Полный текст (10 391 стр.). Показаны 4236–4275 · переход к 4241.
стр. 4236
تقسيم الخليل بن أحمد للناس تجاه العلم
قال الخليل بن أحمد: الناس أربعة:
رجلٌ يدري ويدري أنه يدري؛ فذاك عالمٌ فاسألوه.
ورجلٌ يدري ولا يدري أنه يدري؛ فذاك غافلٌ فنبهوه.
ورجلٌ لا يدري ويدري أنه لا يدري؛ فذاك جاهلٌ فعلموه، لكن داهية الدواهي الذي بُلي به ابن تيمية؛ رجلٌ لا يدري ولا يدري أنه لا يدري؛ جاهلٌ ويقول: عالم، يدخل حتى في المسائل الضيقة وهو لا يعرف شيئاً، لا يعرف أن يتوضأ.
فـ ابن تيمية تبسم لما قال له هذا الرجل ذلك الكلام، فقال أخوه عبد الله: أما أنت فأنا سوف آتي بأحاديث من صحيح البخاري، وكتب الموضوعات، وقصص عنترة، وأخلطها لك؛ فوالله الذي لا إله إلا هو ما تستطيع أن تميز بينها، فكأنه قصمه فأسكته.
علماء المذاهب كانوا يجلسون الحنبلي والمالكي والشافعي والحنفي هم متخصصون في مذاهبهم، ويسكت ابن تيمية فإذا انتهوا تكلم.
يقول للحنفي -عالم الأحناف- أنت قلت هذه المسألة وهي خطأ ومذهبك يقول: كيت وكيت وكيت، ثم يقول للمالكي كذا، ثم يقول للشافعي كذا والحنبلي، فيعودون.
والشاهد في هذا أن التزود ليس على حساب الكثرة، بعض الناس عنده علم كثير لكنه مخبوص ملبوص، ليس بمنقح وليس فيه جودة، والعلم القليل هو العلم المبارك الذي يكون مؤصلاً على دليل، أما من يحفظ القصص والقصائد والأشعار والأخبار، ثم يأتي يوردها على الناس بلا خطام ولا زمام فليس بصحيح.
كتاب الموضوعات لـ ابن الجوزي، أتى أحد الخطباء فيما سمعت فأخذ منه حديثاً، وهو يظن أن الموضوعات جمع موضوع وهو الذي يلقى للناس ما يدري أن الموضوع يعني: الحديث المكذوب، فألقى الحديث فلما انتهى؛ قال له الناس: هذا حديث باطل ذكره ابن الجوزي في الموضوعات.
стр. 4237
مكانة النحو من العلم
النحاة ليس لهم نصيب فيما سبق، لكن نتكلم قليلاً.
صحيح أن النحو من أشرف العلوم، وأن الإنسان إذا لم يصلح لسانه اختبل، لا ندعي أنه بالنحو سوف يكون رجلاً فصيحاً لا يلحن أبداً، فلا يسلم من اللحن أحد في الغالب، سيبويه إمام النحو، الذي صنع النحو من خيوط الحرير وجمعه من البوادي، ووضع كتاباً كالمعجزة اسمه الكتاب، كان لا يتكلم العربية بطلاقة، ولو أنه عملاق وعبقري من أذكى الناس، مات وعمره اثنان وثلاثون سنة.
من تلظي لموعه كاد يعمى كاد من شهرة اسمه لا يسمى
من تداجي يا بن الحسين أداجي أوجهاً تستحق ركلاً ولطما
سيبويه هذا لم يكن كلامه فصيحاً، يقال عن ابن رجب وابن كثير إنهما يشققان الكلام حتى يذهب عن المقصود.
وتَجد في كثيرٍ من النحاة كثيراً من الخيلاء والعجب؛ حتى دخل أحدهم يلحن ولا يدري أنه يلحن، قالوا: ماذا تريد؟ قال: رمانتان طازجتان طيبتان، ثم أخذ من هذا المثنى، قال له البائع: ﴿فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ [الرحمن:١٣] تستحق ضربتان، وصفعتان، وركلتان، أو كما قال، ذكره ابن الجوزي عن هذا.
المقصود أن التعمق والتقعر من شيم أهل الكبر، ولذلك قال ﷺ : ﴿هلك المتفيهقون﴾ قال أهل العلم: المتفيهقون هم الذين يتكلمون بتوسعٍ ليظهرون فضلهم وعلمهم عند المجالس وليس عندهم علم، يتكلم في عوامٍ ما يعرف الواحد منهم اسمه، فيقول: إن الحال يوم ينصب حينها يكون للعامل فيه تأثير وهو الفاعل في الغالب، وإنني يوم انطلقت اليوم مع إشراقة الصباح ونداء الفجر وإطلالته ونسماته، ما يدرون هل يتكلم عربي أو فرنسي فهذا معناه العجب؛ قال ابن قتيبة: سقط نحويٌ في حفرة، فأتاه رجل ينقذه، قال: مالك؟ قال: خذ حبلاً رقيقاً، وشده شداً وثيقاً، واسحبني سحباً رفيقاً، قال الرجل: امرأتي طالق ثلاثاًَ إن أنقذتك من الحفرة، الآن تلقي محاضرات وخطب جمعة ورأسك في الحفرة، ما هذا التكلف.
فالنحو يطلب للوصول إلى المقاصد.
أيها الإخوة الفضلاء: قبل أن نأتي إلى انتهاء هذه الجلسة نحب أن نسمع الأسئلة الشفوية؛ لكن هذه الأسئلة لا بد أن تدور حول الدرس، أما في الرضاع أو في الطلاق أو في الحجاب فبعيد، ولو أن أحد الإخوة يريد أن تكون مباشرةً.
стр. 4238
الأسئلة
стр. 4239
الدعوة إلى الحجاب
السؤال
في قريته الحجاب صعب تطبيقه فماذا يفعل؟
الجواب
نقول: انصح لوجه الله، وكن طالب علم وداعية، عظ الناس في خطبة الجمعة، انشر فيهم الكتاب عن الحجاب، أدخل الشريط الإسلامي إلى البيوت، تكلم بعد الصلاة، نبه بالحكمة، إذا حضرت مناسبة تكلم في الحجاب وحكم الله فيه، فمع المواصلة، وحسن الخلق واللين؛ سوف يغير الله الحال ولو امرأة واحدة، فالإنسان إذا لم يتكلم ولم ينصح ثم يقول: حسبنا الله عليهم ونعم الوكيل، لا يصح حسبنا الله عليهم وأنت ما تكلمت، من قال لك إن الله لن يهديهم، وإن الله طبع على قلوبهم، لا والله.
стр. 4240
استغلال الأوقات
السؤال
هذا سؤال يقبل في كل مكان، يسرح في كل زمان خارج العالم وداخل العالم، كيف يستغل الوقت؟
الجواب
استغلال الوقت يكون بحفظ الوقت، وحفظ الوقت يكون باستغلال الوقت، قال رسول الله ﷺ : ﴿نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس: الصحة والفراغ﴾ ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لا تُرْجَعُونَ﴾ [المؤمنون:١١٥] استغلال الوقت يكون مثل ابن عقيل الحنبلي كان إذا أراد أن ينام عنده رزمة من أوراق، فيكتب أفكاره، وعصارة عقله قبل أن ينام، هذا فقط الوقت الفارغ، هذا للوقت الذي ليس فيه كدٌ وتعب، ترك من هذا الوقت قبل النوم وبعد النوم سبعمائة مجلد اسمه كتاب الفنون.
استغلال الوقت أن تكون كـ الخطيب البغدادي، يذهب إلى المسجد وكتابه في يده، ويعود من المسجد وكتابه في يده، لكن سواءً كتاب، أو تسبح في أصابعك، أو تقرأ شيئاً من القرآن، لكن ذرة ودقيقة واحدة لا تفوت من عمرك.
استغلال الوقت أن يكون مثل جد ابن تيمية؛ كان يدخل المرحاض فيقول لابنه: اقرأ وارفع صوتك حتى أسمعك وأنا هناك لئلا يضيع الوقت.
استغلال الوقت يكون مثل البخاري؛ كان يقول: أنام فأتذكر الحديث فأقوم خمس مرات وست مرات فأضيء السراج في الليل وأكتب شيئاً من الحديث وأنام، فيتذكر فيضيء السراج فيكتب، ويتذكر ويضيء السراج فيكتب.
استغلال الوقت، يكون كما كان الإمام أحمد: يحمل المحبرة وعمره سبعين سنة؛ شَابَ، ودنا أجله، ورقَّ عظمه، قالوا: تحمل المحبرة وأنت في السبعين!! قال: من المحبرة إلى المقبرة هذا هو السمو:
همةٌ تنطح الثريا وعزمٌ نبويٌ يزعزع الأجبال
стр. 4241
كتب تتحدث عن علم الواقع
السؤال
يقول السائل: لو لم يعرف شيخ الإسلام ابن تيمية الواقع لما استطاع أن يرد على أصول مخالفيه، فأي الكتب تنصحنا بقراءتها في علم الواقع؟
الجواب
لو كان السائل معنا في الجلسة الماضية كان أجيب على هذا السؤال، الجلسة الماضية كتبٌ في الساحة الإسلامية، وتكلمنا عن الكتب التي تشير إلى الواقع، ولا بد للعالم أن يعرف الواقع، كأن يسأل عن مجلة خليعة؛ مجلة النهضة وآخر ساعة قال: ما أدري يمكن وادي في قبرص أو شجرة أو بقرة في الهند، ويقول: هو فقيه، الفقيه لا بد أن يعرف الواقع، وكذلك صاحب الواقع لا بد أن يعرف علم السلف فيجمع بين الحسنيين.
ابن تيمية قوته كما تفضل السائل الكريم في مسألتين:
مسألة علم السلف، ومعرفة علم الواقع؛ كان لا يغيب عنه شيء، يتكلم عن علوم وأشياء وجزئيات في واقعه حتى أصبح هو التاريخ.
ابن كثير ﵀ نسي نفسه في المجلد الرابع عشر، ونسي السلطان والتاريخ والدولة وأصبح يقول: ثم دخلت سنة كذا وكذا وكان ابن تيمية في جبل كسروان، ودخلت سنة كذا وكذا وكان ابن تيمية في السجن؛ أصبح ابن تيمية هو التاريخ.
