب كأمثال الهباء أو الذرة، يزيد بطاعة الله، بالإخلاص في القلب، وبالتواضع لله، وبالحب لله ولرسوله، ويزيد بالأعمال الظاهرة، وبكثرة النوافل، وبالجهاد، وبالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وبالصدقة، ووالله الذي لا إله إلا هو لا نجعل إيمان أبي بكر كإيمان الواحد منا، كما قالت المرجئة، وقد أخطأت خطأً بيناً، حيث جعلوا الإيمان تصديقاً فحسب، قالوا: من صدق واعتقد بقلبه فكفى، ولا يزيد الإيمان ولا ينقص، وقد أخطئوا خطأً بيناً، بل يزيد وينقص، وإيمان الواحد منا ليس كإيمان جبريل ﵇.

стр. 3723

الإيمان قول باللسان أما قولنا الإيمان قول: فأول ما يدخل المؤمن في هذه الدين بشهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً عبده ورسوله، دل عليه قوله ﵊ في الصحيحين ﴿أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأني رسول الله، ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة، فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها وحسابهم على الله﴾ وليس بصحيح ما قالت المناطقة: أن يبدأ بالنظر والاستدلال قبل الشهادة، بل طالب ﵊ الناس كافة عرباً وعجماً ورجالاً ونساء بقول: لا إله إلا الله، ولم يقل لهم قبل ذلك: انظروا واستدلوا، بل يأتي النظر والاستدلال قبل وبعد ومع لا إله إلا الله محمد رسول الله. ومما يقوي الإيمان النظر في آيات الله الكونية والشرعية بالتدبر، قال تعالى: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لآيَاتٍ لأُولِي الأَلْبَابِ * الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ [آل عمران:١٩٠ - ١٩١] ويقول تعالى: ﴿أَفَلا يَنْظُرُونَ إِلَى الإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ * وَإِلَى السَّمَاءِ كَيْفَ رُفِعَتْ * وَإِلَى الْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ * وَإِلَى الأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ﴾ [الغاشية:١٧ - ٢٠].

стр. 3724

الإيمان عمل وقولنا عمل: أي: أن العمل يدخل في الإيمان، ولا يخرج كما قالت المرجئة، ومن قال: أحب الله بقلبي ولا أصلي في المسجد كذبناه، ومن قال أحب الله بقلبي ولا يصلي ولا يزكي ولا يحج كذبناه، ﴿وَقُلْ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ﴾ [التوبة:١٠٥]. وقولنا اعتقاد: أي: من اعتقد ولم يشهد ولم ينطق بالشهادة وهو مستطيع فهذا كاذب، ومن اعتقد ونطق ولم يعمل فهذا كاذب، ومن نطق وعمل ولم يعتقد فهذا منافق، والمؤمن يعتقد وينطق ويعمل فهذا هو الإيمان الصحيح الذي نسأل الله أن يتوفانا وإياكم عليه.

стр. 3725

حكم مرتكب الكبيرة المسألة الثانية: أن صاحب الكبيرة تحت مشيئة الواحد الأحد. تحت مشيئة أرحم الراحمين، إن شاء عذبه وإن شاء رحمه، ولكن من يعمل كبيرة ولا يستحلها نخاف عليه العذاب، ومن استحل الكبائر فقد كفر، لكن من شرب الخمر، أو سرق، أو زنى وهو مسلم ولم يستحل ذلك، قلنا: هو تحت مشيئة الله.

стр. 3726

مرتكب الكبيرة عند الخوارج والمعتزلة لا نقول كما قالت المعتزلة: هو في منزلة بين منزلتين، يقولون: ليس بمسلم وليس بكافر، وقد أخطئوا، ويخلدونه في النار. وقالت الخوارج: من ارتكب كبيرة فهو كافر خالد مخلد في النار، وقد كذبوا. ونحن نقول: لا يزال مسلماً. وأما قوله ﵊ في الحديث الصحيح: ﴿لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن، ولا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن، ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن﴾ فالمعنى أنه مسلم، لكن يرتفع الإيمان عنه، كما قال عطاء وغيره، فهو في حالة مزاولته الزنا، يرتفع عنه الإيمان حتى يصبح كالظلة فوق رأسه، لكنه ما خرج من دائرة الإسلام، فالإسلام دائرة واسعة، وداخلها دائرة الإيمان، وداخل دائرة الإيمان دائرة الإحسان، فكل محسن مؤمن، وكل مؤمن مسلم، وليس كل مسلم مؤمن، وليس كل مؤمن محسن فليعلم ذلك.

