← Джавами‘

Джавами‘ · id 7708

دروس الشيخ عائض القرني

عائض القرني

Полный текст (10 391 стр.). Показаны 3746–3785 · переход к 3751.

стр. 3746

الإيمان بالكتب المسألة الحادية عشر: الإيمان بالكبت المنزلة. فنؤمن بكتبه ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ﴾ [البقرة:٢٨٥] وقد سمى الله منها: الزبور لداود، والتوراة لموسى، والإنجيل لعيسى، والقرآن لمحمد عليهم الصلاة والسلام فنؤمن بما سمى وبما لم يسم. ونقول: هناك كتب ما سماها الله، نؤمن بها ولكن ذكرها الله بالإجمال، وعند ابن ماجة عن الحسن البصري: إن الله أنزل مائة وأربعة كتب، فنؤمن بجميع كتب الله التي أنزلها الله على رسله، ومن كفر بشيء منها، فقد كفر بالله العظيم.

стр. 3747

الإيمان بالرسل المسأله الثانية عشر: الإيمان بالرسل. فنؤمن برسل الله ، وأنهم كثير؛ وقد سمى الله لنا بعضهم. قال بعض العلماء: سمي خمسة وعشرون نبياً ورسولاً، لكن من سمى الله نؤمن به، ومن لم يسم ﴿وَرُسُلاً قَدْ قَصَصْنَاهُمْ عَلَيْكَ﴾ [النساء:١٦٤] فمن قص الله نؤمن به، كنوح، وإبراهيم، وإدريس، وإسماعيل، وذا الكفل، ولوط، ويونس، وسليمان، وداود، وعيسى، وموسى، ومحمد وكثير ممن سمى الله، وبعض الناس يقول: هم مائة وأربعة وعشرون ألف، لحديث أبي ذر ولكن تكلم في الحديث، على كل حال، سواء عرفنا عددهم أو لم نعرف عددهم، فنقول: آمنا برسل الله من سمى ومن لم يسمِ إجمالاً وتفصيلاً.

стр. 3748

الإيمان باليوم الآخر المسألة الثالثة عشر: الإيمان بالبعث والحساب. نؤمن بأن الله سوف يبعث من في القبور، وأنه سوف يحاسبهم ليوم لا ريب فيه، قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَتَرَكْتُمْ مَا خَوَّلْنَاكُمْ وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ﴾ [الأنعام:٩٤] وقال سبحانه: ﴿إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ إِلاَّ آتِي الرَّحْمَنِ عَبْداً * لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدّاً * وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْداً﴾ [مريم:٩٤ - ٩٥] وقال سبحانه: ﴿فَإِذَا هُمْ مِنَ الْأَجْدَاثِ إِلَى رَبِّهِمْ يَنْسِلُونَ * قَالُوا يَا وَيْلَنَا مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِنَا هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ﴾ [يس:٥١ - ٥٢] وقال سبحانه: ﴿أَفَلا يَعْلَمُ إِذَا بُعْثِرَ مَا فِي الْقُبُورِ * وَحُصِّلَ مَا فِي الصُّدُورِ﴾ [العاديات:٩ - ١٠] فمعتقدنا أن الله سوف يبعثنا من القبور ليحاسبنا . فلا إله إلا الله من يوم ما أرهبه! ولا إله إلا الله من يوم ما أرعبه! ولا إله إلا الله من نهار ما أشده! نسأل الله أن يسهله علينا وعليكم.

стр. 3749

الإيمان بالقدر المسألة الرابعة عشر: الإيمان بالقضاء والقدر. القضاء والقدر حق، فلا يقع شيء في العالم إلا بعلم، وإرادة، ومشيئة، وقدرة الله تعالى، قال سبحانه: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ [القمر:٤٩] ومن أنكر القضاء والقدر فقد كفر، وقال سبحانه: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ [الحديد:٢٢] وقال: ﴿الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ * أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ﴾ [البقرة:١٥٦ - ١٥٧]. وقال ﵊ كما ثبت ذلك في صحيح مسلم: ﴿احرص على ما ينفعك، واستعن بالله ولا تعجز، وإن أصابك شيء فلا تقل: لو أني فعلت كذا لكان كذا وكذا، ولكن قل: قدَّر الله وما شاء فعل﴾ وفي لفظ: ﴿قدَر الله وما شاء فعل﴾ وعند الترمذي بسند صحيح عن ابن عباس ﵄، قال: قال لي رسول الله ﷺ : ﴿يا غلام! إني أعلمك كلمات: احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده تجاهك، تعرف على الله في الرخاء يعرفك في الشدة، إذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله، واعلم أن الأمة لو اجتمعوا على أن ينفعوك بشيء، لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك، وإن اجتمعوا على أن يضروك بشيء، لم يضروك بشيء إلا قد كتبه الله عليك، رفعت الأقلام وجفت الصحف﴾ وفي لفظ صحيح: ﴿واعلم أن ما أخطأك لم يكن ليصيبك، وما أصابك لم يكن ليخطئك﴾ وفي حديث جبريل الصحيح أن الإيمان: ﴿أن تؤمن بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخرة، وتؤمن بالبعث بعد الموت، وتؤمن بالقضاء والقدر حلوه ومره﴾ أو كما قال ﵊. فهذا معتقد أهل السنة والجماعة يؤمنون بقضاء الله، وإذا حدثت لهم مصيبة قالوا: قدر الله وما شاء فعل، وقالوا: هذا بكتاب من الله، وهذا قضاء الله، وإنا لله وإنا إليه راجعون.

стр. 3750

الإيمان بفتنة القبر المسألة الخامسة عشر: الإيمان بنعيم القبر وعذابه. نعيم القبر وعذابه ومساءلته حق نعتقد بذلك، ونسأل الله أن يجعل قبورنا وقبوركم رياضاً من رياض الجنة. ومن كلام الشيخ حافظ بن أحمد الحكمي في معتقده. والقبر روضة من الجنان أو حفرة من حفر النيران إن يك خيراً فالذي من بعده أفضل عند ربنا لعبده وإن يكن شراً فما بعد أشدّْ ويلٌ لعبدٍ عن سبيل الله صدّْ وقد صح عنه ﷺ أنه قال: ﴿القبر إما روضة من رياض الجنة، أو حفرة من حفر النار﴾ وصح عنه ﷺ كما في حديث البراء عند أبي داود في مسائلة الميت، وصح عنه ﷺ عند البخاري من حديث أسماء أن المنافق أو المرتاب إذا سئل يقول: ﴿هاه هاه لا أدري؛ فيضرب بمرزبة﴾ وأما المؤمن، فيصدق بالله رباً، وبمحمد نبياً، وبالإسلام ديناً، وذلك مصداق قوله : ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ﴾ [إبراهيم:٢٧]. وقال سبحانه في عذاب القبر: ﴿وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ [المؤمنون:١٠٠] استدل بها عند بعض المفسرين على عذاب القبر، قال سبحانه: ﴿النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوّاً وَعَشِيّاً وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾ [غافر:٤٦] والمعنى: يعرضون عليها غدواً وعشياً قبل قيام الساعة وهو عذاب القبر، ومن لا يؤمن بعذاب القبر فلا يقبل الله منه إيماناً ولا يكلمه ولا ينظر إليه وله عذاب أليم، والإنسان من يوم يموت إما منعم أو معذب والله يتولى السرائر، وفي الصحيحين من حديث ابن عباس أن الرسول ﵊ مَرَّ على قبرين فسمعهما يعذبان، فأخذ جريدة خضراء فشقها، وجعل على كل قبر شق، وقال: ﴿إنهما ليعذبان وما يعذبان في كبير! أما أحدهما: فكان يمشي بالنميمة في الناس، وأما الآخر: فكان لا يستتر من البول﴾ أي: لا يتنزه ولا يتنقى ولا يتطهر، وفي لفظ: ﴿أرجو أن يخفف عنهما ما لم ييبسا أو تيبسا﴾ أي: هذا الشق الأخضر من العصا.

стр. 3751

الميزان المسألة السادسة عشر: الإيمان بالميزان. نعتقد اعتقاد أهل السنة والجماعة أن الميزان ينصبه الله يوم القيامة للأعمال، وأنه الحاكم، وأن الأعمال الصالحة توضع في كفة، والسيئة توضع في كفة، كما صحت بها الأحاديث، وأتت بها الآيات، قال الله ﵎: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئاً وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ﴾ [الأنبياء:٤٧] فلا إله إلا الله ما أدق الحساب! ولا إله إلا الله ما أصعبه على من نوقش! وقد صح عنه ﷺ أنه قال: ﴿من نوقش الحساب عذب أو هلك﴾ فنسأل الله أن ييسر ويخففه علينا، وأن يأخذنا برحمته ولطفه ، وقال سبحانه: ﴿فَأَمَّا مَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ * فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ * وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ * فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ﴾ [القارعة:٦ - ٩] فعلم أن هناك ميزان له كفتان توضع الحسنات في كفة، والسيئات في كفة، فمن مالت حسناته بسيئاته فهنيئاً له، وطوبى وكرامة له، ومن مالت سيئاته بحسناته فخسارة وندامة له، نسأل الله العافية والسلامة.

