← Джавами‘

Джавами‘ · id 7708

دروس الشيخ عائض القرني

عائض القرني

Полный текст (10 391 стр.). Показаны 4376–4415 · переход к 4381.

стр. 4376

مرحلة الدعوة سراً قام ﷺ يدعو ولا يستطيع أن يجهر بالدعوة، كان إذا لقي الرجل وحده، تكلم معه بينه وبينه، ويستكتمه الخبر، وبدأ ﷺ بالفقراء أولاً والعبيد الموالي، فكان يأتي إلى خباب بن الأرت، وكان خباب حداداً عنده كير، ينفخ عليه في الفحم وينتثر الرماد على وجوه الناس، ولا يأتي خباب أحد، فيأتي ﷺ إلى خباب، فيجلس معه في الصباح وفي المساء، ويدعوه إلى لا إله إلا الله. فأتى ذات مرة سيد خباب، قال: ماذا يفعل محمد يوم يأتيك؟ قال: يأتيني يتحدث معي، وهو يدعوه إلى لا إله إلا الله محمد رسول الله، وفي الأخير اجتمعت قريش، وقالوا: أتدرون لماذا يذهب محمد إلى خباب؟ قالوا: لا ندري، قالوا: يتعلم منه القرآن؛ لأن خباباً أعجمي وعنده علم من الكتاب، فمحمد يأتي في الصباح وفي المساء يأخذ العلم والقرآن من هذا، ويخبرنا به في الحرم في المساء، والقصة كلها رد الله عليه بآية: ﴿وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلاً * قُلْ أَنْزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ غَفُوراً رَحِيماً﴾ [الفرقان:٤ - ٥] ويقول : ﴿وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ﴾ [النحل:١٠٣]. يقول: هذا القرآن أليس بعربي؟ وخباب أليس بعجمي؟ لا يعرف النطق بالعربية، كيف يتعلم منه القرآن والقرآن أفصح ما تكلم به الناس، لا تستطيع قريش أن تنسج مثل القرآن، ولا تنظم مثل القرآن، فكيف يأتي خباب العجمي المولى الحداد ويخبر الرسول ﷺ بهذا؟ ثم كان الرسول ﷺ يلقى الرجل فيستكتمه الخبر حتى انتشر الخبر، يقول: كل سر جاوز الاثنين شاع، يأتي ﷺ وما أسلم معه إلا أربعة: أبو بكر من الشيوخ، وعلي وكان دون العاشرة، وأبوه أبو طالب لم يسلم ورفض، وأسلمت خديجة زوجة الرسول ﷺ ، وزيد بن حارثة، شيخٌ وصبيٌ ومولى وامرأة. كان ﷺ يأتي في غرفة صغيرة، فيقرأ عليهم، فإذا رفع صوته قليلاً بكى أبو بكر حتى يسمع بكاؤه من وراء الحائط؛ لأن هذا القرآن شيء مذهل، وخاصة أنهم يفهمون القرآن، فالعرب ليسوا مثلنا، أمزجتنا نحن قد فسدت لا نفهم القرآن، لكن تصور إذا قرأ ﷺ القرآن: ﴿وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى * مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى * وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى﴾ [النجم:١ - ٣] كان أبو بكر يغلبه البكاء، فكان إذا رفع ﷺ صوته، أتى كفار قريش فاستمعوا من وراء الحائط وآذوه، وإذا خفض صوته ما سمع منه أبو بكر ولا المصلون وراءه، فقال سبحانه: ﴿ولا تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ وَلا تُخَافِتْ بِهَا وَابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلاً﴾ [الإسراء:١١٠]. قال: لا تجهر؛ فيؤذيك الناس، ولا تخافت بصوتك؛ فلا يسمع منك أصحابك، ولتكن قراءتك وسطاً حتى يسمعك أصحابك، واستمر ﷺ يدعو، فدعا بلالاً إلى الله فاستجاب له، حتى يقول هرقل عظيم الروم، وهو يسأل أبا سفيان وكان في تجارة بعد أن التقى به، قال: أأشراف الناس يتبعونه أم ضعفاؤهم؟ الذي يتبع الرسول ﷺ هم السادة أم الضعفاء؟ قال: بل ضعفاء الناس، قال: هم أتباع الرسل، والله يقول: ﴿وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيراً﴾ [الإسراء:١٦]. وهذه من سنن الله في الكون إلا ما ندر، تجد المترفين أبعد الناس عن وعي الكتاب والسنة، حتى تجد قلب أحدهم مثل الحجر، لا يستمع إلى كتاب ولا سنة، وقد يمر به الوقت وهو لا يسمع إلا خطبة الجمعة، وتجده في آخر الصفوف لا يستمع إلى درس، ولا محاضرة، ولا يتدبر القرآن، ولا يعيش سيرة الرسول ﷺ ، إنما وقته في مسلسل، أو أغنية، أو تمثيلية، أو لعب بلوت، أو سكار، أو كمنجة، أو ما يطلبه المستمعون، فتجد أن قلبه كالحجر تماماً. فالله ذكر هذه القاعدة، قال: ﴿وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيراً﴾ [الإسراء:١٦] ولذلك تجد أن عامة الناس وفقراءهم ومساكينهم هم الذين يملئون الجنة؛ لأن الجنة كما وصفها الله، يقول: ﴿إِذَا وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ * لَيْسَ لِوَقْعَتِهَا كَاذِبَةٌ * خَافِضَةٌ رَافِعَةٌ﴾ [الواقعة:١ - ٣]. قال أهل العلم: تخفض أناساً كانوا مرفوعين في الدنيا، أي: أن الدنيا كانت تشير إليهم، لا يأتي لهم ثمن، وترفع أناساً كانوا مخفوضين في الدنيا في الغرف العالية، نسأل الله من فضله. فتجد أن مساكين الناس هم أكثر الناس قرباً من الله، وحرصاً على الدروس، واحتفاءً بالدعاة، وأكثر الناس احتراماً لطلبة العلم، ولصوقاً بالعلماء، وأكثر الناس مسألة عن أمور الدين، وأكثر الناس حباً لرسالة الرسول ﷺ ، فالرسول ﷺ ترك أبا جهل وأبا لهب والوليد بن المغيرة، ولو أنه كان يحاول أن يكون بينه وبينهم خيط ممدود أو يصل الحوار معهم، لكن كانوا متكبرين متجبرين ولم يكونوا يتكلمون معه، ولا يسلمون عليه، ولا يردون التحية، ويرسلون له الصبيان يضربونه ويرمونه بالحجارة، بل كان أبو لهب -عمه- يأخذ التراب، ويحثو به على رأس الرسول ﷺ ، ويقول: احذروا -أيها العرب- هذا الساحر! احذروا هذا الكاهن! احذروا هذا الشاعر! كان الرسول ﷺ ينزل إلى الحرم في السحر، فكان أبو لهب يرسل امرأته أم جميل فتأتي بالشوك فتضعه في طريق الرسول ﷺ ، فإذا خرج ﷺ أصابه الشوك، ومسح الدم من قدميه، وهو يقول: ﴿اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون﴾. لقد وجد من الإساءات واللدغات، ومن الأسى واللوعة ما لم يجده أحد، ومع ذلك يقول:: ﴿اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون﴾ فينزل ملك الجبال، فيقول: يا رسول الله! ائذن لي أن أطبق عليهم الأخشبين، إنما هم جثث وطواغيت، لا يساوي الإنسان منهم شيئاً، وفي علم الله يفنيهم بكلمة (كن) فيقول ﷺ : ﴿لا، إني أرجو من الله أن يخرج من أصلابهم من يعبد الله ولا يشرك به شيئا﴾ وفي الأخير يقول : ﴿تَبَّتْ يَدَا أبي لهب وَتَبّ * مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ * سَيَصْلَى نَاراً ذَاتَ لَهَبٍ * وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ * فِي جِيدِهَا حَبْلٌ مِنْ مَسَدٍ﴾ [المسد:١ - ٥] قالوا: من نار تتلظى جزاء ما فعلت. واستمر ﵊ يدعو فاستجاب له الفقراء، فوجدوا من النكال ما لا يعلمه إلى الله، انظر إلى الموالي الآن، دعوته ﵊ تحرر الإنسان، فالذي يريد الكرامة ينتهج دعوة الرسول ﷺ ؛ لأنه يلغي العبودية للبشر، أن يأتي بشر مثلك يتسلط عليك، أو تعبده من دون الله، أو تستخذي له، هذا مرفوض في الإسلام، لا. إنما هو الحوار، أن تكون رجلاً وهو رجل، أن تكون محترماً، بأن تكون لك كرامة وإنسانية، هذا ما يريده الرسول ﷺ . فلما سمع الموالي بدعوته ﷺ ، دخلوا في دين الله، أتى آل ياسر وهم أسرة موالي، منهم عمار بن ياسر؛ فدخلوا في دين الله، فأخذهم أبو جهل وعذبهم، فقال ﷺ وهو يمر بهم: ﴿صبراً آل ياسر فإن موعدكم الجنة﴾ ومر ﷺ على بلال وهو يسحب في رمضاء مكة، في شدة الحرارة وقت الظهيرة على الصخور السود، ويسحب على ظهره وبطنه، فيقول: أحدٌ أحد، أحدٌ أحد، يقولها بلال، حتى انتصر بإذن الله، هذه كلها من أوائل العقبات التي واجهها ﷺ وهو في مكة. ولكن أعظم شيء في دعوته ﷺ ، ومما حبب الناس إلى دعوته، أنها تجعل للإنسان احتراماً وقيمة؛ لأن بلالاً كان كالحيوان عند قريش لم يكن له احترام، كان مولى أسود، يقولون: ليس له حق في التعايش ولا تسمع كلمته، ولا يقبل رأيه، فرفض ﷺ هذا كله. وقد وجد ذلك أيام الخلافة الراشدة، فهذا عمر بن الخطاب يقوم يوم الجمعة، فيقول: [[أيها الناس! ما رأيكم لو قلت عن الطريق هكذا]] أي: ملت، فيقوم أعرابي من آخر المسجد بدوي، فيسل سيفه، فيقول: [[والله الذي لا إله إلا هو يا أمير المؤمنين لو رأيناك قلت عن الطريق هكذا، لقلنا بالسيوف هكذا]] ماذا يفعل عمر؟ تدمع عيناه! ويقول: [[الحمد الله الذي جعل في رعيتي من لو قلت عن الطريق هكذا، لقال بالسيف هكذا]] فالرسول ﵊ أتى بهذا المنهج، وهو تقدير الرأي واحترام الإنسان؛ فدخل الناس في دين الله زرافات ووحدانا. كان أبي بن خلف مجرماً من العتاة الكبار وهو من سادات مكة، نزل والرسول ﵊ يطوف، فجمع كفار قريش فاجتمعوا عليه، فبصق أُبي -عليه لعنة الله- في وجه الرسول ﷺ ، فأخذها ﷺ وأسرها في نفسه، ثم وقف عند المقام فدعا عليهم. فأما السبعون الذين دعا عليهم فقتلوا جميعاً في بدر، يقول أحدهم بعدما أسلم: والله ما زلت أعلم أنهم سوف تصيبهم قارعة بعد أن دعا عليهم ﷺ عند المقام، السبعون جميعاً ذبحوا على الكفر في بدر، هذه شلة أبي جهل، وأما أُبيّ بن خلف فإن الله أراد أن يخزيه، ولم يقتل في بدر فر وشرد ببغلته في أول المعركة فتوعده ﵊، فذهب إلى مكة فقال: أين أقاربي؟ فقالوا: قتلوا جميعاً في بدر، فأخذ يعلف فرسه، يأخذ صاع البر ويعطي فرسه، ويقول: كُلْ سوف أقتل عليك محمداً، ويأخذ السيف ويملؤه سماً شهراً كاملاً حتى أصبحت سلة السيف زرقاء من السم. فوصل الخبر إلى الرسول ﷺ ، قالوا: يا رسول الله! يقول أبي بن خلف سوف يقتلك، قال: أنا أقتله إن شاء الله، يقول المتنبي: وما كنت قرناً غالباً لقرينه ولكنه التوحيد للشرك هازم حضر أبي بن خلف معركة أحد، فقال لكفار قريش: ما رأيكم أن تعفوني من المعركة وأنا أقتل لكم محمداً، قالوا: ما دام أنك تقتله فلا تقاتل معنا، فترك المعركة، وجلس في وادٍ وحده، فلما انتهت المعركة، انتهت بقتل سبعين من أصحاب الرسول ﵊؛ لأن الرماة خالفوا أمره، وانتهت وقد كسرت رباعية الرسول ﷺ هذه، ودخل المغفر في رأسه؛ لأنه لم يكن يفر في المعركة، كان هو في الصف الأول دائماً، وانتهت والدم يغشى وجهه الشريف ﵊ وبه من التعب والإعياء ما الله به عليم، ثم مر ووجد حمزة مقتولاً، وقد بقرت بطنه، فغضب وتغير ﵊، وقال: ﴿والذي نفسي بيده، لئن ظفرت بهم لأمثلن منهم بسبعين﴾ فأنزل الله ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ﴾ [آل عمران:١٢٨] فتأثر ﷺ ، وفي تلك اللحظة يقول للصحابة ﷺ : ﴿صفوا ورائي لأثني على ربي﴾. يقول أحد المفكرين: لله درك! في هذه الضربات الأليمة التي وصلتك في عرضك وجسمك وأصحابك وقرابتك، ومع ذلك تقول: أثني على الله، ثم صلى بهم العصر، فلما سلم وإذا بـ أُبي بن خلف ذلك المجرم يقبل على فرس، يقول بعض الرواة: كأن الجبل أقبل معه، الفرس قوي والرجل شجاع، وأقبل ومعه سيف وقد تغطى بدرع كله من تحت الثوب، حتى لم يترك إلا مقدار الدرهم في نحره، فأقبل ومعه السيف يريد الرسول ﷺ ، فقام الأنصار بالسيوف يريدون أن يتناولونه، قال ﷺ : دعوه، عليَّ بحربة، فأعطوه حربة، فقال الرسول ﷺ : بسم الله، والله يقول: ﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى﴾ [الأنفال:١٧]. يقول: أنت لم تسدد الرمية إنما أنت أطلقتها، لكن الله رمى. رمى بك الله جنبيها فحطمها ولو رمى بك غير الله لم يصب قال: باسم الله، قال: فأرسلها فتركت كل جسمه، ودخلت في هذا المكان، فوقع رأس الحربة في نحره، فرجع هو على فرسه إلى كفار قريش: قالوا: مالك؟ قال: قتلني محمد، قالوا: ما قتلك إنما هي قطرة دم في نحرك، قال: دعوني، ثم أقسم بالله لو أن ما بي هذه الطعنة بأهل سوق ذي المجاز لماتوا عن بكرة أبيهم، يقول: لو أن هذه الطعنة أصابت العرب في سوق ذي المجاز، لماتوا فأقبلوا يدفئونه بالنار فأخذ يخور كالثور ثم مات مع الغروب، وصدق ﷺ حين قال: ﴿أقتله إن شاء الله﴾. وخرج أبو بكر وإذا الرسول ﷺ قد اجتمع عليه كفار قريش عند الحجر الأسود، يقولون: لا تطف، ويقول: بل أطوف، انظر هذه الشراسة، قبيلة تتحدى الرسول ﷺ في شخصه، حتى يبكي ويشكو إلى الله، يقول: ﴿إلى من تكلني؟ إلى عدو يتجهمني، أم إلى قريب ملكته أمري، إن لم يكن بك علي غضب فلا أبالي، ولكن عافيتك هي أوسع لي، أعوذ بنور وجهك الذي أشرقت له الظلمات، وصلح عليه أمر الدنيا والآخرة، من أن ينزل بي سخطك، أو يحل عليّ غضبك، لك العتبى حتى ترضى، ولا حول ولا قوة إلا بك﴾ فينجده الله . يأتي أبو بكر والناس قد تواطئوا عند الحجر يريدون ضرب الرسول ﷺ ، قال: [[أتقتلون رجلاً أن يقول: ربي الله؟]] فمالوا على أبي بكر فضربوه حتى أغمي عليه، فلما رفعوه وأفاق، قال: كيف حال الرسول ﷺ ؟ قالوا: بخير، قال: لا أهدأ ولا أرتاح حتى أراه، فأتوا بالرسول ﷺ فدخل على أبي بكر الصديق، ولذلك قال : ﴿وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ﴾ [الزمر:٣٣]. من الذي جاء بالصدق؟ محمد ﷺ . ومن الذي صدق به؟ أبو بكر، وما اسم أبي بكر؟ اسمه الصديق، وهذا المسجد اسمه مسجد أبي بكر الصديق، وهو واحد من آلاف المساجد في العالم الإسلامي في الكرة الأرضية باسم هذا الرجل الذي تولى الخلافة ﵁ وأرضاه وتركها، لكن ما تركها عفوياً، لما أتته الوفاة، قال: [[والله ما أخذت من مال المسلمين قليلاً ولا كثيراً، إذا حضرت الوفاة فخذوا هذين الثوبين وهذه البغلة، واذهبوا بها إلى عمر وقولوا: هذا الذي بقي من مال المسلمين، واتقِ الله يا عمر، لا يصرعنك الله مصرعاً كمصرعي]]. ووصلت هذه الرسالة إلى عمر فبكى حتى جلس، وقال: [[أتعبت الخلفاء بعدك يا أبا بكر]]. هذا طراز أبي بكر وعمر، نحن قدمنا للعالم أبا بكر وعمر وعثمان وعلياً وأحمد ومالك وابن تيمية وابن القيم؛ فدخلوا في دين الله أفواجاً، فلما قدمنا لهم الحجاج وأبا مسلم الخراساني والحاكم بأمر الله الفاطمي والخميني وصدام حسين رفضوا الإسلام؛ لأنهم يظنون أن هؤلاء يمثلون الإسلام في هذه الفترة، فعلينا أن نعود أصلاً إلى رسالته ﷺ ، وإلى سيرته العطرة. واستمر ﷺ يدعو، وقام كثيرٌ من بيوت قريش، فما من بيت إلا ودخله الإسلام، ومنهم الشباب سعد بن أبي وقاص، خال الرسول ﵊، سعد بن أبي وقاص ﵁ لما أراد عمر أن يفتح إمبراطورية كسرى، وأن يدمرها ويسحقها على رأس هذا المجرم كسرى أنوشروان. لقد حكم هو وأسرته ألف سنة، أراد عمر أن يفسد هذه الإمبراطورية ويخزيها ويسحقها، ماذا فعل؟ قال: أريد قائداً، وجهز عمر جيشاً، فبات الصحابة في الليل يريدون أن يختاروا قائداً، وفي الصباح رشَّح عمر نفسه، قال: أنا قائد الجيش، قال: علي بن أبي طالب: لا يا أمير المؤمنين، لا أرى أن تذهب أنت، أرى أن تبقى في عاصمة الإسلام، قال للصحابة: ما رأيكم؟ قالوا: صدق علي، قال: التمسوا لي رجلاً يقود الجيش، قالوا: دعنا يا أمير المؤمنين نفكر، فدخلوا في الخيام والبيوت يفكرون وقليلاً وإذا عبد الرحمن بن عوف يقول: الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، وجدت الأسد في براثنه، قال عمر: من هو؟ قال: سعد بن أبي وقاص، قال: صدقت، فولاَّه. هذا سعد ﵁، الذي قاد المعركة الفاصلة قادسية الإسلام، ليست قادسية صدام الكذب والخيانة، وقلة الأمانة، وقلة الحياء والفشل والخزي والعار إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها. هذا سعد بن أبي وقاص الذي رفعنا، ونحن الآن بدون سعد وعمر وأبي بكر، وبدون صلاح الدين لا نساوي صفراً، لأننا عندما تركنا مسيرة سعد وصلاح الدين ونور الدين وأمثالهم قتلتنا جولد مائير وأخزت جيوشنا وطردت شبابنا، وضربت مطاراتنا، وهي عجوز في السبعين من عمرها، فنحن في التراب حتى نعود إلى صلاح الدين ونور الدين وعمر وعمر بن عبد العزيز. أولئك آبائي فجئني بمثلهم إذا جمعتنا يا جرير المجامع أما العروبة، والمظلة العربية، والأخوة العربية، والدم العربي: وحدويون والبلاد شظايا كل جزء من جسمها أجزاء ناصريون نصرهم أين ولَّى حين داست على الجباه اليهود هذه هي الناصرية، وهذه هي العروبة والقومية، قومية أيلول، وقومية الكويت، وقومية حماه، وقومية بعاث وداحس والغبراء. سعد بن أبي وقاص أسلم وهو شاب، فقالت أمه: لماذا تسلم؟ صبأت عن دينك ودين آبائك وأجدادك، وهكذا يطارد الإنسان المهتدي، الآن بعض الشباب إذا اهتدى وكان في بيته طاغوتاً، أي: أب منحرف أو أم منحرفة، تقول: أصبحت مطوعاً، لماذا تقصر الثوب واللحية؟ تتبع من؟ أتيت لنا بدين جديد، نشأنا أنا وأبوك وجدك نستمع الغناء والحمد لله ليس بحرام -تفتيه- والمسلسل، ونصلي ونصوم ونعبد الله، ونختلط مع الرجال وليس في قلوبنا شيء، والحجاب هذا بدعة، وشددت علينا بهذا الدين، وهذا ما واجهه سعد بن أبي وقاص، كما يواجهه البشر دائماً، يقول: ﴿إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ﴾ [الزخرف:٢٣]. فقالت أمه: والله لا آكل ولا أشرب حتى تعود عن دينك؟ قال: يا أماه! ديني حق، وأخبرها، قالت: والله لا آكل ولا أشرب حتى تعود عن دينك، قال: يا أماه! قالت: نعم. قال: [[والذي لا إله إلا هو، لو كان لك ألف نفس، فخرجت نفساً نفساً ما عدت عن ديني]] فلما قال ذلك، أنزل الله : ﴿وَوَصَّيْنَا الْإنسانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْناً وَإِنْ جَاهَدَاكَ لِتُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُمَا إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [العنكبوت:٨]. وأنا أنبه الشاب والأخوة جميعاً، أن بعض الأخوة يتصور مسألة أنه إذا وجد أباه عاصياً أو أمه عاصية، يرى أنه لا يجوز له أن يطيعهما، أو أن يواليهما أو ينفق عليهما أو أن يزورهما، وهذا خطأ، الأب ولو كان مشركاً، ولو كان طاغوتاً، ولو كان على مذهب ماركس، فعليك أن تزروه، وأن تنفق عليه، وأن تصاحبه بالمعروف، لكن لا تحبه ولا تواله، وبعض الناس تجده يعصي أباه، وإذا قلت له: لماذا تعصي أباك؟ قال: لا يصلي في المسجد، فنقول له: لا يعفيك هذا في الإسلام، يقول سبحانه تعالى: ﴿وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفاً﴾ [لقمان:١٥] فمعروف الوالدين لا بد ولو كانا كافرين.