стр. 3727

الرد على الخوارج والمعتزلة والدليل على أن صاحب الكبيرة لا يكفر، قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء:٤٨] وقوله سبحانه: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلاَّ اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [آل عمران:١٣٥]. والدليل أيضاً: أن الرسول ﵊ كان يُصَلَّى في عهده على المرجوم الزاني، وشارب الخمر، والسارق، ولم يخرجهم من الملة، وكانوا يدفنون في مقابر المسلمين، فليعلم ذلك. وأيضاً: أن الرسول ﵊ أوتي بشارب الخمر، فجلده أمام الناس، فقال رجل: أخزاه الله -أي: شارب الخمر- ما أكثر ما يؤتى به، وقيل: لعنه، فقال ﵊: ﴿لا تلعنه! فوالذي نفسي بيده إني لأعلم أنه يحب الله ورسوله﴾ فهو لا يزال مسلماً.

стр. 3728

توحيد الربوبية المسألة الثالثة: توحيد الربوبية. وهذا القسم من أقسام التوحيد قد أقر به المشركون، ومن أقر بتوحيد الربوبية، ونفى توحيد الألوهية، فلن ينفعه ذلك عند الله، بل فرعون اللعين عليه لعنة الله أقر بتوحيد الربوبية.

стр. 3729

تعريف توحيد الربوبية وتوحيد الربوبية: هو اعتقاد أن الله خالق، ورازق، ومصرف الكون، ومدبره، فهذا أقر به المشركون وفرعون، قال موسى ﵇ لفرعون: ﴿قَالَ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنزَلَ هَؤُلاء إِلاَّ رَبُّ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ بَصَائِرَ وَإِنِّي لأَظُنُّكَ يَا فِرْعَوْنُ مَثْبُوراً﴾ [الإسراء:١٠٢]. يقول: يا لعين! يا خسيس! أنت تعلم أنه ما أنزل الآيات، وما أنزل هذا الكلام، وما بنى هذه السماء والأرض إلا رب السماوات والأرض، ولكنك جحدت، وهذا صحيح، وقد أنكر فرعون الصانع، وأنكر توحيد الربوبية في الظاهر لكنه في الباطن يدري، ولذلك يقول لقومه: ﴿أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الأَنْهَارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي﴾ [الزخرف:٥١].

стр. 3730

إقرار مشركي قريش بتوحيد الربوبية المشركون، ومنهم: أبو جهل وأبو لهب وأمية بن خلف وأمثالهم وأشكالهم وأضرابهم، أقروا بتوحيد الربوبية، ولكن أنكروا توحيد الألوهية، قال سبحانه: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [لقمان:٢٥] فهم يدرون أن الله خلق السماوات والأرض، ولكن أنكروا توحيد الألوهية. إذا علم هذا؛ فمن اعتقد أن الله خالق ورازق، ولم يعبد الله، ولم يوحده بالعبادة؛ فهو من أهل النار. وأحمد زكي هذا الرجل، محرر مجلة العربي وقد هلك منذ زمن، له كتاب من آيات الله في السماء، أثبت بها توحيد الربوبية، وقال: هو الذي دعت إليه الرسل، وقد كذب على الله، فالرسل دعت إلى توحيد الألوهية مع توحيد الربوبية.