стр. 3752

الإيمان بنشر الصحف المسألة السابعة عشر: الإيمان بالصحف التي توزع يوم القيامة. ومن معتقدنا أن هناك صحفاً توزع على الناس، فآخذ بيمينه، وآخذ بشماله، نسأل الله أن يسلمنا وإياكم صحفنا بأيماننا، قال سبحانه: ﴿فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَيَقُولُ هَاؤُمْ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ * إِنِّي ظَنَنتُ أَنِّي مُلاقٍ حِسَابِيَهْ * فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ * فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ * قُطُوفُهَا دَانِيَةٌ﴾ [الحاقة:٢٠ - ٢٣] وقال سبحانه: ﴿فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ * فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَاباً يَسِيراً﴾ [الانشقاق:٧ - ٨] وقال سبحانه: ﴿وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِشِمَالِهِ فَيَقُولُ يَا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَابِيَهْ * وَلَمْ أَدْرِ مَا حِسَابِيَهْ * يَا لَيْتَهَا كَانَتْ الْقَاضِيَةَ * مَا أَغْنَى عَنِّي مَالِيَهْ * هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيَهْ * خُذُوهُ فَغُلُّوهُ * ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ * ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعاً فَاسْلُكُوهُ﴾ [الحاقة:٢٥ - ٣٢]. فهذا معتقد لا بد أن يعتقده المسلم حتى يلقى الله.

стр. 3753

الصراط المسألة الثامنة عشر: الإيمان بالصراط. ونقول: هناك صراط مده الله على متن جهنم -نسأل الله أن يسهل مرورنا عليه- أحد من السيف، وأدق من الشعرة، يمر عليه الناس بحسب الأعمال، فمار كلمح البرق، وكلمح الطرف، ومار كالريح، وكالجواد المسرع، ويسير أو يسعى أو يمشي، ويحبو أو مكردس على وجهه في النار، فعلى حسب الأعمال لا بد منه، والأنبياء والرسل بجنباته، كلٌّ يقول: اللهم سلم سلم، اللهم سلم سلم.

стр. 3754

الحوض المسألة التاسعة عشر: الإيمان بالحوض. من مسائل أهل السنة والجماعة: اعتقاد وتصديق أن هناك حوضاً جعله الله في عرصات القيامة، قيل: هو الكوثر للرسول ﵊، وقيل: غيره، والدليل على ذلك قوله : ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ * فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ * إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الأَبْتَرُ﴾ [الكوثر:١ - ٣] طول الحوض شهر، وعرضه شهر، وفي بعض الأحاديث: مثل ما بين صنعاء في اليمن إلى أيلة أي: بيت المقدس في فلسطين، ماؤه: أشد بياضاً من اللبن، وأحلى من العسل، وعدد أكوابه عدد نجوم السماء، من شرب منه شربة لا يضمأ بعدها أبداً، يرده المؤمنون، ويصرف عنه المعرضون، والرسول ﵊ إذا رأى بعض أمته يصرفون، يقول: ﴿يارب! يارب! أمتي أمتي: فيقال له: إنك لا تدري ماذا أحدثوا بعدك، فيقول: سحقاً سحقاً﴾ أي: هلاكاً هلاكاً، ويشربه أتباعه ﵊ في سنته، المقتدون به في سيرته، عليه صلاة الله وسلامه.

стр. 3755

الموحد لا يخلد في النار المسألة العشرون: الموحد لا يخلد في النار. لا يخلد أحد من المؤمنين الموحدين في النار، قد يدخلها بعض أهل القبلة بذنوب وكبائر لكن لا يخلدون، وقد كذب الخوارج والمعتزلة في قولهم بتخليد الموحدين العصاة، بل الموحد لا يخلد في النار، لقوله ﵊ في الحديث الصحيح: ﴿يخرج من النار من قال: لا إله إلا الله وفي قلبه مثقال ذرة من إيمان﴾ فدل على أنه يدخل النار، ولا يخلد فيها ويخرج منها؛ لأنه موحد، وهذا معتقد أهل السنة والجماعة ولابد أن يعرف.

стр. 3756

الشفاعة المسألة الواحدة والعشرون: الشفاعة. الشفاعة حق لمن أذن الله له بالشفاعة، ولمن رضي أن يشفع له، ولرسولنا ﷺ شفاعات، قال سبحانه: ﴿وَلا تَنفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلاَّ لِمَنْ أَذِنَ لَهُ﴾ [سبأ:٢٣] وقال سبحانه: ﴿وَلا يَشْفَعُونَ إِلاَّ لِمَنْ ارْتَضَى﴾ [الأنبياء:٢٨] وقال سبحانه: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ [البقرة:٢٥٥] وقال تقدس اسمه: ﴿وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئاً إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى﴾ [النجم:٢٦].

стр. 3757

شروط الشفاعة ويشفع الشافع بشرطين: أولها: أن يأذن الله لهذا الشافع، من نبي، أو ولي، أو رجل صالح، في أن يشفع عنده، على خلاف سلاطين الدنيا فإنه لا يشترط عندهم هذا الشرط، فقد يشفع الشافع بغير إذنهم. ثانيها: أن يرضى ﵎ عن المشفوع فيه، فيأذن ويرضى عنه فيشفع له.

стр. 3758

أنواع الشفاعة ولرسولنا ﵊ شفاعات، والأنبياء يشفعون، أما الشفاعة الكبرى فهي خاصة لرسولنا ﵊، يوم يقول كل واحد من أولي العزم: نفسي نفسي، ويأتي الناس إلى رسولنا ﵊، فيقول: أنا لها -فهو المقام المحمود- فيسجد تحت العرش، وينهال بثناء عظيم على الله لا يتذكره في الدنيا، فيقول الله له: ﴿ارفع رأسك وسل تعطى واشفع تشفع﴾ قال الشيخ حافظ بن أحمد الحكمي: واستشفع الناس بأهل العزم في إراحة العباد من ذا الموقف وليس فيهم من رسول مالها حتى يقول المصطفى أنا لها ثم يشفع الأنبياء، ثم يشفع الأولياء، ومنهم يشفع في اثنين، ومنهم من يشفع في أهل بيته إذا كانوا مسلمين.

стр. 3759

الشهادة للمعين بالجنة أو النار المسألة الثانية والعشرون: الشهادة لأشخاص بالجنة. ونشهد بالجنة لمن شهد له رسول الله ﵊، كالعشرة المبشرين بالجنة، فنشهد أن أبا بكر في الجنة، وعمر في الجنة، وعثمان في الجنة، وعلي في الجنة، وطلحة والزبير وسعد وعبد الرحمن بن عوف وسعيد بن زيد وأبو عبيدة وثابت بن قيس بن شماس، كلهم في الجنة رضوان الله عليهم، ومن ذكره ﵊. وذكر ابن تيمية مسألة أخرى، هل من اشتهرت عدالته وجلالته وإمامته يشهد له بالجنة ولو لم يأت نص بذلك؟ قال: لأهل العلم قولان: منهم من يقول: لا، حتى يأتي نص، ومنهم من قال: نشهد له بالجنة كالإمام أحمد ومالك والشافعي وأبي حنيفة، واستدلوا بحديث الجنازة التي شهدوا لها بالخير، فقال ﵊: ﴿وجبت وجبت وجبت﴾ وقال للثانية التي شهدوا لها بالشر ﴿وجبت وجبت وجبت﴾ فقال: في الأولى ﴿تلك شُهد لها بالخير، فقلت: وجبت لها الجنة، وهذه أثني عليها سوءً فقلت: ولها النار، أنتم شهداء الله في أرضه﴾.

стр. 3760

أفضل الناس بعد الرسول ﷺ المسألة الثالثة والعشرون: أفضل الناس بعد الرسول ﷺ . وأفضل الأمة بعد نبيها ﷺ أبو بكر، ثم عمر، ثم عثمان، ثم علي، فـ أبو بكر أفضل الناس بعد الرسول ﵊، وقد صح في فضله أحاديث، كقوله ﷺ : ﴿لو كنت متخذاً خليلاً من أهل الأرض لاتخذت أبا بكر؛ ولكن صاحبكم خليل الرحمن﴾ وكقوله ﵊، عند الترمذي من حديث حذيفة: ﴿اقتدوا باللذين من بعدي: أبي بكر وعمر﴾ واستفاضة عدالته ﵁ وأرضاه، وتقديم الصحابة له بالخلافة والإمامة والجلالة، وكذلك تخليفه بعد الرسول ﵊ في الصلاة، وأمره ﷺ أن يصلي بالناس في مرض موته ﵊ ثم عمر بن الخطاب لجلالته، ولذكره ﵊ له بالأحاديث المشهورة، فـ عثمان لقول ابن عمر في الصحيحين [[كنا نقول على عهد رسول الله ﷺ : أفضل الأمة بعد نبيها أبو بكر فـ عمر فـ عثمان]] ثم علي بن أبي طالب أبو الحسن رابعهم في الفضل وفي الخلافة، وننزله منزلته التي أنزله الله فيها، فلا نفعل ما فعلت الشيعة، ولا نفعل ما فعلت النواصب، فـ الشيعة غالوا فيه حتى إن من فرقهم من جعلته إلهاً تعالى الله، ومن النواصب من غلوا في بغضه حتى لعنوه ﵁ وأرضاه، بل نحبه ونتولاه وننزله في المنزلة التي أنزله الله ورسوله فيها ﵁، وعن سائر صحابة رسول الله ﵊.

