Полный текст (10 391 стр.). Показаны 3991–4030 · переход к 3996.
стр. 3991
العلماء ما لهم وما عليهم
تحدث الشيخ عن فضل العلم والعلماء، وعن حق العلماء على الأمة، وحق الأمة على العلماء، فبين أهمية العلم ورفعته، ومكانة العالم، وطاعة العلماء، وبعض آفات العلم.
وفصل القول فيما يجب للعلماء وما يجب عليهم، وذكر أن علماء بني إسرائيل لم يقوموا بالوفاء بهذه الحقوق، وكان من نتائج ذلك التحريف في شريعتهم.
стр. 3992
فضل العلم والعلماء
الحمد لله رب العالمين، ولي الصالحين، ولا عدوان إلا على الظالمين، والصلاة والسلام على إمام المتقين، وقدوة الناس أجمعين، وعلى آله وصحبه والتابعين.
سلام الله عليكم ورحمته وبركاته، وحياكم الله يا طلعات الإيمان، ويا أهل الفضل، ويا أهل التوحيد، ويا أهل الحب والطموح.
إن حضوركم هذا تأييد للدعوة، ونصرة للإسلام، وحضور تكريم للوافدين إليكم:
أصح وأعلى ما سمعناه في الندى من الأثر المعروف منذ قديم
أحاديث ترويها السيول عن الحيا عن الغيث عن كف الأمير تميمِ
وأشكر إمام هذا المسجد الشيخ عبد الله السميعي، وأشكر جماعة المسجد، وأشكر كل من حضر وسمع وشارك بقلبه مسيرة العودة إلى الله عزوجل.
عنوان المحاضرة: العلماء مالهم وما عليهم، وما أتيت هذه الليلة لأسرد عليكم النصوص في فضل العلم والعلماء، فهي معروفة لديكم، لكني أتيتكم في هذه الساعة، وفي هذه الأيام، وفي هذا الوقت الحرج بالذات؛ لكي نقف جميعاً، يقف العلماء في صف، ونقف نحن شباب الصحوة في صف، ونرى ما هي الحقوق التي تلزمنا للعلماء فنؤديها.
دينٌ لعينك عندي ما وفيت به يا طالما كذبت عيني عيناكِ
ونقف أمام العلماء لنسألهم حقوقنا، نحن لنا حقوق وديون على العلماء، لكن بعد أن نسلمهم حقوقهم؛ نأخذ حقوقنا، ثم ننفصل في مجلس المصالحة، و ﴿البيعان بالخيار ما لم يتفرقا﴾ فإذا تفرقا فقد وجب البيع.
عناصر هذه المحاضرة ثلاثة:
أولها: فضل العلم والعلماء.
الثاني: ما هو حق العلماء على الأمة.
الثالث: ما هو حق الأمة على العلماء.
أما فضل العلم: فيكفي من ذلك قول علي بن أبي طالب ﵁ وأرضاه: [[كفى بالعلم شرفاً أن يدعيه من ليس من أهله، وكفى بالجهل مذلةً أن يتبرأ منه من هو فيه]].
العلم يدعيه كل إنسان، جهلة يدعون أنهم علماء، لشرف العلم، وقال ابن عبد البر: ومن أحسن الكلام ما قال علي بن أبي طالب: [[قيمة كل امرئٍ ما يحسنه]]؛ فقيمتك المعلومات التي في ذهنك إذا اتقيت الله وعملت بها، وقيمة المرء ليست بجسمه ولا بوزنه ولا بلحمه ولا بشحمه إنما هي بالفضل الذي يحمله، وبالمواثيق التي لله عليه إذا عمل بها.
يقول سبحانه وهو يستشهد على ألوهيته: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِماً بِالْقِسْطِ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [آل عمران:١٨] والشاهد هنا ﴿َ أُولُو الْعِلْمِ﴾ [آل عمران:١٨] قال ابن كثير في تفسيره: وهذه خصوصية عظيمة للعلماء في هذا المقام، وأيُّ خصوصية أن يجعلهم الله معه ومع ملائكته يشهدون بألوهيته، فلقد ميزهم عن الناس لفضلهم ولمكانتهم.
قال سبحانه: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ [فاطر:٢٨] بعدما ذكر الله الآيات الكونية، والشرعية، وذكر ما للعلماء من منزلة، قال: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ [فاطر:٢٨] ومفهوم المخالفة في الآية: أن غير العلماء لا يخشون الله.
ووجد في العلم التجريبي التكنولوجي، والعلم الطبيعي المادي، أن أكثر الناس عودة إلى الإسلام من نبغ في هذا العلم، الذين ألفوا كتاب: الله يتجلى في عصر العلم؛ من العلماء البارزين أسلموا وأعلنوا إسلامهم، وهم جماعة من الأمريكان، وكثير منهم أعلن إسلامه مثل: كريسي موريسون، وأظن أن أليكسيس كارل صاحب كتاب: الإنسان لا يقوم وحده أعلن إسلامه؛ لأنه تعمق في حياة الإنسان.
стр. 3993
العالم المثالي
﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ [الزمر:٩].
والجواب مسكوت عنه، وتقديره: أنهم لا يستوون، وأن العلماء أفضل، والله يقول: ﴿وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ﴾ [العنكبوت:٤٣] لا يفهم الآيات البينات، ولا يعقل مقاصد الأمور ولا تأويل الحوادث إلا أهل العلم.
ويقول سبحانه: ﴿بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ﴾ [العنكبوت:٤٩] ثم يقول سبحانه: ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾ [المجادلة:١١].
ولسنا بحاجة يا شباب الصحوة! ويا أبطال التوحيد! ويا حملة الرسالة! لسنا بحاجة إلى أناس يحفظون النصوص، ثم لا يكون لها أثر في واقعهم، وحياتهم، وسلوكهم، وأمتهم، كما سيأتي في العناصر المقبلة إن شاء الله.
حاجتنا إلى عالم يمشي قرآناً على الأرض، يقول سبحانه للرسول ﵊، وهو في أول الطريق: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ﴾ [محمد:١٩] قال البخاري في صحيحه: فبدأ بالعلم قبل القول والعمل، أمة متعلمة.
هل العلم في الإسلام إلا فريضة وهل أمة سادت بغير التعلم
من الذي فتح منائر العقل؟!
من الذي خاطب الضمير بالعلم إلا محمد ﵊؟!
لما ثار الفرنسيون على الكنيسة عام (١٨٨٧م)؛ كان سبب ذلك: أن الكنيسة كانت تحارب العلم، كانوا إذا اكتشف مكتشف علماً ذبحوه، أو اخترع مخترع جهازاً؛ قتلوه وشنقوه، وظنوا أن كل دين سوف يحارب العلم حتى الإسلام، ففصلوا بين الإسلام وحياة الناس، وهذا خطأ، والله عزوجل يقول للرسول ﵊: ﴿وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْماً﴾ [طه:١١٤] لم يطالبه بالتزود من شيء إلا من العلم.
هو العضب المهند ليس ينبو تصيب به مضارب من أردت
وكنزٌ لا تخاف عليه لصاً خفيف الحمل يوجد حيث كنت
يزيد بكثرة الإنفاق منه وينقص إن به كفاً شددت
وقال : ﴿وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ والإِيمَان﴾ [القصص:٨٠] يوجد في الساحة علم بلا إيمان، عندنا دكاترة يحملون رسالة الدكتوراه، لكن لا يصلون الفجر في جماعة!! وعندنا دكاترة قطعوا أرحامهم، ودكاترة استهزءوا بالدين، ودكاترة تهجموا على شباب الصحوة والملتزمين، ودكاترة تجرءوا على اقتحام الشريعة!! أين العلم؟!! ﴿يَعْلَمُونَ ظَاهِراً مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ﴾ [الروم:٧] وقال تعالى: ﴿بَلِ ادَّارَكَ عِلْمُهُمْ فِي الْآخِرَةِ بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْهَا بَلْ هُمْ مِنْهَا عَمُونَ﴾ [النمل:٦٦].
إذا ما لم يزدك العلم خيراً فليتك ثم ليتك ما علمتا
وإن ألقاك فهمك في مهاوٍ فليتك ثم ليتك ما فهمتا
مشيت القهقرى وخبطت عشوى لعمرك لو وصلت لما رجعتا
وإذا لم يصل الأستاذ إلى اليقين، كيف يستمر؟ ولذلك يقول الناظم:
لعلك يا أستاذ ما زرت أحمدا رسول الهدى المبعوث من خير هاشمِ
فوالله لو قد زرته الدهر مرة لما كنت نهباً للقصور القشاعمِ
لما انفصل العلم عن الإيمان، صار العلم طاغوتاً يُعبد من دون الله.
نشرت جريدة الهدف قبل اجتياح الكويت في افتتاحيتها مقالاً تقول: امرأة فنزولية تلد كلباً، ووجد أنه صحيح، عقموا المرأة بمني كلب!! وهل هذا يجوز في الإسلام؟
إنه حرام بالإجماع!! لكنهم ما سألوا الإيمان، عندهم علم، فاخترعوا وتطورا وتقدموا لكن ما ضبطوه بالإيمان، والله تعالى يشترط في العالم أن يكون مؤمناً: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَالْأِيمَانَ﴾ [الروم:٥٦].
стр. 3994
غيث الرسالة
أيها الفضلاء! يقول ﵊، وهو يصف رسالته، ودعوته، كما ثبت ذلك في الصحيحين عن أبي موسى ﵁ أن النبي ﷺ قال: ﴿مثل ما بعثني الله به من الهدى والعلم كمثل الغيث﴾.
أي أسلوب؟! وأي فصاحة؟! وأي إبداع؟!
قال: الهدى والعلم، لماذا؟
أليس العلم هدى؟
بلى.
أليس الهدى علم؟
بلى.
لماذا فصل العلم عن الهدى؟
لأن العلم هو العلم النافع كما قال ابن تيمية، والعمل: هو العمل الصالح.
﴿كمثل الغيث﴾ وقال الغيث لمعنيين:
الأول: أن الغيث صافٍ من السماء، ينزل على القلوب.
والثاني: أن الغيث فيه غوثٌ للأرواح، فرسالته ﵊ كالغيث للأرواح.
أخوك عيسى دعا ميتاً فقام له وأنت أحييت أجيالاً من الرممِ
أنا وأنت، وأبي وأبوك، وجدي وجدك، كنا رعاة إبل وغنم، حتى أتى محمدٌ ﵊، فقال: استيقظوا فاستيقظنا، وقال: افتحوا الدنيا بلا إله إلا الله فكبرنا وفتحنا بالعلم، وهو أمي لا يقرأ ولا يكتب، ولكن فجر حصائل العقول بمفاتيح العلم، فسرت في غياهب الدياجير تبني بدوراً في سماء الفضل.
وفي الصحيح عن معاوية ﵁ وأرضاه، قال: قال رسول الله ﷺ : ﴿من يرد الله به خيراً يفقهه في الدين﴾ ومفهوم المخالفة، وهو ليس حجة عند الأحناف، لكن مفهوم المخالفة حجة عند الجمهور: أن من لم يرد الله به خيراً لا يفقهه في الدين.
أنت الآن تجد العلمانيين عنده شهادة دكتوراه في هندسة التربة، وعنده دكتوراه في مرض الدوسنتاريا في البقر، وعنده دكتوراه في السرطان في الحمير، لكن لا يعرف الوضوء ولا التيمم ولا المسح على الخفين، لماذا؟
لأن الله ما أراد به خيراً، فهو يفقه كل شيء إلا الإسلام، موسوعةٌ في كل شيء إلا في صحيح البخاري وصحيح مسلم والفقه والتفسير؛ لأنه يعلم علماً ظاهراً ولا يعلم علماً باطناً.
وصح عنه ﵊ أنه قال: ﴿العلماء ورثة الأنبياء، وإن الأنبياء لم يورثوا درهماً ولا ديناراً إنما ورثوا العلم، فمن أخذه أخذ بحظ وافر﴾.
يا أيها الإخوة! ما هو ميراثه ﵊؟ أين قصوره؟ أين دوره؟
كفاك عن كل قصرٍ شاهق عمد بيتٌ من الطين أو كهفٌ من العلم
تبني الفضائل أبراجاً مشيدةً نصب الخيام التي من أروع الخيم
إذا ملوك الورى صفوا موائدهم على شهيٍ من الأكلات والأدم
صففت مائدة للروح مطعمها عذبٌ من الذكر أو هديٌ من الكلم
نقف وهذه الليلة الخالدة نحن والعلماء أمام الله، ثم أمام الناس، ثم أمام البلاد، لنسألهم هل أنقصنا من حقهم شيئاً؟
ونسأل حقنا عندهم؟ ولعل الله أن يؤلف بين الشبيبة والرواد، وبين الرواد والشبيبة ليصلح الحال.
стр. 3995
رفعة منزلة العلماء
والعلم من فضله يرفع الفقير، ويعلي المسكين، ويجعل المولى سيداً، فهذا عطاء بن أبي رباح مفتي الدنيا، نادى سليمان بن عبد الملك: لا يفتي في المواسم إلا عطاء بن أبي رباح؛ كان عبداً، أشلَّ، أفطس، ضعيف البنية، هزيلاً، أحنف، لكن حمل علماً! فكان الخلفاء والأمراء يأخذون طريقهم في الدور ليسألوه سؤالاً.