стр. 3731

توحيد الألوهية المسألة: الرابعة: توحيد الألوهية. وهو: إفراد الله بالعبادة، وأن يوحد ولا يصرف لغيره شيء من العبادة، فمن فعل ذلك فقد أشرك، وهو الذي دعت إليه الرسل عليهم الصلاة والسلام؛ نوح، وإبراهيم، وموسى، وعيسى، ومحمد، كل واحد منهم يقول لقومه: ﴿أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ [المؤمنون:٣٢] فكلهم أتى بهذه الكلمة، وهو توحيد الله ، وقال سبحانه: ﴿وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنْ الْخَاسِرِينَ * بَلْ اللَّهَ فَاعْبُدْ وَكُنْ مِنْ الشَّاكِرِينَ﴾ [الزمر:٦٥ - ٦٦] وقال سبحانه: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ﴾ [محمد:١٩] وقال سبحانه: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [البينة:٥] وقال سبحانه: ﴿أَلا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ﴾ [الزمر:٣] وقال عز من قائل: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ [فصلت:٦]. إذا علم هذا، فتوحيد الألوهية؛ هو التوحيد الذي دعت إليه الرسل عليهم الصلاة والسلام، وهو: إفراد الله بالعبادة، ولا يشرك معه غيره ﵎.

стр. 3732

توحيد الأسماء والصفات المسألة الخامسة: الاقرار لله بالأسماء والصفات.

стр. 3733

معنى توحيد الأسماء والصفات نقر لله بالأسماء والصفات، التي أتت في السنة الصحيحة، ونعتقد أن له صفات تليق بجلاله، لا نكيفها، ولا نمثلها، ولا نحرف، ولا نعطل وإنما نثبت له الصفة التي أثبتها هو لنفسه ﵎، وأثبتها رسوله ﷺ ، كصفة اليد نقول: لله يد تليق بجلاله، بلا كيف، ولا تمثيل، ولا تحريف، ولا تعطيل، ولا تشبه أيدي المخلوقين، لكن نثبت له يداً تليق بجلاله، وكالعين، والاستواء، والكلام، والمشيئة، وكل الصفات التي وردت في الكتاب والسنة هذا هو المعتقد.

стр. 3734

موقف أهل البدع من توحيد الأسماء والصفات ولا نقول كما قالت الأشاعرة، الذين أثبتوا سبع صفات، ونفوا بقية الصفات، فقد أخطئوا وابتدعوا. ولا نقول كما قالت الجهمية، الذين نفوا الأسماء والصفات، فقد أخطئوا وابتدعوا. ولا نقول كما قالت المعتزلة، الذين أثبتوا الأسماء ونفوا الصفات، فقد أخطئوا وابتدعوا، بل نقول كما قال أصحاب محمد ﵊ في الأسماء والصفات: نثبتها كما أثبتها الله لنفسه، بلا تحريف ولا تعطيل ولا تمثيل ولا تكييف ذلك الدين الخالص كما قال الشافعي: آمنت وبما جاء عن الله، على مراد الله، وآمنت برسول الله، وبما جاء عن رسول الله، على مراد رسول الله ﷺ .

стр. 3735

الرؤية المسألة السادسة: الرؤية. يثبت أهل السنة والجماعة إن الله يرى في الآخرة ﵎، يراه المؤمنون بعيونهم زيادة في النعيم، قال : ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ * إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة:٢٢ - ٢٣] وقال عن المعرضين: ﴿كَلاَّ إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ [المطففين:١٥] فلما حجب أهل المعصية والإعراض والفجور، دلل بمفهوم المخالفة أن المؤمنين يرونه . وفي الصحيحين عنه ﷺ أنه قال: ﴿إنكم سترون ربكم كما ترون القمر ليلة البدر لا تضامُّون في رؤيته -أو لا تضارون في رؤيته-﴾. فنقول: يُرى ، يراه المؤمنون وهي الزيادة في القرآن، كما قال ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية، وقد فسرت في الحديث بالنظر إلى وجهه الكريم، فنسأل الله أن يرينا وجهه في جنة عرضها السماوات والأرض، وهذا معتقد أهل السنة والجماعة.

стр. 3736

موقف أهل البدع في إثبات الرؤية وذهبت المعتزلة إلى أنه لا يرى سبحانه لا في الدنيا ولا في الآخرة، وذهب غلاة الصوفية إلى أنه يرى في الدنيا وفي الآخرة، فأخطأ الفريقان، وأصاب أهل السنة، فقالوا: لا يرى في الدنيا ﵎، ويرى في الآخرة، والله يقول في سورة الأعراف لموسى: ﴿لَنْ تَرَانِي وَلَكِنْ انظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنْ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكّاً وَخَرَّ مُوسَى صَعِقاً﴾ [الأعراف:١٤٣]. قال ابن مالك في الألفية: ومن رأى النفي بلن مؤبدا فقوله اردد وسواه فاعضدا إذاً: فالله يُرَى في الآخرة، يراه المؤمنون، ويحجب عنه الكافرون.

