← Джавами‘

Джавами‘ · id 7708

دروس الشيخ عائض القرني

عائض القرني

Полный текст (10 391 стр.). Показаны 4026–4065 · переход к 4031.

стр. 4026

السؤال بوجه الله المسألة الثانية: السؤال بوجه الله: وقد صح عنه ﷺ أنه ﴿لا يسأل بوجه الله إلا الجنة﴾ وقد أسرف كثير من الناس بالسؤال بوجه الله - (وجه الله عليك أن تأتي، وجه الله عليك أن تذهب، وجه الله عليك أن تقوم) - وهذا من عدم توقير الله في قلوبهم، ومن التعدي على حرمات الله وشعائره؛ فإنه لا يعظم حرمات الله إلا متقٍ، ولا يعظم شعائر الله إلا من في قلبه تقوى والواجب على العبد أن يقدر ربه حق قدره. إن وجه الله أعظم من أن يذكر في هذه المسائل -في ركوب السيارة، والزيارة والطعام- فلنتق الله في ألفاظنا، ولنعلم أن هذا النص عظيم ولا يسوغ استخدامه لأي مسألة، ولا يسأل به إلا الجنة؛ فلك أن تقول: أسألك بوجهك الجنة، أما غيرها من الأمور التافهة فليس بوارد وليعلم هذا.

стр. 4027

الحلف بغير الله ومنها: الحلف بغير الله، كأن يقول: بحياتي أو بشرفي أو بنجاحي وحياتي، فمن فعل ذلك؛ فقد باع حظه من الله وقد أشرك. قال ﵊: ﴿من كان حالفاً فليحلف بالله أو ليصمت﴾ وقال ﷺ -فيما صح عنه-: ﴿إن الله نهاكم أن تحلفوا بآبائكم﴾ فلا يحلف أحد إلا بالله الواحد الأحد العظيم؛ لئن الحلف تعظيم، قال ابن مسعود [[لئن أحلف بالله كاذباً أحب إليَّ من أن أحلف بغيره صادقاً]] لأن تحلف بالله وأنت كاذب، أحسن وأقرب من أن تحلف بغيره وأنت صادق؛ لأن الحلف بالله كذباً معصية، والحلف بغيره صدقاً شرك، والشرك أعظم المعاصي وأكبر الكبائر فاستعيذوا بالله من الشرك ظاهراً وباطناً. ومن المسائل: الحلف بالطلاق. وهو منتشر؛ بل جعلوه -في الولائم والمناسبات، والحضر والمنع والطلب، وفي الأمور النسبية والعلاقات فيما بينهم- أعظم من الحلف بالله؛ بل إن أحدهم لا يأذن لأخيه إذا حلف عليه. ويطلق عليه -هذا عند بعض العلماء-: أنه أقسم بغير الله وأشرك؛ وعند بعضهم: أنه حلف وانعقد به الطلاق، وعند بعضهم: أنه صار يميناً توجب به الكفارة ولسنا هنا في تفصيل الطلاق؛ ولكن في التحذير من الحلف بالطلاق، وعدم استخدامه على اللسان ولا يفعل ذلك إلا من قلَّ فقهه في الدين، أو صغرت معلوماته في هذه المسألة الضخمة التي استخدمها كثير من الناس.

стр. 4028

قول: (انتقل إلى مثواه الأخير) ومن المسائل -وأنا أذكرها باختصار- قولهم: (انتقل إلى مثواه الأخير) فإذا مات شخص قالوا: اليوم انتقل إلى مثواه الأخير، وهذه الكلمة عُرف أنها لبعض الزنادقة، من زنادقة المتصوفة بل زنادقة الفلاسفة، فكانوا يقولون: إن القبر هو آخر مثوى بل هي من الأقوال التي نشرت لـ ابن سينا. وابن سينا هذا ضال، وقد تعرض له بعض العلماء، وتعرض له ابن تيمية فقصم ظهره في أكثر من موطن من كتابه " درء تعارض العقل والنقل "، بل قال مسائل كفَّره بها الغزالي في " تهافت الفلاسفة "، وقال عنه ابن تيمية في بعض المسائل: إن صح عنه ما يقال؛ فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين. وهذا من أمثال من قال: (انتقل إلى مثواه الأخير) فأخذها بعض الصحفيين، فقالوا: فلان انتقل إلى مثواه الأخير، والقبر ليس مثوىً أخيراً؛ بل المثوى الأخير الجنة أو النار كما بين سبحانه: ﴿فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ﴾ [الشورى:٧] ومقصود الزنادقة أن يقولوا: إن القبر هو المستقر، ولا حياة بعد القبر، كما قال عمر الخيام: فما أطال النوم عمراً وما قصر في الأعمار طول السهر ثم يواصل فيقول: لبست ثوب العمر لم أستشر وتهت فيه بين شتى الفكر ثم يذكر في القصيدة أن القبر آخر مستقر وكذب عدو الله! فليس القبر آخر مستقر؛ بل بعد القبر حياة طويلة إما في الجنة وإما في النار، وبعد القبر حساب وصراط وميزان وتطاير صحف، وأنبياء وشفاعة وملائكة؛ وبعد القبر يوم يشيب من هوله الولدان فمن يعلم أن هذه الكلمة خاطئة؛ فليس مثواه الأخير القبر؛ فليعلم ذلك! يقول إيليا أبو ماضي: جئت لا أعلم من أين! ولكني أتيت!! ولقد أبصرت قدامي طريقاً فمشيت!! وسأبقى سائراً إن شئت هذا أم أبيت!! كيف جئت كيف أبصرت طريقي لست أدري!! ولماذا لست أدري؟!! لست أدري!! فنقول له: والله لتدرينَّ إذا بعثر ما في القبور وحصل ما في الصدور، وكيف لا تدري! قال الله تعالى: ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الْأِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئاً مَذْكُوراً * إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعاً بَصِيراً﴾ [الإنسان:١ - ٢] ﴿أَلَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ * وَلِسَاناً وَشَفَتَيْنِ﴾ [البلد:٨ - ٩]. إذاً: كلمة (مثواه الأخير) ليست صحيحة، وأعلم أن بعض الإخوة يقول: إن بعض الناس يستخدمها ليس لهذا المقصد؛ لكن إذا اشترك مسلم في كلمة ومقصده صحيح مع مجرم مقصده سيء؛ ولم يقرنا من الكتاب والسنة على هذه الكلمة؛ تحاشيناها. قال سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقُولُوا رَاعِنَا وَقُولُوا انْظُرْنَا وَاسْمَعُوا وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [البقرة:١٠٤] فكان الصحابة يقولون: (أَرعنا سمعك) وهذه كلمة فصيحة، واليهود يقولون: (راعناً) وهي الرعونة من السذاجة والخبل والبلادة؛ فنهى الله عنها لاشتراك الكلمتين في بعض الشبه.

стр. 4029

قول: (فلان غني عن التعريف) ومن الكلمات التي نبه عنها في بعض المناسبات: (فلان غني عن التعريف) فإذا قدموا لشيخ أو محاضر أو داعية أو مسئول قالوا: (فلان علم غني عن التعريف) وهذه الكلمة خاطئة فالغني عن التعريف هو الله، فهو الذي عرف نفسه بنفسه فقال: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ﴾ [الأنعام:١] وقال تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ جَاعِلِ الْمَلائِكَةِ رُسُلاً أُولِي أَجْنِحَةٍ مَثْنَى وَثُلاثَ وَرُبَاعَ يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ مَا يَشَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [فاطر:١]. فالغني عن التعريف هو الله، وقد عرف نفسه فقال لموسى: ﴿إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي﴾ [طه:١٤] وقال: (ِ هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيّاً﴾ [مريم:٦٥]. وقد ذكرت في مناسبة أن سيبويه توفي فرؤي في المنام فقيل له: ما فعل الله بك؟ قال: "غفر لي" قيل: بماذا؟ قال: لما أتيت في الكتاب؛ أتيت بلفظ الجلالة (الله) فقلت: الله غني عن التعريف أي: لا يحتاج إلى التعريف، فغفر الله له. وفي كل شيء له آية تدل على أنه الواحد فيا عجباً كيف يُعصى الإله أم كيف يجحده الجاحد فأنت تعلم بأنه واحد، وما منا من أحد إلا ويحتاج إلى تعريف، ملكاً أو أميراً أو عالماً أو موظفاً أو مسئولاً أو وزيراً لا بد أن يُعرف، وعند الترمذي بسند ضعيف، يروى عنه ﷺ أنه قال: ﴿إذا لقي أحدكم أخاه فليسأله عن اسمه وعن نسبه؛ فإنه واصل المودة﴾ وكان من هديه ﷺ أنه ﴿كان إذا لقي رجل قال: من أنت؟﴾ وفي صحيح مسلم عن ابن عباس ﴿أن وفد عبد قيس قدم إلى الرسول ﵊، فقال: من القوم أو من الوفد؟ قالوا: من مضر، قال: مرحباً بالقوم غير خزايا ولا ندامى﴾ وكان عمر يقول: من؟ يسأل عن الرجل، وفي صحيح البخاري عن جابر يقول: ﴿استأذنت على الرسول ﷺ فقال: من؟ قلت: أنا! قال: أنا، كأنه كرهها﴾ يقول: من أنت؟ فـ (أنا) مجهول، فكل الناس يقول (أنا) لكن من أنت. واستدل النووي على ذلك -بتسمية الاسم- بأن الرسول ﷺ مع جبريل طرقا باب السماء فقالوا: من؟ قال: جبريل، قالوا: ﴿ومن معك، قال: محمد، قالوا: مرحباً بك وبمن معك﴾. وطرق أبو ذر على الرسول ﵊، فقال: ﴿من؟ قال: أبو ذر﴾. فلا بأس بالكنية، وكلنا محتاج إلى تعريف، قال سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ [الحجرات:١٣]. ومن الأدب في الإسلام -أيها الإخوة الأحباب! - أن إذا نزل بك ضيف أو وفد أن تسألهم عن أسمائهم. ولا تبق معهم وكأنهم صم بكم عمي فهم لا يرجعون، يتغدون ويتعشون، وينامون ولا تعرف أسماءهم. فأقول: يا أخي! يا فلان! هذا لا يصح، هذا ليس من أسلوب التعامل وليس من أدب الإسلام، قال الأزدي: أحادث ضيفي قبل إنزال رحله ويخصب عندي والمكان جديب وما الخصب للأضياف أن يكثر القرى ولكنما وجه الكريم خصيب يقول: أنا من صفتي أنني أحادث الضيف وهو على الراحلة، فكيف إذا نزل! ومن أدب الضيافة أن تحدثه وتؤنسه، قال بعض العلماء: هذا إشراق، قيل: لما كلم موسى ربه قال: يا موسى!: ﴿وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَا مُوسَى﴾ [طه:١٧]. وهي من المحادثة والأنس؛ وإلا فالله يعلم أنها عصا، وهو الذي خلقها ، ويعلم بفرعون والعصا.

