Полный текст (10 391 стр.). Показаны 4201–4240 · переход к 4206.
стр. 4201
مواصفات المرأة المسلمة
بعض الناس يقول: أنا لا أتزوج إلا من بيت يصلون الليل، ويصومون النهار، ولا ينظرون، ولا يغتابون، وهؤلاء ليسوا موجودين في الدنيا، وإنما هذه من صفات الملائكة، أما نحن بشر نصيب ونخطأ، ونعصي الله ونستغفر، أما الشروط هذه بأنهم يفعلون كذا وكذا فهذه ليست من الشروط، فالرسول ﷺ تزوج امرأة بنت يهودي، فدلها على طريق الاستقامة، وعلى الهداية، فهداها الله ، وتزوج بنات المشركين فهداهم الله على يده.
إذاً بعض الشروط التي يزيدها بعض الناس ليست بصحيحة، لكن الشروط الصحيحة أن يكونوا محافظين على الصلوات الخمس، ويجتنبون الحرام، وليس عندهم اختلاط ولا تبرج، فمثل هذه الأمور هي التي ترضي الله ، وهي التي مطلوب منا أن نتواصى بها.
ثم من الأمور التي يجب أن ننبه عليها: أن على الرجل أن يحسن عشرة زوجته، ويتق الله فيها، وأن يقيمها على منهج الله ، ويدلها علىطريق الجنة، الرسول ﵊ يقول: ﴿خيركم خيركم لأهله وأنا خيركم لأهلي﴾ ويقول: ﴿إنهن عوان عندكم - أي أسيرات - فالله الله في النساء﴾.
وعلى المرأة أن تحترم زوجها، فتطيعه في طاعة الله، وتحفظه بالغيب، ولا تجلس أحداً على فراشه، ولا تدخل الأجانب في غيبته، ولا تتطلع على عورات المسلمين، ولا تعرض عرضها للناظرين - والعياذ بالله - فإن من تفعل ذلك فإنها ناقصة عقل ودين، وقد سلب الإيمان من قلبها، وأهم وصف للمرأة أنها: ﴿حَافِظَاتٌ لِلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللَّهُ﴾ [النساء:٣٤] ﴿وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ﴾ [النور:٣١].
حور حرائر ما هممن بريبة كضباء مكة صيدهن حرام
يحسبن من لين الكلام روانياً ويصدهنَّ عن الخنا الإسلام
стр. 4202
حقوق الزوج على المرأة
فهذا وصف المرأة المسلمة، ومن حقوق الرجل عليها أن تقتصد في النفقة، لأن بعض النساء مبذرة ومسرفة، تعدم مال زوجها وما يدخله عليها، فتعدمه بالملابس والأثاث، والأكل والشرب؛ والمطعومات والمفروشات؛ فهذه ناقصة عقل ودين، أما حافظة المال فإنها من الحافظات بالغيب بما حفظ الله.
صحيح أن لها أن تأخذ من مال زوجها ولو لم يعلم، ولو بغير علمه، لكن بالمعروف.
قالت هند بنت عتبة زوجة أبي سفيان: يا رسول الله! أبو سفيان رجل شحيح -بخيل- لا يعطيني وأولادي، فهل آخذ من ماله شيئاً؟ قال ﷺ : ﴿خذي من ماله وبنيك بالمعروف﴾ أي: ما يكفيك وأولادك.
ومن حقوق الزوج: أن تقوم على خدمته بالمعروف، بالطبخ، والغسيل، وخدمة البيت؛ لأن انتشار الخادمات لا يبشر بالخير، واشتراط أبو البنت خادمة لابنته أو سائقاً -وهذا موجود في المدن كثيراً- منهي عنه، وليس من المعروف؛ لأن استقدام الخادمات وخاصة غير المسلمات لغير ضرورة ليس من الشرط، لكن يجوز استقدامهن بثلاثة شروط:
١ - أن تكون مسلمة، فلا يجوز استخدام يهودية أو نصرانية أو شيوعية أو بوذية أو هندوسية.
٢ - أن تكون لضرورة في البيت، كأن تكون المرأة مريضة أو عندها عمل.
٣ - ألا يراها الزوج ولا يراها الأجانب وتكون في غرفة خاصة.
هذا هو المطلوب من المرأة، وهو أن تقوم بخدمة زوجها.
стр. 4203
حقوق الزوجة على زوجها
ومن حقوقها عليه -كما قلت-: إحسان العشرة، والنفقة، وأن يحفظها -كذلك- بالغيب، وأن يبر أهلها، وألا يحرمها زيارة أبيها وأمها، وهذا هو المطلوب، والذي نريد أن نقوله لكم: أيها الناس! اعلموا أن هذه الحياة بزواجها وأكلها وشربها، وسياراتها ومناصبها ما هي إلا مرحلة كالحلم والنوم حتى نلقى الله عزوجل: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ﴾ [الحشر:١٨] ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢] ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً، يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً﴾ [الأحزاب:٧١] هذه الحياة حياة هم، وغم، وحزن، ومرض، وفقر، لا يشفى مريضها، ولا يهنئ شابها، ولا يهدأ غنيها:
يا متعب الجسم كم تسعى لراحته أتعبت جسمك فيما فيه خسران
أقبل على الروح واستكمل فضائلها فأنت بالروح لا بالجسم إنسان
يا عامراً لخراب الدار مجتهداً بالله هل لخراب الدار عمران
﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ * لا يَسْمَعُونَ حَسِيسَهَا وَهُمْ فِي مَا اشْتَهَتْ أَنْفُسُهُمْ خَالِدُونَ * لا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الْأَكْبَرُ وَتَتَلَقَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ هَذَا يَوْمُكُمُ الَّذِي كُنْتُمْ تُوعَدُون﴾ [الأنبياء:١٠١ - ١٠٣].
стр. 4204
الاستعداد ليوم المعاد
فيا إخوتي في الله شيوخاً وشباباً، كباراً وصغاراً، رجالاً ونساءً! اعلموا أنكم عما قريب قادمون علىالله، لقد تزوج آباؤنا وأجدادنا، ثم ذهبوا ووسدوا التراب، وفارقوا الأصحاب، وتركوا الأحباب، وجردوا عن الثياب، كأنهم ما أكلوا مع من أكل، ولا شربوا مع من شرب، ولا تزوجوا مع من تزوج، ولا كأنهم تمتعوا.
والله لقد ذهبوا مرتهنون بأعمالهم: ﴿وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَتَرَكْتُمْ مَا خَوَّلْنَاكُمْ وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ وَمَا نَرَى مَعَكُمْ شُفَعَاءَكُمُ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكَاءُ لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ وَضَلَّ عَنْكُمْ مَا كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ﴾ [الأنعام:٩٤]
لا دار للمرء بعد الموت يسكنها إلا التي كان قبل الموت بانيها
فإن بناها بخير طاب مسكنه وإن بناها بشر خاب بانيها
أموالنا لذوي الميراث نجمعها ودورنا لخراب الدهر نبنيها
فاعمل لدارٍ غداً رضوان خازنها الجار أحمد والرحمن بانيها
قصورها ذهب والمسك طينتها والزعفران حشيش نابت فيها
عاش نوح ﵇ ألف سنة، فلما أتته سكرات الموت، قال الله له: كيف وجدت الحياة؟ -والله أدرى وأعلم- قال: وجدت الحياة كبيت له بابان، دخلت من هذا الباب وخرجت من هذا الباب.
آدم عبد الله ألف سنة في الجنة ثم أكل من الشجرة بعد أن نهاه الله عنها فعصى ربه، فأنزله الله من الجنة فبكى، أول ما نزل من الجنة على جبل في الهند فبكى ثلاثمائة سنة، ثم قال الله له: يا آدم! ما لك؟ قال: يارب! عبدتك ما يقارب ألف سنة، فلما عصيتك بأكل شجرة أنزلتني وأهبطتني من الجنة.
قال الله: يا آدم! وعزتي وجلالي لو عصاني أهل السماء والأرض لأنزلتهم في ديوان العاصين ولحرمتهم حتى يعودوا من التائبين.
قال: يارب! هل لي من توبة؟ قال: يا آدم! تب أتوب عليك، فقال: أستغفر الله، فتاب الله عليه، فلما قال الله: يا آدم! وعز تي وجلالي لو أن أهل السماء والأرض عصوني لكتبتهم في ديوان العاصين، أنزل جبريل -كما قال ابن الجوزي - التاج من على رأسه وبكى، وكذلك ميكائيل وإسرافيل، قالوا: وعزتك وجلالك ما عبدناك حق عبادتك.
إذا علم هذا فلنخف من معصية الله، يقول الله: مهلاً مهلاً وعزتي وجلالي لولا شيوخ ركع، وأطفال رضع، لخسفت بكم الأرض خسفاً.
وذنوبنا ومعاصينا وخطايانا وسيئاتنا لا تعد ولا تحصى، انظر ماذا فعلنا؟
كثير من الناس يشهد عند القضاة شهادة زور، وبعضهم يشتري الشاهد بآلاف الدراهم والدنانير، فيبيع دينه وذمته، ويبيع نصيبه وحظه من الله، ويقطع الحبل الذي بينه وبين الله، فلا ينظر له الله يوم القيامة ولا يزكيه وله عذاب أليم، فيذهب إلى القاضي فيشهد شهادة الزور فيغضب الله وملائكته وعباده.
لو دفع للإنسان الدنيا وما فيها على أن يشهد شهادة الزور فإنه والله هو الخاسر وهو المطرود، أيضاً يوجد من الناس من يصنع لجاره المشاكل والمصائب والعناد ما لا يعلمه إلا الله.
أين الغيرة؟ أين الإسلام؟
يقول ﷺ : ﴿ما زال جبريل يوصيني بالجار حتى ظننت أنه سيورثه﴾ أي: سيجعل له حظاً من الميراث.
كان جار الرسول ﵊ يهودياً، فكان ﷺ إذا اشترى اللحم يعطيه منه.
وكان ﷺ يزور اليهودي إذا مرض، وفي الأخير قال: أشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله، هذا هو الإسلام، الجار أمره عظيم، يأتي جار يبكي عند رسول الله ﷺ ويرتفع بكاءه فيقول ﷺ : مالك تبكي؟ قال: يا رسول الله! أشكو إليك جاري، سبني وشتمني، إذا غبت ما حفظني، وإن حضرت هضم حقي، قال: ماذا أفعل يا رسول الله؟ قال: اصبر واحتسب، فصبر واحتسب، ثم عاد يبكي ثانية، فقال ﷺ : اصبر واحتسب، فصبر واحتسب، ثم عاد يبكي، فقال ﷺ : خذ متاعك وأهلك وأطفالك وانزل واجلس في طريق الناس، فأخذ متاعه وزوجته وأطفاله ونزل في طريق الناس، قالوا: مالك يا فلان؟ قال: أخرجني جاري من داري، قالوا: لعنه الله! وهكذا كلما مر شخص يسأله عنه حاله، فيعلم بما حصل له، فيسب ذاك الجار المؤذي، فسمع ذلك جاره، فقال: والله لا أعود، عد إلى بيتك، بعد أن أخذ لعنة العالمين؛ فنعوذ بالله من الخذلان!
بعض الناس الباب إلى الباب ولا يسلم بعضهم على بعض سنوات طويلة، بل الأرحام يتقاطعون، ويتشاكون، بل يتلاعنون، بل بعضهم يكادون يتقاتلون، أين الإيمان؟! أين الإسلام؟!
يوجد في القرى مساجد لا يصلي فيها إلا ثلاثة أو أربعة أو خمسة أو ستة فأين الإيمان؟!
يسمعون الله أكبر الله أكبر، الله أكبر الله أكبر، أربع شهادات، ثم لا يجيبون: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنَا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْهَا لا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ وَلا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُجْرِمِينَ * لَهُمْ مِنْ جَهَنَّمَ مِهَادٌ وَمِنْ فَوْقِهِمْ غَوَاشٍ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ﴾ [الأعراف:٤٠ - ٤١].
أين إيمان المؤمن؟ إذا سمع الأذان ترتاح نفسه.
هذا أحد السلف مرض مرضاً طويلاً كأنه قطعة لحم على الفراش، وكان إذا سمع: الله أكبر، قال: احملوني إلى المسجد، قالوا: عذرك الله! أنت مريض، قال وهو يكاد يتقطع: كيف أسمع: الله أكبر ولا أقوم! أسمع: حي على الصلاة حي على الفلاح ولا أقوم إلى المسجد! ولو كان في القلوب إيمان والله ما يأتيك النوم بعد أن تستمع الأذان، بل يضطرب قلبك، ويصبح مثل القدر يغلي، لأن الإيمان يجعل القلب كالقدر يغلي غلياناً.
وجلجلة الأذان بكل حي ولكن أين صوت من بلال
منائركم علت في كل ساح ومسجدكم من العباد خال
يقول أحد السلف: [[يا رب! إذا أمتني أمتني ميتة حسنة.
فقال له أبناؤه: ما هي الميتة الحسنة؟ قال: أن يتوفاني ربي وأنا ساجد]] فأعطاه الله ما تمنى؛ لأن الله يعطيك على قدر نيتك: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [العنكبوت:٦٩] ﴿فَلَوْ صَدَقُوا اللَّهَ لَكَانَ خَيْراً لَهُمْ﴾ [محمد:٢١].