стр. 3737

مقتل الجعد بن درهم أقول: وقد كلم الله موسى تكليماً، واتخذ إبراهيم خليلاً، وقد أنكر ذلك الجعد بن درهم المبتدع الضال المنحرف، أنكر أن الله كلم موسى تكليماً، وقال: لم يتخذ الله إبراهيم خليلاً، فأتى خالد بن عبد الله القسري أمير العراق، فأخذ سكيناً يوم عيد الأضحى، والجعد مربط بالحبال عند أساس المنبر، فخطب الناس خالد، وقال: يا أيها الناس! إن الجعد زعم أن الله لم يكلم موسى تكليماً، ولم يتخذ إبراهيم خليلاً، فضحوا تقبل الله منا ومنكم، فإني مضح بـ الجعد بن درهم، فذبحه كما تذبح الشاة. قال ابن القيم ممجداً وشاكراً خالد القسري. ولأجل ذا ضحى خالد بـ الجعد يوم ذبائح القربان إذ قال إبراهيم ليس خليله كلا ولا موسى الكليم الداني شكر الضحية كل صاحب سنة لله درك من أخي قربان يقول: شكر الله لك، ولله درك هذا الذبح وهذا القربان، الذي تقربت بدمه إلى الله، فمعتقد أهل السنة أن الله كلم موسى تكليماً، ولم يكلم أحداً من الناس، وإنما المكلم موسى ﵇، وقالت الأشاعرة في مقولة لهم: خلق الله الكلام في الشجرة، فسمعه، تعالى الله!! بل كلمه الله كلاماً معروفاً يعرفه الناس.

стр. 3738

القرآن كلام الله المسألة السابعة: القرآن.

стр. 3739

القرآن عند الجهمية ونقول وهو معتقد أهل السنة والجماعة: القرآن كلام الله ، وليس بمخلوق، والكلام صفة من صفات الله، قديم النوع، حادث الآحاد، فالله متكلم بما شاء وكيف شاء، ومتى شاء، ويتكلم ومن كلامه: القرآن، وقد أنكر ذلك الجهمية وقالوا: القرآن مخلوق وليس بصفة، وكذبوا لعمر الله!! والله يقول: ﴿فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ﴾ [التوبة:٦] فقام الإمام أحمد في وجوههم، وقد أنكر ذلك المأمون وزعم أن القرآن مخلوق!! وقامت فتنة القول بخلق القرآن؛ فتصدى لها الإمام أحمد بن حنبل ﵀، وبيض الله وجهه ﴿يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ﴾ [آل عمران:١٠٦].

стр. 3740

نزول القرآن على النبي ﷺ أنزل الله القرآن على قلب محمد ﷺ ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأَمِينُ * عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنْ الْمُنذِرِينَ * بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾ [الشعراء:١٩٤ - ١٩٥] نزل منجماً، وهو في اللوح المحفوظ، من الله بدأ وإليه يعود، متعبد بتلاوته، معجز في لفظه ومعناه، فتعالى الله من أنزله ومن تكلم به، قال تعالى: ﴿لا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ [فصلت:٤٢] وقال: ﴿كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ قُرْآناً عَرَبِيّاً لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ [فصلت:٣] وقال: ﴿أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً﴾ [النساء:٨٢] وقال: ﴿أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾ [محمد:٢٤] وقال تعالى: ﴿كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُوْلُوا الأَلْبَابِ﴾ [ص:٢٩]. من معتقدنا وهذه أهم من فرعيات العبادة، وأهم من كل موضوع، وأجل من كل مسألة، فهذا هو علم أصل الأصول، الذي ينبغي للعبد أن يكرر هذه المسائل، وأن يستمعها كثيراً، وأن يعتقدها، وأن يسأل عنها؛ حتى يثبته الله بالقول الثابت.

