← Джавами‘

Джавами‘ · id 7708

دروس الشيخ عائض القرني

عائض القرني

Полный текст (10 391 стр.). Показаны 4341–4380 · переход к 4346.

стр. 4341

قضاء الصلاة الفائتة التي قبل التوبة السؤال كنت لا أصلي، وتركت الصلاة فترة، ثم تاب الله عليّ ، فأصبحت أصلي، هل أقضي ما فات؟ الجواب أن تتوب ولا تقضي ما مر، ما دام تركته فأنت في تلك الفترة كنت مقصراً ومعرضاً ولا تطالب بالقضاء، ولكن تسدد وتتوب وتكثر من النوافل وتعمل الصالحات؛ عل الله أن يتوب علينا وعليك.

стр. 4342

نظام الساعات السؤال نحن نتعامل مع نظام الساعات ولا نجد وقتاً نستغله في حفظ القرآن، أو في عمل يعود علينا وعلى أوقاتنا وعلى حياتنا بالخير؟ الجواب إن نظام الساعات نظام سلبي، ولم يثبت جدارته في التعليم، وقد تذمر منه كثير حتى من القائمين عليه، ومن طلبة العلم، ولأنه يفرق وقت الشباب، فيصبح وقتاً مضطرباً لا ينضبط للراحة، ولا ينضبط للقراءة، ولا ينضبط للاطلاع، ويكون وقتاً ضائعاً، وقد جُرب الوقتان في كثير من المؤسسات العلمية، فَوُجِد أن الوقت الذي تفعله بعض المؤسسات وهو الآن المعهود من الصباح إلى الظهر، هو أحسن وأسلم وأجدى، ولكن ما دام أنك في هذا، فنسأل الله أن يعينك، لكن عليك أن تعرف أن هذه الساعات من عمرك، وحبذا أن تجعل عملاً مؤقتاً، أو مبرمجاً من الصباح لهذه الأعمال يكون لديك، وهذا يفعله حتى أعداء الله الكفار، ويذكرها مثل صاحب" دع القلق " يقول: لا بد أن تبدأ ببطاقات تسجلها في الصباح ماذا تفعل؟ يعني: كيف تستغل كل ساعة؟ حتى تؤدي عملك - إن شاء الله - على أكمل وجه، لأن الحياة أو الأوقات لا تعود إذا ذهبت. دقات قلب المرء قائلة له إن الحياة دقائق وثواني فارفع لنفسك قبل موتك ذكرها فالذكر للإنسان عمر ثاني

стр. 4343

إحياء المسيح الدجال للموتى السؤال ذكرت أن المسيح الدجال يحيي الموتى -بإذن الله- وأظن أنه لا يحيي الميت نفسه، بل يصور شيطاناً يشبه الميت؟ الجواب لا أظن هذا، ولا مر عليّ في النصوص، بل مر عليّ أنه يحيي الميت نفسه، وهذا من الفتن.

стр. 4344

زيادة الإيمان السؤال أنا قليل الإيمان فادع لي؟ الجواب نسأل الله أن يثبتنا وإياك، ويزيدنا وإياكم ﴿وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى) [محمد:١٧] ومما يزيد الهدى العمل الصالح، لأن أهل العلم وأهل السنة يقولون: الإيمان يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية، يزيد بقراءة القرآن وبالنوافل، والاستغفار وحضور مجالس الخير، والدعاء، والصدقة، والحج والعمرة.

стр. 4345

فتنة النظر السؤال أعاني من فتنة النظر إذا دخلت المستشفيات! الجواب عليك أن تغض نظرك، لك الأولى وليست لك الثانية: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن:١٦] والنظر سهم من سهام إبليس، مسموم من كف بصره أبدله الله إيماناً يجد حلاوته في صدره.

стр. 4346

شعر الغزل السؤال هل في الشعر الإسلامي غزل؟ وما ميزة الغزل في الشعر الإسلامي؟ الجواب لا يسمى غزلاً إسلامياً بل يسمى غزلاً آخر، ولا يمكن أن يسمى مباحاً، ولا تقل غزلاً إسلامياً، فالإسلام بريء من هذه الكلمة، إنما لك أن تقول: مباح؛ لأن على ذلك القاعدة تسمى مثلاً -نعوذ بالله-: غناء إسلامي، وموسيقى إسلامية، حتى يأتون بالمحرمات وينسبونها إلى الإسلام، أما أن يكون هناك غزل مباح مثل: أن الرسول ﷺ استمع لـ كعب بن زهير الشاعر المشهور بين يديه، وهو يعتذر بالقصيدة يقول: بانت سعاد فقلبي اليوم متبول متيم إثرها لم يفد مكبول وسمعها ﵊ قال: ﴿من سعاد؟ قال: امرأتي، قال: ما بانت إذن﴾ فكان يستمع ﷺ واستمع إلى حسان وقال له: ﴿إذا لم يكن فحشاً، أو تشبيباً بامرأة معروفة﴾ فكان يقول: ويستمع له ﷺ ، والبوصيري الذي مدح الرسول ﷺ له أبيات جميلة استفتح بها قصيدته التي هي البردة، ولو أنه سلمها من الشركيات والخرافات في آخرها وكانت من أجمل القصائد ولا يزال ثلثها من أجمل القصائد يقول: أمن تذكر جيران بذي سلم مزجت دمعاً جرى من مقلةٍ بدم أم هبت الريح من تلقاء كاظمةٍ وأومض البرق في الظلماء من إضم ففي الختام أيها الإخوة: نسأل الله لنا ولكم التوفيق والهداية والحفظ والرعاية، وأن يقينا الفتن ما ظهر منها وما بطن، وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.

стр. 4347

قراءة في السيرة إن الله امتن على هذه الأمة برسول منهم، من أشرفهم نسباً، وأحسنهم خلقاً، اختاره الله للرسالة، وتعهده من ولادته بالرعاية، فحري بالمسلم أن يتعرف على سيرته حتى يقتدي به. وفي هذه المادة جوانب من حياته ﷺ : نسبه، ومولده، ورضاعته، ومسيرة حياته في البادية، وسفره إلى الشام، وحادثة تحكيمه ﷺ في إعادة بناء الكعبة، ومعجزاته، ودعوة الناس سراً وما وجده النبي ﷺ من البلاء، ثم مرحلة الجهر بالدعوة، وإسلام بعض الصحابة وحياتهم في الإسلام كبلال وعمر وعمار وابن مسعود وحمزة وغيرهم.

стр. 4348

نسب النبي ﷺ إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه, ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا, من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له, وأشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. أيها المسلمون: سلام الله عليكم ورحمته وبركاته. أولاً: نهنئكم بقدوم هذا الشهر الكريم أهلّه الله علينا وعليكم باليُمن والمسرات, وغفر لنا الذنوب والخطيئات, وجعلنا من عتقائه من النار. ثانياً: سوف نستصحب في كل ليلة قبل صلاة العشاء طيلة هذا الشهر المبارك -إن شاء الله- رسول الهدى ﵊ في سيرته العطرة الكريمة, فنبدؤها بالدرس الأول في نسبه ﷺ . وعنوان هذه الدروس: "قراءة في السيرة النبوية". النسب الشريف: محمد ﷺ ، السيد الأكرم الذي شَّرف الله الناس بوجوده, هو محمد بن عبد الله، أمه آمنة بنت وهب، هاشمي قرشي من أفضل العرب نسباً. نسب كأن عليه من شمس الضحى نوراً ومن فلق الصباح عمودا تدوول ﵊ في الآباء والأجداد, وولد كما ورد عنه ﵊ أنه قال: ﴿ولدت من نكاح لا من سفاح﴾ فلم يأتِ في نسبه -والحمد لله- لا في الجاهلية ولا قبلها زناً، وإنما أتى عن أب وجد إلى أن وصل ﵊ إلى الدنيا, هذا نسبه فأبوه عبد الله يأتي خبره وأمه كذلك. كان عبد الله بن عبد المطلب من أحب ولد أبيه إليه, هذا والد الرسول ﵊, أحب أبناء عبد المطلب , وكان لـ عبد المطلب عشرة من البنين، أقربهم إلى قلبه عبد الله والد الرسول ﵊, فقربه منه , وأحبه, وزوجه وهو في الثامنة عشرة من عمره. آمنة بنت وهب بن عبد مناف , وهي أفضل نساء قريش نسباً وموضعاً, ولما دخل عليها كان في وجه والد الرسول ﷺ نور, فلما أفضى إليها ذهب هذا النور, قالوا: هذا النور هو الرسول ﷺ , وقع في بطن أمه, وحملت به، وأثناء الحمل توفي أبوه ﵊, فهو لم يرَ أباه في الحياة, وما سعد بتقبيل أبيه، ولا بمزاحه وملاعبته, بل ولد يتيماً في الحياة ﷺ , علَّه أن يتحمل هذه الحياة ومصائب الحياة, وينهج نهجاً فريداً يعتمد فيه بعد الله على نفسه, فنشأ عصامياً ﵊, يقوم بجهده، ويقوم بعرق جبينه, لأن الله أراد أن يرشحه لمهمة هداية العالم. وسوف تسمعون العجائب في سيرته العطرة ﵊، فإن سيرته تضوع بها المجالس, وما أوجد الله أبر ولا أشرف منه ﷺ . قال: ولما دخل عليها حملت برسول الله ﷺ , ولم يلبث أبوه أن توفي بعد الحمل بشهرين, ودفن في المدينة عند أخوال عبد المطلب من بني النجار، فإنه كان ذهب بتجارة إلى الشام -أي: عبد الله - فأدركته منيته وهو بـ المدينة وهو راجع, ولما تمت مدة حمل آمنة وضعت ولدها، فاستبشر العالم بهذا المولود الكريم, يقول أحمد شوقي: ولد الهدى فالكائنات ضياء وفم الزمان تبسم وثناء فلما ولد هذا المولود الكريم الذي ما وقع على الأرض أشرف من رأسه, ولا أحسن من دمه! ولا أروع من قلبه! بث في أرجاء العالم روح الآداب, وتمم بنفسه مكارم الأخلاق.

стр. 4349

مولده ﷺ كان مولده ﷺ صبيحة يوم الإثنين، وسُئِلَ ﷺ عن صيام يوم الإثنين كما في صحيح مسلم من حديث أبي قتادة قال: ﴿ذاك يوم ولدت فيه، وبعثت فيه، وأوحي إليّ فيه﴾ فأحب الأيام إلى قلوبنا يوم الإثنين الذي ولد فيه رسولنا ﷺ , وصيامه سنة, وهو من أفضل الأيام التي تُصام. ولد في تاسع ربيع الأول، الموافق ليوم العشرين من إبريل سنة (٥٧١) من الميلاد, وهو يوافق السنة الأولى من حادثة الفيل, وكانت ولادته في دار أبي طالب بشعب بني هاشم, ولما وُلِدَ أرسلت أمه لجده عبد المطلب تبشره, فأقبل مسروراً وسماه: محمداً، سبحان من وفقه! فهذا الاسم لا يُعرف عند العرب, العرب تعرف حرباً وصخراً وحمزة وطلحة هذه أسماء العرب, لكن لما بشَّر عبد المطلب سيد قريش, وهو سيد الأبطح , هذا عبد المطلب كان عظيماً, كانت له سجادة لا يجلس فيها إلا هو , تفرش له تحت ميزاب الكعبة في العصر, وممنوع أن يقترب من هذه السجادة أحد، لو أتى ملك الدنيا لا يجلس عليها إلا عبد المطلب سيد قريش, فيجلس عبد المطلب، ويأتي أبناؤه العشرة حوله, وكانوا تسعة بعد موت ابنه والد الرسول ﷺ , ثم يجلس أشراف مكة , ثم يجلس شعراؤها, ثم أشراف العرب, وهذه السجادة لا يجلس عليها إلا عبد المطلب , قالوا: ففرشوها ذات صباح فأتى عبد المطلب فجلس، فأتى ﷺ وهو طفل يحبو، فجلس فأزاله الناس -الخدم- فرفض، فأتى فجلس مرة ثانية, فأزالوه, فلما جلس عبد المطلب زحف هو بنفسه وجلس, قال: والبيت ذي الحجب والنصب والشهب إن ابني هذا له سبب من السبب. هذا ابنك تدري أنه سيحول الكرة الأرضية من الكفر إلى الإيمان؟ من هو المصلح الذي فجَّر الطاقة في الأرض مثل محمد ﷺ ؟ من هو الرجل الذي يمكن أن يكون أنملة أو ظفراً في كفه ﷺ أو غباراً على قدمه؟ لا ندري بأحد, قال: فلما ولد سماه محمداً, يقول حسان: وشق له من اسمه ليجله فذو العرش محمود وهذا محمد يقول: الله هو المحمود ، وهذا محمد، فالله شق له من اسمه، وذكروه بالتسمية ﵊. من أشرف أسمائه: اسم محمد, واسمه: العاقب والحاشر والماحي, وله أسماء أخر ﵊، وكنيته: أبو القاسم, فهذا اسمه ﷺ ، وسماه: محمداً ولم يكن هذا الاسم شائعاً قبل عند العرب, ولكن الله يريد أن يحقق ما قدره. ويقول : ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ﴾ [الشرح:١] , يقول أحد الكتاب العصريين: فتش في جوانحك، وابحث في خفاياك، أما شرحنا لك صدرك؟ أما كان صدرك ضيقاً فشرحناه بلا إله إلا الله محمد رسول الله؟ بلى والله! انشرح صدره ﵊, وأصبح صدره مشروحاً. وقال تعالى: ﴿وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ﴾ [الشرح:٤] ليس أحد في العالم أشهر من رسول الله ﷺ , يقول مجاهد في تفسير قوله تعالى: ﴿وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ﴾ قال: [[لا أذكر إلا ذكرت معي]] ويقول الأستاذ علي الطنطاوي: ألا يكفي من شهرته ﷺ أن منائر مليار مسلم اليوم كلما أذن المؤذن في باكستان أو الهند أو العراق أو المغرب أو السودان يقول: أشهد أن لا إله إلا الله, وأشهد أن محمداً رسول الله, هذا هو الذكر، فذكره ﷺ بهذا الاسم. وذكره الله في القرآن في أربعة مواضع باسمه: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ﴾ [الفتح:٢٩] وقال: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ﴾ [آل عمران:١٤٤] وقال: ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ﴾ [الأحزاب:٤٠] وقال: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَآمَنُوا بِمَا نُزِّلَ عَلَى مُحَمَّدٍ وَهُوَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ كَفَّرَ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَأَصْلَحَ بَالَهُمْ﴾ [محمد:٢]. قال: وذكر في الكتب التي جاءت بها الأنبياء؛ كالتوراة والإنجيل بهذا الاسم, وسماه عيسى عليه الصلاة: أحمد, ومن أسمائه أحمد أيضاً, ويسمونه أحمد ولكن اشتهر عند العرب: محمد, فألهم جده أن يسميه بذلك إنفاذاً لأمره. وكانت حاضنته أم أيمن بركة الحبشية هي التي تولَّت رعايته وحضانته, وتربيته وملاعبته ﷺ وهو طفل, وكان إذا عرته من الملابس لتغسله بكى وضم جسمه ﵊. وهذه أم أيمن استمر بها الحال حتى بعث ﷺ نبياً، وكان لها ماعز ترعاها, فكان يأتيها في العوالي يزورها من باب حفظ العهد, وأتاها مرة وقد تغيَّب عليها كثيراً، فغضبت وتعتبت، وقالت: هجرتنا ولا تزورنا؟ وعتبت عليه ﷺ , لأنه أصبح مشغولاً بالعالم, مشغولاً بقضايا الساعة، باليهود والنصارى والمنافقين والعرب، بالجهاد والاقتصاد، بالإدارة والسياسة والتعليم، ولكن وجد فراغاً فزار أم أيمن ووجدها ترعى غنماً لها ما يقارب مائة ماعز, فعتبت عليه، فأخذ يتبسم ﷺ وما قال شيئاً, والله يقول: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم:٤].

