Полный текст (10 391 стр.). Показаны 3781–3820 · переход к 3786.
стр. 3781
النبي ﷺ يودع معاذاً لما أرسله إلى اليمن
وأما من ملاحظات رسول الله عليه في الأفعال:
قال الذهبي: صح بأسانيد أنه لما أرسله ﷺ إلى اليمن قال له: ﴿حفظك الله يا معاذ من بين يديك وخلفك، ودرأ الله عنك شياطين الإنس والجن﴾ ثم قال له: ﴿لعلك يا معاذ لا تراني بعد يومي هذا، فأجهش معاذ بالبكاء وجزع، فقال له ﷺ : لا تبكي فإن البكاء من الشيطان﴾ وهذا حديث صحيح.
ثم التفت إليه ﷺ فقال: ﴿اتق الله حيثما ما كنت -وهذا أعظم حديث وهو من الأحاديث النووية- وأتبع السيئة الحسنة تمحها، وخالق الناس بخلق حسن﴾ ثم قال: ﴿يا معاذ، اذكر الله عند كل شجر وحجر ومدر﴾ فوصل إلى اليمن، والصحيح أنه وصل إلى بلد الجند، فاستقبله الناس وكان معه قوس ورمح ﵁ وأرضاه- وهو شاب، ثم أخبرهم برسالة رسول الله ﷺ ، فاستقبلوها أيما استقبال، وكان مثالاً للقدوة في التواضع والزهد والتعليم وحسن الخلق، وكان بحق سيداً من سادات العلماء وقائداً من قوادهم العلماء، فمكث هناك حتى توفي ﵊، وجاءه الخبر وكان خبراً مؤسفاً عليه؛ لأنه من أعظم الأخبار التي تلقاها في حياته؛ لأن أحب الناس إليه وأعظمهم عنده وأجلهم هو رسول الله ﷺ .
طوى الجزيرة حتى جاءني خبره فزعت فيه بآمالي إلى الكذب
حتى إذا لم يدع لي صدقه أملاً شركت بالدمع حتى كاد يشرق بي
стр. 3782
حياة معاذ بعد رجوعه من اليمن
علم معاذ أن أبا بكر تولى الخلافة فقدم-﵁ وأرضاه- وعنده بعض الإبل والخيول والمال أخذها من كده وكسبه في اليمن.
стр. 3783
رد معاذ ما كسب من أموال في اليمن إلى أبي بكر
لما وصل معاذ إلى المدينة لقيه عمر فاروق الإسلام الذي فرق الله به بين الحق والباطل، والذي ما رآه الشيطان سالكاً فجاً إلا سلك فجاً غير فجه، وقال: يا معاذ! أأرسلك رسول الله للتجارة أم للولاية والتعليم؟! قال: وماذا يا ابن الخطاب؟! قال: ما هذه الخيول والجمال التي عندك؟ قال: أخذتها بكسبي وبتجارتي، قال: لا.
أدها إلى أبي بكر، قال: لا.
وكلاهما يريد وجه الله، لكن عمر كان فيه صرامة واتجاه وصدق حتى على نفسه يحكمها بحكم الله .
فذهب عمر ﵁ إلى أبي بكر وقال: يا خليفة رسول الله! أأرسلتم معاذاً إلى اليمن تاجراً أو معلماً؟! قال: وماذا؟! قال: أتى بإبل وخيل ومال، فحاكمه وناصفه وخذها لبيت المال.
وهو يقصد النصيحة، وإلا فوالله إنه يحب معاذاً كما يحب نفسه، وهذا لا نشك فيه؛ لأن الله جعلهم إخوة متحابين كما وصفهم في القرآن أنهم رحماء بينهم.
فقال أبو بكر: لا والله لا آخذ مال معاذ، إنه أصدق وأنصح لله ولرسوله من أن يأخذ من بيت المال شيئاً، قال معاذ: فحلمت تلك الليلة وكأنني أساق إلى النار، وكأن عمر يأخذ بحجزي -يعني بأطراف ثيابي يبعدني عن النار- فلما أصبح الصباح، صليت الفجر، فسلمت على عمر واحتضنته وهو يبكي وأنا أبكي، قال: مالك؟! قال: رأيت البارحة كذا وكذا.
قال عمر: قلت أما قلت لك ذلك.
قال: فذهبت إلى أبي بكر ﵁ وأرضاه حتى بسوطي -أي: بعصاي التي أتيت بها من اليمن - فقلت: يا خليفة رسول الله! والله ما أبقيت في بيتي فرساً ولا جملاً ولا درهماً، ولا ديناراً حتى هذا السوط الذي أتيت به من اليمن خذه، قال أبو بكر: لا.
الآن طابت أنفسنا، هو لك حل وبل فخذه.
قال: فخرجت فلقيت عمر: قال هو لك حل وبل فخذه، الآن طابت أنفسنا، فاستمر معاذ ﵁ وأرضاه- على هذه الحالة، وكان من المقربين في أصحاب محمد ﵊.
стр. 3784
معاذ يشارك في معركة اليرموك
حضر معاذ من المعارك معركة اليرموك، وكان من الصادقين مع الله في تلك المعركة، رؤي أنه أخذ السيف وسلَّه ومده قبل المعركة، وقرأ سورة الأنفال على الناس، قال: أبو سفيان بن حرب، ما سمع أحدٌ معاذ بن جبل يقرأ سورة الأنفال في اليرموك إلا بكى، ثم قال: [[يا أيها الناس: اجثوا على الركب فإن هذا موعود الله، إن الله قد تجلى لكم ، أما ترضون أن يكون الله في صفكم وأن يكون الشيطان في صف أعدائكم؟!]] فجلس الصحابة ومعهم سبعون من أهل بدر، ومنهم معاذ ﵁ فلما أقبل الأعداء زحفوا وكان النصر.
стр. 3785
وفاة معاذ بن جبل
ذهب معاذ إلى فلسطين معلماً، ومفقهاً في دين الله، وعمره أربعة وثلاثون وقيل: ثلاثة وثلاثون كما قال الذهبي، فأتته قرحة في كفه اليمني، فعزاه الصحابة وقالوا: لا بأس عليك جعلها الله لك طهوراً وشفاك الله، قال: [[لا والله.
أسأل الله أن يكبرها فإنه يكبر الصغير ويبارك في القليل، وأسأل الله أن تكون وفاتي في هذه، والله لقد مللت الحياة، ولو كانت نفسي في يدي لأطلقتها]].
هو ما تمنى الموت، لكنه هكذا قال، وآتاه موعود الله .
ولما ابتلي بالطاعون -والطاعون شهادة لكل مسلم- مكث في بلده صابراً محتسباً، رزقه الله الشهادة فهو من الشهداء بلا شك، فحضرته الوفاة وتغشى جسمه بالطاعون حتى أصبح كل جسمه أحمر، فأتوا وهو على الفراش، فسلموا عليه وعزوه.
فلما أتى صباح يوم من الأيام صلى الفجر، يومئ إيماءً على فراشه؛ ثم قال لجاريته: [[انظري هل طلع الفجر؟ فنظرت، قالت: لا بعد، فانتظر برهة ثم قال لها: انظري هل طلع الفجر؟ فقالت: طلع، قال: اللهم إني أعوذ بك من صباح إلى النار]] لأن هذا الصباح أول صباح يلقى فيه الله ، وهذا اليوم أول أيام الآخرة، وهذا اليوم آخر أيام الدنيا، يوم يستقبل الإنسان سجل أعماله، ويقبل على الله : ﴿وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَتَرَكْتُمْ مَا خَوَّلْنَاكُمْ وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ وَمَا نَرَى مَعَكُمْ شُفَعَاءَكُمُ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكَاءُ لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ وَضَلَّ عَنْكُمْ مَا كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ﴾ [الأنعام:٩٤].
فيقول: [[أعوذ بالله من صباح إلى النار]] لأن الإنسان إذا مات في الليل إما أن يمسى في الجنة أو يمسي في النار، إما روضة من رياض الجنة أو حفرة من حفر النار، وإذا مات في الصباح فإما أن يصبح في حفرة من حفر النار أو روضة من رياض الجنة، فهو ينظر إلى هذا الصباح الذي أطل عليه ويقول: [[أعوذ بالله من صباح إلى النار]].
ولذلك يقول الحسن البصري: [[يا بن آدم! إنما هما يومان، يوم تصوم فيه ويوم تفطر، فاجعل صيامك في الدنيا عن المحرمات وفطرك عند الله ]].
وهذا صح من كلام سالم بن عبد الله لما كتب لقريبه عمر بن عبد العزيز لما تولى الخلافة، قال: [[يا أمير المؤمنين! اجعل الدنيا يوم صوم تفطره عند الله ]].
فـ معاذ ﵁ يقول: [[اللهم إني أعوذ بك من صباح إلى النار، ثم التفت إلى أهله -وكان عنده ابن فقط اسمه عبد الرحمن -وقال: إني أستودعكم الله الذي لا تضيع ودائعه، ثم قال: اللهم إنك كنت تعلم أني لم أحب الحياة لغرس الأشجار، ولا لجري الأنهار، ولا لعمارة الدور، ولا لرفع القصور، ولكن كنت أحب الحياة لمزاحمة العلماء بالركب في حلق الذكر، ولصيام الهواجر، ولقيام الليل]].
فقبض ﵁ وأرضاه- وتأسف عليه الناس أيما أسف، وأصابتهم حسرة، وكان ممن قال فيهم عمر ﵁: [[والله لقد هممت أن أوصي بالخلافة بعدي لـ معاذ، فإذا سألني الله يوم القيامة، أقول: سمعت رسولك محمد ﷺ يقول: معاذ يأتي يوم القيامة، يتقدم العلماء برتوة]] أي: قبلهم بخطوات وبمسافة يقودهم إلى الجنة، هذا هو معاذ بن جبل الحبيب المحبوب، والذي كان من أجلِّ أصحاب رسول الله ﷺ .