стр. 4377

عقيدة الولاء والبراء عند الصحابة هاجرت امرأة إلى المدينة تزور بنتها أسماء بنت أبي بكر، فأتت فنزلت -انظر مسألة الولاء والبراء عند الصحابة، دين فصل الوالد عن أبيه، دين جعل الإنسان قبل أن يعانق أباه يذهب إلى الرسول ﷺ ، يقول: أتأذن لي أن أسلم على أبي؟ أتأذن لي أن أصاحب أبي؟ أتأذن لي يا رسول الله أن أضيف أمي؟ فأتت فنزلت عند بنتها وهي امرأة مشركة، وبنتها أسماء بنت أبي بكر مسلمة مؤمنة، فنزلت فأقسمت ألا تُدخلها من الباب، حتى تستأذن الرسول ﷺ ، وإلا من يخبر ﷺ أنها استقبلتها أو ضيفتها أو أهدتها، لكن الإيمان القوي العميق، قالت: اجلسي عند الباب حتى أستأذن الرسول ﷺ ؛ فإن أذن لك أدخلتك وضيفتك، وإن لم يأذن فو الله لا تدخلين الباب، فذهبت؛ فاستأذنت الرسول ﷺ ، فتبسم ﵊ وقال: ﴿نعم! صلي أمك﴾ والحديث أصله في صحيح البخاري. ويأتي أبو سفيان وهو يحارب الرسول ﷺ يدخل فجأة في المدينة، يريد أن يسلم على بنته زوجة الرسول ﷺ ، فقد كان صهره، فأتى إلى رملة أم حبيبة في بيت الرسول ﷺ في غرفة، فدخل عليها، فلما دخل أراد أن يجلس على فراش الرسول ﷺ فطوت عنه الفراش، قال: لمه؟ وهو أبوها، قالت: أنت مشرك نجس، والرسول ﷺ نبي طاهر، هذه لا إله إلا الله التي فصلت هذا عن هذا. وهذا أبو عبيدة من العشرة المبشرين بالجنة، يقول عمر: [[تمنوا أيها الناس]] فتمنى كل إنسان، قال عمر: [[أما أنا فأتمنى من الله لو أن لي ملء هذا البيت رجالاً من أمثال أبي عبيدة]] وهو قائد الجيوش في الشام، الذي فتح الشام، أبو عبيدة يلتقي في بدر مع أبيه وهو مشرك، فيميل عنه أبو عبيدة لا يريد أن يقاتله، ثم في المرة الثانية يميل عنه، ثم في الثالثة يأخذه أبو عبيدة فيضرب رأسه فإذا رأسه في أرض وجثته في أرض، فيمدحه الله من فوق سبع سماوات: ﴿لا تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ﴾ [المجادلة:٢٢]. هذا هو الدين الذي يفصل بين الوالد وولده، ورسالته ﵊ اسمها: رسالة المفاصلة بين معسكر الكفر ومعسكر الإيمان.

стр. 4378

إسلام بعض الصحابة في أول الإسلام

стр. 4379

إسلام أبي بكر الصديق قال المؤلف رحمه الله تعالى: وأول من أجاب رسول الله ﷺ : أبو بكر الصديق ﵁ وأرضاه. أول من أجابه من الرجال أبو بكر، وأول من أنفق أمواله في سبيل الله أبو بكر، ولذلك كان هو الخليفة بعد الرسول ﵊ وما طلعت الشمس ولا غربت بعد النبيين والمرسلين على أفضل من أبي بكر الصديق. يقول عمر: ﴿أردت أن أسبق أبو بكر يوماً من الأيام؛ فأخذت نصف أموالي وأتيت بها رسول الله ﵊، فقال لي ﷺ : ماذا أبقيت لأهلك؟ قلت: أبقيت لهم نصف مالي، ثم قلت: يا رسول الله هل سبقني أحد بشيء، قال: نعم سبقك أبو بكر الصديق بماله كله قال عمر: فو الله ما أستطيع أن أسابق أبا بكر ﵁ وأرضاه﴾. أسلم وصدَّق الرسول ﵊ وأنزل قوله: ﴿وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾ [الزمر:٣٣] يقول ﵊: ﴿ما دعوت أحداً إلى الإسلام إلا كانت له كبوة، غير أبي بكر الصديق﴾ أي: كان له توقف وكان له تأمل إلا أبا بكر ﵁ فإنه أسلم وما تلعثم وما تأخر ﵁ وأرضاه.

стр. 4380

إسلام عثمان بن عفان وممن أسلم في أول الإسلام عثمان بن عفان، وهو ذو النورين؛ لأن الرسول ﵊ زوجه ابنتيه، زوجه رقية ثم ماتت، ثم زوجه أم كلثوم، وهو ﵁ عند كثير من المفسرين المقصود بقوله : ﴿أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِداً وَقَائِماً يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ﴾ [الزمر:٩] كان ابن عباس إذا قرأ هذه الآية، قال: ذاكم عثمان بن عفان، وقد آتاه الله مالاً كثيراً، وكان من تُجَّار الصحابة، فأنفق أمواله في سبيل الله. يقول ﷺ على المنبر: ﴿من يُجهِّز جيش تبوك وله الجنة؟﴾ فتوقف الناس، فقال: ﴿من يجهز جيش تبوك وله الجنة﴾ فقام عثمان؛ فجهز جيش تبوك، فقال ﵊: ﴿اللهم اغفر لـ عثمان بن عفان ما تقدم من ذنبه وما تأخر، اللهم ارض عن عثمان فإني عنه راض﴾ وقتل شهيداً ﵁. أبو بكر الصديق والصديق لا تأكله الأرض عند كثير من أهل العلم، وعمر قتل شهيداً، وقتل عثمان شهيداً، وقتل علي شهيداً، فـ عثمان قتله الثوار عليه، وكان المصحف مفتوحاً بين يديه، وكان صائماً يوم قتل، وقد نام بعد صلاة العصر قليلاً، فرأى الرسول ﷺ في المنام، وكأنه ﷺ في الجنة معه أبو بكر وعمر، فقال له ﷺ : يا عثمان! اصبر فإنك سوف تفطر عندنا هذه الليلة، فقتل قبل الغروب وما أفطر، وسال دمه على المصحف، على قوله : ﴿فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [البقرة:١٣٧] هذا عثمان بن عفان ﵁ وأرضاه، رفع الله منزلته، وجمعنا به في دار الكرامة، ويتنقصه الرافضة عليهم غضب الله، وهو من السعداء عند الله وهو ثالث الخلفاء الراشدين.

стр. 4381

إسلام الزبير بن العوام وممن أجاب أيضاً الزبير بن العوام: حواري الرسول ﵊، وكان ﷺ يرسله في المهمات وكان من أشجع الناس، يقول ابنه عروة: [[كنت ألعب بجروح في صدر أبي وفي كتفه وفي ظهره من كثرة ما ضرب في سبيل الله]] هذه الجروح كانت مغارات من ضرب السيوف والرماح، قال: [[كنت ألعب بها بعدما برئت فيما بعد]] هذه جروح الزبير بن العوام، وهو أحد العشرة المبشرين بالجنة. حضر معركة الجمل، وبعدها رجع وفي أثناء طريقه وهو عائد إلى المدينة نام تحت شجرة، فأتاه رجل اسمه ابن جرموز، فوجد الزبير نائماً، فأخذ سيف الزبير وهو معلق؛ فذبح الزبير، فأتت عاتكة زوجة الزبير تقول: يا ذاك لو نبهته لوجدته لا طائشاً رعش الجنان ولا اليد شلت يمينك إن قتلت لمسلماً حلت عليك عقوبة المتعمدِ فلما قتله ابن جرموز هذا، كان يرى في المنام أنه يسبح في بحر من الدم، فأتى إلى عبد الله بن الزبير، فقال: خذوا بدمي من دم أبيكم اقتلوني بأبيكم، والله ما نمت بعده ليلة واحدة إلا رأيت في المنام أني أسبح في بحر من الدم، قال عبد الله بن الزبير: والله لا نقلتك بـ الزبير، والله لا تساوي شراك نعل الزبير، ولكن نتركك لله، وقد صدق؛ لأن ابن جرموز ماذا يساوي مع الزبير بن العوام أحد العشرة؟! فتركوه.