وابن تيمية يسأل عن مسائل لا يعرفها إلا المتخصصون، فيفي فيها أعظم من المتخصص، يسأل عن الإسكندر يقول: ليس ابن فيليدوس، إنه هو الأول الذي بينه وبين ذاك أربعمائة وخمسون سنة، ويسأل عن أنوشروان فينسبه إلى آل شروان وبنو شروان وأخوال شروان وأعمام شروان، وهم من آل كسرى.
فمعرفة الواقع حولته إلى أن يدعي العلم، من أحسن الكتب في علم الواقع، كتب بعض المؤلفين: كـ أبي الأعلى المودودي كما سبق، وكـ أبي الحسن الندوي وسيد قطب ومحمد قطب، وذكرت أن من الكتب التي تنفع في هذا الجانب وقد تغني كثيراً في ظلال القرآن لـ سيد قطب، أنت إذا دخلت في ظلال القرآن وجعلته في بيتك لتفهم به الواقع لا تفهم في علم السلف فليس فيه من علم السلف إلا في القليل، ولكن للواقع وربط القرآن بالأحداث التي تقع في الوقائع فإنه يغنيك كثيراً.
وعلم الواقع سهل تراه من الجلوس مع الناس، ومن الأخذ والعطاء، والذهاب والإياب، ترى علم الواقع معك، فلا يكلفك كثيراً، أما أن يأتي الإنسان ويقرأ الجريدة كأنه يقرأ صحيح البخاري بفصها وحصها ورصها من أولها إلى آخره؛ حتى يقرأ الإعلانات عن الإسمنت، والإعلانات التي إذا أضاع أحد من البدو تابعيته ومن وجدها فليسلمها إلى مخفر الشرطة، فيحفظ هذه الإعلانات، ويحققها ويخرجها، ويستنبط منها فوائد، وإذا أتى يقرأ صحيح البخاري نعس فسقطت غترته ثلاث مرات، قال هذا حدثنا حدثنا، أين جهودي وطاقتي أبقى مع حدثنا، حدثنا هو العلم، وحدثنا هو الروعة والإبداع.
стр. 4242
القراءة في الكتب المطولة والمختصرة
السؤال
في الكتب المطولة الموجودة في المكتبات يجد الطالب عندما يقرأها أنها مضيعة للوقت فلو كان هناك كتب مختصرة يكون فيها العلم النافع؟
الجواب
هذا السؤال كغيره سبق الإجابة عليه في المختصرات والمطولات، وفن القراءة في المختصرات وفن القراءة في المطولات.
وكما ذكرت أن الذهبي ترجم لأحد العلماء، قال: زهد الناس في كتبه لطولها، فالكتاب الطويل ثلاثون مجلداً إذا بدأ في أول مجلد فلا ينتهي من قراءة المجلد الأول حتى يكون قد نسي ما في أوله، والكتب المضبوطة المختصرة تحفظ لك العلم، والكتب المطولة تعطيك ملكةً واستشرافاً وحب مباحثه ومناقشته للعلماء، فلا بد من قراءة المطولات ولو لم تصب شيئاً من العلوم، لكن المختصرات تُهدِّفُ لك العلم، في الفقه زاد المستقنع وفي الدليل، منار السبيل، العدة شرح العمدة، الحديث: بلوغ المرام، رياض الصالحين، المنتقي للجد ابن تيمية، البيقونية في المصطلح.
أنا ذكرت كتباً هناك من عاد إلى الشريط وجدها فيه.
وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.
стр. 4243
الطغاة يغرقون في البحر
إن موسى ﵇ قد قاتل قتالاً برياً وبحرياً وميدانياً وعلمياً، كل ذلك من أجل رفع راية التوحيد وإقامة دين الله على أرضه، وقد جاهد مثله ﷺ ، ولقي أصحابه كثيراً من العناء وأتى بعدهم التابعون فكان لهم نصيب؛ لأن البلاء كأس لابد من شربه لمن سلك طريق الدعوة إلى الله.
стр. 4244
قصة المواجهة مع فرعون
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.
أمَّا بَعْد:
فسلام الله عليكم ورحمته وبركاته، وأسعد الله مساءكم، مع درس في كتاب الله عنوانه: (الطغاة يغرقون في البحر).
الطغاة يغرقون في البحر يوم أغرق الله فرعون وأتباعه وأشياعه في البحر، وهذه نماذج من نهايات الطغاة والمجرمين والعصاة، يوم ينهيهم الله إلى نهاية وبيئة لعينة خسيسة؛ جزاء ما قدموا في حق البشرية وما اقترفوا في حق الإنسانية، وسوف نستمع في هذه الليلة إلى درس من القرآن، وهو يصف لنا فرعون يوم خرج يطارد موسى إلى البحر على موسى السلام وعلى فرعون اللعنة.
سلام الله يا مطر عليها وليس عليك يا مطر السلام
قال : ﴿وَإِذْ نَجَّيْنَاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ يُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ وَفِي ذَلِكُمْ بَلاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ * وَإِذْ فَرَقْنَا بِكُمُ الْبَحْرَ فَأَنْجَيْنَاكُمْ وَأَغْرَقْنَا آلَ فِرْعَوْنَ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ * وَإِذْ وَاعَدْنَا مُوسَى أَرْبَعِينَ لَيْلَةً ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَنْتُمْ ظَالِمُونَ * ثُمَّ عَفَوْنَا عَنْكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [البقرة:٤٩ - ٥٢] لا زال الحديث والخطاب يتحدث لبني إسرائيل ويقررهم بنعم الله تعالى عليهم كأنه يقول: أما نجيناكم من فرعون؟!
أما واعدنا موسى وأعطيناه التوراة وكلمناه لمصلحتكم؟!
أما عفونا عنكم؟
أما فرقنا بكم البحر؟
أما فعلنا وفعلنا بكم؟ فلماذا هذه الجرائم؟!
ولماذا هذه الفضائح؟ ولماذا هذه الفواحش؟
ولله المثل الأعلى.
كأنك تؤدب ابنك فتقول: أما علمتك؟ أما اشتريت لك سيارة؟ أما بنيت لك بيتاً؟ فلله المثل الأعلى، وهذا تقرير لنعم الله على بني إسرائيل.
стр. 4245
موسى يطلب أخاه هارون وزيراً
موسى ﵇ يقاتل قتالاً برياً وبحرياً، ويصارع صراعاً ميدانياً وعلمياً وعملياً، يرسله الله إلى فرعون في ديوانه وإيوانه وقصره، فيجعل معه أخاه هارون وزيراً، لماذا يجعل هارون معه؟
ما هو السر وما هو السبب؟
لأن هارون أفصح منه لساناً، موسى صاحب الرسالة ولكن هارون فصيح، موسى كان (أدرم) يأكل بعض الكلمات، ولا تتضح الكلمات التي ينطقها، ولكن هو أفضل من هارون بلا شك، والعجيب أن بعض المؤرخين قالوا: هارون أكبر من موسى بسنة! ولكن نعمة الله ورعايته وولايته وعطاءه جعلت النبوة والرسالة في موسى، ثم جعل ذلك في فضله ورحمته وعطائه حتى يقول الله له: ﴿اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى﴾ [طه:٢٤].
﴿قَالَ رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي﴾ [طه:٢٥] أمر كليف صعيب وكأنه يحمل الجبال على كتفيه، وهل هذا أمر سهل؟
تصور أنك راعي غنم فقير، ومعك ضأن وعصا تهش بها على غنمك، عليك ثياب صوف، تدخل على طاغية من طغاة الدنيا كحكام مصر وحرسه -كما قال أهل العلم- معه ستة وثلاثون ألفاً عند الحدائق، وعند مداخل مصر فكيف تصل إليه؟ قال: ﴿رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي * وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي * وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسَانِي﴾ [طه:٢٥ - ٢٧] أي: يا رب أنت تدري أن لساني يتلعثم، ما هو السبب؟
قالوا: لما عرضت له التمرة والجمرة أخذ الجمرة ووضعها على لسانه فأصابت لسانه ﴿وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسَانِي * يَفْقَهُوا قَوْلِي﴾ [طه:٢٧ - ٢٨] قال الحسن البصري: [[رحم الله موسى، ما سأل إلا أن تحل عقدة واحدة من لسانه!]] فقط بمجرد أن يفهموا قولي، ما قال: أكن خطيب مصر ولا أديبها ولا متكلمها، إنما ليفقهوا قولي فقط.
ثم قال: ﴿وَاجْعَلْ لِي وَزِيراً مِنْ أَهْلِي﴾ [طه:٢٩] وزيراً يساعدني ويكون من أهلي؛ لأنه لو كان من غير أهلي ربما يكون حاسداً أو عدواً أو حاقداً، ثم عينه باسمه؛ لأن أهله كثير، كبار وصغار وأبناء عمومة وأقارب ﴿هَارُونَ أَخِي * اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي * وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي﴾ [طه:٣٠ - ٣٢]-لماذا؟ - ﴿كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيراً﴾ [طه:٣٣]-الاثنان يسبحان أكثر من الواحد- ﴿وَنَذْكُرَكَ كَثِيراً﴾ [طه:٣٤]-هو يذكرني وأنا أذكره- ﴿إِنَّكَ كُنْتَ بِنَا بَصِيراً﴾ [طه:٣٥].
فأتى الجواب مباشرة قال: ﴿قَالَ قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يَا مُوسَى﴾ [طه:٣٦] لم يقل أسئلتك؛ لأنها سهلة في علم الله ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [يس:٨٢] هذه الأسئلة مجرد سؤال قال: ﴿قَالَ قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يَا مُوسَى﴾ [طه:٣٦].
ثم قال له وكأن الخطاب يقول: لا تنس أننا أعطيناك والأيادي التي منحناك قال: ﴿وَلَقَدْ مَنَنَّا عَلَيْكَ مَرَّةً أُخْرَى﴾ [طه:٣٧].
ثم أورد قصة فيها مذكرات حياته في الأربعين سنة يقول: وفعلنا بك كذا وكذا وكذا.
فلما أصبحا في الطريق؛ أوصاهما الله بأدب الدعوة قال: ﴿فَقُولا لَهُ قَوْلاً لَيِّناً لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى﴾ [طه:٤٤] انتبهوا من الخبيث! عليكم بالأسلوب السهل ولين الخطاب، لأنه رجل فاجر، والله يعلم في علم الغيب أنه لا يؤمن، الله كتب عليه أنه من أهل النار: ﴿وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْراً لَأسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ﴾ [الأنفال:٢٣].