стр. 4350

الرضاع ومسيرة الحياة وأول من أرضعته ثويبة أمة عمه أبي لهب , هذه ثويبة بشَّرت أبا لهب -لا بشَّره الله إلا بالخزي وقد فعل- فقالت له: ولد لأخيك عبد الله ابن سموه محمداً, قال: أنت عتيقة, فما كان جزاؤه عند الله؟ جعل الله له عيناً من ماء، وهذا في صحيح البخاري، كلما أتى يوم الإثنين تفجَّرت، فشرب منها في نار جهنم جزاء عتقها, كلما أتى يوم الإثنين تفجرت من راحة أبي لهب عين يشرب منها، لأنه أعتق ثويبة , لكنه كفر بلا إله إلا الله, وأخذ التراب وحثا به على رأس الرسول ﷺ , وهو الذي قال: تباً لك ألهذا دعوتنا؟ فأنزل الله: ﴿تَبَّتْ يَدَا أبي لهب وَتَبَّ * مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ﴾ [المسد:١ - ٢]. وكان من عادة العرب أن يلتمسوا المراضع لمواليدهم في البوادي, ليكون أنجب للولد, وحتى يكون أفصح، وأفصح من يتكلم بالضاد هو رسولنا ﵊, ما تلعثم في كلمة, ولا توقف في خطاب وحديث: ﴿أنا أفصح العرب بيد أني من قريش﴾ ليس بصحيح لكن معناه صحيح, فليس هناك رجل أفصح منه ﷺ , يرتجل الخطبة, ويتكلم في الجماهير, تكلم في الحج في مائة ألف, قالوا: فأوصل الله كلامه حتى بلغ كل أذن والناس في الخيام, وكان إذا صعد المنبر سمع للقلوب حنين من البكاء, حتى يقول شوقي: وإذا خطبت فللمنابر هزة تعرو الندي وللقلوب بكاء هذا هو رسولنا ﵊, وكانوا يقولون: إن المربى في المدن يكون كليل الذهن، فاتر العزيمة, وهذا أمر ملحوظ، أبناء المدنية إذا ما فتحوا أذهانهم بالعلم والتربية الصحيحة يأتون بلداء أغبياء, ليسو كأبناء القرى, وأحد المؤرخين له كتاب عصري، يقول: إن عظماء العالم والمكتشفين حتى في الغرب كلهم من أبناء القرى, وحتى المشاهير, ليسوا في المدن, والمدن تحبس من قدرة الإنسان وتجعله -إن لم يرحمه ربك- جباناً، والآن انظر إلى ابن المدينة وابن القرية, هذا في الجملة، فترى ابن المدينة بعد صلاة المغرب وهو طفل لا ينزل, ويتخوف من كل شيء, وابن القرية الليل أخوه وهو أخو الليل. فالمقصود: ذهب به ﷺ إلى بني سعد في الطائف , وكانوا من جيران الطائف، وأنتم تعرفون الآن مكان بني سعد, فأخذته حليمة السعدية -مرضعة الرسول ﷺ وكان لها ناقة عجفاء، ركبت عليها وأخذت هذا الطفل، من هذا الطفل؟ إنه محمد ﷺ , أخذته على الناقة وهو ما زال طفلاً -وجلسنا بإذن الله، ثم بدعوته في هذا المكان- أخذته على الناقة ﵊ وكانت ناقتها عجفاء, فلما ركب ﷺ الناقة، مشت الناقة على أحسن ما يكون, فلما وصل إلى الديار, قالت: كانت ديارنا ممحلة قحطاء لا عشب فيها ولا لبن ولا ماء, فلما نزل, وصل الغيث بإذن الله, قال: فنبت النبات، وسار الزهر، وحلبوا من اللبن, وذلك فضل الله , فجاءت نسوة من بني سعد بن بكر يطلبن أطفالاً ليرضعنهم, فكان الرضيع المحمود من نصيب حليمة بنت أبي ذؤيب السعدية واسم زوجها أبو كبشة , وهو الذي كانت قريش تنسب له رسول الله ﷺ حينما يريدون الاستهزاء به، يقولون: هذا ابن أبي كبشة, وقد فعلها أبو سفيان اقترف في عرضه ﵊, عند هرقل لما أرسل ﷺ بعد النبوة -انظر هذا التطور- يصبح ﷺ من المدينة المنورة عاصمة الإسلام يرسل رسائل يتهدد ملوك الأرض, الإمبراطوري المجرم الدكتاتور هرقل يتهدده ﷺ ، ويروعه فيما بعد بأصحابه, بناصيته وينزله في الأرض، وتحكم دولته بلا إله إلا الله محمد رسول الله, اسمع الرسالة من الرسول ﷺ ، هذا من أوائل أحاديث البخاري: ﴿بسم الله الرحمن الرحيم, من محمد رسول الله إلى هرقل عظيم الروم, السلام على من اتبع الهدى, أمَّا بَعْد: فأسلم تسلم، يؤتك الله أجرك مرتين، وإن توليت فعليك إثم الأريسيين﴾ ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئاً وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضاً أَرْبَاباً مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:٦٤]. وصلت الرسالة عند هرقل , وأقامت له الدنيا وأقعدتها, لأن الخطاب مهدده, بعد الرسالة وهي ثلاثة أسطر فيها خاتم رسول الله: (محمد سطر, ورسول سطر, والله سطر) بعدها جيش جرار يزحف من الجزيرة يحطم تلك الإمبراطورية الظالمة, ماذا فعل هرقل؟ جمع القساوسة, والبطارقة، والوزراء، والحجاب, واجتمعوا ثم دعا أبا سفيان , وكان أبو سفيان عدواً للرسول ﷺ آنذاك، وكان مشركاً, لكن كان يبيع ويشتري في الشام , فدعاه وسأله عن الرسول ﷺ ما يقارب عشرة أسئلة وهي في أول صحيح البخاري , وفي الأخير قال: أخرجوه, فأخرجوه؛ فإذا اللغط قد كثر, قال أبو سفيان: لقد أمِرَ أمرُ ابن أبي كبشة إنه ليخافه ملك بني الأصفر -يقول: هذا الذي عندنا نستهزئ به في مكة أصبحت الدنيا تشتغل به, وأصبح حديث الناس في المجالس وحديث الساعة، نعم. قال تعالى: ﴿وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى * مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى * وَمَا يَنْطِقُ عَنْ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى * عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى﴾ [النجم:١ - ٥]. ودرت البركات على أهل ذاك البيت، كما ذكر الشوكاني عن بعضهم: ألا إن وادي الجزع أضحى ترابه من المسك كافوراً وأعواده رندا وما ذاك إلا أن هنداً عشية تمشت وجرت في جوانبه بردا ويقول المتنبي في أحد العظماء: وكذا الكريم إذا أقام ببلدة سال النضار بها وقام الماء يقول: الكريم إذا نزل في مكان يسيل الذهب, ويحيي الماء الأرض, وهذا أشرف من يقال فيه الرسول ﵊, وكانت مدته للرضاعة ﷺ التي رضع فيها وبقي في البادية تربو على أربع سنوات ﵊.

стр. 4351

حادثة شق الصدر شق صدره ﷺ وهو في البادية, يرعى هو وأخوه من الرضاعة ابن حليمة الآخر البهم, أي: أنه طفل لا يستطيع أن يرعى الغنم, لكن هذا الذي يرعى البهم يرعى الملوك ويرعى الدول, وأصحابه بعد خمسة وعشرين سنة من بعثته حكموا اثنتين وعشرين دولة من دول العالم, ثم بعد ثلاثين سنة دخلوا قرطبة مهللين مكبرين وطاشقند، وتركستان، ونهر الجنج، ووقفوا على مشارف السند يرفعون: لا إله إلا الله محمد رسول الله, هذا هو الذي يرعى الغنم. خرج في الصباح يرعى, وحصل له وهو بينهم حادثة مهمة، وهي شق صدره وإخراج حظ الشيطان منه, كل منا فيه مرارة سوداء هي موطن للشيطان, إلا الرسول ﷺ ، فأخرجت المرارة السوداء, أي: أجريت له عملية ﵊ على أيدي الملائكة، وقطعت هذه المرارة السوداء فلا يأمره الشيطان ولا يقربه أبداً, فأحدث هذا عند حليمة خوفاً فردته إلى أمه، وحدثتها قائلة: بينما هو وإخوته في بهم لنا خلف بيوتنا, إذ أتى أخوه يعدو، وقال لي ولأبيه: ذاك أخي القرشي -يقصد الرسول ﷺ قد أخذه رجلان -الملكان- عليهما ثياب بيض -والملائكة دائماً لا تلبس إلا البياض ﴿البسوا البياض وكفنوا فيها موتاكم﴾ - فأضجعاه فشقا بطنه، فخرجت أنا وأبوه نحوه فوجدناه منتقعاً لونه خائفاً ﵊ مرتعداً من هذا الحادث؛ لأنهم بطحوه في الأرض وشقوا صدره ﷺ , وما وجد ألماً كأنه أغمي عليه, فلما شق صدره أخذوا -والحديث أصله عند مسلم في الصحيح - المرارة السوداء فقطعوها, وأخذوا قلبه فغسلوه بماء زمزم في طست من ذهب, ثم ردوا صدره, ولا زال وهو في ستين من عمره يرى الصحابة أثر الشق, وأثر هذه العملية في صدره ﷺ . قال: فالتزمته والتزمه أبوه وقلنا له: ما لك يا بني؟ قال: أتاني رجلان عليهما ثياب بيض, فقال أحدهما لصاحبه: أهو هو؟ -يتأكد الملك من الرسول, أهذا هو المقصود الذي أرسلنا الله إليه؟ قال: نعم. فأقبلا يبتدراني فأضجعاني، فشقا بطني فالتمسا فيها شيئاً فأخذاه وطرحاه ولا أدري ما هو. إذاً المسألة مقصودة من زمان, حتى وهو حمل في بطن أمه. وعيسى ﵇ كان يكلم النصارى به قبل مئات السنوات، يخبرهم أنه سوف يبعث في العالم، وسوف يكون خاتم الرسل ﵊, وسوف ينقذ به الله الأمة من الضلالة، هذا هو ﷺ .

стр. 4352

حياة النبي ﷺ بعد وفاة أمه اليتم يتدحرج معه ﷺ , مات أبوه وأمه به حاملة, فلما نزل في الأرض ماتت أمه, فكفله جده, فمات جده, فكفله عمه, فمات عمه فالتفت إلى خديجة فماتت خديجة , لماذا؟ يقول بعض العلماء: حتى ينفصل ﷺ عن كل ما سوى الله وتكون صلته بالواحد الأحد: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ﴾ [محمد:١٩] فهذه صلة الرسول ﷺ بالله ﵎. ثم إن أمه أخذته من حليمة وتوجهت به إلى المدينة لزيارة أخوال جده بني النجار وكانوا يحبونه لما هاجر ﷺ , لأنهم أخوال جده, خرجوا من كل قبيلة من الأنصار كانوا ما يقارب ثمان قبائل خرجت كل قبيلة بالسيوف والرماح يعرضون ويرفعون السيوف ويقولون: طلع البدر علينا من ثنيات الوداع وجب الشكر علينا ما دعا لله داع أيها المبعوث فينا جئت بالأمر المطاع جئت شرفت المدينة مرحباً يا خير داع فكان يبتسم ويحييهم وهو على الناقة ﷺ , ويريدون أن يأخذوا زمام الناقة حتى يتشرفوا بضيافته, فيقول: ﴿دعوها فإنها مأمورة﴾ اتركوها حتى تنيخ هي في مكان يناسبها. فسبحان الله! أراد أن يجبر خواطر أخوال أبيه فتركت الناقة كل بيت في الأنصار، وذهبت إلى بني النجار, فخرجت جواري الأنصار تقول: نحن جوار من بني النجار يا حبذا محمد من جار فنزل ﵊ يحيهم، ونزل عند أبي أيوب الأنصاري، وبينما أمه عائدة أدركتها منيتها في الطريق فماتت بـ الأبواء , وكان الرسول ﷺ إذا مر ب الأبواء يستأذن ربه أن يزور قبر أمه؛ لأنها ماتت فأذن له -وقد ثبت كما في صحيح مسلم عن أبي هريرة - قال: ﴿استأذنت ربي أن أزور أمي فأذن لي، واستأذنته أن أستغفر لها فلم يأذن لي﴾ فزارها ﷺ وبكى وأبكى. كنز بحلوان عند الله نطلبه خير الودائع من خير المؤدين

стр. 4353

كفالة عبد المطلب النبي ﷺ فحضنته أم أيمن بعد أن ماتت أمه، وكفَّله جده عبد المطلب سيد قريش الذي لا يتكلم أحد إذا كان موجوداً, وإذا أراد أحد من قريش أن يتكلم يستأذنه في الحديث, وهو الذي قابل أبرهة الأشرم يوم هجم على مكة عام الفيل, وكان سيداً مطاعاً كهالة القمر, والرسول في الحروب كان إذا فر أصحابه لا يفر هو ﷺ ، كان يأخذ السيف، ويقول: أنا النبي لا كذب أنا ابن عبد المطلب والبردوني شاعر اليمن يحيي الرسول ﷺ في قصيدةٍ له، ويقول: في كفه شعلة تهدي وفي دمه عقيدة تتحدى كل جبار نحن اليمانين يا طه تطير بنا إلى روابي العلا أرواح أنصار إذا تذكرت عماراً وسيرته فافخر بنا إننا أحفاد عمار هذا رسولنا ﷺ كان يمتدح بجده هذا في المعارك, وهو الذي قابل أبرهة وهو مرتفع على سرير، وقد أراد اجتياح مكة، وقتل الأطفال واحتلال البيت, فنزلوا -وتعرفون قصة أصحاب الفيل- لقيه عبد المطلب وعندما أقبل عبد المطلب رأى عليه هالة كالقمر فنزل أبرهة إلى الأرض إكراماً لـ عبد المطلب , ثم قام هو وإياه وأجلسه بجانبه على الكرسي, قال: ماذا تريد؟ ظن أنه يشفع في البيت، وأنه يشفع في الحرم, قال: أريد الإبل، عندي مائة ناقة أخذتها أنت وجيشك, قال: ظننت أنك عاقل، وظننت أنك سوف تسألني حماية البيت وتسألني الإبل؟ قال عبد المطلب: أما الإبل فأنا ربها، وأما البيت فله رب يحميه, فأعطاه الإبل فأخذ عبد المطلب الإبل وأدخلها مسارحها, ثم أتى إلى البيت فلزم باب الكعبة وقال: لاهم إن المرء يمنع رحله فامنع رحالك لا يغلبن صليبهم ومحالهم أبداً محالك انظر إلى الفصاحة! يقول: يا رب! الرجل يعدون على بيته فيحمي بيته، ويغضب على بيته، أما أنت فبيتك هذا لا نستطيع أن نمنعه, لأن معه جيشاً جراراً وهو من القوة العالمية الموجودة، أبرهة الأشرم , قائد الكتائب والذي معه أحابيش, لا يخافون الموت, ومعه من طوابير اليمنيين وطوابير العرب ما الله به عليم، لا تقف قريش ولا قبائل العرب تجاهه, بل سحق القبائل في طريقه, فأتى عبد المطلب قال: لاهم إن المرء يمنع رحله فامنع رحالك لا يغلبن صليبهم ومحالهم أبداً محالك وأخذ يبكي، ثم أخذ الأطفال والنساء وقال: اخرجوا على الجبال فإنه سوف تأتي أمور, كأنه متوقع, وهذا من فضل الله أن تأتي الغارات والناس قد أخرجوا من الملاجئ, فخرجوا فلما أصبحوا في رءوس الجبال, رفع أصحاب قريش أكفهم إلى الله, والله يذكرهم بعد ما كذبوا: ﴿أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَماً آمِناً يُجْبَى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ رِزْقاً مِنْ لَدُنَّا﴾ [القصص:٥٧] أما حميناهم من الهجوم الكاسح من أبرهة؟ أما أطعمناهم؟ لماذا لا تقولون: لا إله إلا الله؟ ﴿الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ﴾ [قريش:٤] لكن ما قدروا نعمة الله. وفي الضحى أرسل الله طيراً أبابيل، قال ابن عباس: خرجت من البحر, يقول: القواعد التي أتى منها هذا الهجوم لا ندري من أين أتت؟ وقال بعضهم كـ أبي: لا. أتت من السماء, وقال بعضهم: لا. بل أتت من المشرق. دعها سماوية تجري على قدر لا تفسدنها برأي منك منكوس والله إذا أراد زلزلهم أو أرسل عليهم ريحاً أو حريقاً، لكن انظر هذا الجيش العرمرم الذي يحمل السيوف، ويحمل كل ما جادت به قرائحه في تلك اللحظة, أرسل الله عليه طيراً أبابيل, يقولون: مكتوب على كل قذيفة اسم من ترميه من الجنود، فلان بن فلان! إذا كانت للضابط لا ترمي الجندي, الحبشي لا ترمي اليمني, كل واحد موسم, وكانت صغيرة مثل الحمص, قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ﴾ [الفيل:١] يخاطب الرسول ﷺ , أسمعت ما فعلنا بأصحاب الفيل في الغارة؟ هذا مولده ﷺ كان في عام الفيل ﴿أَلَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهُمْ فِي تَضْلِيلٍ * وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْراً أَبَابِيلَ * تَرْمِيهِمْ بِحِجَارَةٍ مِنْ سِجِّيلٍ﴾ [الفيل:٢ - ٤] ولأهل العلم مبحث, هل كل واحدة ألقت قذيفتها فقط وعادت أم لا؟ والصحيح أن كل واحدة ألقت حبة ورجعت, أي: من كثرتها ظللت مكة , ثم ألقت حمولتها مرة واحدة, فقتلتهم شر قتلة.

стр. 4354

زيارة النبي ﷺ قبر أبيه مع أمه قال المؤلف رحمه الله تعالى: ثم إن أمه أخذته منها -أي: من حليمة السعدية - وتوجهت به إلى المدينة لزيارة أخوال جده بني النجار, وبينما هي عائدة أدركتها منيتها في الطريق، فماتت في الأبواء , فحضنته أم أيمن وكفله جده عبد المطلب , ورق له رقة لم تعهد له في ولده؛ عندما كان يظهر عليه من أن له شأناً عظيماً ﵊, فإنه من صغره ﷺ تبين فيه علامات تدل على أن هناك له شأن ﵊, وسوف يكون له خبر، وما أعظم من خبره ﷺ ﴿عَمَّ يَتَسَاءَلُونَ * عَنِ النَّبَأِ الْعَظِيمِ﴾ [النبأ:١ - ٢] والنبأ العظيم هو مبعثه ﷺ , وكان يكرمه غاية الإكرام, ولكن لم يلبث عبد المطلب أن توفي بعد ثمان سنوات من عمر الرسول ﷺ .

стр. 4355

كفالة أبي طالب النبي ﷺ لقد كفل النبي ﷺ شقيق أبيه، أبو طالب , الذي مات مشركاً, وحاول ﵊ أن يهديه إلى الله , ولكن سبق الكتاب، قال تعالى: ﴿إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ القصص:٥٦]. وأبو طالب كان يدافع عن الرسول ﷺ , وهو صاحب القصيدة المشهورة في وصف الرسول ﷺ والتي يقول فيها: وأبيض يستسقىالغمام بوجهه ثمال اليتامي عصمة للأرامل فكان له رحيماً، وعليه غيوراً, ويذكر في السيرة أن أبا طالب لما أتاه كفار قريش، وقالوا: يا أبا طالب! إن ابن أخيك سب آلهتنا، وشتمنا، وسفَّه أحلامنا, فإن كان ابن أخيك مطبوباً -أي: مسحوراً- داويناه, وإن كان يريد ملكاً ملَّكناه, وإن كان يريد مالاً جمعنا له مالاً, وإن كان يريد زوجة زوجناه بأحسن فتاة في مكة , فقال أبو طالب للرسول ﵊ هذا الكلام, قال: ﴿يا عم! والذي نفسي بيده، لو وضعوا الشمس في يميني، والقمر في يساري، على أن أترك هذا الأمر ما تركته حتى يظهره الله أو أهلك دونه﴾ قال: وكان أبو طالب مقلاً من المال, فبارك الله له في قليله, وكان الرسول ﷺ في مدة كفالة عمه مثال القناعة والبعد عن السفاسف التي يشتغل بها الأطفال عادة, كما روت ذلك أم أيمن حاضنته, لأنه ﷺ كان مرشحاً لهداية الناس لرب العالمين, وبالفعل تم هذا, ولم تأخذ ﵊ صبوة ولا انحراف في خلقه ولا في سلوكه, فكان إذا أقبل وقت الأكل، جاء الأولاد يختطفونه وهو قانع بما سييسره الله له.