وكان ابن أبي الجعد مولىً عند سيده، فأعتقه، وقال له سيده: ما أعتقتك حباً فيك، لكنك لا تحسن تجارة، ولا نساجةً، ولا خشابةً، فعليك بالعلم، قال: فطلبت العلم، فاستأذن عليَّ أمير المدينة أن يزورني بعد سنة فما أذنت له.
كان مشغولاً، طرق عليه الباب أن يأذن له، فما أذن له.
لماذا رُصِدَ لـ ابن تيمية هذا الرصد العالمي الهائل، فقد ألف فيه أكثر من أربعين كتاباً من الغرب، أما الشرق فمئات الكتب، لماذا رصد له؟ ألمنصبه؟
لا.
ليس معه منصب! ما تولى ابن تيمية منصباً أبداً.
ألتجارته؟
ما عنده إلا ثوب وكسرة خبز.
ألأسرته؟
لا.
أسرته لا تستطيع تحميه.
لكن للعلم الذي حمله، وللعمل الذي قام به، والإنتاج الهائل الذي قدمه للأمة عليه رضوان الله.
تقدم شاعراً فيهم خطيباً ولولاه لما ركبوا وراءه
هذه بعض اللمحات.
يسجن الإمام أحمد من أجل فتنة القول بخلق القرآن، يأبى ذلك ويرفض فتبقى الأمة في الشوارع وتملأ سكك بغداد.
يقول الخليفة للناس: ادخلوا البيوت؟
قالوا: لا ندخل البيوت والإمام أحمد في السجن.
قال: أنصتوا؟
قالوا: لا ننصت حتى نسمع أحمد.
أخرج المعتصم جيشاً يطوقُ الطرقات، وأعلن حالة استنفار في جيشه الذي حطم به الروم، وهزم به أهل عمورية، وأحرق المدن، يريد أن يطوق هذا الهيجان الإيماني فيأبون، يقولون: نريد أن نسمع كلام أحمد أولاً.
يا عباد الله! قالوا: عباد الله حتى نسمع كلام أحمد، فيقول أحمد الكلمة فتخرج الأمة معه، وينتصر الحق، ويثبت المنهج الرباني، ويكون الرصيد العالمي للإمام أحمد أنه رجل عامة، كما سأذكر ذلك إن شاء الله.
يقول الشاطبي في الاعتصام: وذلك أن الجميع اتفقوا على اعتبار أهل العلم والاجتهاد سواء ضموا إليهم العوام أم لا.
فهم أهل الاجتهاد، وهم أولو الأمر، وهم أهل الريادة والقيادة العلمية، ولا عبرة بغيرهم.
وقال ابن تيمية في كتاب الفتاوى (٤/ ٩٧): وعيب المنافقين للعلماء -كالعلمانيين- بما جاء به الرسول ﷺ قديم، من زمن المنافقين الذين كانوا على عهد النبي ﷺ ، وأما أهل العلم، فكانوا يقولون: هم الأبدال لأنهم أبدال الأنبياء وقائمون مقامهم.
وهناك حديثٌ في الأبدال لكني إلى الآن أتتبع طرقه ولم أرَ أنه صحيحٌ ولو أن بعض المحدثين المتأخرين يصححونه، لكن الأبدال هم أبدال الأنبياء الذين يخلفونهم في حمل الرسالة، وحمل العقيدة، وتقديمها للأمة هؤلاء هم الأبدال.
وقال ابن القيم في إعلام الموقعين (١/ ٩): فقهاء الإسلام ومن دارت الفتيا على أقوالهم بين الأنام، الذين خصوا باستنباط الأحكام، وعنوا بضبط قواعد الحلال والحرام، فهم في الأرض بمنزلة النجوم في السماء؛ بهم يهتدي الحيران في الظلماء، وحاجة الناس إليهم أعظم من حاجتهم إلى الطعام والشراب، وطاعتهم أفرض عليهم من طاعة الأمهات والآباء بنص الكتاب.
стр. 3996
طاعة العلماء
أيها الأحباب! هذه مكانة العلماء، أن يطاعوا بأمر الله، إذا قالوا نفذ أمرهم، لكن إذا قالوا عن الكتاب والسنة لا بآرائهم، إذا اتقوا الله، إذا قالوا كلمة الحق، إذا تقدموا وأنكروا المنكر، حينها لزم على الأمة أن تطيعهم في طاعة الله.
وقال الشافعي في الرسالة: فإن من أدرك علم أحكام الله تعالى في كتابه نصاً واستدلالاً، ووفقه الله للقول والعمل بما علم منه، فاز بالفضيلة في دينه ودنياه، وانتفت عنه الريب، ونورت في قلبه الحكمة، واستوجب في الدين موضع الإمامة ﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآياتِنَا يُوقِنُونَ﴾ [السجدة:٢٤] متى تكون إماماً؟
بم تنال الإمامة في الدين؟
بالصبر واليقين.
من تعلم وعمل فهو الرباني، ﴿وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ﴾ [آل عمران:٧٩].
وقال البخاري في الصحيح: باب (انحسار العلم وقلة العلماء) وذكر انقباض العلم، وقال: كيف يقبض العلم؟ وكتب عمر بن عبد العزيز إلى أبي بكر بن حزم: [[أن انظر ما كان من حديث رسول الله ﷺ فاكتبه، فإني خشيت اندراس العلم، وذهاب العلماء، ولا تقبل إلا حديث النبي ﷺ ، ولتفشوا العلم، ولتجلسوا حتى يعلم من لا يعلم، فإن العلم لا يهلك حتى يكون سراً]].
ثم أورد حديث ابن عَمْرو الصحيح: ﴿إن الله لا يقبض العلم انتزاعاً ينتزعه من الناس، ولكن يقبض العلم بقبض العلماء، حتى إذا لم يبق عالماً اتخذ الناس رءوساً جهالاً، فسئلوا فأفتوا بغير علم، فضلوا وأضلوا﴾.
أو كما قال ﵊.
стр. 3997
آفات العلم
أيها الإخوة! هذا فضل العلم، ولكن تدخل على العلماء وعلى طلبة العلم آفات وأخطر الآفات ثلاث:
الكبر، الرياء، الحسد.
عقارب طلبة العلم، وحيات العلماء ثلاث:
الكبر، والرياء، والحسد، أعاذنا الله من ذلك.
أما الرياء: فقال الرسول ﵊ في الصحيحين: ﴿من راءى راءى الله به، ومن سَمَّعَ سَمَّعّ الله به﴾ ﴿أول من تسعر بهم النار ثلاثة، ومنهم: عالم تعلم العلم ليقال: عالم، وقد قيل، قال: فخذوه إلى النار﴾.
وهذه آفة، لا يدركها إلا الفطناء من المخلصين، وهي خطورة عظيمة تتصدى لطلبة العلم، وتقف لهم بالمرصاد.
المسألة الثانية: الكبر.
والكبر آفة عظيمة، ومن تكبر على الله وضعه، وحقيقٌ بمن حمل الكبر أن يذله الله عزوجل، وألا يجعل له قبولاً، وإنه مزرٍ مزرٍ ولكن بالعلماء أزرى وأزرى.
والعالم إذا تكبر، وقبض جبينه، وتكبر على عباد الله، وارتفع عليهم، انسلخت محبته من القلوب، وذهبت بشاشته وملاحته، وما أحبته الأرواح، وما انقاد له الناس، وأصبح مبغوضاً في أوساطهم، وهذه سنة الله في المتكبرين.
يقول أحد الشعراء في المتكبرين:
وجوههم من سواد الكبر عابسةٌ كأنما أُوردوا غصباً إلى النار
هانوا على الله فاستاءت مناظرهم يا ويحهم من مناكيد وفجار
ليسوا كقوم إذا لاقيتهم عرضاً أهدوك من نورهم ما يتحف الساري
تروى وتشبع من سيماء طلعتهم بذكرهم ذكروك الواحد الباري
قال ابن الجوزي في تلبيس إبليس عن هذه الآفات، وعن أصحاب الحديث: إن بعضهم يقدح في بعض؛ طلباً للتشفي، ويخرجون ذلك مخرج الجرح والتعديل، الذي استعمله القدماء في هذه الأمة للذب عن شرع الله، والله أعلم بالمقاصد.
أكثر غيبتنا الآن في الجرح والتعديل، تغتاب فلاناً فأقول: استغفر الله، فيقول: ليس قصدي أن أغتابه، إنما قصدي أن أخبر الناس به، الحاج موسى وموسى الحاج، أنت ما قصدت إلا غيبته، بل بعض الاستغفار والدعاء غيبة، كما إذا ذكر لك رجل، وقال: ما رأيك في فلان؟ فتقول: استغفر الله.
فهل تستغفر من الذنب؟! إنك تطعنه بالخنجر من الاستغفار، وهذا عيب على طريقة الذاكرين.
ومنها: الغيبة إذا ذكر لك رجل، قلت: هداه الله، وما قصدك الدعاء لكنك تقصد شيئاً فطلبت الدعاء له، وقد نبه على ذلك شيخ الإسلام في منشور من الفتاوى موجود.
وذكر الغزالي في الإحياء: عن الحسن قال: (عقوبة العلماء موت القلب).
نعوذ بالله من موت القلب، وموت القلب طلب الدنيا بعمل الآخرة، إظهار التزهد وهو يريد أن يجمع الدنيا، ويستولي على المناصب، ويجمع الدنانير والدراهم، وأن يترك رسالته.
عجبت لمبتاع الضلالة بالهدى ومن يشتري دنياه بالدين أعجب
وأعجب من هذين من باع دينه بدنيا سواه فهو من ذين أعجب
وقال : ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ * وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ ذَلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنَا فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [الأعراف:١٧٥ - ١٧٦].
نزلت هذه الآيات في عالم من بني إسرائيل، وهذا قياسٌ يطرد في كل عالم ترك منهج الله، وترك الدعوة إلى الله، وأخلد إلى حطام الدنيا، وكتم علمه، ولم ينكر المنكر، ينسلخ من قداسة العلم، ومن شرعية الكلمة، فللكلمة شرعية.
لكن لا يحملها إلا العلماء، شرعية الكلمة، متى يقول، فيسمع له، إذا حمل جلباب العلم، وكأس العلم، وسيف العلم.
قال ابن الجوزي في صيد الخاطر (ص:٤٤٢): (وينضاف إليه مع الجهل بها -أي: بالسنن- حب الرياسة، وإيثار الغلبة في الجدل، فتزيد قسوة القلب): ﴿فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَنَسُوا حَظّاً مِمَّا ذُكِّرُوا﴾ [المائدة:١٣].
أيها الفضلاء! ولكن يبقى في بعض الناس رقة، وخير وفضل، ويبقى في أهل العلم بقية؛ هم أهل الصدارة والريادة.
قال ابن عبد البر في جامع بيان العلم وفضله (١/ ١٧٤): (وددت لو أن جسمي قرظ بالمقاريظ، وأن الخلق كلهم أطاعوا الله .
يقول: يا ليت جسمي قطع تقطيعاً وأن الخلق أطاعوا الله!
يا ليتني قدمت جسمي فداءً لهذه الأمة وأنهم أطاعوا الله.
قال: (فعرض قوله على بعض المتقدمين) فقال: (إن كان أراد بذلك النصيحة للخلق، وإلا فلا أدري، ثم غشي عليه) أغمي عليه من كثرة البكاء، ومن خطورة هذه الكلمة التي تدل على النصيحة وعلى الصدق.
وقد قرأت عن الإمام أحمد أنه قال: (يا ليت الله يجعلني فداءً لأمة محمد ﵊.
يقول: ليتني أفديهم، وبالفعل تقدم الإمام أحمد للسياط، وجلد، وعرض للسيف، ومع ذلك ما تزحزح من أجل رسالة الرسول ﵊، ومن أجل أمة الرسول ﵊.
فتىً كلما فاضت عيون قبيلةٍ دماً ضحكت عنه الأحاديث والذكر
تردى ثياب الموت حمراً فما أتى لها الليل إلا وهي من سندس خضر
стр. 3998
حق العلماء على الأمة
وحقوق العلماء على الأمة أربعة، وإليك التفصيل:
стр. 3999
الرد إليهم عند المسألة والتنازع
أما الرد إليهم: فأوجب الله علينا ذلك عند المسألة وعند التنازع، فقال: ﴿فَاسْأَلوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل:٤٣].
سمعت شاباً أفتاه بعض العلماء في مسألة في الجهاد، فقال: أنا لا أقبل فتوى هذا العالم.
قلت: لماذا؟
قال: لأنه لا يقبل فتوى القاعدين في شأن الجهاد، وإنما يقبل فيها فتوى المجاهدين.
قلت: يا أخي! ولماذا؟
قال: لأن هذا العالم يفتي وهو تحت المكيف، والمجاهدون يفتون وهم في الجبهة، فأنا أطلب فتوى المجاهد؛ لأنه في الجبهة، وأما فتاوى العالم القاعد تحت المكيف فأنا لا أطلب فتواه.