стр. 4246
الله يؤيد موسى
موسى وهو في الطريق بعد أن بدأت فرائصه ترتعد من سيوف وخناجر ورماح وجند وجيش وأسطول فرعون وهامان وقارون، دنيا وقصور مدلهمة ونار مظلمة!! ﴿قَالا رَبَّنَا إِنَّنَا نَخَافُ أَنْ يَفْرُطَ عَلَيْنَا أَوْ أَنْ يَطْغَى﴾ [طه:٤٥] والله أعلم بفرعون ﴿رَبَّنَا إِنَّنَا نَخَافُ أَنْ يَفْرُطَ عَلَيْنَا﴾ [طه:٤٥] أي: يستعجل بالعقوبة، نريد أن نتكلم ونسمعه الحجة لكنه لن يتركنا نتكلم ﴿أَوْ أَنْ يَطْغَى﴾ [طه:٤٥] أي: يزيد في العقوبة، بدل أن يجلدنا مائة سوط فسوف يجلدنا خمسمائة سوط.
قال الله -وما أحسن العبارة! -: ﴿قَالَ لا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى﴾ [طه:٤٦] لا إله إلا الله! أنتم في إيواني وعلمي وأنا معكم، أنتم في الصحراء وأنا معكم، أنتم في البحر وأنا معكم بعلمي: ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا﴾ [المجادلة:٧] الله معك بعلمه ونصرته وإحاطته وشهوده أينما كنت.
فالزم يديك بحبل الله معتصماً فإنه الركن إن خانتك أركان
يا حافظ الآمال أنتت حميتني ورعيتني
وعدا الظلوم علي كي يجتاحني فمنعتني
فانقاد لي متخشعاً لما رآك نصرتني
﴿قَالَ لا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى﴾ [طه:٤٦] ثم قص عليه القصة، دخل، تكلم، انتهى الحوار وشاهدنا قصته يوم خرج.
стр. 4247
اللحظة الحاسمة بين موسى وبين فرعون وسحرته
الطغاة يقولون: تلقي أم نلقي؟
قال: ألقوا أنتم، ابدءوا، أنتم أهل الباطل.
قيل: كانوا اثنين وسبعين ساحراً وقيل ثمانين ألفاً، كل ساحر يأتي بالعجائب! ﴿فَتَوَلَّى فِرْعَوْنُ فَجَمَعَ كَيْدَهُ ثُمَّ أَتَى﴾ [طه:٦٠] قالوا: متى الموعد؟ ﴿قَالَ مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ الزِّينَةِ وَأَنْ يُحْشَرَ النَّاسُ ضُحىً﴾ [طه:٥٩] قيل: إنه يوم عيدهم مثل يوم الجمعة ﴿وَأَنْ يُحْشَرَ النَّاسُ ضُحىً﴾ [طه:٥٩] يقول: موعدنا إذا ارتفعت الشمس، واجتمعت الجماهير، وامتلأت القصور والميادين والمحافل ﴿فَتَوَلَّى فِرْعَوْنُ فَجَمَعَ كَيْدَهُ ثُمَّ أَتَى﴾ [طه:٦٠] فلما أتى صف ثمانون ألف ساحر، وقام هو ووزراؤه وجيشه والناس من الشرفات من كل مكان، وأتى موسى وهارون!!
والمعركة بين اثنين وبين الدنيا كلها! لكن الله معهما ﴿لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾ [التوبة:٤٠] ﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى﴾ [الأنفال:١٧] ﴿ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ﴾ [التوبة:٤٠] تصور: موسى ﵇ راعي غنم! لكنه يحمل الإيمان والتوحيد، وقف في أطرف الناس، قالوا: تلقي أو نلقي؟ قال: ألقوا؛ فبدءوا فأتت الحبال تصور تصويرات عجيبة من الهول والضنك، تأتي وتطيش على الناس، وتمور على الناس وتدلهم، والجماهير يصعقون في كل مكان!!
موسى ﵇ ظن أن المسألة سهلة، وليست كذلك: ﴿فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُوسَى﴾ [طه:٦٧] الله يعطيه عهوداً يقول: أنا معك، لا تخف، يدخل القصر فيخاف، فيقول الله له: ﴿إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى﴾ [طه:٤٦] أتى في الميدان فخاف، قال: ﴿فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُوسَى * قُلْنَا لا تَخَفْ إِنَّكَ أَنْتَ الْأَعْلَى﴾ [طه:٦٧ - ٦٨] أنت المنتصر اليوم، فلما امتلأت الساحة بالحيات والعقارب التي يخيل إليه من سحرهم أنها تسعى، قال الله: ﴿وَأَلْقِ مَا فِي يَمِينِكَ﴾ [طه:٦٩] الآن هذا وقتك، الوقت ضائع معهم وأنت الآن مستلم الساحة.
فقال: بسم الله، فألقى عصاه على الأرض -قيل: إن أصلها من الجنة- فلما وقعت على الأرض صورها فاطر السموات والأرض صوراً عجيبة، انتفخت حتى أصبحت كبعض القصور، ثم امتلأت حتى أصبح رأسها كالجبل، ثم أتت على هذه الحيات والعقارب تأكلها وتأكل ما يأفكون.
ثم أقبلت على الجماهير فانصرعوا في كل مكان، ثم أتت إلى فرعون في المنصة فهرب.
قال الحسن: [[كان طائشاً خسيساً]] وأخذ يرفع يد الاستسلام -كما في بعض التفاسير- وقال: يا موسى، أسألك بالرحم.
الآن تذكر الرحم يا خسيس! فأوقف موسى العصا وأخذها بلسانها ﴿فَغُلِبُوا هُنَالِكَ وَانْقَلَبُوا صَاغِرِينَ﴾ [الأعراف:١١٩] ذليلين حقيرين خاسئين، وأتت الآن المصافاة، والقتال يبدأ الآن.
стр. 4248
موسى ومن آمن معه يهربون
جاء في الليل المظلم وقال موسى لبني إسرائيل: لا تخبروا أحداً، غداً سوف نرتحل ونهاجر من مصر؛ لأن فرعون عذبنا وسوف يقتلنا، فإنه قال للسحرة: ﴿وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ وَلَتَعْلَمُنَّ أَيُّنَا أَشَدُّ عَذَاباً وَأَبْقَى﴾ [طه:٧١] أسلم السحرة وسجدوا لله، ففرعون إذاًَ سوف يجزرهم جزراً، فقال موسى: الصباح الصباح، قبل أن يطلع الفجر ليكن الكل متهيئاً، كم كانوا؟
قال ابن جرير الطبري: كان بنو إسرائيل ستمائة ألف، اثنا عشر سبطاً (قبيلة) كل سبط خمسون ألفاً.
بنو إسرائيل أهل سرق ومرق إلا من آمن منهم، يحبون الخيانة، استعاروا الحلي من آل فرعون في الليل، كما يقال في المثل: (إذا كنت رايح كثر من الفضائح) فاستعارت كل جارة يهودية حلي جارتها من القبطيات المصريات، ثم مضوا مع الفجر.
قال ابن عباس: فمات كل بكر لكل مصري ولد له مولود، فاشتغلوا بدفنهم في ذاك الصباح لكي يتأخروا، ولذلك يقول تعالى في كتابه: ﴿فَأَتْبَعُوهُمْ مُشْرِقِينَ﴾ [الشعراء:٦٠] أي: ما أتوا إلا مع شروق الشمس، أراد فرعون أن يخرج مع الفجر من المدينة وقال: انتبهوا علينا أن نذهب وراءه! فمكثه الله ولبثه بقضاء وقدر فتأخر حتى طلعت الشمس.
قطع موسى نصف المرحلة من الطريق يريد فلسطين، وفرعون خرج من مصر بالجيش وراءه، قيل كان معه ألف ألف أي: مليون مقاتل، وأما موسى فإن معه الأطفال والنساء والبنات من بني إسرائيل -على موسى وعلى هارون السلام- فلما أصبحوا في الصحراء التفت موسى، وكان دائماً كلما مضى قليلاً يلتفت وراءه، فهو يعرف أن هذا الخبيث سوف يتابعه ولن يتركه، وفجأة وإذا بالجيش أشرف كالجبال أين يلتفت؟ هل يلتفت إلى واشنطن أو موسكو؟ أو يقدم مذكرة إلى هيئة الأمم المتحدة؟ بل يلتفت إلى الله ﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قَلِيلاً مَا تَذَكَّرُونَ﴾ [النمل:٦٢] فقال: يا رب قال: ﴿قُلْنَا لا تَخَفْ إِنَّكَ أَنْتَ الْأَعْلَى﴾ [طه:٦٨] هذا هو الموعد الثالث، يقول: نحن أرسلناك، إذاً نحن نضمن سلامتك فلا تخف، ولماذا تخف؟
من الذي يحمي؟
من الذي يرعى؟
من الذي يهدي؟
من الذي يسدد إلا الله، فلا تخف، فلم يخف ومشى، وبعد قليل أصبح بنو إسرائيل تصطك لحاهم؛ لأن الخوف داخلهم والعرق يتصبب قالوا: ﴿إِنَّا لَمُدْرَكُونَ﴾ [الشعراء:٦١] فتوقفوا عند البحر ونظروا وإذا بالجيش يقترب منهم قال موسى: ﴿كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾ [الشعراء:٦٢] يقول: أنا أسير بقوة الله، لا تخافوا فالنصر معي بإذن الله.
стр. 4249
انغلاق البحر لموسى
اقترب موسى من البحر فقال الله له -وكان في آخر الناس-: ﴿اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْبَحْرَ﴾ [الشعراء:٦٣] كما قال ابن جرير ظن موسى ﵇ أن الأمر يقبل النيابة -وذكر كثير من أهل العلم كـ أبي السعود في تفسيره وابن جرير أن موسى قال للبحر: يا أبا خالد.
فإذا أردت أن تنادي البحر فقل: يا أبا خالد- قال موسى لهارون: اضرب البحر أنت؛ لأن هارون كان في أول الناس وموسى في آخرهم، فضرب فما تحرك البحر! الضرب ضرب والعصا عصا، ولكن اليد غير اليد والعصا غير العصا، شيء الله أعلم به!
يقول المتنبي لـ سيف الدولة:
وإن تفق الأنام وأنت منهم فإن المسك بعض دم الغزال
يقول: إذا تفوقت أنت على الناس فأنت مثلهم لك عيون كعيونهم ولك دم كدمهم وعظام كعظامهم، ولكن الله له سر في الناس! فإن المسك بعض دم الغزال المسك دم ولكن له تميز.