стр. 4356

السفر إلى الشام هذا أول سفر يخرج فيه ﷺ من مكة إلى خارج مكة , ولما بلغ سنه اثنتي عشر سنة أراد عمه وكفيله السفر بتجارة إلى الشام فاستعظم الرسول ﷺ فراقه, فرقَّ له وأخذه معه, يقول: دمعت عينا الرسول ﷺ لما أراد أبو طالب أن يسافر، لأنه ما زال طفلاً وليس له من يرق عليه من مكة إلا أبو طالب , وخاف أن يفقده, وهناك قصيدة ل أبي ريشة منها: يا عم لا تدعني هنا وحدي مالي سواك من مفضال فتلقاه بالدموع وسارت بهم الخيل في شعاب التلال فأخذه معه في هذه الرحلة وهي الأولى, ولم يمكثوا فيها إلا قليلاً، وقد أشرف على رجال القافلة وهم بقرب بصرى، وهي قرية في الشام وقيل: في أطراف العراق , وبحيرا الراهب نصراني له صومعة, فسألهم عما رآه في كتبهم -وهذه القصة نبَّه الذهبي على أن بلالاً لم يكن في القافلة؛ لأن بعض أصحاب السير يقولون: كان بلال مع الرسول ﷺ , والصحيح أنه لم يكن معه, لأن بلالاً آنذاك ربما لم يكن قد قدم من الحبشة - فسألهم عما رآه في كتبهم المقدسة, من بعثة نبي من العرب في هذا الزمن, لأنهم كانوا يقرءون في التوراة والإنجيل خبره ﵊, فقالوا: إنه لم يظهر الآن, وهذه العبارة كثيراً ما كان يلهج بها أهل الكتاب من يهود ونصارى قبل بعثة الرسول ﷺ : ﴿فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ [البقرة:٨٩] وكان اليهود يخبرون بصفات الرسول ﵊, وأنه أحمر أو أبيض مشوب بحمرة، أقنى الأنف، ربعة من الرجال، وأنه سوف يخرج إلى أرض ذات حرتين, يقصدون المدينة , فلما خرج ﷺ ورأوا أوصافه كانوا يتوقعون، وكان يتمنون أن يكون من اليهود, فلما كان من العرب حسدوه, لأن أكثر الأنبياء من اليهود, حسدوه ﵊ وكذَّبوه, وما أسلم منهم إلا أربعة أو خمسة، والبقية كفروا حسداً وبغياً من عند أنفسهم.

стр. 4357

حرب الفجار سميت حرب الفجار بهذا الاسم لكثرة ما وقع فيها من فجور, ولكثرة ما استحل فيها من المحارم, وهي وقعت بين قبيلتين من العرب بين قريش وكنانة من جهة، وبين قيس, وكان موقعها قريباً من سوق عكاظ , ويأتي سببها, وقد حضرها ﵊ وذلك قبل أن يبعث. ولما بلغ ﵊ سنة عشرين حضر حرب الفجار، وهذه الحرب كانت بين كنانة ومعها قريش، وبين قيس, وسببها: أنه كان ١٠٠٠٢٠٠>للنعمان بن منذر ملك العرب بـ الحيرة تجارة يرسلها كل عام إلى سوق عكاظ لتباع له, هذا النعمان بن المنذر ملك من العرب؛ لكنه يتبع كسرى, فكسرى كان يتملك حتى على العرب, ذلك المجرم الدكتاتور الإمبراطور الفاجر، كان يحكم العرب قبل مبعث الرسول ﷺ , فما الذي حررنا؟ ومن الذي أعتق رقابنا بإذن الله؟ من الذي رفع رءوسنا؟ إنه هذا الدين ثم رسالة الرسول ﵊. هذا النعمان كان له يومان: يوم عفو ويوم قتل, فمن أتاه في العفو عفا عنه وأكرمه وأعطاه جائزة, ومن أتاه في يوم غضبه قتله, والنابغة الذبياني يُروى أنه نال من عرض النعمان بن المنذر، فوشي به إلى النعمان فأقسم النعمان أن يذبح النابغة هذا, فقال فيه قصيدة من أبدع ما يقال, يقول فيها: أبيت اللعن أنك لمتني وتلك التي أهتم منها وأنصب فبت كأن العائدات فرشن لي فراشاً به يغلو فراشي ويقشب ثم يقول: حلفت فلم أترك لنفسك ريبة وليس وراء الله للمرء مذهب فإنك شمس والملوك كواكب إذا طلعت لم يبد منهن كوكب فعفا عنه، هذا النعمان كان له تجارة يرسلها إلى سوق عكاظ , وكان يرسلها في أمان رجل ذي منعة وشرفٍ في قومه ليجيزها, فجلس يوماً وعنده البراض الكناني وهو فاجر من فجار العرب وخليع وماجن, وكان فاتكاً خليعاً، خلعه قومه لكثرة شره, وكان عند النعمان، عروة بن عتبة الرحال , قال: من يجيز لي تجارتي هذه حتى يبلغها سوق عكاظ؟ فقال البراض: أنا أجيزها على بني كنانة, فقال النعمان: إنما أريد من يجيزها على الناس كلهم, فقال عروة بن عتبة الرحال: أبيت اللعن -هذه كلمة تستخدم بين يدي الملوك, أي: أعوذ بالله أن أبوء بلعنة الملك- أكلبٌ خليع يجيزها لك؟ يقصد عروة بن عتبة الرحال: البراض - أنا أجيزها على الشيح والقيصوم من أهل نجد وتهامة , فقال البراض: أو تجيزها على كنانة يا عروة بن عتبة الرحال؟ قال: وعلى الناس كلهم, فأسرَّها في نفسه وتربص به, فلما خرج عروة بن عتبة الرحال ذبحه البراض , فاختصمت العرب، وأتت بين دائرة وتواعدوا, قريش وكنانة في صف وقيس في صف, واجتمعوا في سوق عكاظ، ثم تواعدوا العام المقبل أن يجتمعوا, فاجتمعوا في مكان, وقد خرجت قريش يقودها حرب بن أمية والد أبي سفيان , وكان الرسول ﷺ عمره عشرين سنة, حضر معهم ومع كنانة ومع أعمامه, لأن أباه قد توفي كما سلف, فلما حضر ﷺ كان يعطي الأسهم لأعمامه، فاقتتلت العرب مقتلة ما سمع التاريخ بمثلها, وفي الأخير اصطلحوا وأديوا قتلاهم, وانتهى إلى هذا الحد، وقد حضرها ﷺ ، وهي من أشأم الحروب في حياة العرب.

стр. 4358

حلف الفضول بعد أن انتهت المعركة, اجتمعت قريش في دار عبد الله بن جدعان التميمي وهو من قريش, وعبد الله بن جدعان أمره عجيب، كان فقيراً, ولم يدرك الإسلام, كان فقيراً لا يملك شيئاً, ذهب إلى عرفة يرعى غنماً له, فوجد كنوزاً من الذهب والفضة, فادخرها وكان يطعم العرب من أجل أن يقال: كريم, وقد قيل في صحيح مسلم: أن الرسول ﷺ سألته عائشة تقول: ﴿يا رسول الله! عبد الله بن جدعان كان يطعم الجائع، ويقري الضيف، ويعين على نوائب الحق، هل ينفعه ذلك عند الله؟ فقال ﵊: لا يا عائشة إنه لم يقل يوماً من الدهر: رب اغفر لي خطيئتي يوم الدين﴾ ما مرت به لحظة قال فيها: رب اغفر لي خطيئتي يوم الدين, ومات كافراً, ولما قتل أبو جهل في بدر كان رأسه مقطوعاً وما عرفوا جثته, قال ﷺ : ﴿التمسوا جثته -بقية الجسم- قالوا: يا رسول الله! هل له علامة؟ قال: نعم. جرح في ركبة أبي جهل تصارعت أنا وإياه ونحن شباب على مائدة عبد الله بن جدعان فصرعته على الأرض، ففيه جرح﴾ وكان قريباً من سنه ﷺ ، لكن انظر! هذا كان محرر العالم، وذاك كان فرعون هذه الأمة, فأتوا به فوجدوا الجرح في ركبته. هذا عبد الله بن جدعان مدحته العرب بأحسن المدائح, ويقول فيه أمية بن أبي الصلت: أأذكر حاجتي أم قد كفاني حباؤك إن شيمتك الحباء إذا أثنى عليك المرء يوماً كفاه من تعرضه الثناء فاجتمعوا في بيت عبد الله بن جدعان التميمي، وكان ﷺ قد حضر معهم الاجتماع, وهذا من أحسن الاجتماعات في الجاهلية, وكان المتحالفون هم: بنو هاشم، وبنو المطلب بن عبد مناف، وبنو أسد بن عبد العزى، وبنو زهرة بن كلاب، وبنو تيم بن مرة, تحالفوا وتعاقدوا على ألا يجدوا بـ مكة مظلوماً إلا رفعوا الظلم عنه, والسبب في ذلك: أن تاجراً من تجار اليمن أتى فاستلب تجارته أهل مكة وسرقها رجل منهم، فأتى إلى الناس، قال: من يجيرني يا أيها الناس؟ فما أجاروه, قال: سلبت تجارتي من يعطيني الدين؟ فرفضوا أن يعطوه, فقام عبد الله بن جدعان ومن معه، وقالوا: نحن نجيرك، ثم اجتمعوا في حلف الفضول في بيت عبد الله بن جدعان , وكتبوا بينهم عهداً أنَّ من وجدوه مظلوماً أن يرفعوا عنه الظلم وأن يردوا مظلمته، وكان هذا من أحسن العقود التي شهدها ﷺ , قال: ﴿لقد شهدت مع عمومتي حلفاً في دار عبد الله بن جدعان ما أحب أن لي به حمر النعم، ولو دعيت به في الإسلام لأجبت﴾ يقول: تلك الليلة التي حضرت فيها، وحضرت هذا الميثاق، ما أريد أن لي بذلك حمر النعم, وهذا يسمى حلف الفضول عند العرب, وذلك لأنه ﷺ مبعوث بمكارم الأخلاق، وهذا منها، وقد أقر دين الإسلام كثيراً منها, وأما قوله ﷺ : ﴿بعثت بمكارم الأخلاق﴾ فحديث فيه نظر, وفي سنده كلام.

стр. 4359

رحلته إلى الشام المرة الثانية ولما بلغ سنه ﷺ خمساً وعشرين سنة سافر إلى الشام للمرة الثانية, وذلك أن خديجة بنت خويلد الأسدية كانت تاجرة, وكان عندها مال، وتوفي عنها زوجها, وكان عمرها أربعين سنة, فالتمست شاباً في مكة يستطيع أن يقوم بالتجارة، وأن يبيع ويشتري لها ويكون أميناً، فما وجدت إلا الرسول ﵊, وكانوا يسمونه الصادق الأمين, وكانت ودائعهم عند الرسول ﵊, ولذلك يقول الوليد بن المغيرة لما اجتمعوا في ليلة سمر، لما بعث الرسول ﷺ بلا إله إلا الله محمد رسول الله, قال كفار قريش: تعالوا نبحث لنا عن عيب وعن عار نلحقه بهذا الرسول، حتى يتسامع العرب أن فيه كذا وكذا، فلا يقبلون دعوته, فاجتمعوا وقالوا: ساحر, قال الوليد: لا يصلح هذا, قالوا: نرى أنه مجنون, قال: لا يصلح, قالوا: خائن, قال: كيف كنا نستأمنه وهو في الخامسة والعشرين من عمره، فلما ظهر الشيب في صدغيه -أي: أصبح في الأربعين- نقول: خائن؟ والله يرد عليهم: ﴿وَمَا صَاحِبُكُمْ بِمَجْنُونٍ﴾ [التكوير:٢٢] بل كان أصدق الناس وأعظمهم أمانة، وكانت الودائع عنده ﷺ . فاستأجرته خديجة، فذهب ﷺ في التجارة، فكانت من أحسن السفرات, التي سافروا فيها للتجارة في تلك الفترة, لأن الرسول ﷺ بينهم, وهذه بركته ﷺ , وربحوا ربحاً عظيماً، ثم لما أتى عرضت خديجة نفسها على هذا السيد الكريم ﷺ ، فتزوجها، وكان الذي خطب الخطبة أبو طالب سيد قريش -وحضر أبو طالب فقال: الحمد الله الذي جعلنا من ذرية إبراهيم، وزرع إسماعيل وضئضيء معد، وعنصر مضر، وجعلنا حفظة بيته, وسواس حرمه، وجعله لنا بيتاً محجوجاً، وحرماً آمناً، وجعلنا حكاماً على الناس -فقريش سادة في الجاهلية، وسادة في الإسلام- ثم إن ابن أخي هذا محمد بن عبد الله لا يعدل به رجل شرفاً ونبلاً وفضلاً -يقول: ائتوني برجل يعادله من شباب مكة فلا تجدون- وإن كان في المال قل، فإن المال ظل زائل، وأمر حائل، وعارية مستردة، يقول: إذا كان قليل المال فالمعذرة، فإن المال لا يثبت بل ينتهي والمال عارية والمال يذهب, ولا تبقى إلا الرسالة. والرسول ﷺ بقي فقيراً حتى مات, أتباعه فتحوا ثلاثة أرباع الدنيا، وبقي ﷺ فقيراً حتى مات, تصور مثلاً: عبد الملك بن مروان بعد مبعثه ﷺ بسنوات تولى الخلافة، وكان يحكم اثنتين وعشرين دولة عربية وغير عربية, أي: أن الجامعة العربية الآن ودولها كانت جزءاً من حكومة عبد الملك بن مروان الذي هو من التابعين للرسول ﷺ , ومع ذلك فإن الرسول ﷺ لما أتاه مرض الموت كان له حصير من خصف, ووردت رواية: أن ملكاً آتاه، قيل: جبريل وقيل: غيره، معه مفاتيح جبال الدنيا ذهباً, فقال: يا محمد! خذ هذه مفاتيح جبال الدنيا ذهباً, قال: ﴿بل الرفيق الأعلى, بل الرفيق الأعلى, بل الرفيق الأعلى من الجنة﴾ فقالت: عائشة خيرت واخترت يا رسول الله- ثم أخبر بالمهر وقال كذا, وعلى ذلك تم الأمر وكانت خديجة متزوجة قبله بـ أبي هالة، توفي عنها ولها منه ولد اسمه هند بن أبي هالة وهو ربيب المصطفى ﷺ , ولما تزوج خديجة كانت عاقلة، وكانت من أفصح النساء, وهي التي شدت من قلبه ﷺ , وواسته في الأزمات, وكان يشكو إليها جراحه وآلامه ولوعته وحرقته, وما وجده من نكال وعذاب, حتى يوم أتى من غار حراء يرتجف ﷺ , فقال: ﴿خشيت على نفسي قالت: كلا والله لا يخزيك الله أبداً، إنك لتصل الرحم، وتحمل الكل، وتعين على نوائب الحق﴾ ونزل جبريل مرة, فقالت: من هذا؟ قال: ﴿هذا جبريل يقرئك السلام، ويبشرك ببيت في الجنة من قصب لا صخب فيه ولا نصب﴾ والبيت في الجنة من قصب، من لؤلؤ مجوف لا صخب فيه ولا نصب, وكان ﷺ إذا التجأ إلى شيء قطع الله هذا الشيء، ليلتجئ إلى الله, مات أبوه وهو في بطن أمه ماتت وهو طفل, فالتجأ إلى جده فمات جده, فالتجأ إلى عمه فمات عمه, فالتجأ إلى خديجة فماتت خديجة , لتبقى صلته بالواحد الأحد.

стр. 4360

بناء البيت ما زلنا في حياة الرسول ﷺ والذكريات الأولى قبل البعثة، وما زلنا في سن شبابه ﷺ . قال: ولما بلغ سنه ﵊ خمساً وثلاثين سنة جاء سيل جارف، فصدع جدارن الكعبة, هدمها من كل ناحية، وهي كانت رضيمة من الحجارة قامة الإنسان فقط, وبناء إبراهيم كان زائداً اختصروا النباء لأنهم قلَّت بهم النفقة. فما استطاعت قريش أن تبني على المكان الذي بنيت عليه الكعبة، فاختصروا الكعبة اختصاراً مشيناً, فلما هدمت الكعبة وقع الحجر الأسود بعيداً, والحجر الأسود نزل من الجنة أبيض كاللبن, فسودته خطايا بني آدم, ولا يستلمه مسلم بصدق إلا أنطقه الله بلسان يوم القيامة، كما في الأثر الصحيح، وله عينان يشهد لمن استلمه بحق يوم العرض الأكبر, وهو خرج من ياقوتة بيضاء من الجنة, وتجده أملس, ولعلكم يوم تقبلونه تجدون فيه ضروب ثلاثة, هذه الضروب الثلاثة، ضربها أبو جناب القرمطي عليه لعنة الله, كان عنده دبوس من حديد، وأتى بالحرس وقتل الحُجاج في الحرم وقال: أنا بالله وبالله أنا يخلق الخلق وأفنيهم أنا ثم أخذ الحجر الأسود فضربه ثلاث ضربات بالدبوس، كالفأس, فشج الحجر الأسود, ثم اقتلع الحجر الأسود وحمله إلى القطيف , جهة الأحساء وبقي وجلس هناك فترة, والعجيب أنه لما حمله، كان الجمل الأول يموت, فأعطاه جملاً ثانياً فمات في الطريق, إلى أن مات سبعمائة جمل, ولما ردوه كفاه جمل واحد حتى رجع. المقصود: هدمت الكعبة، فأتوا يبنونها, فلما أتوا إلى الحجر الأسود، أتت بنو هاشم أسرة الرسول ﷺ , فسلوا السيوف في الصباح، وقالوا: والله لا يرفع الحجر الأسود إلى مكانه إلا بنو هاشم, من هي أشرف أسرة في الكرة الأرضية؟ بنو هاشم, لا يوجد أشرف منهم في العرب, لا العرب ولا العجم ولا الترك ولا البربر, فأتوا جميعهم وكانوا ما يقارب مائة رجل، فتعاقدوا على ألاَّ يرفع الحجر الأسود إلا هم, فأتى بنو أمية بنو العمومة وهم ما يقارب مائة رجل، وقالوا: لا يرفع الحجر إلا نحن, وأتت بنو زهرة وبنو سهم حتى اجتمعت الأسر، كلها في طرف الحرم, تعاقدوا وتعاهدوا لا يرفع الحجر إلا هم, وفي الأخير أتى بنو هاشم بصحفة رحراح، من أعواد فملئوها دم ناقة، قالوا: ضعوا أيمانكم نتعاهد ونتعاقد على الموت، لا يرفع الحجر إلا نحن, لأن المسألة فيها خطورة؛ لأن هذا يسمى مصيراً ومستقبلاً, فقام أمية بن المغيرة عم خالد بن الوليد وكان شيخاً في الثمانين, وقال: يا معشر قريش! خفضوا أصواتكم, فخفضوا أصواتهم, قال: ضعوا سيوفكم, فوضعوها, قال: أترضون أن نحتكم إلى أول من يدخل من باب بني شيبة؟ قالوا: رضينا, قال: أول من يدخل من الناس نحتكم إليه, وما هي إلا لحظات، وإذا رسول الله ﷺ دخل عليهم, والرسالة لم تنزل عليه آنذاك, وكان عمره آنذاك خمساً وثلاثين سنة, وكان أجمل الناس! كان وجهه كالقمر! لو لم تكن فيه آيات مبينة لكان منظره ينبيك بالخبر فشق الصفوف، والسيوف على الأرض، والناس تقطر عيونهم دماً أحمراً ينتظرون الموت, فقال: ماذا؟ فأخبروه الخبر, فأخذ رداءه الشريف ﵊، ووضعه في الأرض، وأخذ الحجر الأسود فوضعه على الرداء, وقال: ليقم بنو هاشم بهذا الطرف, وبنو زهرة هنا, وبنو أمية وبنو تميم وبنو كعب حتى عدَّد بطون مكة , فقام واحد من كل أسرة، فرفعوا الحجر حتى حاذوا به مكانه، فأخذه ﷺ فرده مكانه, لأن الله لا يريد أن يرد الحجر الأسود إلا باليد الشريفة التي لم تلطخ بدم ولم تسرق ولم تخن, فوضعه ﵊, وتم البناء, وهذه قصة الحجر، قال سبحانه: ﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكاً وَهُدىً لِلْعَالَمِينَ * فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِناً﴾ [آل عمران:٩٦ - ٩٧].