قال عمر لخادمه: خذ هذه الدراهم وسلمها إلى أبي عبيدة وانتظر عنده قليلاً وانظر ماذا يفعل بها؟ فذهب بها فلما أعطاها أبا عبيدة، قال أبو عبيدة: وصله الله ورحمه -يقصد عمر - ثم وزعها على جيرانه ومساكين الحي ثم نفذت فلما انتهى ورجع الخادم قال: خذ هذه الدراهم، وسلمها لـ معاذ بن جبل وتلهى في بيته قليلاً، فلما أعطاها معاذاً وجلس عنده وتلهى، فأخذ معاذ خادمة وقال: يهذا بذهب إلى فلان، وبهذا إلى فلان، حتى ما أبقى درهماً واحداً، فلما وصل إلى عمر، دمعت عينا عمر وتلا قوله تعالى: ﴿﴾ [آل عمران:٣٤].
وأثر في ترجمة معاذ: أن عمر ﵁ وأرضاه- صلى بالناس الفجر فالتفت إلى الناس وقال: [[يا أيها الناس: يا أصحاب محمد والله الذي لا إله إلا هو، إني لأشتاق إلى الواحد منكم فأبيت سهران لا يأتيني النوم حتى أصبح، ولقد اشتقت اليوم لـ معاذ بن جبل، فقام هو ومعاذ يتعانقان ويبكيان]].
فهذا معاذ ﵁ وأرضاه بقي له حديث واحد، قال: ابن القيم في مدارج السالكين -وهذا الحديث في مسند أحمد - " ثبت أن عمر مر بقبر الرسول ﷺ ، فوجد معاذاً جالساً عنده يبكي قال: مالك، قال سمعت رسول الله ﷺ يقول: ﴿إن أدنى الرياء شرك﴾ وإن أحب الناس إلى الله كما قال: الذين إذا حضروا لم يعرفوا، وإذا غابوا لم يفتقدوا، أولئك مصابيح الدجى يخرجون من فتنة مدلهمة، رضي الله عن معاذ وأرضاه، ورضي الله عن أصحاب محمد رسول الله ﷺ ، ونسأل الله أن يحشرنا في زمرتهم.
стр. 3786
وقفات مع عمر بن الخطاب
стр. 3787
موقف عمر مع أبي هريرة لما بشر الناس بالجنة
يقول أبو هريرة ﵁ وأرضاه: دخل رسول الله ﷺ بستان رجل من الأنصار، فالتمسناه فلم نجده؛ وكان الصحابة إذا فقدوا رسول الله ﷺ ساعة ذهبوا ليلتمسوه؛ لأنهم يريدون أن يجلسوا مع هذا النور الذي دقائقه تعادل السنوات من كثير من سنوات الصالحين، ومكسب عظيم أن يجلس المرء مع الرسول ولو ساعة، فهو رسول الهدى وأعظم من خلق الله.
يقول: فالتمسناه فلم نجده، فذهبنا بدداً -أي: انتشرنا- لنجد رسول الله ﷺ ، قال: فأتيت فسمعت حسه ﷺ في المزرعة، فأتيت إلى قائد ماء، أي ساقية يدخل فيها الماء، وكان الأنصار يسقون مزارعهم فكان لكل واحد منهم قائداً.
قال: فجمعت ثيابي -كما في رواية مسلم - فدخلت كالثعلب من هذا المكان، فرأيت الرسول ﷺ ، فلما رآني ﷺ قال: يا أبا هر -كان رسول الله يمازحه- قلت: نعم.
بأبي أنت وأمي يا رسول الله! قال: خذ نعلي هاتين واخرج فمن لقيت من الناس يشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله فبشره بالجنة، فأخذ ﵁ نعلي الرسول وضمهما.
قال: ثم جمعت نفسي وخرجت، قال: ثم لقيت الناس، وقلت: يا عباد الله! من يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله فإن رسول الله ﷺ يبشره بالجنة، قال: فلقيني ابن الخطاب -أي: عمر بن الخطاب ﵁ وأرضاه- قال: وما جاوزت المكان كثيراً، فجمع يديه، ثم ضربني في صدري فوقعت على قفاي، قال: أتبشر الناس فيتكلوا؟! عد إلى رسول الله ﷺ .
قال: فأخذت النعلين وفي رواية في الصحيحين فبكيت بكى إما من شدة الضربة وإما من هذا العنف، أو لأنه عطل المهمة التي أرسله رسول الله لها، والتي فيها بشارة للناس وأجراً في الآخرة، فرده عمر من حيث أتى.
قال: فدخلت على رسول الله ﷺ وأنا أبكي وقلت: يا رسول الله! فعل بي عمر كذا وكذا، فتبسم ﷺ ، قال: ادع عمر، فدعوت عمر، فدخل عمر ﵁.
فقال ﷺ : مالك؟! قال: يا رسول الله! أتخبر الناس أن من شهد أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله أنه يدخل الجنة فيتكلوا؟!! قال: صدقت، فلا تخبرهم.
وهذا من رأيه الحصيف، ومن قوة نظره وفكره، فإنه من عمالقة العالم.
стр. 3788
وقفة مع فراسة عمر
قال الإمام الذهبي: هو من أذكياء الدنيا بلا شك، فإن الله آتاه من سداد البصيرة -حتى في الجاهلية- ومن قوة النظر والإدراك ما جعل السكينة تنطق على لسانه، يأتي بالكلمة فيأتي الوحي مؤيداً ومسانداً لها، وهذا من شدة الفرقان في قلبه؛ لأن الله علم صدقه وإخلاصه، فنور قلبه، كما قال الله : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَاناً وَيُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾ [الأنفال:٢٩].
يقول: ابن تيمية: "فلشدة فرقانة ﵁ وللنور الذي في قلبه جعل الله كلامه يصيب الحقيقة بلا شك" حتى في صحيح البخاري يقول ابن عمر: [[كنا نتحدث أن السكينة تنطق على لسان عمر، وكان لا يقول للشيء كذا إلا أتى]].
كما قال عمر وهو جالس مع الصحابة في المدينة يتحدث بعد صلاة العصر، وإذا برجل قد انحدر من جبل، فقال عمر: أتدرون ما خبر ذلك؟ قالوا: ما ندري! قال: هذا إما ساحر وإما كاهن وترك وديعة في الجبل وأتى.
فأتى الرجل وجلس بين الصحابة فقال عمر ﵁: يا فلان! قال: نعم، قال: قد كنت ساحراً أو أنت ساحر، وتركت وديعة في الجبل؟ قال: والله ما استقبلني أحد من العرب بمثل ما استقبلتني اليوم يا أمير المؤمنين -أي: كان ينتظر أن يقول له: حياك الله وأهلاً وسهلاً -فقال: أأنت ساحر أو كاهن؟ فسكت الرجل، فقال عمر: أسألك بالله إلا صدقتني، فقال: أما وقد سألتني فأنا سواد بن قارب كاهن العرب، هو كاهن العرب على الإطلاق وليس كاهن قومه، قال عمر ﵁: وماذا تركت في الجبل؟ قال: مات ابني -يا أمير المؤمنين- في الصباح، فحفرت له وصليت عليه ودفنته؛ لأنه أسلم في عهد الرسول ﷺ وله قصيدة عند ابن هشام يقول:
فكن لي شفيعاً يوم لاذو شفاعة بمغنٍ فتيلاً عن سواد بن قارب
فوقع أمر عمر ﵁ وأرضاه حتى إن أمراء عمر على الأقاليم كانوا إذا أتى يحاسبهم تحرجوا أيما حرج، لأنه سوف يكشفهم بإذن الله.
стр. 3789
محاسبة عمر للربيع بن زياد
يقول الربيع بن زياد:
ولاني عمر على الكوفة فجمعت الأموال وأتيت أحاسبه في المدينة، فأتاني من الهم ما قرب وما بعد، قلت: إن هذا الرجل سوف يكشف ما عندي وإن أخفيت عنه شيئاً فسوف يظهره الله، قال: فلما جلست عليه كان يسألني فكنت أتحفظ في كل كلمة -حتى لما دخل المدينة كان ثوبه غالياً وثميناً- فلما قربت من المدينة، نزلت عن راحلتي وطويت ذلك الثوب الثمين وشريت ثوباً بثمانية دراهم ولبسته حتى يظهر النسك والزهد أمام عمر ﵁ وأرضاه.
قال: فلما دخلت على عمر قال: أخذ يلمس هذا الثوب، قال: أتيت بشيء، قال: أتيت بالأموال يا أمير المؤمنين، قال: يا فلان! اذهب وائتي بالراحلة، ما أرسل الرجل هذا إلا لأنه سوف يخفي الثوب، قال: فذهب ذاك فأتى بالراحلة فأناخها عنده، فقام ليفتشها فوجد الثوب.
قال: لمن هذا الثوب؟ قلت: لي يا أمير المؤمنين، قال: أتلبس لي ثوباً بثمانيه دراهم، وتلبس لله ثوباً بخمسين درهماً؟!
قال: فما زلت أتحفظ حتى ظننت أني انتهيت من المحاسبة، قال: ثم قلت كلمة ليتني ما قلتها، قالوا: وماذا قلت؟! قال: قلت: يا أمير المؤمنين! أنت أولى الناس بالمطعم الهنيء، والملبس الرضي، والمطعم الشهي، قال: أنا؟! قلت: أنت، قال: انتظرني قليلاً، قال: فضربني فأخذ خشبة فظربني على رأسي قال: اذهب، والله لا تلي لي عملاً أبداً، أي: لا تتولى لي عملاً.
стр. 3790
محاسبة عمر لعمرو بن العاص
ذكر الذهبي عن عمرو بن العاص أنه قال: أتيت بأموال من مصر ففقدت بعضها وذكرت بعضها، ونسيت بعضها وحفظت بعضها، فلما دخلت المدينة أتاني من الهم ما قرب وما بعد، وقلت: سوف يحاسبني أمير المؤمنين عمر على كل قليل وكثيرٍ.
وكان عمرو بن العاص من دهاة العرب، فإذا لم يخرج نفسه من هذه الورطة فمتى يخرجها؟
قال: فانتظرت حتى أتى بعض الأمراء والولاة على الأقاليم؛ لأن عمر كان يحكم العراق والشام ومصر واليمن، أقاليم كثيرة وواسعة.