قلت: إن العلم لا يأتي بالمكيفات وغيرها، والفتوى ليست لقاعد ولا لمجاهد، الفتوى أوصلها الله وأسندها لأهل الذكر، وأهل الذكر إن كانوا في الجبهة سألناهم، وإن كانوا تحت المكيف سألناهم، والمكيف حلال بالإجماع وليس بحرام، والمكيف لا يدخل إلى تكييف العالم فيلغي علمه ونصوصه وإنما يبقى المكيف في الجدار، ويبقى قال الله وقال رسوله ﷺ ، في رأس العالم ﴿فَاسْأَلوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل:٤٣] إما مجاهد أو غير مجاهد، قاعد أو غير قاعد، فلا علاقة لهذا بالفتوى، وإنما: ﴿فَاسْأَلوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل:٤٣].
فإذا أشكلت عليكم المسائل فعودوا إلى كبار العلماء، إلى طلبة العلم الأجلاء، إلى الدعاة الناصحين، إذا استطاعوا أن يفتوكم في ذلك، وإلا فمن هو أعلم وأعلم ﴿وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ﴾ [يوسف:٧٦].
يقول سبحانه: ﴿وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾ [النساء:٨٣].
من الذين يستنبطونه؟
إنهم العلماء، لأنك تأتي بنص لعامي وعالم، فالعالم يدرك من جلالة ومقصد النص ما لا يدركه العامي:
وإن تَفُقِ الأنام وأنت منهم فإن المسك بعض دم الغزال
يقول المتنبي لـ سيف الدولة: (إذا كنت ذكياً وأنت من البشر، فإن المسك من دم الغزال، لكن ريحه مسك، يباع القليل من المسك بقناطير الذهب، ولكن كيلوات الدماء من دم الغزال لا يباع بدرهم).
وإن تَفُقِ الأنام وأنت منهم فإن المسك بعض دم الغزال
إذاًَ كيف نرد إليهم؟
إذا أشكلت علينا مشكلة، أو أتتنا أزمة، أو ألمَّ بنا حادث، هرعنا إلى العلماء، وقلنا: يا علماء الإسلام! يا أهل الحل والعقد! يا نجوم الأمة! هذه مسألة معضلة، أفتونا مأجورين فيها، فإنا نطلب فتواكم، فهذا واجبنا أن نرد إليهم.
ولقد رأيت بعض الناس يقول: أصبحت الثقة غير متبادلة، وعلينا أن نفتي أنفسنا الآن؛ لأن الموقف يتطلب شجاعة وحماساً، ولا يتطلب أن نعود إلى هؤلاء، لماذا؟
وهل الفتوى بالحماس والشجاعة؟!
أو بكبر الجسم والعضلات؟!
إنما الفتوى بالعلم، وكان الصحابة يتدافعون الفتيا خوفاً من الله، وفي أثر مرسل لا يصح مرفوعاً فيما أعلم: [[أجرؤكم على الفتيا أجرؤكم على النار]].
يقول أحد التابعين لبعض طلبة التابعين: [[والذي نفسي بيده إنكم تفتون في مسائل لو عرضت على عمر بن الخطاب لجمع لها أهل بدر]] لكن ما بالك إذا كان الشاب في الخامسة عشر من عمره، يتربع، يناقش هيئة كبار العلماء في أكبر المسائل، ويقول: خالفوا الأدلة، الذي ظهرت لي بعد طول تأمّل.
كم عمرك حتى طال التأمل؟!
ومن أنت حين تقول: الذي ظهر لي بعد طول تأمل، والذي عليه ترجيحي وترجيح أصحابي، أن هذه المسألة كيت وكيت؟!
فالواجب الاحترام، وأهل العلم لهم تجربة، ولهم عقل، ولهم قدم، وسوف أبرر لماذا يكون لهم عقل وعلم، ثم نطالبهم بحقنا عليهم؟ لأن لنا عليهم حقوقاً.
стр. 4000
حماية أعراضهم
اعلموا -رحمكم الله- أن لحوم العلماء مسمومة، وأن عادة الله فيمن تَنَقَّصَهم معلومة، وأن أسوار من استهزأ بهم مهدومة.
هذه كلمة قالها ابن عساكر.
فمن تَنَقَّص العلماء، وتعرض لهم: أذله الله، وأخزاه، وقمعه، وأنزل به كارثة أو نازلة، وهذا أمر معلوم.
بل التعرض للعلماء تعرض للإسلام مباشرة، وانتهاك قداسة العلماء انتهاك لقداسة الإسلام.
فحذارِ حذارِ! وإنما أنبه غيركم وأما أنتم فإنكم -إن شاء الله- لديكم من العلم والتقوى، والورع والوعي، ما تدركون ذلك، لكن إياك أعني واسمعي يا جارة.
يقول بعض المفسرين في قوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَأْتِي الْأَرْضَ نَنْقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا﴾ [الرعد:٤١].
قالوا: موت العلماء، أورده الشوكاني وغيره، موت العلماء نقصان الأرض من أطرافها، وموت عالم ثلمةٌ في الإسلام، وموت العالم زلزال في الأمة، وموت العالم جرح لا يندمل إلا بعالم آخر، وكانت الأمة إذا مات عالمها، بكوا كثيراً وحزنوا، وسألوا الله أن يبدله بمثله أو بخير منه.
ومعلوم أيها الإخوة! أنَّا عرفنا من الأشخاص من كان مذهبه التنقص في العلماء، فأصابه الله بخيبة، ولم يجعل له قبولاً، وصار عرضه منتهكاً عند شباب الإسلام، ولم يحفظ الله عليه عورته؛ لأنه لم يحفظ حرمة العلماء.
стр. 4001
عذر العلماء إذا أخطئوا
الثالث من حقوق العلماء على الأمة عذرهم إن أخطئوا في اجتهادهم.
أولاً أيها الأحباب! ليس العلماء معصومين، لأنه من عقيدة أهل السنة ليس معصوماً إلا الأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام، أما العالم فليس معصوماً، قد يخطئ وقد يذنب، تجوز عليه الكبائر في الجملة، ولكن قد يتوب منها، وقد يأتي بمسألة يظنها صحيحة وهي خطأ، ويأتي بوجهة نظر وهي متردية لا تساوي شيئاً، لكن لا تسقط عدالته ولا تذهب كلمته.
يقول ﵊ في الصحيح كما ورد عن عمرو بن العاص: ﴿إذا اجتهد الحاكم فأصاب فله أجران، وإذا اجتهد فأخطأ فله أجرٌ واحد﴾ فإذا اجتهد وبحث عن الأدلة، رأى دليلين في موطن التعارض، رأى من عمومات النصوص، وحاول أن يجتهد، لكنه أخطأ، فله أجر واحد لأنه أخطأ، وإن أصاب فله أجران؛ أجر الاجتهاد وأجر الصواب.
ولـ ابن تيمية رسالة بديعة اسمها: رفع الملام عن الأئمة الأعلام وقد عذر اختلاف أهل العلم في مسائل الفروع التي يختلف فيها، وفيها يجري الاجتهاد.
ومن أعذارهم:
أولاً: أن الدليل قد يبلغ هذا العالِم ولا يبلغ العالِم الآخر؛ فقد يكون وصلك الدليل لكن لم يصلني أنا، مثل: تحريك الإصبع، فأنا -مثلاً- لا أحرك إصبعي في الصلاة وأنت تحركها، فتسألني: لماذا لا تحرك إصبعك؟
أقول: ما وصلني الدليل، فهذا تَعَذَّر عليه، ولك أجر واحد أنك اجتهدت بحسب ما وجدت، ولا تبطل صلاتك، وتبقى المسائل الفرعية مختلفٌ فيها.
ثانياً: أن يكون الدليل عندك ثابتٌ وعندي منسوخ.
تقول: هذا الحديث لماذا لا تعمل به؟
أقول: منسوخ.
فلا تحمل عليَّ، ولا تشنع ولا تغضب عليَّ، فقد اجتهدت فأخطأت.
وثالثاً: أنه قد يكون عندك الحديث صحيحٌ، وعندي ضعيف؛ والتصحيح والتضعيف -يا أيها الفضلاء- أمرٌ اجتهادي، لك أن تصحح الحديث ولي أن أضعفه بطرقي الخاصة، ولذلك تجد حديثاً يصححه ابن حجر ويضعفه -مثلاً- من بعده كـ السخاوي -مثلاً- أو الألباني، ويصحح ابن تيمية حديثاً ويضعفه ابن القيم، فلا حرج والمسألة فيها سعة، إنما الصدق، والنصيحة، والإخلاص، والجد في طلب الدليل.
ورابعاً: أنك قد تفهم من الدليل ما لا أفهم أنا، مثل قوله تعالى: ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ [الأنعام:١٤١] فهم الأحناف من هذه الآية: أنها تدخل فيها الثمار والحبوب والخضروات، فقالوا: في الخضروات زكاة، حتى الجرجير عند الأحناف فيه زكاة، والخس والبقدونس.
وقال الجمهور: لا.
وإنما فيما يحصد فقط؛ لأن الله يقول: ﴿يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ [الأنعام:١٤١] والجرجير والخس والبقدونس لا تحصد.
فماذا نفعل؟! هل نضلل الأحناف؟
لا.
بل نقول: اجتهدوا فربما أخطئوا ولهم أجر واحد، والجمهور لهم أجران، وهكذا المسائل، ومن عَبَدَ الله على مذهب أبي حنيفة نجا بإذن الله، أو على مذهب مالك، أو على مذهب أحمد، أو على مذهب الشافعي، شريطة أن يبحث طالب العلم عن الدليل في أي مذهبٍ كان، ويعمل به، ويتمسك بدليل عن المعصوم، ولا يسعه إلا ذاك.
стр. 4002
ربط الشباب بالعلماء
الرابع: من حقوق العلماء على الأمة: ربط الشباب بهم.
فالفوضى لا تصلح، فوضى بدون قيادة فكرية علمية لا تصلح، كلٌ يخطب، وكلٌ يعمل، وكلٌ يوجه، وكلٌ يتحمس، لا.
لا بد من علماء للمسيرة:
لا يصلح القوم فوضى لا سراةَ لهم ولا سراة إذا جهالهم سادوا
والبيت لا يبتنى إلا بأعمدةٍ ولا عماد إذا لم تُرس أوتاد
الأوتاد: العلماء، نراجعهم، وللخطيب أن يعود إلى العالم قبل صلاة الجمعة، فيقول: أترى أن أخطب في هذا الموضوع؟
أترى أن أثير هذه المسألة؟
أترى أن أورد هذا الكلام؟
يسأله لأنه أكبر منه وأعلم وأفضل، وقد يمنحك الله بركةً على لسانه، ويجري حقاً على فمه، فيكون لك الحق فتعمل به وهكذا.
وإذا وسد الأمر إلى غير أهله، إذا تقلد الأمور العلمية أناسٌ جهلة، وقادوا الأمة إلى مهاوٍ ومزالق، وهم جهلة، وقد سبق معنا: ﴿فسئلوا فأفتوا بغير علم فضلوا وأضلوا﴾ والله المستعان!.
نطالب أهل الفضل، وأهل العلم، وأهل السنة، أن يتقدموا المسيرة، ولا يتركوا الميدان للجهلاء السفهاء، من سفهة البغاة العلمانيين:
عذرت البدن إن هي قارعتني فما بالي وبال ابن اللبون
هذا البيت لـ جرير، ومعناه يقول: أنا أعذر أن يصارعني الجمل الهائج أما ابن اللبون، ابن سنة فلا أستطيع له، أنا لا أبارزه، وهذا أمر معلوم في الفِطَر والأحوال.
стр. 4003
حق الأمة على العلماء
وصلنا الآن إلى حقوقنا على العلماء، وأنا أقدمها هذه الليلة إلى العلماء حفظهم الله ورعاهم بصفتي من إخواني ومن زملائي المجتمعين في هذا الجمع الحافل، أرفعها بالدعاء والثناء والسلام والتحية إلى أصحاب الفضيلة علماء الأمة نطالبهم بها، علَّ الله أن يحفظهم ويرعاهم للأمة رواد خير وفضل.
أطالبهم بأربعة مطالب، وهي متحققة إن شاء الله في الكثير أو بعضها:
الأول: عدم الكتمان، نطالبهم ألا يكتموا الحق.
الثاني: ألا يقولوا على الله إلا الحق، لا يأتي أحد بافتراء على الله، لا يحكم بغير حكم الله، لا يأتوا بحكم ويقولون: هو من عند الله وما هو من عند الله.
الثالث: أن يأمروا بالمعروف وينهوا عن المنكر.
الرابع: أن ينزلوا إلى الناس ويكونوا علماء عامه مع الأمة، في أوساط الأمة، في مجالس الأمة، في مساجد الأمة، يقودون الشبيبة، ويوجهون الأمة إلى مرضاة الله.