أتته سكرات الموت، فقال: احملوني إلى المسجد، قالوا: أنت معذور، أنت في سكرات الموت، قال: سبحان الله! أسمع: حي على الصلاة، حي على الفلاح ولا أجيب!! فحمله أبناؤه على أكتافهم حتى وضعوه في الصف، فصلى صلاة المغرب فلما كان في السجدة الأخيرة قبض الله روحه، لأنه صادق مع الله، طلب الموت وهو ساجد، فأعطاه الله.
يقول أحد الصالحين وأبناؤه يبكون عنده: لا تبكوا عليَّ، قالوا: ولم؟ قال: والله ما فاتتني تكبيرة الإحرام مع الإمام ستين سنة: ﴿أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى تَقْوَى مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٍ خَيْرٌ أَمْ مَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى شَفَا جُرُفٍ هَارٍ فَانْهَارَ بِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ [التوبة:١٠٩] أحد الناس لا يعرف إلا المسجد، أول ما يفتتح برنامجه اليومي صلاة الفجر، حتى يقول ﵊ في صحيح مسلم: ﴿من صلى الفجر في جماعة فهو في ذمة الله -أي: في حفظ الله - فالله الله لا يطلبنكم الله بشيء من ذمته﴾.
وأوصيكم بترك أكل المال الحرام، كالربا، فقد انتشرت البنوك الربوية، وكيف يدعو الله وهو يأكل الربا، فيقول الله: لا لبيك ولا سعديك مطعمك حرام، ومشربك حرام، وملبسك حرام، فأنى يستجاب لك!
لا يستجيب الله للذي يأكل الحرام، حتى الحاج يحج ويتعب ويصهر في الشمس ويجوع وتفصم ركبه من السير، فيقول: لبيك اللهم لبيك، فينادي الله من السماء: لا لبيك ولا سعديك، مطعمك حرام، ومشربك حرام، وملبسك حرام، فأنى يستجاب لك!
فحذارِ حذارِ من الدخل الحرام، فإنه يفسد العبادة ويعطل الدعاء ويغضب المولى .
ثم أوصيكم ونفسي بالتزود من النوافل، وكثرة الذكر فأنتم قادمون على سفر، وأنتم الآن مقبلون على هذا السفر البعيد، بعضنا بقيت له أيام وبعضنا أسابيع وبعضنا أشهر وبعضنا سنوات وسوف نجتمع غداً، فاعملوا لجنة عرضها السماوات والأرض، واعلموا أننا والله مهما ارتحنا وضحكنا واسترحنا وبنينا وعمرنا وركبنا فإنها ستسلب منا سريعاً، وأنه لا يبقى إلا وجه الله.
هارون الرشيد ملك الدنيا من الشرق إلى الغرب، من الشمال إلى الجنوب، بنى قصراً من أعظم القصور في بغداد عاصمة العراق وكان اسمها دار السلام قديماً، فلما بنى هذا القصر، قال للشعراء: ادخلوا وامدحوا القصر وصاحبه، فدخلوا ومدحوا الخليفة نفسه، ثم أتى شاعر الزهد والحكمة أبو العتاهية، فقال لـ هارون الرشيد:
عش ما بدا لك سالماً في ظل شاهقة القصور
قال: هيه، قال:
يسعى عليك بما اشتهيت مع الرواح أو البكور
قال: هيه، قال:
فإذا النفوس تغرغرت بزفير حشرجة الصدور
فهناك تعلم موقناً ما كنت إلا في غرور
فبكى حتى سقط من على كرسيه.
إن سكرة الموت تنسيك كل لذة في الحياة.
والله إنه قد وجد من بعض الملوك وقد قرأت سيرهم، مثل: المعتضد كان عنده أربعمائة جارية، وأربع نسوة، وكان عنده من القصور في كل مكان، وكان يقول: ما تركت لذيذاً حتى أكلته، وما تركت جميلاً حتى لبسته، ولا نعمة حتى تمولتها، فلما أتته سكرات الموت كان على عرش الملك، قال: أنزلوني، فأنزلوه، فكشف البساط، ومرغ وجهه في التراب، وقال: ما أغنى عني ماليه، هلك عني سلطانية، ياليتني ما عرفت الحياة! يا ليتني ما عرفت الملك!
إلى الله نشكو قسوة في قلوبنا وفي كل يوم واعظ الموت يندب
ولله كميت حبيب ورائح يشيعه للقبر والدمع يسكب
فيا أيها المسلمون: يا من عرف مصيره! ويا من عرف طريقه إلى الله! تزود من العبادة، وأكثر من النوافل، أكثر من التسبيح، وسع قبرك بالعمل الصالح، القبر والله لا يوسعه الدور، ولا القصور، ولا المال، ولا المنصب، ولا الوظيفة، لا يوسعه إلا العمل الصالح:
والقبر روضة من الجنان أو حفرة من حفر النيران
إن يك خيراً فالذي من بعده أفضل عند ربنا لعبده
وإن يكن شراً فما بعد أشدّْ ويلٌ لعبدٍ عن سبيل الله صدّْ
اللهم تولنا فيمن توليت، اللهم تب علينا، اللهم إنا نسألك من العيش أرغده، ومن العمر أسعده، ومن الوقت أتمه، ومن الزمن أعمه.
اللهم ثبتنا على لا إله إلا الله، وأمتنا على لا إله إلا الله، وأدخلنا قبورنا على لا إله إلا الله، ونجنا من النار بلا إله إلا الله، وأدخلنا الجنة بلا إله إلا الله.
اللهم إنا نسألك الأمن والأمان، والالتزام والسلام، والراحة في الأبدان والأوطان والأديان يا رب العالمين.
ربنا زدنا تقىً وعفافاً وغنى، وثبتناً وأرشدنا واصرفنا مغفوراً لنا يا رب العالمين.
стр. 4205
الأسئلة
стр. 4206
حكم اللعن وقطع الأرحام
السؤال الأول: أب لا يمر عليه يوم واحد حتى يلعن زوجته وأولاده؛ كما أنه لا يصل رحمه، فإذا نصح تمادى في غيه وسبه وشتمه، أرجو من شيخنا التوجيه في هذا؟
الجواب
أسأل الله أن يهدي هذا الأب وكل ضال من ضلال المسلمين، وأن يرده إليه رداً جميلاً، فإن الله يتوب على من تاب والهداية بيده تعالى، وليعلم هذا الأب أن اللعن من كبائر الذنوب، والرسول ﷺ قال: ﴿لا يكون اللعانون شفعاء ولا شهداء يوم القيامة﴾ ويقول ﷺ فيما صح عنه: ﴿ليس المؤمن بالطعان ولا اللعان ولا الفاحش البذيء﴾.
فحذارِ حذارِ من اللعنة؛ فإن معناها: الطرد والإبعاد من رحمة الله، فقد يلعن الولد فتصادف ساعة استجابة من الله لا يسأل فيها شيئاً إلا أعطاه، فيلعن ولده فيطرد الله هذا الولد من رحمته أبد الآبدين.
أو يلعن زوجته فيطردها الله من رحمته أبد الآبدين.
مر ﵊ في غزوة، وفي الجيش امرأة معها ناقة، فقالت المرأة للناقة: لعنك الله! - تلعن الناقة - فقال ﷺ : ﴿خذي متاعك من على الناقة واتركيها لا تصحبنا ناقة ملعونة﴾ فكيف بالزوجة؟! فيكيف بلعن الأهل والأولاد؟! كيف يأتي حسن الخلق؟! كيف ينزل الله السكينة؟! كيف تغشى الرحمة؟!
فيا أيها الأب! حذارِ حذارِ، فليس لديك كفارة إلا التوبة، أما المرأة فلا تطلق باللعنة - بعض الناس قد يتوهم أن المرأة عليها أن تذهب إلى بيت أهلها، لا.
مهما لعن فإنها لا تطلق، بل هي زوجته وما زالت، لكن تنقص البركة ويكتسب أكثر الذنوب، ويقل الله السكينة في البيت، ويدخل الشيطان والعياذ بالله.
فأنا أوصيك أولاً أن تجتنب اللعنة، وأن تستغفر، وتتصدق لعل الله أن يكفر عن سيئاتك: ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ﴾ [هود:١١٤].
أما قوله: إنه يقطع أرحامه، فلا إله إلا الله ما أعظم قطيعة الرحم! من أعظم الذنوب والخطايا: قطيعة الرحم، يقول : ﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ * أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ﴾ [محمد:٢٢ - ٢٣].
فوصيتي إليك أن تتوب وتعود إلى أرحامك ولو قطعوك، أن تصلهم ولو آذوك، أن ترحمهم وتعطيهم ولو منعوك: ﴿أتى رجل إلى النبي ﷺ -والحديث عند مسلم - قال: يا رسول الله! إن لي قرابة أحسن إليهم ويسيئون إلي، وأصلهم ويقطعونني، وأرحمهم ويؤذونني، فقال ﷺ : إن كنت كما تقول فلا يزال معك من الله ظهير -أي: نصير- وكأنما تسفهم المل﴾ أي: كأنما تحرقهم بالرماد الحار.
فوصيتي لك أن تصل رحمك، وأنت سوف تقف أمام الله باكياً نادماً مثبوراً إن لم يتداركك الله برحمة منه.
стр. 4207
طريقة إحياء الزواج المشروع
السؤال الثاني: أرجو أن توضح لنا كيف يستطيع الزوج إحياء ليلته بفرحه بمثل هذه الليلة المباركة خصوصاً إذا عرف أنه لا يتيسر لكل شخص أن يجد طلاب العلم أمثالكم؟
الجواب
ولو لم يكن لصاحب هذا الزواج إلا وجود مثل هؤلاء الناس، لأنهم صفوة المجتمع، لأنه لا يحرص على مجالس الخير إلا صفوة الناس، فمجالس الشيطان يحضرونها حثالة الناس، رأى عمر بن الخطاب ﵁ سارقاً ووراءه قوم من الناس يصيحون بالسارق، قال عمر: [[قبح الله هذه الوجوه لا ترى إلا في الشر]] لأن وجوه أهل الخير تجتمع في مجالس الذكر، ففرصة لهذا المتزوج أن يستضيف هؤلاء الأخيار، أهل الصدق مع الله، أهل السنة، وأهل الخير والفضل، فوجودهم ودعوتهم له تعادل الدنيا وما فيها، يوم ندعو نحن ويقول الناس: آمين.
تعادل الدنيا وما فيها، فليحرص الإنسان على مجالس الذكر مثل هذه؛ لأن الملائكة تحف مجالس الذكر، وتتنزل عليه السكينة، والرحمة تغشاه، والله يذكرهم فيمن عنده، فهي من أعظم الفرص، هذا نموذج للزواج الحي الإسلامي، لكن الزواج الجاهلي لا يذكر فيه اسم الله، بل يحضره الشيطان ومعه جنوده من الراقصين والمغنين والمطبلين وغيرهم من أتباعه: ﴿قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَشْرَبَهُمْ﴾ [البقرة:٦٠] وأهل الخير ومجالسهم فيها قال الله قال الرسول، ومجالس أهل الشر قال الشيطان، وقال فلان، ويحسن بالإنسان أن يستدعي طلبة العلم وهم متواجدون في كل مكان، المعاهد العلمية، هيئة الأمر بالمعروف، والدعوة، والقضاة، كلهم فيهم خير، يجمع مجموعة من الناس، ويتحدثون بكلام طيب ولا يشترط أن يحضر مكروفون، وأن يرفع المحاضر صوته، وأن يهز يديه الاثنتين، هذا لا يشترط، بل إذا حضروا في المجلس يتكلم هذا بكلمتين وهذا بكلمة طيبة، وهذا بحديث، وهذا بآية؛ لأن الناس لا تغلق أفواههم وألسنتهم، لا بد أن يتحدثوا، والمجالس إما أن تشغل بالخير وإلا أتى الشيطان يشغلها بسوء، إما أن يتكلموا بقال الله، وإما تكلموا بالغيبة والنميمة وبغض واستهزاء يغضب الله تعالى، فإذا استطاع الأخ أن يجمع من هؤلاء فطيب وحسن.
وفكرة أخذ الكتيبات والأشرطة الإسلامية وتوزيعها وإهداؤها بين الأحبة والوفود من أحسن ما يكون؛ لأنها أصبحت وسيلة ناجحة للدعوة.
стр. 4208
ميراث المرأة بين الشرع والجاهلية
السؤال الثالث: كثير من القبائل يعيبون على المرأة إذا أخذت ميراثها من عند أهلها ويقطعونها، نرجو التوجيه؟
الجواب
من يفعل ذلك قطع الله حبله؛ لأنه عارض الكتاب والسنة، والله كتب لها في القرآن ميراث، امرأة مخلوقة لها حق: ﴿لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾ [النساء:١١] حتى يقول بعض العلماء: [[إن الله لم يترك تقسيم الفرائض لأحد من الناس بل قسمه بنفسه ﵎]] الله من فوق سبع سماوات هو الذي قسم المواريث، لهذا السدس، ولهذا الثمن، ولهذا النصف، ولهذا الثلثين، فيأتي الناس يقولون: عيب أن تذهب المرأة إلى أهلها حتى تأخذ حقها! فيحرمون حقها من أبيها، هذا من الجاهلية: ﴿حُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْماً لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ [المائدة:٥٠] ومن يفعل ذلك فقد حارب الله، وعارض شريعة الله! وليس بعيب على المرأة أن تذهب إلى إخوانها إذا احتاجت.