стр. 3741

الاستواء المسألة الثامنة: الاستواء. نقول: إن الله مستوٍ على عرشه -تبارك الله- استواءً يليق بجلاله فوق سماواته، بائن من خلقه، ليس في ذاته شيء من مخلوقاته، ولا في مخلوقاته شيء من ذاته، تعالى الله.

стр. 3742

معنى الاستواء عند الخرافيين وقد قال أهل الحلول عليهم من الله ما يستحقونه: إن الله قد يحل في أحد الناس. وأتى غلاة الصوفية المعرضون عن الله ، فيقول أحد شيوخهم: ما في الجُبة إلا الله!! تعالى الله عما يقولون علواً كبيراً. ويقولون: إذا صفا أحدهم وتنزه، وأصبح في منزلة، حلَّ الله فيه، تعالى الله علواً كبيراً! وأتى أهل الاتحاد كـ ابن عربي وابن سبعين عليهم من الله ما يستحقونه، فقالوا: اتحد الله في مخلوقاته، فاتحد بالشجر، والحجر، والجبال، والإنسان، والحيوان، والطيور، والحشرات، وقالوا: ما في الدنيا إلا هو، وهو في الكائنات متحد -تعالى الله- ﴿كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ إِنْ يَقُولُونَ إِلاَّ كَذِباً﴾ [الكهف:٥] فالله على العرش استوى ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه:٥] وهو معنا بعلمه ، وبمراقبته ﴿لا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الأَرْضِ وَلا فِي السَّمَاءِ﴾ [آل عمران:٥] يسمع دبيب النمل، في حندس الليل، على الصفا السوداء، في الليلة الظلماء. يا من يرى مد البعوض جناحها في ظلمة الليل البهيم الأليل ويرى نياط عروقها في نحرها والمخ في تلك العظام النحل اغفر لعبد تاب من زلاته ما كان منه في الزمان الأول

стр. 3743

معنى المعية عند أهل السنة فهو معنا بعلمه، ومعيته لأوليائه المؤمنين بالتأييد والنصرة، قال سبحانه عن صاحب الغار ﷺ ، وعن صاحبه: ﴿لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾ [التوبة:٤٠] وقال سبحانه: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلاثَةٍ إِلاَّ هُوَ رَابِعُهُمْ﴾ [المجادلة:٧] أي: بعلمه ﴿وَلا خَمْسَةٍ إِلاَّ هُوَ سَادِسُهُمْ﴾ [المجادلة:٧] أي: بعلمه ﴿وَلا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلا أَكْثَرَ إِلاَّ هُوَ مَعَهُمْ﴾ [المجادلة:٧] يعني: بعلمه ﴿أَيْنَ مَا كَانُوا ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [المجادلة:٧] فالقلوب تلهج إلى فاطرها وباريها، والقلوب تتجه إلى العلو ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ [فاطر:١٠].

стр. 3744

النزول إلى السماء الدنيا المسألة التاسعة: النزول إلى السماء الدينا. فقد ثبت في الصحيحين ﴿ينزل ربنا إلى سماء الدنيا في الثلث الأخير من الليل﴾ ﴿وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ﴾ [الأنعام:١٨] هذا معتقد أهل السنة والجماعة. فالله ينزل إلى سماء الدنيا في الثلث الأخير من الليل، نزولاً يليق بجلاله، ﴿فيقول: هل من سائل فأعطيه؟ هل من مستغفر فأغفر له؟ هل من تائب فأتوب عليه؟﴾ فله نزول يليق بجلاله، دل على ذلك الحديث في الصحيحين من رواية أبي هريرة.

стр. 3745

الإيمان بالملائكة المسألة العاشرة: الإيمان بالملائكة. نقول: ونؤمن بأن لله ملائكة، سمى الله بعضهم في القرآن كجبريل وميكال، ولم يسمِ بعضهم، فنؤمن بمن سمى وبمن لم يسم، قال تعالى: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ﴾ [البقرة:٢٨٥]. أما من قال: عزرائيل ملك الموت، فما سمعت في الكتاب ولا في السنة الصحيحة أن اسمه عزرائيل، وإنما سماه الله ملك الموت، وإسرافيل ورد بهذا الاسم، فمن سمى الله من الملائكة نؤمن به تفصيلاً، ومن لم يسم نؤمن به إجمالاً، فالملائكة فيهم حفظة، وموكل بالقبر، وفيهم موكل بالتعقيب على الناس ﴿لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ﴾ [الرعد:١١] وصنف منهم موكل بقبض الأرواح، فنؤمن بالجميع على التفصيل والإجمال، ومن لم يؤمن بذلك بعد أن سمع البينة فقد كفر.