стр. 4004
عدم كتمان العلم
أما عدم الكتمان: فهو مطلب أساسي، والكتمان مصيبة، وكبيرة من الكبائر، نعوذ بالله من ذلك، فكتمان الحق جبن، وكتمان الحق انهزام في الشخصية، وكتمان الحق فشل، وعندما تصبح هذه الظاهرة عند العالِم تنتهي الأمة فلا تصدقه، ولا تثق به، ولا تنضوي تحت لوائه، ولا تذهب معه، ولا تشيد به، وتصبح الأمة بعيدة كل البعد عنه، كيف يكتم وعنده جوهر، وعنده وثيقة، وعنده نصوص في صدره؟!
يقول الله محذراً من الكتمان: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ * إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا فَأُولَئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ [البقرة:١٥٩ - ١٦٠].
ما هي بركة العلم؟
لماذا الكتمان؟!
ولماذا الخوف؟! ﴿الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلا يَخْشَوْنَ أَحَداً إِلَّا اللَّهَ﴾ [الأحزاب:٣٩] أي: يبلغون ما أنزل الله من الكلام رضي من رضي وسخط من سخط، فمن رضي فله الرضى، ومن سخط فله السخط، نحن لا نداري الناس بالعلم الذي نحمله، ولا نترضى أمزجة الناس، ولا نسترضي الناس بسخط الله، فإن عند ابن حبان مرفوعاً: ﴿من أرضى الناس بسخط الله سخط الله عليه وأسخط عليه الناس، ومن أرضى الله بسخط الناس رضي الله عليه وأرضى عليه الناس﴾.
وهذه سنة الله، والعالم يوم يرضي الله ولو سخط الناس، لكن سترضى عنه الأمة، ويرضى عنه الناس جميعاً.
يقول سبحانه: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلا تَكْتُمُونَهُ﴾ [آل عمران:١٨٧].
والكتمان يعني: التغطية، إغلاق المعلومات في قدر من الضغط ثم القفل عليها، ففي وقت الحاجة تضطرب الأمة، فعندما تريد منه رأياً، وحكماً، يكتم ويسكت، تسأله: تكلم؟
أفتنا؟
قال: الحكمة الحكمة، إنها حكمة مدفونة، حكمة ميتة، نريد حكمة حية، لا نريد حكمة لم يفهمها أبو بكر، ولا عمر، ولا ابن تيمية، ولا العز بن عبد السلام، الحكمة: وضع الشيء في موضعه، وليس معناها: الموت! أو إماتة الحق! لا، هذه ليست مرادفة.
يقول ﵊ فيما صح عنه: ﴿من كتم علماً ألجمه الله يوم القيامة بلجامٍ من نار﴾.
علم أن الأمة تحتاج إلى مسألة، إلى مقولة، إلى خطبة، ولكنه كتم! يسألونه فيحوص من هنا ومن هنا، يأتي من فوق ومن تحت ومن يمين ومن شمال حتى لا يصل إلى المقصود كتماناً، هذا هو الخور، والأمة ليست بحاجة إلى هذا الصنف أبداً، ولا تجد الأمة لهم مكاناً في صفوفها، ولا استعداداً لتقبل كلام هذا الصنف، وقد أثبت التاريخ ذلك.
والكتمان أصيب به بنو إسرائيل، قال سبحانه: ﴿وَيَكْتُمُونَ مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [النساء:٣٧].
قيل: أهل العلم، عندهم رسائل وعندهم آيات وأحاديث ولكنهم كتموها، وما أعطوها الأمة حتى وجد من بعض العلماء من يبخل على الشباب بدرس أو محاضرة، وكأنه ينفق عليك من جيبه ومن لحمه ودمه، وإذا ألقى كلاماً قطر بالقطارة عليك، كأنه يعد عليك الكلام عداً، هذا بخل بالعلم، والبخل بالعلم حرام.
стр. 4005
قول الحق ولو كان مراً
المسألة الثانية: ألا يقولوا على الله إلا الحق.
﴿أَلَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِمْ مِيثَاقُ الْكِتَابِ أَنْ لا يَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ﴾ [الأعراف:١٦٩] أما أخذنا عليهم الميثاق ألا يخافوا في الله لومة لائم؟!
ألم يؤخذ عليهم أن يقولوا كلمة الحق صريحةً هادئةً حكيمةً تصل القلوب؟!
الكلمة قوية، أقوى من شعاع الشمس، وأقوى من الذرة، والأمة تحتاج إلى كلمة العالم، يقولها في وقتها وفي مكانها، حينها يشكره الله، ويثيبه الله، ويرفع منزلته، وهذا واجب طلبة العلم، والدعاة، والأخيار، أن يقولوا كلمة الحق، لكن ﴿فَقُولا لَهُ قَوْلاً لَيِّناً لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى﴾ [طه:٤٤] بهدوء، وبصدق، وبإخلاص، ولا يكتم على الأمة كلمات الحق، ولا يخرس ألسنتهم، ولا يعكفوا في بيوتهم، لكن يصلوا إلى الحق بحكمة وهدوء وانضباط واتزان ليبلغوا دين الله، وينصروا هدفهم الذي هو إعلاء ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة:٥].
أما أن يقول العلماني كلمته، ويبرز علينا من الشاشة، ويتكلم من الصحف والمجلات، ويستهزئ بالخيرين، ويكون جريئاً متحدياً، وإذا قلنا له: لا، قالوا: عليكم بالحكمة:
إذا عير الطائي بالبخل مادرٌ وعير قساً بالفهاهة باقل
وقال السهى للشمس أنت كسيفة وقال الدجى للبدر وجهك حائل
فيا موت زر إن الحياة ذميمةٌ ويا نفس جدي إن دهرك هازل
قُلْ كلمة الحق، ولو ذهب رأسك في كلمة الحق، لماذا أتباع برجنيف تسحق جماجمهم تحت الدبابات في أفغانستان؟!
لماذا أذناب شامير -إسرائيل- في سيناء تشدخ رءوسهم تحت المجنزرات، يريدون أن يثبتوا عقيدتهم وعقيدتنا التوحيد، لكن بلا طيش، ولا تهور، ولا عجلة، لكن حمل الواثق الذي يحمل مبادءه، ويؤديها في رسوخ، وفي ثقة، وفي حكمة، ويطالب بحقه الإسلامي الشرعي الذي فرضه الله.
أنا وأنت لو اعتدي على منزلنا وعلى أرضيتنا وسيارتنا، ما رضينا، نذابح أنا وأنت، ونقاتل، لكن الإسلام يُنْتَهَك، والمنكرات تفشو، والحدود تُنْتَهَك، ومع ذلك نفسي نفسي، لكن الله تعالى يقول: ﴿أَنْ لا يَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ﴾ [الأعراف:١٦٩] والله تعالى يقول للعلماء وللدعاة ولطلبة العلم: ﴿وَلا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لا يُفْلِحُونَ﴾ [النحل:١١٦] لا تحللوا المحرم، ولا تحرموا المحلل.
وعجبت لكاتبٍ أديبٍ من هذه البلاد في الشرق الأوسط، جعل نفسه مفتياً، وهذا هو العجب العجاب، وأظنه لا يحفظ حديثاً من صحيح البخاري أو صحيح مسلم.
وأتحداه أن يحفظ حديثاً ويخرجه لنا، أو يحفظ مسألةً فقهيةً وينسبها إلى كتاب من كتب أهل العلم، وأتى يقرر علينا في عين العاصفة قضية القضايا وبقية القضايا، ويناقشنا في مسائل هي لهيئة كبار العلماء وليست له:
ويُقْضَى الأمر حين تغيب تيمٌ ولا يُسْتَشْهَدون وهم شهود
أنت لست هناك، تفرض على الأمة، أنت لست أميناً، وليس لك مكان فقه على الأمة، طهر كيانك أولاً.
وقرأت له أيضاً مقابلة نشرت في مجلة الدعوة قبل ثمان سنوات، يقول: ما رأينا النور في الجزيرة العربية منذ ثلاثة آلاف سنة، وعرضت فتواه على بعض العلماء، فقال: إن كان اعتقد ما يقول فقد ارتد عن الإسلام، وأقول له: أنت ما رأيت النور منذ ثلاثة آلاف سنة، فنقول: صدقت أما أنت فما رأيت النور، لكن نحن عشنا النور، وشربنا النور، ومشينا في النور، ﴿نُورٌ عَلَى نُورٍ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشَاءُ﴾ [النور:٣٥] ﴿وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُوراً فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ﴾ [النور:٤٠]:
أين ما يدعى ظلاماً يا رفيق الليل أَينا إن نور الله في قلبي وهذا ما أراه
قد مشينا في ضياء الوحي حباً واهتدينا ورسول الله قاد الركب تحدوه خطاه
فكيف يكون هؤلاء متكلمون بلسان الأمة، ومتحدثون عن شريعة الأمة؟!
يفاوض على مسائل ليست له، هي لـ ابن تيمية، ابن باز وابن عثيمين ولأمثالهم من هيئة كبار العلماء والفضلاء أما له فلا، لا نقبل.
عليه أولاً: أن يتوضأ ويصلي معنا!
عليه أولاً: أن يتوب، ويعلن إسلامه، ويتخلى عن الرجس والوثنية، ثم يتكلم لنا في المعتقد والشريعة.
قال سبحانه: ﴿انْظُرْ كَيْفَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَكَفَى بِهِ إِثْماً مُبِيناً﴾ [النساء:٥٠].
انظر كيف يكذبون على الله، يقولون: حلال وحرام؟!
رأيت في مجلة وهو موجود في شريط: (الفتاة السعودية والعلمانيون) توثيق هذا الكلام موجود، رأيت مفتياً أتوا به على حد قول جمال: عاوز مفتي بفرخة!! ماذا يقول جمال: أطلب من المصريين أن يعطوني مفتياً وأعطيه فرخة، إذا أردت مفتياً يفتيني في مسألة أعطيته دجاجة ويفتيني فتوى على الكيف!!
ولذلك وجد من يفتي بفرخة، ووجد قرَّاء بفرخة، اففتح جمال ذات مرة مشروعاً في أسوان فأتوا بقارئ قالوا: اقرأ سورة فيها ذكر جمال، فتأمل هذا القارئ واستعرض القرآن، فوجد لفظة (جمال) في سورة النحل، يقول فيها: ﴿لَكُم فِيهَاَ جَمَالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ تَسْرَحُونَ﴾ [النحل:٦] والله يذكر الإبل والبغال والخيل والحمير، ولا يذكر جمالاً، فأتى المقرئ فقال: ﴿وَلَكُمْ فِيهَا جَمَالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ تَسْرَحُونَ﴾ [النحل:٦] فالتفت جمال، وقال: يفتح عليك.
اكتشف لفظ (جمال) في القرآن، هذه قراءة بفرخة!!.
فهذا المفتي في إحدى المجلات النسائية قيل له: أتزور المرأة المقبرة؟
قال: نعم، يجوز لها أن تزور بمحرم.
ما شاء الله! هم في المسارح لا يشترطون المحرم، والسفر إلى بنكوك وباريس لا يشترطون أن تزور المرأة بمحرم، وتسافر في المطارات بلا محرم، لكن عند المقبرة بمحرم حتى لا يخرج عليها الموتى، هذه فتوى بفرخة، فتوى على الكيف.
﴿انْظُرْ كَيْفَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ﴾ [النساء:٥٠].
انظر كيف يدجلون على الأمة؟ يضحكون على لحانا؟!!، هل أصبحت الأمة بقراً؟!
ما أصبح في الأمة مثقفون يفهمون الحرام والحلال!! حتى طالب ابتدائي يعرف أن بعض المسائل التي يفتيها بعض الناس خطأ، ولكن علماؤنا -إن شاء الله- منزهون عن ذلك، وهم بمنزلةٍ عاليةٍ رفيعة.
نسأل الله أن يثبتهم وأن يزيدهم توفيقاً لقول الحق لا يخشون في الله لومة لائم.
стр. 4006
الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر
واجبنا عليهم وواجب الأمة أن يأمروا بالمعروف وينهوا عن المنكر، العالم إذا نزل ليغير المنكر نزلت الأمة معه، كان ابن تيمية يدرس بعد الفجر حتى تطلع الشمس، ثم ينزل بالعصا والمقص، عنده مقص في جيبه، فينزل في الأسواق أما العصا فيقيم بها الحدود والتعزير، وأما المقص فيأتي إلى من أطال شعره على مذهب البطائحية فيقص شاربه، ويقص جمام الناس التي تخالف السنة، لأنها فرقة خالفت السنة وأصبح لهم شعار خاص، ثم يقف إلى الموازيين والمكاييل يغيرها، وإلى أصحاب الفاكهة، ويسلم على الباعة ويَعِظُهم، ويأمر من أسبل إزاره بتقصير إزاره في السوق.
فإنك شمسٌ والملوك كواكبٌ إذا طلعت لم يَبْدُ منهن كوكبُ
يقود ابن تيمية الأمة في أحلك الظروف، أتى التتار، فأتى إلى السلطان وقال له: اخرج قاتل الكفار؟
قال السلطان: هؤلاء التتار يغلبونا، قال: لا.
قاتلهم بالسياط الشرعية، والسيوف المحمدية، وأنا معك، فوالله لننتصرن، قال السلطان: قل: إن شاء الله، قال: إن شاء الله تحقيقاً لا تعليقاً!