ولو أخذنا على نظام الجاهلية هذه، وقلنا: لا يجوز أن تأخذ حقها من أهلها، هل كل النساء لها ولد، أو زوج يرعاها؟
كثير من النساء يرميها ولدها، وقد رأينا قضية أن بعض الأبناء ضرب أمه سبع مرات، حتى تدخل الأمن ورجال الشرطة، وسحبوا هذا الابن الفاجر وضربوه بالمداسات؛ لأنه بلغ إلى هذا المستوى، ووجد من الأزواج من إذا صارت زوجته عجوزاً وأصبحت متعته شهوانية كأنه في شريعة الغابة والبهائم وما أصبح له بها حاجة، طلقها، لأنها أصبحت عجوزاً وأحرمها ميراثها فتذهب لا تجد أهلاً، وإذا ذهبت تطلب بيتاً تسكن فيه من أهلها وإخوانها، قالوا: لكل واحد منا بيت ومزرعة وأنت ليس لك شيء وهذا عيب! فأين تذهب؟
سبحان الله! هذه شريعة لا توافق عليها حتى الأمم الكفارة، حتى اليهود والنصارى، للمرأة أشياء محددة، والحمد لله هذه الظاهرة بدأت تخف وتقل؛ لأن الناس صحوا وعادوا إلى الله، وأصبح عندهم رشد، وأصبح فيهم عقلاء، والذي يخالف هذا ففيه سفه، وأسأل الله أن يهديه سواء السبيل.
стр. 4209
أحوال الناس بعد سماع المحاضرة
السؤال الرابع: كثيراًَ ما يحضر أبناء المنطقة مثل هذه المحاضرات، فتجدهم قلوب خاشعة وآذان صاغية، ولكن حين مغادرتهم للمحاضرة تجدهم يعودون إلى غيهم، وتشاجرهم، وحسدهم على لا شيء، ماذا تقول لهم؟
الجواب
لا شك أن من يحضر المحاضرة ويسمع الذكر، تحف به الملائكة، وتتنزل عليه السكينة، وتغشاه الرحمة، ويكون قلبه قريباً من الله، لكن إذا خرج تعرض له شياطين الإنس والجن، نظره وأذنه ولسانه تعصي الله، ولا شك أن القلب يتغير، كما قال حنظلة لما أتى إلى رسول الله ﷺ ، وقال: نافق حنظلة يا رسول الله! قال: ولم؟ قال: نكون معك فتحدثنا عن اليوم الآخر، فنرى الجنة والنار كأنها رأي العين، فإذا عدنا لعبنا ونسينا وغفلنا، فقال ﵊: ﴿والذي نفسي بيده لو كنتم كما تكونون عندي، لصافحتكم الملائكة في الطرقات، ولكن ساعة وساعة، ساعة وساعة، ساعة وساعة﴾.
ولكن لابد أن تربي نفسك تربية إسلامية، وتجتنب المعاصي، وتتوب إلى الله، وتعرف من تجالس، وتسد عن أذنك المعصية، وعن عينك التطلع إلى عورات المسلمين والنظر إلى ما حرمه الله، وعلى لسانك ما يغضب الله ؛ فهذا هو الدين، وهذا هو مفهوم قول الله : ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢].
стр. 4210
الحجاب الإسلامي
السؤال الخامس: نرجو التكرم بالتحدث عن الحجاب، علماً بأن كثيراً منا يعملون في الزراعة والأعمال الزراعية؟
الجواب
الحجاب الإسلامي: أن تغطي المرأة ما ظهر من زينتها، وأعظمها: الوجه والكفين، لا كما يقول بعض الناس: إن الوجه والكفان ليس من الزينة، ولها أن تخرج الوجه والكفين وهذا خطأ، فالوجه والكفان لا بد أن تسترهما وأن تكون محتشمة، وهناك ظاهرة موجودة في بعض القرى وهي أن المرأة تظهر على حميها -أخو زوجها- وقريب زوجها، وهذا محرم في الشريعة، قال ﷺ وقد سئل عن الحمو فقال: ﴿الحمو الموت﴾.
لا يجوز لأخي الزوج أن يختلي بزوجة أخيه، وبعض الأقارب يخرجون في رحلة فيجلس الأجانب والأجنبيات يتضاحكون، ويسمرون ويمزحون وهذا خطأ ومحرم، فالواجب أن المرأة تبقى محتشمة، والمحارم لها هم سبعة في كتاب الله تعالى، ليس لها غير ذلك، أما ابن عمها، وابن خالها فليسوا بمحارم، والمحارم في الشريعة معروفون.
ثم أقول: أما ما ذكر الأخ من مزارع فلا بأس أن المرأة إذا خرجت المزرعة وكان الأجانب بعيدون أن تكشف وجهها وتحصد وتساعد زوجها على أني أنادي بتخفيف المؤونة على المرأة؛ لأنه وجد ضرر على النساء، فإن عملها في البيت وفي المزرعة، وتكليفها أكثر من طاقتها، والمرأة ضعيفة تعاني الحمل والولادة والرضاعة، والغسل والطبخ والكنس والقيام على شئون البيت، ثم تحول ذلك إلى عاملة في المزرعة، هذا فيه مشقة، ولا يكلف الله نفساً إلا وسعها، فإذا نزلت المرأة فلا بأس أن تساعد زوجها وتكشف عن وجهها لترى وتبصر، بشرط أن يكون الأجانب بعيدون عنها أما إذا اقترب أجنبي أو رأت شخصاً نزل من طريق فعليها أن تستر وجهها، هذا إن شاء الله هو الأقرب إلى السنة.
стр. 4211
علم السلف وعلم الخلف
تهدف المحاضرة إلى بيان أفضلية علم السلف على علم الخلف، وقد ذكر الشيخ أخطاء المتأخرين باهتمامهم بالجزئيات، وابتكارهم لعلومٍ لا حاجة لها، بل بعضها مضرتها أكثر من نفعها، وكذا تعصبهم وبعض مزالقهم وألقابهم العلمية، وانتقد كل ذلك بأسلوب شيق.
ثم تحدث عن أصالة علم السلف ويسره وسهولته، ثم انتقل إلى بيان اهتمام السلف بالمقاصد والغايات، كما أثنى على واقعية علومهم وعدم تجشمهم الإجابة على المسائل الافتراضية التي لم تقع.
ثم ذكر بعض الوسائل التي تحفظ العلم، وأسهب في الكلام عن المذاهب والاختلاف والجوانب والسلبية في ذلك.
стр. 4212
فضل علم السلف
الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له.
وأشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.
أمَّا بَعْد: فسلام الله عليكم ورحمته وبركاته.
عنوان هذا الدرس: علم السلف وعلم الخلف، وانطلق هذا العنوان ليرد على مقولة صنفها الفلاسفة والمناطقة، وأهل علم الكلام، يقولون فيما نقل عنهم شيخ الإسلام ابن تيمية: طريقة السلف أسلم، وطريقة الخلف أعلم وأحكم؛ طريقة السلف أسلم، لأنهم في معتقد هؤلاء وعلى زعمهم يتوقون الدخول في المعمعات وفي المسائل المشكلات، ولا يستطيعون أن يخوضوا غمار المسائل العلمية التي تتساقط فيها عمائم الأبطال، وتتكسر فيها النصال على النصال، فهؤلاء المناطقة والفلاسفة مثل من يقول: السلف قومٌ مساكين، لا يدخلون في هذه الغمار، ولا هذه البحار، ولا يعبرون هذه المحيطات التي نعبرها نحن، فطريقتهم أسلم وطريقتنا أعلم وأحكم.
والرد عليهم بإيجاز أن يقال: طريقة السلف أسلم وأعلم وأحكم، وطريقتكم أغشم وأظلم وأسقم، وما وجد عند السلف إلا الأصالة والعمق واليسر، ووجد عند الخلف إن لم يكن عند السلف وجد عندهم علم (القِدْر) لأن العلم علمان:
علم قبر، وعلم قِدر؛ فعلم القبر هو الكتاب والسنة الذي يوصلك إلى مرضاة الله والدار الآخرة، ويدخلك جنةً عرضها السموات والأرض، وتجوز به الصراط، ويسقيك من الحوض قال تعالى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ [فاطر:٢٨] ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِماً بِالْقِسْطِ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [آل عمران:١٨] وقال: ﴿هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ [الزمر:٩] وقال: ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾ [المجادلة:١١] وقال: ﴿بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ﴾ [العنكبوت:٤٩] وقال: ﴿وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْماً﴾ [طه:١١٤] وقال: ﴿وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ﴾ [العنكبوت:٤٣] وقال: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَيْلَكُمْ ثَوَابُ اللَّهِ خَيْرٌ لِمَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً﴾ [القصص:٨٠].
إلى غير ذلك من الآيات، فهذا علم القبر؛ علم ينجيك من عذاب القبر، وينوره لك.
وأما علم الخلف إن لم يكن متصلاً بهذا فهو علم قدر؛ فن الطبخ، وفن تقطيع البصل.
لأنها ألفت رسائل ماجستير في هذا العصر في فن الطباخة ونوقشت، ووجدت رسالة أخرى في فن الأزياء، وكيف يلبس النساء في الموضات الجديدة، والموديلات، رسالة ماجستير؛ فهذا علم الخلف، علم القدر، وعلم الصحن والملعقة والشوكة.
وأما علم السلف: فهو علم النجاة والنور والإيمان والاستقامة، وإذا أردت أن تلخصه فهو: الإيمان والحب والطموح.
ويوم وجد السلف كانت الدنيا مشرقة بنور العلم، ويوم أتى المتعمقون من الخلف أتت التشقيقات في الكلام حتى نسبوا إلى بعضهم أنه يتساءل ويسأل نفسه:
إذا خرجت سمكة من البحر، ثم صلت بالناس، ثم عادت، هل تجوز الصلاة وراء السمكة؟
هذه الافتراضات وغيرها هو ما نسمعه في هذه الجلسة.
стр. 4213
محاور الدرس
وهذا الدرس يدور على ست مسائل:
أولها: أصالة علم السلف؛ وهي الأصالة والعمق، وعلم الخلف؛ علم الكلام والمنطق وعلم الفلسفة.
المسألة الثانية: يُسر علم السلف، وصعوبة التحصيل عند الخلف.
المسألة الثالثة: علم السلف؛ علمٌ موجزٌ مختصرٌ غزيرٌ مبارك، وهذا في كتاب فضل علم السلف على علم الخلف لـ ابن رجب.
المسألة الرابعة: علم السلف علم مقاصد، وعلم الخلف علم وسائل.
المسألة الخامسة: علم السلف علم تطبيق وتأثر ونفع عام، وعلم الخلف علم جدلٍ وأمورٍ لا يكون لها دور في الواقع غالباً.
المسألة السادسة: علم السلف منضبط بأصول وقواعد كلية؛ وهذه من كلام ابن تيمية والشاطبي، وعلم الخلف مبعثر في جزئيات لا يكون تحت مظلة ولا قاعدة في الغالب.
قبل التفصيل سوف نعرج على أمور:
стр. 4214
أقوال نيرة في فضل علم السلف
سوف نسلم الليلة على ابن مسعود ﵁ وأرضاه ليحدثنا كيف كانوا يتلقون عن الرسول ﷺ .
ونقف مع الإمام المرتضى سيف الله أبي الحسن علي بن أبي طالب، ومدرسته في الكوفة، وكيف ألقى أول دروسه في الكوفة في الرحبة؛ وهي عاصمة العراق آنذاك.
ثم قبل ذلك نستمع إلى أنس وهو يقرر لنا كيف كان الصحابة يتلقون العلم فيحفظون ويوجهون.
أما ابن عمر فهو يعترض على أهل الرأي، وينشئ مدرسة النقل، ويحارب العقل الذي يحارب النقل؛ لما يسأله السائل عند الجمرات: أرأيت لو فعلت كذا، أرأيت لو فعلت كذا، قال: اجعل (أرأيت) في اليمن.
ثم نأتي إلى الإمام أحمد ونتساءل لماذا كره الإمام أحمد تأليف الكتب؟! وتصنيف المصنفات؟! والتوسعة في الشروح؟!
حتى قال له سائل: أكتب رأي إسحاق بن راهويه وابن المبارك والأوزاعي؟
قال: لا، اكتب الحديث، وخذ من حيث أخذ القوم.
وقال ابن القيم في إعلام الموقعين: كره الإمام أحمد تأليف الكتب.
ونتساءل معه: يا إمام أهل السنة! والجماعة، يا أبا عبد الله، يا أيها النور المشرق، يا أيها المجدد الكبير! لماذا ألفت أنت المسند وكرهت للناس أن يؤلفوا الكتب؟!!
هي وقفة مع الإمام أحمد.
أما الشاطبي فيقول في أول الموافقات: كتب المتقدمين أنفع من كتب المتأخرين، وهو يقول عن نفسه: أنا لا أقرأ في فقه المتأخرين.
حياك الله أيها الشاطبي من عقلية باهرة، توازن عقلية شيخ الإسلام ابن تيمية.