стр. 3761

حكم إتيان الكهان والعرافين المسألة الرابعة والعشرون: إتيان العراف أو الكاهن. إن من معتقد أهل السنة أنه ﴿من أتى عرافاً أو كاهناً فصدقه بما يقول فقد كفر بما أنزل على محمد﴾ وهؤلاء هم الذي يدعون علم الغيب، أما ما سلف أو ما استقبل من الزمان، ويستخدمون الجن، فمن أتى إليهم مصدقاً لهم وطالباً النفع منهم، أو دفع الضر منهم، فقد كفر بالكتاب والسنة، وبما أنزل على رسول الله ﷺ ، وصح عند مسلم في صحيحه أنه ﷺ قال: ﴿من أتى عرافاً أو كاهناً لم تقبل منه صلاة أربعين يوماً﴾ فليعلم ذلك.

стр. 3762

التمائم المسألة الخامسة والعشرون: التمائم. التمائم: من خيوط أو حلق أو حديد، من علقها معتقداً فيها جلب النفع أو دفع الضر، فقد أشرك، واستثنى بعض العلماء ما علق من آيات قرآنية، والصحيح: المنع سداً لذريعة الشرك، وسداً لباب الشرك، وغلقاً لهذه الفتنة فـ ﴿من تعلق بتميمة فلا أتم الله له، ومن تعلق بشيء يمنعه من الواهنة ما زادته إلا وهناً﴾ ومن تعلق عليه خيطاً خلط عليه أمره، ومن تعلق حديداً ليدفع عنه أو يقرب له النفع حبسه الله في حديد نار جنهم، فلا ينفع ولا يدفع ولا يرزق ولا يعافي ولا يشافي ولا يحيي ولا يميت إلا الله، ﴿وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً لا يَخْلُقُونَ شَيْئاً وَهُمْ يُخْلَقُونَ وَلا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ ضَرّاً وَلا نَفْعاً وَلا يَمْلِكُونَ مَوْتاً وَلا حَيَاةً وَلا نُشُوراً﴾ [الفرقان:٣] وصح عنه ﷺ أنه قال لـ حصين بن عبيد الخزاعي ﴿كم تعبد؟ قال: سبعة، قال: أين هم؟ قال: ستة في الأرض وواحد في السماء، قال: من لرغبك ولرهبك؟ قال: الذي في السماء، قال: فاترك الذي في الأرض واعبد الذي في السماء﴾.

стр. 3763

السحر المسألة السادسة والعشرون: السحر. الساحر ملعون، وحده القتل بالسيف، فمن سحر أو تعلم السحر فقد كفر عند كثير من الأئمة وارتكب مكفراً، وعند البعض ارتكب كبيرة من السبع الموبقات، نسأل الله العافية والسلامة. وقال كثير من العلماء: تعلم السحر حرام، ولو للنشرة عن المسحور، وإنما ينشر عن المسحور بما ورد في السنة، بأن يأخذ سبع ورق من السدر -ذكر ذلك ابن حجر في الفتح وغيره من العلماء في باب النشرة- فيسحقها مع الماء ويقرأ القواقل ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص:١] ثلاثاً ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ﴾ [الفلق:١] ثلاثاً ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ﴾ [الناس:١] ثلاثاً ثم يغتسل بهذا الماء ويستشفي ويقرأ القرآن، ولا يطلب حله من كاهن، أو عراف، أو ساحر، فإن فعل ذلك فقد أساء وظلم نفسه.

стр. 3764

موقف أهل السنة والجماعة فيما شجر بين الصحابة المسألة السابعة والعشرون: عدم الخوض فيما دار بين الصحابة. فلا نخوض فيما شجر بينهم، بل نتولاهم جميعاً ﵃، ونترضى عنهم، ونكف عما شجر بينهم، ولا نخوض بألسنتنا في المجالس، ولا نحمل لهم ضغينة، قال سبحانه: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْأِيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلّاً لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [الحشر:١٠] فنترضى عنهم جميعاً، ونستغفر الله لنا ولهم، ونقول: ما شجر بينهم بقضاء وقدر، كما حدث بين علي في الجمل وبين الزبير وطلحة وعائشة ونقول: اجتهدوا وكلُّ واحد مأجور في ذلك، من أصاب منهم فله أجران، ومن أخطأ فله أجر واحد. سئل عامر الشعبي لماذا التقى الصحابة بعضهم ببعض في صفين ولم يفر بعضهم من بعض؟ فقال: أصحاب الجنة التقوا فاستحيا بعضهم أن يفر من بعض. وسئل عمر بن عبد العزيز عن ما وقع بين الصحابة من فتن وحوادث وحروب، قال: [[تلك أمور سلم الله منها سيوفنا من دمائهم، فلماذا لا نسلم ألسنتنا من الخوض فيها]] ومن فعل ذلك، واستوشى الأخبار في المجالس، وبثها، فهي علامة النفاق. ومن كره معاوية بن أبي سفيان فهذه علامة النفاق، فهو خال المؤمنين وعلي أفضل منه، والحق مع علي بن أبي طالب أبا الحسن ومعاوية مؤمن بالله، ومن كتبة الوحي، ومن أصحاب الرسول ﵊، ومن أبغض الأنصار فهو من علامة النفاق، قال ﵊: ﴿آية الإيمان حب الأنصار، وآية النفاق بغض الأنصار﴾ وقال ﵊: ﴿لا يحب الأنصار إلا مؤمن ولا يبغضهم إلا منافق﴾.

стр. 3765

المسح على الخفين ونعتقد في جزئية فرعية من الفقه الإسلامي، أن المسح على الخفين سنة، لأنه خالفنا فيه بعض الطوائف، فأنكروه. قال الإمام أحمد: روي المسح على الخفين عن سبعين من أصحاب محمد ﵊. هذا أيها المسلمون ملخص لمعتقد أهل السنة والجماعة، بعنوان عقيدتنا، اقترحه بعض الإخوة علي، فأسأل الله أن يرحم عبداً أعان على نشر هذا الشريط، أو وزعه؛ لأنه ملخص لمعتقد أهل السنة والجماعة حرصت أن يكون ميسراً ومقرباً، مأخوذاً بأساليب شيخ الإسلام ابن تيمية عله أن ينفع في كثير من الأماكن، وعند كثير من طلبة العلم، والبيوت، والقرى، والبوادي، لأن العقيدة أهم شيء في حياة الإنسان، ويوم يلقى العبد ربه بهذه العقيدة يلقاه بقلب سليم ﴿إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ [الشعراء:٨٩] ويلقاه مبيض الوجه ﴿يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ * وَأَمَّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ فَفِي رَحْمَةِ اللَّهِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [آل عمران:١٠٦ - ١٠٧].

стр. 3766

عقيدتنا إجمالاً أيها المسلمون: هذه سبع وعشرون مسألة أعود بتلخيصها رءوس أقلام لتلخص لنا ما مر من درس: نقول: عقيدتنا: الإيمان: قول وعمل واعتقاد ينقص ويزيد، وصاحب الكبيرة تحت المشيئة ولا يكفر بارتكابها ما لم يستحلها. وتوحيد الربوبية أقر به المشركون ولكنهم نفوا توحيد الألوهية. وتوحيد الألوهية هو إفراد الله بالعبادة وهو الذي بعث به الرسل. أسماء الله وصفاته نقر بها ونعتقدها على ما أتت في الكتاب والسنة، بلا تكييف ولا تمثيل، ولا تعطيل ولا تحريف. والله يُرَى في الآخرة، يراه المؤمنون ويحجب عنه الكافرون. والقرآن كلام الله ليس بمخلوق، منه بدأ وإليه يعود. والله مستوي على عرشه، بائن من خلقه، ليس في خلقه شيء من ذاته، ولا في ذاته شيء من خلقه، استواءً يليق بجلاله على عرشه ﵎. والله ينزل إلى سماء الدنيا في الثلث الأخير من الليل، نزولاً يليق بجلاله. ونؤمن بأن لله ملائكة سمى بعضهم ولم يسم البعض. ونؤمن بكتب الله سمى بعضها ولم يسم البعض. ونؤمن برسل الله الذي سمى والذي لم يسم ﵎. ونؤمن بأن الله يبعث من في القبور ويحاسبهم. ونؤمن بالقضاء والقدر، وأنه لا يقع شيء في العالم إلا بعلم الله، وبإرادة الله، وبمشيئة الله، وإذن الله. ونؤمن بأن نعيم القبر حق، وأن عذاب القبر حق، ومساءلة القبر حق، وأن القبر روضة من رياض الجنة أو حفرة من حفر النار. ونؤمن بأن الميزان ينصبه الله لوزن الأعمال يوم القيامة وقد مرت الأدلة. ونؤمن بأن الصحف يعطاها الناس بحسب أعمالهم، فآخذ كتابه بيمينه وآخذ بشماله، وقد دلت عليه النصوص. ونؤمن بأن الصراط على متن جهنم يمر عليه الناس بحسب أعمالهم. ونؤمن بأن الحوض المورود يشرب منه المؤمنون، ويحرمه المعرضون فلا يشربون منه. ونؤمن بأنه لا يخلد أحد من المؤمنين الموحدين في النار، بل يخرجون بحسب إيمانهم فلا يخلدون. ونؤمن بأن الشفاعة حق، وأن الله يقبل الشفاعة لمن أذن أن يشفع، ولمن رضي أن يشفع فيه. ونؤمن بأن الجنة حق ونشهد بها لمن شهد بها الرسول ﷺ له. ونؤمن ونقول: إن أفضل الأمة بعد نبيها: أبو بكر فـ عمر فـ عثمان فـ علي ثم المؤمنون على منازلهم في الإيمان. ونؤمن بأن من أتى عرافاً أو كاهناً فصدقه فقد كفر بما أنزل على محمد، وأن من أتاه لم تقبل له صلاة أربعين يوماً. والتمائم من خيوط أو حلق أو حديد وغيرها من علقها واعتقد نفعها أو أنها تضر فقد أشرك. وكذلك من ذبح لغير الله، ومن أقسم بغير الله، ومن أتى قبر صالح أو ولي أو غيره، فتبرك به، ليرفع حوائجه إلى الله فقد أشرك. وكذلك من جعل طاغوتاً من الناس حاكماً، فأحبه ووالاه، وأخذ كلامه شرعاً من دون شرع الله، فقد أشرك. ومن صرف الولاء والبراء لغير الله من طاغوت بشري، أو هيئة، أو جهة، أو مقصد، أو محب من غير الله فقد أشرك. ونقول: إن صور الطاغوت كثيرة، قد يكون في إنسان، أو هيئة، أو جهة، أو حجر، أو حب يحب به غير الله ﵎. ونقول الساحر ملعون، حده القتل بالسيف، وتعلم السحر وطلبه حرام. ونقول في الأخير: لا نخوض فيما شجر بين الصحابة، بل نترضى عنهم ونسأل الله أن يجمعنا بهم في دار الكرامة. ﴿رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِياً يُنَادِي لِلإِيمَانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ الأَبْرَارِ﴾ [آل عمران:١٩٣] وقد انتهى هذا الدرس بعنوان (عقيدتنا) وهو ملخص لما كتبه علماء أهل السنة، إن كان من صواب فمن الله، وإن كان من خطأ فمني ومن الشيطان، وأستغفر الله العظيم الذي لا إله إلا هو، وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. بسم الله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.