فقال: اضرب البحر يا هارون فضربه، قال ابن جرير: فقال البحر وتكلم بلسان أنطقه الله: من هذا الجبار الذي ضربني؟
فقال الله لموسى: اضرب البحر أنت، فتقدم واقترب وضربه.
ماذا تفعل ضربة بعصا قصيرة في بحر مدلهم مشرف لا يعرف طرفه؟ هذه عناية الله، فلما وقعت في الماء وإذا باثني عشر طريقاً مفتوحة! اثنى عشر نفقاً، كل نفق كالطود العظيم، جبل من هنا وجبل من هنا.
وقال أهل العلم: وفتحت لهم نوافذ حتى ينظرون إلى الطبيعة من قرب؛ وحتى لا تكتتم الأنفاس وينظر بعضهم لبعض.
ولماذا اثنا عشر طريقا؟ لأنهم اثنا عشر قبيلة، فهم يشربون من اثنتي عشرة عيناً من الصخرة، وهنا اثنا عشر طريقاً كل قبيلة لها شيخ، هذا الكابتن لابد أن يقودها من هذا الطريق، وهو مسئول عنها فلا تأتي قبيلة مع قبيلة أخرى.
فأتى بنو إسرائيل وإذا هي اثنا عشر طريقاً، قبيلة بنو فلان تمر من هذا الممر حتى تخرج بإذن الله، أما قبيلة بني فلان فتدخل من هنا وتخرج من ذاك المخرج حتى انتهت فأتوا فنزلوا، فلما نزلوا قال الله له: ﴿لا تَخَافُ دَرَكاً وَلا تَخْشَى﴾ [طه:٧٧] قالوا: لو كان زلقاً لزلق بنو إسرائيل وتساقطوا، ولو كان ماءً غمسوا، ولو كان ثلجاً تدحرجوا، فجعله الله تراباً.
ذكر الطبراني وأبو نعيم في الحلية عن سعيد بن جبير أن ملك الروم كتب لـ معاوية بن أبي سفيان يسأله عن مسائل يقول: أسألك عن أرض ما رأت الشمس إلا مرة في عمرها؟
فـ معاوية تقهقر، لا يدري ما هو الجواب فأرسل لـ ابن عباس.
ابن عباس مرجع علمي ﴿ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾ [الجمعة:٤] قال: يا ابن عباس كتب لي ملك الروم يتحداني: ما هي الأرض التي ما رأت الشمس إلا مرة في عمرها؟ قال: هي أرض البحر الذي فلقه الله لموسى ما رأت الشمس إلا ذاك اليوم.
وأجابه في مسائل كثيرة؛ أعطى الله ابن عباس فهماً؛ لأنه اتقى الله وفتح الله عليه.
مر بنو إسرائيل وأتى فرعون فرأى الطرق مفتحة ورأى أن بني إسرائيل قد مروا؛ فحاول أن يتقهقر، لأن الرجل ليس مجرباً لمثل هذه الأمور، ويعرف أن البحر بحر، وينظر إلى كتل الماء وهي كالجبال فهو لا يدري ولا يعرف آيات الله بل يقول: ﴿أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الْأَنْهَارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي﴾ [الزخرف:٥١] أتى إلى شيء جاهز فادعاه لنفسه، مثل الطفل الآن إذا رأى لعبة مع طفل الجيران قال: هذه لعبتي ويحلف اثنا عشر يميناً عليها! لجدته ولخالته، قالوا: لما قال: ﴿وَهَذِهِ الْأَنْهَارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي﴾ [الزخرف:٥١] أجراها الله من فوق رأسه.
قال ابن جرير: فأتى فرس فرعون -وهذه نوردها من قصص بني إسرائيل وحدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج- فرأى بغلة جبريل ﵇، فأراد فرعون أن يكف يقول: تخلصنا، لا نذهب، انتهينا، فلنرجع، وإذا بجبريل ﵇ يأتي ببغلة فرآها الفرس، والفرس إذا رأى البغلة رفع القلم عنه!
стр. 4250
قصة شبيب الخارجي
شبيب الخارجي بطل من أبطال الناس ومن أشجعهم! ذكره ابن كثير، يقولون: إنه لما قتله الحجاج شق بطنه فوجد فيه قلباً فأخذه وكان يضرب به في الأرض -ومن شاء فليراجعها في البداية - فيقفز مثل الكرة! فشق قلبه فوجد فيه قلباً آخر!
يقال: كان من أشجع الناس، هزم ألف مقاتل وهو في ستين مقاتلاً، هو خارجي واسمه شبيب، بطل شجاع؛ ولكنه مبتدع، كان يمشى على البغلة والناس والمقاتلون عن يمينه ويساره وينعس من شجاعته! من الذي ينعس في المعركة؟! أحدنا لو أخبر أنه سيموت بعد عشر سنوات ما نام الليل! ينظر في الساعة والتقويم ويسأل الجيران متى بعد عشر سنوات! لكن هذا الموت والسيوف على ذهنه وينام على البغلة ويوقظه تلميذه يقولون له: اصح، القتال.
ووغزالة امرأته كانت من أشجع الناس، هرب منها الحجاج فما بالكم بزوجها! إذا كانت المرأة يهرب منها الأبطال فكيف بالزوج؟! أتت غزالة هذه ودخلت الكوفة مع مقاتلين، فأتى الحجاج فقاتلها في طرف المدينة فدخلت واقتحمت القصر، فخرج من الباب الثاني، ودخلت في المنبر وألقت خطبة، حتى يقول الشاعر للحجاج:
أسد علي وفي الحروب نعامة فتخاء تنفر من صفير الصافر
أسد علي: على أهل السنة وأهل الطاعة وعلى سعيد بن جبير والزهاد العباد.
أسد علي وفي الحروب نعامة إذ تنفر من صفير الصافر
هلا برزت إلى غزالة في الوغى أم كان قلبك في جناحي طائر
أذكر لكم قصة لأحد الكتاب كان يدرس في مدينة من المدن، ثم يرجع يسكن في قرية، كان بين القرية والمدينة واد ومجار للمياه والقاذورات، وهناك جسر وضعه الأتراك، عبارة عن خشبتين يظن هو أن الدراجات تمر عليه والأصل أنه يمر عليه الناس، فأتى في الصباح بدراجته، فإذا بشيخ يريد المدرسة وعليه جبة وعمامة ومسبحة وكتب قال: يا شيخ، تركب معي على الدراجة، وهو لا يعرف قيادة السيارة والدراجة إلا من قريب.
قال: الله يرضى عليك اتركني هذا اليوم.
قال: والله لتركبن معي.
وأركبه وراء ظهره على الدراجة ومشى بحفظ الله ورعايته، فلما أتى فوق الخشبتين قال: نظرت إلى المجاري مثل السيل فتلعثمت فسقطت يدي من على الدراجة! فأول من وقع في هذا النهر النجس هو الشيخ الراكب ثم وقع الأستاذ على رأسه ووقعت الدراجة من فوقهما ﴿ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا﴾ [النور:٤٠].
المقصود: أن شبيباً هذا أتى إلى نهر دجلة فرأى الجيش، فأراد أن يرجع فرأى فرسه بغلة في طرف دجلة في الناحية الأخرى فهاج الفرس وماج وركب في الجو!
قالوا: فقفز في الجو فوقع في النهر، فكان شبيب مربوطاً في الفرس، يخرج من الغائبة ومن الماء، فكلما خرج قال: ﴿لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ﴾ [الروم:٤] ثم يغطس ثم يخرج ويقول: ﴿لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ﴾ [الروم:٤] وفي الثالثة قال: ﴿لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ﴾ [الروم:٤] ثم مات.
стр. 4251
إغراق الله لفرعون
فما هو الشاهد؟
الشاهد أن فرعون دخل فلما دخل وقعت الورطة! دخل الأرنب في المصيدة، فلما خرج بنو إسرائيل من البحر دخل فرعون بآل مصر وبالظلمة الذين معه ﴿فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْماً فَاسِقِينَ﴾ [الزخرف:٥٤] فلما اجتمعوا ما خرج الأول ولا بقي الآخر؛ ارتمى عليهم البحر، يقولون: إنه يقول بعد أن أصبح في الطين وهذا ثابت في سورة يونس: ﴿آمَنْتُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرائيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [يونس:٩٠] قال الله: ﴿آلْآنَ﴾ [يونس:٩١] بعض الناس لا يؤمن إلا في الشدة!
أحد الناس أهوج أحمق سفيه تجادل هو وأمه، قال: صلي على النبي، قالت: والله ما أصلي عليه -أستغفر الله- فضربها بالمحماس الذي يقلى فيه البن في رأسها، فقالت: صلى الله على محمد وعلى آله وصحبه وسلم!
يقول موسى لفرعون وهو في الصحراء: قل: لا إله إلا الله؛ قال: ﴿مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي﴾ [القصص:٣٨].
قال: قل لا إله إلا الله، قال: ﴿أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الْأَنْهَارُ تَجْرِي﴾ [الزخرف:٥١].
قال: قل لا إله إلا الله، قال: ﴿أنا ربكم الأعلى﴾ [النازعات:٢٤].
فأتى به الله فلما دسه في الطين قال: ﴿آمَنْتُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرائيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [يونس:٩٠] قال الله: ﴿آلْآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ﴾ [يونس:٩١] انظر إلى بني إسرائيل دائماً يلاحقون موسى بالتكذيب، فلما نجا بنو إسرائيل قال موسى ﵇: فرعون أهلكه الله.
قالوا: والله ما أهلكه الله.
قال: أستغفر الله، بل أهلكه الله.
قالوا: ما أهلكه الله، اعطنا جثة فرعون.
فلفظ البحر جثته فرأوه فقال تعالى: ﴿فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً وَإِنَّ كَثِيراً مِنَ النَّاسِ عَنْ آيَاتِنَا لَغَافِلُونَ﴾ [يونس:٩٢] فهو لا زال محنطاً، ويقولون: إنه لا يزال إلى الآن في الأهرامات.
إذا تباهى إلى الأهرام منهزم فنحن أهرامنا سلمان أو عمر
فهم يفتخرون الآن بالأهرامات التي فيها الفراعنة، ونحن مجدنا ومجد أهل مصر من رسالة محمد ﷺ ، من دخول عمرو بن العاص في ذلك اليوم المشرق الذي أطلت فيه مصر على الهداية، من الأزهر المعمور، من أهل العلم والمعرفة والدعوة لا من الفرعونية والقبطية والثقافة الخاسرة الكافرة المتزندقة التي لا تعرف الله.