стр. 3746

الإيمان بالكتب المسألة الحادية عشر: الإيمان بالكبت المنزلة. فنؤمن بكتبه ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ﴾ [البقرة:٢٨٥] وقد سمى الله منها: الزبور لداود، والتوراة لموسى، والإنجيل لعيسى، والقرآن لمحمد عليهم الصلاة والسلام فنؤمن بما سمى وبما لم يسم. ونقول: هناك كتب ما سماها الله، نؤمن بها ولكن ذكرها الله بالإجمال، وعند ابن ماجة عن الحسن البصري: إن الله أنزل مائة وأربعة كتب، فنؤمن بجميع كتب الله التي أنزلها الله على رسله، ومن كفر بشيء منها، فقد كفر بالله العظيم.

стр. 3747

الإيمان بالرسل المسأله الثانية عشر: الإيمان بالرسل. فنؤمن برسل الله ، وأنهم كثير؛ وقد سمى الله لنا بعضهم. قال بعض العلماء: سمي خمسة وعشرون نبياً ورسولاً، لكن من سمى الله نؤمن به، ومن لم يسم ﴿وَرُسُلاً قَدْ قَصَصْنَاهُمْ عَلَيْكَ﴾ [النساء:١٦٤] فمن قص الله نؤمن به، كنوح، وإبراهيم، وإدريس، وإسماعيل، وذا الكفل، ولوط، ويونس، وسليمان، وداود، وعيسى، وموسى، ومحمد وكثير ممن سمى الله، وبعض الناس يقول: هم مائة وأربعة وعشرون ألف، لحديث أبي ذر ولكن تكلم في الحديث، على كل حال، سواء عرفنا عددهم أو لم نعرف عددهم، فنقول: آمنا برسل الله من سمى ومن لم يسمِ إجمالاً وتفصيلاً.

стр. 3748

الإيمان باليوم الآخر المسألة الثالثة عشر: الإيمان بالبعث والحساب. نؤمن بأن الله سوف يبعث من في القبور، وأنه سوف يحاسبهم ليوم لا ريب فيه، قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَتَرَكْتُمْ مَا خَوَّلْنَاكُمْ وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ﴾ [الأنعام:٩٤] وقال سبحانه: ﴿إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ إِلاَّ آتِي الرَّحْمَنِ عَبْداً * لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدّاً * وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْداً﴾ [مريم:٩٤ - ٩٥] وقال سبحانه: ﴿فَإِذَا هُمْ مِنَ الْأَجْدَاثِ إِلَى رَبِّهِمْ يَنْسِلُونَ * قَالُوا يَا وَيْلَنَا مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِنَا هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ﴾ [يس:٥١ - ٥٢] وقال سبحانه: ﴿أَفَلا يَعْلَمُ إِذَا بُعْثِرَ مَا فِي الْقُبُورِ * وَحُصِّلَ مَا فِي الصُّدُورِ﴾ [العاديات:٩ - ١٠] فمعتقدنا أن الله سوف يبعثنا من القبور ليحاسبنا . فلا إله إلا الله من يوم ما أرهبه! ولا إله إلا الله من يوم ما أرعبه! ولا إله إلا الله من نهار ما أشده! نسأل الله أن يسهله علينا وعليكم.