стр. 3767

الأسئلة بسم الله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.

стр. 3768

حكم الجمعية الشهرية السؤال حكم الجمعية التي يفعلها كثير من الناس، يجتمع مجموعة من الأساتذة والموظفين فيجتمع راتبهم كل شهر، ثم يدور على البقية، فهل هذا جائز؟ الجواب قال سماحة الشيخ هذا محرم؛ لأنه قرض وشرط ولم يستدل بالحديث؛ لأنه يقول إنه ضعيف، لكن معناه مجمع عليه حديث ﴿كل قرض جر نفعاً فهو ربا﴾ ضعيف، لكن معناه مجمع عليه، بل قال: قرض وشرط، فقال: بالتحريم.

стр. 3769

حكم التمثيل السؤال سألنا سماحته: عن التمثيل الذي يزاوله كثير من الشباب في المراكز الصيفية والمخيمات؟ الجواب قال: محرم، لأنه مبني على الكذب.

стр. 3770

العروضات الشعبية السؤال وسألناه وفقه الله: عن العروضات الشعبية التي يزاولها القبائل؟ الجواب قال: لا يجوز أن تكون بدف، أو طبل، أو نحوها، لحديث عند أحمد في المسند، وإنما يجوز أن تكون بالحراب، وبالسلاح، عرضات حربية بلا دف ولا طبل كما فعل الحبشة عنده ﷺ . هذه بعض المسائل التي عرضت عليه، وفي أوقات أخرى نعرض بعض المسائل التي عرضت عليه، ثبتنا الله وإياه بالقول الثابت.

стр. 3771

بعض الأبيات المنسوبة للشافعي السؤال أرجو أن تبدي رأيك في قول الشافعي ﵀ في هذين البيتين، وهل في ذلك تعارض مع قول الله تعالى: ﴿إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ﴾ [الحجرات:١٢] أو ما شابهها، قال الشافعي: لا يكن ظنك إلا سيئاً إن سوء الظن من أقوى الفطن ما رمى الإنسان في مهلكة غير حسن الظن والقول الحسن فما رأيكم؟ الجواب أولاً: صحة هذه الأبيات للشافعي ليست بصحيحة، وربما رآها الأخ في بعض ما نسب للشافعي، أقول لك: كثير من القصائد نسبت للشافعي ليست بصحيحة. ثانياً: ولو كانت صحيحة للشافعي فليس الشافعي معصوماً، بل يؤخذ من كلامه ويرد كما قال مالك: ما منا إلا راد ومردود عليه إلا صاحب ذاك القبر، يعني: رسول الله ﵊، وإذا أتى كلام لبشر وأتى كلام رب البشر، وبينهما تعارض جعلنا كلام رب البشر على العين وعلى الرأس، ورمينا بكلام البشر، بل ضربنا به عرض الحائط، كما قال الشافعي عن نفسه وأبو حنيفة ومالك وأحمد فإنهم طالبوا ألا يقلدوا في أقوالهم، وإذا عارضت أقوالهم قول الله، أو قول رسوله ﵊، فلا نلتفت إلى أقوالهم أبداً، سواءً في الأصول، أو الفروع، أو الآداب، أو السلوك. وبالمناسبة وأنا أذكر في العقيدة قد مر بعض الأبيات التي أساءت على العقيدة، لما أدخل بنا الأخ في بحر الشعر، ندخل معه في باب المعتقد عن قصائد لا يجوز الاستشهاد بها، ومن اعتقدها فقد كفر، كقول ابن هانيء الأندلسي وقد دخل على سلطان من السلاطين: ما شئت لا ما شاءت الأقدار فاحكم فأنت الواحد القهار فابتلاه الله بمرض، حتى كان ينبح كما ينبح الكلب على فراشه، ويقول هذا الشاعر: أبعين مفتقر إليك نظرتني فأهنتني وقذفتني من حالق لست الملوم أنا الملوم لأنني علقت آمالي بغير الخالق وكما قال الشاعر القروي عليه من الله ما يستحقه، وإن كان مات عليها فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين، دخل دمشق وسط عاصفة من التصفيق مع القوميين فأخذ يقول: هبوا لي دينا يجعل العرب أمة وسيروا بجثماني على دين برهم ثم يقول: فيا مرحباً كفراً يؤلف بيننا وأهلاً وسهلاً بعده بجهنم ومنهم البرعي البدعي الغالي القبوري، وصل قبر الرسول ﵊، فوقف عند القبر، وقال: يا رسول الله -يناديه وهو في قبره ﷺ يقول: يا رسول الله يامن ذكره في نهار الحشر رمزاً ومقاماً فأقلني عثرتي يا سيدي في اكتساب الذنب في خمسين عاماً فقد أخطأ وأشرك. ومنها قول البوصيري في آخر البردة: يا أكرم الخلق مالي من ألوذ به سواك عند حدوث الحادث العمم إن لم تكن في قيامي آخذاً بيدي فضلاً وإلا فقل يا زلة القدم القصيدة في أولها جميلة، ولكنه أساء في الأخير بكل إساءة. وقال أبو فراس ولا نستطيع أن نشركه ونجعله مشركاً بهذه الأبيات، ولكن ذكرت بذلك قول ابن القيم في بدائع الفوائد قال: أحسن هذا الشاعر في نظمه، وأساء في أن صرفها لمخلوق، يقول أبو فراس لـ سيف الدولة ابن حمدان: فليتك تحلو والحياة مريرة وليتك ترضى والأنام غضاب وليت الذي بيني وبينك عامر وبيني وبين العالمين خراب إذا صح منك الود فالكل هين وكل الذي فوق التراب تراب فنقول: أسأت كل الإساءة لما جعلتها لمخلوق، ولو أنك قلت للخالق هذه الأبيات لأحسنت كل الإحسان. وأورد ابن عساكر في تاريخه بيتين لم أرهما في ديوان المتنبي ذكرهما ابن كثير وغيره أن المتنبي يقول لـ سيف الدولة: يا من ألوذ به فيما أؤمله وأستعيذ به مما أحاذره لا يجبر الناس عظماً أنت كاسره ولا يهيضون عظماً أنت جابره قال ابن كثير: وسمعت شيخنا شيخ الإسلام ابن تيمية يقول: إني أدعو في سجودي بمضمون هذين البيتين. أي: يحول مضمون البيتين لله الواحد الأحد، فلا يعاذ إلا بالله، ولا يلاذ إلا بالله، ولا يجبر الكسير ولا يكسر الجابر إلا الله، ولا يعافي ولا يشافي ولا ينفع ولا يضر إلا الواحد الأحد.