стр. 4030

قول: (الله لا ينسانا ولا يقصانا) ونحوها ومن المسائل التي سمعتها من بعض الناس في دعائهم وربما تكون منتشرة في بعض النواحي لكن أخذ ما انتشر وما لم ينتشر حسباناً لانتشاره، كقولهم: (الله لا ينسانا ولا يقصانا) وهل الله ينسى، وهو القائل: ﴿فِي كِتَابٍ لا يَضِلُّ رَبِّي وَلا يَنْسَى﴾ [طه:٥٢] وأما ما ورد في القرآن كقوله تعالى: ﴿قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى﴾ [طه:١٢٦] وقوله: ﴿فَالْيَوْمَ نَنْسَاهُمْ كَمَا نَسُوا لِقَاءَ يَوْمِهِمْ هَذَا وَمَا كَانُوا بِآياتِنَا يَجْحَدُونَ﴾ [الأعراف:٥١] فكيف نحمل ذلك؟ النسيان هنا عند العرب: بمعنى الترك، أي: تركهم، ولا يعني أنه نسيهم ولا غفل عنهم، فقول القائل: "الله لا تنسني" أو "ربِّ لا تنساني " ليس بصحيح. سبحان الله! خلقك وسيَّرك وأحياك وأماتك ثم ينساك؛ جلَّ الله عن النسيان!! والنسيان صفة نقص لا تنسب له ، لا تقييداً ولاإطلاقاً، وتنفى عنه؛ فهو لا ينسى ﵎، ولا ينام ولا يصحو ولا تأخذه السِّنة ولا يحتاج إلى الطعام لا يطعم وهو يُطعم، فقول الشخص: (الله لا ينسانا) أو قوله: (اللهم لا تغفل عنا) من الألفاظ التي يُنْهَى عنها.

стр. 4031

موقف أهل العلم من الصفات وابن تيمية يذكر في كتابه درء تعارض العقل والنقل، وغيره من أن الصفات عند أهل السنة على أربعة أقسام: ١ - صفات نثبتها لله بإطلاق. ٢ - صفات ننفيها عن الله بإطلاق. ٣ - صفات نثبتها مقيدة. ٤ - صفات نستفصل فيها. - فأما الصفات التي نثبتها لله مطلقاً: فهي الصفات التي أثبتها ربنا لنفسه أو أثبتها له رسوله ﵊: مثل: الحكيم، العليم، الواحد، الأحد وأمثالها، فهذه نثبتها لله مطلقة. وأما الصفات التي ننفيها مطلقاً: فهي ما نفاه عن نفسه ورسوله ﵊ مثل: (السهو، والنسيان، والغفلة، والنوم، والحاجة، والولد، والصاحبة) فهذه ننفيها مطلقة. - وأما الصفات التي نثبتها مقيدة: فالتي ذكرها الله في القرآن مقيدة مثل قوله تعالى: ﴿فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ﴾ [التوبة:٧٩] فنقول: الله يسخر ممن يسخر منه، ولا نقول: ساخر، وكقوله : ﴿وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ * اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ﴾ [البقرة:١٥] فنقول: "الله يستهزئ بمن يستهزئ به" مقيدة، ولا نثبتها مطلقة، وكقوله : ﴿وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾ [الأنفال:٣٠] فنقول: "الله يمكر بمن يمكر به" مقيدة؛ لا أنه يمكر دائماً، وكقوله : ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ﴾ [النساء:١٤٢]. "فالله يخدع من يخادعه وليس يخدع مطلقاً. وانظر إلى قوله : ﴿وَإِنْ يُرِيدُوا خِيَانَتَكَ فَقَدْ خَانُوا اللَّهَ مِنْ قَبْلُ فَأَمْكَنَ مِنْهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ [الأنفال:٧١]. ولم يقل: (فخانهم)؛ لأن الخيانة صفة نقص، سواء أطلقت أو قيدت؛ فلم يأتِ بها فليعلم ذلك. وهذه قاعدة تكتب بماء الذهب، وبيَّض الله وجه شيخ الإسلام يوم حررها. - أما الصفات المستفصل فيها كصفة الجسم أو الجوهر أو التحيز فنقول: ماذا تريد بها؟ فلو قال مثلاً لنا قائل: "الله مهندس الكون" فلا نقول: لا، ولا نقول: نعم؛ وإنما نقول: ماذا تريد بكلمة (مهندس الكون)؟ فإن قصد بكلمة (مهندس الكون) أنه بنى الكون وشيده ، فنقول: صدقت وأحسنت؛ لكن استخدم غير هذه العبارة، قل: الذي خلق السموات والأرض، قال : ﴿بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [البقرة:١١٧]. وإن كان يريد بكلمة (مهندس الكون) مثلاً أنه شارك في خلق السموات والأرض -سبحانه جل عن الند والمثيل- أو قصد مشابهته بمهندس الدنيا؛ فنقول: لم تحسن في هذه العبارة لا مقصداً ولا لفظاً.

стр. 4032

قول: (المرحوم فلان، والمغفور له) ومن الألفاظ التي انتشرت بين الناس وخاصة في الصحف قولهم: (المرحوم فلان، والمغفور له) فلا يعلم السر إلا الله، ولا يعلم نتائج الناس إلا الله، ولا نشهد لأحد بجنة أو نار إلا من شهد له رسول الله ﷺ ؛ لكننا نسأل الله للطائعين الجنة، ونثني على الصالحين وندعو لهم، أما أن نقول: (المرحوم) فلا. وما يدريك! هل هو مرحوم أم لا؟! وما يدريك فلعل في قبره ناراً تلظي عليه؟! فكيف تقول: مرحوم أو مغفور له؟! وكيف نستبدل هذه العبارة؟ نقول للمسلم إذا مات: (فلان غفر الله له، وفلان ﵀؛ لأن هذا من باب الإنشاء، وذاك من باب الخبر، وأجاز أهل العلم الإنشاء ولم يجيزوا الخبر، لأنك إذا قلت: (المغفور له) فإنك تخبر! والخبر عن الله من علم الغيب، ولا يعلم من في السموات والأرض الغيب إلا الله. وأما من قال: ﵀ فهو من باب الدعاء، وهو إنشاء؛ فيجوز إنشاءً ولا يجوز خبراً؛ فليعلم ذلك. وهذا مثل قولهم: (فلان شهيد) فالله أعلم بحاله، لكننا نرجو لمن مات في سبيل الله؛ أنه مات شهيداً، لأنه لم ترد نصوص في ذلك للعلم بها وإلا فالرسول ﷺ قيل له ذلك لما مات عثمان بن مظعون -كما في صحيح البخاري - فغضب ﵊ وقال: ﴿وأنا رسول الله! والذي نفسي بيده لا أدري ما الذي يفعل بي!﴾ فالعلم عند الله، لكن نشهد للصالح الذي يعتاد المسجد خمس مرات في اليوم، والصادق الصائم المنيب، وبار الوالدين وواصل الرحم، فنثني عليه، ونحن شهداء الله في أرضه، ومثل هؤلاء نشهد لهم في أرضه. وقد ذكره ابن تيمية -على العموم- في الفتاوى في مجلد مجمل اعتقاد أهل السنة وغيرها، يقول: هذا من أقوال أهل السنة تجدونه في المجلد الثالث في باب الاستثناء في الإيمان.