قال: أخاف أن أهزم؟
قال: إما أن تقاتل وإلا قطعنا عنك البيعة، ولا بيعة لك بعد اليوم، ومعنى ذلك: أن ابن تيمية إذا قال: لا بيعة، انتهت المسألة، انتهت الدنيا!
فنزل السلطان وقاتل مع الناس، ونصر الله المسلمين ﴿فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الأنعام:٤٥].
يقول سبحانه عن العلماء وطلبة العلم: ﴿لَوْلا يَنْهَاهُمُ الرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ عَنْ قَوْلِهِمُ الْأِثْمَ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَصْنَعُونَ﴾ [المائدة:٦٣].
يقول: أين العلماء؟ أين طلبة العلم؟ أين الدعاة؟
لماذا لا ينهوا هؤلاء السفهاء الذين قست البلاد وقحطت بسبب ذنوبهم وأخطائهم وتعدياتهم؟ أين طلبة العلم؟ أين شباب الصحوة؟
﴿لَوْلا يَنْهَاهُمُ﴾ [المائدة:٦٣] أي: هلَّا ﴿لَوْلا يَنْهَاهُمُ الرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ عَنْ قَوْلِهِمُ الْأِثْمَ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَصْنَعُونَ﴾ [المائدة:٦٣] قال بعض المفسرين: لبئس ما كان يصنع الربانيون من العلماء بتركهم النهي عن المنكر والأمر بالمعروف.
وقال آخرون: ﴿لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَصْنَعُونَ﴾ [المائدة:٦٣] الذين يقولون الإثم، ويأكلون السحت، وكلا المعنيين صحيح.
وقال سبحانه: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ [آل عمران:١٠٤] كلمة الحق ثقيلة لكن تحتاج إلى رجال، وعند ابن حبان عن أبي ذر وهو حديث صحيح، قال ﵊: ﴿قل الحق ولو كان مراً﴾.
الحق مثل العلقم، الحق فيه تقديم الرءوس؛ لكن قل الحق ولو كان مراً.
﴿أفضل الجهاد كلمة حق عند سلطان جائر، وسيد الشهداء: حمزة -عم الرسول ﵊ ورجل قال كلمة حق عند سلطان فقتله﴾ هذا سيد الشهداء.
والأمة تحتاج إلى كلمة حق هادئة، بكلامٍ لين، تصل كلمة الحق ليكون فيها خير للأمة وللعباد وللبلاد ولولاة الأمر.
ذكر الذهبي عن ابن أبي ذئب؛ العالم الكبير قرين الإمام مالك، وكان محدث المدينة، جلس في المسجد، فدخل المهدي الخليفة العباسي، فقام الناس له إلا ابن أبي ذئب لم يقم، ولم يتزحزح من مكانه:
أنا صخرة الوادي إذا ما زوحمت وإذا نطقت فإنني الجوزاء
قال المهدي: يا ابن أبي ذئب! قام الناس لي ولم تقم أنت؟ قال: أردت أن أقوم لك فذكرت قوله تعالى: ﴿يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [المطففين:٦] فتركت القيام لذاك اليوم.
قال المهدي: اجلس! والله ما بقيت شعرةٌ في رأسي إلا قامت.
كلام يقيم الميت، يحيي العظام بإذن الله.
أتى ابن أبي ذئب إلى أبي جعفر قبل المهدي، قال أبو جعفر: أسألك بالله يا ابن أبي ذئب هل أنا خيرٌ أم الحسن بن الحسن؟ لأن الحسن هذا يجادله، ويقاتل على الخلافة، من أولاد علي بن أبي طالب قال: اعفني يا أمير المؤمنين! قال: عزمت عليك.
قال: ورب هذا البيت إنك ظالم.
خذها أو اتركها -يقول: ظلمت الأمة، لا أقول لك: عادل وأنت ظالم- ثم ذهب.
فكان الإمام أحمد يمجد ابن أبي ذئب كثيراً، ويدعو له.
وأتى النابلسي فقال لتلاميذه: من كان عنده عشرة أسهم فليرمِ النصارى بسهمٍ، ويرمي الفاطميين بتسعة؛ وهم حُكَّامُه في القاهرة، لكنهم كانوا ملاحدة زنادقة.
قال: ويرمي الفاطميين بتسعة أسهم، فسمع السلطان فاستدعاه، وقال: يا نابلسي! سمعنا عنك فتيا خطيرة.
قال: ما هي؟ قال: سمعنا أنك تقول: من كان عنده عشرة أسهم فيرمينا بسهمٍ ويرمي النصارى بتسعة.
قال: الفتيا خطأ.
قال: ما هي؟
قال: يرميكم بتسعة ويرمي النصارى بسهم، فذبحه ذبحة ما ذُبِحَ بها أحد من الناس.
وطلعات العز بن عبد السلام يأتي إلى السلطان يأمره وينهاه، فيرفض السلطان، فيخرج العز بن عبد السلام على حمار، فتخرج الأمة وراءه من القاهرة ويقولون للسلطان: والله لا نبقى في القاهرة ولنخرجن مع العز بن عبد السلام حتى تعيده، فيخرج السلطان وراء العز بن عبد السلام يطلب منه أن يعود ويترجاه، فقال: لا أعود حتى تنفذ الشروط:
منها: أننا متى أردنا أن نبيعكم بعناكم وسلمنا ثمنكم لبيت المال؛ لأنهم موالي قطز، وقرابته موالي يباعون ويشترون في العهد الأول، وحرج بهم في السوق مرتين، يقول: من يشتري قطز؛ قطز صاحب عين جالوت؛ البطل، الشهم، الشجاع، الذي لما حضر المعركة، واحتدت السيوف، وبدأت الرماح تخطف الرءوس أخذ خوذته ووضعها تحت قدمه، وقال: وإسلاماه وإسلاماه وإسلاماه! فسمعته الأمة فثبتت ونصرهم الله، وهو بطل، مع ذلك غضب عليه العز؛ لأنه أراد أن يتخلف عن الجهاد، فقال: إما أن تجاهد أو أبيعك وأسلم ثمنك لبيت المال، فجاهد.
ويقولون: طرق عليه السلطان يريد ذبحه، فخرج مسرعاً، وقال: اللهم ارزقني الشهادة، ولكن يقول لابنه عبد اللطيف: أبوك أهون على الله من أن يرزقه الشهادة، يقول: ربما كنت مذنباً فلا يمنحني هذا الشرف العظيم والوسام الرفيع.
ودخل الأوزاعي على عبد الله بن علي عم أبي جعفر المنصور، وكان سيف ذاك مسلطاً، والسيوف على رأسه، فقال للأوزاعي: ما رأيك في الدماء التي سفكناها؟
قال: حدثنا فلان عن فلان عن فلان عن ابن مسعود قال: قال رسول الله ﷺ : ﴿لا يحل دم امرئٍ مسلم إلا بإحدى ثلاث: الثيب الزاني، والنفس بالنفس، والتارك لدينه المفارق للجماعة﴾ قال الأوزاعي: فرأيت وزراءه -يعني: وزراء عبد الله بن علي - ضموا ثيابهم خوفاً من دمي أن يرش ثيابهم، فثبت.
وسأله عن الأموال؟
قال: إن كانت حلالاً فحساب، وإن كانت حراماً فعقاب.
قال: اخرج، فخرج وأنجاه الله.
قالوا للأوزاعي: كيف استطعت أن تتحدث؟
قال: والله ما دخلت عليه إلا تصورت عرش الرحمن بارزاً يوم القيامة، فصغر في عيني كأنه الذباب.
ودخل ابن السماك على أبي جعفر فجلس عنده؛ ابن السماك العالم، الداعية، الواعظ، فأتى الذباب يطير على أنف أبي جعفر المنصور الخليفة، فَيُطَيِّر الذباب فيعود على أنفه، فيطيره فيعود على أنفه، قال أبو جعفر يا ابن السماك! -يريد أن يهينه أمام الناس- لماذا خُلق الذباب؟
يعني: ما هو السر في خلق الله للذباب؟ قال: ليذل به أنوف الطغاة.
والنماذج تستمر، والأمة في حشد هائل تتحرى من أهل العلم أن ينهوا عن المنكر ويأمروا بالمعروف كما أمرهم الله.
стр. 4007
على العلماء أن يكونوا علماء عامة
الرابع: أن ينزلوا للناس، ويكونوا علماء عامة، علماء السلف علماء عامة، لا يعرف السلف عالماً في برجٍ عالٍ، تلقى الإمام أحمد في الطريق، وعلى الرصيف، وفي المسجد، وتطرق بيته فيفتح لك، ويفرش لك الفراش، ويجلس معك، ويقدم لك الماء، العالم مع الأمة في ضمائر وقلوب الأمة يعيش، بخلاف المفكرين العصريين؛ لأنهم أتونا بمسألة قالوا: لا بد من العزلة الشعورية، ولا بد أن تربي نفسك أولاً، ثم تأتي إلى الناس في لقاءات خاصة، على مذهب كانت وديكارت.
لكن علماء السنة علماء عامة، أبو بكر تجده في السوق يبيع ويشتري ويفتي، وعمر وعثمان وعلي وابن تيمية.
ابن تيمية أين وقته؟
دائماً مع الناس، ينام معهم، ويصحو معهم، ويعلمهم، ويلقنهم، ويفتيهم، ومع العامة، لأنه وجد بعض الناس يدندن بالتهويل من شأن المواعظ للعامة.
وهل الأمة إلا عامة؟!
وهل ثلاثة أرباع الأمة إلا عامة؟!
وهل القاعدة الشعبية إلا عامة؟!
تجلس معهم، تعلمهم الفاتحة، وأمور الدين، ومسلمات العقيدة.
نحن لا نحتاج إلى علم سيبويه في (حتى) يقولون: حضرته الوفاة، قال: أموت وفي نفسي شيء من (حتى) رحم الله سيبويه نفع بالنحو، لكن دقائق المسائل، وهذه الحتحتة، لا نريدها الآن، نريد العلم المؤصل المشهور، أن يعرض على الناس مبسطاً سهلاً، أما في المسألة أربعة عشر قولاً، قال ابن أبي ذئب، وقال مالك، وقال ابن تيمية، وقال الروياني، وقال الشافعي، والراجح، فالتفريع لطلبة العلم، لكن الناس يحتاجون إلى علم سهل مبسط، ويحتاجون إلى عالم يجلس معهم، ويقودهم، وإن التقصير الذي نلحظه من بعض العلماء أنهم ما نزلوا إلى الشباب.
فيا أيها العلماء! لا تلوموا الشباب إذا أخطئوا في تصرف، أو هاجوا، أو ماجوا، أو تحمسوا؛ لأنكم أنتم المسئولون في عدم ضبط وتعليم وقيادة الشباب.
ويا أيها العلماء! لا تصفوا الشباب بالتهور، ولا بالتطرف، ولا بالطيش، ولا بالعجلة؛ لأنكم أنتم أو بعضكم الذين لم تجلسوا للشباب في مجالس طويلة تتحدثون إليهم، وتربونهم، وتمسكون من جأشهم، وتربطون على قلوبهم، وتحبسون أعصابهم.
شباب الصحوة لا يقتنعون إلا بعلماء ودعاة، ومهما أتيت إليهم بالدساتير فلا يمكن أن يقفوا؛ لأنهم مقتنعون بآراء.
لكن يوم تسمع العالم يحاورهم، ويلقنهم، ويثبت أمامهم؛ حينها يشكرون له، ويهدأون وينضبطون ويسلكون معه.
فمطالبتنا الجادة: أن نتصل نحن ونتقدم إلى العلماء.
يقول أحد العلماء العصريين: إذا تقدم العلماء خطوة فعلى الشباب أن يتقدموا إليهم عشر خطوات، وهذا صحيح، علينا ألا ننتظر من العلماء أن يزورونا في بيوتنا، ويطرقون علينا الباب، إنما نحن نأتيهم، ونُقَبِّل رءوسهم، ونتواضع لهم، ولا نسميهم زنادقة، نعوذ بالله!
بعضهم سمعته -نعوذ بالله- يقول في بعض العلماء، يظن أنهم أخطئوا في فتوى، وقال: هؤلاء عملاء، ما معنى عملاء؟
تقول للعلماء ورثة الأنبياء: عملاء، وبعضهم يسميهم: مرتزقة، وهذا خطأ، ﴿كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ إِنْ يَقُولُونَ إِلَّا كَذِباً﴾ [الكهف:٥].
هم نجوم الأرض، لكن نطرق أبوابهم، لا يطرقون هم أبوابنا، وننتظرهم نحن في الشمس ولا ينتظرونا هم، ونقف نسلم عليهم، ونأخذ بألبابهم، ونبجلهم، وندعو لهم، ولكن عليهم -أيضاً- أن يقفوا لنا، ويفتحوا أبوابهم، ويجلسوا ويتحدثوا لنا طويلاً بالمحاضرات، بالندوات، بالفتيا، بالوعظ، بالتربية، عندنا علماء آلاف كثر، وكلهم نجوم متى ما نزلوا ومتى ما صدقوا، ومتى ما أخلصوا؟!!