стр. 3772

مدح الكفار أو العجب بهم السؤال دار نقاش بين مجموعة من المدرسين عن المخترعات الحديثة، فقال أحد مدرسي اللغة الإنجليزية وبملء فيه: لو حملنا الأمريكيين على ظهورنا لم نكافئهم بما قدموا لنا من اختراعات، وأخذ يسرد لنا منجزات، فما كان من المدرسين إلا أن دخلوا في عاصفة من الضحك، ولم يتمعر وجه أحد منهم، وعندما عوتب على إعجابه بالكفار، قال: أقصد العلماء منهم الذين يمضون الساعات في الخنادق للبحث والتحليل، فما حكم ذلك، وأرجو توجيه وصية لهذا الأستاذ؟ الجواب جعلك تحملهم على ظهرك حتى تلقى الله. أولاً: أقول لهذا الأستاذ: ما ينبغي لك أن تعجب بالكافر، قال سبحانه: ﴿وَلا تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَأَوْلادُهُمْ﴾ [التوبة:٨٥] وقال: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيباً مِنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هَؤُلاءِ أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلاً * أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ وَمَنْ يَلْعَنِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ نَصِيراً﴾ [النساء:٥١ - ٥٢] وقال سبحانه: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ وَإِنْ يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ﴾ [المنافقون:٤] لا تعجب بالكافر؛ لأن ثقافته وحضارته وإبداعه ظاهر في عالم المادة، وقد شاهر الله بالحرب، قال سبحانه: ﴿يَعْلَمُونَ ظَاهِراً مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ﴾ [الروم:٧] وقال سبحانه: ﴿بَلِ ادَّارَكَ عِلْمُهُمْ فِي الْآخِرَةِ بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْهَا بَلْ هُمْ مِنْهَا عَمُونَ﴾ [النمل:٦٦]. وهذا الأستاذ على أحد نوعين من الناس: الأول: إما معاند معجب بالكفار ممسوخ مغسول الدماغ؛ لأن من الناس من درس هناك فمسخ وغسل دماغه، فأتى لا يتحدث إلا بثقافتهم، يصبح ويقول: أصبحنا وأصبحت أمريكا لله، وأمسينا وأمست أمريكا لله، إن حدثته عن تقدمنا وعن بلادنا، حدثك عن بلادهم، وإن حدثته عن شمسنا حدثك عن شمسهم. من بلادي يُطلب العلم ولا يطلب العلم من الغرب الغبي وبها مهبط وحي الله بل أرسل الله بها خير نبي قل هو الرحمن آمنا به واتبعنا هادياً من يثرب فنستتيب هذا، ونقول: عد إلى رشدك، فإنك قد غسلت تماماً، وينبغي لك أن تتشرف بأن تسير في موكب محمد ﵊، وأن تنتسب في سلسلة أبي بكر وعمر وعثمان وعلي. أولئك آبائي فجئني بمثلهم إذا جمعتنا يا جرير المجامع وأن تبتعد عن ريجن ونيكسون وجونسون وبوش وعن أضرابهم وأمثالهم، فقد أعلنوا العداء لله، ولا يعجبك ما قدموا من حضارة، فهذه قد يقدمها الإنسان المسلم والكافر. ونحن نقول: بما قدموا من حضارة التقصير منا وعلينا أن نفعل كما فعلوا، وأن نبني كما بنو، ولا نكتفي بما عندنا من دين، بل علينا أن نستعمر الأرض التي استعمرنا الله فيها ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ﴾ [الأنفال:٦٠]. الثاني: إما أن يكون هذا الأستاذ جاهل، ولا يدري بمدلول هذه الكلمة، فكيف يحمل الكافر على ظهره، مسلم يصلي لله خمس مرات في اليوم والليلة، متوضئ عرف الله وعرف عبودية الله، ويحمل الخواجة الكلب على ظهره، هذا جاهل، فإن كان جاهلاً فليبصر، أما إخوانه الذين ضحكوا وما أنكروا فقد يكونون من زمرته، وقرص في طرف عجينة، فربما اشتركوا في الهوى، وكانوا إخوة في الهوى. ولذلك يقول العربي الأول: فإما أن تكون أخي بصدق فأعرف منك غثي من سميني وإلا فاطرحني واتخذني عدواً أتقيك وتتقين فإني لو تخالفني شمالي ببغض ما وصلت بها يميني إذاً لقطعتها ولقلت بِيْنِ كذلك أجتوي من يجتويني قال تعالى: ﴿لا تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ﴾ [المجادلة:٢٢] من أحب الكافر فقد حاد الله بموادته لهذا الكافر؛ نسأل الله العافية والسلامة ﴿وَلا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ﴾ [هود:١١٣]. حدثنا أحد الأساتذة بسند جيد، قال: حدثني شيخ لي أن الإنجليز لما دخلوا السودان البلد المسلم ونزلوا الخرطوم أتى إنجليزي بريطاني عليه من الله ما يستحقه، ومسك إشارة في المرور -كان رجل مرور- وكان هناك مسلم سوداني في قرية من القرى، ما رأى الكفار على وجهه، هذا المسلم السوداني كان من مصحفه إلى المسجد ومن المسجد إلى البيت، ومن البيت إلى المصحف لم يرى خواجة ولا سمع، يظن أن الكرة الأرضية كلها تسجد لله رب العالمين، لا يعرف أن في الدنيا كفرة ولا يدري أنه ﴿وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ﴾ [سبأ:١٣] وما يعلم وأنه ﴿وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [الأنعام:١١٦] فأتت له حاجة أصيب بمرض، فنقل إلى مستشفى في الخرطوم فأدخل، فلما تشافى نزل، فرأى هذا الأحمر الأشقر المبرقع الإنجليزي وهو عند الإشارة. قال السوداني: ما هذا؟ قالوا: هذا إنجليزي، قال: ما معنى إنجليزي؟ قالوا: كافر قال: كافر بماذا؟ قالوا: يكفر بالله، قال: وهل في الدنيا أحد يكفر بالله! ثم أمسك بطنه وطرش وذهل، فهذا مربى على العقيدة. وأحدثكم عن طالب علم كان في قرية من قرى الجنوب، عاشوا على التوحيد والإيمان، فأتى بقصاصة ورق من كتاب الله ﷻ لـ سعيد حوى، مكتوب في فصل من الفصول الدليل على وجود الله، وهذه مباحث بحثها أهل السنة، لكن هذا الرجل الذي في القرية الشيخ الكبير الذي عاش على العقيدة مثل الجبال يرى أنه ليس هناك داعي أن نكتب الدليل على وجود الله، فأتى ابنه بالورقة، قال أبوه: اقرأ علي يا بني ما عندك، قال: بسم الله الرحمن الرحيم. يقول: المؤلف ﵀: باب الدليل على وجود الله، فضرب الأب ابنه على وجهه وأخذ الورقة وقطعها، وقال: من هذا عدو الله الذي يكتب الدليل على وجود الله، وهل يحتاج الله إلى أن ندلل عليه بدليل. هذا من عمق الإيمان، لكن بعض الناس يصل إلى درجة أن يقول: إن بيننا وبين الحضارة الغربية قدر نسبي من الإخاء، كما فعل بعض المفكرين، يوم قال في كتابه ظلام من الغرب: لا بأس أن نجتمع مع النصارى في وجه الصهيونية العالمية، ولا بأس بالأخوة الإنسانية، وأمثال ذلك، بل بعد ذلك قال الأخ العزيز شنودة، ثم هاجم بعض المستقيمين، نسأل الله أن يغفر لنا وله، ويتجاوز عنا وعنه. وهذا من تمييع القضايا، أو تمييع الولاء والبراء، ليس عند المسلم تمييع القضايا. وقولهم: لا بد أن نظهر بحسن خلق، ولا بد أن لا نفاصل الناس، ولا نظهر للأمريكان أننا سيئو الأخلاق؟ نقول: التعامل شيء، والولاء والبراء شيء آخر. نحن لا نقول: إذا أصبحت الصباح تضرب الخواجة على وجهه، وتقول: أتقرب بهذا إلى الله، لا. هذا ليس من الإسلام ﴿وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْناً﴾ [البقرة:٨٣] لكن أن تواليه أو تحبه أن تجعله كأخيك، وتقول: والله إني أحبك في الله، وأرى آثار الإيمان، وإشراق الطاعة من وجهك، لا. لك أن تحسن له، أن تحسن في معاملته في أسلوبك، لكن الولاء والبراء والحب والبغض لا يصرف إلا في مرضات الله، ولوجه الله ﵎. أيها المسلمون: ما بقي من أسئلة فنرجئها إلى درس قادم إن شاء الله، والدرس القادم سوف يكون بإذن الله في الجامع الكبير في الخميس، مساء السبت، وأسأل الله أن يتولانا وإياكم، وأن يثبتنا وإياكم بالقول الثابت، وأن يحسن إلينا وإليكم، وأن يغفر لنا ولكم الذنوب والخطايا ﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ * وَسَلامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ * وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الصافات:١٨٠ - ١٨٢] وصلى الله على محمد، وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.

стр. 3773

توجيه نبوي لمعاذ حديث إرسال معاذ إلى اليمن وما فيه من نصائح وتوجيهات من النبي صلى الله وسلم له، يعتبر من أهم القواعد والأصول في الدعوة إلى الله تعالى. الذي لابد لكل داعية خصوصاً، ولكل مسلم عموماً أن يضع هذه القواعد والأصول في اعتباره وأن تكون نبراساً له وقائداً يقوده في مسيره وطريقه.