وفي الشاطبي هذا شيء عظيم؛ الشاطبي هذا صخرة الوادي:
أنا صخرة الوادي إذا ما زوحمت وإذا نطقت فإنني الجوزاء
ومن شاء أن يقرأ عمق الرجل، وأصالته وروعته وإبداعه فليقرأ الاعتصام والموافقات، كتابان اثنان.
قال رشيد رضا؛ الكاتب المتأخر، تلميذ محمد عبده؛ المتأخر المصري الإمام في التفسير قال: دخلت المكتبة في القاهرة فكم من كتب وقعت عيني عليها، فما رأيت بعد الكتاب والسنة إلا كتابين اثنين هما: الموافقات والاعتصام للشاطبي، فتذكرت قول الأول:
سامحن بالقليل من غير عذلٍ ربما أقنع القليل وأرضى
أو قول الآخر:
وقد كانوا إذا عدوا قليلاً فقد صاروا أقل من القليل
стр. 4215
التعصب المذهبي والجهل بالحديث
وبعد ما انتهينا من الشاطبي، نأتي إلى التعصب المذهبي، ونسأل الذي كسر إصبع أخيه المسلم يوم أشار بها في الصلاة؛ لأنه لا يرى الإشارة بالسبابة في الصلاة؛ فكسر إصبعه: لماذا كسرت إصبعه؟!
ثم نسأل الحنابلة: لماذا يتضاربون بالأحذية في سوق بغداد من أجل التعصب المذهبي؟!
ونسأل كذلك الوزير الخادم مرجان العباسي يوم يقول: أنا مقصودي أن أقتلع المذهب الحنبلي.
ورد ابن الجوزي وابن هبيرة عليه.
ثم نسأل الذين يقولون: الرأي الصحيح ما ذهب إليه الأحناف، لكن ننتصر لمذهبنا رياضةً وتقليداً، لماذا والحق أحق أن يتبع؟
عدم معرفة بعض الفقهاء بعلم الحديث؛ أليست مصيبة!! نعاها ابن تيمية للمسلمين!
يأتي محدث فيقول في أول الكتاب، وهو في كتاب من كتبنا نحن الفقهاء، أو نحن أهل هذه البلاد: ﴿أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم﴾ وهو حديث موضوع.
فرحم الله ذاك العالم، هل سأل نفسه أن هذا حديث موضوع؟!
أو عالم آخر يأتي في كتاب الطهارة بأول حديث: ﴿أن الرسول ﵊ قال لـ ابن مسعود في ليلة الجن أمعك ماء؟ قال: معي نبيذٌ.
قال ﵊ ثمرة طيبة وماء طهور﴾ واستدل به هؤلاء في كتبهم، والحديث باطل من أصله، لم يكن ابن مسعود مع الرسول ﵊ ليلة الجن.
ثم نأتي كذلك إلى عدم معرفة بعض المحدثين للفقه والاستنباط من الدليل، محدثٌ يروي حديثاً واحداً من أحد عشر طريقاً؛ حديث عائشة وهو في صحيح البخاري وصحيح مسلم: ﴿كان ﷺ يخرج لي رأسه من المسجد وأنا حائض، فأرجل رأسه﴾ يُسْأَلُ هذا العالم فيقال له: هل يجوز للحائض أن تمس الرجل؟
قال: لا أدري؛ اسأل أبا حنيفة الذي يقول إنه يفهم علم الأولين وعلم الآخرين.
فذهب الرجل إلى أبي حنيفة فقال: نعم يجوز للحائض أن تمس الرجل، حدثنا الذي أرسلك عن فلان عن فلان عن عائشة أنها قالت: ﴿كان رسول الله ﷺ يخرج لي رأسه من المسجد فأرجله وأنا حائض﴾ فانظر كيف خفي الاستنباط والمقايسة في المسائل على هذا المحدث، وظهر لذاك؛ مع العلم أن هذا بارع في الحديث وذاك بارع في الفقه، وهذا ليس له باع في الاستنباط وذاك ليس له باع في الحديث.
ثم مجلس مع أحد الخرافيين عند ابن تيمية في الإسكندرية ومع أخيه عبد الله وقد ادعى العلم، وسوف يندد به ابن تيمية وأخوه ويضحكان عليه في المجلس.
стр. 4216
أصالة علم السلف
أما أصالة علم السلف فهذا أمر كالشمس:
قد تنكر العين ضوء الشمس من رمدٍ وينكر الفم طعم الماء من سقم
السقيم هو الذي يقول: إن علم السلف ليس أصيلاً، والسقيم هو الذي لا يفهم علم السلف؛ أصالة علم السلف تأتي من الكتاب والسنة، يتوضأ الصحابة والتابعون ويجلسون في حلقات، ويحتبون بأيديهم على أرجلهم، ولا قلم، ولا دفتر، ولا مسطرة، ولا سبورة، ولا طباشير، ويبدءون يتساءلون قال الله وقال رسوله، ويقول مصنفهم ومؤلفهم:
العلم قال الله قال رسوله قال الصحابة هم أولو العرفان
ما العلم نصبك للخلاف سفاهة بين الرسول وبين رأي فلان
ويقول الثاني من شعرائهم:
العلم ما قيل فيه قال حدثنا وما سوى ذاك وسواس الشياطين
стр. 4217
كراهية افتراض المسائل والقول بالرأي
لا يفترضون المسائل التي لم تقع، ولكنهم يبحثون في الواقع.
وبعض الناس يسأل عن علمٍ، أو عن مسألة لم تقع، أو ربما لا تقع في مائة سنة، وهو يجهل الأمور التي تقع في كل أربع وعشرين ساعة.
جاء رجل إلى زيد بن ثابت فقال له: لو فعل رجل كذا وكذا فماذا عليه؟
قال: [[أوقعت هذه المسألة؟ قال: ما وقعت.
قال: اذهب إلى أهلك، فإذا وقعت فتعال فاسألنا فيها، لنتجشم لك الجواب]].
وبعض الناس من قلة الورع إذا عرضت عليه المسألة التي يتحرج منها، ابن عباس وابن تيمية وابن القيم طفر طفراً بالجواب أخطأ أم أصاب:
وليس بحاكم من ليس يخشى أأخطأ في الحكومة أم أصابا
قال هذا التابعي: [[لا إله إلا الله، تفتي في كل هذه المسائل؟ قال: نعم.
قال: والله الذي لا إله إلا هو، إنكم لتفتون في مسائل لو عرضت على عمر ﵁ لجمع لها أهل بدر]].
ولما أراد عمر ﵁ أن يدخل الشام (سوريا) توقف في الطريق، قالوا: مالك يا أمير المؤمنين؟
قال: [[وقع طاعون في الشام فلا أدري أأدخل أم لا، أرى ألا أدخل.
قال: استفت الناس فأتى بالمهاجرين فجلسوا قال: أسمعتم من الرسول ﵊]].
هو لا يريد المشورة، هي ليست بيع غنم، ولا مساومة كشاة الأعرابي الذي عرض شاته في السوق فقيل: بكم شاتكم؟ قال: شاتي بسبعة، وأتى لي بثمانية، فإن كنت تريدها بتسعه فخذها بعشرة، وهذه المساومة لا تدخل في العلم.
فـ عمر لم يجمع المهاجرين ليقول لهم: ماذا ترون؟ ما هو رأيك يا علي! ويا عثمان! ويا أبا عبيدة؟ يريد كلاماً مفصلاً، وإلا فرأيه وعقليته أكبر من أن تحصى؛ هو عبقري على مستوى العالم، فهو الثاني في العظماء كما قال الأعداء:
والحق ما شهدت به الأعداء
[[أتى المهاجرون قالوا: ما سمعنا شيئاً، ونفضوا ثيابهم وخرجوا من المجلس.
قال: عليَّ بالأنصار فجلسوا فقال: أسمعتم شيئاً في الطاعون من الرسول ﵊؟ قالوا: ما سمعنا شيئاً.
قال: قوموا، فنفضوا ثيابهم فقاموا.
قال: عليَّ بالأعراب وبقية المسلمين، فدخلوا، قال: أسمعتم شيئاً من المعصوم ﵊؟ قالوا: ما سمعنا شيئاً.
قال: قوموا]].
ولما أراد أن يدخل الشام على الصحيح، وإذا بـ عبد الرحمن بن عوف مقبلٌ كان أظلَّ جمله فتأخر يبحث عنه، فأقبل وقال: لماذا اجتمع المسلمون؟ قالوا: من أجل مسألة الطاعون.
قال: إن عندي فيها علماً، حياك الله يا ابن عوف! وحيا الله علمك.
[[قال عمر: ماذا سمعت من الرسول ﷺ .
قال: سمعته يقول: ﴿إذا وقع الطاعون بأرضٍ فلا تخرجوا منها، وإذا وقع في أرضٍ وأنتم خارجها فلا تدخلوا إليها﴾ قال عمر: أنت عندنا العدل الثقة]] وهذا من أوائل التجريح والتعديل في الإسلام.
стр. 4218
العلم نقطة كثرها الجاهلون
كان السلف بأصالة علمهم؛ لا يبعثرون المسائل، علمهم قليل لكنه مفيد نافع، تسأله محاضرة كاملة عن سؤال فإذا انتهيت قال: نعم.
أو لا.
فإذا قلت: ما هو الدليل؟ قال: رأيت الرسول ﷺ فعل كذا، وقال الرسول صلى الله عليه سلم كذا وكذا.
وعند السيوطي رسالة في أن العلم نقطة، قال علي ﵁ وأرضاه: [[العلم نقطة كثرها الجاهلون]] العلم قليل كالجوهر والمسك:
فإن تفق الأنام وأنت منهم فإن المسك بعض دم الغزال
الغزال دماؤه كثيرة توزن بالكيلو غرامات، لكن فيه غدة درقية يخرج منها المسك؛ فكلام الناس كدم الغزال، والمسك الذي فيه كالعلم.
ولذلك يقول حماد بن زيد: الحمد لله والشكر على كثرة العلم.
حماد بن زيد؛ من رجال البخاري ومسلم، اسمه حماد بن زيد بن درهم.
وحماد بن سلمة؛ من رجال مسلم لا من رجال البخاري.
ولذلك ترى ابن حبان ينزل نزولاً جوياً على البخاري ويقول: لماذا لا ترو عن حماد بن سلمة، والإمام أحمد يقول: لن تزيدنا الأيام في حماد بن سلمة إلا بصيرة.
ومعذرة فهذا الاستطراد لا بد منه، وهو من سير القوم!!.
اسمه: حماد بن زيد بن درهم، وحماد بن سلمة اسمه: حماد بن سلمة بن دينار.
قيل لأحد السلف: أيهما أفضل حماد بن زيد بن درهم أو حماد بن سلمة بن دينار؟
قال: الفضل بينهما كما بين جديهما في الصرف، الدينار عشرة دراهم فمن يفضل من الحمادين؟ حماد بن سلمة.
ذكر الذهبي في المجلد الثامن من سير أعلام النبلاء أن حماد بن سلمة تزوج سبعين امرأة، ولم ينجب ولداً؛ قالوا: لأنه من الأبدال والأبدال لا ينجبون.
وكان فيه تقوى من الله عزوجل، يقول الذهبي ﵀: كانت حياته معمورة بالطاعة، لا يحدث حديثاً واحداً حتى يقرأ مائة آية، وإذا جلس وحده جلس يسبح ويستغفر، وإذا مشى إلى المسجد لا يماشي أحداً من زملائه لئلا يشغلوه في الكلام.
قال حماد بن زيد ل أيوب بن أبي تميمة السختياني: كثر العلم.
وأيوب هذا علم في رأسه نار.
يقول الإمام مالك: ما كنت أظن في أهل العراق خيراً، حتى رأيت أيوب بن تميمة السختياني أتى يسلم على الرسول ﷺ ، فبكى حتى كادت أضلاعه تختلف.
كان أيوب بن أبي تميمة السختياني إذا نزل إلى السوق هلل الناس وكبروا حتى يرتج السوق؛ لأنه من الذين إذا رؤوا ذُكِرَ الله.
قال عنه ابن كثير والذهبي: إذا حدث بالحديث بكى فيمسح عينيه وأنفه ويقول: ما أشد الزكام؛ ليوهم الناس أنه مزكوم، قال ابن الجوزي معلقاً على القصة:
أفدي ظباء فلاةٍ ما عرفن بها مضغ الكلام ولا مزج الحواجيب
هذا البيت للمتنبي يقول: أفدى بروحي، وهو يفديهم بروحهم من لا يعرفون التكلف في الكلام ولا في العطاء.
أيوب هذا قال له حماد: كثر العلم يا أبا تميمة.
قال: لا والله ما كثر العلم، ولكن كثر الكلام وقل العلم.
قال ابن القيم في الفوائد معلقاً: فانظر إلى هذا الحبر، كيف فهم أن العلم قد قل وكثر الكلام.
أصالة علم السلف تنطلق من أمور؛ منها تحديد مسارهم في العلم، فهم ليس عندهم إلا آية وحديث؛ نحن عندنا علم سند، ومصطلح، وأصول فقه، وعلوم قرآن، وجغرافيا، وتاريخ، وتربية، وعلم نفس، فإذا خرج إنسان سُئِلَ في مسألة؟ قال: لا أدري، هل هي في كتاب عنترة بن شداد أو في كليلة ودمنة، أو في البخاري، أو في القرآن.