стр. 4382

إسلام عمر ﵁ وممن أسلم: عمر ﵁ وأرضاه، وهو من المتقدمين في الإسلام، خرج متوشحاً سيفه يريد أن يقتل الرسول ﵊، وفي أثناء طريقه إلى دار الأرقم بن أبي الأرقم، عرض له رجلٌ من قريش أو ممن أسلموا، فأخذ عمر يسب هذا المسلم، ويقول: كيف تصبأ وتترك دينك؟ قال: اترك عنا هذا يا ابن الخطاب، فإن الإسلام قد دخل بيتك وأختك قد أسلمت وزوجها، فعاد غاضباً ومعه السيف، وكان كبير الجسم وشجاعاً، فأقبل إلى أخته وزوجها، فضربهم حتى شج رءوسهم وسالت دماؤهم. وسمعهم يقرءون في صحف فطلبها، فقالا: لا. أنت نجس حتى تغتسل، فاغتسل ثم فتح الصحف، فوجد فيها: ﴿طه * مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى * إِلَّا تَذْكِرَةً لِمَنْ يَخْشَى * تَنْزِيلاً مِمَّنْ خَلَقَ الْأَرْضَ وَالسَّمَاوَاتِ الْعُلَى﴾ [طه:١ - ٤] فأسلم، وأتى إلى الرسول ﷺ مسلماً، فخرج له ﷺ لما رآه بالسيف، وأخذه ﷺ بتلابيب ثوبه، يظن أنه لا يزال مشركاً، قال: [[أما آن لك يا ابن الخطاب أن تسلم حتى ينزل بك ما نزل بـ الوليد بن المغيرة؟ فقال عمر: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أنك رسول الله]] فأسلم. ولما هاجر وقف على الصفا وقال: [[يا معشر قريش، من أراد أن تثكله أمه فليلقني ببطن ذاك الوادي]] فما قام له أحد، كان من أشجع الناس، حتى يقول حافظ إبراهيم: قد كنت أعدا أعاديها فصرت لها بفضل ربك حصناً من أعاديها

стр. 4383

إسلام طلحة بن عبيد الله وأسلم طلحة بن عبيد الله ذو الجود، وهو أحد العشرة المبشرين بالجنة، وكان من أكرم الناس يداً، وأنفعهم لرسول الله ﵊، وقد حضر الغزوات كلها مع الرسول ﷺ ، وشلت يده يوم أحد، ضرب بالسيوف والرماح والنبل حتى شلت يده، فلما انتهت المعركة قال له الصحابة: كيف وجدت نفسك؟ قال: والذي نفسي بيده، ما في جسمي شبر إلا وفيه ضربة بسيف، أو طعنة برمح، أو رمية بسهم، فكان أبو بكر يبكي على المنبر ويقول: [[أما يوم أحد فقد ذهب بأجره طلحة بن عبيد الله]] وكان من أشجع الناس. وقد قتل طلحة يوم معركة الجمل التي وقعت بين علي من جهة ومن معه، وبين عائشة ومن معها، وهي فتنة وقعت ﴿تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ وَلا تُسْأَلونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [البقرة:١٣٤]. ومن معتقد أهل السنة والجماعة ألا يخوضوا فيما شجر بين الصحابة ولا يتكلموا ولا يخطئوا بعض الصحابة، ويقولوا: الصواب مع فلان أو مع فلان، لا، بل يكفوا ألسنتهم كما كفوا أسيافهم، قيل لـ عامر الشعبي: ما رأيك في أهل الجمل وأهل صفين عندما فر بعضهم من بعض؟ قال: أولئك أهل الجنة التقوا فاستحيا بعضهم من بعض. طلحة بن عبيد الله قتل في المعركة، وكان في الصف المقابل لـ علي، وسبب خروجه من المدينة أنه يريد أن يقاتل قتلة عثمان فلما خرج قتل، فنزل علي بن أبي طالب ﵁ لما رأى طلحة، وكان زميله وحبيبه وصديقه ومن العشرة المبشرين بالجنة معه، فنزل علي وأخذ يمسح التراب عن وجه طلحة وهو مقتول، ويقبله ويبكي، ويقول: [[يعز عليّ يا أبا محمد أن أراك مجندلاً على التراب، لكن أسأل الله أن يجعلني وإياك ممن قال الله فيهم: ﴿وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْوَاناً عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ﴾ [الحجر:٤٧]]]. قيل: هذه الآية نزلت في الصحابة وفي المسلمين عامة، فممن أسلم طلحة ﵁.

стр. 4384

إسلام صهيب الرومي وممن أسلم أولاً: صهيب الرومي الذي اشترى نفسه من الله، يقول : ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ رَؤُوفٌ بِالْعِبَادِ﴾ [البقرة:٢٠٧]. خرج مهاجراً إلى المدينة، وكان من أرمى الناس في الأسهم، يرمي رمياً هائلاً، فلحقه كفار قريش، وقالوا: لنقتلنك، وحوطوا عليه، فأخرج كنانته وأسهمه، وقال: إنكم تعلمون أني من أرمى الناس، والله لا أترك سهماً إلا رميت به، ولكن خذوا مالي واتركوني، قالوا: أين مالك؟ فأخبرهم بمكان المال، فلما رجعوا وجدوا ماله؛ فأخذوه كله، وذهب بلا مال إلى الرسول ﵊ في المدينة، فلما رآه ﵊ قال: ﴿ربح البيع أبا يحيى، ربح البيع أبا يحيى، ربح البيع أبا يحيى﴾ صهيب كنيته: أبو يحيى، وقد اشترى نفسه من الله، فيقول الله: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ﴾ [البقرة:٢٠٤] ثم قال بعدها بآيات: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ رَؤُوفٌ بِالْعِبَادِ﴾ [البقرة:٢٠٧].

стр. 4385

إسلام ابن مسعود ومن السابقين الأولين: عبد الله بن مسعود، وهو هذلي، كان يرعى الغنم، نحيف الجسم، يقولون: كان جسمه إذا قام يعادل الجالس إذا جلس، أي: وأنت جالس وهو قائم يعادل رأسك، وكان نحيف الجسم جداً، حتى صعد مرة يأخذ سواكاً للرسول ﵊ من شجرة، فهبت الريح، فاهتزت الشجرة وعليها ابن مسعود كالصقر، فأخذ الصحابة يتضاحكون من خفته ومن دقته، فقال ﷺ : ﴿أتعجبون من دقة ساقيه! والذي نفسي بيده، إنهما في الميزان يوم القيامة أثقل من جبل أحد﴾. ولذلك ترى بعض المجرمين مثل السارية وهو مجرم لا يساوي عند الله فلساً، يقول : ﴿وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ وَإِنْ يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ﴾ [المنافقون:٤] ويقول حسان في بعض المجرمين، لما رآهم طوالاً، قال: لا بأس بالقوم من طول ومن قصر جسم البغال وأحلام العصافير أسلم ابن مسعود وكان له لقاء تاريخي مع الرسول ﷺ قبل أن يسلم، خرج ﷺ وأبو بكر وفي أثناء الطريق وإذا راعي هذا الضأن يرعى -وهو ابن مسعود - لهذيل، وهذيل قبيلة قريبة من البحر الأحمر، فاقترب ﷺ ، فقال: يا غلام! أفي غنمك حلوب؟ فقرب لهم، وقيل: قرب لهم حائلاً؛ فدعا ﷺ فحلب بإذن الله، فقال له ابن مسعود: علمني يا هذا مما تعلم؟ سمع دعاء الرسول ﷺ ، فقال ﷺ وهو يتبسم: ﴿إنك غلام معلم﴾ ثم ذهب ﷺ ، ولما عاد أسلم ابن مسعود ﵁ وأخذ من فم الرسول ﷺ سبعين سورة مباشرة. وكان جميل الصوت، يقول مسروق بن الأجدع: [[استمعت لـ ابن مسعود وهو يقرأ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص:١] في صلاة المغرب، والله ما سمعت صنجاً، ولا ناياً، ولا وتراً، أجمل من صوته، وودت أنه قرأ بنا بسورة البقرة]]. كان ﷺ يقول: ﴿اقرأ عليّ القرآن، قال: كيف أقرأ عليك وعليك أنزل؟ فيقول ﷺ : إني أحب أن أسمعه من غيري -يقول: أنا أتلذذ بالقرآن من غيري- فبدأ يقرأ سورة النساء، حتى بلغ قوله تعالى: ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلاءِ شَهِيداً﴾ [النساء:٤١] فقال النبي ﷺ : حسبك الآن، يقول ابن مسعود فنظرت؛ فإذا عيناه تذرفان ﵊﴾. قام ابن مسعود يقرأ سورة الرحمن عند المقام، وأبو جهل جالس هو وكفار قريش فأخذ يرفع صوته ويقول: ﴿الرَّحْمَنُ * عَلَّمَ الْقُرْآنَ * خَلَقَ الْإنسانَ * عَلَّمَهُ الْبَيَانَ * الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ﴾ [الرحمن:١ - ٥] هل يستطيع بشر أن يقول مثل هذا الكلام؟ هل سمعتم أجمل من هذه العبارات؟! (الرَّحْمَنُ) (عَلَّمَ الْقُرْآنَ) (خَلَقَ الْإنسانَ) (عَلَّمَهُ الْبَيَانَ) (الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ) (وَالنَّجْمُ وَالشَّجَرُ يَسْجُدَانِ) فقام أبو جهل؛ فأخذ يضربه على وجهه بيده، وابن مسعود لا يتوقف يندفع يقرأ ويضربه ويضربه ثم أخذ بأذنه وجعل يطوف به في الحرم. فلما أحق الله الحق، وأتت معركة بدر، حضرها ابن مسعود ﵁ وأرضاه، فلما قتل أبو جهل وأصبح في الرمق الأخير، أتى ابن مسعود ومعه سيف؛ فأخذ يحز عنق أبي جهل، قال أبو جهل: سيفك هذا لا يصلح، خذ سيفي، يريد أن يريح نفسه بالموت؛ لأنه مطعون ودمه يسيل، فأخذ سيف أبي جهل وصعد على صدر أبي جهل، قال أبو جهل: لقد ارتقيت مرتقاً صعباً يا رويعي الغنم، يقول: تصعد على صدري، فلما حز رأسه أتى برأسه إلى الرسول ﷺ ، يسحبه بخيط في أذنه، فتبسم ﷺ ، وقال: ﴿هذه بتلك﴾ وقيل في بعض الروايات: ﴿الأذن بالأذن والرأس نافلة﴾ يقول: سحبك بأذنك في الحرم، وأنت تسحبه الآن بأذنه. ثم قال ﷺ : ﴿هذا فرعون هذه الأمة﴾ قالوا: يا رسول الله! كيف نعرف جثته؟ قال: ﴿تعرفون جثته بجرح في ركبته، فإني تصارعت أنا وأبو جهل ونحن شباب على مائدة عبد الله بن جدعان في مكة؛ فصرعته في الأرض فهو مجروح في ركبته﴾ فأتوا إلى ركبة أبي جهل وإذا فيها آثار جراح، فسحبوا جثته فلما ألقي في القليب قام ﵊ فيهم ثم قال: ﴿يا معشر قريش! هل وجدتم ما وعدكم ربكم حقا؟ فإني وجدت ما وعدني ربي حقا فقال عمر: يا رسول الله! ماذا تحدث من جثث لا حراك بها؟ قال: والذي نفسي بيده، ما أنتم بأسمع لما أقول منهم﴾.

стр. 4386

إسلام أبي ذر الغفاري وممن أسلم كذلك: أبو ذر الغفاري ﵁ في مكة، وهو من المتقدمين، وفي بعض الروايات أنه يحشر مع عيسى ﵇، وورد عن الرسول ﷺ أنه قال: ﴿ما أظلت الخضراء، ولا أقلت الغبراء أصدق لهجة من أبي ذر الغفاري﴾ وهو الزاهد الكبير والعابد. أما سبب إسلامه فإنه كان في البادية، في قبيلة غفار في شمال مكة، وكانت بادية لم يكونوا حاضرة، فسمع بمبعث الرسول ﵊، فقال لأخيه أنيس: يا أنيس! اذهب إلى هذا الذي يدِّعي النبوة في مكة، فأعطني منه خبراً، فأتى أنيس فركب جمله، وأبو ذر يرعى إبل وغنم أخيه مع إبله وغنمه، فذهب أنيس هذا؛ فدخل مكة؛ فلقيه أبو لهب، قال أنيس: من هذا الذي يدعي النبوة عندكم؟ قال: كذاب، ساحر، شاعر، خرج علينا يسب آلهتنا، فخرج أنيس وما أخذ الخبر. وأتى إلى أبي ذر، قال: يقولون: كذاب، ساحر، شاعر، قال: ما أنصفتني وما شفيت غليلي، فركب جمله ﵁ وأرضاه، فوصل إلى مكة فدخلها في ظلام الليل. فالتقى بـ علي بن أبي طالب وهو شاب، قال لـ علي: دلني على هذا الذي يدعي النبوة؟ قال: هو ابن عمي، وصدق، فالرسول ﷺ هو ابن عم علي فهذا علي يبكي في معركة تبوك ويقول: يا رسول الله! خلفتني مع النساء والأطفال؟ قال ﷺ وعيونه تهراق بالدموع: ﴿يا علي! أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي﴾ ويقول ﷺ لـ علي: ﴿لا يحبك إلا مؤمن، ولا يبغضك إلا منافق﴾. فالمقصد: أن خرج علي بن أبي طالب وقال لـ أبي ذر: إذا توقفت أصلح حذائي أتظاهر كأني أصلح حذائي فهو الرجل القريب مني؛ لأنه لا يريد أن يكشف نفسه لكفار قريش، فأتى علي فنزل مع أبي ذر إلى الحرم، فلما اقتربوا كان ﷺ يجلس في وسط الحرم؛ دائماً هو في عراك -كل يوم وكل ليلة- مع كفار قريش، يقول: ﴿قولوا: لا إله إلا الله﴾ ويقولون: لا. وثلاثمائة وستين من الأصنام حول الكعبة لم يهدمها؛ لأنه ينتظر بها مستقبل لا إله إلا الله، حتى يهدمها ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحاً مُبِيناً * لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَيَهْدِيَكَ صِرَاطاً مُسْتَقِيماً * وَيَنْصُرَكَ اللَّهُ نَصْراً عَزِيزاً﴾ [الفتح:١ - ٣] فوقف ﷺ وهو جالس، وتوقف علي يصلح حذاءه، فتقدم أبو ذر وعرف رسول الله ﷺ ، قال: عم صباحاً يا أخا العرب -هذه تحية الجاهليين- العرب إذا التقى أحدهم أخاه في الجاهلية، يقول: عم صباحاً يا أخا العرب، ويقول امرؤ القيس في قصيدته الشهيرة: ألا عم صباحاً أيها الطلل البالي وهل يعمن من كان في العصر الخالي فقال ﷺ : ﴿إن الله أبدلني بتحيةٍ خيراً من تحيتك﴾ قال: ما هي؟ قال: ﴿السلام عليكم ورحمة الله وبركاته﴾ قال: السلام عليك ورحمة الله وبركاته، قال: وعليك السلام ورحمة الله وبركاته، قال: من أنت؟ قال: ﴿أنا رسول﴾ قال: من أرسلك؟ -هذا يسمى اللقاء الحار- قال: ﴿الله﴾ قال: بماذا أرسلك؟ قال: بعبادة الله وحده وإقام الصلاة، وصلة الرحم، والبر، ثم ذكر له، قال: أسمعني مما أنزل الله عليك، قال: بسم الله الرحمن الرحيم، وبدأ ﷺ يقرأ عليه من القرآن، قيل: من سورة فصلت، فقال أبو ذر: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أنك رسول الله، قال ﷺ : ﴿من أين الرجل؟ قال: من غفار، فتبسم ﵊، ورفع طرفه إلى السماء، وقال: إن الله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم﴾. أبو جهل وأبو لهب عند الحجر الأسود، رفضوا لا إله إلا الله، ويأتي هذا من غفار يسلم، قال: يا رسول الله! ائذن لي أن أجهر بالدعوة، قال: لا. -انظر الحكمة! يقول: لا تجهر الآن- فخرج أبو ذر ووقف على الصفا، وقال: لا إله إلا الله محمد رسول الله، فقام عليه كفار قريش، وضربوه حتى سال دمه وأغمي عليه، فأتى العباس عم الرسول ﷺ ، قال: يا معشر قريش! هذا من غفار، والله إن سمعت قبيلته، لتمنعن عنكم تمر وحب الشام فلا يصلكم منه شيء، فتركوه. وبعدما هاجر ﷺ ، أتى أبو ذر بقبيلة غفار بكاملها، كأنها جيش، ودخلوا في دين الله أفواجاً وأسلموا، وهو سيدهم عند الله، وله قصة طويلة شائقة. قد بكت غربتي الرمال وقالت يا أبا ذر لا تخف وتأسا قلت لا خوف لم أزل في شباب من يقيني ما مت حتى أدسا أنا عاهدت صاحبي وخليلي وتلقنت من أماليه درسا جمعنا الله وإياهم في دار الكرامة، ووفقنا وإياكم لسيرة محمد ﷺ ، وهدانا لا تباع سنته، وحشرنا في زمرته، وسقانا شربة من حوضه لا نظمأ بعدها أبداً.