стр. 4033

قول: (لقيته صدفة) ثم من كلامهم المشهور والمتداول بين الناس " لقيته صدفة ": وهل الصدفة واردة؟ لا. ليس في خلق الله صدفة! قال سبحانه: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ * وَمَا أَمْرُنَا إِلَّا وَاحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ﴾ [القمر:٤٩ - ٥٠] وقال سبحانه: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ [الحديد:٢٢]. وكل شيء بقضاء وقدر والليالي عبر أي عبر قال الحسن البصري لتلاميذه: [[والله لَوَضْعُ يدي هذه اليمني في اليسرى بقضاء وقدر من الله، ومن لم يؤمن بالقضاء والقدر فقد كفر]]. وقال ﵊ في أركان الإيمان الستة: ﴿وأن تؤمن بالقضاء والقدر حلوه ومره خيره وشره﴾ وعند مسلم في الصحيح قوله ﵊: ﴿احرص على ما ينفعك، واستعن بالله ولا تعجز، ولا تقل: لو أني فعلت كذا لكان كذا وكذا؛ ولكن قل: قدَّر الله وما شاء فعل﴾ ومن أنكر القضاء والقدر فقد كفر، لأنه يقصد به أنه ليس لله سابق علم، وكأن الله لم يقدر في قوله أن نلتقي، بل يقول: بينما أنا في المطار لقيني صدفة! لا. بل لقيك بقضاء وقدر؛ بل قل: قدَّر الله أن يلقاني. وقول: (ودخلت الفصل؛ فرأيت الأستاذ صدفة) والصدفة مدخل للشيوعية؛ فإنهم دخلوا بثلاث مداخل: دخلوا بـ (لا إله والحياة مادة) وهي التي أسس عليها ماركس كتابه في الشيوعية ونحن نقول: (لا إله إلا الله محمد رسول الله). وقبل ثلاثة أشهر كانت هناك مقالة في مجلة الدعوة أن جرباتشوف وأمثاله يعلنون خسارة الشيوعية في العالم، وأن الإلحاد كذبة، وأنه ثقافة، وأنه ليس بصحيح؛ ولذلك عزل ستة وزراء من وزرائه، ولا يريد أن يدخل في التوحيد والإيمان؛ ولكنه يقول: هذا النظام الذي قام على الإلحاد ليس بصحيح، بل هناك قوه فاعلة في العالم يسمونها (الطبيعة) ويسميها ابن سينا (العقل الفعال) ونسميها نحن (الله الذي لا إله إلا هو الذي يملك الضر والنفع، الذي بيده كل شيء) وقتل الشباب في بكين من أسبابه هذه النظرية اللعينة الخاطئة. ودخلوا كذلك بمدخل (الصدفة) وقالوا: الكون ليس له قضاء وقدر والكون كذا، فأنت تدخل الفصل بلا قضاء ولا قدر، وتأكل بلا قضاء ولا قدر؟ ودخلوا كذلك بمدخل (الطبيعة) وقالوا: "الطبيعة تسير الأحداث" البكتيريا تأتي بالدود، وتأتي بالطيور، وتأتى بالحشرات. فنقول: كذبتم! بديع السموات والأرض وحده لا شريك له. وهذه المسائل التي أحببت التنبيه عليها.

стр. 4034

قول: (حتمية التاريخ) ومنها: قول بعض الناس وخاصة الصحافة: "من حتمية التاريخ" وليس للتاريخ حتمية، ولا يفعل في الكون إلا الله، ولا يقضي إلا الله، "حتماً يقول التاريخ للأمة أنها أمة نامية، والرجعية رجعية، والقوية قوية" قالوا: هكذا حتمية التاريخ. ويقولون: من حتمية التاريخ أن الدول تنهار، أي: بعد أن تصبح عالية تبدأ في الانهيار؛ لكن من الذي سبب وحكم عليها بالانهيار؟ إنه الواحد القهار الذي بيده ملكوت كل شيء ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لا يَعْلَمُهَا إِلاَّ هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلاَّ يَعْلَمُهَا وَلا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الأَرْضِ وَلا رَطْبٍ وَلا يَابِسٍ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ [الأنعام:٥٩]. إذاً: حتمية التاريخ خطأ.

стр. 4035

قول: الأخوة الإنسانية وألحق في ذلك مسألة تسمعونها عند من لا يؤمنون بالله، أو عند العلمانيين يقولون: "الإنسانية، والأخوة الإنسانية" ولا يذكرون الأخوة الإسلامية، لكن الإنسانية، ويدخل فيها: رابين وجرباتشوف وبوش، وكل عدو لله يدخل في هذه المظلة؛ وأما إذا قلنا: (الأخوة الإسلامية)؛ خرج منها أعداء الله وبقي حزب الله: ﴿أَلا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [المجادلة:٢٢] وقال سبحانه: ﴿أَلا إِنَّ حِزْبَ الشَّيْطَانِ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾ [المجادلة:١٩] وقال: ﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ﴾ [المائدة:٥٥] وقال: ﴿وَمَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ﴾ [المائدة:٥٦] ﴿أَلا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ * الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾ [يونس:٦٢ - ٦٣] وقال سبحانه: ﴿وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ ثُمَّ لا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ﴾ [محمد:٣٨] وقال سبحانه في سورة المائدة: ﴿أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ [المائدة:٥٤]. هذه صفات المؤمنين وأما (الأخوة الإنسانية) فما سمعنا بها في آبائنا الأولين، ولا في الكتاب ولا في السنة ومعنى ذلك: أنك تدخل القطط والكلاب والحمير والخنازير، والكفرة والملحدين والمعرضين في الأخوة الإنسانية.

стр. 4036

قول: (شاءت الأقدار ونحوها) ومنها قولهم: (شاءت الأقدار) وإنما أقول هذا؛ لأنه يشعر بالاستقلالية في الأقدار والصفات وسبق في بعض المناسبات أن قيل " يا رحمة الله! "، وفي حوار مع بعض العلماء ثبت أن هذه لا تطلق، وأن الصحيح عدم إطلاقها وألا نقول: (يا رحمة الله!) ولا (يا غوث الله) ولا (يا لطف الله)؛ لأن هذه تشعر بالاستقلالية في الصفة؛ بل ننادي الواحد الأحد: يا الله، يا رحمن، يا رحيم، يا واحد، يا أحد، يا صمد، يا من لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفواً أحد. أما هذه (شاءت الأقدار) فلا. لأن الله قدر؛ ولأننا لو قلنا: (شاءت الأقدار) أو (أبت الأقدار) (ما سمحت الظروف) (لا بل ما سمحت الظروف) فهذا خطأ؛ بل الذي يسمح ويمنع ويقدم ويؤخر هو الله. فقوله: (ما سمحت له الظروف) هو الصدفة، مثل (ما شاءت الأقدار)؛ وهي خطأ فليعلم ذلك.

стр. 4037

قول: (ما رأي الدين) ومنها قول السائل في كثير من الأسئلة التي تعرض: ما رأي الدين؟ والدين ليس له رأي، قال تعالى: ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى * عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى﴾ [النجم:٤ - ٥]. فالدين قال الله وقال رسوله، والدين ليس رأياً: [[جاء رجل إلى ابن عمر قال: يا ابن عمر! أرأيت لو أني طفت قبل أن أسعَ أو سعيت قبل أن أطوف، قال: اجعل أرأيت في اليمن]] قال: اترك أرأيت في اليمن وتعال. ولذلك سموا فقهاء الأحناف أو بعضهم لما أكثروا من الرأي (ارتيائيين) أي: ارتيائي على الرأي، والرأي دائماً لا يصيب؛ لأنه إلى من يعود؟ ألآرائنا أو لرأي فلان أو علان! ولذلك أمرنا الله عند التنازع أن نعود إلى الكتاب والسنة؛ لا لرأي أحد من الناس، ولا لرأي أحد من العلماء. وسؤال الأخ، إذا سأل وقال: ما رأي الدين ليس بصحيح. وهذه الكلمة يذكرها مثل مجلة المسلمون وعليها ملاحظات، وهي لم تتميز حتى الآن، ولا بد أن يسأل المحررون عليها: ماذا تريدون؟ وأين الصفاء؟ وأي قلم تكتبون به؟ وما هي مقاصدكم؟ فهم مرة يأتون بصورة من صور الإسلام فيظهرونها بصورة مشوهة، ومرة يعرضون قضية تشوه أفكار العامة، ومرة يأتون بفتاوى رخيصة لا تساوي الحبر الذي كتبت به، ويعارضون بها فتاوى أهل العلم، ومرة يأتون بقضايا تشوش على أذهان الناس، وأنصح طلبه العلم أن يحذروا كل الحذر من هذه المجلة، ومن تصيد الأخبار منها؛ يجد أن أسانيدها من الإسرائليات أحياناً. أوردها سعد وسعد مشتمل ما هكذا يا سعد تورد الإبل فيوردون في كثير من الأسئلة: ما رأي الدين؟ والدين ليس له رأي، إنما هو كتاب وسنة.

стр. 4038

قول: (اللهم اغفرلي إن شئت) وقول القائل وعليه كثير من الملاحظات، وهذه قد أفتانا فيها محمد ﷺ ، فقال: ﴿لا يقل أحدكم: اللهم اغفر لي إن شئت، ولا يقل أحدكم: اللهم ارحمني إن شئت؛ بل فليعزم المسألة، فإن الله لا مكره له﴾ أي: ارحمني إن شئت، بل يعزم المسألة فإن الله يحب الملحاح في الدعاء، قال سبحانه: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَباً وَرَهَباً وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ﴾ [الأنبياء:٩٠].