قال: فانتظرت حتى أتى الأمراء وجلسوا بجانب عمر، فلما أتى يحدثهم دخلت -ليحاسبه في هذه الزحمة- فلما جلست معه، قلت: يا أمير المؤمنين! قال: تكلم، قلت: يبدأ من هو أكبر مني، قال: فتكلم معاوية، فلما تكلم قاطعت معاوية فقال معاوية: أتقاطعني يا لكع؟ يقول عمرو: فلطمت وجهه، فقام عمر ﵁ قال: ادعوا لي أبا سفيان، أتت مشكلة غير مشكلة المحاسبة، فدعوا أبا سفيان، فقال: إن هذا لطم ابنك فإن تجعلها لله يثيبك خيراً منها، قال: قد جعلتها لله، قال: فقم قبل على رأسه ويقبلك على رأسك، قال: فقبلت رأسه وقبل رأسي وقلت في أثناء ذلك: يا أمير المؤمنين! خذ هذه الأموال واتركني أذهب، فذهب فما حاسبه، ذكر ذلك الذهبي وابن كثير في سيرهم عن عمرو بن العاص ﵁ أرضاه وهذا من فقهه.
стр. 3791
الأسئلة
стр. 3792
سبب اختيار معاذ لدعوة أهل اليمن
السؤال
لماذا اختير معاذ إلى اليمن؟
الجواب
عند أهل العلم أن الرسول ﵊ كان يعرف رجال المواقف، يعرف كل رجل ومؤهلاته فيجعله رسول الله ﷺ في الجانب الذي يريده، وهذا من حكمته ﷺ ، فهو يضع الأمور في موضعها
ووضع الندى في موضع السيف بالعلى مضر كوضع السيف في موضع الندى
فأهل اليمن لما كانوا أهل كتاب، وكان معاذ هو حامل القرآن، وما اختار لهم رجلاً عسكرياً ولا اقتصادياً ولا سياسياً؛ لأن عمر في الإدارة هو البارع في الصحابة، وأبو ذر في الزهد، وابن عباس في تأويل القرآن والفتوى، لكن يحتاج أهل اليمن إلى فقيه يعلم الحلال والحرام ويعلم فقه الدعوة، فاختار ﷺ معاذاً ﵁ وأرضاه وأرسله.
стр. 3793
متى دخلت الديانة اليهودية إلى اليمن ؟
السؤال
متى دخلت اليهودية اليمن؟
الجواب
قال أهل السير ومنهم ابن إسحاق: دخلت اليهودية اليمن في عهد أسعد بن كرب وهو جد العرب، ولهذا قال: ﷺ : ﴿إنك تأتي قوماً أهل كتاب﴾.
стр. 3794
فائدة قول النبي ﷺ (إنك تأتي قوماً أهل كتاب)
السؤال
ما فائدة قول الرسول ﵇ ﴿إنك تأتي قوماً أهل كتاب﴾؟
الجواب
الفائدة عند أهل العلم: أن يأخذ حذره في الدعوة وفي أساليب الدعوة وفي توجيه كلام الناس، فيقول: المدعوون أمامك أهل كتاب فانتبه لعقولهم وفهمهم؛ لأن الرسول ﷺ أمر أن يكلم الناس على قدر عقولهم، فانتبه واعرض عليهم عرض من يعلم أنه يخاطب أهل كتاب.
ولذلك فرق بين أن يخاطب الإنسان طلبة علم، أو من كان على درجة من المعرفة، وبين من يخاطب أناساً في البادية ما عرفوا من الإسلام شيئاً كالأعراب، وهذا من فقه الدعوة، فإن بعض الناس -وربما قد يكون هذا غير موجود ولكن من باب ضرب المثل- إذا أتى إلى البادية وهم لا يعرفون الوضوء ولا الصلاة، ولا الغسل من الجنابة، ولا يعرفون عن أمور الدين الأساسية فمن الخطأ أن يتحدث لهم عن الربا، أو البنوك الربوية، أو الفكر الإسلامي، أو أسس الدعوة، أو الكلمات المنفوشة والضخمة التي تنطلق من أطر وتنصهر في بوتقة، فينظرون إليه وكأنه يتكلم لهم بالإنجليزي.
ورجل آخر إذا أتى في مجتمعٍ قد عرف الدين والطهارة وعرف أركان الإسلام وأصبح يتلمس إلى الدقائق، أتى إليهم وقال: يا أيها الناس: يجب على الإنسان أن يغتسل من الجنابة وهو واجب، من تركه يعذب.
والرسول ﷺ يقول: إنك تأتي أهل كتاب فانتبه إليهم وادعهم كأهل الكتاب، ثم قال: ﵊: ﴿وليكن أول ما تدعوهم إليه شهادة أن لا إله إلا الله وأني رسول الله﴾ وهذا هو التدرج في الدعوة، وهذه هي حكمته ﷺ ، كما قال تعالى: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي﴾ [يوسف:١٠٨] فإنه يبدأ بأسس الدين وأسس العقائد قبل أن يخاطب الناس في أمور جانبية ولو أنها من السنة، كمن يأتي إلى أناس لا يصلون ولا يصومون ولا يحجون ولا يعتمرون ولا يزكون فيقول: يا أيها الناس: يجب عليكم أن تعفوا لحاكم، فقد صح في تربية اللحى عشرة أحاديث، أيربون اللحى وهم فسقة مردة لا يعرفون من الدين شيئاً.
أو يأتي إلى أناس آخرين قد شهدوا أن لا إله إلا الله، وأصبحوا في العلم والفهم والفقه على درجة عظيمة فأتى يقول: يا أيها الناس: قولوا: لا إله إلا الله، وهم يقولون: لا إله إلا الله وإن كان مقصوده تجديد الإيمان، فهذا وارد وإن كان المقصود أنهم كفرة، فهذا مخطئ.
فالرسول ﵊ يقول: ﴿وليكن أول ما تدعوهم إليه شهادة أن لا إله إلا الله﴾ فالواجب على الداعية بدايةً هو الدعوة إلى التوحيد، ولكل مقام مقال، والداعية أو طالب العلم أو الأستاذ أو المربي أو الموجه يعرف ما هي حاجة الناس.
ولذلك يشترط في مجال الدعوة أن الداعية يعرف أحوال الناس، ولذلك قال أهل التفسير: إن الله بعث الأنبياء من أقوامهم ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ﴾ [إبراهيم:٤] وقال فيه ﷺ : ﴿وَمَا صَاحِبُكُمْ بِمَجْنُونٍ﴾ [التكوير:٢٢]
وقالوا: ﴿وَقَالُوا مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الأَسْوَاقِ ِ﴾ [الفرقان:٧] كيف يكون منا؟ فأخبرهم : أنه لو أنزل عليهم ملكاً من السماء لما آمنوا ولكفروا به.
إذاً: فالله أرسل محمداً ﷺ إلى الناس يجوع كما يجوعون، ويشبع كما يشبعون، ويغضب كما يغضبون، ويعرف المشكلات والآمال والآلام التي يعيشها أتباعه ﵊، ولذلك هداهم الله به، ولو كان ملكاً لما استطاع أن يتلاءم معهم، قال: ﴿ليكن أول ما تدعوهم شهادة أن لا إله إلا الله وأني رسول الله﴾ وأن هذه هي دعوته ﵊ ودعوة كل نبي وكل رسول عليهم الصلاة والسلام، كل نبي يقول: اعبدوا الله ما لكم من إله غيره، وأسعد الناس بشفاعته ﷺ من قال: لا إله إلا الله مخلصاً من قلبه.
стр. 3795
حكم صلاة الوتر والضحى والسنن الرواتب
﴿ليكن أول ما تدعوهم إليه شهادة أن لا إله إلا الله وأني رسول الله، قال: فإن هم أجابوك لذلك؛ فأخبرهم أن الله افترض عليهم خمس صلوات في اليوم والليلة﴾.
أخذ أهل العلم من هذا الحديث: أنه لا يجب الوتر ولا ركعتي الضحى ولا السنن الرواتب، وإنما هي سنن فيها المؤكدة وفيها المستحب؛ لأن الله أوجب على رسوله وعلى المسلمين خمس صلوات في اليوم والليلة فقط.
وفي الصحيحين عن أبي طلحة، قال: ﴿كنا جلوساً مع رسول الله ﷺ ، قال: فقدم رجل من أهل نجد ثائر الرأس من الغبار والشعث، نسمع دوي صوته ولا نسمع ما يقول، فقال رسول الله: مالك؟! فإذا هو يسأل عن الإسلام، فقال ﵊: الإسلام أن تشهد أن لا إله إلا الله، وأني رسول الله، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتحج البيت قال الرجل: والله! لا أزيد على ذلك ولا أنقص، فانصرف ثم قال ﵊: أفلح وأبيه إن صدق﴾ أو كما قال ﵊.
فالصلوات الخمس المرتبة الثانية بعد شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، وبعض الناس يقولون: من قال أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله يكفي هذا ويدخل الجنة للأحاديث التي وردت وسبق ذكرها، وسواء صلى بعض الصلوات أو ترك البعض أو صلاها كلها فلا شيء عليه، وهذا ليس بصحيح، ومن قال ذلك فقد أخطأ خطأً بيناً وغلط غلطاً فاحشاً، بل من ترك الصلاة فقد كفر وبرئت منه الذمة، واستبيح دمه وعرضه وماله، نسأل الله العفو والعافية، فالصلوات الخمس في اليوم والليلة هي الفرائض التي افترضها الله على عباده.
فقال ﵊: ﴿فإن هم أطاعوك لذلك﴾ أي بعد الصلوات الخمس، وقال أهل العلم: ليس المعنى أنهم إذا لم يطيعوا فلا يخبرهم بما بعدها، فهذا ليس بصحيح وليس بوارد، وإنما درج لـ معاذ الأمور المهمة التي يدعو الناس إليها.
стр. 3796
دعوة المظلوم
قال ﵊: ﴿وإياك وكرائم أموالهم واتق دعوة المظلوم﴾ الكرائم جمع كريمة، يقول: أنت جامع للصدقة وللزكاة فلا تأخذ أحسن الشيء من الغنم والبقر والإبل، فإنها من كرائم الأموال، والكرائم هي النفائس الغالية، ثم قال ﵊: ﴿واتق دعوة المظلوم فإنه ليس بينها وبين الله حجاب﴾ أي ترتفع إلى الله ولا يردها راد.