стр. 4361

معيشته ﵇ قبل البعثة لم يرث ﵊ من أبيه ميراثاً لا درهماً ولا ديناراً, مات أبوه فقيراً, وكان ﷺ فقيراً محوجاً, لا يملك الثوب إلا في السنة, كان عليه من السنة إلى السنة ثوب واحد, ومع ذلك كان الرسول ﷺ يظهر جسمه كالديباج يقول أنس: ﴿صافحت الرسول ﷺ ، فوالله ما مسست حريراً ولا ديباجاً ألين من كفه, وشممت عرقه ﷺ ، فوالله ما شممت مسكاً ولا عبيراً أحسن وأزكى من رائحته ﵊﴾. كفله عمه أبو طالب وكان أبو طالب عنده أطفال كثير, وكان فقيراً, فأخذ ﷺ يرعى الغنم لـ ابن أبي معيط على حفنة من تمر, وما من نبي إلا رعى الغنم, وهذه من حكمة الله أن يرعى الغنم, قال أهل العلم: في رعاية الغنم مسائل منها: ١ - أن رعاية الغنم تكسب الإنسان رقة وانكساراً وتواضعاً, فقد كان النبي ﷺ أشد الناس تواضعاً. ٢ - ومنها: أنها تعلمه سياسة الناس، وتدبير شئون الناس, ولذلك دبَّر ﷺ شئون الناس. ٣ - ومنها: أنها من أحسن الكسب، فليست كالتجارة التي قد يدخلها الحلف أو الربا. فامتن الله بهذا بعد أن أغناه، قال: ﴿أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيماً فَآوَى * وَوَجَدَكَ ضَالاً فَهَدَى * وَوَجَدَكَ عَائِلاً فَأَغْنَى﴾ [الضحى:٦ - ٨] وكان ﷺ يخبر دائماً أنه رعى الغنم, وما من نبي إلا رعى الغنم, ولما بعث ﷺ أتاه وفود العرب, وكان كثير من الصحابة يقومون على رأسه بالسيوف المصلتة، فأتاه ملك من الملوك؛ فأخذ يهتز هذا الملك ويرتعش من هيبة الرسول ﷺ , قال: ﴿هوِّن عليك، فإني ابن امرأة كانت تأكل القديد بـ مكة , وكنت أرعى الغنم قبل النبوة﴾ يقول: لا تخف, وهذا من شدة تواضعه ﵊ ورحمته. يقول عن السيرة الأولى: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحاً مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلا الْأِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُوراً نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الشورى:٥٢] ولولا الله ثم مبعثه ﵊ كانت أنوف الأمة في التراب، وما كانت تعرف حضارة ولا مستقبلاً ولا رقياً ولا ازدهاراً وما كان لها تاريخ. تاريخنا من رسول الله مبدؤه وما عداه فلا ذكر ولا شان ويقول أحدهم: في كفه شعلة تهدي وفي دمه عقيدة تتحدى كل جبار

стр. 4362

سيرته ﵊ في قومه قبل البعثة هذه سيرته ﷺ , ولما أخذته حليمة السعدية وكان طفلاً، كانت تدخله في الخيمة في الليل, وكانوا في بادية بني سعد في نواحي الطائف , فكان يخرج وينظر إلى النجوم متفكراً ﵊, من أبدع النجوم؟ من خلقها؟ من سوَّاها؟ من رفعها؟ ويقول كما في صحيح مسلم: ﴿إني لأعرف حجراً في مكة كان يسلم عليّ بالنبوة قبل أن أبعث﴾ كان يمر يرعى الغنم، فإذا مر بحجر في الطريق, قال الحجر: السلام عليك يا رسول الله, هذا قبل أن يبعث ﵊, إلى غير ذلك من أخباره العظيمة. بل جعل ابن تيمية من أعظم دلائل نبوته: أنه عاش ثلاثاً وستين سنة ما كذب كذبة، ولا خان خيانة، ولا فحش ولا بدرت منه بادرة, بل كان على السداد حتى لقي الله . هذه قطاف من سيرته ﷺ , وأزيد مسألة وهي أنه ما شرب الخمر في مستقبل حياته أبداً, لم يشرب كأساً واحداً, وكفار قريش كانوا يشربون كلهم الخمر, وكانوا يعاقرون الخمر عند الحجر الأسود, أما هو فعصمه الله من شرب الخمر، ولا سجد لصنم أبداً, ويقول ﷺ وهو يذكر حياته وذكرياته الأولى، يذكر ذلك لزملائه ولأصحابه بعد أن بعث بالرسالة يقول: كان في بيت آل فلان عرس -وهو يرعى الغنم، وهو شاب ﷺ قال: فسمعنا طرباً -معناه: حفلة شعبية, زيراً -وكمنجة ووتر وعود وأهل مكة كانوا أهل طرب- قال: فقال لي أحد الرعاة: أمسك عليك غنمك، وتذهب لتسمع وتحضر، ثم تمسك غنمي وأذهب وأسمع وأحضر, قال ﷺ : لا بأس, فأمسك الرجل غنم الرسول ﷺ ، وذهب ﷺ فلما اقترب ألقى الله عليه النوم في الطريق فما استفاق إلا من حرارة الشمس وما سمع صوتاً ولا حضرها؛ لأن الله أراد أن يسدده ليكون رسولاً للعالم، ولذلك ما وجدوا فيه مدخلاً بل تكلموا بكلام ليس له أساس من الصحة, فزاده الله بذلك شرفاً ومكانة.

стр. 4363

ما أكرمه الله به قبل النبوة قال المؤلف رحمه الله تعالى: أول ما منحه الله، ما حصل له من البركات على آل حليمة الذي كان مسترضعاً فيهم, فلقد كان قبل حلوله بناديهم مجدبين, فلما صار بينهم نزل عليهم الغيث، بأمر الله وبإذنه , فالله هو الذي ينزل الغيث ويكشف ما بالناس, وهو الذي يقدر ، ولكن قد يرحم الله كثيراً من الناس ببعض الناس, فلبركته ﵊ رحم أهل البادية الذين سكن معهم ﷺ كما سلف معنا, وأغاثهم الله , فأصبحوا في نعيم مقيم, يقول البوصيري: وإذا سخر الإله سعيداً لأناس فإنهم سعداء البوصيري مصري له منظومات لكن لاحظ عليه العلماء المبالغة في مدحه ﵊, وله نهج البردة التي يقول فيها من ضمن أبياتها: يا أكرم الخلق ما لي من ألوذ به سواك عند حدوث الحادث العمم إن لم تكن في قيامي آخذاً بيدي فضلاً وإلا فقل يا زلة القدم وهذا شرك, يخاطب الرسول ﷺ , ويقول: ما لي من ألوذ به يا رسول الله إلا بك, وهذا خطأ وشرك في المعتقد, بل الذي يلاذ به الله , ويعاذ به ﵎، ولا يلاذ ولا يعاذ بغيره ﵎, والرسول ﵊ لا يكشف ضراً ولا يجلب نفعاً، ولا يحيي ولا يميت ولا يشفي ولا يرزق ولا يبتلي، إنما هو فقط يبلغ الرسالة، وإلا فهو بشر ﵊, فلينتبه الناس لهذه المسألة، وهي: أن الرسول ﷺ بشر، وأن مهمته تبليغ الرسالة، وقد بلغها على أكمل وجه ﷺ . ثم شرح الله صدره، وبعض المفسرين يقولون في قوله : ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ﴾ [الشرح:١] يقول بعضهم: أما شققنا صدرك وأخرجنا منه المرارة السوداء؟ لأن المرارة السوداء التي كانت في قلبه ﷺ أخرجت, فكان ﷺ يرعى البهم في الصباح وعمره ما يقارب ثمان سنوات، أو أقل من ذلك, ومعه أخوه من الرضاعة ابن حليمة السعدية المرضعة, فلما رعوا البهم بجانب ديارهم وخيمهم في بادية بني سعد المعروفة تجاه الطائف , وإذا بملكين اثنين ينزلان من السماء، فيأخذان الرسول ﵊ فيبطحانه على ظهره ويشقان صدره شقاً, ثم أخرجا المرارة السوداء، وغسلا قلبه ﷺ . قال أهل العلم: غسلاه بماء زمزم في طست من ذهب, فيقول بعض المفسرين: (أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ) يقول الله : أما شرحنا لك صدرك في هذه المرة؟ والصحيح عند جمهور المفسرين: أي: جعلناه مشروحاً واسعاً, فأزال الله همه وغمه. ولذلك تجده ﷺ في المعارك وقد كسرت رباعيته, وشج رأسه ﵊, وقتل سبعون من الصحابة وهو يتبسم, وفي الغار وقد أحاط به المشركون من كل جهة وهو يتبسم, وقتل كثير من أقاربه وهو يتبسم ﵊, ثم كان ﵊ على كثرة المصائب مشروح الصدر, يقول : ﴿فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقاً حَرَجاً كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ﴾ [الأنعام:١٢٥] وقال: ﴿أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلامِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ فَوَيْلٌ لِلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الزمر:٢٢] وأول ما دعا موسى ﵇ أن قال: ﴿قَالَ رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي﴾ طه ٢٥] وهي من أحسن الدعوات. فشرح الله صدره، وأخرج حظ الشيطان منه, ثم إن الله منّ عليه أن جعل شيطانه يسلم، يقول ﷺ : ﴿ما منكم من أحد إلا ومعه قرين قد وكل به، قالوا: حتى أنت يا رسول الله؟ قال: حتى أنا، لكن أعانني الله عليه فأسلم﴾ فشيطانه أسلم ولا يأمره إلا بخير, أما نحن فكل واحد منا معه قرين يأمره بالشر إلا من عصم ربك, والله جعل لنا هذا ابتلاء ليرى إيماننا ويرى عملنا الصالح, وأحسن ما يستدفع به الشيطان الوضوء وذكر الله، وقراءة القرآن، والدعاء، والمعوذات، وآية الكرسي، فهذه يستدفع بها الشيطان نعوذ بالله منه. ثم إن الرسول ﵊ سخر الله له الغمامة في سفره إلى الشام فاستظل بها, ونزلت القافلة إلى السوق وترك الرسول ﵊ يرعى الإبل وهو في الشام , وعمره ما يقارب خمساً وثلاثين سنة، فأتت غمامة فظللته ﵊, وهذه من علامات نبوته ﷺ . ثم إن الرسول ﵊ كان يمر فتسلم عليه الأشجار والأحجار بالنبوة قبل أن يبعثه الله .

стр. 4364

تبشير التوراة بالرسول ﷺ أنزل الله التوراة على موسى ﵇, والله كتبها بيده, والعجيب أن التوراة كتبها بيده , والقرآن كتبه الكتبة, والإنجيل كتبه الكتبة, أما التوراة فكتبها الله بيده, ولذلك لما التقى موسى ﵇ وأبونا آدم في السماء السابعة، وقيل: في السادسة, وقيل: غير ذلك, فسلّم موسى على آدم, وبينهم آلاف السنوات وهذا ابنه, موسى لم يبعث إلا بعد آلاف السنوات, بعد أن رفع الله موسى كما ثبت في الصحيحين, قال: ﴿أنت أبونا آدم؟ قال: نعم. قال: خيبتنا -موسى كان جريئاً, حتى يقول ابن تيمية: كان جريئاً وشجاعاً, حتى لما كلمه الله يقول: ﴿قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ﴾ [الأعراف:١٤٣]- قال: خيبتنا وأخرجتنا من الجنة، وأهبطتنا إلى الأرض -لماذا تأكل الشجرة, نهاك الله أن تأكل الشجرة فأكلتها, فنزلت فنزلنا, ولو جلست في الجنة لجلسنا في الجنة كلنا, لكن أنت السبب الأول في نزولنا- قال آدم ﵇: من أنت؟ قال: موسى, قال: موسى بني إسرائيل؟ -لأنه يقرأ سيرته- قال: نعم. قال: أنت الذي اصطفاك الله برسالته وكلامه، بكم وجدت الله كتب علي ذلك -يقول كم رأيت في التوراة كتب عليَّ أن آكل من الشجرة- قال: بأربعين سنة, قال: أفتلومني على شيء قدره الله عليَّ قبل أن يخلقني بأربعين سنة؟ فيقول ﵊: فحجّ آدم موسى, فحجّ آدم موسى, فحجّ آدم موسى﴾ أي: غلبه, فسكت موسى ﵇. فلما أنزل الله التوراة على موسى قال المؤلف: كانت محتوية على الشرائع التي تناسب أهل ذاك الزمن, نوه بذكر كثير من الأنبياء الذين علم الله أنه سيرسلهم, ومما جاء به في التوراة تبشيراً برسولنا الكريم خطاباً لسيدنا موسى ﵇, وخطاب التوراة مترجم إلى العربية يقول وهذا يعرفه بنو إسرائيل جميعاً, حتى اليهود الآن الذين في فلسطين يعرفون هذا الكلام: " سوف أقيم لهم نبياً مثلك, من بين إخوتهم، وأجعل كلامي في فمه, ويكلمهم بكل شيء آمره به ومن لم يطع كلامه الذي يتكلم به باسمي, فأنا الذي أنتقم منه, فأما النبي الذي يجترئ علي بالكبرياء ويتكلم باسمي بما لم آمره به أو باسم آلهة أخرى فليقتل, وإذا أحببت أن تميز بين النبي الصادق والكاذب, فهذه علامتك، إن ما قاله ذلك النبي باسم الرب ولم يحدث فهو كاذب يريد تعظيم نفسه ولذلك لا تخشاه. هذا كلام من التوراة يخبر بالرسول ﵊. والعجيب أن الكتب التي أنزلها الله لا تسمو إلى بلاغة أو إعجاز القرآن, إذا قرئ علينا في الصلاة كأنه أول مرة تسمعه, ويقول الله : ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْأنس وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً﴾ [الاسراء:٨٨] وعرف اليهود أن الرسول ﷺ سوف يبعث, ولكنهم أخذهم الحسد لأنه عربي, وهم يريدون أن يكون من اليهود. كان رجل في المدينة قبل أن يبعث الرسول ﷺ ، وكان اليهود أهل النخل في خيبر , فكان يجمع اليهود كلهم -هذا عالم من علمائهم- ويقول: يا معشر اليهود! النبي سوف يبعث في هذه الأيام، وسوف يبعث من عندنا, قالوا: ما علامته؟ قال: ربعة من الرجال، أبيض مشوب بحمرة، يخرج من بين حرتين, لا يقرأ ولا يكتب, فأتى الرسول ﷺ من مكة إلى المدينة فخرج من بين الحرتين, أبيض ربعة لا يقرأ ولا يكتب, فيقول اليهود لعالمهم الذي كان يقص عليهم بعد صلاة العصر: أهذا هو الرسول؟ قال: لا. فأنزل الله : ﴿فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ [البقرة:٨٩]. ويقول عبد الله بن سلام: ﴿كنت أقرأ وصف الرسول ﵊ في التوراة -هذا يهودي من علمائهم- قال: فلما نزل ﷺ المدينة جهة قباء -المسجد المعروف عند قباء - قال: فنزلت السوق فتركت نخلي وأتيت من مزرعتي، وإذا بالناس قد اجتمعوا على الرسول ﷺ , قال: فزاحمت حتى أشرفت، فرأيت وجهه، فإذا هو كأنه القمر في ليلة أربعة عشر, قال: فعرفت أنه ليس بوجه كذاب, قال: فاقتربت منه وإذا هو يقول: يا أيها الناس! أفشوا السلام، وصلوا الأرحام، وصلوا بالليل والناس نيام تدخوا الجنة بسلام, فقلت له: من أنت؟ قال: أنا رسول, قلت: من أرسلك؟ قال: الله, قلت: ألك علامات؟ قال: سل ما بدا لك, قال: أسألك عن ثلاث مسائل -هذا عبد الله بن سلام وهو عالم من علماء اليهود- إن أجبتني عنها فأنت صادق يتحداه!! قال: ما هي؟ قال: أولاً: ما أول علامات الساعة؟ ثانياً: ما هو أول شيء يأكله أهل الجنة؟ ثالثاً: لماذا يشبه الولد أباه أو يشبه أمه؟ قال ﵊: أما أول علامات الساعة فنار تحشر الناس من المشرق إلى المغرب قال: صدقت. قال: وأما أول ما يأكل أهل الجنة في الجنة فزيادة كبد الحوت، قال: صدقت. وقال: وأما لماذا يشبه الولد أباه أو أمه، فماء الرجل أبيض غليظ وماء المرأة رقيق أصفر، فإذا علا أحدهما الآخر أشبه أباه أو أمه, قال: صدقت! أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أنك رسول الله, ثم قال: يا رسول الله! قال: نعم. قال: أنا من أحبار اليهود ومن علمائهم, وقرأت أوصافك في التوراة, فأدخلني هذه المشربة -المشربة غرفة دائماً تأتي وراء الغرف الكبرى- فأدخله ﵊ وأغلق عليه الباب -باب خشب- وقال: ادع اليهود واسألهم عني وسوف تسمع, ثم أخبرهم أني أسلمت, فدعا ﷺ عشرة من علماء اليهود الكبار الذين يحفظون التوراة، فأجلسهم أمامه, وعبد الله بن سلام وراء الباب, قال: كيف عبد الله بن سلام فيكم؟ قالوا: حبرنا وابن حبرنا، وعالمنا وابن عالمنا، وفقيهنا وابن فقيهنا, ففتح ﷺ الباب له, وقال: أرأيتم إن أسلم؟ قال: أعاذه الله من ذلك, قال عبد الله بن سلام: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً رسول الله, قالوا: شرنا وابن شرنا، وسيئنا وابن سيئنا، وخبيثنا وابن خبيثنا﴾ , وهذه لا تقبل نعوذ بالله من الخذلان, هؤلاء اليهود يعرفون مبعث الرسول ﵊, ولكنهم غضبوا لأنه عربي. ولذلك لا يقبلونا الآن غضباً؛ لأن دعوته غطت ثلاثة أرباع الكرة الأرضية ﵊, والمستقبل لدعوته وهم الآن شرقوا بها, ويموتون من ذكره ﷺ , يقول سبحانه في مبعث الرسول ﷺ : ﴿وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ * لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ * ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ﴾ [الحاقة:٤٤ - ٤٦]. يقول: لو زاد من عنده على كلامنا لقطعنا منه الوتين, قالوا: العرق الذي فيه الحياة, قال: لصرعناه أو لقتلناه وقيل: لذبحناه, يقول: ليس له أن يتكلم بكلمة إلا منا: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾ [المائدة:٦٧].