стр. 4039

تقديم بعض الألفاظ في السلام ومنها: تقديم بعض الألفاظ في السلام، فإن الرسول ﷺ كما في مسند الإمام أحمد قال: ﴿أولى المؤمنين بالله من بدأهم بالسلام﴾ والسنة عند المسلمين وعند أهل السنة؛ أن تبدأ بالسلام ولا تقدم كلاماً عليه -كما يفعل بعض الناس إذا التقوا في الصفوف قالوا: سلمتم والسلام عليكم. أرحبوا يا ضيفان! الله يحييكم، قال: سلمتم. والسلام عليكم- فهذه مخالفة للسنة، وهذه أقرب إلى عادات الجاهلية، والسنة أن يسكت المستقبلون في أماكنهم، ولا نصفهم بالبخل أبداً، فهم كرماء؛ لكن يتقيدون بأمر رسول الله ﷺ حتى يأتي الضيوف فإذا قالوا: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، يقولون: وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته؛ ثم يقولون: ما أرادوا من الكلام: مرحباً، ألف أهلاً وسهلاً، مرحباً تراحيب السيل، يا أهلاً يا سهلاً، يا مرحباً، وقد عقد البخاري في الأدب المفرد " باب قول المضيف مرحباً " يقول: هل يقول مرحباً؟ وأضاف "باب هل يقال أهلاً" فأورد حديث أم هانئ في الصحيحين وفي المسند والمسانيد: ﴿أنها دخلت على الرسول ﵊ فسلمت، فقال من هذه؟ فقالوا: أم هانئ، فقال: مرحباً بـ أم هانئ﴾ وقال عمر لـ عدي بن حاتم، وعليكم السلام حياك الله؛ أما أن تقول: (سلمكم) فتقدم على لفظ الرسول وعلى لفظ القرآن؛ فهذه التحيات من الجاهلية، أما الصحابة فكان الرجل إذا لقي الرجل رد عليه؛ فلا يقدم أي كلام، والتراحيب تأتي بعد التحية.

стр. 4040

قول: (العصمة لله) ومنها -أيها الإخوة! وسوف تأتى- قولهم " العصمة لله " فمثلاً: تسأله مسألة فيقول لك: أخطأت والعصمة لله، وهذه المسألة خطأ، وقد نبه عليها الكثير من العلماء؛ لأن الله لا عاصم له، والمعصوم يحتاج إلى عاصم، والعصمة أمر نسبي يدخل فيها الاشتقاق، والله لا يعصمة أحد من الناس؛ فلا نقول: (العصمة لله)؛ لكن نقول: (الكمال لله ، والجلال والعظمة له) أما قول: (العصمة لله) فليس بصحيح هذا اللفظ، ويصح لك أن تقول: المعصوم محمد ﷺ ؛ أما الله؛ فلا تقل: العصمة لله؛ لأن المعصوم يحتاج إلى عاصم، والله لا يعصمه أحد .

стр. 4041

قول: (صدق الله العظيم) بعد التلاوة ومنها قولهم بعد التلاوة: (صدق الله العظيم) وهي بدعة لم يقلها رسول الله ﷺ ولا أصحابه، ولم تأتِ في السنة. ومعناها صحيح واستخدامها خطأ وبدعة، وإلا فالله يقول في سورة آل عمران: ﴿قُلْ صَدَقَ اللَّهُ﴾ [آل عمران:٩٥] والله صادق وهو أصدق الصادقين، قال سبحانه: ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثاً﴾ [النساء:٨٧] لكنَّ استخدامها بعد التلاوة يكون بدعة فليعلم ذلك.

стр. 4042

قول الداخل للإمام: (إن الله مع الصابرين) قول الداخل للإمام: ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ [البقرة:١٥٣] وذلك عند دخوله والإمام راكع، فالداخل يريد أن ينتظره الإمام حتى يدركه في الركعة، فيتنحنح -أي: يصدر صوتاً- ويقول: (إن الله مع الصابرين) فنبه عليها العلماء وحذروا من استخدامها، وهي من البدع المستحدثة، فلا تستخدم، بل كما قال ﷺ : ﴿يأتي أحدكم إلى المسجد فما أدركتم فصلوا وما فاتكم فأتموا﴾ أو كما قال ﵊، أي: تدخل بسكينة ووقار، فإن أدركت الركوع فبها ونعمت؛ وإن لم تدركه فصل ما فاتك ولا تقل: ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ [البقرة:١٥٣] أما أن تتنحنح لكي يسمعك، فهذا ليس بالصحيح. وسئل أحد العلماء: هل ينتظر الإمام الداخل؟ قال: إذا لم يشق على الناس والإمام أحمد يرى ألا ينتظره، قال: يصلي صلاته العادية، أي لو تنحنح عشرين مرة، ولو كرر: ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ [البقرة:١٥٣] ألف مرة. لأن وراءك ألفاً أو مائةً أو ثلاثمائة وهم أولى من واحد متأخر لو فرط.

стр. 4043

رد التحية بغير السلام ومنها: رد التحية بغير السلام: تقول: (السلام عليكم ورحمة الله) فيرد: (أهلاً ومرحباً) وهذا خطأ، ومخالفة لسنة الرسول ﷺ ، وهي من أفعال الجاهلية، أو تقول: السلام عليكم فيقول: (حياك الله) أو (الله يحييك). بل يكون ردك إذا سلم عليك. وعليك السلام ورحمة الله وبركاته، كما قال سبحانه: ﴿وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا﴾ [النساء:٨٦] وقال سبحانه: ﴿سَلامٌ قَوْمٌ مُنْكَرُونَ﴾ [الذاريات:٢٥] فالتحية ترد بمثلها أو بأحسن منها، وهي السلام. ومنها: الاكتفاء عند بعض الناس: أي: قبل أن يسلم عليك، أحدهم يقول: صباح الخير، فتقول: صبحك الله؛ ثم ينصرف فهذا خطأ، ويلقاك في المساء فيقول: (مساء الخير) وإذا اتصلت بالهاتف، قال (ألو) وهي إنجليزية، ونحن لدينا (نعم) فمن أين (ألو) هذه؟ وما الذي أحوجنا إلى هذا الكلام؟! أنحن إنجليز أم عرب؟ فالكلام الذي نتكلم فيه بيننا؛ نتكلم به في التلفون، ونترك هذه المصطلحات المستوردة. يقول أحد المفكرين: تعلمت من الإنجليز ثلاث كلمات، رأيتها في مذكرات علي الطنطاوي، منها: يقول: (بليز) وهي تعني: من فضلك، ومعناها عندنا بالعربي (إبليس) يقول: قال لأحد الخدم في المطعم: بليز، يطلبه ووتر أي: ماء، قال: يا إبليس! أعطني ماء ومنها من الألفاظ، (وِلْكَم) يعني: حياكم أو أهلاً، ومعناها بالعربية (ويْلَكُم) وكلمة نعود إليها، ولعلها تبحث لما فيها من الفوائد والله المستعان. وعلى كل حال: ألفاظنا ينبغي أن تكون إسلامية. وقد ذكر ابن تيمية -ويعرف ذلك طلبة العلم- في اقتضاء الصراط المستقيم أن من قدم غير اللغة العربية عليها لغير حاجة لها ففيه شعبة من النفاق ومثاله: أن يذهب إنسان إلى أهله في بادية أو قرية فيقول: (هلو جدمورنينج سير) ولا يوجد داعي؛ فهم بدو أو عوام أو عجائز لا يعرفون حتى العربية، ولا يعرفون: ضرب زيد عمَراً؛ فيستخدم هذا؛ قال: فهو في شعبة من النفاق وهو الصحيح؛ لأنك لا تجد هذا الصنف إلا يحب الخواجة أكثر مما يحب المسلم، ومتعلق بـ أمريكا، فهو في الخميس هنا لكن قلبه في واشنطن فلا يعجبه إلا ذلك الطراز، وصدق ابن تيمية. لكن عند الحاجة فإنا نطلب أن يتعلم الإنسان اللغة الإنجليزية، فهي واجب على الكفاية، فالرسول ﷺ : ﴿أمر زيد بن ثابت أن يتعلم العبرية لغة اليهود فتعلمها في خمسة عشر يوماً﴾ والله أرسل رسلاً لكل قوم، والإنجليز يخاطبون بلغتهم، والروس، وحيَّهلاً بمن تعلم اللغة وأجاد ودعا إلى الله؛ أما التعلم تكبراً وتبجحاً وتظاهراً؛ فهذا من شعب النفاق.

стр. 4044

قول: (استوينا لله اللهم أحسن وقوفنا) ومنها قولهم بعد قول الإمام (استووا): (استوينا لله) وهذه ألفاظ شرعية لا بد أن تضبط ولم يقل الصحابة ذلك وراء الرسول، ولم يعلمهم (استوينا لله) فالله يعلم أنكم استويتم واعتدلتم، وأحد الأئمة يقول: أخبرني إمام وقد كان يطيل في الصلاة كثيراً، وكان إذا سوى الصفوف أخذ وقتاً طويلاً، فصلى هذا الإمام بأناس في صحراء وقال لهم: استووا، استووا، استووا، وكان تحتهم حرارة الرمضاء أي: حجارة حارة، فقال: (استووا) فرد عليه أحد الناس قائلاً: (اشتوينا) يعني: اشتوت أرجلهم من حرارة الشمس. فعلى كل حال لا يقال استوينا؛ بل تدعو الله، وتستغفر، وتسبح، وهو أمر مطلق لا تتقيد به دائماً. وقولهم: (الله أحسن وقوفنا بين يديك) واتخاذه شعيرة أو سنة، فإنها تصبح بدعة؛ لأن تكييفها في حالةٍ وزمنٍ تُدخلها في البدعة.