هذا علم الخلف؛ علم الخلف يدري أنه لا بد أن يشغل وقته وعمره في منتجات أسبانيا، ماذا تصدر من ككاو وأناناس؟ وما هي عاصمتها؟ وما هي المحاصيل فيها؟
هذا علم يبكي القلوب، كيف يصبر أهل الجغرافيا ولا يبكون في الفصل! نحن لا نزري بهم جزاهم الله خيراً فقد أفادونا وعلمونا أن عاصمة الكويت الكويت وتونس تونس، ولا نستهين بعلم أحد من البشر؛ فعلمهم مطلوب.
لكن المطلوب أن يكون المحور هو القرآن والسنة، وعلم التاريخ المتأخر علم جميل، سليمان فرنجية ما ندري متى ولد حتى أخبرونا في المذكرات، هذا اللبناني تولى الحكومة بعد صائب سلام، وولد في عام كذا وكذا، وهذا علم جليل شريف، وأخبرونا كذلك أن زنوبيا الزباء يأخذها من تدمر قبل الإسلام، فإذا مروا بالرسول ﷺ مروا مرور السحاب.
الرسول ﷺ ؛ ميلاده، هجرته من مكة إلى المدينة، بناته أربع، هذا رسول البشرية تتحدث عنه بهذا الكلام، معلم الإنسانية الذي يحتاج إلى مجلدات وجلسات ومصنفات تمر عليه فإذا أتيت إلى زنوبيا أخبرتنا بـ الأبرش ماذا فعل بها وماذا فعلت به، وحروب داحس والغبراء، وينتقلون عن أبي بكر وعمر وعثمان وعلي حتى يصلون إلى السلاجقة، ثم يدخل إلى هتلر والحرب العالمية، ومن يقرأ يجد بعض كتب التاريخ تتحدث في الحرب العالمية أكثر من حديثها عن الرسول ﷺ وحياته.
فلا نعيب علماً حاشا وكلا، لكن العلم إذا لم يرتبط بقال الله وقال الرسول ﷺ فهو علم قِدْر أو علم طبخ (فن الطبخ) هذا أمر.
стр. 4219
علم الكلام هو من علم الخلف
علم الخلف في أصالته ليس كعلم السلف لأنه كثر كما قلت.
قال ابن تيمية: إن الله لن يغفل عن المأمون لما أدخل في بلاد المسلمين من علم الكلام، فنحن في غنية عن علم الكلام.
أتى التتار وهاجموا بلاد المسلمين واجتاحوها فما أتلفوا لنا كتاباً.
الآن القوميون والوطنيون والترابيون يقولون: ذهب تراثنا، في نهري دجلة والفرات.
مقصودهم حتى يقال للسنة: إنها ناقصة، وإن كتب الإسلام ذهبت.
والصحيح عند المؤرخين أنه ما ذهب علينا إلا علم الكلام، انسحق في النهر، أما كتب السنة فالحمد لله موجودة، المعاجم، والصحاح, والمسانيد، والسنن، وعلم الرجال، وعلم الفقه والتفسير كلها موجودة في المكتبات.
حتى الآن اكتشف لـ ابن تيمية تفسير في بون في ألمانيا خمس مائة مجلد، فلك الحمد يا ربي ولك الشكر ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر:٩] والذكر إذا حفظ فلا يستطيع التتار ولا الأمريكان ولا الإنجليز هَدْمَة ولا إهداره ولا إحراقه، أما القوميون فيقولون ذهب، حتى إن بعضهم يقول: ما بقي من السنة إلا العشر، يا ويلك من الله! أليس الله عزوجل قد تكفل بحفظها، وما هي المخطوطات لا زالت ترد الآن وتفد وتحقق في الأسواق لكن من يقرأ.
علم الخلف علم المنطق، وهذا ذهب به المأمون فقال: من ترجم كتاباً وزنت له وزنه ذهباً، فما أمكنه الله عزوجل بل تصدى له الإمام أحمد وأحمد بن نصر الخزاعي، وهذا المشرب الصافي الثجاج، مشرب أهل السنة والجماعة ترد بدعته، وانتصرت السنة فيما بعد، وهذا له حديث خاص يعادل درس (حرب طاحنة بين السنة والبدعة) بالأمس.
أما الفلسفة فانتشرت، وهي التي دخلت بالعقل وقدمته على النقل، فأتوا يئولون الصفات، وأدخلوا علم الكلام في التوحيد، ولذلك تجد بعض الناس يرى أن علم التوحيد هو علم الكلام، حتى صاحب الطحاوية ﵀ رحمة واسعة لما أراد أن يدخل في التوحيد دخل بعلم الكلام.
علم التوحيد علم قال الله وقال رسوله ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه:٥] تكفي، ما يأتي بعلم المتأخرين ثم الردود عليهم، لا خارج العالم ولا داخله، ولا متصل ولا منفصل، ولا جوهر ولا عرض.
صحيح أن في الرد عليهم كما فعل ابن تيمية فائدة، أما تدريس أبناء المسلمين فلا يدرس علم الكلام.
стр. 4220
يسر علم السلف
الثانية: يُسر علم السلف.
قال : ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ﴾ [القمر:١٧] الآن صعبوا علينا العلم، الإنسان منا يدرس أربع عشرة سنة أو ست عشرة سنة أو عشرين سنة فإذا تخرج قال له الأستاذة والدكاترة: إن العلم لا زال بينك وبينه مراحل، أنت الآن أعطيت مفاتيح العلم؛ لكن لا بد أن تحضر الماجستير، ثم بعد الماجستير الدكتوراه، ثم تحصل بحثاً وتحققه، ثم تقابل بين المخطوطات لأنك الآن ما تحقق النص تحقيقاً كما في الأصل، وطبعة بولاق، وطبعة دار الشروق وضاعت الأمة.
стр. 4221
عدم التكلف والالتزام بالشرع
الصحابة يتعلمون عشر سور فيذهبون في البوادي فيحي الله بهم أمماً وشعوباً وأجيالاً.
أخوك عيسى دعا ميتاً فقام له وأنت أحييت أجيالاً من الرمم
أتطلبون من المختار معجزةً يكفيه شعبٌ من الأموات أحياهُ
يقول البراء بن عازب: [[أرسلني ﷺ داعية إلى غدير الخضمات لأعلم الناس، وأنا أحفظ من سورة ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ [الأعلى:١] إلى سورة الناس]].
لكن الآن الطفل الذي يلعب الكرة ولا يصلي العصر في الشارع يحفظ خمسة عشر جزءاً، والسر؟ أن الإمام مالك روى في كتابه الموطأ عن ابن مسعود، قال: [[إنكم في زمانٍ كثيرٌ فقهاؤه قليلٌ خطباؤه، كثيرٌ من يعطي، قليلٌ من يسأل، وسوف يأتي زمان كثير خطباؤه قليل فقهاؤه، كثير من يسأل قليل من يعطي يحفظون حروف القرآن ويضيعون حدوده]].
الصحابة يوم أرسلهم ﷺ دعاةً ومعلمين كان عندهم شيء قليل؛ لكن بارك الله فيه بالإخلاص، بقيام الليل، بكثرة الدعاء، بالابتهال.
أرسل صلى الله عليه س وسلم معاذاً إلى اليمن فكان معه كما في المسند ما يقارب مائة وثلاثين حديثاً، وأرسله وهو شاب فجعله ﷺ قاضياً من القضاة الكبار، وما درسه حتى يأخذ الماجستير والدكتوراه.
стр. 4222
عظم المصطلحات وقلة العلم عند الخلف
الدكتوراه كلمة نمساويةمعناها (كبير التوراة) (دك) كبير، (توراة) التوراة؛ وهي لغة يهودية صهيونية عالمية، تعني أكبر الناس في التوراة، أو عالم التوراة، ثم نقلت إلى الشرق الأوسط فأصبح إذا تشرف الشيخ الذي يقرأ البخاري ومسلم لا يتشرف حتى يقول: يا دكتور، يا كبير أهل التوراة، هذه كلمة ولكن تحتاج إلى عراك ليسمى الإنسان عندنا بالأسماء الشرعية، إما حافظ، أو إمام، أو شيخ، أو مخرف على هذه التسميات كما فعل السلف الصالح يسمون العالم عالماً، وإماماً، وشيخ الإسلام، والحافظ، والعلامة، وطالب علم، وداعية، ويسمون يعقوب بن الوليد المدني صاحب الحديث الذي في الدارقطني الحديث الموضوع: ﴿أول الوقت رحمة الله، وأوسطه عفو الله، وآخره رضوان الله﴾ قال الإمام أحمد: في سنده يعقوب بن الوليد أحد الكذابين الكبار، وقال أبو حاتم: جبل من جبال الكذب، أول ما تسمع كلمة جبل تهتز ثم يقول: من جبال الكذب، هذا أمر بارك الله فيكم ينبغي أن ينبه إليه.
فيسر علم السلف هو الذي هدانا إلى هذا الكلام، ولذلك ترى بعض الناس يهوش ويشوش على الطلبة لفصلهم عن العامة، وهي خطة ماسونية، فإذا قيل لطالب العلم من الشريعة وأصول الدين: فلان! علِّم العوام في هذه القرية الفاتحة والوضوء والصلاة، تكبر ورفض وقال: أنا أعلمهم الوضوء! يبحثون عن أمثالهم، أنا لا أعلِّم إلا أسساً منطقية في العلم، ديكتاتورية الدعوة، من أين تنطلق! ومن أين تنبثق! وما هي الأطر التي تنصهر فيها، والبوتقة التي تنصب فيها! فهذه بارك الله فيكم خطة الماسونية، وقد قرأت مذكرات يقولون: إن من الخطط الماسونية التي قدمت إلى الشرق أن يؤتى بطلبة العلم فيعجبون بأنفسهم، أو يرفعون عن طبقة العامة، لو ذهب إنسان للغرب إلى بريطانيا وفرنسا وأمريكا أعطي رسالة ماجستير ودكتوراه، فإذا دخل عندنا هنا قالوا: حضر في بريطانيا رسالة الدكتوراه؛ سبحان الله في بريطانيا، فتأتي تسأله فلا يعرف الفاتحة، ولا يعرف ﴿وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ﴾ [التين:١] ولا يعرف ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص:١] ولا حديثاًَ واحداً من صحيح البخاري، وأين النظارات يا شيخ، وأين هذه الأبهة، وأين الكنبات، وأين الرحلة والتذكرة والذهاب والإياب، قال: تعلمت العلم في أمريكا وفي بريطانيا، هم بأنفسهم في منشوراتهم لا يعترفون بهذه الرسائل، فخذوها قاعدة، وهي أن الأمريكان لا يعترفون بالدكتوراه ولا بالماجستير، علماؤهم في جامعاتهم ما عندهم إلا شهادات مبدئية، ولكن هم أساطينهم.
أما عندنا فأصبح الأمر بالعكس فيقال: دكتور يعلم العجائز الفاتحة، دكتور يذهب يعلم الناس الغسل من الجنابة، لا لكن الدكتور له محاضرات خاصة، لما توفي الخليل بن أحمد الفراهيدي، وكان من أذكياء العالم، وهو من الزهاد العباد الكبار، وكان يدخل عليه ابنه وهو يقول: تن تن، تن تن، تن تن، فذهب الولد إلى أمه وقال: جُنَّ أبي، أصابه الصرع، وقد ذهب عقله، قال الخليل بن أحمد:
لو كنت تعلم ما أقول عذرتني أو كنت أجهل ما تقول عذلتكا
لكن جهلت مقالتي فعذلتني وعلمت أنك جاهلٌ فعذرتكا
دخل المسجد وهو يفكر في مسألة قال: لأضعن كتاباً في الحساب تذهب الجارية إلى البقال فلا يظلمها بدرهم، فاصطدم بالسارية فكان الخطأ منه فمات؛ رئي في المنام قالوا ما فعل الله بك؟ قال: ما نفعني علم العروض ولو مثقال ذرة، ولكن أدخلني الجنة لأني كنت أعلم عجائز في قريتنا سورة الفاتحة.
عجائز يستدعيهن في الصباح مع إطلالة الفجر، فيبدأ يا خاله! اقرأي بسم الله الرحمن الرحيم، يا عمَّه قولي الحمد لله رب العالمين، فأدخله الله الجنة بهذا، أما علم العروض فسواءً وضع بحوراً أو لم يضع فـ أهل السنة هم أهل السنة، والسماء هي السماء، والأرض هي الأرض:
الليل ليل والنهار نهار والأرض فيها الشمس والأقمار
стр. 4223
علم السلف علم مقاصد وعلم غيرهم علم وسائل
هذا يسر علم السلف وصعوبة علم الخلف.
الآن تعال إذا أردت أن تدرس الحديث، تحتاج إلى أن تعرف الغريب في الحديث، مثلاً في البخاري في باب السترة يقول النبي ﴿كمؤخرة الرحل﴾ فتبحث عن معنى مؤخرة الرحل؟ يوماً ونصف أوثلاثة أيام، ثم تأتي إلى رجل فلا تدري هو ضعيف أم صحيح، فتبحث عنه، ثم تأتي بالحديث ثم طرق الحديث ومن رواه غيره ثم شرح الحديث، ولا بد لشارح الحديث من أصول فقه، ثم الآيات ولا بد للآيات من تفسير وعلم قرآن، وهكذا.
قال ابن القيم في إعلام الموقعين: فنأتي إلى النصوص بأفكار كالة.