يقولون: إنه لا يزال محنطاً، ونقول: سواء كان محنطاً أو غير محنط، فقد لقي عذابه ﴿النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوّاً وَعَشِيّاً وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾ [غافر:٤٦].
стр. 4252
حال بني إسرائيل مع موسى
نجى بنو إسرائيل من فرعون وكانت لهم مع موسى قصص وعجائب، نذكر منها:
стр. 4253
بنو إسرائيل يعبدون العجل
قال لهم موسى: انتظروا هنا وأنا سأذهب وآتيكم، صام ثلاثين يوماً ثم أتمها الله بعشر -كما سوف ترد في الآيات- وذهب لموعد الله ويعطيه التوراة، فعبدوا العجل حسبنا الله ونعم الوكيل! من نجاكم؟ من نصركم؟ من قواكم؟ من أطعمكم وسقاكم؟ وهل هذه النتيجة؟!
أخذوا ذهباً فصنعوه بالنار كمثل البقرة ثم ألقوا فيه حفنة من تراب فخار الحسير، فقال السامري وهو أحد الضلال الأخساء الحقراء: ﴿هَذَا إِلَهُكُمْ وَإِلَهُ مُوسَى فَنَسِيَ﴾ [طه:٨٨] يقول: هذا إلهكم وإله موسى، لكن موسى نسي هذا الإله وذهب إلى إله آخر!
لا إله إلا الله! بنو إسرائيل هؤلاء عقولهم متحجرة، أذناب للعملاء، غباء وحقد وتمرد على الله، ولذلك لعنهم الله في كل كتاب، فلا يمكن أن يصلحوا أبداً، أتريد ولد الحية أن يكون لبيباً؟! أتريد ولد الذئب أن يكون حبيباً؟! لا.
تلك العصا من هذه العصية لا تلد الحية إلا حية
فاسمع إلى الآيات قال : ﴿وَإِذْ نَجَّيْنَاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ﴾ [البقرة:٤٩] ما معنى نجيناكم؟ نجيناكم مأخوذة من النجاة، وهي الأرض البارزة التي ينجو بها الإنسان، ولذلك يقول إذا ذكر الأنبياء: ﴿وَنَجَّيْنَاهُمْ مِنْ عَذَابٍ غَلِيظٍ﴾ [هود:٥٨] وذكرت العرب النجاة، وهي معنوية وحسية، فالنجاة الحسية أن تنجو من العذاب والسجن والحبس والمرض، والنجاة المعنوية: أن تنجو من الفسق والمعصية أو من الاعتقادات الباطلة.
يقول حسان شاعر الإسلام ﵁ في النجاة وهو يهجو الحارث بن هشام وهو من سادات قريش، أخ لـ أبي جهل ولكنه أسلم فيما بعد، كان كريماً يقولون: كان يكسو الكعبة سنة وقريش تجتمع فتكسوها سنة، أتى في معركة بدر فلما رأى سيوف الله تفتك بالكفار فر ببغلته، فما استقر ولا قر ولكن فر وجر، فلما وصل إلى مكة قام حسان يهجوه في قصيدة له يقول فيها:
طوبى لمعترك من الآرام قبل الأصيل كعاكف أو رامي
هو يتغزل في أول القصيدة كعادة الشعراء فيقول:
إن كنت كاذبة الذي حدثتني فنجوت منجى الحارث بن هشام
ترك الأحبة أن يقاتل دونهم ونجا بفضل طمرة ولجام
يقول: ترك أحبابه وإخوانه وفر ببغلته.
стр. 4254
استطراد مع علي وآل البيت
يقول معاوية:
نجوت وقد بل المرادي سيفه من ابن أبي شيخ الأباطح طالب
والمعنى: أن الله نجاني يوم قتل علي بن أبي طالب؛ والسبب في ذلك -لا بأس من الاستطراد قليلاً- أن الخوارج المبتدعة كلاب النار، قالوا: نقتل ثلاثة فنريح الدنيا والناس من هؤلاء الثلاثة.
وكذبوا على الله، لا يرتاح الناس من الثلاثة خصوصاً علي بن أبي طالب؛ فإنه إمام من أخشى الناس في عهده، عالم، زاهد، نحبه ونتولاه، فاجتمعوا، فأتت الربابة -امرأة فاجرة جميلة- فقالت لـ عبد الرحمن بن ملجم: إذا قتلت علياً تزوجتك.
الرجل رصد لـ علي بن أبي طالب ونام على بطنه والسيف معه وأتى علي يوقظ الناس لصلاة الفجر فركله برجله وقال: لا تنم هذه النومة فإنها نومة أهل النار، ثم توجه علي فكبر ركعتي الفجر فقام هذا ثم ضربه بالسيف في وجهه فابتلت لحيته الشريفة بجبهته، حتى أنه لما أعطوه لبناً في مرض قبل هذه القتلة قال: [[والله لا أموت حتى تدمى هذه من هذه وعد رسول الله ﷺ .
والله ما كَذَبت ولا كُذِّبت]].
وذهب اثنان واحد من الخوارج إلى معاوية في الشام ليقتله، والثالث إلى عمروبن العاص في مصر، أما صاحب معاوية فرصد له فخرج معاوية ﵁ وأرضاه- فانطلق عليه الخارجي كالسهم فضربه، فما تمكنت الضربة إلا في حقوه فانقطع نسله فكووه وشفي.
وأما عمرو بن العاص فقضاء الله وقدره نام تلك الليلة وأتاه مرض، فقال لـ خارجة رئيس الشرطة: صل بالناس الفجر أنت، وكلتك ما أحسنها من وكالة!! قال: استعنا بالله، قبلنا الوكالة، فخرج لصلاة الفجر فصمد له الخارجي فقتله، فقال الخارجي: أردت عمراً وأراد الله خارجة.
فيقول معاوية بعدما سمع الخبر:
نجوت وقد بل المرادي سيفه من ابن أبي شيخ الأباطح طالب
стр. 4255
آل الأنبياء هم أتباعه
قال الله تعالى: ﴿وَإِذْ نَجَّيْنَاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْن يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ﴾ [البقرة:٤٩].
يقول: من الذي منعكم وحماكم من آل فرعون؟ وآل فرعون هم أتباعه لأن أتباع الرجل هم من كان على دينه، إذا قال المصلي: اللهم صلِّ على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، فمعناه من اتبع محمداً.
آل النبي هم أتباع ملته على الشريعة من عجم ومن عرب
لو لم يكن آله إلا قرابته صلى المصلي على الطاغي أبي لهب
لو كانت آله قرابته لكان من قرابته المصلى عليهم أبو لهب وأبو طالب، لكن آل الرسول كل تقي، وفي الأثر: [[آل محمد كل تقي]].
فليس الآل القرابة في النسب، لا والله، لكنهم على اتباع دينه وشرعته من العجم والعرب.
بلال من آله ﷺ ، وسلمان من آله، وصهيب من آله، وخباب بن الأرت من آله، ولكنَّ أبا طالب وأبا لهب ليسا من آله.
وقال بعض أهل العلم: إذا ذكر الآل والأمة -كمن قال: اللهم صلَّ على محمد وصحبه وأمته وأتباعه- فالعطف (الواو) يقتضي المغايرة، فالآل هنا هم مؤمنوا آل محمد، منهم آل الرسول ﵊ وأهل البيت وسلمان على المجاز أنه من أهل البيت وإلا فهو ليس منهم، ولكنه على القرابة في الدين والحب والولاية والنصرة منهم.
لكن على الصحيح أن آل بيت الرسول ﷺ هم آل علي وآل العباس وآل عقيل وآل جعفر، فأما آل العباس فهو العباس بن عبد المطلب وابنه عبد الله، أهل الدولة التي شرقت وغربت ووقفت أعلامها في سمرقند وطاشقند، الستة والثلاثون خليفة العباسيون كلهم من نسل ابن عباس، السفاح، أبو جعفر، المهدي، هارون الرشيد، الهادي، الواثق، المعتصم، المتوكل، القادر، المقتدر كل هؤلاء من نسل ابن عباس.
آل علي: علي بن أبي طالب والحسن والحسين ومحمد بن الحنفية وذريته من الصالحين.
وآل عقيل: أولاد عقيل بن أبي طالب.
وآل جعفر: أولاد جعفر بن أبي طالب الذي قتل في مؤتة.
إذاً فهؤلاء هم آله، أما أبو لهب فلا يدخل، وأبو جهل بينه نسب وبين الرسول ﷺ لكنه ليس قرابة أو صهراً فلا يدخل أبداً؛ لأنه كفر بالله العظيم.
وهذا أمر ينبغي أن ينبه عليه.
وعند مسلم عن أبي حميد الساعدي قال: قلنا يا رسول الله! كيف نصلي عليك؟ قال: ﴿قولوا: اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على آل إبراهيم -انتبهوا لم يقل: على إبراهيم- وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على آل إبراهيم -وفي رواية صحيحة- في العالمين إنك حميد مجيد﴾.
يقول ابن تيمية: لم يرد في الأحاديث الجمع بين محمد وآل محمد وبين إبراهيم وآل إبراهيم، إنما جاء محمد وآل إبراهيم فقط.
رد عليه ابن حجر قال: لا، ثبت في الطبراني بسند صحيح أنه ورد في الحديث ﴿اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم في العالمين إنك حميد مجيد﴾ وهذا كلام سديد، وكل يؤخذ من كلامه ويرد إلا محمد ﷺ ، فلك في التحيات أن تقول هذا وتقول هذا.
ولما أتى أهل نجران النصارى يباهلون الرسول ﷺ ﴿فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ﴾ [آل عمران:٦١] على ماذا الابتهال؟ على أمور: أن عيسى روح الله، وعلى قضايا في التوحيد؛ فأتى ﷺ لما أمره الله بالمباهلة جمع أهله؛ لأن المباهلة إذا باهلت رجلاً فاجمع أهل بيتك، فجمع علياً وفاطمة والحسن والحسين وأعطاهم الكساء ولفهم وقال: هؤلاء أهلي.
وأتى يباهل فرفضوا المباهلة؛ لأنهم عرفوا أنهم سوف يهلكون ويعدمون؛ لأن الرسول ﷺ صادق، إذاً فهؤلاء أهله ﵊، وآل محمد كل تقي.