стр. 4045

قول: (نويت أن أصلي) ومنها: (نويت أن أصلي كذا وكذا) والجهر في هذا الكلام بدعة كقول أحدهم " نويت أن أصلي الظهر أربعاً والعصر أربعاً "، وقد نبه على ذلك ابن القيم في زاد المعاد، في هديه ﷺ في الصلاة.

стр. 4046

قول: (اللهم صل على سيدنا محمد) وقول بعضهم في التحيات في الصلاة: (اللهم صلِّ على سيدنا محمد) وكلمة " سيدنا " لم تأتِ في النصوص، وهي دخيلة، ولا يجوز أن نستخدمها في النصوص، ولا يجوز أن نستخدمها هنا، ولم يصح بها حديث في التشهد، أما كلمة (سيد) فقد استخدمها ﷺ ، ففي البخاري قوله في الحسن: ﴿إن ابني هذا سيد﴾ ومثله في البخاري قوله ﷺ : ﴿قوموا إلى سيدكم﴾ وكقوله : ﴿وَسَيِّداً وَحَصُوراً وَنَبِيّاً مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ [آل عمران:٣٩] والسيد كامل السؤدد، فاتضح أن استخدامها في التحيات لا يجوز.

стр. 4047

التأمين برفع الأيدي يوم الجمعة ومنها: التأمين برفع الأيادي في الخطبة يوم الجمعة، مثلاً: "اللهم أصلح ولاة المسلمين " فيقولون: "آمين" ولا يصح رفع الأيدي بعد الخطيب يوم الجمعة، فليس فيه نص ولا حديث فيما أعلم، ومن عنده دليل فليأتِ به لنستجيب؛ وإلا فلا يصح هذا الأمر، وهو من البدع التي انتشرت. فرفع المأمومين أيديهم بعد الخطيب يدعون، لا يصح إلا في مسألة واحدة: إذا استسقى الخطيب على المنبر فدعا؛ فعليهم أن يرفعوا أيديهم، أما إذا أطلق الدعاء؛ فلا يرفعون أيديهم، ويؤمن الإنسان في نفسه ولا يردد مع الإمام. وإذا قال الإمام: فاذكروا الله يذكركم؛ قالوا: (لا إله إلا الله) أو: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ﴾ [الأحزاب:٥٦] فيرتج المسجد " اللهم صلِّ على النبي"، فهذا من اللغو، بل يصلون في أنفسهم، ويؤمنون في أنفسهم؛ لأن المقصد الاستماع والإنصات ﴿ومن قال لأخيه: "أنصت أو صه" فقد لغى ومن لغى فلا جمعة له﴾ وهذا في سنن أبي داود ومسند أحمد.

стр. 4048

قول (لولا الله وفلان) ومن المسائل: "لولا الله وفلان" وهي تدخل في الشرك اللفظي، أي: من الألفاظ الشركية (والله ومحمد) (لولا الله وأنت) فهذه ألفاظ الشرك. بل يقال: (لولا الله وحده) (ولا أسأل إلا الله وحده) ولو قال: أنت فعلت ذلك بفضل من الله ثم بفلان " فلا بأس لأن " ثم " للتعقيب والتراخي بخلاف " الواو " فإنها للتشريك و"الفاء" للتعقيب؛ فينبغي أن يفصل بينها بثم أو استقلال اللفظ لله.

стр. 4049

سب الدهر ومن الألفاظ: سب الدهر، وذم الأيام، كقول شاعر الجاهلية: لحا الله هذا الدهر إني وجدته بصيراً بما ساء ابن آدم مولعا وكقول أحدهم: (قبحاً لهذا الزمان) أو (خيب الله هذا العهد) أو هذا الدهر، أو هذا الليل، أو زماننا هذا زمان قبيح، وهذا الزمن جر علينا المصائب. فهذا لا يصح، فقد صح عنه ﷺ أنه قال: ﴿قال الله : يؤذيني ابن آدم ويسبني ابن آدم ويشتمني ابن آدم، أما سب ابن آدم لي: فإنه يسب الدهر وأنا الدهر أقلب الليل والنهار كيف أشاء، وأما شتمه إياي " فإنه يزعم أن لي صاحبةً وولداً؛ وما كان لي صاحبة وولد وهو لم يتخذ صاحبة ولا ولداً -أو كما قال ﵊﴾. فسب الدهر من كلمات أهل الشرك، ونسبة الأفعال إلى الدهر لا تصح؛ فليعلم هذا حفظكم الله، فسب الدهر -أي سب الليل والنهار- لا يجوز! والجاهليون الدهريون قالوا: ﴿وَقَالُوا مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ﴾ [الجاثية:٢٤] فيعني الدهر (الليل والنهار) فلا يملك إلا الله، ولا يحيي إلا الله، ولا يشافي إلا الله. والأيام كلها ظروف، يفعل الله فيها ما يشاء.

стр. 4050

قول (رجال الدين) ومنها: قولهم: (رجال الدين) كأن يقال " ما رأي رجال الدين في هذا " أو "هذا من رجال الدين" أو " مطاوعة" أو نسبه قوم من الناس " ناس للدين وناس للدنيا " لا. بل نحن للدين والدنيا، وليس عندنا رجال دين، ورجال الدين في الكنيسة، وهذه الكلمة أتت مترجمة من الكنيسة؛ لأنه في الكنيسة كان هناك رجال دين، وكان هناك رجال دنيا، أما نحن فنقول على حد قوله : ﴿قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الأنعام:١٦٢] فالحياة والموت وأعمالنا وتجارتنا وصلاتنا لله الواحد الأحد؛ فليس عندنا رجال دين ورجال دنيا، والذي لا يكون للدين فهو للشيطان، والذي لا يكون لله فهو لإبليس. فنسبة رجال الدين وتخصيصها لنوع من النفر ليس بصحيح، وهذا من الكنيسة النصرانية، ولا يصح تسميتها عند المسلمين. وكلمة " مطوع " نقول لمن قال هذا: إنها في العربية ليست مستقيمة، بل هي مستبدلة، وإلا مطيع وطائع، والطاعة لله : ﴿وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا﴾ [البقرة:٢٨٥] طائعين، فالصحيح (الطائع أو مطيع). أما (مطوع) فلا تصح من حيث العربية، واستخدامها لنفر من الناس ليس بالصحيح ونقول -لمن قال: مطوع-: وأنت إما أن تكون مطوعاً أو عاصياً، ليس هناك إلا قسمان (عاصٍ وطائع لله) فإما أن تكون طائعاً لله أو عاصياً لأوامر الله تبارك الله رب العالمين.

стр. 4051

المصافحة بعد الفريضة وجعلها سنة الدعاء بعد الفريضة برفع الأيدي والمصافحة بعد الفريضة، واتخاذها شعاراً دائماً بعد أن يسلم الإمام بدعة، وقد نبه كثيرون عليها، وقد نص ابن تيمية وابن القيم أنها من البدع المنتشرة عند المسلمين. فأقول الدعاء بعد الفريضة وارد أما رفع الأيدي فلا، فقد صح عن معاذ ﴿أن الرسول ﵊، قال: يا معاذ! والذي نفسي بيده إني أحبك! فلا تدعن دبر كل صلاة أن تقول: اللهم أعني على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك﴾ أما رفع الأيدي بعد السلام مباشرة بالدعاء كما يفعل بعض الناس، فليس بصحيح وهو من البدع. بل تدعو بدون رفع للأيدي، وتسبح كما ورد في السنة. ومنها: اتخاذ المصافحة شعاراً، فتجد بعض الناس -وهم كثير- في الحرمين وفي بعض المساجد إذا صافح قال: (تقبل الله) وقد نص كثير من العلماء على أنه بدعة، وأنه لم يرد عن السلف؛ أما إذا كان أحد من الناس قدم من سفر ورأيته؛ فسلم عليه، أما رجل دائماً معك في كل صلاة فتقول: (السلام عليك تقبل الله، تقبل الله) فلا. وبعضهم يسلم على ثلاثة عن يمينه وثلاثة عن يساره، وثلاثة أمامه وثلاثة خلفه؛ حتى تجد بعض الناس في الحرم يكلم الناس ويقطع عليهم ذكرهم وتسبيحهم ويشوش عليهم، وهذا من الجهل والبدع.