وهل يفهم من الحديث أن بين الله وبين خلقه حجاب إلا فيما بينه وبين دعوة المظلوم؟
لا.
لأن الله له معية ، فمعيته للكافر بالرصد وبالإحاطة وبالمحاسبة وبالمراقبة، ومعيته للمؤمن بالنصرة والتأييد والحفظ والرعاية، وفي صحيح مسلم عن أبي موسى ﵁ وأرضاه- قال: قال رسول الله ﷺ : ﴿إن الله لا ينام ولا ينبغي له أن ينام، يخفض القسط ويرفعه، حجابه النور لو كشفه لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره﴾ .
وهناك فائدة عند كلمة (لا ينام) في سيرة موسى ﵇ -كما ذكرها أهل التفسير-: أنه كلم الله ﵎ فقال: يا رب أتنام؟ فقال: يا موسى! لا تنم هذه الليلة، فما نام موسى تلك الليلة، فلما أتت الليلة الثانية قال: يا موسى! لا تنم، فما نام، فلما أتت الثالثة قال: يا موسى! لا تنم فما نام، فلما أتت الرابعة قال يا موسى: خذ قارورتين ثم املأهما ماءً ثم قف هذه الليلة من المساء حتى الصباح ولا تجلس، فوقف موسى ﵇ وكان ينعس وتكاد تلتطم القارورتان، وعند الفجر لطم بين القارورتين فتكسرتا.
فكلمه الله وقال: إني لا أنام ولا ينبغي لي أن أنام، وإني لو نمت لوقعت السماء على الأرض، قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولا وَلَئِنْ زَالَتَا إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ﴾ [فاطر:٤١].
فهو سبحانه الحي القيوم لا تأخذه سنة ولا نوم، هذه فائدة عند كلمة "لا ينام" ولكن الشاهد في الحديث: "حجابه النور" أنه لا يحجبه نور عن خلقه، وإنما هو يراهم، بل يرى النملة السوداء على الصخرة الصماء في الليلة الظلماء، ويعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور.
قال أهل العلم: أي أخفى من السر الذي ما علمه العبد الذي هو صاحب السر، أنت تريد أن تسر شيئاً وقبل أن تسر شيئاً وقبل أن تدري أنت فإن الحي القيوم يعلمه، فهذا هو معنى يعلم السر وأخفى.
стр. 3797
الدعوة إلى التوحيد
وهي شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله، والإسلام كله توحيد ينبع من محبة الله ، ولابد أن توحد الله في المحبة، والعمل توحيد وهو المسمى بالتوحيد العملي الذي يذكره ابن تيمية ويقصد به توحيد العبادة، والتوحيد: معناه الأدب والسلوك مع الله مع توحيد القصد والإرادة، ومن جهة أخرى ينقسم التوحيد إلى ثلاثة أقسام: توحيد الألوهية والربوبية والأسماء والصفات وهو بهذا يشمل الإسلام كله، فكل الإسلام توحيد.
стр. 3798
الكفار مخاطبون بفروع الشريعة
السؤال
هل الكفار مخاطبون بفروع الشريعة؟
وهل يخاطبهم الله ويقول: لماذا لم تصلوا يوم القيامة؟ أو لماذا لم تزكوا؟
الجواب
ذهب كثير من أهل العلم إلى أن الكفار ليسوا مخاطبين بفروع الشريعة، ودليل ذلك قول الرسول ﵊ لـ معاذ: ﴿فإن هم أجابوك لذلك، فأخبرهم بخمس صلوات﴾ فدل ذلك على أنهم إذا لم يوحدوه فلا يسألهم عن هذا، لكن في القرآن: يقول الله للكفار: ﴿قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ * وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ * وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ﴾ [المدثر:٤٣ - ٤٤] فالله أنبأهم على لسان الملائكة، فاعترفوا أنهم لم يكونوا من المصلين ولم يطعموا المسكين، كأنهم مخاطبون، والصحيح: أن الله يحاسبهم على كل ما تركوه من الإسلام، ولكنهم غير مطالبين بها حتى يسلموا؛ لأنهم تركوا أعظم أصل وهو التوحيد.
стр. 3799
حكم نقل الزكاة إلى بلد آخر
السؤال
هل الزكاة خاصة بأهل البلد فقط؟
الجواب
يقول ﵊: ﴿ثم أخبرهم أن الله افترض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم وترد على فقرائهم﴾ في هذا دليل أن الزكاة والصدقة تصرف في فقراء البلد، فلا تؤخذ مثلاً من أبها إلى الطائف حتى ينتهي مثلاً فقراء أهل أبها وتصرف فيهم وهذا هو مفهوم هذا الحديث، وأخذ به الإمام أحمد ومالك وكثير من أهل العلم، وقال أبو حنيفة ﵀: من صرفها في أي بلد جاز، والأولى ألا يصرفها الإنسان إلا في البلد الذي هو فيه، وهذا هو الأحسن والأولى، حتى زكاة الفطر من كان هنا في أبها وأهله في بلد بعيد فعليه أن يبذل زكاة الفطر لأهل وفقراء هذا البلد، وزكاة ماله كذلك لفقراء هذا البلد، وإن نقلها فهذا خلاف الأولى.
أما في عهد عمر بن عبد العزيز ﵁ وأرضاه فقد نقلت زكاة خراسان إلى الشام فردها إلى خراسان وقال: توزع على فقرائهم لا على فقراء الشام.
стр. 3800
حكم دفع الزكاة إلى غير المسلمين
السؤال
هل يلزم إسلام الرجل الذي تصرف له الزكاة؟
الجواب
الفقير الذي تدفع إليه الزكاة لا بد أن يكون مسلماً، ولا يجوز أن تدفع الصدقة إلى يهودي أو نصراني أو مجوسي أو بوذي، بل يتوخى الإنسان لمن يدفعها حتى يلمس الأصلح فالأصلح، فإذا كان هناك فقيران: أحدهما قانت منيب إلى الله ، يتقرب إلى الله بالنوافل، يصوم، ويصلى الضحى، ويكثر من الذكر، وهذا فقير ولكنه فاسق يشرب الدخان، ويؤخر الصلوات، ويخالف السنة، فالأولى أن يصرفها على هذا الرجل الصالح كما قال أهل العلم؛ لأنها تكون عوناً له على الطاعة؛ لأن الآخر قد يذهب بها في المعاصي.
فالصحيح ألا تصرف على الكافر وأن الأولى والأصلح هو هكذا.
وأما صرف الزكاة للمؤلفة قلوبهم فهذا صنف ثامن؛ لأن الله ذكرهم فإن علمت أن في إعطاء هذا الكافر شيئاً من الزكاة أنه سوف يسلم، أو تكف شره، أو سوف يكون للإسلام دعاية طيبة فلا مانع أن تعطيه شيئاً من الزكاة، كأن تكون تعمل في شركة أو في مؤسسة وفيها بعض الخواجات وفيهم قسوة وعنف فإن عليك أن تعطيه شيئاً من الزكاة تتألفه بها أو يرق قلبه أو تدرأ حدته وشوكته كما نص أهل العلم على ذلك، أو تطمع في إسلامه وعرض الدين عليه فتعطيه من ذلك.
стр. 3801
وجوب الزكاة في مال الطفل الغني واليتيم والمجنون
وهذا هو الصحيح؛ لأن الله قال: ﴿تؤخذ من أغنيائهم -وهذا على العموم- وترد على فقرائهم﴾ فمن عنده طفل وله مال خاص نمى له شيء من الغنم أو الإبل أو البقر أو الذهب، فإنه يأخذ زكاة مال هذا الطفل ويصرفها، وقد يكون هذا الطفل يتيماً ورث أمولاً طائلة، فهذا يؤخذ من أمواله الزكاة وتدفع، وكذلك المجنون الذي ذهب عقله، يأخذ وليه المال فيزكي ويتصدق من ماله، لعموم قوله ﷺ : ﴿تؤخذ من أموالهم﴾.
стр. 3802
بعث السعاة لأخذ الزكاة
الرسول ﵊ كان يبعث أصحابه في الأقاليم يجمعون المال والصدقة، وهذا دليل لمن قال بنقل الزكاة من مكان إلى مكان؛ لأن عمر وغيره من الصحابة كانوا يذهبون إلى البوادي فيجمعون الزكاة ويأتون بها إلى مدينة الرسول ﷺ ، وفي صحيح البخاري في كتاب الزكاة والجهاد، قال عمر ﵁ وأرضاه: [[بعثني رسول الله ﷺ مصدقاً -يعني لأجمع الصدقة والزكاة- فدرت على الناس كلهم فأعطوني زكاتهم، إلا ثلاثة: العباس عم الرسول ﷺ ، وخالد بن الوليد وابن جميل -أحد الناس الذي عكر عليهم النفاق بعض حياتهم-]]
أما العباس فقد امتنع لأن الرسول ﵊ اقترض منه زكاة عامين، قال له ﷺ : ادفع لي زكاة عامين مقدماً؛ لأني أحتاجها في الجهاد، فأخذ العباس زكاة عامين وأعطاها الرسول ﵊، والرسول ﵊ ما نسي لكن أرسل عمر للمسلمين ونسي أن يقول له: لا تأخذ من العباس، فذهب عمر وطرق باب العباس، وقال: ادفع الزكاة، قال: لا أدفعها، واستحى أن يقول: إنها عند الرسول ﵊، وإن دفعها سوف تذهب عليه زكاة ثالثة وما مر إلا عام، فقال عمر ﵁ للرسول ﷺ : دفع الناس جميعاً إلا ثلاثة: عمك، وخالد بن الوليد وابن جميل، فأتى ﷺ ، يجيبه عن كل واحد ويفصل:
فقال الرسول ﷺ : يا عمر! أما تدري أن عم الرجل صنو أبيه -يقول: أتيت تشكو عمي علي وهو أخو والدي بل هو والدي في الحقيقة- أما علمت أنها علي دين ومثلها له.
وأما خالد فإنكم تظلمون خالداً، يقول: دائماً مظلوم، احتبس أدراعه وخيوله ونفسه ودمه في سبيل الله وتطلب منه الزكاة.