стр. 4365

عصمة الله لرسوله ﷺ ثم إن الرسول ﵊ مكث بين أعدائه من المشركين واليهود ثلاثاً وعشرين سنة يدعوهم إلى الله، ومع ذلك عصمه الله منهم، وأنزل عليه تطميناً لخاطره في سورة المائدة: ﴿وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾ [المائدة:٦٧]. كان إذا أراد أن ينام ﷺ في الليل جعل حارساً على الباب من الصحابة؛ معه سيف ورمح وخنجر يحرسه حتى الصباح, لأن الرسول ﷺ خطير واغتياله سهل, والله حماه في فترة طويلة، فخاف ﷺ أن يعتدى عليه من قبل اليهود والمنافقين, قالت عائشة: ﴿سافر ﷺ مرة من المرات فنام ﷺ في الصحراء ومعه خيمة, قال: ليت رجلاً صالحاً يحرسنا هذه الليلة, قالت: فإذا به يسمع صوت سلاح فقال ﷺ : من؟ قال: سعد بن أبي وقاص -الذي دمر إمبراطورية كسرى وقيصر, هذا الذي فتح فارس الذي قتل الدكتاتور رستم , يقول ﷺ إذا رأى سعد بن أبي وقاص: هذا خالي فليرني كلٌ خاله- فقال ﷺ : من؟ قال: سعد بن أبي وقاص , قال: رحمك الله, فحرس النبي ﷺ ، وفي الصباح أنزل الله : (وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ)﴾ يقول: لا تخف لا تأخذ حراسة، فلن يعتدي عليك أحد, فترك ﷺ الحراسة، فكان يمشي وحده بلا سلاح ولا حرس, وقد تعرض لإحدى عشرة محاولة اغتيال ونجاه الله, وأنا أذكر بعضها: رجل من قريش اسمه فضالة أخذ خنجراً كخافية النسر وسمّه حتى أصبح الخنجر أزرق, قال: ﴿فلما أصبح ﷺ يطوف جعلت الخنجر تحت إبطي، قلت: فسوف أتركه فإذا قبل الحجر طعنته, قال: فاقتربت منه، فكلما أردت أن أطعنه إذا كالبرق بين عيني, قال: ثم التفت وأنا بجانبه، قال: يا فضالة! ماذا تقول؟ قلت: أستغفر الله وأحمد الله وأدعو الله, قال: قل أعوذ بالله من الشيطان, فقلت: أعوذ بالله من الشيطان, قال: فأخذ يده فوضعها على صدري، فوالله ما رفعها حتى كان أحب الناس إلى قلبي﴾. وقال عثمان بن أبي شيبة: ﴿خرجت مع الرسول ﷺ بعد أن قتل آباءنا في بدر فلما أهويت لأقتله حماه الله، قال: ثم التفت إلي ﷺ ودعا لي وعفا عني فكان أحب الناس إلي﴾. ومن محاولات الاغتيال: أن رجلين من العرب عامر بن الطفيل سيد العرب, كان عنده ألف مقاتل, وأربد بن قيس ذهب إلى المدينة , فقال عامر بن الطفيل لـ أربد: سوف أشغل الرسول عنك وأحدثه، فإذا أشغلته فاقتله من ورائه, فلما وصلا إلى المدينة , قال للرسول: اخرج معنا إلى الصحراء نريدك, فخرج معهم ﷺ , وليس لديه سلاح ولا أخبر أحداً من الصحابة, فلما أصبح وحده معهم, قام عامر بن الطفيل يحدث الرسول ﷺ , ويشير بعينه إلى أربد , ومع أربد سيف يقول: اقتله, فتوقف أربد , فأشار له فتوقف, وأشار له فتوقف, ثم ترك عامر الرسول ﷺ ومشى هو وأربد , فقال عامر لـ أربد: والله لا أصحبك بعد اليوم، ولا رأيت أجبن منك في العرب, قال: ولِمَ؟ قال: أشغلت الرجل عنك وما قتلته؟ قال: والله ما هممت ولا رفعت سيفي لأقتله إلا وجدتك بيني وبينه أفقتلك؟ فالتفت ﷺ وعرف أنهما خائنان لما مضى, قال: ﴿اللهم سلّط عليهم ما شئت﴾ فأما عامر بن الطفيل فسلط الله عليه غدة نزلت كثدي المرأة في حلقه, وهو في بيت عجوز من بني سلول، قال: غدة كغدة البعير في بيت امرأة من بني سلول! يقول: أنا أكرم العرب أموت في بيت هذه العجوز, فركب على الفرس فمات, وأما أربد بن قيس فقد أنزل الله عليه صاعقة فأحرقته وأحرقت جمله وسط السوق. يا غارة الله جدي السير مسرعة في أخذ هذا الفتى يا غارة الله يقول سبحانه يرد على الرسول ﷺ : ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِباً فَإِنْ يَشَأِ اللَّهُ يَخْتِمْ عَلَى قَلْبِكَ وَيَمْحُ اللَّهُ الْبَاطِلَ وَيُحِقُّ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ [الشورى:٢٤] ومعنى الآية: هل تفتري علينا الكذب؟ فإذا شاء الله ختم على قلبك فلا تستطيع تتكلم, فمن الذي جعلك تتكلم؟ هذا المصحف الذي بين أيدينا أتى به ﵊, وهو أمي لا يقرأ ولا يكتب، لا تعلَّم ولا دخل مدرسة، ولا يعرف أن يكتب اسمه ﵊ ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولاً مِنْهُمْ﴾ [الجمعة:٢] ويقول : ﴿وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذاً لارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ * بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَمَا يَجْحَدُ بِآياتِنَا إِلَّا الظَّالِمُونَ﴾ [العنكبوت:٤٨ - ٤٩]. ثم إن الله بشَّر به ﵊ في الكتب السابقة، وعرفه الناس ﵊ قبل مبعثه, ومن أوصافه ﷺ في الكتب السابقة ما روى عبد الله بن عمرو بن العاص عن صفة رسول الله ﷺ فقال: أجل والله! إنه لموصوف في التوراة ببعض صفته في القرآن, اسمع إلى كلام التوراة " يا أيها النبي! إنا أرسلناك شاهدا ومبشراً ونذيراً -وهذه جملة في القرآن- وحرزاً للأميين -أي: حرزاً لنا, الأميين الذين لم يقرءوا ولم يكتبوا, نحن أمة أمية لا نقرأ ولا نكتب- أنت عبدي ورسولي سميتك المتوكل ليس بفظ ولا غليظ ولا صخاب في الأسواق، ولا يدفع السيئة بالسيئة -ما كان يرفع صوته ﷺ ولا كان يصيح، وإذا أراد أن يلتفت لا يلتفت برأسه فقط، بل يلتفت بجسمه كله, ولا يشير بأصبعه ويشير بيده كلها, وكان ﵊ لا يتثاءب أبداً منذ أن ولدته أمه إلى أن مات ما تثاءب, لأن التثاؤب من الشيطان, ولم يحتلم أبداً, وكان إذا قام يقول: ﴿استووا استووا اعتدلوا إني أراكم من وراء ظهري﴾ فكان يرى الصفوف من وارء ظهره, وكان ﷺ إذا نام تنام عيناه ولا ينام قلبه, ويرى أحياناً أنه يدخل الجنة، وأحياناً يتكلم مع الملائكة ﵊، وله صفات كثيرة ﵊, كان العرق الذي يتصبب منه أحسن من المسك, وكانت الأنصار تأخذه في قوارير, ويأخذون منه قطرات يغسلون به المرضى فيتشافون بإذن الله.

стр. 4366

لمحة من أخلاق النبي الكريم كان ﷺ ينزل الأسواق, لكن ما كان يرفع صوته, ومرة من المرات نزل فأتى إلى زاهر وهو بدوي, كان زاهر هذا يأتي بالعسل والسمن للرسول ﷺ يشتريه منه, فوجد زاهراً يبيع، فأتى الرسول ﷺ من وراء زاهر، فاحتضنه من وراءه وأمسكه بقوة -وكانت قوته ﷺ تعادل قوة ثلاثين رجل ﷺ , ولذلك يقول أحد الأنصار: رأينا صخرة في الخندق اجتمع عليها نفر منا ما استطعنا لها, فأتى ﷺ فرفع عن ساعديه فحملها، فوالله ما أنسى ذراع يديه وهو يحمل الصخرة حتى رماها بعيداً- فلما أمسكه قال: من يشتري العبد؟ يقولها ﷺ وسط السوق, فأخذ زاهر يقول: اتركني اتركني لا يدري من هو هذا العربي الذي أمسكه, قال الرسول ﷺ : ﴿من يشتري العبد؟ من يشتري العبد؟﴾ فالتفت فرأى الرسول ﷺ ، فأخذ يتمحك بظهره بصدر الرسول ﷺ للبركة, ثم قال: إذاً يا رسول الله تجدني كاسداً، قال: ﴿لكنك عند الله لست بكاسد. وقريش يقولون: ﴿وَقَالُوا مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْوَاقِ﴾ [الفرقان:٧] يقولون: لماذا يتكسب يبيع ويشتري؟ لو كان رسول صدق لجلس في البيت, فالله أخبرهم أنه يأكل الطعام، ويمشي في الأسواق، وأنه بشر يعرف آلامهم وآمالهم, ويعيش حوائجهم ﵊, ويجوع كما يجوعون, ويشبع كما يشبعون. قال: ولا يدفع السيئة بالسيئة، ولكن يعفو ويغفر, كل من أساء في حقه ﷺ عفا عنه وغفر, لما دخل مكة وفتح ﵊ مكة , أخذ بحلق باب الكعبة قال: ﴿الحمد لله وحده، نصر عبده، وأعز جنده، وهزم الأحزاب وحده﴾ ثم قال لقريش الذين آذوه وقتلوا أصحابه وقاتلوه: ﴿ما ترون أني فاعل بكم؟﴾ يقول: ماذا تتصورون وماذا تتوقعون أني سوف أفعل؟ أنا الآن منتصر, السيف في يدي, أنتم لا تملكون شيئاً مجردين من السلاح, وكان حراسته على الحرم اثني عشر ألف مقاتل من الصحابة- فأخذوا يتباكون، يقول أحد الصحابة: سمعت بكاء الأطفال والنساء والرجال, أي: يقولون: أنقذنا, فقام أبو سفيان فقال: أخ كريم وابن أخ كريم, يقولون: افعل ما بدا لك, نحن أسأنا وأخطأنا, قال ﷺ : ﴿عفا الله عنكم, وغفر الله لكم، اذهبوا فأنتم الطلقاء﴾ فأخذ أبو سفيان يبكي عند الباب، ويقول: [[لا إله إلا الله ما أرحمك! ولا إله إلا الله ما أحلمك! ولا إله إلا الله ما أبرك! ولا إله إلا الله ما أوصلك!]] ﵊. والله يقول له: ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [المؤمنون:٩٦] وقال سبحانه: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم:٤] وقال سبحانه: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾ [آل عمران:١٥٩]. ﴿جاء بدوي أعرابي إلى الرسول ﷺ ، وعلى الرسول ﷺ برد نجراني غليظ الحاشية -جبة- فمشى ﷺ بين أصحابه، فأدركه الأعرابي فسحبه سحبة شديدة حتى أثر البرد في عنقه, فالتفت ﷺ إليه يتبسم ﷺ , قال الأعرابي: أعطني من مال الله الذي عندك لا من مال أبيك ولا مال أمك -أعوذ بالله من الخطأ- قال ﷺ : أعطوه, فأعطوه, ثم أسلم هذا الأعرابي, فقال ﷺ : لو تركته وما فعل لارتد وارتد قومه معه﴾ أو كما قال ﷺ . واعلم حفظك الله أنه ﷺ ، تميز بآيات عديدة منها: معجزات ظاهرة سوف تأتي معنا: ومنها: معجزات خُلقية وخَلقية. ومنها: أن العالم شهد بنبوته منهم من آمن ومنهم من كفر. ومنها: أن الله أتم له نوره وجعل العاقبة له, وجعل الدائرة على أعدائه.

стр. 4367

تبشير الإنجيل ببعثة النبي ﷺ قال: المؤلف رحمه الله تعالى (بابٌ في تبشير الإنجيل بالرسول ﷺ أي: أن ذكره ﷺ كان في الكتب السالفة، ومر معنا أنه وجد ذكره ﷺ في التوراة، وقد بشر به موسى قومه بني إسرائيل. نسمع الآن إلى عيسى ﵇ يبشر كذلك بني إسرائيل بالرسول ﵊، قال: بشر عيسى ﵇ قومه في الإنجيل بالفار قليط، ومعناه قريب من اسم محمد أو أحمد، وهذه في لغتهم في الإنجيل، ولا يوجد بين الرسول ﷺ وبين عيسى نبي، بل عيسى قبل الرسول ﷺ ، ثم خُتم بمحمد ﷺ ، فهو خاتم الرسل ﷺ ، قال: فكان يدعى في الإنجيل بالفار قليط، ومعناه قريب من محمد أو أحمد. ويصدقه القرآن في قول الله تعالى في سورة الصف: ﴿وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَا بَنِي إِسْرائيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقاً لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّراً بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أحمد﴾ [الصف:٦] وهو رسولنا ﵊، واسمه: أحمد ومحمد والعاقب والماحي والحاشر، أما اسم طه فلم يثبت عند أهل السنة أن اسمه ﷺ طه، إنما قاله بعض الناس. وهنا وقفة لطيفة في الآية: ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ﴾ [الصف:٥] ولما أتى عند عيسى قال: ﴿وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَا بَنِي إِسْرائيلَ﴾ [الصف:٦] فلماذا قال موسى: يا قوم؟ ولماذا قال عيسى: يا بني إسرائيل؟ قال بعض أهل العلم: لأن موسى من بني إسرائيل، فأبوه من اليهود، أما عيسى فليس له أب، فما ينتسب إليهم، ما قال: يا قوم، إنما قال: يا بني إسرائيل، فناداهم كأنه بعيدٌ عنهم ﵇، قال الله: ﴿إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقاً لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ﴾ [الصف:٦] التوراة التي أتى بها موسى ﵇، والتوراة كان فيها الأحكام والحدود، والإنجيل كان فيه الرقائق والمواعظ: ﴿وَمُبَشِّراً بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أحمد﴾ [الصف:٦] قيل: بينه وبين عيسى عليه والسلام خمسمائة سنة، وقيل: أربعمائة سنة، وقيل: ما يقارب ذلك. وقد وصف المسيح هذا بالفارقليط، بأوصاف لا تنطبق إلا على نبينا ﷺ ، فقال عيسى ﵇ يصف الرسول ﷺ لقومه: إنه يوبخ العالم على خطيئته، أي: الرسول ﷺ يأتي؛ فيوبخ الناس على خطاياهم، وعلى معاصيهم، وإعراضهم عن الله، وأنه يعلمهم جميع الحق؛ لأنه ليس ينطق من عنده، بل يتكلم بكل ما يسمع، ومصداق ذلك في القرآن: ﴿وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى * مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى * وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ [النجم:١ - ٤]. فالرسول ﵊ لم يأتِ بالشريعة من نفسه: ﴿وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ * لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ * ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ﴾ [الحاقة:٤٤ - ٤٦] إنما أتى بوحي ينشره في الناس ﷺ ، ويتكلم بوحي من الله، ولا يمكن أن يفرض للناس ما لم يتنزل عليه، ومن علامة ذلك أنه ﷺ لم يكن عنده ثقافة، ولم يكن يقرأ ولا يكتب، إنما أنزل الله عليه هذا الوحي فبلغه للناس ﵊. وقد ورد في إنجيل برنابا، الذي ظهر منذ زمن قريب وأخفته حجب الجهالة، ذكر اسم الرسول ﵊ صراحة، فورد في إنجيل برنابا اسمه محمد، وورد أن اسمه أحمد وهو رسولنا ﵊، واليهود والنصارى يعرفون أن الرسول ﷺ صادق، وأنه رسول من الله، وأنه نبي، لكن منعهم الحسد والبغي والغرور أن يؤمنوا به.