стр. 4387

مرحلة الجهر بالدعوة قال المؤلف رحمه الله تعالى: (باب الجهر بالتبليغ) لما أسر ﷺ دعوته وكتمها في صفوف الناس لم تجدِ كثيراً هذه السرية ولو أنها من لوازم الدعوة، وكان ﷺ يرى أول العهد أن يكتم دعوته، حتى لا تتصور قريش أنه يريد ملكاً أو مالاً أو يريد سبباً آخر. فأنزل الله عليه: ﴿فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ﴾ [الحجر:٩٤] ومعنى اصدع بما تؤمر: أي: تكلم بما يأمرك به أو بما ينزل ربك عليك. واصدع كلمة جميلة، معناها: ارفع صوتك صادعاً بالحق، وبما تؤمر، وفيه أن كل ما أنزل على الرسول ﷺ فهو وحي: ﴿وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى * مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى * وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى﴾ [النجم:١ - ٣] فلم يأتِ بشيء من عنده ﵊، ودائماً يقول: إنما أنا بشر يوحى إلي، ودائماً يتبرأ ﷺ من الحول والقوة، ويقول: لا أعلم الغيب ﴿وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ﴾ [الأعراف:١٨٨].

стр. 4388

وقوف النبي ﷺ على الصفا يدعو كفار قريش فلما أنزل الله ذلك وقف ﷺ على الصفا، وقد كان هناك وادٍ بين الصفا والمروة قبل أن تسوى الآن، وقبل أن يصلح حالها ويطبطب، واد فيه شجر ولم يكن مغطى، وكانت الصفا من أرفع أماكن الحرم، وتحتها قرى قريش حول الحرم، فوقف ﷺ ورفع صوته بالنداء، يدعو كفار قريش بطناً بطناً: يا بني فهر! يا بني عدي! يا بني كعب: فلما نادى القبائل اجتمعت، يقول الراوي: كان الرجل إذا سمع الصوت ولم يستطع أن يأتي أرسل ابنه أو أخاه؛ لأن المسألة صعبة وقريش إذا سمعت النداء، فمعناه إما عدو هجم عليهم، وإما رجلٌ منهم قتل، وإما جيش عرمرم يريد اجتياح الحرم، هذه احتمالات. فاجتمعوا حتى ملئوا الحرم، منهم من اجتمع بالسلاح، ومنهم من كان لابساً رمحه، ومنهم من تدرع، وأتى الشيوخ والنساء والأطفال، فلما اجتمعوا: قال: يا قريش! قالوا: نعم، قال: ﴿أرأيتم لو أخبرتكم أن ببطن هذا الوادي خيلاً تريد أن تغير عليكم أكنتم مصدقي؟﴾ هذا سؤال عجيب، يقول: لو أخبرتكم أن جيشاً يريد اجتياحكم أتصدقوني أم لا؟ قالوا: ما جربنا عليك كذباً هل سمعتم أن الرسول ﷺ في عمر أربعين سنة، هل يمكن أن يكون له فيها كذبة أو خيانة أو سرقة أو غش؟ هل سمع في التاريخ بهذا؟ ﴿قالوا: ما جربنا عليك كذباً، قال: فإني نذير لكم بين يدي عذاب شديد، قولوا: لا إله إلا الله تفلحوا﴾. فقال الله: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء:١٠٧] تلاها على الصفا، والله يقول له ذلك في مكة وليس عنده إلا أربعة: أبو بكر وخديجة وزيد وعلي بن أبي طالب، فأخذ بعض الكفار يلتفت في بعض ويضحك، ويقول: أي رحمة للعالمين وهو يتخفى بصلاته، لكن أراد الله ذلك، ويقول: ﴿وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ﴾ [التوبة:٣٢]. وبعد خمس وعشرين سنة، أما سارت كتائبه إلى قرطبة؟ أما وصلوا إلى الحمراء؟ أما فتحوا الهند والسند؟ هذا رحمة للعالمين. فقال أبو لهب لما سمعه وهو عم الرسول ﷺ وقد كان وضيء الوجه، لكنه ليس وضيء المبادئ، وهذا دين فرق بين الوالد وولده، وبين الأخ وأخيه ﴿إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ [القصص:٥٦] والهداية هبة ربانية، لا تأتي للأسر، ولا للأموال، ولا للأولاد، يمنحها الله الفقير، ويحرمها الغني متى شاء. ذكر ابن جرير وغيره أن موسى ﵇ تربى في بيت فرعون الطاغية، فرباه فرعون وأعطاه فرعون التعاليم، ولقنه المبادئ، لكن لم يستمع لأي جملة من مبادئه تماماً، وموسى السامري رباه جبريل ﵇، فلما رباه جبريل على التوحيد وصل هذا عمره أربعين وهذا أربعين، هذا الذي ربَّاه جبريل كفر بالله العظيم، وهذا الذي وصل الأربعين -موسى- أصبح نبياً من أنبياء الله من أولي العزم، قال الشاعر: فموسى الذي رباه جبريل كافر وموسى الذي رباه فرعون مؤمن

стр. 4389

موقف أبي لهب من دعوة النبي ﷺ يقول : ﴿إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ [القصص:٥٦] قام أبو لهب؛ فقال للرسول ﷺ : تباً لك ألهذا دعوتنا؟ ألهذا جمعتنا؟ يقول: أتعبتنا من أجل هذه الكلمة؟! فتولى الله الرد عليه، وقال: ﴿تَبَّتْ يَدَا أبي لهب وَتَبّ * مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ * سَيَصْلَى نَاراً ذَاتَ لَهَبٍ * وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ * فِي جِيدِهَا حَبْلٌ مِنْ مَسَدٍ﴾ [المسد:١ - ٥] يقول بعض أهل التفسير ﴿وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ﴾ [المسد:٤] أي: تمشي بالنميمة، وقال بعضهم: بل وضعت الشوك في طريق الرسول ﷺ وهو الظاهر. فتصدعت القبائل تريد قتله ﵊ وتجمعوا وذهبوا عامدين بسيوفهم وسلاحهم إلى بيت أبي طالب، وهو أكبر أهل مكة ذاك الوقت وهو الذي يديرهم، فاجتمعوا؛ فقالوا: نشكو إليك ابن أخيك هذا، سب آلهتنا، وسفَّه أحلامنا، إن كان يريد ملكاً ملّكناه، وإن كان يريد زوجة زوجناه، وإن كان مسحوراً بحثنا له عن طبيب فداويناه ﴿وَمَا صَاحِبُكُمْ بِمَجْنُونٍ﴾ [التكوير:٢٢] يقول : صاحبكم عنده دواء الجنون، أما أن يكون مجنوناً فلا؛ لكنه يداوي المجانين: ﴿وَمَا صَاحِبُكُمْ بِمَجْنُونٍ * وَلَقَدْ رَآهُ بِالْأُفُقِ الْمُبِينِ * وَمَا هُوَ عَلَى الْغَيْبِ بِضَنِينٍ﴾ [التكوير:٢٢ - ٢٤]. يقول: هل سمعتم أنه يخون الغيب أو أنه بخيل بالغيب أو أنه مظنون بعدالته؟ لا يكون ذلك فيه ﵊، اجتمعوا، فقال أبو طالب وكان عاقلاً: أرجئوني يوماً، قالوا: لك يومين -وكانوا عندهم عقول، لكن ما أجدت وما أغنت عنهم، عقول لكن في الدنيا مثل عقول بعض الناس: ثقافته في الدنيا لكن ليس له ثقافة فيما يقربه من الله، ليس عنده ثقافة في الإيمان، يعرف كل شيء إلا أمور الإيمان- فذهبوا، فأتى أبو طالب إلى الرسول ﷺ ، إلى هذا اليتيم الذي يريد أن يشق العالم، وقال له: ماذا تريد؟ قال: يا عم! أريد أن يقولوا: لا إله إلا الله محمد رسول الله، قال: إنهم عرضوا عليك أموراً، وأرى أن تكف عنهم ويكفوا عنك، وأخبره، قال: ﴿والذي نفسي بيده، لو وضعوا الشمس في يميني، والقمر في يساري على أن أترك هذا الأمر ما تركته حتى يظهره الله أو أهلك دونه﴾ فقام وتركه، ثم رجع له أبو طالب، فقال: يا بن أخي! افعل ما بدا لك، والله لأحمينك وأنصرنك حتى لو أقتل دونك، ثم نظم فيه قصيدة لامية رائعة، هي موجودة في السير، يمدح فيها الرسول ﷺ : وأبيض يستسقى الغمام بوجهه ثمال اليتامى عصمة للأرامل ويقول في قصيدة أخرى: والله لن يصلوا إليك بجمعهم حتى أوسد في التراب دفينا يقول: لن يصل إليك كفار قريش أبداً، وهو صادق، فاستمر في حمايته، واستمر ﷺ يصدع ويخطب، ثم مرت به اللدغات واللذعات والأسى واللوعة، واسمع إلى بعض المواقف. في اليوم الثاني: نزل ﷺ ، فجلس في الحرم، فحانت وقت الصلاة؛ فقام ﷺ يصلي عند المقام، فلما سجد قال أبو جهل: مَن مِن شبابكم يذهب فيأتي بسلى ناقة آل فلان فقد ولدت؛ فيضعها على رأسه، فذهب رجل: يشتد أي: يسعى حتى أتى بها، فلما سجد ﷺ وضعها على رأسه، قال ابن مسعود: وكنت أنظر وما أغني عن الرسول ﷺ شيئاً، لأن ابن مسعود فقير ويتيم ولا يستطيع أن يفعل شيئاً، والحرم كله يمتلئ بهؤلاء الطواغيت، قال: فأتت فاطمة؛ وألقت عنه الأذى وأخذت تبكي، فقام ﷺ ؛ فاستقبل القبلة؛ ورفع يديه ودعا، قال ابن مسعود: ﴿والذي لا إله إلا هو، لقد كانوا في الحرم سبعين، وما من أحد ممن رأيت إلا رأيته قتيلاً في بدر﴾. السبعون كلهم قتلوا جميعاً في بدر، وقد ألقى فيهم ﷺ خطبة عصماء وتكلم فيهم، وقال: ﴿هل وجدتم ما وعدكم ربكم حقاً، فإني وجدت ما وعدني ربي حقاً﴾. واستمر ﵊، قال الله له: ﴿وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ * فَإِنْ عَصَوْكَ فَقُلْ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ﴾ [الشعراء:٢١٥ - ٢١٦] فجمعهم ﷺ ، وقال: ﴿إن الرائد لا يكذب أهله، والله لو كذبت الناس جميعاً ما كذبتكم، ولو غررت الناس جميعاً ما غررتكم، والله الذي لا إله إلا هو إني لرسول الله إليكم خاصة وإلى الناس كافة، والله لتموتن كما تنامون، ولتبعثن كما تستيقظون﴾. كل شيء تفهمه قريش إلا مسألة كيف يعود الإنسان إذا مات: ﴿وَقَالُوا مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ﴾ [الجاثية:٢٤] ﴿زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِمَا عَمِلْتُمْ وَذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ [التغابن:٧]. أتى أعرابي إلى الرسول ﷺ ، فقال: ﴿يا محمد! أومن أن ما جئت به حق وأصدقك، لكن هناك مسألة حاكت في صدري، قال: ما هي؟ قال: كيف يبعثنا الله بعدما نموت؟ قال: أأنت في شك من ذلك؟ قال: بلى. قال: أما مررت بروضة خضراء؟ قال: بلى مررت بها﴾ يتكلم الرسول ﷺ معه؛ لأنه صاحب غنم يعرف الروضة الخضراء، ولذلك ترى القرآن يخاطب الأعراب الأوائل، بالجمل، والسماء، والنهر، والماء، والشجرة، والخيمة، والصوف في سورة النحل؛ لأنهم هم الذين يعرفون هذه الأمور، قال: ﴿أما مررت بروضة خضراء؟ قال: بلى مررت بها، قال: فمررت بها بعد حين؟ قال: نعم قال: فكيف وجدتها؟ قال: وجدتها ميتة هامدة، قال: فمررت بها بعد حين؟ قال: نعم. قال: فكيف وجدتها؟ قال: وجدتها خضراء مزهرة، قال: فمن أحياها؟ قال: الله، قال: فالذي يحيي هذه يحيي هذه﴾.