لأن خالداً ﵁ أوقف ماله في سبيل الله، يقول: ليس لي مال، كل هذه السيوف معلقة في سبيل الله، وهو أبو سليمان يعرف كيف يضرب بالسيف، وفي مؤتة ذكر ابن كثير بأسانيد كثيرة أنه كسر تسعة أسياف بيده حطمها تحطيماً وما ثبتت إلا صحيفةٌ يمانية، وعلق مائة سيف وقال: هي في سبيل الله، وملأ اسطبلاً من الخيول وقال: هي في سبيل الله، فيقول ﵊: أما يكفي أن يوقف أمواله في سبيل الله حتى تأخذوا الزكاة من خالد.
وأما ابن جميل هذا فإنه لا عذر له، فقال عنه ﷺ : فما ينقم ابن جميل إلا أن كان فقيراً فأغناه الله، أي كيف يحق لـ ابن جميل أن يغضب ويتحامل على رسول الله ﷺ وقد كان فقيراً لا يملك شيئاً من الدنيا فأغناه الله.
وروي أن ابن جميل أتى إلى الرسول ﷺ ، وقال له: ﴿يا رسول الله! ادع الله أن يرزقني مالاً، فأشار ﵊ ألا يفعل ذلك؛ لأنه فتنة، فألح عليه فدعا له ﷺ ، فكثر ما له حتى، ترك الجماعة مع الناس في المسجد، ثم ترك الجمعة، ثم منع الزكاة﴾ وهذا ليس بـ ثعلبة.
وقصة ثعلبة لا تصح بل هي باطلة، وأما ابن جميل فهي في صحيح البخاري وسندها صحيح.
فلما ذهب عمر إليه رفض وقال: إنما هي جزية وليست بزكاة، فعاد عمر وأخبر رسول الله ﷺ وقال: ما ينقم إلا أن كان فقيراً فأغناه الله، فأنزل الله في ذلك: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتَانَا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ فَلَمَّا آتَاهُمْ مِنْ فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ وَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقاً فِي قُلُوبِهِمْ إِلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِمَا أَخْلَفُوا اللَّهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُوا يَكَذِبُونَ﴾ [التوبة:٧٧].
كذبوا مع الله ، فأرسل ﵊ أصحابه ومنهم معاذ بجمع الزكاة، وهذا واجب على الإمام أن يرسل السعاة وألا يترك الزكاة بأيدي الناس لأنها تضيع، بل الواجب عليه أن يأخذها منهم ثم يصرفها في مصارفها.
стр. 3803
الصحابة يضربون أروع الأمثلة في الأمانة
ذكر ابن كثير بسند حسن قال: لما فتح سعد ﵁ القادسية وأتى المدائن أتى بأموال منها مائدة سليمان وجدوها في قصر كسرى أنوشروان، مائدة موروثة من عهد سليمان ﵇، محلاة بالزبرجد فحملت على جمل ووصلت الأموال إلى عمر ﵁ وأرضاه فلما أوصلها ابن ناجية صاحب الجمال، نام عمر في تلك الليلة ورأى في المنام كأن من يكويه بكيات من نار، فقام عمر ﵁ وصلى بالناس الفجر، ودعا بعض الصحابة وقال: أعيدوها إلى سعد بن أبي وقاص في العراق، والله لا أتولى شيئاً حماني منه الله ، فذهب بعض أهل العلم يقولون: يتحفظ الإمام أو المسئول في أموال الناس، ويكلها إلى من هو بصير بها ويعرف منافذها ومصارفها ومنافعها.
стр. 3804
توصية الإمام عامله
كان ﵊ دائماً إذا أرسل عاملاً أوصاه بتقوى الله ، وهذا على العموم، ولكن كان يوصي ﷺ الوصايا بما تناسب الناس، وهذه ليست إلا له ﷺ ، يأتي الرجل المحتد الغضبان، يقول: أوصني فيقول: ﴿لا تغضب﴾ لا يقول له ﵊: لا تنفق أموالك؛ لأنه ليس له أموال أو ربما يكون بخيلاً فلا يزيده ﷺ إلا بخلاً، ويأتي الرجل الشجاع، فيقول: أوصني؟ فيقول: ﴿عليك بالجهاد في سبيل الله﴾ ويأتي الشيخ الكبير فيقول: أوصني؟ فيقول: ﴿لا يزال لسانك رطباً من ذكر الله﴾ ويأتي الغني من ذوي الأموال، فيقول: أوصني يا رسول الله، فيقول: ﴿أشبع الجائع، وفك العاني، وافدِ الأسير﴾ أو كما قال ﵊، ويأتي صاحب الوالدة أو الوالدين وهما كبيران في السن قد بلغا الشيخوخة، فيقول: أوصني يا رسول الله، فيقول: ﴿عليك ببر والديك أو ففيهما فجاهد﴾ فهذا له عليه ﷺ وليست لغيره؛ لأنه لا يعرف أحوال الناس إلا هو ﷺ بما علمه الله.
فكان يضع كل شيء في موضعه ﷺ ، وكان يؤمِّر من يستحق الإمارة ﵊ وأتى بعض الناس من الصحابة يطلبون الإمارة فيرفض؛ لأنه يعرف أنهم ليسوا أهلاً بالإمارة لا لقلة دينهم أو لقلة زهدهم أو ورعهم، لكن لأنهم لا يجيدون التصرف في الإمارة كـ أبي ذر قال له ﷺ : ﴿والله إني أحبك، وأريد لك ما أريده لنفسي، لكنك رجل ضعيف﴾ قالوا: ضعيف لا يحسن تصريف قيادة الجيش، فما ولاه ﵊، وفي هذا توصية الإمام، أو توصية من يرسل بتقوى الله ، وواجب على كل مسئول ومدير ورئيس أن يوصي الموظفين والطلاب عنده بتقوى الله صباحاً ومساءً.
قال الإمام النووي: حق على من ولاه الله شيئاً ألا تفتر لسانه بتقوى الله للناس، فإنه إذا أدمن صباح مساء أن يوصي بتقوى الله والإخلاص في العلم وبذل الجهد والصدق مع الله رسخت هذه الكلمات ونفع الله بها .
أي أنه لا يكفى أن يقول لهم في الشهر مرة ثم يتركهم، لا.
بل يكرر عليهم هذا دائماً إذا كان ناصحاً وصادقاً ومخلصاً، أما إذا كان غير ذلك فنسأل الله العافية والسلامة.
стр. 3805
قبول خبر الواحد والعمل به
ورأي العلماء أن خبر الواحد يقبل، وخالف في ذلك المعتزلة وبعض الفرق ردوا خبر الواحد، والصحيح: أن خبر الواحد يقبل، فخبر الواحد قبلناه وقبلته الأمة، فمحمد ﷺ واحد أرسله الله إلى الناس، وأرسل ﷺ أصحابه واحداً واحداً إلى الناس فقبلوا خبره.
وكان ﵊ يقبل خبر الواحد، فقبل خبر الذي أخبره بالهلال، والذي أخبره بأنه قد منع قوم الزكاة، والذي أخبره ﵊ بصدقات القوم واحد، فقبل ﷺ خبر الواحد حتى في العقائد.
стр. 3806
حكم أخذ الغني من زكاة الناس
وهذا معلوم من الحديث: ﴿تؤخذ من أغنيائهم وتعطى لفقرائهم﴾ ومن ملك النصاب فلا يعطى، فقالوا: غني؛ لذلك بعض الناس لِمَ جعل الله في قلوبهم من الجشع والطمع يبذلون أعراضهم ودينهم وماء وجوههم في أخذ شيء من الزكاة والصدقة، فلو كان أحدهم يملك الملايين المملينة ثم سمع أن تاجراً يوزع الصدقات في رمضان، لبس أردى ثيابه، وتحنط بالغبار، وجلس تحت الشمس والريح والبرد، ثم أخذ يمد يده في موقف شنيع مخزٍ، ما يفعله أحد عنده رجولة أو مروءة، فكيف بالذي عنده دين.
فعلى الإنسان ألا ينظر إلى هذا المال، أو يجعله كما يقول ابن تيمية في كتاب التصوف " كالكنيف -يعني: الحمام- إذا احتاج إليه ذهب إليه، وإن لم يحتج فلا يفعل"، ولذلك قال ﵊ لـ عمر ﴿: ما أتاك من هذا المال وأنت غير مستشرف ولا سائل وما لا فلا تتبعه نفسك﴾ فإن من أخذ المال باستشراف وبسؤال لا يبارك الله فيه، ويكون كالشاة التي تأكل من خبط الربيع أو من خضراء الربيع ينتفخ بطنها ولكنها ما شبعت، هذا مثل من يأخذ من أموال الناس ويسأل ولا يرد شيئاً ويتطلع إلى الأموال، ولا يرد فاقته بالقناعة وتقوى الله فهذا مثله.
فعلى المسلم أن ينتبه لهذا، فإن من أخذ المال بقناعة أو عدم استشراف بارك الله له ، والبركة ليست بكثرة المال ولكن بما ينزله الله من حلال فيه وطيب.
стр. 3807
إذا تلف المال قبل الحلول فلا زكاة
إذا تلف المال قبل حلول الحول فلا زكاة عليه، وهذا ما رجحه ابن حجر وسانده في ذلك الشوكاني وكأن الرسول ﷺ يقول: تؤخذ من أغنيائهم وقت الحلول، ولكن إذا تلفت قبل الحول فلا زكاة عليه بشرط أن لا يكون مفرطاً.
مثلاً: يكون عنده غنم ومن حمقه لأنه لا يريد أن يدفعها إلى السلطان وأتى وقت حول الزكاة، أتى بسم، فماتت الغنم وقال: ماتت الغنم وأنا ما وجب علي شيء، فهذا إذا علم به تؤخذ عليه الزكاة ويؤدب ويعزر، ومن منعها كما قال ﵊ كما في سنن أبي داود ﴿فإنا آخذوها وشطر ماله، عزيمة من عزائم ربنا ﴾.
стр. 3808
سبب عدم ذكر الحج والصيام في حديث معاذ
السؤال
لماذا لم يذكر الحج والصيام ﵊ في حديث معاذ؟
الجواب
الصحيح أنه ﷺ كان معتنياً بهذه الأركان الثلاثة، وأما تلك فتأتي تبعاً.