стр. 4368

حركة الأفكار قبل البعثة قال المؤلف: بابٌ في حركة الأفكار قبل البعثة، وهذا يسهل لك فهم الحركة العظيمة من الأحبار والرهبان قبيل بعثته ﵊؛ فإن اليهود كانوا يستفتحون في المدينة على العرب، وكان اليهود مجاورين للعرب من الأوس والخزرج في المدينة، وكان اليهود يقرءون التوراة ويرون خبر الرسول ﵊، فكانوا يستفتحون على الذين كفروا، أي: يستفتحون على المشركين. يقولون: غداً سوف يظهر النبي يقاتلكم ونقاتلكم معه وسوف نكون معه، لماذا يقول هذا اليهود؟ لأنهم ظنوا أن الرسول ﷺ سوف يكون من اليهود لا من العرب، وكانوا يقولون: صفته كذا، ربعة أبيض مشوباً بحمرة، أمي لا يقرأ ولا يكتب، يخرج بين النخل، يقبل الهدية ولا يقبل الصدقة، أوتي قوة ثلاثين، تنام عيناه ولا ينام قلبه، لا يتثاءب ولا يحتلم، وهذه أوصاف الرسول ﵊. والأوس والخزرج من العرب ولم يكن عندهم كتاب، كانوا ينتظرون، فلما بعث ﵊ فوجئ اليهود أنه بعث من العرب؛ فكفروا، قالوا: لا. ليس هذا بالرسول، قال الأوس والخزرج: هذا الذي أخبرتمونا به، هذه أوصافه، قالوا: لا. ليس هو، قال الله: ﴿فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ [البقرة:٨٩]. وكان في صفاته ﵊ عند اليهود في التوراة أنه كلما أغضبته كلما زاد حلماً، كلما رفعت صوتك على الرسول ﷺ كلما ازداد حلماً. فلما أتى ﷺ إلى المدينة جاء تاجر من تجارهم اسمه زيد بن سنعة، رأى أوصاف الرسول ﵊؛ فأراد أن يختبر حلمه، هل هو صحيح أم لا؟ فأتى إلى الرسول ﷺ وقال: يا أبا القاسم! أنا رجل من تجار اليهود، وعندي مالٌ كثير، وأريد أن تأخذ من مالي تستعين به على غزواتك وعلى حوائجك، قال ﵊: لا بأس، فأخذ منه ﷺ مالاً إلى الحول إلى سنة. وبعد شهر أتى اليهودي والرسول ﷺ في المسجد في صلاة العصر يصلي بالناس، والصحابة قد اجتمعوا، فقال اليهودي التاجر: يا محمد! أعطني مالي الذي عندك، قال ﷺ : أنت أعطيتني إلى حول -إلى سنة- قال: إنكم مطل يا بني عبد المطلب، أي: أنكم تماطلون الدائن، أنتم لا توفون، فتبسم ﵊، قال: أعطني مالي ولا تتبسم، فتبسم أكثر، فقام عمر -قال الرواي: تتدحرج عيناه ﵁ من الغضب يريد اليهودي- فأجلس النبي ﷺ عمر وقال: سوف أعطيك إن شاء الله، فأخذ اليهودي يرفع صوته وأخذ ﷺ يتبسم، وأخذ يد اليهودي معه، وذهب به إلى بيته فقضاه، فقال اليهودي: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أنك رسول الله، ما من علامة في التوراة كانت مكتوبة إلا وجدتها فيك، إلا هذه العلامة فأردت أن أبتليك وأمتحنك فوجدتها فيك، فأشهد أنك رسولٌ من عند الله، وهذه صفاته ﵊. ثم لما بعث ﵊ من العرب منعهم الحسد أن يؤمنوا به، وكان أمية بن أبي الصلت المتنصر العربي، كثيراً ما يقول: إني لأجد في الكتب صفة نبي يبعث في بلادنا، أمية بن أبي الصلت ثقفي من أهل الطائف وشاعر، وكان يقرأ التوراة والإنجيل، وهو الوحيد الذي يقرأ في الطائف، كانوا يجتمعون فيكتب لهم الرسائل، ويخبرهم أنه سوف يبعث نبي، وكان هو يعرض بنفسه، يقول: هو الذي سوف يبعث؛ لأنه يقول: ليس هناك رجلاً مثقفاً في الجزيرة العربية إلا هو، أي: أكاديمي، أما البقية فليس عندهم ثقافة، الرسول ﷺ أمي لا يقرأ ولا يكتب، لكن أمية بن أبي الصلت، يقرأ وشاعر ويكتب، وذاك الوقت لو وجد في العرب من يقرأ ويكتب وشاعر فهو الكامل عندهم، وهو صاحب القصائد العجيبة التي يذكر الله فيها، يروي قصة موسى عند فرعون في قصيدة قديمة عربية، يقول: أن موسى ذهب إلى فرعون، فقال: فقولا له هل أنت سويت هذه بلا عمد حتى استقلت كما هيا يقول: إن الله أرسل موسى إلى فرعون، فقال الله لموسى: قل له يا موسى: أأنت سويت السماء بلا عمد؟ وله قصيدة يحيي فيها ملك اليمن سيف بن ذي يزن، يقول: اجلس بـ غمدان ذاك القصر في وله في قصر غمدان حالاً دونه حال تلك المكارم لا قعبان من لبن شيبا بماء فعاد بعد أبوالا لأن العرب كانوا يهنئون سيف بن ذي يزن في اليمن ويحيونه؛ لأنه طرد أبرهة الأشرم، وطرد الأحباش الذين احتلوا اليمن، فهذا أمية بن أبي الصلت، يقول عمرو بن الشريد أحد الصحابة وهو سُلمي، كان يحفظ الشعر، قال: ﴿أركبني ﷺ وراءه على الدابة، فقال لي ﷺ : تحفظ لـ أمية بن أبي الصلت شعراً، قلت: نعم يا رسول الله، قال: أنشدني، قال: فأنشدته بيتاً، قال: زدني، قال: فأنشدته ثانية، قال: هيه، فأنشدته ثالثاً، قال: هيه، حتى أنشدته مائة بيت، فقال ﷺ : آمن لسانه وكفر قلبه﴾. هذا أمية بن أبي الصلت لما بعث ﷺ كفر؛ لأنه أسقط في يديه، لكن الله يقول: ﴿اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾ [الأنعام:١٢٤] أصلاً ليست بالانتخابات، الله أعلم بالقلوب، والله أعلم بمن هو المهيأ لقيادة العالم وإصلاح البشر، هذه مهمة صعبة، فاختار الله الرسول ﵊، وترك هذا؛ فكفر هذا.

стр. 4369

سلمان الفارسي والبحث على الهداية وحدث سلمان الفارسي ﵁ عن نفسه: أنه كان في أرض فارس، وكان أبوه ملك النار، يوقد النار لأهل فارس ويعبدونها من دون الله، ويسجدون لها، فأتى يوماً من الأيام، فأرسله أبوه ليوقد النار، ومع صلاة المغرب يوقد المجوس النار، يقول محمد إقبال يحيي الرسول ﷺ : أم من رمى نار المجوس فأطفئت وأبان وجه الصبح أبيض نيرا ومن الألى دكوا بعزم أكفهم باب المدينة يوم غزوة خيبرا يقول: من الذي أطفأ نار المجوس إلا أنت يا رسول الله. فذهب سلمان بعد أن أرسله أبوه قبل الغروب، قال: أوقد النار حتى يعبدها الناس، فمر في أثناء الطريق براهب نصراني عنده علم من التوراة، فأجلس سلمان وقال: عبادة النار شرك من دون الله ، وأرى أن تترك عبادة النار، فترك إيقاد النار؛ فخاف أبوه عليه؛ فقيده في البيت وربطه، وقال: لا تخرج من هذا البيت أبداً، فاحتال سلمان وهرب وترك الحبال، وذهب إلى نصراني يعبد الله فجلس معه يتعبد، فلما حان الأجل من هذا النصراني، قال له سلمان الفارسي: يا فلان! حانت منك الوفاة، وتعرف أنني يتيم، وأني تركت أهلي، فبمن توصيني؟ قال: أوصيك بفلان، رجل في مدينة من مدن العراق، قال: فذهبت إليه؛ فخدمته، فكان من أسوأ الناس، يأخذ أموال الناس سرقة، ويزعم أنه يتصدق ولا يتصدق، قال: فأخبرت الناس به، فأتوا عليه؛ فهدموا صومعته وضربوه، وأخذوا قسيساً مكانه ووضعوه، فذهبت إلى القسيس هذا فوجدت فيه خيراً كثيراً، فلما حضرته الوفاة، قلت له: إلى من أذهب؟ قال: لا أجد رجلاً من القساوسة الآن في الدنيا، لكن سوف يبعث رسول قريب من أرض العرب من مكة، فإذا بعث فاذهب إليه، وله ثلاث علامات: العلامة الأولى: أن فيه خاتم النبوة عند كتفيه كزر الحمامة، قيل: بيضة الحمامة أو كذا. العلامة الثانية: أنه يقبل الهدية ويأكلها ولا يأكل الصدقة. العلامة الثالثة: يخرج بين حرتين. قال سلمان: فسمعت بمبعث الرسول ﵊، فجمعت ما عندي من مواشي، وما عندي من غنم وإبل، وجعلتها أجرة لأهل السفينة يحملونني في البحر فحملوه، فلما وصل إلى ساحل البحر نزل وذهب إلى المدينة، فأخذه اليهود الذين كان معهم في القافلة، وقالوا: هو عبد لنا وهو حر، لكن الخونة فعلوا ذلك، فأخذوه؛ فأنزلوه يشتغل في النخل ويعمل معهم، وفجأة سمع أن الرسول ﷺ هاجر من مكة إلى المدينة، قال: فأخذت رطباً معي من النخلة، وأتيت به وتركت سيدي، وأتيت الرسول ﷺ ، وإذا أصحابه حوله، قلت: يا رسول الله! هذا صدقة لكم، قال: فردها ﷺ ، وقال لأصحابه: كلوا هذه صدقة، فأكلوا ولم يأكل ﷺ . قال: وفي الليلة الثانية، أتيت بعذق رطب، وقلت: هذا هدية لك يا رسول الله. قال: فأكل مع أصحابه، قلت: هذه ثانية، قال: وحضرته وهو يشيع جنازة فجلس، فأتيت من وراء ظهره؛ فعرف أنني أريد أن أنظر إلى العلامة؛ فرفع الكساء، فوجدتها كزر الحمامة، وهو خاتم النبوة، قال: وبعث بين حرتين كما في الحديث، فأسلم سلمان الفارسي بهذه العلامات، هذا بعد مبعثه ﵊.

стр. 4370

مراسلة النبي ﷺ لملوك الأرض ثم إن الرسول ﷺ راسل ملوك الأرض، فأما النصارى منهم فأجابوا بهدوء، ولو أن بعضهم لم يسلم، ولذلك تجد النصارى أقرب قلوباً للمسلمين من اليهود، وتجد أن اليهود والشيوعية في معسكر واحد عداء للإسلام والمسلمين، أما النصارى فقد يكون عندهم احترام إنساني في مسألة الدين، وهم لا يريدون أن يتورطوا في مسألة التصادم بين الإسلام والدين. يونس خالص وهو أحد قادة المجاهدين دخل البيت الأبيض على ريغان، -والقصة معروفة، وموجودة ومنشورة- فيقول لـ ريغان: أسلم تسلم، إني أدعوك إلى الإسلام، فيقول ريغان: أنا أحترم الأديان السماوية، هم لا يريدون أن يستثيروا غضب مليار مسلم، ثم إنهم يعرفون أن الرسول ﷺ صادق، لكن لا يتبعونه، بزعم أنهم يؤمنون بعيسى ﵇، وهذا والعياذ بالله كفر بالرسول ﷺ وبعيسى؛ لأن بعد رسالة الرسول ﷺ انتهت الرسائل ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْأِسْلامِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ﴾ [آل عمران:٨٥] أي: انتهت بعد مبعثه كل رسالة.

стр. 4371

رسالته ﷺ إلى كسرى أرسل ﷺ رسائل، منها: إلى كسرى وكان وثنياًلم يكن عنده كتاب، ولا يدري ما الرسول هذا، وكان يستعبد العرب، وكان له ملك يراجعه يملك العرب النعمان بن المنذر في الحيرة في العراق، كان يملك العرب ويأخذ أموالهم، ويأخذ منهم المكوس ويدفعها لكسرى، فلما بعث ﷺ أرسل رسالة إلى كسرى؛ فمزقها، قال ﷺ : ﴿مزق كتابي، مزق الله ملكه﴾. ثم إن المجرم كسرى، أرسل إلى الوالي في اليمن قال: أرسل جنديين من عندك لسحب هذا المدعي النبوة من مكة حتى تأتوني به وأحاسبه في المدائن، فأرسل لـ باذان أمير اليمن، أرسل جنديين حليقين -أي: لحاهم على الصفر- فوصلا إلى المدينة، فحياه بتحية الجاهلية، قال ﷺ : من أمركما بهذا؟ أي: بحلق اللحية، قالا: ربنا أمرنا بذلك، يعنون: كسرى؛ لأن الدولة كانت تصدر مرسوماً أنهم كلهم يحلقون، قال الرسول ﷺ : ﴿اغربا عني إن ربي أمرني بإعفاء لحيتي وقص شاربي﴾ ثم قالا: نريد أن تذهب معنا، أي: أن الأمر سهل، الرسول ﷺ مرسل من الله رب العالمين، يذهب معهم إلى كسرى، قال: أين؟ قالوا: تذهب معنا إلى ربنا، يقصدون: كسرى، قال: ﴿إن ربي عدا على ربك البارحة فقتله﴾ يقول ﷺ أي: أنه اغتيل البارحة، ووجدوا في الليلة نفسها أن ابن كسرى اعتدى على أبيه في ظلام الليل؛ فذبحه على الفراش، وانتهت المناورة هذه. وبعد سنوات اكتسحه سعد بن أبي وقاص، ودمر رستم الدكتاتور وأمثاله، ودمر إيوان كسرى، وافتتح -والحمد لله- جنوب العراق وشمالها في قادسية لا إله إلا الله محمد رسول الله. وأما الملوك الآخرين الذين عندهم علم من التوراة والإنجيل، فبعضهم على ثلاثة أنواع:

стр. 4372

رسالته ﷺ إلى المقوقس بعضهم هادن الرسول ﷺ مهادنة، فـ المقوقس ملك مصر أهدى للرسول ﷺ جاريتين، وأهدى بعض البغال والمواشي، حتى يكون هناك تعايش سلمي، لا يريد أن يغضب رسول الله ﷺ أو أن يستثير حفيظته. والثاني: لا يريد كذلك أن يكذب بالرسول ﷺ ؛ لأنه يدري أنه صادق، ولا يريد أن يسلم؛ لأنه لو أسلم ذهب ملكه فاحتار في المسألة، فرأى الحل الوسط أن يهدي له هدية، فأهداه فوصلت.

стр. 4373

رسالته ﷺ إلى هرقل وأما هرقل عظيم الروم، فإن الإسلام دخل قلبه، فلما دخل قلبه جمع الناس، وقال: ما رأيكم نسلم وندخل مع هذا الرسول؟ فقال قومه: ماذا تريد منا؟ قال: نريد أن ندخل في دين الله وأن نسلم للرسول ﷺ ، وقد أغلق عليهم حوشاً كبيراً فحاصوا كحيصة حمر الوحش من الغضب، وكان هو مرتفع على قبة، وكادوا يقتلونه، وتمزقوا يريدون أن يخرجوا من الأبواب، فإذا الأبواب مغلقة، قال: عودوا فعادوا، قال: إنما أردت أن أمتحن صلابتكم على دينكم، وأمتحن جدارتكم، ولا أريد أن أسلم، وهو أراد أن يسلم، لكن ما فعل. ونص رسالته ﷺ إليه: ﴿بسم الله الرحمن الرحيم، من محمد رسول الله، إلى هرقل عظيم الروم، أمَّا بَعْد: أسلم تسلم يؤتك الله أجرك مرتين، وإن توليت فإن عليك إثم الأريسيين ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئاً وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضاً أَرْبَاباً مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [آل عمران:٦٤]﴾. هؤلاء الملوك استمروا حتى عزلهم ﷺ بحكم الإسلام، وأرسل جيوشه وكتائبه، ففتحت مشارق الدنيا ومغاربها مهللة مكبرة. وأما ما سمع من الهواتف والكهان قبيل زمنه ﵊، فلا يدخل تحته حصر فهي كثيرة، وكانوا يسمعون الهاتف من الليل يهتف، قريش طاردت الرسول ﵊ من مكة، وقالت: من يجد الرسول فله مائة ناقة، فلحقه سراقة بن مالك، ولا تدري قريش أين يذهب ﷺ ، هل ذهب المشرق أم المغرب، أو الشمال أو الجنوب؟ لم يعلموا أنه ذهب باتجاه المدينة؛ لأنكم تعرفون اتجاه المدينة عن مكة، والرسول ﷺ خالفهم ونزل تجاه الجنوب في غار ثور؛ لأنه يعرف أنهم سوف يبحثون عنه في خط المدينة، فنزل في غار ثور فلحقوا به وطوقوا الغار ولم يدخلوه بإذن الله وأعمى الله أبصارهم ونجاه. فلما أصبح في الطريق لم تدرِ قريش أين ذهب، فلما اقترب من المدينة وإذا هاتف يهتف في مكة من الجن وهو يقول: جزى الله رب الناس خير جزائه رفيقين حلاَّ خيمتي أم معبد هما نزلا بالبر ثم تروحا فأفلح من أمسى رفيق محمد فيا لقُصيَّ ما زوى الله عنكمُ به من فخار لا تُجاذى وسؤددِ سلوا أختكم عن شاتها وإنائها فإنكم إن تسألوا الشاة تشهدِ هذا شعر الجن، فعرفت قريش أنه ذهب إلى المدينة. وهذا القصة: ﴿أن الرسول ﷺ نزل عند هذه المرأة أم معبد الخزاعية -وكانت في خيمة- وزوجها يرعى الغنم وهي عجوز كبيرة، فقال لها ﷺ : أعندك شاة حلوب؟ قالت: ما عندي من حلوب، قال: وما هذه الشاة؟ قالت: شاة خلفها الجهد عن الغنم، قال ﷺ : هل لي أن أحلبها؟ قالت: إن وجدت بها حليباً فاحلبها، فأتى ﷺ بإناء رحراح، ثم قال: بسم الله، تبارك الله، ثم حلب فملأ الإناء، فأعطاها فشربت العجوز حتى رويت، ثم حلب فملأ الإناء، فأعطاه أبا بكر فشرب، ثم حلب فملأ الإناء فشرب ﷺ . قالت: من أنت؟ فأخبرها، قالت: ثم بقيت مذهولة ومشى ﷺ فأتى زوجها فأخبرته الخبر وهي مذهلة، أتاها من الدهش ما لا يعلمه إلا الله، فأخبرت زوجها، قال زوجها: لعله الرجل الذي تطارده قريش، ويقول: إنه رسول الله، وبعد أن استقرت الرسالة أتت هي وزوجها بغنم هدية إلى الرسول ﷺ وأسلموا فكساهم ﷺ ، وأعطاهم من المال ما الله به عليم، هذا من ضمن ما ورد من الأخبار عنه ﷺ .