стр. 4390

موقف العاص بن وائل أما العاص بن وائل المجرم، أتى من الحرم معه عظام في جيبه -انظر الإجرام والسخرية بالرسول ﷺ كل إنسان يأتي بمصيبة- فلما استمعوا وجلسوا، أخرج العظام وهي باليه، فقال: يا محمد! قال: نعم. قال: أتزعم أن ربك يحيي هذه، قال: ﴿نعم، يحييها ويدخلك النار﴾ لا يحييها فقط، لكن يحييها ويدخلك النار، فأتى جواب القرآن، نزل جبريل والرسول ﷺ جالس، أمامه العاص بن وائل، قال: ﴿وَضَرَبَ لَنَا مَثَلاً وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ * قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ﴾ [يس:٧٨ - ٧٩]. والآن تأتي الاعتراضات على الرسول ﷺ ، اسمع إلى قول الله تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لا يَعْقِلُونَ شَيْئاً وَلا يَهْتَدُونَ﴾ [البقرة:١٧٠] الرسول ﷺ يخرج عليهم، ليلة أربعة عشر، وهي ليلة اكتمال البدر، يصبح القمر في كبد السماء جميلاً وبديعاً ويقول: ﴿أيها الناس! قولوا: لا إله إلا الله﴾ لم يأمرهم ﷺ أولاً بالصلاة، ولا بالزكاة، ولا بالصيام، ولا بتقصير الثياب، ولا بإعفاء اللحى، إنما يقول: قولوا لا إله إلا الله، حتى لما اجتمعوا مرة، قال: أريد منكم كلمة، قال أبو جهل: نعطيك عشراً، فما هي كلمتك؟ قال: قولوا: لا إله إلا الله، قال: أما هذه فلا؛ لأنها ما دخلت أمزجتهم: ﴿أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهاً وَاحِداً إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ﴾ [ص:٥]. فلما دخل ﷺ الحرم، كانوا بعد صلاة العشاء والبدر في كبد السماء، قال: ﴿قولوا: لا إله إلا الله﴾ قال أبو جهل: ما دليلك على أنك رسول؟ قال: ما أردت، قال: وأقسم باللات والعزى لا أومن لك حتى تشق لي هذا القمر، قال ﷺ : لئن شققته أتؤمن لي؟ قال: نعم. فرفع ﷺ يديه، وسأل الله أن يشق القمر، فشق الله القمر، فلقة ذهبت تجاه عرفة، والفلقة الأخرى ذهبت تجاه جبل أبي قبيس، فقام أبو جهل ينفض ثيابه، ويقول: سحرنا محمد، سحرنا محمد؛ فأنزل الله: ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ * وَإِنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ * وَكَذَّبُوا وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ وَكُلُّ أَمْرٍ مُسْتَقِرٌّ﴾ [القمر:١ - ٣].

стр. 4391

حادثة الإسراء أسري بالرسول ﷺ وعاد في ليلة، وصلى في بيت المقدس، وفرض الله عليه خمس صلوات، فلما رجع مع الفجر أتى إلى كفار قريش.

стр. 4392

موقف كفار قريش من حادثة الإسراء قال أبو جهل في الصباح: ما هي أخبارك يا محمد البارحة؟ لأن القصة طويلة، والصراع طويل، وكل يوم هو في قصة قال: أسري بي إلى بيت المقدس، هذه أطم وأعم لا يتصورها إنسان، هو يصيح من مسألة ادعائه النبوة، قال: إلى أين؟ قال: إلى بيت المقدس، قال: وبعدها؟ قال: وعرج بي إلى السماء السابعة، فضحك أبو جهل حتى تمايل على زملائه، قال: في ليلة؟! قال: في ليلة، وأقسم باللات والعزى أن المسافر منا يسافر إلى بيت المقدس في شهر ويعود في شهر، وأنت سافرت وذهبت إلى السماء السابعة وعدت في ليلة! قال: انتظر حتى يسمع الناس، فذهب فجمع كفار قريش، قال: تعالوا اسمعوا خبراً، فاجتمعوا؛ فلما ملئوا الحرم قال: ماذا تقول يا محمد؟ قال: أقول كذا وكذا، قال: من يصدقه منكم؟ قال أبو بكر: أشهد أنه صادق، أبو بكر الصديق، قال تعالى فيه: ﴿وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾ [الزمر:٣٣]

стр. 4393

وصف النبي ﷺ لكفار قريش بيت المقدس قال الوليد بن المغيرة: لا تكذبوه يا معشر الناس -هذا من شيوخهم عاقل، لكنه مات كافراً هو أبو خالد بن الوليد، وكان ﷺ يقول: ﴿ولعل الله يخرج من أصلابهم من يعبد الله لا يشرك به شيئاً﴾ فأخرج الله من صلب هذا المجرم - الوليد - خالد بن الوليد سيف الله المسلول، هذا خالد أبو سليمان، الذي أدب الطغاة على مر التاريخ، أرسل أبو بكر برسالة إلى مسيلمة الكذاب، يدعوه إلى ترك النبوة ويدعوه للدخول في الدين فرفض، قال أبو بكر على المنبر: والله لأرسلنّ لك أبا سليمان خالد بن الوليد يخرج منك وساوس الشيطان؛ فأرسل له خالداً؛ فذبحه، هذا خالد بن الوليد بن المغيرة - إنما الوليد بن المغيرة المقصود- قال: يا معشر الناس! لا تستعجلوا عليه بالتكذيب، أنا أعرف بيت المقدس -وهو من تجار قريش- وقد ذهبت، فأنا أعرف أبوابه وسراديبه ومداخله، فإن كنت صادقاً -يا محمد- أنك ذهبت إلى بيت المقدس فصف لنا بيت المقدس، أليس هذا هو الحكم العدل؟ بلى. حكم عدل، فهذا إنصاف يرضاه ويؤيده العقل، وهذا هو الحوار. الرسول ﷺ دخل في الليل الدامس، ولم يرَ شيئاً من البيت، إنما دخل بيت المقدس وصلَّى بالأنبياء وعرج به، ولم يرَ شيئاً، قال: فأخذت الرحضاء والعرق يسيل من جبين الرسول ﷺ ، ويلتفت إلى الله ألاَّ يخيبه -هذا موقف صعب؛ لأنه سوف يكون نتيجة لسنوات عديدة، أو لتاريخ الدعوة إلى آخر الأبد- قال: فالتفت إلى دار الأرقم بن أبي الأرقم تجاه الحرم، فأتى الله بصورة بيت المقدس مكبرة؛ فوضعها أمامه، فأخذ يصفه لهم باباً باباً، وسرداباً سرداباً، وغرفة غرفة، قال الوليد بن المغيرة: والذي لا إله إلا هو، ما زدت ولا نقصت على وصف بيت المقدس بهذه، فأسلم جماعة من الجلوس وكفر آخرون. قال الله: ﴿وَلَوْ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَاباً مِنَ السَّمَاءِ فَظَلُّوا فِيهِ يَعْرُجُونَ﴾ [الحجر:١٤] اسمع أسلوب القرآن، يقول: لو فتحنا عليهم باباً سلماً، وصعد أبو جهل ومن معه حتى رأوا الملائكة والجنة، وظلوا فيه يعرجون: ﴿لَقَالُوا إِنَّمَا سُكِّرَتْ أَبْصَارُنَا بَلْ نَحْنُ قَوْمٌ مَسْحُورُونَ﴾ [الحجر:١٥] فيقول الله لهم استهزاءً إذا أدخلهم النار يوم القيامة، قال: ﴿أَفَسِحْرٌ هَذَا أَمْ أَنْتُمْ لا تُبْصِرُونَ﴾ [الطور:١٥] يقول: ذوقوا أفهذا السحر مثل سحر الدنيا أم لا؟ واستمر ﵊، قال الله فيهم: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ قَالُوا حَسْبُنَا مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لا يَعْلَمُونَ شَيْئاً وَلا يَهْتَدُونَ﴾ [المائدة:١٠٤] وأتى ﷺ وجمع حصيلته في الدعوة بعدما يقارب ثلاثة أسابيع، تدرون من الذي استجاب له؟ صهيب الرومي وخباب بن الأرت نافخ الكير الحداد، وبلال الحبشي من أرض الحبشة، وأمثالهم وأضرابهم، وابن مسعود راعي الغنم من هذيل، هؤلاء حصيلته ﵊. فاقترب أبو جهل هو وكفار قريش، قالوا: يا محمد! نريد مجلساً معك، قال: اجلسوا، قالوا: والله ما نجلس معك وهؤلاء الأعبد والموالي معك، أخرجهم ونجلس معك، فأراد ﷺ أن يخرجهم ويطردهم ويأتي بهؤلاء السادة على منطق الجاهلية، فأنزل الله ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطاً﴾ [الكهف:٢٨] وقال: ﴿وَلا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ﴾ [الأنعام:٥٢] فقال ﷺ : ﴿بل أكون معكم، بل أكون معكم﴾ وطرد هؤلاء السادة؛ لأنهم لا يهتدون. وفي اليوم الثاني جلس عبد الله بن أم مكتوم في الحرم، ورأى أن الرسول ﷺ قد اجتمع به سادات مكة، فأتى إليه يسأله مسألة فأعرض عنه ﷺ ، سأله وكان أعمى لا يرى والرسول ﷺ يريد أن يكسب هؤلاء السادات حتى يدخلوا في الدين، فأعرض عنه؛ فأنزل الله: ﴿عَبَسَ وَتَوَلَّى * أَنْ جَاءَهُ الْأَعْمَى﴾ [عبس:١ - ٢] عبس: يخاطب الرسول ﷺ خطاب الغيبة، يقول الله: عبس هذا من العتاب الحار ﴿أَنْ جَاءَهُ الْأَعْمَى﴾ [عبس:٢] سماه أعمى، يقولون: هنا من باب جلب عطف الرسول ﵊، بينما في سورة الرعد يقول: ﴿أَفَمَنْ يَعْلَمُ أَنَّمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمَى إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ [الرعد:١٩] ويقول : ﴿فَإِنَّهَا لا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾ [الحج:٤٦] فعمى العين سهل، ولكن عمى القلب هو البعيد والسحيق والمخيف، قال: ﴿عَبَسَ وَتَوَلَّى * أَنْ جَاءَهُ الْأَعْمَى * وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى * أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنْفَعَهُ الذِّكْرَى﴾ [عبس:١ - ٤] قال: وما يدريك أن يكون منارة من منارات الأرض تتلقى نور السماء: ﴿أَمَّا مَنِ اسْتَغْنَى * فَأَنْتَ لَهُ تَصَدَّى * وَمَا عَلَيْكَ أَلَّا يَزَّكَّى﴾ [عبس:٥ - ٧]. يقول: أنت مشغول به وما عليك ألاَّ يتزكى، دعه في رجسه ونجسه، وفي الأخير تركهم ﵊ وما استجابوا. وأصبح ابن أم مكتوم قائداً عسكرياً ومؤذناً وعذره الله من الجهاد، وقال: والله لأخرجن بالراية، فقتل في القادسية، أما أولئك فإلى النار. واستمر ﵊ يدعو، قال : ﴿قَالَ أَوَلَوْ جِئْتُكُمْ بِأَهْدَى مِمَّا وَجَدْتُمْ عَلَيْهِ آبَاءَكُمْ قَالُوا إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ﴾ [الزخرف:٢٤] هذا أبو جهل يقول: لو كان فيما جاء به محمد هداية كان أبي وجدي دخلوا فيه، لكن ماتوا على غير الهداية، وقال الوليد بن المغيرة: لو كان في دينه هداية ما سبقنا هؤلاء الأعبد إلى دينه، كيف يسبقنا بلال؟ فيقول ابن القيم: نادى منادي الحق على الصفا فقال أبو جهل: لا سمع ولا طاعة، وقال الوليد بن المغيرة: لا نسمع ولا نطيع، وقال أبو لهب: تباً لك ألهذا دعوتنا؟ وقال بلال من أرض الحبشة: لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك، لا شريك لك، دينه ﷺ يناسب الضعفاء والمساكين، ويصعب على المترفين، لذلك ترى الظلمة والمستبدين لا يريدون أن يحكموا الإسلام في حياتهم، ولا يريدون أن ينتشر الإسلام؛ لأن الإسلام يلغي قداسة البشر، وظلمهم واستبدادهم. ولذلك الشيوعية الآن عندما تنتشر لا تنتشر إلا في المناطق الضعيفة الفقيرة بدعاوى: رفع الظلم الكادحين الفقراء حقوق الشعب الضمائر فتنتشر في هذه الأوساط، أما الإسلام كله حق، ليس فيه تورية، يرفض الظلم، فوجد بلال هذا النور سوف يرفع الظلم عنه، فدخل هو والفقراء والمساكين، وترك المترفون دين الله ودائماً هم أعداء الرسل عليهم الصلاة والسلام، يقول : ﴿وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيراً﴾ [الإسراء:١٦] وفي قراءة: ﴿أَمّرْنَا مترفيها﴾ [الإسراء:١٦] ومعنى أمَّرنا، قيل: كثرنا، وقيل: (أمَّرنا): جعلناهم ولاة أمر، وقيل: (أمَّرنا): جعلنا سوادهم كثيراً، وجعلنا لهم بقعة أو شريحة من المجتمع كثيرة، هذه سنة الله . واستمر ﵊، ووصل إليه من الإيذاء ما لم يجده رسولٌ قبله ﵊، وحتى كان يتذكر أيامه الأولى ﷺ وهو في المدينة، يقول: ﴿والله لقد أخفت وما خاف أحد﴾ أي: في أول الدعوة، يقول: كنت أخاف أنا وحدي في هذا العالم، في الكرة الأرضية لا يخاف إلا هو ﴿وجعت وما كان يجوع أحد، ويسرت وما كان ييسر أحد، وأوذيت وما كان يؤذى أحد﴾ وكان ﵊ يسجد، ويبكي طويلاً ويسأل الله ، وكان يرفع من قيمته ﷺ ، ويرفع من معنويته، ويقول: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأنفال:٦٤] ويقول: ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لا يَمُوتُ﴾ [الفرقان:٥٨] ويقول: ﴿وَإِنْ يُرِيدُوا أَنْ يَخْدَعُوكَ فَإِنَّ حَسْبَكَ اللَّهَ﴾ [الأنفال:٦٢] ﴿وَإِنْ يُرِيدُوا خِيَانَتَكَ فَقَدْ خَانُوا اللَّهَ مِنْ قَبْلُ فَأَمْكَنَ مِنْهُمْ﴾ [الأنفال:٧١] ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ﴾ [النحل:١٢٨]. يصل به اليأس إلى درجة الإحباط أحياناً، فيقول الله له: ﴿فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفاً﴾ [الكهف:٦] يخاف من القتل، فيقول الله له: ﴿وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾ [المائدة:٦٧] أي: يمنعك، يخاف أن يغلب، فيقول الله له: ﴿إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ * يَوْمَ لا يَنْفَعُ الظَّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ وَلَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ﴾ [غافر:٥١ - ٥٢] يخاف أن يهزم، فيقول الله له: ﴿وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ﴾ [الصافات:١٧٣]. هذه ساعات ودقائق ولحظات من حياته ﵊ طواها الزمن لكن ما طوتها القلوب، وعفا عليها التاريخ ولكن ما عفت عليها القلوب والأرواح والأفئدة التي تعيش معه ﷺ أينما حل وارتحل، فقد سكن في ضمير كل مسلم في كل بقاع الأرض.

стр. 4394

إيذاء المشركين للرسول ﷺ قال المؤلف رحمه الله تعالى: (باب الإيذاء) أي: إيذاء المشركين للرسول ﵊، ورأى ﷺ من المشركين الأذى الكثير؛ فصبر واحتسب، استهزءوا به، سفهوه في رأيه، اتهموه بالجنون والشعر والسحر والكهانة، ومع ذلك صبر حتى أتم الله نوره، وأكمل دينه، وأتم على الأمة النعمة بمبعثه ﵊.