فنسأل الله أن يثبتهم ويزيدهم علماً، ونسأل الله أن يرزقنا حكمةً وسداداً في الرأي ورشداً.
هذا ما للعلماء علينا، وهذا مالنا على العلماء.
وللعلماء علينا أن ندعو الله لهم بظهر الغيب، ونطلب منهم أن يدعوا لنا بالثبات والسداد والفقه في الدين، وحينها تتصل المسيرة، ويصلح الحال، ويزيل الله شراً عن البلاد والعباد، وتقوم أمور الأمة على هدى من الله، وهدى من محمد رسول الله ﷺ .
أيها الأخيار! انتهت محاضرة (العلماء مالهم وما عليهم) وأشكركم على صنيعكم في حضوركم، وعلى إنصاتكم في استماعكم.
رفع الله منازلكم، وغفر ذنوبكم، وأصلح بالكم، وأحق لكم الحق، ورزقكم اتباعه، وأبطل عنكم الباطل، ورزقكم اجتنابه.
وما بقي من وقت فللأسئلة، وسلام الله وصلاته على محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.
стр. 4008
الأسئلة
стр. 4009
انقطاع الشيخ عائض عن المحاضرات
السؤال
ما سبب انقطاعك عن المحاضرات وخاصة بعد الأحداث الأخيرة، وكذلك ردك ولو في الشعر كما فعل العشماوي، حيث إن أكثر الناس من الشباب يتساءلون، أرجو توضيح ذلك؟
الجواب
لم يحصل انقطاع، بل هناك خمس محاضرات، منها: الفتاة السعودية والعلمانيون، وصراع مع العلمانيين، والعلمانيون في كتاب الله، وخطبة: المرأة تقود السيارة، وخطبة: من هم الأصوليون؛ رداً على كاتبٍ أديب معروف كتب في جريدة الشرق يوم الأحد قبل الماضي: يا أيها الأصوليون الصداميون! اسمعوا وعوا، فرد عليه، وهي موجودة.
على أن المنهج الحق في مثل هذه الأحداث، أن يُعرض أمر الله الشرعي، وأن يبين الحرام، وألَّا يجرح الأشخاص لأنهم أشخاص، لكن يبين الحق للناس، ولا يخشى الداعية في الله لومة لائم، يقول: هذا حق وهذا باطل، هذا حلال وهذا حرام.
أما أن يجرح الناس ليتشفى هو، فليس هذا منهجاً، قد يؤذى، قد يضرب، قد يسجن، فلا يتشفى لنفسه، إنما يطلب الحق لله عزوجل ليقيم شرع الله.
وقد دخل الإمام أحمد على المعتصم فجلده حتى أدماه، قال الإمام أحمد: والله ما خرجت من قصر المعتصم حتى دعوت الله له.
يعني أن الإمام أحمد يريد أن يثبت دين الله لا يريد أن ينتصر هو، ولا يريد أن يجرح شخص المعتصم لأنه المعتصم، لكن ليقوم دين الله في الأرض ولتسود شريعته، وهذا هو الهدف الصحيح.
فهذا هو المطلوب والمقصود فلا يغب عن أذهان الإخوة؛ لأنه قد يجد إنساناً ليس دافعه غيرة لله ولا لرسوله، ولكن لأحقاد وثارات ومحن، أو دوافع طائشة، أو أسباب مادية!! لا، ليكن قصدك هو الحق، وإعلاء كلمة الله، وليكون دين الله هو الأعلى وهو الأجل، هذا هو الصحيح.
стр. 4010
الانطلاق في الدعوة
السؤال
كيف أستطيع أن أنطلق في الدعوة؟
الجواب
تنطلق في الدعوة بجهدك، بما عندك من علم، تحفظ مسألة؟ ادعُ للمسألة، عندك آية؟ ادع بالآية، معك حديث؟ ادع بالحديث ﴿بلغوا عني ولو آية﴾ ﴿نضَّر الله امرأً سمع مني مقالةً فوعاها، فأداها كما سمعها فرب مبلغ أوعى من سامع﴾.
تنشر العدل والعلم الذي معك، تفيض أنت بما عندك من الخير، لا تجلس ولا تخلص، أنا أعرف أن هنا آلافاً من الناس، لو خرجوا وقالوا كلمة الحق بعقل وبهدوء لانتهت المنكرات، وإلا فترى موقف الكثير من الشباب وللأسف سلبياً من المنكرات، تجده متحمساً في المجلس، وينتقد الدعاة، ويتكلم على كثير من العلماء، وأنهم ما أنكروا وما فعلوا، تقول له: لماذا لم تفعل؟
يجيب: أنا ما عندي قدرة، أنا أحتاج إلى أن أتعلم أكثر.
إذاً ضاعت الأمة وأنت تتعلم، هل نتحراك عشر سنوات؟
أما عندك علم؟
ألا تعرف كيف تقول لصاحب المنكر: اتق الله، ألا تستطيع أن تقول: هذا منكر؟!
ألا تستطيع أن تقول للمرأة: تحجبي يا أمة الله؟!
ألا تستطيع أن تقول لصاحب المكان الغنائي البهيت المقيت: اتق الله وأغلق مكانك، الغناء حرام، بهذه الكلمات؟! هذه ميسورة في يد كل أحد ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [آل عمران:١٠٤].
стр. 4011
مصطلح الصحوة
السؤال
ألا تعتقد أن كلمة: (الصحوة الإسلامية) فيها أخطاء، لأن ذلك يدل على أن الأمة كانت نائمة وهي ليست كذلك؟
الجواب
لا مشاحة في هذه التسمية، وفيها سعة والحمد لله، وليست نصاً منزلاً، وليست كلمة الصحوة بالقراءات السبع!! لا، فيها سعة، وبعضهم يسميها: العودة إلى الله، وإلا فإن أسلوب القرآن هو التوبة ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ﴾ [الزمر:٥٣] ﴿وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعاً﴾ [النور:٣١] فالتوبة أسلوب القرآن، والعودة كذلك أسلوبٌ قديم، والصحوة لا بأس منها ولا بأس بها:
خذا جنب هرشى أو قفاها فإنه كلا جانبي هرشى لهن طريق
стр. 4012
البداية في طلب العلم
السؤال
أريد أن أطلب العلم، ولكن لا أعلم كيف أبدأ، ومن أين أبدأ، وإلى أي شيخٍ أذهب، وبأي كتابٍ أبدأ؟
الجواب
نسأل الله أن يسلك بنا وبك طريق الصواب والخير.
أنت تبدأ على بركات الله عزوجل، وإن كنت طالباً فمعك من المشايخ من يدلك إن شاء الله، وما أعلم في كل حيٍ إلا طلبة علم وأخيار بإمكانك أن تستفيد منهم.
لكن تطلب العلم كلمة كلمة، ونصاً نصاً.
قال الزهري: [[من أخذ العلم جملة ضيعه جملة]].
وقال البخاري: (إنما يؤخذ الحديث حديثاً أو حديثين) في اليوم الواحد: حديث أو حديثان.
فالعلم لا يأتي دفعة، ولا يمكن أن تتعلم العلم كله في العطلة الصيفية، بل يمكن أن تربي نفسك وتتدرج في طلب العلم، وتبدأ بصغار المسائل قبل كبارها، تبدأ بالمختصرات النافعة المبسطة المفيدة، وهناك كتيب في السوق اسمه: كيف تطلب العلم؟
يحتاج هذا السؤال إلى أن يبدأ الإنسان يحاضر كيف تطلب العلم؟ هذا يكفي فيه الكتيب الصغير، وكتاب: حلية طالب العلم للدكتور بكر أبو زيد.
стр. 4013
كتاب الإحياء
السؤال
ما قولك في الإمام أبي حامد محمد بن محمد الغزالي صاحب الإحياء؟
الجواب
فيه خير كثير، وفيه زهد، وفيه إخلاص وصدق، لكن نقصه ثلاثة أشياء:
الأول: العقيدة لا تأخذها من الإحياء أبداً، عقيدته مهلهلة، أشعري، أحياناً يتطاول مع الأشاعرة، وأحياناً مع المناطقة، ما ثبت على قدم.
الثاني: يأتي بالموضوعات في الإحياء؛ فهو حاطب ليلٍ في الحديث، ويقولون: مات وصحيح البخاري على صدره، يطلب الحديث في آخر عمره، وبضاعته مزجاة في الحديث.
الثالث: أنه معجب بـ الصوفية أيما عجب، ويمدحهم، ويثني عليهم، وهذا خطأ، بل نعجب بـ أهل السنة، الذين هم على كتاب الله وسنة رسوله ﷺ .
على كل حال! غفر الله لـ أبي حامد ورفع منزلته.
стр. 4014
التسرع في الفتيا
السؤال
كثير من الشباب يتسرعون في الفتيا، فما علاج ذلك؟
الجواب
هذه أصبحت ظاهرة، ولكنها الآن بدأت تتلاشى رويداً رويداً، بعد أن عَقَلَ الشباب، وهدءوا، وبعد نزول كثير من المشايخ إلى الساحة وإلى المساجد.
الفتيا أمرها صعب وهي زلفى إلى النار والعياذ بالله.
وما عليك إذا سُئلت عن شيء فقل: الله أعلم لا أدري، فلا أدري نصف العلم، ولا أدري نصف الجهل، ﴿فَاسْأَلوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل:٤٣].
стр. 4015
المسجد والدعوة
السؤال
كيف أجعل من المسجد مركزاً للدعوة إلى الله؟
الجواب
إن كنت إمام مسجد، أنت بنفسك تقرأ وتتحدث فيما استطعت، وتدعو العلماء، وطلبة العلم، والدعاة، ويكون لك برنامج مع أهل الحي، وتستطيع في كل أسبوعين يمران عليك أن تحضر طالب علم يتحدث للأمة، يوضح لهم أمور دينهم، ويدلهم على صراط الله المستقيم.
وأبشركم أن عندنا مئات الدعاة، ويستطيعون أن يحضروا في أي مسجد، ويستجيبوا بإذن الله.
стр. 4016
معنى المادة عند أهل الإلحاد
السؤال
ما رأيكم في هذه الكلمة: المادة لا تفنى ولا تستحدث من العدم؟
الجواب
هذه الجملة إلحادية كفرية، وليست بصحيحة، وهي تعارض الكتاب والسنة، لا تفنى، بل تفنى ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ * وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالْأِكْرَامِ﴾ [الرحمن:٢٦ - ٢٧].
وإذا عرضها الأستاذ في الفصل، فقل له: بل تفنى، والدليل على ذلك قوله : ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ * وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالْأِكْرَامِ﴾ [الرحمن:٢٦ - ٢٧] ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [القصص:٨٨] وتقوم أنت وتشطبها وتكتب بدلها الآية، لأن تلك الجملة كفر وزندقة.
والذي يأتينا بالكفر، ونقنعه ولا يقتنع، نأخذ تراباً ونملأ به فمه، لأنه يدرس الإلحاد، وما أظن عاقلاً يسمع بهذا الإلحاد ثم يصر على رأيه؛ لأنه يخالف الكتاب والسنة.
أما قولهم: ولا تستحدث من العدم، كذب، وهذا كلام إلحاديٌ شيوعي يعني: أن المادة ما خُلِقت بل خَلَقت نفسها، والله يقول: ﴿الله خَالِقُ كُلِّ شَيْ﴾ [الأنعام:١٠٢] هو الخالق سبحانه، الذي ما خلق نفسه، ولا خلقه غيره، فهو الأول والآخر والظاهر والباطن ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ * اللَّهُ الصَّمَدُ * لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ﴾ [الإخلاص:١ - ٤].
стр. 4017
أخلاق العالِم
السؤال
هل إذا كان العالم أو طالب العلم، الذي يعلِّم الناس، سيء الخلق، ولسانه سليطاً، هل يؤخذ منه العلم، أم يترك لأجل سلاطة لسانه؟
الجواب
نحن لا نبرر للعلماء أخطاءهم، أي: أخطاءهم الخُلُقية.
كأن يكون العالمُ بخيلاً، يعني: يغلق عليك الباب، فتطالب أن تدخل الباب، يقول: والله لا تدخل، ويمنعك، وإذا وجدك كشر، ورفع صوته، وسبك دائماً، هذه ليست أخلاق محمد ﷺ ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾ [آل عمران:١٥٩] فالهدوء والارتياح، والبسمة، والبشاشة، من أخلاق الرسول ﷺ .
لكن أمراض البشرية دائماً تتكرر، والإنسان ليس معصوماً:
ومن ذا الذي تُرضى سجاياه كلها كفى المرء نبلاً أن تعد معايبه
ذكر الذهبي عن شيخ من الشيوخ، يقول: كان زعراً، أي: كان حاد الخلق، شرساً، إذا هبت الريح غضب، فيقول: أتاه أحد التلاميذ وعرض له كتاباً؛ فرفض الشيخ، فلحقه التلميذ عند الباب، وضايقه كثيراً، وبعض التلاميذ عِلَّة يرى الشيخ غاضباً، وجائعاً، ومنهكاً، ويرمي بنفسه عليه، ويضايقه، وينكد عليه.