وذكر ﷺ الزكاة لأنها مقرونة في الكتاب بالصلاة في كثير من المواطن بخلاف الصوم والحج فإنها تأتي تبعاً، وبعض الصحابة منهم من شهد أن لا إله إلا الله، ولكن منع الزكاة مع أنه مسلم ولم يحارب أو يقاتل.
فلما مات ﵊ ارتدت العرب عن الإسلام -إلا من رحم الله- وبعضهم رفض الإسلام جملة وتفصيلاً، والبعض رفض الزكاة، حتى قالوا:
رضينا رسول الله إذ كان بيننا فما بالنا نرضى بحكم أبي بكر
أيملكها بكر إذا مات بعده فتلك لعمر الله قاصمة الظهر
فرفضوا الزكاة، فسمع أبو بكر ﵁ ذلك فصعد على المنبر، وأخبر الناس وقال: ماذا ترون؟ فقام عمر: وأشار بألا يقاتلوا، وأشار عثمان بأن لا يقاتلوا، وقام علي وقال: لا يقاتلوا، وأجمع المهاجرون والأنصار في كل المسجد على ألا يقاتلوا.
فسل أبو بكر السيف وقال: [[والذي نفسي بيده! لأقاتلن الذي يفرق بين الصلاة والزكاة، والله لو منعوني عقالاً كانوا يؤدونها إلى رسول الله ﷺ -وفي لفظ عناقاً- لقاتلتهم عليها]].
ثم عقد الراية وهو على المنبر، ثم سلم الجيوش وأرسل خالداً إلى اليمامة وخالد بن سعيد بن العاص إلى اليمن وعمرو بن العاص إلى ناحية البوادي، وعكرمة ﵁ إلى اتجاه البحرين وكان يعقد الرايات ويقول للصحابة: [[والله لو أخذت الكلاب بأرجل أمهات المؤمنين لأنفذن أمر رسول الله ﷺ ]].
فنصره الله نصر عزيز مقتدر، حتى أتى الذين منعوا الزكاة في عمائمهم يقودهم خالد وعكرمة وعمرو وخالد بن سعيد بن العاص حتى أدخلوهم المسجد، فقام عمر ﵁ على المنبر، وهؤلاء أهل العمائم رافضين الزكاة، في أطراف المسجد ساداتهم ومشائخهم.
فقال أبو بكر: [[اختاروا من اثنتين -وفي لفظ: من ثلاث- قالوا: وما هي يا خليفة رسول الله؟ - أصبح اليوم خليفة بعد أن ذاقوا سيف خالد - قال: إما حربٌ مجلية أو سلم مخزية.
قالوا: بين لنا، قال: السلم المخزية، أن نترككم كالنساء، لا تحملون سيفاً ولا رمحاً ولا درعاً، وتبقون تذهبون مع النساء ومع الأطفال، وتأتون معهم، لا تحضرون معركة ولا غنيمة، ولا فيئاً.
قالوا: والحرب المجلية، قال: أن نلبس سلاحنا الآن وننزل معكم فنتقاتل، فاضطربوا فقالوا: سلم مخزية.
يكفيهم ثلاثة أشهر وخالد يعمل فيهم بالسيف، والآن أبو بكر ﵁ يريد أن يقاتلهم مرة ثانية، ثم قال: إذاً كل من قتل لنا فادفعوا ديته، واشهدوا على أنفسكم أنكم ضلال وأنكم تبتم، وأن قتلاكم في النار وأن قتلانا في الجنة فنكسوا رءوسهم، فقام عمر فقال: يا خليفة رسول الله! أما قتلانا ففي الجنة, وأما أن يدفعوا دية قتلانا فما نرى ذلك، فما فعلها رسول الله ﷺ ، قال: صدقت، ولهم ذلك.
فسلب أبو بكر سلاحهم وتركهم في عامة الناس]].
وإذا قلنا: لماذا ذكرت الزكاة في هذا الجانب؟
قلنا: فقَّه الله أبا بكر، وشرح صدره، ووافقه الناس على ذلك يوم يشرح الله صدور أوليائه، نسأل الله أن يهدينا بهداه، وأن يوفقنا لرضاه، وأن يأخذ بأيدينا وأيديكم لكل خير، وأن يجعلنا وإياكم من المتفقهين في دينه، المتطلعين على أسرار كتابه، العاثرين على سنن نبيه ﷺ .
سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين.
وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.
стр. 3809
كيف تعيش مع القرآن ؟
القرآن الكريم حبل الله من تمسك به نجا ومن تركه غرق.
والشيخ في هذه المادة تطرق إلى كثير من المسائل والأحكام المتعلقة به، من أوصافه، وفضائله، والحث على تدبره، وحال الرسول ﷺ وأصحابه معه، ووسائل حفظه.
стр. 3810
أوصاف القرآن
الحمد لله رب العالمين، ولي الصالحين، ولا عدوان إلا على الظالمين، والصلاة والسلام على إمام المتقين، وقدوة الناس أجمعين، وعلى آله وصحبه والتابعين.
أيها المسلمون: عنوان هذه المحاضرة: كيف تعيش مع القرآن؟
عظمة المسلم تكمن في مصاحبته لهذا القرآن، وفي العيش معه، وفي تلاوته وتدبره، والعمل به وحفظه؛ لأنه مبارك، قال : ﴿كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُوْلُوا الأَلْبَابِ﴾ [ص:٢٩] فهو مبارك.
قال بعض العلماء: مبارك في تلاوته وحفظه وفي العمل به، وتعليمه، ومبارك في الرقية به، ومبارك في طلب مداواة الأجسام والقلوب منه، وقال سبحانه: ﴿أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾ [محمد:٢٤] وقال : ﴿أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً﴾ [النساء:٨٢] وقال : ﴿قُلْ لَئِنْ اجْتَمَعَتْ الإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً﴾ [الإسراء:٨٨] كلام الله، أنزل ليوجه هذه الأمة، أنزل وليحكم هذه الأمة، وأنزل لتسير هذه الأمة عقيدةً وأخلاقاً وعبادةً وسلوكاً ومعاملةً على هذا القرآن: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾ [الإسراء:٩] من استكفى به كفاه، ومن طلب الشفاء منه شفاه، ومن طلب الحماية في ظل من أنزله حماه، ولكن من طلب الهدى من غيره أضله الله، وأعماه وأخزاه ونكَّل به؛ ولذلك كان مصدر حياة المصطفى ﵊:
آياته كلَّما طال المدى جدد يزينهن جلال العتق والقدم
أتى على سفر التوراة فانهدمت فلم يفدها زمان السبق والقدم
ولم تقم منه للإنجيل قائمة كأنه الطيف زار الجفن في الحلم
سبحان من أنزله! وسبحان من تكلم به!
وهذا الدرس بعنوان: كيف تعيش مع القرآن؟
هو على عناصر:
١ - أوصاف القرآن.
٢ - مواقف الرسول ﷺ والصحابة ﵃ مع القرآن.
٣ - الحث على تدبر القرآن.
٤ - تحزيب القرآن وفي كم يُقرأ القرآن، وكم تختم القرآن، وما هو وردك اليوم من القرآن؟
٥ - كيف تحفظ القرآن، وما هي الوسائل التي تعين على حفظ القرآن -بإذن الله- لمن أراد أن يحفظ القرآن؟
أما أوصاف القرآن فسماه الله ذكراً، والذكر هو الشرف والرفعة والمجد، فقال سبحانه: ﴿وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ وَسَوْفَ تُسْأَلُونَ﴾ [الزخرف:٤٤] ومعنى الآية أنه شرف لك -يا محمد- ولقومك، وأنه مجد لك -يا محمد- ولقومك، وأنه علو وبهاء وثناء لك -يا رسول الله صلى الله عليك وسلم- وقومك العرب من هم إلا بالقرآن؟!
ما هو تاريخ العرب إلا بالقرآن.
ما هو مجد العرب إلا بالقرآن.
﴿وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ وَسَوْفَ تُسْأَلُونَ﴾ [الزخرف:٤٤] قال تعالى: ﴿ص وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ﴾ [ص:١] ذي الشرف والرفعة.
وسماه الله روحاً: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحاً مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلا الْأِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُوراً نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ﴾ [الشورى:٥٢] والروح هي التي تقوم بها الأجساد، فإذا ماتت الروح ماتت الأجساد ولم تهتدِ.
وسماه الله نوراً ووصفه الله بأنه يهدي للتي هي أقوم، وأنه شفاء لما في الصدور، وأنه مبارك وأن آياته ثم فصلت من لدن حكيم خبير.
وهو الصراط المستقيم، وهو حبل الله المتين، وهذا من كلام علي موقوفاً عليه عند الترمذي، فلذلك لا يمدح المادحون كتاب الله مثل ما مدحه الله، ولا يمدحه بعد الله إلا رسول الله ﵊.
كان ﵊ يستعرض السرية من الصحابة فيقول لأحدهم: ﴿كم معك من القرآن؟ قال أحدهم: أحفظ سورة البقرة، قال: اذهب فأنت أميرهم﴾ وهذا من حديث أنس وهو صحيح.
فقرب الناس من الرسول ﵊ بالقرآن، حبه لهم لصلتهم بالقرآن، كثرة تلاوة الصحابة للقرآن؛ تقربهم إلى الله ورسوله ﷺ .
فقد صح من حديث جابر أن الرسول ﷺ كان يدعو بالشهداء في أحد فيقول: ﴿أيهم أكثر أخذاً للقرآن؟ فيقولون: هذا، فيقدمه إلى القبلة ثم من بعده، ثم يصلي عليهم﴾.
стр. 3811
مكانة قارئ القرآن
إن حفظة القرآن أئمة في الدنيا وفي الآخرة، فقد صح من حديث ابن عمر مرفوعاً إليه ﵊: ﴿أنه يقال لقارئ القرآن يوم القيامة: اقرأ وارتقِ ورتل كما كنت ترتل في الدنيا، فإن منزلتك عند آخر آية كنت تقرؤها﴾ والذي يظهر من النصوص أن معناه في حافظ القرآن، وليس في الذي يتلوه من المصحف، وذلك لأمور:
١ - أنه ليس في الآخرة مصاحف، وهناك يقال لمن يقرأ القرآن: اقرأ وارتقِ ورتل.