стр. 3774

نص حديث معاذ بن جبل إن الحمد لله؛ نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، وصلى الله على محمد عبده ورسوله وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. أمَّا بَعْد: فسلام الله عليكم ورحمته وبركاته. ولا زلنا في طوافة ومعيشة مع البخاري في صحيحه، ولو أنصفوه لما خط صحيحه إلا بماء الذهب؛ ولذلك كان لهذا الكتاب مكانته كما تعرفون ويعرف غيركم من طلبة العلم، ولا بد من تكرار هذه المعاني في كتب أهل السنة التي قدمها أئمة الإسلام إلى هذه الأمة المرحومة، الأمة المحمدية على صاحبها أفضل الصلاة والسلام. ومعنا في هذه الجلسة حديث يستهل به الإمام البخاري ﵀ كتاب الزكاة في هذا الكتاب، وقد قلنا في مناسبة: إنه لا بد في مثل هذه الجلسات من التنويع بين الرقائق والأحكام وبين المسائل والفضائل، وأنه لا بد أن يجمع طالب العلم بين مسائل العلم التي ترقق القلب وبين الأحكام التي تفقه المسلم في دينه. قال البخاري ﵀: "باب وجوب الزكاة" وقال الله تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ [البقرة:٨٣] ثم قال بعد أن ساق الحديث بسنده عن ابن عباس ﵄ قال: ﴿لما أرسل النبي ﷺ معاذاً إلى اليمن قال: إنك تأتي قوماً أهل كتاب، فليكن أول ما تدعوهم إليه شهادة أن لا إله إلا الله وأني رسول الله، فإن هم أطاعوك لذلك، فأخبرهم أن الله افترض عليهم خمس صلوات في اليوم والليلة، فإن هم أطاعوك لذلك فأخبرهم أن الله افترض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم وتدفع إلى فقرائهم، وإياك وكرائم أموالهم، واتق دعوة المظلوم فإنه ليس بينها وبين الله حجاب﴾ هذا الحديث رواه البخاري ومسلم ومالك وأبو داود والنسائي واتفق الجماعة على إخراجه من طرق، واختلفوا في الألفاظ كما سيرد بإذن الله في الشرح. أما صاحب هذه القصة فإنه سيد العلماء ﵁ وأرضاه وقائدهم إلى الجنة، يسبقهم يوم القيامة برتوة حجر، فهم يمشون يوم القيامة بعده حتى يدخلوا الجنة جميعاً. والعجيب أن هذا الحديث من رواية الأقران، أي: من رواية صحابي عن صحابي، وهو فن مستقل بذاته. والطرفة الأخرى هي: أن هذا الحديث رواه عالم عن عالم، فـ ابن عباس ترجمان القرآن وحبر الأمة يروي قصة معاذ ﵁ وأرضاه وقبل أن نشرع في هذا الحديث الذي سمعتموه فإن معنا عشرون قضية:

стр. 3775

سيرة معاذ ﵁ معاذ بن جبل الأنصاري أسلم وعمره ثمانية عشرة سنة، وأحب الدين بكل قلبه، فكان يصبح ويمسي مع الإسلام، وكان رجلاً طويلاً، وجميلاً، وبساماً، وضحاكاً، وكريماً.

стр. 3776

معاذ ﵁ وجوده وسخاؤه كان معاذ ﵁ لا يمسك الشيء في يده من جوده وسخائه. ألا أيها المال الذي قد أباده تعزى فهذا فعله في الكتائب قال كعب بن مالك: [[كان أسخى الأنصار بعد سعد بن عبادة معاذ بن جبل على قلة يده]] مع فقره كان أسخى الناس، حتى باع بعض دوره وأملاكه ضيافة للوافدين، وكان الناس ينطلقون بالاثنين والثلاثة وينطلق هو بالثمانين من ضيوف الرسول إليه، فكثرت ديونه ﵁ وأرضاه، وأتى أهل الدين رسول الله ﷺ وشكوا معاذاً إلى رسول الله ﷺ . فلما رأى الرسول ﷺ أن المسألة سوف تطول، وأن أموال الناس سوف تهدر، وأن تركته لا تغطي ولا تفي، حجر عليه ﷺ ، وأعلن في الناس أن ماله محجور تحت تصرف رسول الله ﷺ ، ثم أرسله ﷺ إلى اليمن لحكم سوف أذكرها بإذن الله.

стр. 3777

معاذ يروي أعظم حديث في التوحيد جاء في الصحيحين أن معاذاً عندما كان رديف رسول الله ﷺ على حمار، واسم هذا الحمار عُفير، وقيل: اسمه يعفور ولا يهمنا اسمه إنما هو حمار ركبه رسول الله صلى عليه وسلم من تواضعه لله تعالى. والعجيب أن ابن كثير في كتابه الشمائل، ساق بسند مظلم أن هذا الحمار لما توفي ﷺ خرج إلى المدينة يطوف ويلتمس كأنه فقد صاحبه ثم تردى في بئر ليس فيها ماء ومات. فالرسول ﷺ كان راكباً وكان معاذ رديفه قال: ﴿فمشينا برهة -أي ردفة من الزمن- فقال ﵊ يا معاذ! أتدري ما حق الله على العباد؟ قال: الله ورسوله أعلم! وفي لفظ للبخاري قال: يا معاذ! قال: لبيك وسعديك يا رسول الله! ثم مشى قليلاً وسكت هنيهةً، ثم قال: يا معاذ! قال: لبيك وسعديك يا رسول الله! قال: أتدري ما حق الله على العباد؟ - وفي لفظ: حق الله على العبيد- قال: الله ورسوله أعلم -وهذا من كمال أدبه وعدم تطفله، ومن توقيره لرسول الله ﷺ قال ﵊: حق الله على العباد أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئاً، ثم مضى قليلاً وقال: أتدري -يا معاذ - ما حق العباد على الله؟! قال: الله ورسوله أعلم! قال: حق العباد على الله إذا فعلوا ذلك ألا يعذبهم﴾ هذا الحديث رواه معاذ ﵁ وأرضاه، وروى الكثير في الفضائل والعقائد والعبادات.

стр. 3778

معاذ مع النبي ﷺ في تبوك وفي تبوك كان مع رسول الله ﷺ في تلك الغزوة، وفي أثناء الطريق قال معاذ: اقتربت من راحلة رسول الله ﷺ فأحسسته، وكان الصحابة يستأنسون أيما أنس بقربهم من رسول الله ﷺ ، لما آتاه الله من حسن الخلق والبركة والهداية والنور، وكان من سعة حلمه وتواضعه وخلقه أنه إذا صاحب الرجل من الصحابة في السفر حدثه كثيراً حتى في الليل. ففي تلك الليلة قال معاذ: اقتربت منه ﷺ فوجدت أبا قتادة من الأنصار قريباً منه، وكان في آخر الليل، وأخذ رسول الله ﷺ ينعس على راحلته -لأنه سهر في الليل في تلك الليلة- وكاد أن يسقط من على الراحلة وتكاد تسقط به. قال أبو قتادة كما في صحيح مسلم: ﴿فاقتربت منه ودعمته بيدي -أي: أسندته بيدي- حتى رددته إلى مكانه، قال: ثم نعس الثانية، فرددته، ثم نعس الثالثة حتى كاد يسقط، فانتبه ﵊، قال: من؟ قلت: أبو قتادة، قال: حفظك الله بما حفظت نبيه ﵊﴾ قال أهل العلم: ما زال أبو قتادة محفوظاً في أسرته وذريته حتى في القرن الثاني؛ لأنه تكلم بهذا الكلام، حتى عندما أتت الفتن لم يتدخل فيها، ولم يشترك في مشكلات الأمة؛ لأن الرسول ﷺ دعا له بالحفظ، قال: ﴿حفظك الله بما حفظت نبيه﴾ والحفظ أعظم ما يمن به الله على عبده. يقول ابن المسيب ﵁: [[إن الله يحفظ العبد المؤمن في أهله وأولاده ودويريته]] أي: حتى في الدور التي تقاربه في قريته. ففي تلك الليلة العامرة التي لا ينساها معاذ ﵁ وأرضاه تقدم ليستغل الوقت في سمر من أحسن السمر مع سيد البشر ﵊ -هل يتحدث معه في الدور أو القصور أو الوظائف أو يطلبه منصباً؟ وهو ﵊ يستطيع أن يعطيه ذلك؛ فإن الله أعطاه من الولايات ما الله بها عليم- فقال: يا رسول الله! ما هو العمل الذي يقربني من الجنة ويباعدني من النار؟! هذا أعظم سؤال قد وقع بعد سؤال العقائد على النبي ﷺ ، فقال ﵊: ﴿إنه ليسير على من يسره الله عليه﴾ وفي لفظ الترمذي: ﴿يا معاذ! لقد سألت عن عظيم﴾. أي: لقد سألت عن أمر من أعظم الأمور، وهذا الحديث الذي تسمعونه قاعدة من قواعد الإسلام وأصل من أصول الدين، وهو من الأحاديث النبوية التي عليها مبنى أحاديث المصطفى ﵊ قال: ﴿لقد سألت عن عظيم، وإنه ليسير على من يسره الله عليه﴾ ثم أتى ﷺ يسوق الأمور التي تقرب العبد من الجنة وتوصله إليها، وهي مفاتيح من مفاتيح أهل الجنة، فاستمعوا إليه: يقول: ﴿تعبد الله لا تشرك به شيئاً، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان، وتحج البيت -ثم وقف ﵊، وظن معاذ أن الخطاب قد انتهى- ثم قال ﵊: ألا أدلك على رأس الأمر وعموده وذروة سنامه﴾ انظر إلى الكلام! كأنه هيئ من شهر أو شهرين وهو وليد الساعة؛ لأن الرسول ﷺ أفصح من نطق بالضاد، حتى يقول أبو موسى: [[إنه ﷺ قد أوتي جوامع الكلم]]. وقال ابن مسعود: [[أوتي رسول الله جوامع الكلم وهديه وآخره]]. ثم قال: ﴿ألا أدلك على رأس الأمر وعموده وذروة سنامه؟ قال: قلت: بلى يا رسول الله! قال: رأس الأمر الإسلام، وعموده الصلاة، وذروة سنامه الجهاد في سبيل الله، ثم سكت ﷺ وقال: ألا أدلك على أبواب الخير؟ قال: قلت: بلى يا رسول الله! قال: الصوم جُنة -يعني: وقاية- والصدقة تطفئ الخطيئة كما يطفئ الماء النار، وصلاة الرجل في جوف الليل صدقة، ثم تلا ﵊ قوله ﵎: ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفاً وَطَمَعاً وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ) [السجدة:١٦] إلى قوله: (يعلمون) ثم قال ﵊: ألا أدلك على ملاك ذلك كله؟ قال: قلت: بلى يا رسول الله! قال: كف عليك هذا، وأخذ بلسان نفسه ﵊، فقال معاذ: وإنا لمؤاخذون بما نتكلم به يا رسول الله؟! -أي: أيسجل علينا؛ لأنهم ما علموا إلا ما علمهم رسول الله ﷺ قال ﵊: ثكلتك أمك يا معاذ! -وهذا عند العرب لا يراد به الظاهر وإنما هو دعاء، أي: فقدتك، حتى هذه المسألة لا تعرفها- وهل يكب الناس على مناخرهم أو قال: على وجوههم إلا حصائد ألسنتهم﴾ رواه الترمذي وقال: حديث حسن. عاش معاذ ﵁ مع رسول الله ﷺ ، وكان ﵊ معجباً به وبعلمه، وروى الإمام أحمد في مسنده، والترمذي بسند صحيح قال: قال رسول الله ﷺ : ﴿أرحم أمتي بأمتي أبو بكر، وأشدهم في دين الله عمر، وأعلمهم بالحلال والحرام معاذ بن جبل، وأمين هذه الأمة أبو عبيدة بن الجراح﴾.