стр. 4395

أبو جهل من أشد الناس إيذاءً للنبي ﷺ من أشد من تعرض له ﷺ بالإيذاء: أبو جهل عليه غضب الله، اسمه عمرو بن هشام، ولم يؤمن، وقتل كافراً في بدر، يقول لقريش: يا معشر قريش! لأحملن صخرة على رأسي، وأخدش بها رأس محمد، فامنعوني أو أسلموني، يقول: إن شئتم قوموا معي وإن شئتم اتركوني، فذهب بالصخرة والرسول ﵊ جالس، فلما اقترب منه دنا ليرمي الصخرة، وإذا بصورة فحل -جمل- مقبل هائج على أبي جهل، فرمى الحجر وفر فزعاً خائفاً وجلاً، قال : ﴿كَلَّا لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ لَنَسْفَعاً بِالنَّاصِيَةِ﴾ [العلق:١٥] والناصية: مقدمة الرأس، أي: يؤخذ بناصيته ويجر في نار جهنم ﴿نَاصِيَةٍ كَاذِبَةٍ خَاطِئَةٍ﴾ [العلق:١٦] وهي ناصية أبي جهل وأمثاله، أي: لا تعرف الصدق ﴿فَلْيَدْعُ نَادِيَهُ﴾ [العلق:١٧] لأنه يقول هو: يا معشر قريش! يقول محمد: إنه سوف يدعو الملائكة وسوف أدعو عليه أهل النادي، يقصد: كفار قريش، قال سبحانه: ﴿فَلْيَدْعُ نَادِيَهُ * سَنَدْعُ الزَّبَانِيَةَ * كَلَّا لا تُطِعْهُ وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبَْ﴾ [العلق:١٧ - ١٩]. وقد آذى الرسول ﵊ إيذاءً بالغاً، ولكن الله حمى رسوله حتى أتم به النعمة.

стр. 4396

إيذاء عقبة بن أبي معيط للنبي ﷺ ومنهم أيضاً عقبة بن أبي معيط، كان الجار الثاني للرسول ﵊، جمع الناس في وليمة، ودعاهم جميعاً، فحضر ﷺ وقال: والله لا آكل طعامك حتى تؤمن بالله، فتشهد عقبة، فبلغ ذلك أبي بن خلف الجمحي، وكان صديقاً له، فقال: ما شيء بلغني عنك؟ قال: لا شيء، دخل الرجل منزلي فأبى أن يأكل طعامي حتى أشهد له، فاستحييت أن يخرج من بيتي ولم يطعم فشهدت له، قال أبي: وجهي من وجهك حرام، إن لقيت محمداً فلم تطأ عنقه وتبصق في وجهه وتلطم عينه، فلما رأى عقبة رسول الله ﷺ فعل به ذلك، فأنزل الله فيه سورة الفرقان ﴿وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلاً * يَا وَيْلَتَى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلاناً خَلِيلاً * لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءَنِي وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلْإنسانِ خَذُولاً﴾ [الفرقان:٢٧ - ٢٩]. هذا عقبة حضر يوم بدر، وكان في صف المشركين فوقع في الأسارى، وقع أسيراً في يد المسلمين، فمر ﷺ وهو محجل بالحديد -في يديه سلسلة من حديد- وفي أقدامه سلسلة من حديد وهو كالجمل، وهو من أشجع الناس، فرآه ﷺ بين الأسرى، فقال ﷺ : من يقتل هذا؟ قال علي بن أبي طالب: أنا يا رسول الله، فتقدم علي بن أبي طالب بالسيف المسلول، فيقول عقبة بن أبي معيط: يا محمد! لمن الصبية؟ قال ﷺ : إلى النار، فتقدم علي بن أبي طالب فقتله؛ لأنه آذى الإسلام وآذى رسول الله ﷺ إيذاءً بالغاً، وهو الذي بصق في وجه الرسول ﷺ وآذاه في مكة واعترض على المسلمين وعذب كثيراً من المؤمنين، وكذلك قتل رسول الله ﷺ معه النضر بن الحارث، ثم ذهب ﷺ فنزل في الأثيل وهي قرية قريبة من بدر ومعه الجيش، فأتت أخت عقبة تقول: دلوني على الرسول ﷺ فدلوها فوقفت بين يديه، قالت: عندي أبيات أريد أن أنشدها بين يديك، قال ﷺ : قولي، قالت: أمحمد يا نسل كل كريمة من قومه والفحل فحل معرق ما كان ضرك لو مننت وربما منّ الفتى وهو المغيظ المحنق ثم أخذت تنشد رسول الله ﷺ ، فقال ﷺ : ﴿والذي نفسي بيده، لو سمعت هذا قبل أن أقتله ما قتلته﴾ لكن إلى النار؛ لأنه عدو لله وللمؤمنين. واستمر ﷺ يصبر ويحتسب ويدفع بالتي هي أحسن حتى بلَّغ الله دينه مبلغ الليل والنهار.

стр. 4397

العاص بن وائل وأذيته للنبي ﷺ قال عن العاص بن وائل، وكان هذا العاص -كما قلت لكم- هو أبو عمرو بن العاص - السهمي قتل في بدر، أتى إلى خباب بن الأرت، فصقل له سيفاً، وخباب كان يعمل على الكير، فقال خباب: أعطني الأجرة، قال: أتؤمن بمحمد؟ قال خباب: نعم أومن، قال: وتؤمن أن الله يبعثنا بعد الموت، قال: نعم أومن، قال: فانتظر حتى يبعثنا الله فأعطيك الأجرة؛ لأني سوف أكون كثير المال يوم القيامة -يضحك- قال: كيف تكون كثير المال؟ قال: لأني إذا بعثت سوف أكون على وضعي في الحياة الدنيا، وأنت سوف تكون على وضعك، يبعثك الله كياراً حداداً، ويبعثني غنياً تاجراً. اسمع رد القرآن، ليس برد البشر: ﴿أَفَرَأَيْتَ الَّذِي كَفَرَ بِآياتِنَا وَقَالَ لَأُوتَيَنَّ مَالاً وَوَلَداً * أَطَّلَعَ الْغَيْبَ أَمِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْداً * كَلَّا سَنَكْتُبُ مَا يَقُولُ وَنَمُدُّ لَهُ مِنَ الْعَذَابِ مَدّاً * وَنَرِثُهُ مَا يَقُولُ وَيَأْتِينَا فَرْداً﴾ [مريم:٧٦ - ٨٠] هذا رد القرآن، يقول: انظر إلى هذا المجرم الذي يتقول على الله، وكأن عنده عهداً من الله أو أثارة من علم، أنه سوف يبعث غنياً -كذاب وهو مجرم- ويقول الله بعدها؛ لأن هذا المجرم العاص بن وائل يقول: سوف أبعث من القبر في أسرتي، بني سهم سوف يخرجون معي من القبور، فيحمونني من ملائكة محمد الذي يزعم أنهم يأخذون الرجل فيكبونه في النار، قال سبحانه: ﴿إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْداً * لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدّاً * وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْداً﴾ [مريم:٩٣ - ٩٥]. وهذا رد على كل طاغية في الأرض، فلا حرس ولا موكب ولا حراسة ولا حماية إلا حماية الله ، وهذا في الحياة الدنيا، وأكبر آية أن الإنسان يدفن بدون أن يدخل معه أحد. هارون الرشيد الذي حكم ما يقارب نصف الكرة الأرضية المشرق كله من السند إلى أسبانيا، قال لما حضرته الوفاة، قال: يا من لا يزول ملكه! ارحم من قد زال ملكه، وعبد الملك بن مروان الخليفة الأموي، لما حضرته الوفاة، قال: يا ليتني كنت غسالاً، يا ليتني ما عرفت الحياة، يا ليتني ما توليت الملك، وهذه هي مصائر الناس، يقول : ﴿وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَتَرَكْتُمْ مَا خَوَّلْنَاكُمْ وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ وَمَا نَرَى مَعَكُمْ شُفَعَاءَكُمُ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكَاءُ لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ وَضَلَّ عَنْكُمْ مَا كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ﴾ [الأنعام:٩٤].

стр. 4398

الوليد بن المغيرة وأذيته للنبي ﷺ وممن آذى الرسول ﷺ الوليد بن المغيرة، أبو خالد بن الوليد، كان عنده عشرة أبناء، وكان تاجراً وذا مالٍ في مكة، كان يكسو الكعبة سنة، وكفار قريش يجتمعون في كسوة الكعبة في سنة، الوليد بن المغيرة كان الذهب عنده يقسم بالفئوس، إذا أراد أن يحضر نوادي مكة أو ولائم مكة جعل خمسة من أبنائه عن يمينه وخمسة عن يساره، هو صاحب عشرة أبناء، فالله سوف يعترض عليه الآن وسوف يدمغه القرآن بعد قليل. أتى إلى الرسول ﷺ ، وجمع كفار قريش، قال: يا معشر قريش! دعوني أذهب إلى محمد وأفاوضه، قالوا: اذهب، فجلس أمام الرسول ﵊ وطلب منه أن يترك دعوته، وطلب منه ألا يقطع الأرحام، كأن الذي قطع الأرحام رسول الله ﷺ -وألاَّ يسب الآلهة، أي: الأصنام، قال: وألاَّ يثير على قومه فتنة، ولا يفتح عليهم باب قتل، فقال ﷺ : انتهيت يا أبا المغيرة؟ قال: نعم انتهيت، قال: اسمع، لا يرد ﷺ من عنده، يرد بسورة فصلت، فبدأ ﷺ من أولها، ثم قرأ عليه بصوت الرسول ﷺ ، وذاك مبهوت أمام الرسول ﷺ كالصنم، ثم بلغ ﷺ قوله : ﴿فَإِنْ أَعْرَضُوا فَقُلْ أَنْذَرْتُكُمْ صَاعِقَةً مِثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ﴾ [فصلت:١٣]. فقام الوليد فجعل يده على فم الرسول ﵊، وقال: أسألك بالله والرحم، يقول: أسألك بالله لا تزيد علينا من هذا؛ لأنه بلغ إلى أضلاعه وأقطار نفسه ودخل قلبه، فقام بوجه كقطع الليل المظلم متأثراً، فرجع إلى كفار قريش، قال كفار قريش: والله لقد جاءكم الوليد بغير الوجه الذي ذهب به، قالوا: ماذا رأيت؟ قال: سمعت الشعر هزجه ورجزه وليس بشعر، وسمعت السحر نفثه ورفثه، وليس بسحر، وسمعت الكهانة وليس بكهانة، قالوا: ما هو؟ قال: كلام يعلو ولا يُعلى عليه، أسفله مغدق وأعلاه مثمر، له حلاوة، وعليه طلاوة، قالوا: لا تبرح من هذا المكان حتى تقول فيه كلاماً وإلا قاطعناك. فجلس، والقرآن ينقل لنا صورة الرجل وهو يتكلم، قال: فجلس وفكر، ثم رفع طرفه يبحث عن كلام يغمز به القرآن، ثم تأمل قليلاً ثم عاد، فقال: إن هو إلا سحر يؤثر، اسمع كيف يرد عليه : ﴿ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيداً﴾ [المدثر:١١] يقول للرسول ﷺ : اتركني وهذا المجرم، وأنت إذا تركتني لهذا المجرم أنا أنصفك منه، كقولك ولله المثل الأعلى: اتركني وفلاناً، لا تتدخل بيني وبين فلان أنا أكفيك فلاناً، فالله يقول: ﴿ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيداً﴾ [المدثر:١١] يقول: هذا خلقته واحداً، لكن عنده عشرة أبناء الآن: ﴿وَجَعَلْتُ لَهُ مَالاً مَمْدُوداً﴾ [المدثر:١٢] من الذي جعل له المال؟ من الذي خوَّله؟ من الذي أعطاه؟ الله، يقول: أنا الذي أعطيته، وأنا الذي سوف أحاسبه ﴿وَبَنِينَ شُهُوداً﴾ [المدثر:١٣] قال أهل التفسير: يشهدون المحافل معه، منهم خالد بن الوليد لكنه أسلم، وأحد الأئمة ﵀، يقولون: كان يصلي في الحرم، وكان وراءه خالد بن الوليد، فصلى خالد رمضان هناك، فلما أتى الإمام إلى هذه السورة قفزها. هذا مشرك نعم، لكن تقدير المشاعر وارد، أبوه الوليد في النار، لكن خالد هو سيف الله المسلول، هذا أبو سليمان الذي فتح المشرق وراءه، قال: فمن احترامه وتقديره قفز في سورة المدثر، وهذه ذكرها التاريخ، لأن خالداً يعرف من هو المقصود، أنت تصور في أسرتك أنه يقرأ عليك في الحرم القرآن وهو في أبيك وفي أسرتك ألا تتأثر ولو كان أبوك كافراً؟ البشر بشر، قال: قفزها وتركها، فقالوا: يسمونه النبيل، سموا هذا الإمام نبيلاً لعقله وذكائه وفطنته، وإلا فلا يهدر شيء من كلام الله . قال: ﴿ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيداً * وَجَعَلْتُ لَهُ مَالاً مَمْدُوداً * وَبَنِينَ شُهُوداً * وَمَهَّدْتُ لَهُ تَمْهِيداً﴾ [المدثر:١١ - ١٤] أي: أصلحت له الأمور، ولذلك ترى كثيراً من الكفرة تتكسر العقبات في طريقهم، تجد الفاجر يعيش ستين سنة لا يبكي أبداً، ولا يتضور من الجوع ولا يظمأ ولا تحدث له مشكلة، كل شيء معبد في طريقه، إن ذهب يراجع فالشفاعات أمامه، إن ذهب في مصلحة وجدت الواساطات قبله، إن أراد شيئاً وجد الفيتامينات، تسمى فيتامينات (و) تسهل عليه كل مهمة. بينما تجد بعض الصالحين الأولياء الكبار، مبهذل في الحياة، جائعاً وأسرته جائعة، وإذا تقدم إلى طلب رُفِضَ طلبه. ثبت في صحيح البخاري أن النبي ﷺ كان جالساً مع الصحابة، وعنده أبو ذر الغفاري، فمر رجل على فرس في ديباج أخضر ومعه سيف، وفرسه له إشارة طويلة، فقال ﷺ لـ أبي ذر: ما رأيك في هذا الرجل؟ -هذه موازين محمد ﵊، ليست موازين العروبة والقومية الخاسرة القبيحة- قال أبو ذر: هذا جدير إن شفع أن يشفع -أي: إذا توسط عند الناس أن تقبل وساطته- وإذا نكح أن ينكح -إذا أراد أن يخطب امرأة زوجوه ولم يردوه- وإذا قال أن يسمع له، فتبسم ﷺ وسكت. فمر رجلٌ فقير يمشي على الأرض، عليه ثياب مقطعة مرقعة وجائع وعليه تضور الجوع والفقر، قال: يا أبا ذر! ما رأيك في هذا؟ قال: هذا جدير إذا شفع ألا يشفع -لا تقبل له وساطة، ولذلك بعض الناس لا يدخل من الأبواب، ينام على الرصيف، ولا يقبل كلامه، ولا يلتفت ولا ينظر إليه، ولا يسلم عليه أصلاً- قال: وجدير إذا نكح ألا ينكح -لا يزوج- وإذا قال: ألا يسمع، قال ﷺ : يا أبا ذر! والذي نفسي بيده، إن هذا الرجل خير من ملء الأرض من ملء ذاك﴾ لماذا؟ لأن الموازين عند الواحد الأحد. يقول: ﴿إِذَا وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ * لَيْسَ لِوَقْعَتِهَا كَاذِبَةٌ * خَافِضَةٌ رَافِعَةٌ﴾ [الواقعة:١ - ٣] قال أهل التفسير: تحفض أناساً كانوا مرفوعين في الدنيا بالكذب، وترفع أناساً كانوا مخفوضين في الدنيا، هذه موازين الله . والمقصود، قال : ﴿ثُمَّ يَطْمَعُ أَنْ أَزيد﴾ [المدثر:١٥] هذا المجرم كذلك يطمع أن أزيد أمواله وهو يفعل كذا: ﴿كَلَّا إِنَّهُ كَانَ لِآياتنَا عَنِيداً﴾ [المدثر:١٦] بآيات الله الشرعية القرآنية ﴿سَأُرْهِقُهُ صَعُوداً﴾ [المدثر:١٧] الصعود: جبلٌ في جهنم نعوذ بالله منه، يقول: يصعده يصعده وله نفس، فإذا بلغ منتهاه سقط إلى آخره، ثم يصعد، وهذه تسمى الأعمال الشاقة التي اكتشفها هتلر، أن يصعد الإنسان، لكن عذاب الآخرة أشد وأخزى، فإذا صعد ووصل رأس الجبل، يقولون: يصعده ما يقارب سبعين سنة، فإذا انتهى إلى أعلاه سقط إلى آخره وهكذا. ﴿إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ﴾ [المدثر:١٨] الآن يصف لك المجلس الذي جلسه، فكر، أي: ماذا يريد أن يطعن في هذا القرآن، ماذا يريد أن يتقول على هذا القرآن، أعظم معجزة هو هذا القرآن، أحد المستشرقين أسلم، وأنتم تعرفونه أنه يوسف، اعتنق الإسلام وحيته الصحف، يقولون: إن من أسباب إسلامه، ولو أنها رويت عن رجل أمريكي آخر، لكنها نقلت عن هذا كذلك، أنه أتى يقرأ القرآن، الآن أي كتاب يؤلف من كتب البشر التي بأيدينا، كل كتب المكتبات الإسلامية في أولها يقول المؤلف: وأنا أعتذر إلى الإخوة القراء، أو كلام يشبه هذا، إن ند بيان، أو تلعثم لفظ، أو أخطأت في مسألة، فإن أصبت فمن الله، وإن أخطأت فمن نفسي والشيطان، والله ورسوله منه بريئان، فالمعذرة، هكذا البشر يقولون إذا ألفوا كتاباً اعتذروا إلى قرائه، أما الله فما اعتذر لأحد من الناس، يقول في كتابه: (الم) ﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ لا رَيْبَ فِيهِ﴾ [البقرة:٢] يقول: أتحدى أن يوجد فيه ريب أو خطأ، ويقول بعدها: ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً﴾ [النساء:٨٢] ثم يقول: ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإنس وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً﴾ [الإسراء:٨٨]. الآن اسمع في صلاة التراويح، كأن الآية أول مرة تسمعها في حياتك، كأنك ما سمعت بها إلا هذه الليلة، كأنها أنزلت هذه الليلة فحسب. لما مات ﷺ ، قام عمر يقول: [[يا معشر الناس! من زعم أن محمداً قد مات ضربتُ عنقه بهذا السيف]] فأتى أبو بكر، فقال: [[رويدك يا ابن الخطاب]] ثم قام أبو بكر يتلو قوله : ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئاً وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ﴾ [آل عمران:١٤٤] قال عمر: [[والله الذي لا إله إلا هو، كأنها أول مرة أسمع هذه الآية]] ثم أغمي على عمر، هذه جدارة القرآن. يقول: ﴿إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ * فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ * ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّر * ثُمَّ نَظَرَ﴾ [المدثر:١٨ - ٢١] الآن بدأ يصف لنا مجلسه مع كفار قريش. يقول: نظر إلى السماء يتفكر ماذا يطعن في القرآن: ﴿ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ﴾ [المدثر:٢٢] عبس وجهه: أظلم وجهه، وبسر: كلح، هذا أسلوب القرآن يخاطبهم باللغة العربية الفصحى: ﴿ثُمَّ أَدْبَرَ وَاسْتَكْبَرَ * فَقَالَ إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ﴾ [المدثر:٢٣ - ٢٤] أي: ينقل ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ * سأُصْلِيهِ سَقَرَ﴾ [المدثر:٢٥ - ٢٦]. الفيصل مع هذا المجرم، وذكره وقال: ﴿وَلا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ مَهِينٍ﴾ [القلم:١٠] وكان كثير الحلف فجوراً وإعراضاً وصداً عن منهج الله، ووصفه ، فقال: ﴿هَمَّازٍ مَشَّاءٍ بِنَمِيمٍ﴾ [القلم:١١] الهماز: هو العياب الطعان، مَشَّاءٍ بِنَمِيمٍ: ينقل الأحاديث للإفساد بين الناس: ﴿مَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ * عُتُلٍّ بَعْدَ ذَلِكَ زَنِيمٍ﴾ [القلم:١٢ - ١٣] عتل: غليظ القلب، بعد ذلك زنيم، قيل: بخيل ﴿أَنْ كَانَ ذَا مَالٍ وَبَنِينَ * إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا قَالَ أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ * سَنَسِمُهُ عَلَى الْخُرْطُومِ﴾ [القلم:١٤ - ١٦] يقولون: ضرب على أنفه الخرطوم، وقيل: في الآخرة سوف يضرب على أنفه الخرطوم، وإنما قال: الخرطوم، وإلا كان يقول: الأنف، لكن من باب أن يلحقه بعالم الحيوانات؛ لأن الخرطوم للفيل ولأمثاله، فقال : ﴿سَنَسِمُهُ عَلَى الْخُرْطُومِ﴾ [القلم:١٦] والعرب تدري بهذا، وتعرف ما هي دلالة هذه الألفاظ.