ويعجبني الغزالي في بعض نظراته، وأنتم كذلك يعجبكم إحياء علوم الدين، يقول: مثلاً الذي يتكلف الوسائل في العلم، يعيش دائماً مع الوسائل، مصطلح حديث دائماً، ما وصل النص أبداً ولا وصل إلى المتن، يصل إلى أبي هريرة ويرجع، يصل إلى ابن مسعود ويعود، دائماً في المعضل والمنقطع والمعلق حياته هي علم وسائل.
قال الغزالي: مثل الذي يشتغل بالوسائل عن المقاصد كمثل رجلٍ ذهب يحج إلى البيت الحرام؛ فلما أصبح في الطريق لدغته عقرب، فأخذ العقرب فقتلها قال: ليته ذهب إلى الحج وانتهى، لكن أتى إلى الصخرة فقلع كل صخرة وأخذ يقتل الحيات والعقارب، فحج الناس وعادوا فقيل مالك؟! قال: لدغتني عقرب فأنا أقتل هذه العقارب والحيات.
قال: فهذا مثل إنسان اشتغل في الوسائل، مطلوب من الوسائل إصلاح اللفظ في اللغة من النحو، ومعرفة علوم الحديث، لتصل إلى قال الله وقال الرسول ﷺ ، البعض يبقى عشرين سنة يدرس أصول الفقه، ويشغل كل حياته ووقته فيه، ولا يصل إلى القرآن والحديث، وهذا عيب فأصول الفقه وسيلة يفهم بها الكتاب والسنة.
стр. 4224
علم السلف مختصر مبارك
علم السلف علم موجز مختصر غزير مبارك، وعلم الخلف كثير متشعب لا ينطوي تحت مظلة.
تعال معي إلى النص من الرسول ﷺ ، في مسألة ناقشها السلف الصالح أعرضها للفائدة، في صحيح مسلم عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ﴿الماء من الماء﴾ أي لا يغتسل الجنب إلا إذا أنزل منياً، فلا يجب الغسل بالماء إلا إذا أنزل ماءً، وبهذا أفتى كثير من السلف، حتى جاء الناسخ من حديث أبي هريرة ﴿إذا جلس بين شعبها الأربع فقد وجب الغسل﴾ وهذا نسخ اتفق عليه الناس.
أتى المتأخرون؛ فأتوا تكلموا عن الماء، ومصدر الماء، ومن أين أتى الماء؛ ولماذا نسخ هذا الحديث، ثم تكلموا في الحديث الآخر، ثم أتى صاحب المتن فكتب شرحاً وحاشية على الشرح، وأتى الثاني فاختصر الحاشية، فلما اختصره في مختصر المسألة شرحها الآخر، ثم اختصرها الذي بعده هذه الحواشي فيها خير، أنا لا أقول هذا الكلام من كيسي، يقول الشاطبي ﵀ رحمة واسعة: أنا لا أقرأ إلا للمتقدمين -القرن الرابع، الثالث، الثاني، الأول، أما من يأخذ الفقه الآن مثل هذا القرن فإنه يسير في مسائل وارتباكات إلا في مسائل جديدة لم يخضها السلف؛ مثل مسألة الصرافة، البنوك الربويه، السفر إلى الخارج، طفل الأنبوب؛ هذه مسائل تؤخذ من الخلف أما المسائل المؤصلة التي بحثها السلف فخذها من السلف.
أقول: علم السلف علم موجز مختصر غزير، ولكن علم الخلف كثرة الكلام، تجد بعض كتب الفقه مجلد كامل وتبحث فيه فلا تجد آية ولا حديثاً، ولكن تجد قال أصحابنا الخراسانيون، وقال فلان من أصحابنا المتأخرين، ورد عليهم المتقدمون، وقال خصومنا، قال خصومنا ورددنا عليهم، هذه الكتب تحتاج إلى دليل وإلى اختصار لتكون مباركة.
وهذه الجلسة مفتوحة لطلبة العلم لمن أراد أن يناقش، أو يرد، أو يحاور؛ لأن المجلس عندنا شورى.
стр. 4225
علم المقاصد ثلاثة: تفسير وفقه وحديث
والمسألة الرابعة: علم السلف علم مقاصد، وعلمنا علم وسائل.
علم السلف يدور على ثلاثة فنون:
علم التفسير والفقه والحديث، ولو كان يطاع لقصير أمر، لما كان في الكليات وفي المعاهد إلا علم التفسير والفقه والحديث، لكن توضع للتفسير محاضرة، وتوضع للثقافة محاضرتان، وللتربية ثلاث، ولعلم النفس محاضرتان، ونحن لا نقول تلغى، لكن العلم هو التفسير، والحديث والفقه، فهذه ثلاثة علوم تدار حولها العلوم، فإشغال الطالب بتسع مواد أوعشر يجعله يأتي فاتر البال، كالَّ الذهن، يذاكر في الامتحانات لأجل الاختبار؛ فيبدأ يخطط تحت كل كلمة ثلاثة خطوط، وينعس فإذا أتى الصباح امتحن وسلم الورقة وخرج، فلا وصل إلى تفسير ابن كثير، ولا إلى كتب ابن تيمية، ولا إلى البخاري.
علم السلف يدور حول ثلاثة علوم؛ علم التفسير وعلم الفقه وعلم الحديث.
стр. 4226
البخاري وعلم المقاصد
يقول ابن حجر: العلوم أصولها: تفسيرٌ وفقهٌ وحديث، والبخاري ضرب في كل علم بسهم.
فهو يبدأ معك في التفسير، فيصدر الكتاب بآية ثم يفسر الغريب فيها ثم يأتي بالحديث، وهذا هو علم المسلمين، فحبذا أن يكون طالب العلم يومه ونهاره حول هذه الثلاثة العلوم، أو يكون له ثلاثة أيام من الدهر يوم التفسير يبحث فيه كتب التفسير، ويوم الفقه يعيش مع الفقهاء، ويوم الحديث يعيش مع المحدثين؛ لأن أصالة المسلمين في المحدثين والفقهاء والمفسرين، أما البقية فعلم وسائل تندرج تحتها، وإن قصرت فيها فتعذر، غير أنك لا تعذر حين تقصر في التفسير والفقه والحديث، هذه وصية ونصيحة وتجربة.
إن على طالب العلم أن يركز على هذه المقاصد، التوحيد يدخل في الفقه والتفسير، وهو ليس علماً مستقلاً، ما أكثر التشقيق والتقعر في مسألة التوحيد! حتى أن الذهبي كان يلوم الذين يزيدون على النصوص، ففي نصٍ رواه أحد العلماء يقول: الله ربنا مستوٍ على العرش، وزاد بعضهم وقال: بذاته، قال الذهبي: قلت: هذه من كيس عفان والسلام، من أين أتى بذاته، التوحيد يمرُّه السلف كما جاء خاصة الأسماء والصفات معتقدهم أن يثبتون روح النص، ولذلك لاموا ابن حزم الظاهري ﵀ في أول المحلى يوم أتى إلى التوحيد فشرح، وأتى يستنبط، وأتى إلى الفرعيات فجمد على الظاهر ونفى القياس، قالوا: سال في موضع الجمود وجمد في موضع السيلان.
стр. 4227
علم التوحيد داخل في علم المقاصد
فعلم التوحيد يؤخذ من الحديث والفقه والتفسير، فإذا قيل لك: الرحمن هل استوى؟ فلا تقل: قال فارابي، ورد عليه ابن سينا، فهذا علم القِدر، بل قل: قال : ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه:٥] وقال ﷺ في الصحيحين: ﴿ينزل ربنا إلى سماء الدنيا﴾ نزولاً يليق بجلاله.
هل لربنا يد؟ تجيب بالآية وبالحديث.
هل يعجب ربنا من شيء؟ نعم، لقوله ﷺ في جامع الترمذي: ﴿يعجب ربك من العبد إذا قال: اللهم اغفر لي ذنوبي فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت﴾.
كثرت الوسائل في علم الخلف وقد أسلفت هذا، وكثر الكلام حتى كثرت الكتب على طلبة العلم، وأصبح الواحد منهم في بيته من الكتب والمجلات والجرائد والمصنفات ما الله به عليم، فإذا سألت فبعضهم عرف عنوان الكتاب، ومن ألفه، ومن حققه، لكنك إذا دخلت به في الصفحات الأولى لا يعرف شيئاً.
والعلم ليس بكثرة الكتب، ولا بكثرة الرواية، بعض طلبة العلم عنده عشرات الكتب لكنه قرأها، وأخرج كنوزها، وفجر أنهارها، وأنبت أشجارها، وفهمها، وحفظها، فهو العالم حقاً.
وبعض طلبة العلم عنده مجالس ومجالس من الكتب لكنه:
لعمرك ما تدري الضوارب بالحصى ولا زاجرات الطير ما الله صانع
وهذا نشكو حالنا إلى الله من كثرة الإعياء، وكثرة ما ورد في الساعة عند المسلمين مع قلة الجودة في العطاء.
стр. 4228
علم السلف تطبيق وعمل
المسألة الخامسة: علم السلف تطبيق وتأثر وخشوع وخشية ونفع عام.
يطلبون العلم لوجه الله، ويطلبون العلم الواقع، ولا يشتغلون بعلمٍ لم يقع، كأن يقال مثلاً: لو قال رجلٌ لامرأته لو طرت فأنت طالق، فطارت فطلقت، أو لو سافرت امرأة من قبرص إلى إندونيسيا في الجو فوقعت في البحر، وقال لها زوجها إن وقعت في البحر فأنت طالق: على أو قال إن أتت الخالة وماتت قبل الجدة، هذه الأمور قد تقع لكن نسبية، حتى قالوا: إن بعض مسائل الفرائض ما وقعت في كل تاريخ الإسلام.
اشتغالنا بمسائل كهذه عن مسائل تهمنا في كل يوم وليلة عبث.
علم السلف كان علم تطبيق، عند الدارمي أن رجلاً أتى عمر ﵁ بـ صبيغ من المبتدعة، فقال: أنت الذي تعارض الآيات، قال: أريد أن أشرب.
قال: تعال، فضربه بجريد النخل حتى أدماه، وأغمي عليه, ورش بالماء فاستفاق، فضربه حتى أدماه، فرش فلما استفاق قال: يا أمير المؤمنين إن كنت تريد قتلي فاقتلني قتلاً جميلاً، وإن كنت تريد شفائي فقد شفيت والحمد لله، فـ عمر ﵁ كان يعارض هذه المسائل التي تشغل بها الأذهان ثم لا يكون لها دور.
كان يجتمع طلبة بعد صلاة العشاء، ولو اجتمعوا على صحيح البخاري أو على صحيح مسلم أو على تفسير ابن كثير، وقرأ أحدهم، وناقشوا بهدوء دون أن يخرج النقاش إلى جدل؛ لكان من أحسن ما يكون، لكن اجتمعوا بعد صلاة العشاء فقال أحدهم: الأرض تدور.
قال الثاني: لا تدور الأرض.
ثم أخذوا في حوار، ثم تضاربوا بالأحذية، ثم خرجوا وهم متضاربون.
يأتي طالبٌ يعرف أنه لا يحفظ إلا القليل من القرآن، فيقول أهل الفترة هل هم في الجنة أم في النار؟ فتقول أنت: في الجنة.
قال: لا في النار، هو متجهز لأن يعاكسك، إن قلت: في النار، قال: في الجنة.
وإن قلت في الجنة، قال: في النار.
أطفال المشركين للعلماء فيهم ثلاثة أقوال، قال: لا أربعة أقوال، فإذا قلت: قولين، قال: ثلاثة.
فهذا معناه الجدل؛ والجدل هذا ما رغبه الصحابة أبداً، وكانوا يغضبون منه، وفيه حديث حسن: ﴿ما ضل قومٌ بعد هدى كانوا عليه إلا أوتوا الجدل﴾ أي كثرة المجادلة والمخاصمة على أشياء لا تقع في الساحة، أو على تعلق بأشخاص.
فتأتي إلى المجلس، وأحدهم يقول: فلان فيه كيت وكيت، قالوا: لا، فلان إمام حافظ علامة.
والله لا يسألنا عن الناس؛ إنما يسألنا عن أنفسنا.
стр. 4229
انضباط علم السلف بقواعد كلية
المسألة السادسة: علم السلف منضبط بأصول وقواعد كلية تجمع جزئيات العلم، وعلم الخلف كثرت جزئياته على حساب كلياته.
السلف يتكلمون بالمسائل وعندهم أصول لها، وقواعد تضبطها؛ وهي من اللغة ومن القرآن والسنة، أما نحن إلا ما رحم الله فنتكلم على جزئيات ليس لها أصل يجمعها ولا كليات، ولذلك فميزة علم ابن تيمية والشاطبي الكليات، والعيب عند بعض الناس من المتفقهة أن عندهم الجزئيات لكن ليس عندهم كليات، هذا أمر.
وأما علم الخلف جزئياته على حساب كلياته كثرت لكن ليس لها كلية تندرج فيها.