стр. 3779

اختيار معاذ لما أرسل إلى اليمن أرسله ﷺ إلى اليمن، وكانت هذه الرسالة إلى اليمن رسالة تشريفية تكليفية من رسول الله إلى معاذ، وقال أهل العلم: إنما أرسله بأمر الله ، وفي بعض الآثار: أنه ﷺ لما أوحى الله إليه أن أرسل أحد أصحابك، تحير ﷺ فيمن يرسل ونزل عليه جبريل، وقال: إن الله يقرئك السلام ويقول: أرسل معاذ بن جبل فاستدعاه ﵊ -ونحن نتوخى الأحاديث الصحيحة؛ لأنه قد زيد في قصة معاذ بعض الأحاديث الباطلة الموضوعة- وأرسله إلى اليمن. فاشتد عليه ذلك أيما شدة؛ لأنه سوف يفقد حبيبه ﵊، وسوف يفقد صاحبه الذي يقول له كما في سنن أبي داود وغيره قال: ﴿صليت مع رسول الله ﷺ العصر، فشبك أصابعه مع أصابعي، وقال: يا معاذ والله إني لأحبك، فقال معاذ: والله إني لأحبك يا رسول الله! ثم قال له: لا تدع في دبر كل صلاة أن تقول: اللهم أعني على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك﴾.

стр. 3780

ملاحظات النبي ﷺ على معاذ لم يجعل الرسول ﷺ معاذاً مفوضاً في كل الأمور، بل استدرك عليه بعض الملاحظات. كان معاذ ﵁ فيه بعض الحدة على جودة خلقه وجودة يده وسخائه، فقال له ﷺ كما في الترمذي: ﴿يا معاذ! حسن خلقك للناس﴾ وكان دائماً باسطاً يده ويمينه وكفه. تراه إذا ما جئته متهللاً كأنك تعطيه الذي أنت سائله ولو لم يكن في كفه غير روحه لجاد بها فليتق الله سائله من ملاحظاته ﷺ على معاذ: أن معاذاً -كما في الصحيحين - كان إماماً على قباء عند بني سلمة، فصلى بهم وأطال العشاء، وفي ألفاظ في السنن أنه قرأ بهم سورة البقرة، فأتى أحد الأنصار كان يعمل على ناضح له طيلة يومه يروي النخل، فأقبل الظلام فترك عمله وأتى للصلاة فوجد معاذاً يصلي، فكبر وبدأ معه، فطال عليه الليل وطالت القراءة، ومعاذ ربما كان متفرغاً مرتاحاً همه أن يراجع الآيات وهو جالس في البيت، لكن كثيراً من الأنصار عندهم سقي المزارع رضوان الله عليهم وأرضاهم، فهم أهل كسب ومعيشة. فانتظر هذا الرجل وإذا الليل يسري، فأخذ نفسه وصلى في طرف المسجد، فلما سلم قال الناس: يا أبا عبد الرحمن! إن فلاناً دخل في الصلاة ثم قطعها، فأفتاهم معاذ، قال: ذاك رجل منافق؛ لأنه ظن أنه من لا يصبر على طول الصلاة أنه منافق. فسمع الرجل هذه الفتوى فذهب إلى الرسول ﵊، وطرح القضية بين يديه، قال: يا رسول الله! والله إني لأترك صلاة الغداة مما يطول بنا معاذ، وقد تركت معه صلاة البارحة مما طول بنا، فلما تركت الصلاة قال إني منافق. فاستدعاه ﷺ ، وربما يتوهم متوهم أنه سوف يعطيه جائزة على صبره وحسن قراءته، ولأنه طول بالناس، قال ابن مسعود: ﴿فلما دخل معاذ على رسول الله ﷺ ، تغير وجهه وغضب، ثم التفت إليه وقال: أفتان أنت يا معاذ؟! أفتان أنت يا معاذ؟! ثم قال ﵊: من صلى منكم بالناس فليخفف، فإن فيهم الضعيف والفقير والكبير والصغير وذا الحاجة، ثم قال ﵊: اقرأ بسبح اسم ربك الأعلى، أو والليل إذا يغشى﴾ وهذا في صلاة العشاء وما يناسبها، وهذه من ملاحظاته ﷺ الله وسلم عليه في القول.

стр. 3781

النبي ﷺ يودع معاذاً لما أرسله إلى اليمن وأما من ملاحظات رسول الله عليه في الأفعال: قال الذهبي: صح بأسانيد أنه لما أرسله ﷺ إلى اليمن قال له: ﴿حفظك الله يا معاذ من بين يديك وخلفك، ودرأ الله عنك شياطين الإنس والجن﴾ ثم قال له: ﴿لعلك يا معاذ لا تراني بعد يومي هذا، فأجهش معاذ بالبكاء وجزع، فقال له ﷺ : لا تبكي فإن البكاء من الشيطان﴾ وهذا حديث صحيح. ثم التفت إليه ﷺ فقال: ﴿اتق الله حيثما ما كنت -وهذا أعظم حديث وهو من الأحاديث النووية- وأتبع السيئة الحسنة تمحها، وخالق الناس بخلق حسن﴾ ثم قال: ﴿يا معاذ، اذكر الله عند كل شجر وحجر ومدر﴾ فوصل إلى اليمن، والصحيح أنه وصل إلى بلد الجند، فاستقبله الناس وكان معه قوس ورمح ﵁ وأرضاه- وهو شاب، ثم أخبرهم برسالة رسول الله ﷺ ، فاستقبلوها أيما استقبال، وكان مثالاً للقدوة في التواضع والزهد والتعليم وحسن الخلق، وكان بحق سيداً من سادات العلماء وقائداً من قوادهم العلماء، فمكث هناك حتى توفي ﵊، وجاءه الخبر وكان خبراً مؤسفاً عليه؛ لأنه من أعظم الأخبار التي تلقاها في حياته؛ لأن أحب الناس إليه وأعظمهم عنده وأجلهم هو رسول الله ﷺ . طوى الجزيرة حتى جاءني خبره فزعت فيه بآمالي إلى الكذب حتى إذا لم يدع لي صدقه أملاً شركت بالدمع حتى كاد يشرق بي

стр. 3782

حياة معاذ بعد رجوعه من اليمن علم معاذ أن أبا بكر تولى الخلافة فقدم-﵁ وأرضاه- وعنده بعض الإبل والخيول والمال أخذها من كده وكسبه في اليمن.