стр. 4399

أذية النضر بن الحارث للنبي ﷺ ومن المستهزئين النضر بن الحارث العبدري، من بني عبد الدار، كان إذا جلس الرسول ﷺ مجلساً للناس يحدثهم ويذكرهم ما أصاب من قبلهم، قال النضر: هلموا يا معشر قريش، فإني أحسن مثل هذا الحديث، فقام يحدثهم عن فارس، وعن الروم، وعن أساطير وأخبار عجائز الجاهلية فيتضاحكون. يحدثهم الرسول ﷺ عن فرعون وعاد وثمود، فيأخذ هو كرسياً ويجلس بجانب الرسول ﷺ ، فيحدثهم عن عجائز الجاهلية، فلانة، وفلانة، فيضحكون استهزاء. ينقل في السير: [[أن عمر دخل المسجد فوجد قاصاً من المسلمين -لكنه مغفل- أخذ كتاب دانيال، فأخذ يقص على الناس في المسجد، وعمر داخلٌ من الباب، قال عمر: ما هذا؟ قالوا: قاص، قال: وما قاص؟ قالوا: يقص علينا من أخبار دانيال، أخبار مثل: تودد الجارية، مثل: داحس والغبراء، مثل: المهلهل، ومثل: الزير سالم، ومثل هؤلاء الذين هلكوا في الجاهلية، قال عمر: خير، ثم ذهب، وأتى بعصا ودخل عليه، وهو عند الكرسي، فأتى؛ فأمسكه وضربه على رأسه. قال: يا عدو الله! يقول الله : ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ﴾ [يوسف:٣] وأنت تقص علينا قصص دانيال، أي: هل أصبحت أفضل من قصص القرآن؟! هل هي أحسن من قصة يوسف، وقصص الصالحين، وقصص الهالكين؟ أي: كأن الأمة تعيش فراغاً فكرياً، مثلما نعيش الآن، نحن نعيش خواءً عقدياً، أي: تجد الأمة محتاجة لقال الله وقال الرسول، وتجد المسلسل يأخذ ساعة ونصف أو ساعتين في كلام فارغ (افتح يا سمسم). أي: ضياع للأمة، وضياع للضمائر، الأغاني أربع ساعات، ونحن بحاجة إلى حدثنا، ورواه البخاري ورواه مسلم، ولذلك انظر واقع العالم الإسلامي، الطباشير مستوردة، أمة تأكل وتشرب وتنام وترقص، تخرج اللاعب والمغني والموسيقار، هذه جودتنا أمام العالم، وهذا بسبب الترف الفكري والضياع الذي ما شهده عمر ﵁، يسمى الخواء العقدي، فإذا فرغت الأمة تصبح هكذا. يقولون: إذا لم يتشاغل الإنسان بالكتاب والسنة يصبح فارغاً، حتى تجد -الآن- أناساً في الأربعين والخمسين، بل منهم من بلغ الستين، ينطلق بعد التراويح إلى المقهى يلعب البلوت إلى الساعة الثانية ليلاً، لا يقرأ قرآناً، ولا يستمع حديثاً، ولا يقرأ من ثقافة الأمة، أو من ثقافة تنفعه في الدنيا والآخرة، ولا يتقرب إلى الله إنما يلعب البلوت إلى الثانية ليلاً أو إلى السحور، وهذا موجود لا ينكره إلا مكابر، وشريحة في المجتمع تفعل ذلك؛ لأن هناك خواء عقدياً، لم يحمل الكثير ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ فنحن نشكو حالنا إلى الله. يقول سبحانه في هؤلاء الكذبة: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ﴾ [لقمان:٦] القرآن شيء، ولهو الحديث شيء آخر، لهو الحديث ضياع للمجالس: ﴿لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ [لقمان:٦] قصده الصد عن منهج الله، تجد بعضهم يرتاح لسماع الأغنية ولا يرتاح لسماع القرآن، ولا يريد أن تحدثه ولا تعظه، بل إذا حدثت في المجلس، قال: عندنا خير، واستفدنا والحمد لله، واتركونا من هذه الأحاديث اتركونا نتكلم في حديث آخر، هذا من الذين يصدون عن سبيل الله: ﴿وَيَتَّخِذَهَا هُزُواً أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ * وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا وَلَّى مُسْتَكْبِراً كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْهَا كَأَنَّ فِي أُذُنَيْهِ وَقْراً فَبَشِّرْهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [لقمان:٦ - ٧].

стр. 4400

إسلام حمزة بن عبد المطلب قال المؤلف رحمه الله تعالى: باب إسلام حمزة عم رسول الله ﷺ ، حمزة أحد الأعمام التسعة للرسول ﵊، وكانوا أبناء عبد المطلب عشرة، منهم: أبو الرسول ﷺ ، وحمزة، وأبو طالب، والعباس، كلهم أعمام له ﷺ . فـ حمزة كان من أشجع الناس، وحمزة في لغة العرب اسمٌ للأسد، والأسد له ما يقارب مائة اسم، من أسمائه حمزة، وحيدرة، والليث، وهزبر، فسمى عبد المطلب ابنه هذا بـ حمزة، فأتى اسماً على مسمى، ولذلك كان هو من أشجع الناس، كان يأخذ ريش نعامة فيضعه في عمامته وقت المعركة، فإذا ركب ريش النعامة عرف الناس أنه سوف لا يحجم، ولا ينكسر حتى يفل خصمه. سبب إسلام حمزة أنه كان يصطاد في وادي نعمان فوق عرفة، والرسول ﷺ كان يدعو إلى الله في الحرم، وفي النهار أتى بين الرسول ﷺ وأبي جهل كلام، فقام أبو جهل فسب الرسول ﷺ وآذاه وتكلم عليه، وكان من أشد الناس إيذاءً للرسول ﷺ . فجاء حمزة إلى أهله بصيد صاده من البرية، إما طير أو غزلان أو أرانب، قال: هل وقع اليوم شيء؟ قالوا: ترافع صوت ابن أخيك محمد وصوت أبي جهل اليوم في الحرم، فسبه أبو جهل أمام الناس، فقام، فأخذ قوسه الذي يصيد به وذهب والناس مجتمعون في الحرم، وأبو جهل في أكبر حلقة، فعمد إلى أبي جهل فضربه على رأسه فشجه؛ فإذا الدم على وجهه، فأراد أن ينتقم، فقامت الأسر بعضها تحامي عن بعض، فلما أخذته الحمية ذهب حمزة إلى الرسول ﷺ ؛ وقال: أشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله. مادام أنه بلغ هذا الإيذاء وعلم الله انتصاره للرسول ﷺ ، فهداه للإيمان: ﴿إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾ [القصص:٥٦] واستمر حمزة مع الرسول ﷺ ، وكان من أحب أعمامه إليه، قريباً من قلبه، ومواقفه البطولية لا تنسى أبد الدهر.

стр. 4401

حياة حمزة مع الرسول ﷺ هو أول من بارز في معركة بدر، دعاه ﷺ للمبارزة حمزة عمه، لئلا يقول الناس: دعا الناس للمبارزة والقتال وترك أقاربه، جعل كل المبارزين أقاربه ﷺ ، حمزة، وعبيدة بن الحارث وعلي بن أبي طالب، يقول علي بن أبي طالب في الصحيح: [[أنا أول من يجثو يوم القيامة، ومن بارز يوم بدر؛ لقوله : ﴿هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ﴾ [الحج:١٩]]] الذين تبارزوا يوم بدر هم أول من يجثو للخصومة بين يدي الرحمن يوم القيامة، ثلاثة من المؤمنين، وثلاثة من المشركين. ثم بدأت المعركة، يقول أحد من حضر المعركة: [[والله إني كنت أنظر إلى حمزة وبيده السيف، وإن الناس يتفللون بجانبه وأمامه كالمعزى في الليلة الشاتية، أي: الرجال يصبحون أمامه كالمعزى إذا رأت الأسد، وإلا فهم شجعان، أشجع العرب هم قريش، لكنهم بلوا برجل من أشجع الناس، وحضر معركة أحد، وكان أكثر السبعين الذين قتلوا يوم بدر من كفار قريش على يد حمزة. فأتت هند امرأة أبي سفيان، فأخذت قلادتها، وأخذت ذهبها وحليها، وأتت إلى وحشي مولى من الموالي، وقالت: هذه الحلي، وأعتقك إن قتلت حمزة في معركة أحد، وحضر الجمعان أهل لا إله إلا الله محمد رسول الله، قائدهم رسول الهدى ﵊، ومعه عمه حمزة، ولما بدأت المعركة، أخذ حمزة ووضع ريش النعامة على صدره، مستعداً لمعركة ويوم كيوم بدر، فأتى ابن عرفطة، فنزل حمزة والتقى معه وبدأت المعركة، قال حمزة لـ سباع بن عرفطة: يا ابن أم مقطعة البظور! أتيت تحاد الله ورسوله، يقول: يا ابن الختانة! لعنك الله، ثم قتله. وقد قتل سبعة من قادة قريش ومن حملة الراية، فلما أتى في منحنى الوادي، قام وحشي وكان من الحبشة معه حربة، فهزها وحمزة لم يدرِ أن هذا قد كمن له في شجرة، وإلا لو كان أمام الأرض كان رآه، فضربه بالحربة حتى أخرجها من بطنه، قال بعض الرواة: إن حمزة ضرب الشجرة حتى قطع غصونها، لكنه لم يدرك وحشياً، وسبقه الدم فوقع صريعاً على وجهه. فأتت هند بعدما قتل حمزة، فبقرت بطنه، وجدعت أنفه، وأخذت كبده فلاكتها، ثم لفظتها ولكنها لم تستطع أن تبتلعها من الحقد والغيظ والضغينة؛ لأنه قتل أقاربها الكفار، فمر ﷺ على القتلة، فلما رأى حمزة وقف طويلاًَ، وبكى وغضب ﵊، وقال: ﴿والذي نفسي بيده، لئن ظفرت بهم لأمثلن منهم بسبعين﴾ فأنزل الله ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ﴾ [آل عمران:١٢٨]. هذا هو حمزة الذي أسلم، وهذه أيامه ومشاهده، يقول : ﴿وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ﴾ [القصص:٥].