يقولون من أدب الطلب: أن تتوخى وقت المعلم ووقت راحته، ووقت هدوئه.
فأتى هذا الشيخ فغضب، فأتى بعصا -كان عندهم عصي- فضرب التلميذ، فأخطأت العصا فضربت في الكتاب فشقته.
قال الذهبي: الخطأ مشترك بينهما، يحكم الذهبي، يقول: الخطأ مشترك بينهما، (يمزح)!!
وكان الأعمش ﵀ فيه شيء من هذا، يقولون: دعاه أحد تلاميذه يغديه في البيت، فأتى هذا التلميذ، وكان الأعمش لا يبصر الطريق كثيراً، فسقط الأعمش في حفرة بجانب بيت هذا التلميذ وهو لم يحفرها للأعمش لكن الطلاب حفروها له، قال: والله لا أدخل بيتك ولا أحدثك شهراً -هذا في السير- وعاد التلميذ وتلطف وصنع غداءً وبعد شهر دعا الأعمش، وأتى به إلى البيت وقبل الغداء أراد أن يصب عليه من البراد وكان الماء حاراً فلم يجربه قبل، فوقع الماء على يد الأعمش فسحب يده، وقال: والله لا أتغدى ولا أحدثك شهراً.
ما هذا الكلام؟ ما هذه الحدة؟!
إن أخلاق الرسول ﷺ هي: الحلم، والسعة، والتواضع.
ولذلك يوجد هذا، فعليك أن تتحمل وتصبر حتى تطلب العلم.
بعضهم بحر في العلم، لكنه حاد، يضارب على صاع تمر، فعليك أن تصبر حتى تأخذ العلم منه.
يقول عبيد الله بن عبد الله بن عتبة: تلطفت بـ ابن عباس فحصلت على علم كثير، وأما أبو سلمة بن عبد الرحمن بن عوف فما تلطف فلم يحصل على علم ابن عباس.
العلم حربٌ للفتى المتعالي كالسيل حربٌ للمكان العالي
أي: أن العلم مثل السيل، إذا رأى المكان منخفضاً ذهب إليه، وأما المكان المرتفع فلا، وكذلك العلم.
عَمَّرَ الله أوقاتكم بالسعادة، وجمعنا بكم في الجنة، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
стр. 4018
أخطاء يقع فيها الناس
إن طلب العلم الشرعي حصن من البدع والمحدثات، يجعل الإنسان يعبد الله على بصيرة وبعقيدة سليمة، ولما قل طلب العلم الشرعي، وكثر انتشار الجهل؛ كثرت البدع والأخطاء التي يقع فيها الناس في العبادات والمعاملات، وكذلك انتشرت بعض الألفاظ الشركية والأخطاء العقدية.
فلا بد أن تواجه هذه البدع بنشر العلم، والاعتصام بحبل الله، ورص صفوف أهل السنة بعيداً عن الاختلافات التي تفرق الأمة.
стр. 4019
أخطاء الناس إجمالاً
الحمد لله رب العالمين، ولي الصالحين، ولا عدوان إلا على الظالمين، والصلاة على إمام المتقين وقدوة الناس أجمعين، وعلى آله وصحبه والتابعين.
أمَّا بَعْد:
فسلام الله عليكم ورحمته وبركاته.
عنوان هذا الدرس: (أخطاء يقع فيها الناس) ونماذجها وعناصرها كما يلي:
- الزيارة وخطأ الناس في الزيارة.
- السؤال بوجه الله تعالى.
- الحلف بغير الله.
- الحلف بالطلاق.
- قولهم: انتقل إلى مثواه الأخير، وكلام أهل العلم في ذلك.
- وقولهم: فلان غني عن التعريف.
- وقولهم في ذلك الدعاء العامي: الله لا ينسانا ولا يقصانا.
- وموقف أهل العلم من الصفات، وتفصيل ابن تيمية لصفات الله ﵎.
- وقولهم: المرحوم فلان، والمغفور له.
- قولهم: لقيته صدفة، وما تعليقنا على الصدفة.
- (حتمية التاريخ) وقول الصحفيين: حتمية التاريخ، وهذه من حتميات التاريخ.
- قولهم: شاءت الأقدار.
- الاستقلالية في الصفات.
- ما رأي الدين، إذا قالوا وسألوا: ما رأي الدين في ذلك.
- قولهم: اللهم اغفر لي إن شئت، وبارك الله فيك إن شاء الله.
- تقديم بعض الألفاظ على السلام، كما يقول بعض العوام: سلمتم والسلام عليكم.
- قولهم: العصمة لله ﵎.
قول: صدق الله العظيم في باب التلاوة.
- قول الداخل للإمام لانتظاره: ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ [البقرة:١٥٣].
- رد التحية مثل قول: "أهلاً ومرحباً"، والاكتفاء بلفظ: "صباح الخير، ومساء الخير" بدل تحية الله ورسوله ﵊.
- قولهم بعد لفظ استووا: "استوينا لله" أو "اللهم أحسن وقوفنا بين يديك".
- قول المبتدع: "نويت أن أصلي الظهر أربع ركعات أو غيرها من الصلوات ".
- قولهم: "اللهم صلِّ على محمد، وزيادة سيدنا ".
- التأمين برفع الأيادي بعد الخطيب يوم الجمعة.
- قوله: "لا والله، وفلان" و"لولا الله ومحمد".
- سب الدهر والأيام.
- قولهم: رجال الدين.
- الدعاء بعد الفريضة برفع الأيدي، والمصافحة بعد الفريضة وجعل ذلك سنة.
- وفي الأخير: الألفاظ الشركية كقولهم: "وسوف يبين هذا بدعوة الجان ليتصرفوا بالكائنات والمخلوقات"
стр. 4020
نصيحة لشباب الدعوة
أيها الإخوة! هذه هي المسائل التي سوف تعرض هذه الليلة إن شاء الله، وقبل أن أبدأ بهذه المسائل أقدم نصيحة للشباب:
أولها: الحكمة في الدعوة.
ثانيها: تحصيل العلم الشرعي.
ثالثها: نبذ الخلاف والفرقة.
стр. 4021
الحكمة في الدعوة
أما الحكمة: فلا نعني بالحكمة إماتة الدعوة حاشا وكلا! وقد يتهم من يتكلم بالحكمة في الدعوة أنه يريد إماتة الدعوة بالحكمة؛ فالحكمة شيء وإماتة الدعوة شيء آخر.
لكن الحكمة على حد قوله : ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ﴾ [النحل:١٢٥] وقوله في رسوله: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾ [آل عمران:١٥٩].
فالحكمة هي: وضع الشيء في موضعه، قال سبحانه: ﴿وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً﴾ [البقرة:٢٦٩] والحكمة عند أهل العلم إذا أطلقت انصرفت إلى مدلولين اثنين:
المدلول الأول: وضع الشيء في موضعه، كقوله : ﴿يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً﴾ [البقرة:٢٦٩].
المدلول الثاني: السنة، قال سبحانه: ﴿وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ﴾ [الأحزاب:٣٤] وقوله سبحانه: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولاً مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾ [الجمعة:٢] أي: السنة.
وقضية الحكمة: أن تنطلق من منطلق.
أي: أن تصلح أكثر أو تحصل مصلحة أكثر من المفسدة التي تشتمل عليها، قال ابن تيمية في قاعدة نقلها السعدي عنه، ليس الفطن من يعرف الخير من الشر فجل الناس يعرفون ذلك؛ لكن الفطن الذكي من يعرف خير الخيرين وشر الشرين.
ومن مسالك أهل السنة في الدعوة: أن للخاصة دعوة خاصة وللعامة دعوة عامة، ولا أعلم أن مسئولاً إذا عرضت عليه الدعوة عرضاً طيباً كعرض موسى ﵇ وهارون لفرعون يوم قال الله لهما: ﴿فَقُولا لَهُ قَوْلاً لَيِّناً لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى﴾ [طه:٤٤].
ولا أعلم مسئولاً يوم تعرض عليه الدعوة يكابر إلا في النادر، وليس كل ما يعلم يقال، وليس ما يقال للخاصة يقال للعامة، وليس ما يريد العبد أن ينفذه ينفذه بغض النظر عن المصالح المترتبة على ذلك، وهذا يعني ألا يستعجل مستعجل، وألا يطيل طائل، وألاَّ يتجنى متجنٍ على الدعوة؛ فرب كلمة منعت ألف كلمة، ورب خطوة ردت ألف خطوة.
стр. 4022
تحصيل العلم الشرعي
أما تحصيل العلم الشرعي: فأدعو إخواني للعكوف عليه؛ فهو من أعظم مطالب الدين وهو نافلة الموحدين بعد الفرائض؛ وهو من أحسن ما يتقرب به إلى الله، والعلم الشرعي هو ما قال رسوله ﵊.
والعلم -أيها الإخوة- عبادة إذا صاحبته النية، والمقصود هو تحصيل العلم الشرعي وليس تحصيل الفكر، والإنشاء وزبد الكلام.
стр. 4023
نبذ الخلاف والفرقة
والمسألة الثالثة: نصيحة ثالثة: نبذ الفرقة والخلاف والشجار؛ وعدم الالتجاء إلى غير مظلة محمد ﷺ ، والانطواء تحت مظلة غير تلك المظلة السامقة الرفيعة الجميلة الرائعة، قال : ﴿وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [الأنفال:٦٣].
стр. 4024
أخطاء يقع فيها الناس
أما هذا الدرس فعنوانه كما أسلفت " أخطاء يقع فيها الناس ".
стр. 4025
أخطاء في الزيارة
فمما يقع الناس فيه: الزيارة وعدم التقيد بما ذكر الله في كتابه، وبما سن الرسول ﷺ في الزيارة، بل أصبح في نظام الزيارة همجية وعشوائية، وكدر على الزائر والمزور.
لقد ذكر الله الزيارة في سورة النور فقال: ﴿ثَلاثَ مَرَّاتٍ مِنْ قَبْلِ صَلاةِ الْفَجْرِ وَحِينَ تَضَعُونَ ثِيَابَكُمْ مِنَ الظَّهِيرَةِ وَمِنْ بَعْدِ صَلاةِ الْعِشَاءِ﴾ [النور:٥٨] فهذه الأوقات الزيارة محضورة فيها، وهذه الثلاثة الأوقات؛ أوقات استجمام وراحة، وهي أوقات خاصة للمؤمن مع أهله وفي بيته، وليس من الحكمة أن تزوره قبل الفجر، أسمعت غبياً أو أحمقاً يطرق عليك قبل الفجر، فتفتح له بابك، وتقول له: ماذا تريد؟ فيقول: عندي مسألة أو أريد أن أتحدث معك؟! يا له من حديث ما أسوده! ومن وقت ما أعكره! هذا وقت إما قيام ليل أو وقت نوم لمن سهر من مرض أو سفر، أو وقت خاص فلا يزار فيه.
(وبعد صلاة الظهر -حين تضعون ثيابكم من الظهيرة-) حين تأتون من الأعمال منهكين، عليكم من الكلال والمشقة ما الله به عليم، فهو وقت قيلولة؛ فيطرق الطارق في مسألة وكم يتعرض الإنسان لمثل هذا الأمر، فيجب أن نتقيد بما في الكتاب والسنة، وقضية أن نفقه في الصلاة ولا نفقه في الزيارة ليس بصحيح، فزيارتنا واتصالنا وجلوسنا تؤخذ كلها من مشكاة محمد ﵊.
فالزيارة بعد الظهر ليست زيارة إلا أن تكون معدة لوليمة أو دعوة أو جدول عمل مرتب.
(ومن بعد صلاة العشاء) وهذا لا يزار فيه؛ وهو وقت أذهبه كثير من الناس في السهر المضني، والضياع وعدم التحفيز، والسهر الذي فوت على كثير منهم صلاة الفجر.
وإنني أدعو إخواني إلى أن تكون زيارتهم هذه -من باب الاقتراح ووجهات النظر الموافقة للنصوص- من بعد صلاة المغرب إلى صلاة العشاء؛ فهو وقت مستهلك وبسيط على الزائر والمزور؛ وبعض الناس إذا زار أثقل في الزيارة يزورك بعد العصر ولا يخرج إلا آخر الليل.
رأى الشافعي رجلاً زاره وكان ثقيلاً -ذكر ذلك الذهبي وغيره- فقال الشافعي: ﴿رَبَّنَا اكْشِفْ عَنَّا الْعَذَابَ إِنَّا مُؤْمِنُونَ﴾ [الدخان:١٢] وكان الأعمش يقول: إني لأسمع بالثقيل فتتمايل بي الأرض، أظن الأرض ستنخسف من جهتي.
وقال ابن الرومي في زائر زاره:
أنت يا هذا ثقيل وثقيل وثقيل أنت في المنظر إنسان وفي المخبر فيل
ونحن نقول لإخواننا: أنتم مسلمون وأحباب وعلى المقل، وطئوا على شفاف العين، لكن هناك أوقات يرتاح فيها المرء ليأتي بصفاء ذهنه، لأن العبد، وخاصة من يتلقى أمور الناس، كالأئمة والخطباء والقضاة والمسئولين وأعيان الناس دائماً عليهم من المشاكل ما الله به عليم، فإذا صار وقت راحتهم مشغولاً مع الناس؛ فلن يجدوا وقتاً للراحة، ولتكدر صفوهم وأُحرجوا حرجاً بيناً.