стр. 3749

الإيمان بالقدر المسألة الرابعة عشر: الإيمان بالقضاء والقدر. القضاء والقدر حق، فلا يقع شيء في العالم إلا بعلم، وإرادة، ومشيئة، وقدرة الله تعالى، قال سبحانه: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ [القمر:٤٩] ومن أنكر القضاء والقدر فقد كفر، وقال سبحانه: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ [الحديد:٢٢] وقال: ﴿الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ * أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ﴾ [البقرة:١٥٦ - ١٥٧]. وقال ﵊ كما ثبت ذلك في صحيح مسلم: ﴿احرص على ما ينفعك، واستعن بالله ولا تعجز، وإن أصابك شيء فلا تقل: لو أني فعلت كذا لكان كذا وكذا، ولكن قل: قدَّر الله وما شاء فعل﴾ وفي لفظ: ﴿قدَر الله وما شاء فعل﴾ وعند الترمذي بسند صحيح عن ابن عباس ﵄، قال: قال لي رسول الله ﷺ : ﴿يا غلام! إني أعلمك كلمات: احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده تجاهك، تعرف على الله في الرخاء يعرفك في الشدة، إذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله، واعلم أن الأمة لو اجتمعوا على أن ينفعوك بشيء، لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك، وإن اجتمعوا على أن يضروك بشيء، لم يضروك بشيء إلا قد كتبه الله عليك، رفعت الأقلام وجفت الصحف﴾ وفي لفظ صحيح: ﴿واعلم أن ما أخطأك لم يكن ليصيبك، وما أصابك لم يكن ليخطئك﴾ وفي حديث جبريل الصحيح أن الإيمان: ﴿أن تؤمن بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخرة، وتؤمن بالبعث بعد الموت، وتؤمن بالقضاء والقدر حلوه ومره﴾ أو كما قال ﵊. فهذا معتقد أهل السنة والجماعة يؤمنون بقضاء الله، وإذا حدثت لهم مصيبة قالوا: قدر الله وما شاء فعل، وقالوا: هذا بكتاب من الله، وهذا قضاء الله، وإنا لله وإنا إليه راجعون.

стр. 3750

الإيمان بفتنة القبر المسألة الخامسة عشر: الإيمان بنعيم القبر وعذابه. نعيم القبر وعذابه ومساءلته حق نعتقد بذلك، ونسأل الله أن يجعل قبورنا وقبوركم رياضاً من رياض الجنة. ومن كلام الشيخ حافظ بن أحمد الحكمي في معتقده. والقبر روضة من الجنان أو حفرة من حفر النيران إن يك خيراً فالذي من بعده أفضل عند ربنا لعبده وإن يكن شراً فما بعد أشدّْ ويلٌ لعبدٍ عن سبيل الله صدّْ وقد صح عنه ﷺ أنه قال: ﴿القبر إما روضة من رياض الجنة، أو حفرة من حفر النار﴾ وصح عنه ﷺ كما في حديث البراء عند أبي داود في مسائلة الميت، وصح عنه ﷺ عند البخاري من حديث أسماء أن المنافق أو المرتاب إذا سئل يقول: ﴿هاه هاه لا أدري؛ فيضرب بمرزبة﴾ وأما المؤمن، فيصدق بالله رباً، وبمحمد نبياً، وبالإسلام ديناً، وذلك مصداق قوله : ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ﴾ [إبراهيم:٢٧]. وقال سبحانه في عذاب القبر: ﴿وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ [المؤمنون:١٠٠] استدل بها عند بعض المفسرين على عذاب القبر، قال سبحانه: ﴿النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوّاً وَعَشِيّاً وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾ [غافر:٤٦] والمعنى: يعرضون عليها غدواً وعشياً قبل قيام الساعة وهو عذاب القبر، ومن لا يؤمن بعذاب القبر فلا يقبل الله منه إيماناً ولا يكلمه ولا ينظر إليه وله عذاب أليم، والإنسان من يوم يموت إما منعم أو معذب والله يتولى السرائر، وفي الصحيحين من حديث ابن عباس أن الرسول ﵊ مَرَّ على قبرين فسمعهما يعذبان، فأخذ جريدة خضراء فشقها، وجعل على كل قبر شق، وقال: ﴿إنهما ليعذبان وما يعذبان في كبير! أما أحدهما: فكان يمشي بالنميمة في الناس، وأما الآخر: فكان لا يستتر من البول﴾ أي: لا يتنزه ولا يتنقى ولا يتطهر، وفي لفظ: ﴿أرجو أن يخفف عنهما ما لم ييبسا أو تيبسا﴾ أي: هذا الشق الأخضر من العصا.
следующие страницы →