٢ - أنه جعل فيه حداً نسبياً، فلو كان لمن يتلو من المصحف لكان الناس مشتركين في هذا الفضل جميعاً، ولكن يقال لأهل القرآن من الأمة المحمدية: ﴿اقرأ وارتقِ ورتل﴾ فكلما قرأ آية ارتقى في الجنة درجة، وفي الجنة درجات بين الدرجة والأخرى كما بين السماوات والأرض نسأل الله من فضله، فيقول: ﴿اقرأ وارتق﴾ فإذا وصل إلى محفوظه وقف، فإن منزلته عند آخر آية يقرؤها.
فبعضهم يحفظ جزءاً وبعضهم يحفظ جزأين، وبعضهم يحفظ نصف القرآن، ولكن الذي يحفظ القرآن كما جاء عن ابن عمر موقوفاً عليه: [[من حفظ القرآن فقد استدرج النبوة بين جنبيه غير أنه لا يوحى إليه]] وقال أبو الدرداء: [[احفظوا القرآن فإن الله لا يعذب قلباً وعى القرآن]].
стр. 3812
خيرية حافظ القرآن ومكانة أبي بن كعب
فكلام الله لا يحفظه إلا موفق، ولذلك كان هو السبب العظيم الذي كان ﷺ يشرف أصحابه به، فقد كان يحب أبي بن كعب سيد القراء ﵁ وأرضاه، حتى يقول عمر: [[أقرؤنا أبي، وإنا نأخذ ونترك من بعض قراءة أُبي]] وقد صح ذلك عن عمر.
وقد صلى النبي ﷺ بالناس فنسي آية فلما سلَّم قال الصحابة: ﴿يا رسول الله! أنسخت الآية أم نسيتها؟ -فمن يسأل، ومن صاحب هذا التخصص؟ معاذ تخصصه الحلال والحرام، وعلي قاضي، وزيد بن ثابت فرضي، وحسان بن ثابت أديب مسلم، لكنه أعطى القوس باريها- فقال: يا أبا المنذر! أكما يقول الناس؟ قال: نعم يا رسول الله!﴾
وفي الصحيح أن الرسول ﷺ سأله -والمسألة تناسب تخصص أبي - فقال له: ﴿أي آية في كتاب الله أعظم؟ قال: الله ورسوله أعلم، قال: أي آية في كتاب الله أعظم؟ قال: ﴿اللَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ [آل عمران:٢] فضرب على صدره وقال: ليهنك العلم أبا المنذر﴾ ليهنك هذا الفتح العظيم، ليهنك هذا التقدم، إذا افتخر الناس بالشهادات، وافتخروا بالشاة والنعم أو بالمناصب والوظائف فليهنك هذا الفضل العظيم:
لعمرك ما الرزية فقد مال ولا شاة تموت ولا بعير
ولكن الرزية فقد شهم يموت بموته بشر كثير
وذلك كـ أبي.
وقد صح عنه ﵊، أن الله لما أنزل عليه سورة البينة ذهب إلى أبي وطرق عليه الباب وقال: ﴿إن الله أمرني أن أقرأ عليك سورة البينة، فقال أبي: وسماني في الملأ الأعلى؟ -أنا معروف في السماء من أنا، أنا لولا الرسالة الخالدة لست بشيء- قال الرسول ﷺ : نعم سماك الله في الملأ الأعلى، وقرأ عليه الرسول ﷺ سورة البينة﴾ ولذلك يتفكه المحدثون ويقولون: هل عرض الرسول ﷺ على شيخ من الشيوخ؟ قالوا: عرض على أبي.
وعند أحمد في المسند بسند صحيح، قال أبي بن كعب: ﴿قال المشركون لرسول الله: انسب لنا ربك -أي: من أبوه ومن جده؟ سبحان الخالق! لم يتخذ ولداً ولا والدة ولا زوجة: ﴿إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَوَات وَالأَرْضِ إِلاَّ آتِي الرَّحْمَنِ عَبْداً * لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدّاً * وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْداً﴾ [مريم:٩٣ - ٩٥] فسكت ﵊ فأنزل الله قوله: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ * اللَّهُ الصَّمَدُ * لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ﴾ [الإخلاص:١ - ٤]﴾.
стр. 3813
الحث على تدبر القرآن
فلا قراءة إلا بتدبر، فالتدبر يثمر الإيمان، ويزرع في قلبك الإخلاص، ويربيك على التوحيد، والقرآن ما نزل إلا للتدبر، أن تسمع إذا قرأ الإمام ثم تتفكر: من أنزل هذا الكتاب؟! من أنزل هذا الكلام؟! ماذا يراد من هذا القرآن؟! ما هو المطلوب منا إذا قرأنا واستمعنا هذا القرآن العظيم؟
قال تعالى: ﴿كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُوْلُوا الأَلْبَابِ﴾ [ص:٢٩].
ذكر ابن القيم أن امرأة صالحة مكثت في قراءة القرآن سبع عشرة سنة في ختمة واحدة، وذكر الغزالي في الإحياء أن بعضهم يمكث عمره ليختم ختمة واحدة، لكن أخذ القرآن تكاليف أمور ربانية؛ حلال وحرام، أخلاق وسلوك وعقيدة.
стр. 3814
كيف تحفظ القرآن
وعن أبي عبد الرحمن السلمي وغيره من القراء قالوا: [[كان الصحابة عثمان وأبي وزيد يخبروننا: أنهم كانوا يأخذون القرآن من الرسول ﵊ عشراً عشراً، فلا يتجاوزونها حتى يعلمون ما فيها من العلم والعمل، فتعلمنا العلم والعمل جميعاً]] وقد صح هذا من كلام ابن مسعود.
وكان أبو العالية يقول: [[كنا نقرأ القرآن خمساً خمساً]] وهو تابعي جليل، والمقصود هنا تدبر القرآن، وورد في ترجمة أبي بكر الصديق أنه كان له مصحف معلق في بيته، فكان إذا دخل بيته أخذ المصحف وتدبر آيات ليعمل بها، فكان أبو بكر قرآناً يمشي على الأرض، وكان عمر قرآناً يمشي على الأرض، فكل آية يعملون بها.
القرآن لم ينزل فقط لنقرأه على الأموات، ولا لافتتاح الحفلات، ولا تعاويذ وتمائم تعلق في رقاب المرضى، ولم ينزل للتباهي بأخذ الجوائز.
فإن بعض الناس -نسأل الله العافية- لا يحفظ إلا للجوائز وطلب المال وللتأكل به عند الناس والسلاطين، فشر الناس وأضلهم وأبعدهم أولئك الذين اتخذوا دينهم لعباً، قال تعالى: ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنْ الْغَاوِينَ﴾ [الأعراف:١٧٥].
فالقرآن أعظم من ذلك، فقد نزل القرآن إيماناً، وعقيدةً، ونزل سياسةً ومعاملةً، ونزل أخلاقاً وسلوكاً.
فوصيتي لنفسي ولإخواني أن يقرءوا القرآن ويقفوا عند كل آية وينظروا ماذا تريد الآية منهم إن كانت أمراً فائتمر، وإن كانت نهياً فانته، وإن كانت خبراً فصدِّق، وإن كانت قصةً فاتعظ، فالقرآن ليس بأحاديث سمر.
стр. 3815
القرآن كتاب هداية
أيها المسلمون! إن القرآن ما نزل إلا لهدف الهداية، والسر في القرآن كما يقول أبو الأعلى المودودي شكر الله له ورحمه الله في كتابه العجيب أسس في قراءة القرآن الكريم يقول: القرآن ما نزل كتاب هندسة؛ لأن بعض المفسرين مثل صاحب الجواهر يأتي بأمور القرآن بعيد عنها وما قصدها، فهو يقول في قوله : ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ [الفاتحة:٦] يقول: هذا دليل على أن الخط المستقيم أقرب موصل بين نقطتين، وهل نزل القرآن لهذا؟! وقال في قوله تعالى: ﴿انطَلِقُوا إِلَى ظِلٍّ ذِي ثَلاثِ شُعَبٍ﴾ [المرسلات:٣٠] قال: فيه دليل على أن إحدى زوايا المثلث منفرجة، لا إله إلا الله! ﴿ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾ [الحديد:٢١] ولذلك رسم حيات في التفسير، ورسم عقارب عند ذكر الحشرات ورسم بحاراً ورسم غزلاناً، والقرآن لم يأتِ بهذا.
وثانياً: القرآن لم يأتِ تاريخاً، يخبرنا متى ولد فرعون، ومتى مات، وكم عنده من أطفال، وماذا كان يفطر ويتغدى، بل أتى يبين ضلال فرعون وكفره وطغيانه، وأتى يبين الضلال والهداية للناس، فهذا سر إذا عرفه الإنسان مضى في القرآن.
الأمر الثاني: أن القرآن ليس كتأليف الناس، فالقرآن يختلف عن التآليف البشرية، فالتآليف فهارس، والباب الأول فيه أربعة فصول والفصل فيه ثلاث عشرة فقرة، لكن القرآن أمره عجيب، فهو يحدثك عن التوحيد، ثم ينطلق بك إلى الطلاق؛ فإذا انتهى عاد بك إلى اليوم الآخر، فإذا انتهى أتى بك إلى الجهاد، أنزله الذي يعلم السر في السموات والأرض إنه كان غفوراً رحيماً، والمقصود التدبر.
стр. 3816
مواقف الرسول ﷺ والصحابة مع القرآن
في فصل: جيل قرآني فريد؛ كلام عجيب، من ضمن ما فهمت من هذا الفصل أنه ليس عند الصحابة ثقافة إلا القرآن، لم يكن عندهم مجلدات ولا مصنفات ولا صحف ولا جرائد، أما نحن فابتلينا بثقافات ملأت قلوبنا وعقولنا وأبصارنا وأسماعنا، ثم أظلمت قلوبنا إلا ما رحم ربك، تجد الواحد يظل ست ساعات يقرأ الصحيفة، ولا يقرأ آيات من القرآن، أحدهم يقول لصاحبه وهو على مكتبه يحاوره: والله! ما فتحت المصحف ستة أشهر، لكنه نشيط في قراءة الصحف، إعلانات شركات الإسمنت، درجات الحرارة، الصيدليات المناوبة، وأخبار من ضيع تابعية ومن هذا القبيل، أما النور والهداية والحبل الوثيق والصراط المستقيم فلا يقرأ، وبعضهم يقف أمام الشاشة سبع ساعات، أما القرآن فلا يقرأ ولا يسمع، مستعد أن يرى الأفلام، ويسمع الغناء، ويقرأ المجلات ويقرأ الصحف، ويشارك ويمزح؛ لكن القرآن ما وصل إلى قلبه، فكيف يهتدي؟!