стр. 4374

بدء الوحي بدء الوحي، هو الانطلاقة الكبرى لتحرير الأمة، والخروج من الظلمات إلى النور، النور الآن يهبط على الرسول ﷺ الذي بلغ الأربعين من عمره ﷺ ، كنا فيما مضى نتحدث عن سن ما قبل الأربعين، سن الشباب العشرين، والخمسة والعشرين والخمسة والثلاثين، الآن وصل الأربعين ﷺ ، اكتمل رشده وأشده: ﴿حَتَّى إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً﴾ [الأحقاف:١٥]. فالرسول ﷺ بلغ الأشد وهذه سن الأشد عند العرب، يقول الشاعر العربي سحيم بن وثيل: وماذا يبتغي الشعراء مني وقد جاوزت حد الأربعين أنا ابن جلا وطلاَّع الثنايا متى أضع العمامة تعرفوني فسن الأربعين هي اكتمال القوة الجسيمة والعقلية، فلما بلغ الأربعين ﷺ كان يخرج من مكة يأخذ معه طعام ويجلس في غار حراء، وهو غار مرتفع يتعبد فيه، هل كان يصلي مثل صلاتنا التي علمنا إياها هو؟ قالوا: لا. يتجه إلى القبلة، ويتأمل في الكون، وينظر في النجوم وفي الليل، ويبقى الليالي الطويلة هناك، ثم يعود يتزود ويعود لمثلها. وبينما هو في الغار إذ جاء جبريل في صورة رجل، والرسول ﷺ لا يعرفه، ولا أتاه سابق إنذار ولا إخبار، إنما كان يمر ﷺ أحياناً بالحجر، فيقول الحجر: السلام عليك يا رسول الله، فيخاف ﷺ ، ويمر بالشجر، فتقول الشجرة: السلام عليك يا رسول الله فيخاف، فدخل عليه جبريل، فأتى إلى الرسول ﷺ وهو جالس، فقال: اقرأ، قال: ما أنا بقارئ -وهو أمي- يقول : ﴿وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذاً لارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ * بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمََ﴾ [العنكبوت:٤٨ - ٤٩] وقال: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولاً مِنْهُمْ﴾ [الجمعة:٢] وقال: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحاً مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلا الْأِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُوراً نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الشورى:٥٢]. قال: اقرأ -مرة ثانية- قال: ما أنا بقارئ، فأخذه جبريل هكذا، والرسول ﷺ مقابله، فجعل صدره على صدره، ثم أمسكه بقوة، وقال: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ * خَلَقَ الْأنسانَ مِنْ عَلَقٍ * اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ﴾ [العلق:١ - ٣] فاندفع يقرأ ﷺ معه، فنزل ﷺ مرتعداً خائفاً من هذه المفاجأة، من أين أتى هذا؟ ثم نظر إلى جبريل فما وجده، فنزل ودخل على خديجة وهو يرتعد، قال: ﴿زملوني زملوني﴾ حمى، فزملته، وقال: ﴿لقد خشيت على نفسي قالت: كلا والله لا يخزيك الله أبداً، إنك لتصل الرحم، وتحمل الكل، وتعين على نوائب الحق﴾. تقول: لا. صفاتك أنت لا تخزى، أنت سوف يكون لك مستقبل، قال بعض أهل العلم: انظروا إلى هذه العاقلة كيف استدلت بحسن أفعاله على حسن مستقبله! فلما جلس إذا بجبريل يأتيه: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ * قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلاً﴾ [المزمل:١ - ٢] ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ * قُمْ فَأَنْذِرْ * وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ * وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ * وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ﴾ [المدثر:١ - ٥]. ثم ذهبت به خديجة إلى ورقة بن نوفل، وهو شيخ كبير في مكة من قريش، كان يقرأ الكتاب، تعلم الإنجيل، ويعرف اللغة العبرانية لغة اليهود، قالت خديجة: اسمع من ابن أخيك واسأله ماله، فأتى إلى الرسول ﷺ فسأله، فأخبره ﷺ بما رأى وما وجد، قال ورقة: هذا الناموس الذي أنزل على موسى، يا ليتني جذعاً، إذ يخرجك قومك، قال: أومخرجي هم؟! قال ورقة: نعم، ما أتى أحد بمثل ما أتيت به إلا أوذي، وإن يدركني يومك أنصرك نصراً مؤزراً. ثم مالبث ورقة أن مات، واستمر الوحي، وأخرج ﷺ من مكة، وأتاه من القصص ما سوف يمر معنا، قصص تشيب الرءوس. في كفه شعلة تهدي وفي فمه عقيدة تتحدى كل جبار وبين جنبيه وعدٌ ما سمعت به وعد التحية من بر وإصرار ولما بلغ ﵇ سنة الكمال وهي أربعون سنة، أرسله الله للعالمين بشيراً ونذيراً ليخرجهم من ظلمات الجهالة إلى نور العلم، وكان ذلك في أول فبراير سنة (٦١٠) من الميلاد، كما أوضحه المرحوم محمود باشا الفلكي، تبينت بعد دقة البحث أن ذلك كان في (١٧) رمضان سنة (١٣) قبل الهجرة، وذلك يوافق يوليو سنة (٦١٠) وأول ما بدئ به من الوحي الرؤيا الصادقة، فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح، وذلك لما جرت عادة الله مع خلقه أن يتدرج بهم حتى يصلوا إلى درجات الكمال.

стр. 4375

فترة انقطاع الوحي قال المؤلف ﵀: "باب فترة الوحي" بعد أن أنزل على الرسول ﵊ الوحي لأول مرة في غار حراء، وهي سورة العلق، فتر الوحي عنه ﵊، لم ينزل من السماء شيء ولم يأته جبريل، قيل: هذه الفترة كانت أربعين ليلة، لم يجد ﷺ فيها وحياً ولم ينزل عليه قرآن، فأتاه من الخوف ما الله به عليم، وحزن ﷺ واغتم؛ لأنه كان يطمع أن يكون -كما نزل عليه الوحي- رسول هذا العالم، وأن ينزل عليه الله هذا النور، وأن يأتيه هذا الوحي وهذا العلم، كما قال : ﴿وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيماً﴾ [النساء:١١٣]. فلما وصل إلى هذه المرتبة فتر الوحي عنه ﵊، فاهتم هماً لا يعلمه إلا الله، حتى يذكر في بعض الروايات أنه كان يشرف ﷺ من كثرة الهم من رأس بعض الجبال ليتردى، يريد أن يرمي بنفسه ﵊ بعد هذه المأساة العظيمة، وبعد هذا الانقطاع الهائل من الوحي، وكانت تمر به عجوز، فتسأل، تقول: هل نزل عليه وحي؟ فيقولون: لم ينزل وحي، قالت: قلاه ربه، تركه شيطانه. تقول: الشيطان الذي كان ينزل عليه تركه، وتعالى الله عما يقول هؤلاء علواً كبيراً، وتكرم ﵊ عن هذه العبارة، قالت: تركه شيطانه، فأنزل الله : ﴿وَالضُّحَى * وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى * مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى﴾ [الضحى:١ - ٣] هذا قسم بالضحى، وبالليل إذا أظلم، أن الله ما ودعك وما تركك ولا هجرك ولا قلاك ولا أبعدك، وأنك ما زلت حبيباً وخليلاً وقريباً ومكرماً، وبينما الرسول ﷺ يسير، سمع هاتفاً يهتف، فالتفت، فإذا الملك بين السماء والأرض وإذا هو يخاطبه على كرسي، وأنزل الله عليه : ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ * قُمْ فَأَنْذِرْ﴾ [المدثر:١ - ٢]. هذه هي فترة الوحي أربعون ليلة، انقطع الوحي فيها، والسبب في ذلك: ليشتاق الرسول ﵊ للوحي، وأن يكون أكثر اشتياقاً له؛ ولذلك يقول بعض الفضلاء والحكماء: إذا أردت من أخ أن يتحبب إليك فحاول أن تبتعد عنه قليلاً، فإنه سوف يتعلق بك أكثر، فإن بعض الناس إذا تعلقت به حاول أن يبتعد عنك، فالله -وله المثل الأعلى- أراد أن يشوق رسوله ﵊ إلى الوحي، ففتر الوحي أربعين ليلة ثم اتصل، أما قوله: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ﴾ [المدثر:١] فإنه لما رجع ﵊ -هذه غير رجعة الغار- رجع وهو ينتفض ويرتعد ﵊ ويقول: ﴿دثروني دثروني﴾ مثل: ﴿زملوني زملوني﴾ أي: ألحفوني، قال سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ * قُمْ فَأَنْذِرْ * وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ * وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ [المدثر:١ - ٤] قيل: معنى ثيابك فطهر أي: طهرها من النجاسات وهذا شرطٌ في الصلاة، وقيل: من الأدناس والأوضار، وقيل: طهِّر عرضك من كل ما يصم العرض ﴿وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ﴾ [المدثر:٥] قيل: الرجز الصنم لا تعبده، وقيل: الرجز العذاب، يقول: كلما يستوجب عذاب الله وغضب الله فاهجره واتركه، هذا هو الرجز، فاهجر: اترك (وَلا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ) يقول: لا تعط الناس عطية، وأنت تطمع أن يردوا عليك عطية أكثر منها؛ لأن هذا منٌ واستكثار من عطايا الناس، هذا توجيه الله له.