وأشير بحول الله -إن تذكرت- إلى مسألة سارع إليها العلماء وهي "نظام بعض العلماء في المسائل" ونظام الجيران في الحارات.
стр. 4026
السؤال بوجه الله
المسألة الثانية: السؤال بوجه الله: وقد صح عنه ﷺ أنه ﴿لا يسأل بوجه الله إلا الجنة﴾ وقد أسرف كثير من الناس بالسؤال بوجه الله - (وجه الله عليك أن تأتي، وجه الله عليك أن تذهب، وجه الله عليك أن تقوم) - وهذا من عدم توقير الله في قلوبهم، ومن التعدي على حرمات الله وشعائره؛ فإنه لا يعظم حرمات الله إلا متقٍ، ولا يعظم شعائر الله إلا من في قلبه تقوى والواجب على العبد أن يقدر ربه حق قدره.
إن وجه الله أعظم من أن يذكر في هذه المسائل -في ركوب السيارة، والزيارة والطعام- فلنتق الله في ألفاظنا، ولنعلم أن هذا النص عظيم ولا يسوغ استخدامه لأي مسألة، ولا يسأل به إلا الجنة؛ فلك أن تقول: أسألك بوجهك الجنة، أما غيرها من الأمور التافهة فليس بوارد وليعلم هذا.
стр. 4027
الحلف بغير الله
ومنها: الحلف بغير الله، كأن يقول: بحياتي أو بشرفي أو بنجاحي وحياتي، فمن فعل ذلك؛ فقد باع حظه من الله وقد أشرك.
قال ﵊: ﴿من كان حالفاً فليحلف بالله أو ليصمت﴾ وقال ﷺ -فيما صح عنه-: ﴿إن الله نهاكم أن تحلفوا بآبائكم﴾ فلا يحلف أحد إلا بالله الواحد الأحد العظيم؛ لئن الحلف تعظيم، قال ابن مسعود [[لئن أحلف بالله كاذباً أحب إليَّ من أن أحلف بغيره صادقاً]] لأن تحلف بالله وأنت كاذب، أحسن وأقرب من أن تحلف بغيره وأنت صادق؛ لأن الحلف بالله كذباً معصية، والحلف بغيره صدقاً شرك، والشرك أعظم المعاصي وأكبر الكبائر فاستعيذوا بالله من الشرك ظاهراً وباطناً.
ومن المسائل: الحلف بالطلاق.
وهو منتشر؛ بل جعلوه -في الولائم والمناسبات، والحضر والمنع والطلب، وفي الأمور النسبية والعلاقات فيما بينهم- أعظم من الحلف بالله؛ بل إن أحدهم لا يأذن لأخيه إذا حلف عليه.
ويطلق عليه -هذا عند بعض العلماء-: أنه أقسم بغير الله وأشرك؛ وعند بعضهم: أنه حلف وانعقد به الطلاق، وعند بعضهم: أنه صار يميناً توجب به الكفارة ولسنا هنا في تفصيل الطلاق؛ ولكن في التحذير من الحلف بالطلاق، وعدم استخدامه على اللسان ولا يفعل ذلك إلا من قلَّ فقهه في الدين، أو صغرت معلوماته في هذه المسألة الضخمة التي استخدمها كثير من الناس.
стр. 4028
قول: (انتقل إلى مثواه الأخير)
ومن المسائل -وأنا أذكرها باختصار- قولهم: (انتقل إلى مثواه الأخير) فإذا مات شخص قالوا: اليوم انتقل إلى مثواه الأخير، وهذه الكلمة عُرف أنها لبعض الزنادقة، من زنادقة المتصوفة بل زنادقة الفلاسفة، فكانوا يقولون: إن القبر هو آخر مثوى بل هي من الأقوال التي نشرت لـ ابن سينا.
وابن سينا هذا ضال، وقد تعرض له بعض العلماء، وتعرض له ابن تيمية فقصم ظهره في أكثر من موطن من كتابه " درء تعارض العقل والنقل "، بل قال مسائل كفَّره بها الغزالي في " تهافت الفلاسفة "، وقال عنه ابن تيمية في بعض المسائل: إن صح عنه ما يقال؛ فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين.
وهذا من أمثال من قال: (انتقل إلى مثواه الأخير) فأخذها بعض الصحفيين، فقالوا: فلان انتقل إلى مثواه الأخير، والقبر ليس مثوىً أخيراً؛ بل المثوى الأخير الجنة أو النار كما بين سبحانه: ﴿فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ﴾ [الشورى:٧] ومقصود الزنادقة أن يقولوا: إن القبر هو المستقر، ولا حياة بعد القبر، كما قال عمر الخيام:
فما أطال النوم عمراً وما قصر في الأعمار طول السهر
ثم يواصل فيقول:
لبست ثوب العمر لم أستشر وتهت فيه بين شتى الفكر
ثم يذكر في القصيدة أن القبر آخر مستقر وكذب عدو الله! فليس القبر آخر مستقر؛ بل بعد القبر حياة طويلة إما في الجنة وإما في النار، وبعد القبر حساب وصراط وميزان وتطاير صحف، وأنبياء وشفاعة وملائكة؛ وبعد القبر يوم يشيب من هوله الولدان فمن يعلم أن هذه الكلمة خاطئة؛ فليس مثواه الأخير القبر؛ فليعلم ذلك!
يقول إيليا أبو ماضي:
جئت لا أعلم من أين! ولكني أتيت!!
ولقد أبصرت قدامي طريقاً فمشيت!!
وسأبقى سائراً إن شئت هذا أم أبيت!!
كيف جئت كيف أبصرت طريقي لست أدري!!
ولماذا لست أدري؟!! لست أدري!!
فنقول له: والله لتدرينَّ إذا بعثر ما في القبور وحصل ما في الصدور، وكيف لا تدري!
قال الله تعالى: ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الْأِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئاً مَذْكُوراً * إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعاً بَصِيراً﴾ [الإنسان:١ - ٢] ﴿أَلَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ * وَلِسَاناً وَشَفَتَيْنِ﴾ [البلد:٨ - ٩].
إذاً: كلمة (مثواه الأخير) ليست صحيحة، وأعلم أن بعض الإخوة يقول: إن بعض الناس يستخدمها ليس لهذا المقصد؛ لكن إذا اشترك مسلم في كلمة ومقصده صحيح مع مجرم مقصده سيء؛ ولم يقرنا من الكتاب والسنة على هذه الكلمة؛ تحاشيناها.
قال سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقُولُوا رَاعِنَا وَقُولُوا انْظُرْنَا وَاسْمَعُوا وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [البقرة:١٠٤] فكان الصحابة يقولون: (أَرعنا سمعك) وهذه كلمة فصيحة، واليهود يقولون: (راعناً) وهي الرعونة من السذاجة والخبل والبلادة؛ فنهى الله عنها لاشتراك الكلمتين في بعض الشبه.
стр. 4029
قول: (فلان غني عن التعريف)
ومن الكلمات التي نبه عنها في بعض المناسبات: (فلان غني عن التعريف) فإذا قدموا لشيخ أو محاضر أو داعية أو مسئول قالوا: (فلان علم غني عن التعريف) وهذه الكلمة خاطئة فالغني عن التعريف هو الله، فهو الذي عرف نفسه بنفسه فقال: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ﴾ [الأنعام:١] وقال تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ جَاعِلِ الْمَلائِكَةِ رُسُلاً أُولِي أَجْنِحَةٍ مَثْنَى وَثُلاثَ وَرُبَاعَ يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ مَا يَشَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [فاطر:١].
فالغني عن التعريف هو الله، وقد عرف نفسه فقال لموسى: ﴿إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي﴾ [طه:١٤] وقال: (ِ هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيّاً﴾ [مريم:٦٥].
وقد ذكرت في مناسبة أن سيبويه توفي فرؤي في المنام فقيل له: ما فعل الله بك؟ قال: "غفر لي" قيل: بماذا؟ قال: لما أتيت في الكتاب؛ أتيت بلفظ الجلالة (الله) فقلت: الله غني عن التعريف أي: لا يحتاج إلى التعريف، فغفر الله له.
وفي كل شيء له آية تدل على أنه الواحد
فيا عجباً كيف يُعصى الإله أم كيف يجحده الجاحد
فأنت تعلم بأنه واحد، وما منا من أحد إلا ويحتاج إلى تعريف، ملكاً أو أميراً أو عالماً أو موظفاً أو مسئولاً أو وزيراً لا بد أن يُعرف، وعند الترمذي بسند ضعيف، يروى عنه ﷺ أنه قال: ﴿إذا لقي أحدكم أخاه فليسأله عن اسمه وعن نسبه؛ فإنه واصل المودة﴾ وكان من هديه ﷺ أنه ﴿كان إذا لقي رجل قال: من أنت؟﴾ وفي صحيح مسلم عن ابن عباس ﴿أن وفد عبد قيس قدم إلى الرسول ﵊، فقال: من القوم أو من الوفد؟ قالوا: من مضر، قال: مرحباً بالقوم غير خزايا ولا ندامى﴾ وكان عمر يقول: من؟ يسأل عن الرجل، وفي صحيح البخاري عن جابر يقول: ﴿استأذنت على الرسول ﷺ فقال: من؟ قلت: أنا! قال: أنا، كأنه كرهها﴾ يقول: من أنت؟ فـ (أنا) مجهول، فكل الناس يقول (أنا) لكن من أنت.
واستدل النووي على ذلك -بتسمية الاسم- بأن الرسول ﷺ مع جبريل طرقا باب السماء فقالوا: من؟ قال: جبريل، قالوا: ﴿ومن معك، قال: محمد، قالوا: مرحباً بك وبمن معك﴾.
وطرق أبو ذر على الرسول ﵊، فقال: ﴿من؟ قال: أبو ذر﴾.
فلا بأس بالكنية، وكلنا محتاج إلى تعريف، قال سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ [الحجرات:١٣].
ومن الأدب في الإسلام -أيها الإخوة الأحباب! - أن إذا نزل بك ضيف أو وفد أن تسألهم عن أسمائهم.
ولا تبق معهم وكأنهم صم بكم عمي فهم لا يرجعون، يتغدون ويتعشون، وينامون ولا تعرف أسماءهم.
فأقول: يا أخي! يا فلان! هذا لا يصح، هذا ليس من أسلوب التعامل وليس من أدب الإسلام، قال الأزدي:
أحادث ضيفي قبل إنزال رحله ويخصب عندي والمكان جديب
وما الخصب للأضياف أن يكثر القرى ولكنما وجه الكريم خصيب
يقول: أنا من صفتي أنني أحادث الضيف وهو على الراحلة، فكيف إذا نزل!
ومن أدب الضيافة أن تحدثه وتؤنسه، قال بعض العلماء: هذا إشراق، قيل: لما كلم موسى ربه قال: يا موسى!: ﴿وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَا مُوسَى﴾ [طه:١٧].
وهي من المحادثة والأنس؛ وإلا فالله يعلم أنها عصا، وهو الذي خلقها ، ويعلم بفرعون والعصا.
стр. 4030
قول: (الله لا ينسانا ولا يقصانا) ونحوها
ومن المسائل التي سمعتها من بعض الناس في دعائهم وربما تكون منتشرة في بعض النواحي لكن أخذ ما انتشر وما لم ينتشر حسباناً لانتشاره، كقولهم: (الله لا ينسانا ولا يقصانا) وهل الله ينسى، وهو القائل: ﴿فِي كِتَابٍ لا يَضِلُّ رَبِّي وَلا يَنْسَى﴾ [طه:٥٢] وأما ما ورد في القرآن كقوله تعالى: ﴿قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى﴾ [طه:١٢٦] وقوله: ﴿فَالْيَوْمَ نَنْسَاهُمْ كَمَا نَسُوا لِقَاءَ يَوْمِهِمْ هَذَا وَمَا كَانُوا بِآياتِنَا يَجْحَدُونَ﴾ [الأعراف:٥١] فكيف نحمل ذلك؟
النسيان هنا عند العرب: بمعنى الترك، أي: تركهم، ولا يعني أنه نسيهم ولا غفل عنهم، فقول القائل: "الله لا تنسني" أو "ربِّ لا تنساني " ليس بصحيح.
سبحان الله! خلقك وسيَّرك وأحياك وأماتك ثم ينساك؛ جلَّ الله عن النسيان!!
والنسيان صفة نقص لا تنسب له ، لا تقييداً ولاإطلاقاً، وتنفى عنه؛ فهو لا ينسى ﵎، ولا ينام ولا يصحو ولا تأخذه السِّنة ولا يحتاج إلى الطعام لا يطعم وهو يُطعم، فقول الشخص: (الله لا ينسانا) أو قوله: (اللهم لا تغفل عنا) من الألفاظ التي يُنْهَى عنها.
следующие страницы →