стр. 4052

ألفاظ شركية ومن الألفاظ الشركية التي انتشرت وقد نبه عليها كثيرٌ من الأئمة والخطباء والتي قد تصل بصاحبها إلى الشرك، مثل قوله: " خذوه " أو "شلوه" -نسأل الله العافية- وهي من نسبة الأفعال والتصرف في الكون للجن وهذا شرك. فلا يصرف إلا الله قال تعالى: ﴿وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً لا يَخْلُقُونَ شَيْئاً وَهُمْ يُخْلَقُونَ وَلا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ ضَرّاً وَلا نَفْعاً وَلا يَمْلِكُونَ مَوْتاً وَلا حَيَاةً وَلا نُشُوراً﴾ [الفرقان:٣] فنسبة هذه الأفعال لغير الله غير صحيح، وهذا ينبه عليها. أو قول البعض " نعوذ بالله سبعة " وهذا أمر عجيب! وأخبرنا أحد الإخوة: أنه نزل إلى السوق يأكل تمراً؛ فأتى عند رجل فقال: ستة مبارك ثمانية، أي: قفز عن لفظ سبعة في الكلام؛ حتى لا ينصرف إلى الجن، فقال هذا الشاب له: قل سبعة؛ فقفز الرجل على الشاب، وقال: " باسم الله، اللهم احفظني واحرسني" وهذا من اعتقادهم أنهم يضرون وينفعون، ولا ينفع إلا الله : ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ * اللَّهُ الصَّمَدُ * لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ﴾ [الإخلاص:١ - ٤] وهذا من الخطأ، ومن صرف الأفعال التي يؤثر الله فيها بالكون، والناس لا يملكون ضراً ولا نفعاً. فهذه من الأفعال التي انتشرت بين الناس وأحببت أن أنبه عليها حتى لا يقع فيها الناس، ونسأل الله لنا ولكم الهداية والرشد والسداد.

стр. 4053

الإرجاء حقيقتة وخطره ومعي قضية أختتم بها الحديث. مسألة الإرجاء: وهي مسألة منتشرة بين كثير من الناس، وهو مذهب بدعي فـ المرجئة يقولون إن الإيمان قول واعتقاد، أما العمل فلا يدخل فيه، والناس متساوون في الإيمان، ولا يلزم الإنسان أن يفعل صالحاً إذا آمن، قال ابن تيمية في المجلد السابع: " جعل المرجئة الإسلام كالثوب البالي"، والمرجئة منتشرة بين الصفوف، خاصة أن كثيراً من الناس الذين لم يقبلوا على الله فليس عندهم توبة وليس عندهم عمل صالح، فتقول له: صلِّ، فيقول: الله غفور رحيم ويزني ويقول: الله غفور رحيم، ويقول: الله لا يؤاخذنا بأعمالنا، والله أرحم من ذلك، والله أرحم من أعمالنا!! وأحد الناس الكبار في السن لقيته مع أحد الإخوة في مسجد من المساجد، فكان جالساً، وليس لديه عمل، دائماً في المسجد؛ لكنه لا يسبح ولا يقرأ ولا يذكر الله يعني: ينظر إلى الشارع فيوصل السيارات برأسه، يراقب الأولى ثم يأخذ الثانية ثم الثالثة، فقلت له: يا والد! حفظك الله: لو استغللت وقتك وقلت: (سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله) وجئت له بأحاديث؛ فقال: يكفي أن أصلي، فالله ليس بحاجة لتسبيحنا، وأنا -والله- لا أريد من الله إلا الصلاة التي أصلي له سبحان الله! وهذا حصل معي مع بعض الشباب، وكثير من الشباب الذين عندهم كثير من العلم، لكنهم يقعون في كثير من المعاصي والخطايا ويقولون: (الله غفور رحيم) أما قرأوا: ﴿إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ وأنه: ﴿لا يُعَذِّبُ عَذَابَهُ أَحَدٌ * وَلا يُوثِقُ وَثَاقَهُ أَحَدٌ﴾ [الفجر:٢٥ - ٢٦]؟! فمذهب الإرجاء منتشر؛ ولذلك تجده يرجو رجاءً عظيماً ويعمل عملاً سيئاً؛ فلْيُعْلَمْ هذا، فهو من الخطورة بمكان، وهو منتشر في صفوف كثير من الناس؛ حتى أخبرنا أن بعض الناس عرف في حيه أنه من أفظع الناس في الخطايا، يرتكب منها أمثال الجبال؛ فلما ذهب بعضهم إليه في البيت لينصحه، قال: اسمع، وكأنه يريد أن يقنعه بالحديث فانظر إلى هذا القحط الذي وقع في الدنيا، قال: نحن في خير والحمد لله، ولو ذهبت إلى أمريكا وفرنسا لرأيت العجائب، أما نحن -والحمد لله- فنحن في خير واستقامة، والله ليس بحاجة إلى عملنا، وأبشرك أننا مصلحون وفي خير. ماذا تقول لهذا؟ ألم يقرأ القرآن والسنة؟ فهو يرد عليك بكلام أهل الإرجاء. فهي بدعة مشينة؛ وهي تحطم الدين؛ وتقطع تقوى الله رب العالمين؛ وتسد طريق السالكين إلى الله، فليحذر من الإرجاء، فإن الله قد يغضب من كلمة يقولها الشخص في مجلس، فتهوي به في النار سبعين خريفاً، أو ربما يفعل فعلة لا يرضى الله بها عنه أبداً. بكى الحسن البصري فقالوا: مالك؟ قال: أخشى أن يطرحني في النار ثم لا يلتفت إليَّ. فنسأل الله العافية والسلامة.

стр. 4054

الأسئلة

стр. 4055

حديث (ملعون من سأل بوجه الله) السؤال ما صحة هذا الحديث: ﴿ملعون من سأل بوجه الله، ملعون من لم يجب﴾؟ الجواب بحثت عن هذا الحديث مع بعض الإخوة وهو في كشف الخفاء ومزيل الإلباس وقد نسبه للطبراني وقال: سنده حسن عند بعض الأئمة، لكن في القلب من تحسينه شيء، وعلى كل حال تكلم فيه بضعف ثم قال وسنده حسن عند بعض الأئمة، والذي يظهر لي أنه ضعيف، وأن كلام العجلوني أو السخاوي -والسخاوي نص كذلك على نسبته إلى الطبراني في الكبير وحسنه- فيه نظر؛ ولكن الذي أقوله الآن أن النص لا يُطمأن إليه وقد نص بعض العلماء والأئمة أنه ضعيف.

стр. 4056

حكم لعن الشيطان السؤال ما حكم لعنة الشيطان؟ الجواب الشيطان ملعون، ويجوز لعنه، لكن حُبذ في بعض الأحاديث ألا تلعن الشيطان لأنه ينتفض كالجبل، ولكن استعذ بالله منه، وأنا أرى أن يقال: " أعوذ بالله من الشيطان الرجيم" لأنه أفضل، وإلا فيلعن.

стр. 4057

حكم قول (أنا أكبر من الله) السؤال ما حكم قول بعض الناس فيما يقوله في المزاح: " أنا أكبر من الله " ويريدون فيها أنه يكبر بتوفيق من الله، يعني من الله؟ الجواب هذه العبارة لا تستخدم، ولا يجوز أن تلقى على الناس لأنه وقع بها الإيهام الذي نهى عنه أهل العلم، قال علي بن أبي طالب: [[حدثوا الناس بما يعرفون، أتريدون أن يكذَّب الله ورسوله]] وقال ابن مسعود: [[إنك لست محدثاً قوماً حديثاً لا تبلغه عقولهم إلا كان لبعضهم فتنة]] فلا يحدث بهذه الألغاز، ويضيع بها الحياة إلا من قل حظه من العلم الشرعي، والغريب أنك تجده لا يجيد الوضوء ولا يعرف سجود السهو، ويقول: أنا أسألك عن شيء إذا رفعته بكى وإذا خليته سكت، وأسألك عن معنى " أنا أكبر من الله "، " وأسألك عن شيء إذا اقتربت منه ابتعد عنك وإذا ابتعدت عنه اقترب منك، وهذا كلام خزعبلات يليق بعجائز البربر وشيوخ القمر، أما طلبة العلم والأخيار فليس هذا حديثهم. وكلمة " أنا أكبر من الله " موهمة، فالكبير هو الله، وما الداعي لقول هذا الكلام، فهذا قد أخطأ وضل ضلالاً مبيناً، وكذب على الله، وأنا أعرف قصده، لكن لماذا يستخدم هذه الكلمة المهينة المشوشة المسيئة. وقوله " أنا أطهر من الكعبة " بل هو أنجس من الكلب -نعوذ بالله- فإن كان قصده هذا الكلام؛ فهو أنجس من الكلب " -إن كان يقصد ما يقول- وإن كان قالها تبجحاً؛ فهو جاهل نأتي به فنعلمه ونؤدبه، ونمر به على القاضي يحكم عليه بعشر جلدات بعد صلاة الجمعة ليذهب يتغدى مع أهله، ولذلك يقول السيوطي من يستخدم الألفاظ المجملة على القضاة أن يؤدبوه، على الناس أن ينتبهوا لهذا. ويقول في الثاني: أنا أنجس من الكلب ويقصد بها أنه يتنجس من الكلب، فهذا حكم على نفسه، ولا نأخذ إلا حكمه على نفسه. وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.

стр. 4058

الصيام تدريب روحاني رمضان شهر التوبة والغفران، وهو أعظم فرصة للمذنبين ليعودوا إلى الله. وفي هذا الدرس بيان لهدي النبي ﷺ ، وهدي السلف الصالح في رمضان، وبيان للأخطاء التي يرتكبها الناس في رمضان.