стр. 4256
الافتخار بالأنساب
قيل لـ سلمان من أبوك؟ قال:
أبي الإسلام لا أبَ لي سواه إذا افتخروا بقيس أو تميم
ما لي أب إلا هذا الدين، أنا متعلق بهذا الدين، ولا أعرف إلا هذا الدين، أما أهل التراب فيقولون: أبي كان يذبح الأعداء، ويسرق، ويأكل الربا ويستمع الغناء ومات.
أو أبوه كان ما كان لكن هو ليس بشيء.
إذا فخرت بأقوام لهم شرف قلنا صدقت ولكن بئسما ولدوا
وعند البخاري في الأدب المفرد: ﴿من افتخر بتسعة آباء من الكفار فهو عاشرهم في النار﴾ من افتخر بآبائه الجاهليين حشر معهم، لا تفتخر بإنسان ذهب قال تعال: ﴿تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ وَلا تُسْأَلونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [البقرة:١٣٤].
قال : ﴿يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ﴾ [البقرة:٤٩] ما معنى هذه العبارة؟ أي: تلقون منهم شدة ومشقة وكلفة، ونقف قبل هذا عند آل فرعون: آل فرعون هم من تبع فرعون على ملته، وهم يعرضون على النار غدواً وعشياً حتى هذه الساعة، استدل أهل السنة والجماعة على عذاب القبر بهذه الآية: ﴿النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوّاً وَعَشِيّاً وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾ [غافر:٤٦] نسأل الله العافية.
هذا يسميه بعض العلماء: فطور وأما الغداء ففي جهنم، لكن هذه مشهيات ومرطبات! ﴿النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوّاً وَعَشِيّاً وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾ [غافر:٤٦] فدخلوا معه.
قال: ﴿يَسُومُونَكُمْ﴾ [البقرة:٤٩] السوم: هو أشد العذاب، والسوم من الخسف، والمشقة، وشدة الكلفة على من لك سلطة عليه أو قدرة.
يقول عمرو بن كلثوم في ملعقته الشهيرة:
إذا ما الملك سام الناس خسفاً أبينا أن نقر الذل فينا
يمدح قبيلته، وهذه من أفخر القصائد، هو جاهلي لم يدرك الإسلام، لكن ذهب إلى عمرو بن هند أحد الملوك، فذهب بأمه يتحاكم هو وقبيلة ثانية فقال لأمه: ادخلي عند امرأة الملك حتى أشكو عليه أن القبيلة الفلانية تقاتلنا، فأمه امرأة من أسرة قوية، والملك يظن أن من كان من غيره فهم خدم، فأتت المرأة أم الشاعر ودخلت عند زوجة السلطان.
فقالت زوجة الملك: ناوليني هذا الإناء، تريد أن تستخدمها في البيت.
فحلفت ألا تناولها؛ فضربتها كفاً على وجهها، فصاحت أمه وهو داخل خيمة الملك، فعلم أنها أهينت.
فقام عمرو بن كلثوم فقتل الملك، ثم فر إلى قبيلته ونظم قصيدته يقول في أولها -وهي من المعلقات-:
ألا هبي بصحنك فاصبحينا ولا تبقي خمور الأندرينا
إلى أن يقول:
بأي مشيئة عمرو بن هند تطيع بنا الوشاة وتزدرينا
إلى أن يقول:
متى كنا لأمك مقتوينا
أي متى كنا لك عبيداً ولأمك؟!
إلى أن يقول: ألا تعرفنا؟!
بأنا نورد الرايات بيضاً ونصدرهن حمراً قد روينا
إلى أن يقول:
إذا ما الملك سام الناس خسفاً أبينا أن نقر الذل فينا
وهكذا قتله وضحى به، فلذلك يقول: الخسف لا نقره.
стр. 4257
فرعون سام بني إسرائيل سوء العذاب
يقول ابن تيمية في مقطع له يتكلم في المجلد الأول من الفتاوى عن بعض الناس قال: إذا أسيم الخسف رضي به، وإذا وجد قوة تمرد؛ تجده ظالماً جباراً يظلم العباد، ولكن إذا أهين ذهبت كرامته ونخوته ومروءته فسبحان الله! له في خلقه شئون.
قال: ﴿يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ﴾ [البقرة:٤٩] كان أهل مصر يستخدمون بني إسرائيل، اليهودي عند المصري خادم، التمييز العنصري مثل جنوب أفريقيا؛ البيض والسود، يقدمون الطعام في المطاعم، والأعمال العادية لا يقوم بها إلا بنو إسرائيل ﴿يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ﴾ [البقرة:٤٩] وليته يكفي! قالوا من باب التفسير قوله : ﴿يُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ﴾ [البقرة:٤٩] وهناك في سورة إبراهيم: ﴿وَيُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ﴾ [إبراهيم:٦] قالوا: الواو لتعداد النعم، فلما أراد الله أن يعدد عليهم في سورة إبراهيم النعم قال: ﴿وَيُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ﴾ [إبراهيم:٦] بالواو، ولما أراد الله أن يفسر العذاب قال: ﴿يُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ﴾ [البقرة:٤٩] بدون واو.
стр. 4258
سبب قتل فرعون لأطفال بني إسرائيل
أعلن فرعون بعد أن رأى رؤيا: أن ناراً خرجت من بيت المقدس من فلسطين فأشعلت مملكته كلها، فذهب إلى المنجمين فقال: ما رأيكم؟ قالوا: ماذا رأيت؟ قال: رأيت كذا وكذا قالوا: يقتلك وينهي ملكك غلام من بني إسرائيل؛ فكتب مرسوماً: كلما ولد لبني إسرائيل ولد فالقبلة والسكين، على جنبه يذبح.
﴿وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ﴾ [البقرة:٤٩] قال الزجاج: ما أحمق فرعون! إن كان كتب الله له أن يقتله بنو إسرائيل فسوف يقتل سواء قتلهم أو لم يقتلهم، وإن لم يكتب الله عليه ذلك فما معنى قتل الناس؟!
فأخذوا يقتلون، ولما استمر القتل وكثر أتى الوزراء إلى فرعون قالوا: يا فرعون!
قال: نعم.
قالوا: صبحك الله بالنار.
قال: آمين.
قالوا: قتلت أبناء بني إسرائيل وما أصبح عندنا خدم، ونريد أن تقتل أبناءهم سنة وتستحييهم سنة.
قال: سمعاً وطاعة؛ فأتى في سنة يذبحهم وفي سنة يتركهم، ففي السنة التي منع فيها ذبح بني إسرائيل فيه ولد هارون فسلم ونجا والحمد لله، وفي السنة الثانية ولد موسى، فلما أتت أمه نظرت إليه وعلمت أن المسألة مسألة إعدام، وكان جنود فرعون كل ليلة وكل صباح لا تخرج لتملئ الماء إلا وهم عند الباب! أتاكم مولود اليوم بشروا؟ قالوا: أتانا رجل.
قالوا: اعطونا إياه ويذبحونه.
فلما أتاها الولد نظرت إليه فإذا هو جميل بهي عليه من المحبة ما الله به عليم، يقول : ﴿وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي﴾ [طه:٣٩] يقولون: لا يراك أحد إلا يحبك، حتى امرأة فرعون يوم رأته أحبته، ولذلك الأنبياء هكذا، أعداء الرسول ﷺ يرونه فيحبونه.
لو لم تكن فيه آيات مبينة لكان منظره ينبيك بالخبر
فأخذته فلفته في قماش ووضعته في تابوت وحزمت الخيط بالتابوت وأنزلته في النهر، وهي كانت تسكن على الشاطئ، فأنزلت التابوت فيأتي الجنود فتخرج التابوت وتنزله في الماء، يذهب الجنود تعيد الخيط وترضعه، تسمع صوتاً عند الباب تنزل الخيط ويبقى في الماء، سحبته لترضعه فانقطع الخيط، لا يوجد تابوت، أشرفت على الماء ما وجدت شيئاً، أين ذهب؟ مزارع مصر ممتدة على طول هذا النهر، ولربما أخذه الجنود أو أي شخص، ولكن الحفظ الإلهي والرعاية السماوية أخذته إلى بيت الطاغية الأكبر ليترعرع في بيته وفي أحضان ملكه، فلما أتى به الخدم إلى زوجة فرعون فرحت به، فوصل الخبر إلى فرعون، فأراد قتله.
فقالت له: ما لي ولك ولد -هو عقيم وهي عقيم، أراد الله ألا يجعل لها نسلاً منه؛ لأن الكافر أبتر- ونريد أن نربيه وجلست به تترجى وتتمنى وتتوسل قال: نعم، خذيه.
قالت: ﴿قُرَّتُ عَيْنٍ لِي وَلَكَ﴾ [القصص:٩] قال: قرة عين لك أم أنا فلا.
قال ابن عباس: [[والله لو قال: قرة عين لي ولك كما قالت لجعل الله موسى قرة عين له]].
قالت في سورة القصص: ﴿قُرَّتُ عَيْنٍ لِي وَلَكَ﴾ [القصص:٩] بدأت بنفسها ثم قالت: ولك.
نشأ هذا الطفل في حبابة وتصون؛ لأن الله يريد له أن يحول العالم، ولما كبر وشب وأصبح طفلاً ترتاح له النفوس تقدم إلى فرعون، وكان على السرير وكان له سلاسل من ذهب وجواهر على صدره فهو ملك، فاقترب منه فأعطاه كفاً مع الصباح! هذا أول الخير وأول المبشرات.
فقال: إيه صدقت الرؤيا، لأقتلنه هذا اليوم.
قالت آسية: أعرض عليك أمراً هذا لا يعرف، هذا طفل صغير وهذا لا يدري بمصلحته من مفسدته، نجمع له تمرة وجمرة، فإن أخذ التمرة فمعناه أنه عرف المصلحة فاقتله، وإن أخذ الجمرة فما يدري.
قال: أصبت.
فعرضت له جمرة وتمرة.
يقول أهل التاريخ والسير: أتى يأخذ التمر -الرجل ذكي يعرف والله يعطيه من المواهب والفطن ما الله به عليم، لأن الأنبياء ليسوا عاديين- فحرف جبريل يده إلى الجمرة، فأخذها فأوقعها في لسانه فارتتقت لسانه، فتركه فرعون.