стр. 4376

مرحلة الدعوة سراً قام ﷺ يدعو ولا يستطيع أن يجهر بالدعوة، كان إذا لقي الرجل وحده، تكلم معه بينه وبينه، ويستكتمه الخبر، وبدأ ﷺ بالفقراء أولاً والعبيد الموالي، فكان يأتي إلى خباب بن الأرت، وكان خباب حداداً عنده كير، ينفخ عليه في الفحم وينتثر الرماد على وجوه الناس، ولا يأتي خباب أحد، فيأتي ﷺ إلى خباب، فيجلس معه في الصباح وفي المساء، ويدعوه إلى لا إله إلا الله. فأتى ذات مرة سيد خباب، قال: ماذا يفعل محمد يوم يأتيك؟ قال: يأتيني يتحدث معي، وهو يدعوه إلى لا إله إلا الله محمد رسول الله، وفي الأخير اجتمعت قريش، وقالوا: أتدرون لماذا يذهب محمد إلى خباب؟ قالوا: لا ندري، قالوا: يتعلم منه القرآن؛ لأن خباباً أعجمي وعنده علم من الكتاب، فمحمد يأتي في الصباح وفي المساء يأخذ العلم والقرآن من هذا، ويخبرنا به في الحرم في المساء، والقصة كلها رد الله عليه بآية: ﴿وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلاً * قُلْ أَنْزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ غَفُوراً رَحِيماً﴾ [الفرقان:٤ - ٥] ويقول : ﴿وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ﴾ [النحل:١٠٣]. يقول: هذا القرآن أليس بعربي؟ وخباب أليس بعجمي؟ لا يعرف النطق بالعربية، كيف يتعلم منه القرآن والقرآن أفصح ما تكلم به الناس، لا تستطيع قريش أن تنسج مثل القرآن، ولا تنظم مثل القرآن، فكيف يأتي خباب العجمي المولى الحداد ويخبر الرسول ﷺ بهذا؟ ثم كان الرسول ﷺ يلقى الرجل فيستكتمه الخبر حتى انتشر الخبر، يقول: كل سر جاوز الاثنين شاع، يأتي ﷺ وما أسلم معه إلا أربعة: أبو بكر من الشيوخ، وعلي وكان دون العاشرة، وأبوه أبو طالب لم يسلم ورفض، وأسلمت خديجة زوجة الرسول ﷺ ، وزيد بن حارثة، شيخٌ وصبيٌ ومولى وامرأة. كان ﷺ يأتي في غرفة صغيرة، فيقرأ عليهم، فإذا رفع صوته قليلاً بكى أبو بكر حتى يسمع بكاؤه من وراء الحائط؛ لأن هذا القرآن شيء مذهل، وخاصة أنهم يفهمون القرآن، فالعرب ليسوا مثلنا، أمزجتنا نحن قد فسدت لا نفهم القرآن، لكن تصور إذا قرأ ﷺ القرآن: ﴿وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى * مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى * وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى﴾ [النجم:١ - ٣] كان أبو بكر يغلبه البكاء، فكان إذا رفع ﷺ صوته، أتى كفار قريش فاستمعوا من وراء الحائط وآذوه، وإذا خفض صوته ما سمع منه أبو بكر ولا المصلون وراءه، فقال سبحانه: ﴿ولا تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ وَلا تُخَافِتْ بِهَا وَابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلاً﴾ [الإسراء:١١٠]. قال: لا تجهر؛ فيؤذيك الناس، ولا تخافت بصوتك؛ فلا يسمع منك أصحابك، ولتكن قراءتك وسطاً حتى يسمعك أصحابك، واستمر ﷺ يدعو، فدعا بلالاً إلى الله فاستجاب له، حتى يقول هرقل عظيم الروم، وهو يسأل أبا سفيان وكان في تجارة بعد أن التقى به، قال: أأشراف الناس يتبعونه أم ضعفاؤهم؟ الذي يتبع الرسول ﷺ هم السادة أم الضعفاء؟ قال: بل ضعفاء الناس، قال: هم أتباع الرسل، والله يقول: ﴿وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيراً﴾ [الإسراء:١٦]. وهذه من سنن الله في الكون إلا ما ندر، تجد المترفين أبعد الناس عن وعي الكتاب والسنة، حتى تجد قلب أحدهم مثل الحجر، لا يستمع إلى كتاب ولا سنة، وقد يمر به الوقت وهو لا يسمع إلا خطبة الجمعة، وتجده في آخر الصفوف لا يستمع إلى درس، ولا محاضرة، ولا يتدبر القرآن، ولا يعيش سيرة الرسول ﷺ ، إنما وقته في مسلسل، أو أغنية، أو تمثيلية، أو لعب بلوت، أو سكار، أو كمنجة، أو ما يطلبه المستمعون، فتجد أن قلبه كالحجر تماماً. فالله ذكر هذه القاعدة، قال: ﴿وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيراً﴾ [الإسراء:١٦] ولذلك تجد أن عامة الناس وفقراءهم ومساكينهم هم الذين يملئون الجنة؛ لأن الجنة كما وصفها الله، يقول: ﴿إِذَا وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ * لَيْسَ لِوَقْعَتِهَا كَاذِبَةٌ * خَافِضَةٌ رَافِعَةٌ﴾ [الواقعة:١ - ٣]. قال أهل العلم: تخفض أناساً كانوا مرفوعين في الدنيا، أي: أن الدنيا كانت تشير إليهم، لا يأتي لهم ثمن، وترفع أناساً كانوا مخفوضين في الدنيا في الغرف العالية، نسأل الله من فضله. فتجد أن مساكين الناس هم أكثر الناس قرباً من الله، وحرصاً على الدروس، واحتفاءً بالدعاة، وأكثر الناس احتراماً لطلبة العلم، ولصوقاً بالعلماء، وأكثر الناس مسألة عن أمور الدين، وأكثر الناس حباً لرسالة الرسول ﷺ ، فالرسول ﷺ ترك أبا جهل وأبا لهب والوليد بن المغيرة، ولو أنه كان يحاول أن يكون بينه وبينهم خيط ممدود أو يصل الحوار معهم، لكن كانوا متكبرين متجبرين ولم يكونوا يتكلمون معه، ولا يسلمون عليه، ولا يردون التحية، ويرسلون له الصبيان يضربونه ويرمونه بالحجارة، بل كان أبو لهب -عمه- يأخذ التراب، ويحثو به على رأس الرسول ﷺ ، ويقول: احذروا -أيها العرب- هذا الساحر! احذروا هذا الكاهن! احذروا هذا الشاعر! كان الرسول ﷺ ينزل إلى الحرم في السحر، فكان أبو لهب يرسل امرأته أم جميل فتأتي بالشوك فتضعه في طريق الرسول ﷺ ، فإذا خرج ﷺ أصابه الشوك، ومسح الدم من قدميه، وهو يقول: ﴿اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون﴾. لقد وجد من الإساءات واللدغات، ومن الأسى واللوعة ما لم يجده أحد، ومع ذلك يقول:: ﴿اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون﴾ فينزل ملك الجبال، فيقول: يا رسول الله! ائذن لي أن أطبق عليهم الأخشبين، إنما هم جثث وطواغيت، لا يساوي الإنسان منهم شيئاً، وفي علم الله يفنيهم بكلمة (كن) فيقول ﷺ : ﴿لا، إني أرجو من الله أن يخرج من أصلابهم من يعبد الله ولا يشرك به شيئا﴾ وفي الأخير يقول : ﴿تَبَّتْ يَدَا أبي لهب وَتَبّ * مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ * سَيَصْلَى نَاراً ذَاتَ لَهَبٍ * وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ * فِي جِيدِهَا حَبْلٌ مِنْ مَسَدٍ﴾ [المسد:١ - ٥] قالوا: من نار تتلظى جزاء ما فعلت. واستمر ﵊ يدعو فاستجاب له الفقراء، فوجدوا من النكال ما لا يعلمه إلى الله، انظر إلى الموالي الآن، دعوته ﵊ تحرر الإنسان، فالذي يريد الكرامة ينتهج دعوة الرسول ﷺ ؛ لأنه يلغي العبودية للبشر، أن يأتي بشر مثلك يتسلط عليك، أو تعبده من دون الله، أو تستخذي له، هذا مرفوض في الإسلام، لا. إنما هو الحوار، أن تكون رجلاً وهو رجل، أن تكون محترماً، بأن تكون لك كرامة وإنسانية، هذا ما يريده الرسول ﷺ . فلما سمع الموالي بدعوته ﷺ ، دخلوا في دين الله، أتى آل ياسر وهم أسرة موالي، منهم عمار بن ياسر؛ فدخلوا في دين الله، فأخذهم أبو جهل وعذبهم، فقال ﷺ وهو يمر بهم: ﴿صبراً آل ياسر فإن موعدكم الجنة﴾ ومر ﷺ على بلال وهو يسحب في رمضاء مكة، في شدة الحرارة وقت الظهيرة على الصخور السود، ويسحب على ظهره وبطنه، فيقول: أحدٌ أحد، أحدٌ أحد، يقولها بلال، حتى انتصر بإذن الله، هذه كلها من أوائل العقبات التي واجهها ﷺ وهو في مكة. ولكن أعظم شيء في دعوته ﷺ ، ومما حبب الناس إلى دعوته، أنها تجعل للإنسان احتراماً وقيمة؛ لأن بلالاً كان كالحيوان عند قريش لم يكن له احترام، كان مولى أسود، يقولون: ليس له حق في التعايش ولا تسمع كلمته، ولا يقبل رأيه، فرفض ﷺ هذا كله. وقد وجد ذلك أيام الخلافة الراشدة، فهذا عمر بن الخطاب يقوم يوم الجمعة، فيقول: [[أيها الناس! ما رأيكم لو قلت عن الطريق هكذا]] أي: ملت، فيقوم أعرابي من آخر المسجد بدوي، فيسل سيفه، فيقول: [[والله الذي لا إله إلا هو يا أمير المؤمنين لو رأيناك قلت عن الطريق هكذا، لقلنا بالسيوف هكذا]] ماذا يفعل عمر؟ تدمع عيناه! ويقول: [[الحمد الله الذي جعل في رعيتي من لو قلت عن الطريق هكذا، لقال بالسيف هكذا]] فالرسول ﵊ أتى بهذا المنهج، وهو تقدير الرأي واحترام الإنسان؛ فدخل الناس في دين الله زرافات ووحدانا. كان أبي بن خلف مجرماً من العتاة الكبار وهو من سادات مكة، نزل والرسول ﵊ يطوف، فجمع كفار قريش فاجتمعوا عليه، فبصق أُبي -عليه لعنة الله- في وجه الرسول ﷺ ، فأخذها ﷺ وأسرها في نفسه، ثم وقف عند المقام فدعا عليهم. فأما السبعون الذين دعا عليهم فقتلوا جميعاً في بدر، يقول أحدهم بعدما أسلم: والله ما زلت أعلم أنهم سوف تصيبهم قارعة بعد أن دعا عليهم ﷺ عند المقام، السبعون جميعاً ذبحوا على الكفر في بدر، هذه شلة أبي جهل، وأما أُبيّ بن خلف فإن الله أراد أن يخزيه، ولم يقتل في بدر فر وشرد ببغلته في أول المعركة فتوعده ﵊، فذهب إلى مكة فقال: أين أقاربي؟ فقالوا: قتلوا جميعاً في بدر، فأخذ يعلف فرسه، يأخذ صاع البر ويعطي فرسه، ويقول: كُلْ سوف أقتل عليك محمداً، ويأخذ السيف ويملؤه سماً شهراً كاملاً حتى أصبحت سلة السيف زرقاء من السم. فوصل الخبر إلى الرسول ﷺ ، قالوا: يا رسول الله! يقول أبي بن خلف سوف يقتلك، قال: أنا أقتله إن شاء الله، يقول المتنبي: وما كنت قرناً غالباً لقرينه ولكنه التوحيد للشرك هازم حضر أبي بن خلف معركة أحد، فقال لكفار قريش: ما رأيكم أن تعفوني من المعركة وأنا أقتل لكم محمداً، قالوا: ما دام أنك تقتله فلا تقاتل معنا، فترك المعركة، وجلس في وادٍ وحده، فلما انتهت المعركة، انتهت بقتل سبعين من أصحاب الرسول ﵊؛ لأن الرماة خالفوا أمره، وانتهت وقد كسرت رباعية الرسول ﷺ هذه، ودخل المغفر في رأسه؛ لأنه لم يكن يفر في المعركة، كان هو في الصف الأول دائماً، وانتهت والدم يغشى وجهه الشريف ﵊ وبه من التعب والإعياء ما الله به عليم، ثم مر ووجد حمزة مقتولاً، وقد بقرت بطنه، فغضب وتغير ﵊، وقال: ﴿والذي نفسي بيده، لئن ظفرت بهم لأمثلن منهم بسبعين﴾ فأنزل الله ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ﴾ [آل عمران:١٢٨] فتأثر ﷺ ، وفي تلك اللحظة يقول للصحابة ﷺ : ﴿صفوا ورائي لأثني على ربي﴾. يقول أحد المفكرين: لله درك! في هذه الضربات الأليمة التي وصلتك في عرضك وجسمك وأصحابك وقرابتك، ومع ذلك تقول: أثني على الله، ثم صلى بهم العصر، فلما سلم وإذا بـ أُبي بن خلف ذلك المجرم يقبل على فرس، يقول بعض الرواة: كأن الجبل أقبل معه، الفرس قوي والرجل شجاع، وأقبل ومعه سيف وقد تغطى بدرع كله من تحت الثوب، حتى لم يترك إلا مقدار الدرهم في نحره، فأقبل ومعه السيف يريد الرسول ﷺ ، فقام الأنصار بالسيوف يريدون أن يتناولونه، قال ﷺ : دعوه، عليَّ بحربة، فأعطوه حربة، فقال الرسول ﷺ : بسم الله، والله يقول: ﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى﴾ [الأنفال:١٧]. يقول: أنت لم تسدد الرمية إنما أنت أطلقتها، لكن الله رمى. رمى بك الله جنبيها فحطمها ولو رمى بك غير الله لم يصب قال: باسم الله، قال: فأرسلها فتركت كل جسمه، ودخلت في هذا المكان، فوقع رأس الحربة في نحره، فرجع هو على فرسه إلى كفار قريش: قالوا: مالك؟ قال: قتلني محمد، قالوا: ما قتلك إنما هي قطرة دم في نحرك، قال: دعوني، ثم أقسم بالله لو أن ما بي هذه الطعنة بأهل سوق ذي المجاز لماتوا عن بكرة أبيهم، يقول: لو أن هذه الطعنة أصابت العرب في سوق ذي المجاز، لماتوا فأقبلوا يدفئونه بالنار فأخذ يخور كالثور ثم مات مع الغروب، وصدق ﷺ حين قال: ﴿أقتله إن شاء الله﴾. وخرج أبو بكر وإذا الرسول ﷺ قد اجتمع عليه كفار قريش عند الحجر الأسود، يقولون: لا تطف، ويقول: بل أطوف، انظر هذه الشراسة، قبيلة تتحدى الرسول ﷺ في شخصه، حتى يبكي ويشكو إلى الله، يقول: ﴿إلى من تكلني؟ إلى عدو يتجهمني، أم إلى قريب ملكته أمري، إن لم يكن بك علي غضب فلا أبالي، ولكن عافيتك هي أوسع لي، أعوذ بنور وجهك الذي أشرقت له الظلمات، وصلح عليه أمر الدنيا والآخرة، من أن ينزل بي سخطك، أو يحل عليّ غضبك، لك العتبى حتى ترضى، ولا حول ولا قوة إلا بك﴾ فينجده الله . يأتي أبو بكر والناس قد تواطئوا عند الحجر يريدون ضرب الرسول ﷺ ، قال: [[أتقتلون رجلاً أن يقول: ربي الله؟]] فمالوا على أبي بكر فضربوه حتى أغمي عليه، فلما رفعوه وأفاق، قال: كيف حال الرسول ﷺ ؟ قالوا: بخير، قال: لا أهدأ ولا أرتاح حتى أراه، فأتوا بالرسول ﷺ فدخل على أبي بكر الصديق، ولذلك قال : ﴿وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ﴾ [الزمر:٣٣]. من الذي جاء بالصدق؟ محمد ﷺ . ومن الذي صدق به؟ أبو بكر، وما اسم أبي بكر؟ اسمه الصديق، وهذا المسجد اسمه مسجد أبي بكر الصديق، وهو واحد من آلاف المساجد في العالم الإسلامي في الكرة الأرضية باسم هذا الرجل الذي تولى الخلافة ﵁ وأرضاه وتركها، لكن ما تركها عفوياً، لما أتته الوفاة، قال: [[والله ما أخذت من مال المسلمين قليلاً ولا كثيراً، إذا حضرت الوفاة فخذوا هذين الثوبين وهذه البغلة، واذهبوا بها إلى عمر وقولوا: هذا الذي بقي من مال المسلمين، واتقِ الله يا عمر، لا يصرعنك الله مصرعاً كمصرعي]]. ووصلت هذه الرسالة إلى عمر فبكى حتى جلس، وقال: [[أتعبت الخلفاء بعدك يا أبا بكر]]. هذا طراز أبي بكر وعمر، نحن قدمنا للعالم أبا بكر وعمر وعثمان وعلياً وأحمد ومالك وابن تيمية وابن القيم؛ فدخلوا في دين الله أفواجاً، فلما قدمنا لهم الحجاج وأبا مسلم الخراساني والحاكم بأمر الله الفاطمي والخميني وصدام حسين رفضوا الإسلام؛ لأنهم يظنون أن هؤلاء يمثلون الإسلام في هذه الفترة، فعلينا أن نعود أصلاً إلى رسالته ﷺ ، وإلى سيرته العطرة. واستمر ﷺ يدعو، وقام كثيرٌ من بيوت قريش، فما من بيت إلا ودخله الإسلام، ومنهم الشباب سعد بن أبي وقاص، خال الرسول ﵊، سعد بن أبي وقاص ﵁ لما أراد عمر أن يفتح إمبراطورية كسرى، وأن يدمرها ويسحقها على رأس هذا المجرم كسرى أنوشروان. لقد حكم هو وأسرته ألف سنة، أراد عمر أن يفسد هذه الإمبراطورية ويخزيها ويسحقها، ماذا فعل؟ قال: أريد قائداً، وجهز عمر جيشاً، فبات الصحابة في الليل يريدون أن يختاروا قائداً، وفي الصباح رشَّح عمر نفسه، قال: أنا قائد الجيش، قال: علي بن أبي طالب: لا يا أمير المؤمنين، لا أرى أن تذهب أنت، أرى أن تبقى في عاصمة الإسلام، قال للصحابة: ما رأيكم؟ قالوا: صدق علي، قال: التمسوا لي رجلاً يقود الجيش، قالوا: دعنا يا أمير المؤمنين نفكر، فدخلوا في الخيام والبيوت يفكرون وقليلاً وإذا عبد الرحمن بن عوف يقول: الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، وجدت الأسد في براثنه، قال عمر: من هو؟ قال: سعد بن أبي وقاص، قال: صدقت، فولاَّه. هذا سعد ﵁، الذي قاد المعركة الفاصلة قادسية الإسلام، ليست قادسية صدام الكذب والخيانة، وقلة الأمانة، وقلة الحياء والفشل والخزي والعار إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها. هذا سعد بن أبي وقاص الذي رفعنا، ونحن الآن بدون سعد وعمر وأبي بكر، وبدون صلاح الدين لا نساوي صفراً، لأننا عندما تركنا مسيرة سعد وصلاح الدين ونور الدين وأمثالهم قتلتنا جولد مائير وأخزت جيوشنا وطردت شبابنا، وضربت مطاراتنا، وهي عجوز في السبعين من عمرها، فنحن في التراب حتى نعود إلى صلاح الدين ونور الدين وعمر وعمر بن عبد العزيز. أولئك آبائي فجئني بمثلهم إذا جمعتنا يا جرير المجامع أما العروبة، والمظلة العربية، والأخوة العربية، والدم العربي: وحدويون والبلاد شظايا كل جزء من جسمها أجزاء ناصريون نصرهم أين ولَّى حين داست على الجباه اليهود هذه هي الناصرية، وهذه هي العروبة والقومية، قومية أيلول، وقومية الكويت، وقومية حماه، وقومية بعاث وداحس والغبراء. سعد بن أبي وقاص أسلم وهو شاب، فقالت أمه: لماذا تسلم؟ صبأت عن دينك ودين آبائك وأجدادك، وهكذا يطارد الإنسان المهتدي، الآن بعض الشباب إذا اهتدى وكان في بيته طاغوتاً، أي: أب منحرف أو أم منحرفة، تقول: أصبحت مطوعاً، لماذا تقصر الثوب واللحية؟ تتبع من؟ أتيت لنا بدين جديد، نشأنا أنا وأبوك وجدك نستمع الغناء والحمد لله ليس بحرام -تفتيه- والمسلسل، ونصلي ونصوم ونعبد الله، ونختلط مع الرجال وليس في قلوبنا شيء، والحجاب هذا بدعة، وشددت علينا بهذا الدين، وهذا ما واجهه سعد بن أبي وقاص، كما يواجهه البشر دائماً، يقول: ﴿إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ﴾ [الزخرف:٢٣]. فقالت أمه: والله لا آكل ولا أشرب حتى تعود عن دينك؟ قال: يا أماه! ديني حق، وأخبرها، قالت: والله لا آكل ولا أشرب حتى تعود عن دينك، قال: يا أماه! قالت: نعم. قال: [[والذي لا إله إلا هو، لو كان لك ألف نفس، فخرجت نفساً نفساً ما عدت عن ديني]] فلما قال ذلك، أنزل الله : ﴿وَوَصَّيْنَا الْإنسانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْناً وَإِنْ جَاهَدَاكَ لِتُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُمَا إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [العنكبوت:٨]. وأنا أنبه الشاب والأخوة جميعاً، أن بعض الأخوة يتصور مسألة أنه إذا وجد أباه عاصياً أو أمه عاصية، يرى أنه لا يجوز له أن يطيعهما، أو أن يواليهما أو ينفق عليهما أو أن يزورهما، وهذا خطأ، الأب ولو كان مشركاً، ولو كان طاغوتاً، ولو كان على مذهب ماركس، فعليك أن تزروه، وأن تنفق عليه، وأن تصاحبه بالمعروف، لكن لا تحبه ولا تواله، وبعض الناس تجده يعصي أباه، وإذا قلت له: لماذا تعصي أباك؟ قال: لا يصلي في المسجد، فنقول له: لا يعفيك هذا في الإسلام، يقول سبحانه تعالى: ﴿وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفاً﴾ [لقمان:١٥] فمعروف الوالدين لا بد ولو كانا كافرين.

стр. 4377

عقيدة الولاء والبراء عند الصحابة هاجرت امرأة إلى المدينة تزور بنتها أسماء بنت أبي بكر، فأتت فنزلت -انظر مسألة الولاء والبراء عند الصحابة، دين فصل الوالد عن أبيه، دين جعل الإنسان قبل أن يعانق أباه يذهب إلى الرسول ﷺ ، يقول: أتأذن لي أن أسلم على أبي؟ أتأذن لي أن أصاحب أبي؟ أتأذن لي يا رسول الله أن أضيف أمي؟ فأتت فنزلت عند بنتها وهي امرأة مشركة، وبنتها أسماء بنت أبي بكر مسلمة مؤمنة، فنزلت فأقسمت ألا تُدخلها من الباب، حتى تستأذن الرسول ﷺ ، وإلا من يخبر ﷺ أنها استقبلتها أو ضيفتها أو أهدتها، لكن الإيمان القوي العميق، قالت: اجلسي عند الباب حتى أستأذن الرسول ﷺ ؛ فإن أذن لك أدخلتك وضيفتك، وإن لم يأذن فو الله لا تدخلين الباب، فذهبت؛ فاستأذنت الرسول ﷺ ، فتبسم ﵊ وقال: ﴿نعم! صلي أمك﴾ والحديث أصله في صحيح البخاري. ويأتي أبو سفيان وهو يحارب الرسول ﷺ يدخل فجأة في المدينة، يريد أن يسلم على بنته زوجة الرسول ﷺ ، فقد كان صهره، فأتى إلى رملة أم حبيبة في بيت الرسول ﷺ في غرفة، فدخل عليها، فلما دخل أراد أن يجلس على فراش الرسول ﷺ فطوت عنه الفراش، قال: لمه؟ وهو أبوها، قالت: أنت مشرك نجس، والرسول ﷺ نبي طاهر، هذه لا إله إلا الله التي فصلت هذا عن هذا. وهذا أبو عبيدة من العشرة المبشرين بالجنة، يقول عمر: [[تمنوا أيها الناس]] فتمنى كل إنسان، قال عمر: [[أما أنا فأتمنى من الله لو أن لي ملء هذا البيت رجالاً من أمثال أبي عبيدة]] وهو قائد الجيوش في الشام، الذي فتح الشام، أبو عبيدة يلتقي في بدر مع أبيه وهو مشرك، فيميل عنه أبو عبيدة لا يريد أن يقاتله، ثم في المرة الثانية يميل عنه، ثم في الثالثة يأخذه أبو عبيدة فيضرب رأسه فإذا رأسه في أرض وجثته في أرض، فيمدحه الله من فوق سبع سماوات: ﴿لا تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ﴾ [المجادلة:٢٢]. هذا هو الدين الذي يفصل بين الوالد وولده، ورسالته ﵊ اسمها: رسالة المفاصلة بين معسكر الكفر ومعسكر الإيمان.

стр. 4378

إسلام بعض الصحابة في أول الإسلام

стр. 4379

إسلام أبي بكر الصديق قال المؤلف رحمه الله تعالى: وأول من أجاب رسول الله ﷺ : أبو بكر الصديق ﵁ وأرضاه. أول من أجابه من الرجال أبو بكر، وأول من أنفق أمواله في سبيل الله أبو بكر، ولذلك كان هو الخليفة بعد الرسول ﵊ وما طلعت الشمس ولا غربت بعد النبيين والمرسلين على أفضل من أبي بكر الصديق. يقول عمر: ﴿أردت أن أسبق أبو بكر يوماً من الأيام؛ فأخذت نصف أموالي وأتيت بها رسول الله ﵊، فقال لي ﷺ : ماذا أبقيت لأهلك؟ قلت: أبقيت لهم نصف مالي، ثم قلت: يا رسول الله هل سبقني أحد بشيء، قال: نعم سبقك أبو بكر الصديق بماله كله قال عمر: فو الله ما أستطيع أن أسابق أبا بكر ﵁ وأرضاه﴾. أسلم وصدَّق الرسول ﵊ وأنزل قوله: ﴿وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾ [الزمر:٣٣] يقول ﵊: ﴿ما دعوت أحداً إلى الإسلام إلا كانت له كبوة، غير أبي بكر الصديق﴾ أي: كان له توقف وكان له تأمل إلا أبا بكر ﵁ فإنه أسلم وما تلعثم وما تأخر ﵁ وأرضاه.

стр. 4380

إسلام عثمان بن عفان وممن أسلم في أول الإسلام عثمان بن عفان، وهو ذو النورين؛ لأن الرسول ﵊ زوجه ابنتيه، زوجه رقية ثم ماتت، ثم زوجه أم كلثوم، وهو ﵁ عند كثير من المفسرين المقصود بقوله : ﴿أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِداً وَقَائِماً يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ﴾ [الزمر:٩] كان ابن عباس إذا قرأ هذه الآية، قال: ذاكم عثمان بن عفان، وقد آتاه الله مالاً كثيراً، وكان من تُجَّار الصحابة، فأنفق أمواله في سبيل الله. يقول ﷺ على المنبر: ﴿من يُجهِّز جيش تبوك وله الجنة؟﴾ فتوقف الناس، فقال: ﴿من يجهز جيش تبوك وله الجنة﴾ فقام عثمان؛ فجهز جيش تبوك، فقال ﵊: ﴿اللهم اغفر لـ عثمان بن عفان ما تقدم من ذنبه وما تأخر، اللهم ارض عن عثمان فإني عنه راض﴾ وقتل شهيداً ﵁. أبو بكر الصديق والصديق لا تأكله الأرض عند كثير من أهل العلم، وعمر قتل شهيداً، وقتل عثمان شهيداً، وقتل علي شهيداً، فـ عثمان قتله الثوار عليه، وكان المصحف مفتوحاً بين يديه، وكان صائماً يوم قتل، وقد نام بعد صلاة العصر قليلاً، فرأى الرسول ﷺ في المنام، وكأنه ﷺ في الجنة معه أبو بكر وعمر، فقال له ﷺ : يا عثمان! اصبر فإنك سوف تفطر عندنا هذه الليلة، فقتل قبل الغروب وما أفطر، وسال دمه على المصحف، على قوله : ﴿فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [البقرة:١٣٧] هذا عثمان بن عفان ﵁ وأرضاه، رفع الله منزلته، وجمعنا به في دار الكرامة، ويتنقصه الرافضة عليهم غضب الله، وهو من السعداء عند الله وهو ثالث الخلفاء الراشدين.
следующие страницы →