стр. 4059

وقفات مع آيات الصيام الحمد لله الذي كان بعباده خبيراً بصيرا، وتبارك الذي جعل في السماء بروجاً وجعل فيها سراجاً وقمراً منيراً، وهو الذي جعل الليل والنهار خلفة لمن أراد أن يذكر أو أراد شكوراً، وتبارك الذي نزل الفرقان على عبده ليكون للعالمين نذيراً، الذي له ملك السماوات والأرض ولم يتخذ ولداً ولم يكن له شريك في الملك وخلق كل شيء فقدره تقديراً. وأشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، بعثه ربه هادياً ومبشراً ونذيراً، وداعياً إلى الله بإذنه وسراجاً منيراً، صلى الله وسلم عليه من معلم جليل، ومؤيد بجبريل، ومذكور في التوراة والإنجيل، وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. أمَّا بَعْد: يا مسلمون! يا مصلون! يا صائمون! سلام الله عليكم ورحمته وبركاته. وإن كان من شكر فإني أشكر الله ﵎ على أن أجلسني أمام الصالحين الأبرار، والنبلاء الأخيار، ثم أشكر أهل الفضل لفضلهم وهم الداعون من ثانوية الملك خالد بهذه المنطقة، مديراً وأساتذة وطلاباً. جاءكم ضيف كريم على أنفسكم، وأتاكم حبيب طالما تشوقتم إليه، أو الكثير منكم طالما تشوق إلى هذا الضيف، وهو الصيام وشهر رمضان. مرحباً أهلاً وسهلاً بالصيام يا حبيباً زارنا في كل عام قد لقيناك بحب مفعمٍ كل حب في سوى المولى حرام فاقبل اللهم ربي صومنا ثم زدنا من عطاياك الجسام لا تعاقبنا فقد عاقبنا قلق أسهرنا جنح الظلام أتى شهر رمضان وقد فقدناه سنة، وفي هذه السنة الله أعلم ماذا فعلنا فيها؟ ذنوباً وخطايا، ومعاصٍ وفواحش، كبائر وصغائر، تخلف عن الجماعات، وإغضاب لرب الأرض والسماوات، سيئات كثيرة، لكننا نسأل الله مغفرة، فقد صح عنه ﷺ أنه قال: ﴿رمضان إلى رمضان، والعمرة إلى العمرة، والجمعة إلى الجمعة، كفارات لما بينهن ما لم تغش كبيرة﴾ أو كما قال ﵊. أتى رمضان ووقف العصاة على أبواب التوبة أتى رمضان وتحركت القلوب إلى باريها أتى رمضان لتبكي العيون التي ما عرفت الدموع أتى رمضان لتلين القلوب التي كانت قاسية أتى رمضان لتجوع البطون التي طالما شبعت وما عرفت الجوع أتى رمضان لتضمأ الأكباد التي ما عرفت الضمأ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ﴾ [البقرة:١٨٣]. يا مؤمنون! يا مصلون! يا حملة الرسالة الخالدة! يا أهل المساجد! يا أهل الثلث الآخير من الليل! أنتم المؤمنون لا غيركم، الآية لا تخاطب الفنانين والفنانات، ولا الراقصين والراقصات، ولا المطبلين والمطبلات، إنما تخاطب أهل الإيمان، الذين غرسوا في قلوبهم لا إله إلا الله، والذين سجدوا لله، وتوجهوا إلى الله: يا أيها الذين آمنوا. ومما زادني شرفاً وفخراً وكدت بأخمصي أطأ الثريا دخولي تحت قولك: يا عبادي وأن صيرت أحمد لي نبيا ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ﴾ [البقرة:١٨٣] فهو واجب وفريضة وليس بسنة: ﴿كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة:١٨٣] والمقصد من الصيام أن يتقي العبد ربه. كيف يتقي العبد ربه بالصيام؟ إذا جاع انكسر وتواضع وعرف الله، فالعين لا تغض عن الحرام حتى يتقي العبد ربه، والفرج لا يحفظ إلا إذا اتقى العبد مولاه، ومتى يحفظ؟ إذا جاع. إن الشبع وكثرة المطعومات والملبوسات، والمرطبات والمشروبات والمشهيات تجعل القلب جباراً، لا يغض طرفه، ولا يحفظ فرجه، ولا يدري ماذا يأكل، ولا يحفظ أذنه من الحرام. ﴿﴿لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة:٢١] فالتقوى في الصيام، يقول ﵊: ﴿يا معشر الشباب! من استطاع منكم الباءة فليتزوج، فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج، ومن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وجاء﴾ يوم يصوم العبد تذبل روحه، وينكسر قلبه، ويتوجه إلى الله، ويصبح عبداً لله. فيا أيها الإخوة! من منطلق هذه الآيات نأخذ دروساً من الصيام: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كما كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ * أَيَّاماً مَعْدُودَاتٍ﴾ [البقرة:١٨٣ - ١٨٤] ليست شهوراً، كم أكلنا؟ كم شربنا؟ كم تمتعنا؟ إحدى عشر شهراً ونحن نأكل أفلا نصوم شهراً واحداً؟ إحدى عشر شهراً نشرب أفلا نصوم شهراً واحداً؟ ﴿أَيَّاماً مَعْدُودَاتٍ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْراً فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة:١٨٤] مرحباً برمضان، شهر التوبة، وأسأل الله في هذه الليلة المباركة أن أكون وإياكم والمسلمين من عتقاء هذا الشهر، الذين اطلع الله عليهم في ليال حبيبة قريبة من ليالي الصيام، فأعتقهم من النار، ويحرَّم أجسادهم على النار، وعظامهم وعصبهم وشحمهم ودماءهم. يا رب! عبادك بين يديك من يرحمنا إذا لم ترحمنا؟! من يغفر إذا لم تغفر لنا؟! من يقبلنا إذا رددتنا؟! من يتوب علينا إذا لم تتب علينا؟! إن الملوك إذا شابت عبيدهم في رقهم عتقوهم عتق أبرار وأنت يا خالقي أولى بذا كرماً قد شبت في الرق فاعتقنا من النار ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ﴾ [البقرة:١٨٥] ما هي مواصفاته وصفاته؟ ﴿الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ﴾ [البقرة:١٨٥]؟ يا أيتها الأمة التي كانت أعرابية بدوية متخلفة ساذجة، فأنزل الله عليها القرآن؛ فحكمت الدنيا! يا أيتها الأمة التي ما عرفت الثقافة والمعرفة والنور فأنزل الله عليها القرآن ففتحت الدنيا! ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدىً لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كَانَ مَرِيضاً أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ﴾ [البقرة:١٨٥] لك الحمد، ولك الشكر، ولك الثناء الحسن: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [البقرة:١٨٥] لكن هنا قضايا: أولاً: هديه ﷺ في الصيام. كيف كان يصوم؟ ثانياً: أثر الصيام في تربية النفس التلاوة الصدقة النوافل ذكر الله التفرغ للعبادة طرد الشيطان إلى غير ذلك من القضايا. ثالثاً: الأعمال الصالحة في رمضان، بم نقضي شهر رمضان؟ وهذه المآسي التي نعيشها إن لم نوجد لها حلاً إسلامياً سوف نستمر في الخطأ، أصحيح أن رمضان يحدث في بعض الأماكن، وفي بعض الأسر والبيوت رجالاً ونساء يكون موسماً للنوم، النهار نوم والليل يقظة وسمر وسهر في غير طائل، بل في المعاصي والمخالفات، ثم يأتي الإفطار فتكون مطعومات ومشروبات ومرطبات تكفي الجماعات الهائلة ثم ترمى وتهلك وتهدر بلا حساب ولا مراقبة لله؟ تلك خطايا سوف نمر بها هذه الليلة، لكن ما هي الأعمال الصالحة التي نقضيها في شهر رمضان؟ ذلكم ما سوف نستمع إليه في هذه الليلة المباركة إن شاء الله. المسألة الرابعة: محاذير يقع فيها كثير من الناس في رمضان. أ- السهر الضائع أولاً. ب- كثرة المطعومات والمشروبات والتهيؤ لهذا الإفطار والسحور بشيء الله به عليم. ج- إدمان النوم وكثرته على حساب رقة القلب والعبادة. د- عدم التأثر بالصيام، يدخل الشهر ويخرج ولا أثر ولا تربية ولا نزع ولا فائدة؛ فما هي فائدة الصيام؟ هـ النزول إلى المحلات والأسواق بكثرة حتى أصبحت ظاهرة عند كثير من المسلمين في رمضان؟