شب وترعرع في قصة طويلة وإنما المقصود: ﴿يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ يُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ﴾ [البقرة:٤٩] ولكن نجى الله موسى من هذا الذبح في عام الميلاد، وذهب إلى البستان وتربى في القصر، مغامرة مكشوفة، ولذلك يقال:
فموسى الذي رباه جبريل كافر وموسى الذي رباه فرعون مؤمن
موسى هو موشى بالعبرية، و (مو) معناها الماء بـ اليهودية العبرانية، و (شى) شجر، وإنما سمي موسى ماء، لأنه ولد عند الماء والشجر فيسمونه ابن الشجر أو ابن الشجرة، أو ابن الماء والشجر، ذكر ذلك أبو السعود وغيره من أهل العلم، فترعرع واستقام حاله وانظر كيف تربى في بيت فرعون، وأما موشى ذاك السامري فإنه رباه جبريل على تربية الله أعلم بها، فخرج فاسقاً مارداً وهو الذي أتى بالعجل حتى عبد بنو إسرائيل أو بعضهم العجل، نسأل الله العافية.
стр. 4259
فرعون قدوة لمن بعده من الطغاة
﴿يُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ﴾ [البقرة:٤٩] قالوا: للخدمة والتمتع، كان الزنا ظاهراً مشهوراً، وكانت كل فتاة إسرائيلية عرضها مبذول على آل فرعون، نعوذ بالله من ذلك ﴿وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ وَفِي ذَلِكُمْ بَلاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ﴾ [البقرة:٤٩] هنا معنيان:
﴿بَلاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ﴾ [البقرة:٤٩] قيل: نعمة من الله عظيمة، فتكون الإشارة عائدة على قوله: ﴿وَإِذْ نَجَّيْنَاكُمْ﴾ [البقرة:٤٩] نجيناكم بنعمة عظيمة وفي ذلكم بلاء من ربكم عظيم.
وقيل (بَلاءٌ) نقمة وعذاب، فمن الذبح والسوء والقتل والاستخدام: ﴿وَإِذْ نَجَّيْنَاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ يُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ وَفِي ذَلِكُمْ بَلاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ﴾ [البقرة:٤٩] والآن إذا وجدت إسرائيلياً أو يهودياً صهيونياً وقرأت عليه هذه الآيات أقر بما تقول، وهي موجودة في التوراة ولكن لا يفقهون قال تعالى:
﴿فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَنَسُوا حَظّاً مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ﴾ [المائدة:١٣] قوله ﴿يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ﴾ [البقرة:٤٩] يعني أشد العذاب ﴿يُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ﴾ [البقرة:٤٩].
هذا كيد الطغاة للدعاة، وهذه مجزرة ينصبها الطغاة الكفرة للدعاة المؤمنين مثل زكريا ﵇ عندما ذبحه بنو إسرائيل.
تصوروا: في بعض الروايات أن بني إسرائيل قتلوا أربعمائة نبي، ولذلك قال الله تعالى: ﴿وَيَقْتُلُونَ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ﴾ [آل عمران:١١٢] وفي آية أخرى ﴿وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾ [البقرة:٦١] فقتلوا أربعمائة نبي، ذبحوا يحيى بن زكريا ﵉، قطعوا رأسه وأتوا إلى زكريا وهو جالس يعظهم ويدلهم على الجنة ويحذرهم من النار، فأخذوا رأس يحيى ثم ألقوه بين يديه!
وطاردوا زكريا ﵇ حتى فر في غابة يريد أن ينجو بنفسه، فأتت شجرة فانقسمت له فدخل فيها، فأخذ الشيطان ببعض ثوبه، فعرفوه فنشروا الشجرة من أعلاها إلى أسفلها فانقسم قسمين.
стр. 4260
كرامات لخبيب بن عدي
في الصحيح من حديث خباب بن الأرت ﴿قد كان يؤتى بالرجل ممن كان قبلكم ينشر بالمنشار ما بين لحمه ودمه، أو يوضع المنشار في رأسه حتى يقسم قسمين ما يصده ذلك عن دينه﴾ أو كما قال ﷺ .
وممن حدثت له من هذه المصائب خبيب بن عدي أحد أصحاب الرسول ﷺ ؛ ولذلك يقول ابن كثير: إن في أمة الرسول ﷺ من الصالحين من أتت لهم كرامات مثل معجزات أنبياء بني إسرائيل.
مفهوم الكلام: إن في صالحي أمة محمد ﷺ من الصالحين من أتت له كرامات مثل ما أتت لأنبياء بني إسرائيل.
стр. 4261
خبيب يأكل العنب والسحابة تظله
خبيب بن عدي -أحد الصحابة- في معركة وهو شاب في الثلاثين من عمره لكن يتوجه إلى الله، قلبه معلق بالله، أخذوه إلى مكة وأغلقوا عليه، لماذا أخذوه إلى مكة؟ لأنه قتل عظيماً من عظمائهم قيل في بدر وقيل: في غيرها.
وضعوه في مكان وكان السقف مكشوفاً في حر مكة ومنعوه الطعام والشراب، كان يجلس وحده، قيل في بعض الروايات: كانت تأتيه الغمامة فتظلله من السماء.
تقول المرأة التي سجن في بيتها: والله ما في مكة عنقود عنب ولا حبة عنب وقد كنت أدخل عليه وبين يديه أطباق العنب يأكل منها!
стр. 4262
خبيب في ساحة الإعدام
وفي ساعة قرروا إعدامه فخرج به كفار قريش فلما أصبحوا في الصحراء بنسائهم وأطفالهم وكبارهم وصغارهم قال: يا كفار قريش، قالوا: نعم.
قال: أريد أن أصلي ركعتين.
قالوا: صل وأسرع.
فتوضأ وصلى ثم نظر إليهم قال: [[والله الذي لا إله إلا هو لولا أن تظنوا بي جزعاً من الموت لطولت الصلاة]] ثم رفع يديه وقال: [[اللهم احصهم عدداً، واقتلهم بدداً، ولا تغادر منهم أحداً]].
ثم رفعوه على المشنقة، هل بكى؟ لا، الأبطال لا يبكون في ساحات القتل، يقول:
ولست أبالي حين أقتل مسلماً على أي جنب كان في الله مصرعي
وذلك في ذات الإله وإن يشأ يبارك على أوصال شلو أوصال ممزع
стр. 4263
سلامه على رسول الله
ثم قال: [[اللهم أبلغ رسولك ما لقينا الغداة]] يقول: اللهم أخبر رسولك ماذا فعل بي؟
ثم قال: [[السلام عليك يا رسول الله، السلام عليك يا رسول الله، السلام عليك يا رسول الله]].
بالله أين مناخ العيس من حلب سهم أصاب وراميه بـ ذي سلم
من بـ العراق لقد أبعدت مرماك
يقول موسى بن عقبة: ففي تلك اللحظة كان ﷺ يقول في المدينة وخبيب في مكة يقول: ﴿وعليك السلام يا خبيب، وعليك السلام يا خبيب، وعليك السلام يا خبيب ﴿يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ * ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً * فَادْخُلِي فِي عِبَادِي * وَادْخُلِي جَنَّتِي﴾ [الفجر:٢٧ - ٣٠].
стр. 4264
النابلسي ﵀ والمعز الفاطمي لعنه الله
النابلسي عالم ترجم له الذهبي وابن كثير وهو عالم كبير ومحدث، وإذا سمعت أن المحدث يعمل بالحديث فاعلم أن المحدثين واجهات الأمة، القوة تكمن في المحدثين إذا عملوا بعلمهم.
أتى المعز الفاطمي وهو من الحكام الفاطميين الملاعين الذين حكموا مصر وهم زنادقة يهود، جدهم ابن قداح يهودي، وأتوا إلى المسلمين وقالوا: جدتنا فاطمة، ونحن من نسل فاطمة، فصدقهم كثير من الناس وكتبوا لهم صكاً بالنسب وقبلوا منهم هذا؛ فعبدهم كثير من الناس.
الحاكم بأمر الله الفاطمي أتدرون ماذا يفعل؟! يخرج إلى السوق فيسجد له الناس في السوق من دون الله، كان يأتي بعبيد له ويفعل الفاحشة في الناس، يمزق المصحف ويدوسه برجليه، وهو من ذرية المعز.
قال النابلسي في حلقة عظيمة من الناس في مدينة من المدن: من كانت عنده عشرة أسهم فليرم النصارى الذين في طبرية وعكا ويافا وفي حدود البحر الأبيض بسهم واحد، وليرم الفاطميين بتسعة.
стр. 4265
أعوان المعز يبلغونه مقالة النابلسي
فذهب الجواسيس والعيون فأخبروا المعز وقالوا: النابلسي يقول في حلقته: من كانت عنده عشرة أسهم فليرمِ النصارى بتسعة وليرمك بسهم، والمقالة خاطئة وليست هكذا؛ بل هي مقلوبة.
قال المعز: عليَّ به.
قال له المعز: يا عدو الله -والمعز هو عدو الله وذاك ولي الله- تقول: من عنده عشرة أسهم فليرم النصارى بتسعة وليرمنا بسهم؟
قال: خطأ، الفتيا ليست هكذا بل هي مقلوبة.
قال: ما هي؟
قال: قلت: من كانت عنده عشرة أسهم فليرمكم بتسعة وليرم النصارى بسهم.
стр. 4266
اليهودي يسلخ جلد النابلسي
فاستتابه فما رجع عن قوله وأخذ يلعن المعز، فأول يوم استتابه ثم شهر به على بغلة وهو يضرب ويلطم، ثم جلده في اليوم الثاني، ثم أتى بيهودي في اليوم الثالث فقال: اسلخ جلده عن لحمه، لا تقتله وابق على رأسه.
فعلقه اليهودي برجليه، وتصور يهودياً يتولى مسلماً! فأخذ اليهودي سكينة ثم سلها، فلما أتى العالم هذا من وجهه أتدرون ماذا قال هذا اليهودي؟ قالوا: والله ما أنَّ النابلسي أنَّة ولا بكى بدمعة وإنما كان يقول: حسبنا الله ونعم الوكيل.
فأخذ يسلخ جلده.
стр. 4267
الملائكة تظلله
وقيل: رئيت الملائكة وهي تظله بأجنحتها وقت سلخ الجلد، فلما بلغ قلبه وهو يسلخ الجلد كما تسلخ الشاة رحمه اليهودي، انظر إلى إنسان يبلغ من الدرجة أن يرحمه اليهودي!! يقول المتنبي:
كفى بك داءً أن ترى الموت شافيا وحسب المنايا أن يكن أمانيا
يقول: كفى بك مصيبة إذا تمنيت الموت.