قال ابن مسعود ﵁ وأرضاه فيما صح عنه: [[كنا إذا تعلمنا عشر آيات لم نجاوزهن حتى نتعلم ما فيهن من العلم والعمل، فتعلمنا العلم والعمل جميعاً]] ولذلك يقول سيد قطب ﵀: كانوا يأخذون القرآن على أنه أحكام تكليفية، وأوامر ربانية تنفذ يوماً بيوم، ثم أخذه من بعدهم كأنه كتب سمر ومتعة وقصص، يسمر الإنسان ليرى في القرآن بعض العجائب، وسوف يمر بك في القرآن الأدب واللغة والإبداع والجمال والإشراق، ولكن مقصد القرآن أن يهديك إلى الله ؛ ولذلك يقول أحد أهل العلم: أخطأ من جعل القرآن كتاب طب، فليس بكتاب طب، وليس بكتاب هندسة؛ أتدرون أن أحد الناس كتب تفسيراً وقال: في القرآن دليل أن زوايا المثلث منفرجة، قالوا: من أين أخذت هذا؟ قال: من قوله : ﴿انْطَلِقُوا إِلَى ظِلٍّ ذِي ثَلاثِ شُعَبٍ * لا ظَلِيلٍ وَلا يُغْنِي مِنَ اللَّهَبِ﴾ [المرسلات:٣٠ - ٣١] وقال الخط المستقيم هو أقرب خط يصل بين نقطتين، قالوا: من أين أخذته؟ قال: من قوله : ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ [الفاتحة:٦].
وأخطأ من جعل القرآن كتاب جغرافيا، في القرآن تضاريس، ذكر جبال وأودية وسهول لكن لم ينزل ليكون جغرافيا.
والقرآن ليس كتاب تاريخ، فيه تاريخ، لكنه نزل ليكون كتاب هداية للناس أجمعين.
قال ابن مسعود: [[كنا إذا تعلمنا عشر آيات لم نجاوزهن حتى نعمل بما فيها من العلم والعمل جميعاً]].
стр. 4230
وسائل الحفظ
يقول ابن هبيرة الوزير ﵀: العلم يحفظ بثلاثة أمور:
بالتطبيق وهو العمل به؛ إذا أردت أن تحفظ حديث الأذكار فاعمل به وكذلك أحاديث الآداب والسلوك.
المسألة الثانية يحفظ بالتأليف: أن تؤلف وتحقق مسائل وتحرر وتكتب، قال يحيى بن معين: لو لم نكتب الحديث خمسين مرة ما عرفنا من أين أصله.
المسألة الثالثة: بالتدريس؛ فإذا أردت أن تثبت المعلومات في ذهنك فإذا ذهبت في الأربعاء والخميس والجمعة إلى قريتك فكن علامة الزمان في قريتك، كن ابن تيمية، تأتيهم وتعلمهم بين المغرب والعشاء، وتأخذها فرصة منَّ الله بها عليك فتفقههم في الدين، وسوف يبارك الله في علمك، وتعود وأنت في زيادة خير ونماء.
يزيد بكثرة الإنفاق منه وينقص إن به كفاً شددتا
فبادره وخذ بالجد فيه فإن أعطاكه الله انتفعتا
وإن أعطيت فيه طول باعٍ وقال الناس إنك قد رأستا
فلا تأمن سؤال الله عنه بتوبيخ علمت فهل عملتا
وهذا من التطبيق الذي يثبت به العلم.
يقول علي ﵁ وأرضاه فيما صح عنه: [[يا طلبة العلم! اعملوا بعلمكم؛ فإن العالم من عمل بعلمه]] ليس في العلم قليل إذا عمل به، وليس في العلم بركة وكثرة إذا لم يعمل به، فالعلم مع البركة والإخلاص والخشوع والدعاء والذكر والإنابة كثير مبارك، ولا تسمع إلى أقوال المستشرقين: إن العلم ينبغي أن يكثر؛ لأن هذا ثقافة، إنما العلم المؤصل ولو كان قليلاً فإنه مبارك.
يقول أنس: [[كان الواحد منا إذا حفظ سورة البقرة وآل عمران جَدَّ فينا]] أي نبل وشرف، وكثير من الأطفال والشباب يحفظون القرآن كاملاً، أو ثلثي القرآن، أو نصفه، وليس عنده بركة؛ لأنه لم يعمل بهذا القرآن، فبركة العلم العمل به يا أيها الأبرار الأخيار.
стр. 4231
تفريع المسائل على حساب الرأي
ثم مسألة تفريع المسائل على حساب الرأي.
ألقى أحد الأساتذة درساً في الحديث؛ فلما انتهى من درس الحديث كان طالب يحب الفلسفة ويحب كتبها، يذاكر دائماً في الفلسفة، وفي كتب الثقافة، لا يعرف النصوص ولا يحبها كثيراً، فلما انتهى قال: يا أستاذ أتسمح لي أن أفلسف الدرس للطلبة؟ قال: لا دعنا منك ومن فلسفتك ومن علم ابن سينا.
فانظر كيف استحب هذا الطالب أن يفلسف الدرس، والدرس لا يحتاج إلى فلسفة، الحديث حديث، والتفسير تفسير، والفقه فقه فكيف يفلسف للطلاب؟! لأنه من يعش على كتب الفلسفة والإرتيائيين يحب هذا المنحى، بعض الطلبة إذا أصبح قال: ما عنده إلا رواه البخاري، رواه مسلم، رواه أبو داود، رواه أحمد، وهل العلم إلا هؤلاء؟ وهل العلماء إلا هؤلاء؟! وهل الدعاة إلا هؤلاء؟! فيعرف هذا.
وهي مسألة: اجعل أرأيت في اليمن، يقولها ابن عمر، وجعلت منهجاً لتقديم النقل على العقل، اجعل أرأيت في اليمن.
ومسألة: قالوا فإن قالوا قلنا، كثير من المتفقهة في كتبهم يقولون: (فإن قالوا قلنا) وهذه افتراضات وتوليدات المسائل تنفع لتفتيق الذهن وإيجاد ملكة، لكنها تستهلك الوقت، وتعدم الذكاء في مسائل ينبغي أن تفهم، فعليك أن لا تسلط على ذهنك كثيراً في مسألة: فإن قالوا قلنا إلا أن تمر مروراً عابراً، ثم تجعل ذكاءك وفطنتك ولموعك وإشراقك في قال الله وقال رسوله ﷺ .
стр. 4232
كراهة تأليف الكتب عند بعض المتقدمين
صح عن الإمام أحمد أنه كره تأليف الكتب، فقد نقل عنه ذلك ابن القيم في إعلام الموقعين.
فـ المسند؛ قالوا: المسند جمعه وما ألفه لأنه حديث نبوي، والتأليف من قبل النفس فما ألف شيئاً، ولذلك ما كان يزيد كلامه على النص، كان يأتي ويقول: حدثنا هشيم حدثنا فلان عن فلان عن أبي هريرة ويسوق الحديث ثم يسكت عنه.
سُئِل أن يؤلف كتاباً، قالوا: فرفض أن يؤلف شيئاً، وكان يغضب إذا رأى التلاميذ يكتبون عنده، قال: خذوا من حيث أخذنا، العلم آية وحديث، قال له أحد التلاميذ: أأكتب رأي ابن المبارك؟ قال: لا، خذ من حيث أخذ ابن المبارك.
فما أسهل هذا العلم والله، يوم تشعر أن المصحف في بيتك والحديث، ثم يكون عندك قليل من النحو واللغة ومعرفة الناسخ والمنسوخ أو مثل هذه الأمور الجزئية، وهي لطيفة لا تهول على العقل، ثم تأتي إلى الحديث والقرآن تتعامل معهما، كيف يكون عندك ملكة ويصحو عقلك على قال الله وقال رسوله ﷺ ، فصح عن الإمام أحمد أنه نهى عن تأليف الكتب وكره ذلك، لكن كلٌ يؤخذ من كلامه ويرد إلا صاحب ذاك القبر.
والكتب من أحسن ما يقتنى في البيوت، وتأليفها من أشرف الأعمال، قال ابن الجوزي في صيد الخاطر: أخطأ بعض الزهاد من العباد يوم أتوا إلى كتبهم فأمروا بإحراقها عند الموت، أو أغرقوها، أو دفنوها.
والكتب من أعظم ما يذكر، لكن كتب وكتب، بعض الكتب تستحق أن تشب بها في النار، وبعضها لا تساوي الحبر الذي كتبت به، وبعضها لو بيعت العيون، أو مقل القلوب، أو قطع القلوب وشجا الروح فيها ما وزنتها:
كتاب البخاري لو أنصفوه لما خط إلا بماء الذهب
أسانيده كنجوم السماء أمام متونٍ لها كالشهب
ذكر ابن تيمية أن أحد العلماء ألف أكثر من ألف تأليف، ولكن أيهما أشهر هو أو الإمام أحمد؟ الإمام أحمد في الجلسات، وعلى المنابر، وفي الدروس الإمام أحمد بن حنبل؛ لأن علمه أصيل.
стр. 4233
كتب المتقدمين خير من كتب المتأخرين
أنا ذكرت أن الشاطبي ينعى كتب المتأخرين، وأنها لا فائدة فيها في الغالب، وأن كتب المتقدمين أفيد خاصة القرن الثالث والرابع وما قبلهما.
وصدق ﵀، فإنه كلما تقدم العلم كان أحسن، وكلما تأخر كان أسوء، ولذلك من يؤلِّف في الغالب في هذا القرن بالفقه أضعف وأسقم من الذي يؤلِّف قبله إلا في مسائل ما وقعت فيمن قبلهم، ومن قبل فيمن قبل أضعف، وهكذا حتى تنتهي إلى التابعين ثم الصحابة؛ لحديث: ﴿خير القرون قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم﴾ والفضل هنا فضل مطلق، وبركة مطلقة في التأليف، والعلم، والتدريس، والدعوة، والتوجيه, والزهد، والعبادة.
التعصب المذهبي تخلف ونقص، وجد في الناس من يقول: لا تهاجموا المذاهب، ونحن نقول: رحم الله أهل المذاهب، وأصحاب المذاهب، ومن سار مع المذاهب، ومن جلس مع أهل المذاهب من المسلمين، وأكل مع أهل المذاهب، وشرب معهم.
والآخرون يقولون: المذاهب لا بد أن تقصى من الساحة، وأن تجتث وتبعد، وأن يرمى بها في البحر الأحمر.
والناس كأنهم ثلاثة، طرفان ووسط:
طرف يقولون: لا نحتاج إلى المذاهب، ولا إلى كتب الفقه أبداً، نأخذ من حيث أخذ القوم من الدليل والحديث؛ وهذا فيه حقٌ وشيءٌ من النقص.
وطائفة أخرى تقول: لا بد أن يحترم كلام العلماء، وفقه العلماء، ومصنفات العلماء الفقهاء، وهذه المتون الفقهية هي الأصل؛ لأنهم عرفوا من أين يستنبطون، فلا بد أن نأخذ منهم، ونقلدهم، أما نحن فلا نستطيع أن نأخذ من حيث أخذوا؛ وهذا الكلام فيه حق ونقص.
أما حق الكلام الأول، فحقه أنه ردنا إلى النص وإلى قال الله وقال رسوله، وصدق، ف أبو حنيفة والإمام أحمد ومالك والشافعي ليسوا بأنبياء، خاتم الأنبياء هو محمد ﵊ وهو المعصوم الذي أنزل عليه القرآن، لم ينزل جبريل على أبي حنيفة ولا على أحمد ولا الأوزاعي ولا مالك ولا الشافعي، فالمعصوم الذي يؤخذ منه العلم والوحي هو محمد ﷺ .
فحقه أن يقال: لا بد من الدليل في المسألة، وأنت لا تتأخر يوماً من الأيام إذا سألت عالماً أن تقول: ما هو دليلك؟ الإمام أحمد أزهد منا، وأصدق منا، وأخلص منا، وفكره أثقب من أفكارنا، فهو يستنبط درراً وكنوزاً، لأن بعض الناس ينزل إلى قاع البحر فيأخذ خشباً وفحماً، وبعضهم إذا غاص أتى بدرٍ وزبرجدٍ وجوهر، فالإمام أحمد إذا غاص أتى بهذا اللموع والإشراق ومثله مالك والأوزاعي والثوري وفقهاء التابعين.
فهذا نقصه: الاستزراء بعلم السلف، فإنهم يجب أن توقر أقوالهم، لكن إذا خالف الدليل فاتركه جملةً وتفصيلاً، واضرب به عرض الحائط كما قالوا.
أما الذين يقولون: كتب الفقه لا بد أن تسيطر في الساحة، وأن يؤخذ منها، ولا يؤخذ من الدليل لأنا لا نعرف الاستنباط من الكتاب والسنة، ويحترم أقوال العلماء.
نقول: الحق احترام كلام العلماء، والنقص أن تجعلوا كتب الفقه كـ صحيح البخاري ومسلم كتب ألفها بشر، ليس عليها دليل، لكن نسألهم عن دليلهم.
يوم تضعف الأمة الإسلامية في فترة من فتراتها تنشأ هذه العصبيات والخلافيات؛ لكن في صور متعددة، مرة تعصب مذهبي، ومرة تعصب لآراء وتشتت وتناحر، ولذلك دخل التتار والناس يختلفون في مسألة رفع الأيادي، ويتضاربون في المساجد بالأحذية، هل ترفع أو لا؟
هذه فترة سقوط للأمة، فإذا ما انتصرت الأمة وتقوت وعادت إلى الكتاب والسنة تأخذ منها مباشرة، مع احترام آراء العلماء والأئمة، وكلما كثر الخلاف في الأمة: ضعفت وهزلت، وأصبحت أمةً سقيمةً مريضة، وحلُّها أن يكون السائد فيها والقائد كتاب الله وسنة الرسول ﷺ ، أنت أخي وأنا أخوك، مصحفنا واحد، وعلمنا واحد، ورسولنا واحد، وقبل ذلك ربنا واحد ﵎، تخالفني في فرعية وأخالفك لكن هذا لا يجعلني أحمل الضغينة عليك، نعم أنت إن أصبت فمأجور ولك أجران، وإن أخطأت أنا فلي أجرٌ واحد لأني اجتهدت.