стр. 4060

هدي النبي ﷺ في رمضان ما هو هديه ﷺ في رمضان؟ أولاً: صح عنه ﷺ أنه قال في الصحيحين: ﴿يقول الله ﵎: كل عمل ابن آدم له إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزي به، يدع طعامه وشرابه وشهوته من أجلي، للصائم فرحتان: إذا أفطر فرح بفطره أو بصومه، وإذا لقي ربه فرح بصومه﴾ أو كما قال ﵊ ثم قال في آخر الحديث: ﴿ولخلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك والصوم جنة -يعني وقاءً وساتراً وحاجباً- فإذا كان يوم صوم أحدكم فإن سابه أحد أو شاتمه فليقل إني صائم﴾. أولاً: يقول الله في الحديث القدسي: ﴿كل عمل ابن آدم له إلا الصوم فإنه لي﴾ لأن الصلاة والناس يرونك، والحج والعمرة تكونان مع الناس، والزكاة تزكي بمرأى ومسمع من الناس، لكن الصيام سر بينك وبين الله. من يعرف -أيها الإخوة المسلمون- أنك صائم أو غير صائم إلا الله؟ بإمكانك أن تتستر بالحيطان، بإمكانك أن تختفي وراء الجدران ثم تأكل وتشرب ولا يدري بك إلا الله. وإذا خلوت بريبة في ظلمة والنفس داعية إلى الطغيان فاستحي من نظر الإله وقلها إن الذي خلق الظلام يراني والمؤمنون يتميزون عن الكفرة بالإيمان بعلم الغيب: ﴿آلم * ذَلِكَ الْكِتَابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدىً لِلْمُتَّقِينَ * الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ﴾ [البقرة:١ - ٣] إيمانٌ بالغيب، يعبدون الله كأنهم يرونه فإن لم يروه فإنه يراهم . أحد الصالحين توفي فرئي في المنام قالوا: ما فعل الله بك؟ قال: غفر لي ذنبي، قالوا: بماذا؟ قال: أذنت وحدي في الصحراء وأقمت ولا يراني إلا الله. والصيام سر بينك وبين الله، ولذلك تميز الصيام عن غيره من الأعمال أنه لا يعلم بك إلا الله، وقد سمعنا وشاهدنا ونقل إلينا من كثير من أبناء المسلمين الذين يعيشون في بلاد المسلمين ممن قلت رقابتهم لله، وممن ضعف إيمانهم في قلوبهم، وممن تذكروا كل شيء إلا الله، استحيوا من الناس وما استحيوا من الله: ﴿يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ﴾ [النساء:١٠٨] ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ﴾ [المجادلة:٧]. إذا ما خلوت الدهر يوماً فلا تقل خلوت ولكن قل علي رقيب ولا تحسبن الله يغفل ساعة ولا أن ما تخفي عليه يغيب وجد من شبابنا بل من كبار السن ممن قلت رقابتهم؛ من يأكل ويشرب في رمضان، لا إله إلا الله! أبعد هذا العمل خوف من الواحد الديان؟! أبعد هذا التصرف خشية للرحمن؟! أي إيمان هذا؟ وهذا لأنهم تربوا على غير القرآن، ولم يعرفوا المساجد، ولم يداوموا على الصلوات الخمس، أخذوا ثقافتهم من المجلة الخليعة، والجلسة الآثمة، والأغنية الماجنة، والجلساء السيئين، فانقطعوا عن القرآن والحديث، وانقطعوا عن الدعوة والمحاضرات والدروس، فوقعوا في براثن المعصية.

стр. 4061

جوده ﷺ كان هديه ﷺ في رمضان أنه إذا أقبل رمضان حياه وبياه وأنزله في شغاف قلبه، يقول ابن عباس في الصحيحين: ﴿كان ﷺ أجود الناس﴾ أولاً: هذه قاعدة: ﴿كان رسول الله ﷺ أجود الناس﴾ يعني هو أجود الناس في رمضان وغير رمضان، وقد ورد في المسند أن أعرابياً سأله فقال: ﴿لا. وأستغفر الله﴾ يعني: أستغفر الله من (لا) فهو لا يعرف (لا) لكنه هذه المرة قال: لا، واستغفر الله. ما قال لا قط إلا في تشهده لولا التشهد كانت لاؤه نعم يغضي حياءً ويغضى من مهابته فما يكلم إلا حين يبتسم ﴿كان أجود الناس وكان أجود ما يكون في رمضان حين يلقاه جبريل، فلرسول الله ﷺ أجود بالخير من الريح المرسلة﴾.

стр. 4062

مدارسة القرآن مع جبريل وفي رواية: ﴿فيدارسه القرآن إذا لقيه جبريل﴾ ويختم معه القرآن ويعيش مع آيات الواحد الديان، ويتدبر معه العبر التي أنزلها الرحمن، فيأتي ﷺ كالريح المرسلة، بالعطاء، والعلم، والنفع، والفائدة، والصدقة، هذا هديه، إذن يستفاد من الحديث الصدقة، وتلاوة القرآن، ومدارسة كتاب الله ، هذا هديه ﷺ . أما لياليه فلا تسأل عنها، فهي عبادة وبكاء، ومناجاة للواحد الديان. قلت لليل هل بجوفك سر عامر بالحديث والأسرار قال لم ألق في حياتي حديثاً كحديث الأحباب في الأسحار ﴿وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحَارِ﴾ [آل عمران:١٧] ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفاً وَطَمَعاً وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ * فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [السجدة:١٦ - ١٧] ﴿كَانُوا قَلِيلاً مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ﴾ [الذاريات:١٧] يا من أذهب ليله بالمعاصي! يا من جعلها في السهرات والسمرات! يا من ضيعها في المخالفات والسيئات! أما خفت الله؟ أما راقبته وحاسبت نفسك قبل أن يحاسبك الله؟

стр. 4063

أثر الصيام في تربية النفس القضية الثانية: أثر الصيام في تربية النفس: من فوائد الصيام -ومن لم يستفد من صيامه في رمضان فليراجع نفسه، وليعلم أن في صيامه نظر، وليعلم أن في صيامه نقص، وليعلم أنه ما صام صياماً حقيقياً-:

стр. 4064

غض البصر وحفظ الفرج أولاً: غض البصر وحفظ الفرج: فإذا لم يصم العبد عن هذه الأمور فكأنه ما صام، والصيام ليس معناه أن تصوم عن الخبز والماء والفاكهة والخضروات، ثم تفطر على أعراض المسلمين والمحرمات، لا والله. لسانك لا تذكر به عورة امرئٍ فكلك عورات وللناس ألسن وعينك إن أبدت إليك معايباً فصنها وقل يا عين للناس أعين بل الصيام أن تصوم عينك عن الحرام، ويصوم لسانك عن الخنى والغيبة والنميمة والفحش، الصيام أن يصوم فرجك عن الحرام وبطنك عن أكل الحرام، وإلا فلا مدلول للصيام، دل عليه قول ﷺ كما سبق في الصحيحين: ﴿يا معشر الشباب! من استطاع منكم الباءة فليتزوج، ومن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وجاء﴾ ومعنى وجاء، أي: مانع من المحرمات أو كما قال ﵊، وفي لفظ: ﴿فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج﴾ فهذه مدرسة الصيام، أولها: حفظ اللسان وغض البصر، وحفظ الفرج والجوارح مع الله الواحد الأحد، فمن وجد نفسه من أول يوم في رمضان أنه لم يحدث له شيء ولا تغير وأنه إذا نزل إلى الأسواق نظر إلى عورات المسلمين والمحرمات والأجنبيات فليعلم أنه لم يصم، وأنه ما دخل في الصيام، بل جاع وضمئ فقط لكنه لم يصم.

стр. 4065

التواضع والانكسار والمسألة الثانية من فوائد الصيام: التواضع وانكسار النفس، فالنفس جموحة طامحة لا تنكسر إلا بجوع، والجوع هذا مدرسة، يوم تجوع تتذكر الفقراء والمساكين، فكثير من الناس اليوم شبعان ريان في قصره وسيارته الفاخرة، ووظيفته العالية، يظن أنه ليس في الدنيا فقير، وقد سمعت عن فقير أنه ما وجد عشاء ليلة هو وثمانية من الأطفال عنده، ولم يجد الوقود الذي يعبئ به سيارته ليس له وظيفة أو دخلٌ أو منصبٌ، وهو رجل يعول عائلة، ومستأجر في بيت، فلم يجد عشاء ليلته، فذهب إلى جيرانه يطرق عليهم ليستلف منهم ما يعشي به أطفاله، ولكن كثيراً من الذين يتعاملون بالربا ويستقلون السيارات الفاخرة، والمناصب العالية، والأموال الغزيرة لا يشعرون بهذا، لكن يشعرون إذا صاموا بحرارة الجوع وحرقته ولوعته، فكيف لا يعيش الإنسان هذه الأحداث؟! فيا أيها المسلمون! مقصدي ومقصدكم إن شاء الله أن نشعر بالجوع، وهو المحذور الذي ذكرنا من النوم في رمضان، فإن بعضهم ينام بعد الفجر إلى قريب من الظهر، ثم ينام من العصر إلى قريب المغرب، فمتى يصوم ويحس بالصيام، هل هو صوم النوم؟ كتب عليه الصوم وهو نائم في الأحلام، يرى في المنام أنه صائم، فلا يستيقظ إلا ثلاث ساعات، وبعضهم وجد أنه لا يستيقظ إلا وقت الصلاة، يصلي الفجر ثم ينام حتى صلاة الظهر فإذا سمع الأذان توضأ وأتى فنقر أربع ركعات، وليس فيها نافلة، ثم يعود مباشرة لئلا يضيع الوقت فينام إلى صلاة العصر، ثم يصلي العصر ثم لا يستيقظ إلا في صلاة المغرب، فهل هذا صوم؟ هذه كصلاة عجائز نيسابور وليس بصوم هذا، فليس المقصود في الإسلام أن يستلقي الإنسان على فراشه ثم لا يشعر بالجوع والظمأ، ولا يتلو القرآن ويعيش التلاوة، ولا يتذوق السيرة، أو يقرأ الحديث، ولا يدعو إلى الله، ويغتنم الذكر والاستغفار والتوبة، إذاً ماذا قدم؟ وماذا فعل؟
следующие страницы →