стр. 3783

رد معاذ ما كسب من أموال في اليمن إلى أبي بكر لما وصل معاذ إلى المدينة لقيه عمر فاروق الإسلام الذي فرق الله به بين الحق والباطل، والذي ما رآه الشيطان سالكاً فجاً إلا سلك فجاً غير فجه، وقال: يا معاذ! أأرسلك رسول الله للتجارة أم للولاية والتعليم؟! قال: وماذا يا ابن الخطاب؟! قال: ما هذه الخيول والجمال التي عندك؟ قال: أخذتها بكسبي وبتجارتي، قال: لا. أدها إلى أبي بكر، قال: لا. وكلاهما يريد وجه الله، لكن عمر كان فيه صرامة واتجاه وصدق حتى على نفسه يحكمها بحكم الله . فذهب عمر ﵁ إلى أبي بكر وقال: يا خليفة رسول الله! أأرسلتم معاذاً إلى اليمن تاجراً أو معلماً؟! قال: وماذا؟! قال: أتى بإبل وخيل ومال، فحاكمه وناصفه وخذها لبيت المال. وهو يقصد النصيحة، وإلا فوالله إنه يحب معاذاً كما يحب نفسه، وهذا لا نشك فيه؛ لأن الله جعلهم إخوة متحابين كما وصفهم في القرآن أنهم رحماء بينهم. فقال أبو بكر: لا والله لا آخذ مال معاذ، إنه أصدق وأنصح لله ولرسوله من أن يأخذ من بيت المال شيئاً، قال معاذ: فحلمت تلك الليلة وكأنني أساق إلى النار، وكأن عمر يأخذ بحجزي -يعني بأطراف ثيابي يبعدني عن النار- فلما أصبح الصباح، صليت الفجر، فسلمت على عمر واحتضنته وهو يبكي وأنا أبكي، قال: مالك؟! قال: رأيت البارحة كذا وكذا. قال عمر: قلت أما قلت لك ذلك. قال: فذهبت إلى أبي بكر ﵁ وأرضاه حتى بسوطي -أي: بعصاي التي أتيت بها من اليمن - فقلت: يا خليفة رسول الله! والله ما أبقيت في بيتي فرساً ولا جملاً ولا درهماً، ولا ديناراً حتى هذا السوط الذي أتيت به من اليمن خذه، قال أبو بكر: لا. الآن طابت أنفسنا، هو لك حل وبل فخذه. قال: فخرجت فلقيت عمر: قال هو لك حل وبل فخذه، الآن طابت أنفسنا، فاستمر معاذ ﵁ وأرضاه- على هذه الحالة، وكان من المقربين في أصحاب محمد ﵊.

стр. 3784

معاذ يشارك في معركة اليرموك حضر معاذ من المعارك معركة اليرموك، وكان من الصادقين مع الله في تلك المعركة، رؤي أنه أخذ السيف وسلَّه ومده قبل المعركة، وقرأ سورة الأنفال على الناس، قال: أبو سفيان بن حرب، ما سمع أحدٌ معاذ بن جبل يقرأ سورة الأنفال في اليرموك إلا بكى، ثم قال: [[يا أيها الناس: اجثوا على الركب فإن هذا موعود الله، إن الله قد تجلى لكم ، أما ترضون أن يكون الله في صفكم وأن يكون الشيطان في صف أعدائكم؟!]] فجلس الصحابة ومعهم سبعون من أهل بدر، ومنهم معاذ ﵁ فلما أقبل الأعداء زحفوا وكان النصر.

стр. 3785

وفاة معاذ بن جبل ذهب معاذ إلى فلسطين معلماً، ومفقهاً في دين الله، وعمره أربعة وثلاثون وقيل: ثلاثة وثلاثون كما قال الذهبي، فأتته قرحة في كفه اليمني، فعزاه الصحابة وقالوا: لا بأس عليك جعلها الله لك طهوراً وشفاك الله، قال: [[لا والله. أسأل الله أن يكبرها فإنه يكبر الصغير ويبارك في القليل، وأسأل الله أن تكون وفاتي في هذه، والله لقد مللت الحياة، ولو كانت نفسي في يدي لأطلقتها]]. هو ما تمنى الموت، لكنه هكذا قال، وآتاه موعود الله . ولما ابتلي بالطاعون -والطاعون شهادة لكل مسلم- مكث في بلده صابراً محتسباً، رزقه الله الشهادة فهو من الشهداء بلا شك، فحضرته الوفاة وتغشى جسمه بالطاعون حتى أصبح كل جسمه أحمر، فأتوا وهو على الفراش، فسلموا عليه وعزوه. فلما أتى صباح يوم من الأيام صلى الفجر، يومئ إيماءً على فراشه؛ ثم قال لجاريته: [[انظري هل طلع الفجر؟ فنظرت، قالت: لا بعد، فانتظر برهة ثم قال لها: انظري هل طلع الفجر؟ فقالت: طلع، قال: اللهم إني أعوذ بك من صباح إلى النار]] لأن هذا الصباح أول صباح يلقى فيه الله ، وهذا اليوم أول أيام الآخرة، وهذا اليوم آخر أيام الدنيا، يوم يستقبل الإنسان سجل أعماله، ويقبل على الله : ﴿وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَتَرَكْتُمْ مَا خَوَّلْنَاكُمْ وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ وَمَا نَرَى مَعَكُمْ شُفَعَاءَكُمُ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكَاءُ لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ وَضَلَّ عَنْكُمْ مَا كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ﴾ [الأنعام:٩٤]. فيقول: [[أعوذ بالله من صباح إلى النار]] لأن الإنسان إذا مات في الليل إما أن يمسى في الجنة أو يمسي في النار، إما روضة من رياض الجنة أو حفرة من حفر النار، وإذا مات في الصباح فإما أن يصبح في حفرة من حفر النار أو روضة من رياض الجنة، فهو ينظر إلى هذا الصباح الذي أطل عليه ويقول: [[أعوذ بالله من صباح إلى النار]]. ولذلك يقول الحسن البصري: [[يا بن آدم! إنما هما يومان، يوم تصوم فيه ويوم تفطر، فاجعل صيامك في الدنيا عن المحرمات وفطرك عند الله ]]. وهذا صح من كلام سالم بن عبد الله لما كتب لقريبه عمر بن عبد العزيز لما تولى الخلافة، قال: [[يا أمير المؤمنين! اجعل الدنيا يوم صوم تفطره عند الله ]]. فـ معاذ ﵁ يقول: [[اللهم إني أعوذ بك من صباح إلى النار، ثم التفت إلى أهله -وكان عنده ابن فقط اسمه عبد الرحمن -وقال: إني أستودعكم الله الذي لا تضيع ودائعه، ثم قال: اللهم إنك كنت تعلم أني لم أحب الحياة لغرس الأشجار، ولا لجري الأنهار، ولا لعمارة الدور، ولا لرفع القصور، ولكن كنت أحب الحياة لمزاحمة العلماء بالركب في حلق الذكر، ولصيام الهواجر، ولقيام الليل]]. فقبض ﵁ وأرضاه- وتأسف عليه الناس أيما أسف، وأصابتهم حسرة، وكان ممن قال فيهم عمر ﵁: [[والله لقد هممت أن أوصي بالخلافة بعدي لـ معاذ، فإذا سألني الله يوم القيامة، أقول: سمعت رسولك محمد ﷺ يقول: معاذ يأتي يوم القيامة، يتقدم العلماء برتوة]] أي: قبلهم بخطوات وبمسافة يقودهم إلى الجنة، هذا هو معاذ بن جبل الحبيب المحبوب، والذي كان من أجلِّ أصحاب رسول الله ﷺ . قال عمر لخادمه: خذ هذه الدراهم وسلمها إلى أبي عبيدة وانتظر عنده قليلاً وانظر ماذا يفعل بها؟ فذهب بها فلما أعطاها أبا عبيدة، قال أبو عبيدة: وصله الله ورحمه -يقصد عمر - ثم وزعها على جيرانه ومساكين الحي ثم نفذت فلما انتهى ورجع الخادم قال: خذ هذه الدراهم، وسلمها لـ معاذ بن جبل وتلهى في بيته قليلاً، فلما أعطاها معاذاً وجلس عنده وتلهى، فأخذ معاذ خادمة وقال: يهذا بذهب إلى فلان، وبهذا إلى فلان، حتى ما أبقى درهماً واحداً، فلما وصل إلى عمر، دمعت عينا عمر وتلا قوله تعالى: ﴿﴾ [آل عمران:٣٤]. وأثر في ترجمة معاذ: أن عمر ﵁ وأرضاه- صلى بالناس الفجر فالتفت إلى الناس وقال: [[يا أيها الناس: يا أصحاب محمد والله الذي لا إله إلا هو، إني لأشتاق إلى الواحد منكم فأبيت سهران لا يأتيني النوم حتى أصبح، ولقد اشتقت اليوم لـ معاذ بن جبل، فقام هو ومعاذ يتعانقان ويبكيان]]. فهذا معاذ ﵁ وأرضاه بقي له حديث واحد، قال: ابن القيم في مدارج السالكين -وهذا الحديث في مسند أحمد - " ثبت أن عمر مر بقبر الرسول ﷺ ، فوجد معاذاً جالساً عنده يبكي قال: مالك، قال سمعت رسول الله ﷺ يقول: ﴿إن أدنى الرياء شرك﴾ وإن أحب الناس إلى الله كما قال: الذين إذا حضروا لم يعرفوا، وإذا غابوا لم يفتقدوا، أولئك مصابيح الدجى يخرجون من فتنة مدلهمة، رضي الله عن معاذ وأرضاه، ورضي الله عن أصحاب محمد رسول الله ﷺ ، ونسأل الله أن يحشرنا في زمرتهم.
следующие страницы →