قال الذهبي: فروي أنه لما خرج الدم من قلبه كتب لا إله إلا الله على الجدار، وفي بعض الروايات: أخذ الدم يقطر منه ويكتب: الله الله الله والحساب عند الله يوم يجمع الله فيه الأولين والآخرين، وسوف يرى.
стр. 4268
سعيد بن جبير والحجاج
ومن ضمن من عذب بالقتل والذبح سعيد بن جبير وقد مر معنا، ولكننا نقر بهذه القصص من نواحي، ونعرضها في قوالب حتى تثبت الدروس التربوية في قلوب الأمة.
سعيد بن جبير يدخل على الحجاج، ما ذنب سعيد بن جبير؟
عالم ينشر العلم، ينشر الدعوة، ينشر لا إله إلا الله، لكن خرج مع من خرج في فتنة ابن الأشعث فأتى به الحجاج فأوقفه أمامه وحاسبه وكلمه كلاماً عنيفاً فما تنازل له سعيد بن جبير بقلامة الظفر!
يقول له الحجاج: من أنت؟
وهو يعرف أنه سعيد بن جبير.
قال: أنا سعيد بن جبير.
قال: بل أنت شقي بن كسير.
قال: أمي أعلم إذ سمتني.
قال: شقيت أنت وشقيت أمك.
ثم قال له: أتريد المال؟ ثم أتى بمال في أكياس فقال له: يا حجاج إن كنت أخذت المال رياءً وسمعة فسوف يكون عليك عذاباً، وإن كنت أخذته تمتنع به وتحتمي به من عذاب الله، فنعم ما فعلت.
فأتى الحجاج بجارية تضرب العود فبكى سعيد بن جبير.
قال: بكيت من الطرب، أأعجبك الغناء؟
قال: لا والله، لكن جارية سخرت في غير ما خلقت له، وعود قطع من شجرة سخر في معصية.
فقال له: لأبدلنك بالدنيا ناراً تلظى.
قال: لو كنت أعلم أن ذاك عندك لجعلتك إلهاً من دون الله.
فقال: والله لأقتلنك قتلة ما قتلها أحد من الناس.
قال: يا حجاج اختر لنفسك أي قتلة قتلتني بها، والله لا تقتلني قتلة إلا قتلك الله بمثلها.
قال: ولُّوه لغير القبلة.
فقال: ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ [البقرة:١١٥] قال: أنزلوه أرضاً.
قال: ﴿مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَى﴾ [طه:٥٥] فذبحوه.
فقال: اللهم لا تسلط الحجاج على أحد من بعدي، يا قاصم الجبابرة اقصم الحجاج.
وما انتهى المجلس إلا وببثرة من هذا الدمل تنشأ في يد الحجاج فيحكه فيتفشى في جسمه ويشتعل جسمه ويصبح كالثور يخور، لا ينام، لا يشرب، لا يرتاح، لا يهدأ، كل ليلة يرى في المنام أنه يسبح في دم.
يقول لوزرائه وهو يبكي: رأيت البارحة أن القيامة قامت وأن الله أوقفني عند الصراط فقتلني بكل رجل قتلته قتلة، إلا سعيد بن جبير قتلني به سبعين مرة!
ثم ما أمهله الله بعده إلا شهراً: ﴿وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَخْزَى وَهُمْ لا يُنْصَرُونَ﴾ [فصلت:١٦] وهذا مثل كثير من المكائد التي يضعها أعداء الله لأولياء الله: ﴿إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ * يَوْمَ لا يَنْفَعُ الظَّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ وَلَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ﴾ [غافر:٥١ - ٥٢].
قال : ﴿وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ﴾ [البقرة:٤٩] قالوا: للخدمة والمنفعة.
﴿وَإِذْ فَرَقْنَا بِكُمُ الْبَحْر﴾ [البقرة:٥٠] نقف مع البحر قليلاً، في البحر أربع قضايا:
القضية الأولى: ماؤه، الثانية: ميتته، الثالثة: ركوبه، الرابعة: عظمة الله تتجلى في خلق البحر.
أما رأيت الشمس إذا أرادت أن تغيب بإذن الله على البحر؟ أما ركبت البحر ورأيت العظمة؟ هذا اليابس الذي نعيش منه لا يشكل إلا ربع هذه الكرة الأرضية بل أقل، أما رأيت البحر كيف يهيج؟ أما رأيته إذا ماج وغضب؟ هذا خلق الله يتجلى في هذا المخلوق، فلذلك ماؤه -للفائدة- سئل عنه ﷺ قال: ﴿هو الطهور ماؤه الحل ميتته﴾ حديث صحيح.
стр. 4269
الأسئلة
стр. 4270
حال مؤمن آل فرعون
السؤال
قال الله تعالى: ﴿وَقَالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمَانَهُ أَتَقْتُلُونَ رَجُلاً أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ﴾ [غافر:٢٨] فالرجل مؤمن فهل يعتبر من آل فرعون الكفرة، أرجو توضيح ذلك؟
الجواب
﴿ مُؤْمِنٌ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ﴾ [غافر:٢٨] إضافة نسب لا إضافة ولاء ونصرة، لذلك ذكر الله مثل لوط ﵇ وصالح وهود فقال: ﴿قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ صَالِحٌ﴾ [الشعراء:١٤٢] فأخوهم في النسب لا في الولاء والمنهج والمشرب والتشريع، فهو من آل فرعون في النسب وليس في الدين.
стр. 4271
الأعمال تعرض يوم الإثنين والخميس على الله
السؤال
الحديث الذي معناه: ﴿صوموا الإثنين والخميس فإن الأعمال تعرض يوم الإثنين والخميس﴾ هل تعرض على الله أم على الرسول ﷺ ؟
الجواب
أولاً: الحديث صحيح؛ لأن الرسول ﷺ كان يصوم الإثنين والخميس، فقالوا: يا رسول الله! لمَ تصوم؟ قال: ﴿إن الأعمال تعرض على الله يوم الإثنين والخميس، فأحب أن يعرض عملي وأنا صائم﴾.
ولكن الأعمال تعرض على الواحد الأحد، لا تعرض على الرسول ﷺ ، فالرسول ﷺ لا يملك ضراً ولا نفعاً ولا موتاً ولا حياة ولا نشورا، ولا يحاسب العباد، ولا ينعم عليهم ولا يعذبهم، إنما بلغ الرسالة ويشفع في الآخرة.
وأما الحديث الصحيح من حديث أوس بن أوس في السنن وغيرها أن الصلاة والسلام تعرض على الرسول ﷺ لقوله: ﴿أكثروا علي من الصلاة والسلام ليلة الجمعة ويوم الجمعة﴾ فعليه الصلاة والسلام ما كور الأقدار، وما أتى الليل وعقبه النهار، وما فاحت الأزهار، وما تدفقت الأنهار، فعليه الصلاة والسلام دائماً وأبداً، قال: ﴿أكثروا من الصلاة والسلام علي ليلة الجمعة ويوم الجمعة فإن صلاتكم معروضة علي قالوا: كيف تعرض عليك صلاتنا يا رسول الله! وقد أرمت -أي بليت؟ - قال ﵊: إن الله حرم على الأرض أن تأكل أجساد الأنبياء﴾ وليس في الحديث الشهداء بل الأنبياء، فالصلاة والسلام تعرض عليه لكن لا تعرض عليه الأعمال، لأن المحاسب والمجازي وكاشف الضر هو الله، ويخطئ من يذهب إلى قبر المصطفى ﷺ ويقول: اكشف مرضي، أو نجح ابني هذا شرك ﴿وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً لا يَخْلُقُونَ شَيْئاً وَهُمْ يُخْلَقُونَ وَلا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ ضَرّاً وَلا نَفْعاً وَلا يَمْلِكُونَ مَوْتاً وَلا حَيَاةً وَلا نُشُوراً﴾ [الفرقان:٣] فليتنبه إلى هذا.
стр. 4272
حديث: (أول رمضان رحمة)
السؤال
ما صحة الحديث الذي يقول: ﴿أول رمضان رحمة وأوسطه مغفرة وآخره عتق من النار﴾؟
الجواب
هذا الحديث لا يصح وهو حديث ضعيف، ونبه على ضعفه المنذري في الترغيب والترهيب وهو من أحاديث فضائل الأعمال.
стр. 4273
الإسرائيليون اليوم من سلالة بني إسرائيل
السؤال
هل الإسرائيليون الموجودون الآن هم سلالة بني إسرائيل؟
الجواب
بنو إسرائيل هؤلاء من تلك السلالة، شامير ورابين وموشى ديان وأمثالهم وأذنابهم هم من اليهود تماماً، لا تلد الحية إلا حية، الخبيث من ذاك الصنف الخبيث.
أما موسى ﵇ والمؤمنون ﵃ وأرضاهم فهؤلاء نحبهم ونتولاهم وهم في موكب كريم، ومنهم كثير ممن أسلم من اليهود كـ عبد الله بن سلام وكعب الأحبار وأمثالهم.
وبعض الناس يقول: نسالم اليهود، اليهود قوم حلماء.
ونحن نقول: بل هم قوم ألداء، لا يمكن أن ينزعوا الغل من صدورهم، وهم أعداؤنا بلا شك يريدون تمزيق العالم الإسلامي، وكل خراب وإجرام وزنا وربا في العالم عامة فهو من اليهود.
стр. 4274
حكم الإسلام في من ينكر عذاب القبر
السؤال
ما حكم الإسلام في من أنكر عذاب القبر؟
الجواب
إن أقر بالأدلة وعلم بها فأنكر فهو كافر يستتاب فإن تاب وإلا قتل، وإن لم يصله دليل ولم يعلم فيبصر ويعذر بجهله حتى يبصر.
стр. 4275
كراهة الإشارة إلى النفس عند ذكر الصفات
السؤال
في قوله : ﴿وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي﴾ [طه:٣٩] أشرت إلى نفسك، ألا ترى أنه من التشبيه، أرجو بيان ذلك؟
الجواب
إن رأيت هذا فأنا معك ونتصالح أنا وإياك وقد يكون هذا، والأحسن للإنسان ألا يشير في الصفات إلى نفسه، لا يقول: ﴿كنت يده التي يبطش بها، وسمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به﴾ ويشير إلى نفسه، وقد تكون مني مع السرعة والشرح فأشرت إلى ذلك، فأنت مشكور على كل حال.
следующие страницы →