فسر الإنسان وهدايته في هذا القرآن.
стр. 3817
حب سماع الرسول ﷺ للقرآن من غيره
وكان الرسول ﵊ يطلب من أصحابه أن يقرءوا عليه القرآن وفي الصحيحين عن ابن مسعود قال لي الرسول ﷺ : ﴿اقرأ عليَّ القرآن، قال: قلت: يا رسول الله! أقرأ عليك وعليك أنزل؟! -يعني من أنا حتى أقرأ عليك القرآن وأنت الذي أنزل عليك- قال: إني أحب أن أسمعه من غيري، قال: فابتدأت بسورة النساء حتى بلغت قوله : ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلاءِ شَهِيداً﴾ [النساء:٤١] فقال لي الرسول ﷺ : حسبك الآن، فنظرت فإذا عيناه تذرفان ﵊﴾ تأثر، وكان صوت ابن مسعود جميلاً، ولذلك يجد الإنسان من الإمام الجميل الصوت من التأثير ما لا يجده من الآخر.
وقال ميمون بن مهران: لا بأس أن يتتبع المسلم الإمام حسن القراءة أو جميل الصوت أو كما قال، وهذا طيب؛ لأن الإنسان يخشع وراءه، ويجد من التلذذ ما لا يجده خلف رجل ليس بحسن الصوت أو حسن التجويد.
стр. 3818
قراءة أبي موسى على الصحابة
وأبو موسى كان يقرأ على الصحابة كما كان يقول عمر: [[اقرأ علينا يا أبا موسى! ذكِّرنا بربنا]] فيقرأ أبو موسى والصحابة يتباكون.
وقد صح أن أبا موسى قرأ ليلة من الليالي فمر ﵊ فاستمع لقراءته، وفي الصباح لقيه وقال: ﴿يا أبا موسى! لو رأيتني البارحة وأنا أستمع لقراءتك، لقد أوتيت مزماراً من مزامير آل داود﴾ هذه فرصة عظيمة أن يبشره، تصور أنك تصلي في مثل هذا المسجد ولا تدري من يستمع لك، ثم يقول لك رسول الله ﷺ : أنا استمعت لك، قال: ﴿لو رأيتني وأنا أستمع لقراءتك البارحة، لقد أوتيت مزماراً من مزامير آل داود، فيقول أبو موسى: والذي نفسي بيده! لو كنت أعلم أنك تستمع لي لحبرته لك تحبيراً﴾ يعني لجمَّلته وحسنَّته.
ولذلك قال الإمام مالك لأجل هذا الحديث: لا بأس أن يتكلف الإمام في تحسين صوته، بدون تكلف يخرج إلى المشقة كما ذكره الحافظ ابن حجر ﵀.
وعند أبي حاتم بسند صحيح: ﴿أنه ﵊ مر في ليلة من الليالي في سكة من سكك المدينة فسمع عجوزاً وراء الباب تقرأ سورة الغاشية وتردد من وراء الباب وتقول: ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ﴾ [الغاشية:١] فجعل ﷺ رأسه على صائر الباب، وأخذ يبكي ويردد معها: نعم أتاني، نعم أتاني، كلما قالت ورددت هذه الآية قال ﵊: نعم أتاني، نعم أتاني﴾.
والرسول ﷺ كان يحيي ليله بالقرآن، وكان لا يجلس مجلساً إلا ذكر الله ، وكانت خطبه ومواعظه وفتاويه من القرآن، فلذلك لما سئلت عائشة كما في صحيح مسلم عن خُلُقه ﷺ ، قالت: ﴿كان خُلُقه القرآن﴾ فإذا قرأت القرآن فهو ترجمة حية لحياته ﵊.
стр. 3819
تحزيب القرآن وحفظه
كيف نحزِّب القرآن؟ وما هو تحزيب القرآن؟ وفي كم نختم القرآن؟
أيها المسلمون! اعلموا أن الدين يسر ليس بالعسر، وما جعل عليكم في الدين من حرج، قال تعالى: ﴿طه * مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى * إِلاَّ تَذْكِرَةً لِمَنْ يَخْشَى﴾ [طه:١ - ٣] لكن تسعد فلا تشقى في تلاوة القرآن، ولا في القيام بالقرآن، ولا في حفظ القرآن، ولا في العمل بالقرآن، واعلموا أن ظروف الناس تختلف، فيهم العامل المنهك بعمله، والأستاذ المشغول بتعليمه وتلاميذه، والطالب المشغول بامتحاناته، والمزارع والتاجر والسلطان، فالله جعل تحزيب القرآن لظروف الناس، وهذه أمور لم تتقيد بأمر واجب تكليفي من الله ورسوله بل تركت للناس.
стр. 3820
دروس من قصة عبد الله بن عمرو
هناك أمور نسبية تقريبية أذكرها لكم، والأصل في ذلك ما في الصحيحين من حديث ابن عمرو أنه كان يختم القرآن كل ليلة، ويصوم كل يوم واعتزل أهله، فذهبت امرأته إلى أبي عبد الله عمرو بن العاص داهية العرب، الصحابي الجليل، فشكت زوجها، فهي تريد حياة زوجية -فهو ﵁ وأرضاه ظن أن الإسلام عبادة فقط، وإلا فالسعي على الأهل عبادة، وإعطاء الزوجة حقها عبادة، وطلب التجارة لمرضات الله عبادة، والكسب عبادة، والجهاد عبادة، والنوم إذا قصد به وجه الله عبادة، لكن ابن عمرو ﵁ وأرضاه ظن أنه للعبادة فقط، قراءة وصيام، يصوم النهار ويفطر مع الغروب، يصلي المغرب والعشاء ويأتي وقد نامت زوجته، ويصلي إلى الفجر ويبكي وأصبح برنامجه هكذا- فذهبت إلى أبيه وقالت: تزوجت رجلاً ليست له حاجة بالنساء، إذا كان كذلك فليطلق سراحها، فذهب عمرو بن العاص إلى الرسول ﷺ ؛ ورفعه إلى القائد الأعلى؛ فهذه قضية لا يفصل فيها إلا محمد ﷺ لأمرين:
الأمر الأول: إما لأن عمرو بن العاص يريدها أن تكون قاعدة للناس جميعاً؛ لأنه يريد أن يأتي من المشرِّع ﷺ .
الأمر الثاني: أو أن عمرو بن العاص أراد ألا يواجه ابنه، وأراد أن يكون الخطاب لابنه من محمد ﵊ ليكون أنفع وأقبل.
فذهب إلى الرسول ﷺ وقال: ﴿يا رسول الله! ابني زوجته فتاة جميلة من آل فلان، ثم تركها، فكان يصوم النهار ويقوم الليل، قال: ائتني بابنك، فلقيه ﷺ ، وقال له: يا عبد الله! أأنت الذي يقال عنك أنك تصوم النهار وتقوم الليل؟ قال: نعم يا رسول الله! وما أردت إلا الخير، قال: لا إن لربك عليك حقاً، وإن لأهلك عليك حقاً، وإن لنفسك عليك حقاً، وإن لعينك عليك حقاً، وإن لضيفك عليك حقاً، فأعط كل ذي حق حقه﴾ ما أجمل الإسلام! ما أجمل التشريع! هكذا الروعة، وهكذا الإبداع، وهكذا الجمال! دين يتربى عليه البدوي في الصحراء، والملك في القصر، والجندي في الساحة، والفلاح في المزرعة، والتاجر في الدكان، دين عام حق يصل إلى القلوب، ليس كدين الكنيسة أو الرهبوت أو الكهنوت، التي قال الله عنها: ﴿وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَامَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلاَّ ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللَّهِ فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا﴾ [الحديد:٢٧].
أما ديننا فدين كامل يصلح للجميع، فلما أعطاه هذه القاعدة، قال: ﴿اقرأ القرآن في شهر، يعني اختم القرآن في شهر ولو أن في بعض الروايات يذكرها بعض المحدثين في أربعين يوماً، لكن لا أظن أنها صحيحة، ففي الصحيحين في شهر يعني: في كل يوم جزءاً- قال: إني أستطيع أكثر من ذلك، قال: اقرأه في عشرين -وفي بعض الألفاظ في خمسة وعشرين- قال: أستطيع أكثر من ذلك، قال: اقرأه في خمسة عشر، قال: أستطيع أكثر من ذلك، قال: اقرأه في سبع ولا تزد على ذلك﴾ لأن أمامك متطلبات؛ قد يمرض الإنسان أو يسافر، أو قد يأتيه ضيف قريب أو جار أو رحم.
ونازله ﷺ في الصيام وقال له: ﴿صم من كل شهر ثلاثة أيام، قال: أستطيع أكثر من ذلك، فزاده ﷺ حتى قال له: صم يوماً وأفطر يوماً﴾ وهذا صيام داود ﵇.
ثم أخبره بقيام الليل، فقام ابن عمرو، ولما كبر ابن عمرو وشابت لحيته ورأسه ودقَّ عظمه، قال: [[يا ليتني قبلت وصية رسول الله ﷺ ]] يقول: يا ليتني ختمته في شهر، وياليتني صمت من كل شهر ثلاثة أيام.
والسبب أنه ما يريد أن يترك شيئاً شبَّ عليه، والرسول ﷺ بعيد النظر ويربي أجيالاً؛ لأن هذا الدين للملايين ليس لي ولك فقط، صحيح أنك تستطيع شيئاً، أما أن تفرضه علي فلا، أنت أعطاك الله عضلات وقوة تستطيع أن تفعل شيئاً، لكن أنا لا أستطيع أن أفعل ذلك، ولذلك ترك التطوع للناس.
следующие страницы →