إذاً هذا هو التعصب المذهبي الذي مرت به الأمة، ولا يقال للناس: الاختلاف رحمة، وردت هذه الكلمة عن ابن تيمية، لكن جمع الكلمة هو الأحسن، وهو الأقوى، وكلما توحدت الأمة كان أحسن، والخلاف مذموم دائماً ﴿وَلا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ﴾ [هود:١١٨] قال : ﴿وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [آل عمران:١٠٥] قال : ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُوا﴾ [آل عمران:١٠٣] قال : ﴿إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ﴾ [الأنبياء:٩٢] إذا علم هذا فالأمة أمة واحدة.
стр. 4234
أهمية علم الحديث وعلم أصول الفقه
ضعف بعض الفقهاء في علم الحديث.
لا يعفى طالب الشريعة أن لا يعرف تخريج الحديث، أو صحة الحديث، ويقول: تخصصي شريعة وأصول فقه، لأنه سيكون معلماً، وعالماً، وداعيةً، ومفتياً، فكيف يستدل بالحديث الضعيف والموضوع!! فهذا ضعف دخل فيه كثير من المتفقهة، حتى ذكر عن كثير من العلماء أنهم لا يميزون بين الحديث الضعيف والموضوع، والصحيح والحسن، ويحضرون الحديث هكذا بلا خطام ولا زمام، من أين والشريعة هي قال الله وقال رسوله ﷺ .
فكتب الفقه يحتاج كثير منها إلى تحقيق تخريج، وحبذا لطالب الفقه أو الشريعة أن يكون له اهتمامٌ بالحديث وتخريجه، ولو اهتمام نسبي لا كاهتمام متخصصينا في تخريج الحديث.
وأيضاً مشكلة عدم معرفة بعض المحدثين الفقه والاستنباط.
وجد في المحدثين من يورد الأحاديث لكن لا يستطيع أن يستنبط، منها لأنه لا يملك قواعد وأصول فقه، فيحتاج هذا إلى قراءة بعض كتب الفقه إلى أن تتكون عنده ملكة، وأن يكون عنده كتاب ولو مختصراً في أصول الفقه يعرف كيف يستنبط الفقهاء، يعرف العموم والخصوص، والمجمل والمبين، والمطلق والمقيد، والناسخ والمنسوخ، ولو على وجه الإجمال، وهذه لا تأخذ منه إلا أياماً قليلة.
بعض الناس يكثر في العلم، لكنه على حساب جودة العلم، والجودة هي المطلوبة قال تعالى: ﴿لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً﴾ [هود:٧] ولم يقل: أكثر عملاً.
стр. 4235
تفاوت الناس في العلم
شيخ الإسلام أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام ﵀، الذين قالوا في هذه السلسلة أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام؛ عبد السلام هذا جده أبو البركات، صاحب المحرر والمنتقي قالوا عن جده: كان قمراً، وأبوه كان نجماً، وابن تيمية كان شمساً ﴿وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ آيَتَيْنِ فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنَا آيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً﴾ [الإسراء:١٢].
جلس معه بعض الناس فجادلوه في مسألة، قال ابن كثير: لقيه العلماء ولكن والله الذي لا إله إلا هو إنها ذرات صادفت جبلاً، وبحيرات صغيرة صادفت بحراً عذباً؛ يعني: ابن تيمية.
أتى رجلٌ يسأله في مسألة فرد أخوه عبد الله؛ وكان عالماً، لكن العلماء عند ابن تيمية إذا حضروا انطفأت نجومهم:
فإنك شمسٌ والملوك كواكب إذا ظهرت لم يَبْدُ منهن كوكب
فأتى رجل يجادل ابن تيمية من أهل البدعة؛ عنده علم لكن علم خرافي، فسكت ابن تيمية يتبسم، مصيبة إن ذهب يجادل هذا، أين ابن تيمية وقوته العلمية، وتيقظه، وبحره، وسيلانه؟!! وإن صار يسكت، فمشكلة:
ولو أنه جهلٌ بسيطٌ عذرته ولكنه يأتي بجهلٍ مركب
هذا أحد المادحين ل ابن تيمية يقول: ليت خصوم ابن تيمية علماء يعرفون، لكنهم جهلة.
стр. 4236
تقسيم الخليل بن أحمد للناس تجاه العلم
قال الخليل بن أحمد: الناس أربعة:
رجلٌ يدري ويدري أنه يدري؛ فذاك عالمٌ فاسألوه.
ورجلٌ يدري ولا يدري أنه يدري؛ فذاك غافلٌ فنبهوه.
ورجلٌ لا يدري ويدري أنه لا يدري؛ فذاك جاهلٌ فعلموه، لكن داهية الدواهي الذي بُلي به ابن تيمية؛ رجلٌ لا يدري ولا يدري أنه لا يدري؛ جاهلٌ ويقول: عالم، يدخل حتى في المسائل الضيقة وهو لا يعرف شيئاً، لا يعرف أن يتوضأ.
فـ ابن تيمية تبسم لما قال له هذا الرجل ذلك الكلام، فقال أخوه عبد الله: أما أنت فأنا سوف آتي بأحاديث من صحيح البخاري، وكتب الموضوعات، وقصص عنترة، وأخلطها لك؛ فوالله الذي لا إله إلا هو ما تستطيع أن تميز بينها، فكأنه قصمه فأسكته.
علماء المذاهب كانوا يجلسون الحنبلي والمالكي والشافعي والحنفي هم متخصصون في مذاهبهم، ويسكت ابن تيمية فإذا انتهوا تكلم.
يقول للحنفي -عالم الأحناف- أنت قلت هذه المسألة وهي خطأ ومذهبك يقول: كيت وكيت وكيت، ثم يقول للمالكي كذا، ثم يقول للشافعي كذا والحنبلي، فيعودون.
والشاهد في هذا أن التزود ليس على حساب الكثرة، بعض الناس عنده علم كثير لكنه مخبوص ملبوص، ليس بمنقح وليس فيه جودة، والعلم القليل هو العلم المبارك الذي يكون مؤصلاً على دليل، أما من يحفظ القصص والقصائد والأشعار والأخبار، ثم يأتي يوردها على الناس بلا خطام ولا زمام فليس بصحيح.
كتاب الموضوعات لـ ابن الجوزي، أتى أحد الخطباء فيما سمعت فأخذ منه حديثاً، وهو يظن أن الموضوعات جمع موضوع وهو الذي يلقى للناس ما يدري أن الموضوع يعني: الحديث المكذوب، فألقى الحديث فلما انتهى؛ قال له الناس: هذا حديث باطل ذكره ابن الجوزي في الموضوعات.
стр. 4237
مكانة النحو من العلم
النحاة ليس لهم نصيب فيما سبق، لكن نتكلم قليلاً.
صحيح أن النحو من أشرف العلوم، وأن الإنسان إذا لم يصلح لسانه اختبل، لا ندعي أنه بالنحو سوف يكون رجلاً فصيحاً لا يلحن أبداً، فلا يسلم من اللحن أحد في الغالب، سيبويه إمام النحو، الذي صنع النحو من خيوط الحرير وجمعه من البوادي، ووضع كتاباً كالمعجزة اسمه الكتاب، كان لا يتكلم العربية بطلاقة، ولو أنه عملاق وعبقري من أذكى الناس، مات وعمره اثنان وثلاثون سنة.
من تلظي لموعه كاد يعمى كاد من شهرة اسمه لا يسمى
من تداجي يا بن الحسين أداجي أوجهاً تستحق ركلاً ولطما
سيبويه هذا لم يكن كلامه فصيحاً، يقال عن ابن رجب وابن كثير إنهما يشققان الكلام حتى يذهب عن المقصود.
وتَجد في كثيرٍ من النحاة كثيراً من الخيلاء والعجب؛ حتى دخل أحدهم يلحن ولا يدري أنه يلحن، قالوا: ماذا تريد؟ قال: رمانتان طازجتان طيبتان، ثم أخذ من هذا المثنى، قال له البائع: ﴿فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ [الرحمن:١٣] تستحق ضربتان، وصفعتان، وركلتان، أو كما قال، ذكره ابن الجوزي عن هذا.
المقصود أن التعمق والتقعر من شيم أهل الكبر، ولذلك قال ﷺ : ﴿هلك المتفيهقون﴾ قال أهل العلم: المتفيهقون هم الذين يتكلمون بتوسعٍ ليظهرون فضلهم وعلمهم عند المجالس وليس عندهم علم، يتكلم في عوامٍ ما يعرف الواحد منهم اسمه، فيقول: إن الحال يوم ينصب حينها يكون للعامل فيه تأثير وهو الفاعل في الغالب، وإنني يوم انطلقت اليوم مع إشراقة الصباح ونداء الفجر وإطلالته ونسماته، ما يدرون هل يتكلم عربي أو فرنسي فهذا معناه العجب؛ قال ابن قتيبة: سقط نحويٌ في حفرة، فأتاه رجل ينقذه، قال: مالك؟ قال: خذ حبلاً رقيقاً، وشده شداً وثيقاً، واسحبني سحباً رفيقاً، قال الرجل: امرأتي طالق ثلاثاًَ إن أنقذتك من الحفرة، الآن تلقي محاضرات وخطب جمعة ورأسك في الحفرة، ما هذا التكلف.
فالنحو يطلب للوصول إلى المقاصد.
أيها الإخوة الفضلاء: قبل أن نأتي إلى انتهاء هذه الجلسة نحب أن نسمع الأسئلة الشفوية؛ لكن هذه الأسئلة لا بد أن تدور حول الدرس، أما في الرضاع أو في الطلاق أو في الحجاب فبعيد، ولو أن أحد الإخوة يريد أن تكون مباشرةً.
стр. 4238
الأسئلة
стр. 4239
الدعوة إلى الحجاب
السؤال
في قريته الحجاب صعب تطبيقه فماذا يفعل؟
الجواب
نقول: انصح لوجه الله، وكن طالب علم وداعية، عظ الناس في خطبة الجمعة، انشر فيهم الكتاب عن الحجاب، أدخل الشريط الإسلامي إلى البيوت، تكلم بعد الصلاة، نبه بالحكمة، إذا حضرت مناسبة تكلم في الحجاب وحكم الله فيه، فمع المواصلة، وحسن الخلق واللين؛ سوف يغير الله الحال ولو امرأة واحدة، فالإنسان إذا لم يتكلم ولم ينصح ثم يقول: حسبنا الله عليهم ونعم الوكيل، لا يصح حسبنا الله عليهم وأنت ما تكلمت، من قال لك إن الله لن يهديهم، وإن الله طبع على قلوبهم، لا والله.
стр. 4240
استغلال الأوقات
السؤال
هذا سؤال يقبل في كل مكان، يسرح في كل زمان خارج العالم وداخل العالم، كيف يستغل الوقت؟
الجواب
استغلال الوقت يكون بحفظ الوقت، وحفظ الوقت يكون باستغلال الوقت، قال رسول الله ﷺ : ﴿نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس: الصحة والفراغ﴾ ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لا تُرْجَعُونَ﴾ [المؤمنون:١١٥] استغلال الوقت يكون مثل ابن عقيل الحنبلي كان إذا أراد أن ينام عنده رزمة من أوراق، فيكتب أفكاره، وعصارة عقله قبل أن ينام، هذا فقط الوقت الفارغ، هذا للوقت الذي ليس فيه كدٌ وتعب، ترك من هذا الوقت قبل النوم وبعد النوم سبعمائة مجلد اسمه كتاب الفنون.
استغلال الوقت أن تكون كـ الخطيب البغدادي، يذهب إلى المسجد وكتابه في يده، ويعود من المسجد وكتابه في يده، لكن سواءً كتاب، أو تسبح في أصابعك، أو تقرأ شيئاً من القرآن، لكن ذرة ودقيقة واحدة لا تفوت من عمرك.
استغلال الوقت أن يكون مثل جد ابن تيمية؛ كان يدخل المرحاض فيقول لابنه: اقرأ وارفع صوتك حتى أسمعك وأنا هناك لئلا يضيع الوقت.
استغلال الوقت يكون مثل البخاري؛ كان يقول: أنام فأتذكر الحديث فأقوم خمس مرات وست مرات فأضيء السراج في الليل وأكتب شيئاً من الحديث وأنام، فيتذكر فيضيء السراج فيكتب، ويتذكر ويضيء السراج فيكتب.
استغلال الوقت، يكون كما كان الإمام أحمد: يحمل المحبرة وعمره سبعين سنة؛ شَابَ، ودنا أجله، ورقَّ عظمه، قالوا: تحمل المحبرة وأنت في السبعين!! قال: من المحبرة إلى المقبرة هذا هو السمو:
همةٌ تنطح الثريا وعزمٌ نبويٌ يزعزع الأجبال
следующие страницы →