стр. 4402

حياة بلال بن رباح وممن أوذي في سبيل الله بلال بن رباح، الذي أتى من أرض الحبشة مجيباً لداعي الله ، فأجاب دعوة الرسول ﵊، وركب في سفينة التوفيق مع رسول الهدى ﵊، سحبوه في الرمضاء، وهو يقول: أحد أحد، وأحرقوه في الشمس، وهو يقول: أحد أحد، وضربوه بالسياط وهو يقول: أحد أحد. مر أبو بكر الصديق وبلال ﵁ وأرضاه يعذب، وهو يصيح: أحد أحد، فقال أبو بكر لـ أمية بن خلف سيده -عليه غضب الله- هذا أمية بن خلف المجرم، هذا الذي عذَّب بلالاً، من سادات قريش.

стр. 4403

أبو بكر الصديق يشتري بلالاً من أمية بن خلف قال له أبو بكر: أتبيع مني بلالاً؟ قال: خذه لو أخذته بدرهم بعته منك، قال: وأنت لو قلت: بمائة ألف دينار أخذته منك، فأعتقه أبو بكر، فكان عمر يقول: أبو بكر سيدنا وأعتق سيدنا؛ لأن عمر دخلت في قلبه لا إله إلا الله وإلا لو أنه كان مشركاً لما قال هذه الكلمة، كان كفار قريش لا ينظرون إلى بلال ولا يُسلِّمون عليه ولا يجلس معهم، واستمر بلال فجعله ﷺ مؤذناً للرسالة الخالدة. كان يؤذن دائماً بصوته الجميل العاطر الندي، فيرتفع صوت الأرض إلى السماء، وكان ﷺ دائماً إذا حزبه أمر، يقول: ﴿أرحنا بها يا بلال﴾ أرحنا بالصلاة، وكان دائماً مع الرسول ﷺ قريباً من راحلته، وأحياناً ربما حمل معطف الرسول ﷺ ، أو حمل أدواته وحاجياته الخاصة ﵊.

стр. 4404

بلال بن رباح مؤذن الرسول ﷺ ونام الجيش في ليلة من الليالي، والحديث في البخاري والرسول ﷺ معهم، فقال: ﴿من يحرسنا هذه الليلة، ويحبس علينا صلاة الفجر﴾ أي: يوقظنا لصلاة الفجر، هبط في معرس من الأرض يريد أن يوقظهم أحد الصحابة، قال بلال: أنا يا رسول الله! فوقف مع ناقته يصلي ويتهجد، فلما قرب الصبح، جلس بجانب الناقة فنام حتى طلعت الشمس، فلما طلعت الشمس، حمي الناس من الشمس، لم يقم أحد من الجيش، معهم المشرع المعصوم ﵊، وإلا فالله كان يوقظه؛ لأنه تنام عيناه ولا ينام قلبه، لكن أراد الله أن يشرع للأمة، يخبرنا ماذا يفعل الإنسان إذا نام. وعند الإمام مالك في الموطأ، حديث يقول: ﴿إني لأنسى لأسن﴾ وهو منقطع لكن معناه صحيح، أنسى، أي: ينسى ﷺ ليسن للناس، ينسى ليشرع للناس، فكان أول من استيقظ لحرارة الشمس عمر بن الخطاب، وكان رجلاً مهيباً جلداً صابراً حازماً، فرأى رسول الله ﷺ نائماً -وانظر إلى الأدب كيف صاغ الله هذه الأمة حتى أصبحت تتعامل مع رسولها ﵊! أتظن أن عمر يأتي ويقول: يا رسول الله! قم تأخرت عن الصلاة، أو يقول: يا رسول الله! ويرفع صوته، لا. يقول : ﴿لا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضاً﴾ [النور:٦٣] لا تتعاملون مع هذا الرجل كبعض الرجال، إنه رسول، إنه معصوم، إنه نبي- فأتى عمر فوقف بجانب الرسول ﷺ ، ثم قال: الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، فاستيقظ ﷺ . فلما استيقظ الناس وإذا بهم من الخوف والهلع ما الله به عليم، أول مرة في تاريخهم تطلع عليهم الشمس، وهم لم يصلوا الفجر، فقل لي بالله كم من ملأ لا يصلون الفجر دائماً إلا بعد طلوع الشمس، لكن يقول المتنبي: من يهن يسهل الهوان عليه ما لجرح بميت إيلام فقال ﷺ : ما عليكم، أي: لا تخافوا ولا تحرجوا، ثم أمرهم بالاستيقاظ والمشي، فمشوا من هذا الوادي، يقول ﷺ : ﴿هذا وادٍ بات معنا فيه شيطان﴾ قيل: وادي العقيق، وقيل: وادٍ غيره، ولكن يهمنا أن هذا الوادي بات شيطان مع الصحابة فناموا، فلما مشوا قليلاً، قال ﷺ : أعندكم ماء؟، قالوا: ما عندنا يا رسول الله شيء، فالتمسوا في القرب فما وجدوا ماءً، يريدون أن يتوضئوا، جيش ما يقارب ثمانمائة مقاتل، قال ﷺ : يا علي! - وهو رجل المهمات أبو الحسن: فلسان يدعو وعقل يشير وحسام يمضي وفكر جدير قال: يا علي! ويا زبير! التمسا لنا الماء، والزبير كذلك رجل المهمات، حواري الرسول ﷺ ، وهما من أشجع الناس. فذهبا على فرسين في الصحراء، وإذا بهم بأعرابية أقبلت على جملين تريد الماء لأهلها، هذه بدوية ذهبت تستقي من غدير وركبت القرب على الجمال، وذهبت تريد أهلها، فاعترضها علي بن أبي طالب والزبير، فقالا لها: كلمي رسول الله ﷺ ، قالت: الصابئ؟ أي: المنحرف عن دين آبائه وأجداده إلى دين غيره، وهذه كلمة من التشويش الإعلامي الذي وقع له ﷺ ، قالوا: هو الذي تريدين، ﷺ ، وهذا جواب لطيف، لو قالا: نعم. لكانا أخطأ، ولو قالا: لا، لما عرفت هي، ولذلك قالا: هو الذي تريدين. فذهبا قبلها بالفرسين وهي وراءهم بالجمال، فلما اقتربوا أخذ ﷺ قربة من قربها، فقال: صبوها عليَّ، فأخرج يده البيضاء النظيفة الجميلة، التي لم تعرف سفك الدماء ولا السرقة، ولا أكل أموال الشعوب، ولا اللعب بالمبادئ، اليد التي أخرجتني وأخرجتك وأخرجت هذا العالم من الظلمات إلى النور، فقال: صبوا، قال: بسم الله الرحمن الرحيم، قال أنس: [[والذي نفسي بيده، إني رأيت الماء ينبع من بين أصابعه كالأنهار]] ليس من القربة، إنما من بين يديه، فأخذت الصحاف تمتلئ ويغتسل الناس ويتوضئون ويملئون القرب من قربة واحدة. فلما انتهت، دعا ﷺ بالبركة لها، فامتلأت قربتها، لم ينقص منها شيء ولم تذهب منها قطرة، وأعادها على الجمل، ثم قال للناس: اجمعوا طعاماً لهذه الأعرابية، فجمعوا طعاماً ووضعوه على جمالها، ثم ذهبت. هذا من قصص بلال، الذي قال فيه ﷺ : ﴿إن بلالاً يؤذن بليلٍ، فكلوا واشربوا حتى ينادي ابن أم مكتوم﴾ كان يؤذن قبل أن يوتر الناس، وابن أم مكتوم ينادي مع الفجر، أتى ﷺ ليلة من الليالي -والحديث صحيح- وفي الصباح قال للصحابة: ﴿يا بلال! دخلت الجنة البارحة، فسمعت دفَّ نعليك في الجنة، فماذا كنت تصنع؟ قال: ما توضأت في ساعة من ليل أو نهار إلا صليت بعده ركعتين﴾.

стр. 4405

بلال بعد موت النبي ﷺ هذا بلال منادي رسول الله، وكان جميل الصوت، وذكر بعض أهل السير -والله أعلم بذلك- أن بلالاً مات في الشام في حمص، لكنه لما سافر إلى الشام مكث هناك فترة طويلة، بعدما مات رسول الله ﷺ رفض أن يؤذن للناس، توفي ﷺ ، وقام هو يؤذن صلاة الفجر، فرفع صوته الجميل في المدينة يقول: أشهد أن لا إله إلا الله، فلما بلغ أشهده أن محمداً رسول الله، بكى وخنقه البكاء، فما استطاع أن يكمل الأذان فنزل؛ لأنه تصور الرسول ﷺ قد انتهى. قال أبو بكر: أذن لنا يا بلال؟ قال: والله لا أؤذن لأحد بعد رسول الله ﷺ ، إلا ما شاء الله، ولما فتح عمر بيت المقدس، تقدم عمر ﵁ وأرضاه إلى الصخرة. رفيق صلاح الدين هل لك عودة فإن جيوش الروم تنهى وتأمر رفاقك في الأغوار شدوا سروجهم وجيشك في حطين صلوا وكبروا تقدم، قال: يا بلال! عزمت عليك أن تؤذن هذا اليوم، فرقى بلال عند بيت المقدس، وقال: الله أكبر، فانفجر الصحابة يبكون؛ لأنه ذكرهم أيام الرسول ﵊، فقام بلال في الشام، وفي ليلة من الليالي رأى الرسول صلى الله عليه سلم في المنام، قال: هجرتنا يا بلال! أي: لا تزورنا حتى في المدينة، هذه الفترة لم نرك، فشد بلال جمله وذهب إلى المدينة، فوصلها ليلاً ووجد المؤذن قد تأخر تلك الليلة عن الأذان، فقام بلال يؤذن، قالوا: فما بقي بيتٌ سمع نداء بلال وصوته إلا بكى.

стр. 4406

مصرع أمية بن خلف على يد بلال بن رباح ذهب بلال إلى الله، ولكن بقي بلال في قلب كل مسلم من مسلمي الكرة الأرضية يعيش معه، ويتفاعل معه، ويحبه، ويتولاه، وذهب أمية بن خلف وأبو جهل والوليد بن المغيرة، ولم يبق قلب مسلم إلا يبغض هؤلاء ويلعنهم ويتبرأ منهم إلى قيام الساعة. قال عن أمية بن خلف وعن أبي بكر الصديق، في قصة البيع والشراء: ﴿فَأَنْذَرْتُكُمْ نَاراً تَلَظَّى * لا يَصْلاهَا إِلَّا الْأَشْقَى﴾ [الليل:١٤ - ١٥]. هذا أمية بن خلف رفض أن يخرج يوم بدر، يقول له كفار قريش في بدر: اخرج معنا نلاقي هذا الصابئ محمداً، قال: لا. إني رأيت محمداً دعا علينا عند الكعبة، وأخاف أن أخرج فأقتل هناك -وإذا كتب الله أن يقتل فسوف يخرج- فرفض أن يخرج وأرسل أبناءه وأرسل أجيراً له، فأتى أبو جهل إليه بمبخرة، فركب فيه البخور والجمر، وقال: يا أمية بن خلف! تجمر مثل النساء، أما القتال فلا تحضر معنا. قال: أنا أشجع منك ومن أبيك ومن جدك، ثم أقسم أن يخرج -هذا أحرجه حتى يورده الموت- فخرج معهم، فلما أصبح في معركة بدر أي: أمية بن خلف وفر الناس وفر أمية بن خلف، فرآه بلال من آخر الوادي -هذا صاحبه الأول- فأخذ بلال يرفع السيف، ويقول للأنصار: [[أمية بن خلف، لا نجوت إن نجا، أمية بن خلف، لا نجوت إن نجا]] أي: صاحب الصفحات والفعائل السوداء، فلحقه الأنصار فاشتبكوا معه، فأتى عبد الرحمن بن عوف فألقى رداءه وألقى جسمه على أمية بن خلف، فاستخرج الأنصار أمية بن خلف ورفعوا عبد الرحمن بن عوف ﵁ وهو يريد الإصلاح، فتناولوه بالسيوف فقطعوه إرباً إرباً، هذا أمية بن خلف قتل في معركة بدر، ورحل إلى حيث ألقت رحلها أم قشعم. فيقول: ﴿الَّذِي كَذَّبَ وَتَوَلَّى﴾ [الليل:١٦] هذا هو أمية بن خلف ﴿وَسَيُجَنَّبُهَا الْأَتْقَى﴾ [الليل:١٧] هذا الصديق الأكبر أبو بكر الصديق ﴿الَّذِي يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكَّى * وَمَا لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزَى * إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلَى * وَلَسَوْفَ يَرْضَى﴾ [الليل:١٨ - ٢١]. ذكر ابن ماجة لكن في سنده كلام، أن الله أول من يلقى بعد الرسل والأنبياء في الجنة أبا بكر الصديق، والذي نعتقده أن أفضل الناس بعد الأنبياء والرسل هو أبو بكر الصديق ﵁ وأرضاه بلا خلاف.

стр. 4407

إسلام عمار بن ياسر وممن أسلم أيضاً: عمار بن ياسر ﵁ وأرضاه، وأخذه كفار قريش وعذَّبوه، حتى قدموا له الجعل وقدموا له الحشرات، فيقولون: ربك هذا؟ قال: نعم ربي. قال : ﴿مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْأِيمَانِ وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْراً فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [النحل:١٠٦].

стр. 4408

تعذيب كفار قريش لعمار بن ياسر ومن هذه القصة أن من عذب عذاباً شديداً ولا يستطيع أن يتحمل، له أن يتفوه بشيء يوافق من عذبه حتى ينجو من العذاب إذا كان قلبه مطمئناً بالإيمان. الآن انظر إلى الأنظمة الفاسدة التي عذبت البشر، مثل بعض المذكرات: نظام الحكم مثلاً في العراق الذي عذب الدعاة، كانوا يقولون: أنت متواطئ مع الصهيونية، يأخذون العالم من المسجد المفتي عالم المسلمين، ويقولون: أنت متواطئ مع موشي ديان، فيقول: لا. فيجلسونه على منضدة من كهرباء، ويركبون الفيش حتى يحترق، فيقول: نعم أنا تعاملت مع موشي ديان. وهذا يفعله الناس كذا، والإنسان له أن يتكلم بكلام حتى يرفع عنه الضيم إذا بلغ به هذه المسألة، فيقول: ربك هذا، قال: نعم ربي، ثم حرج ﵁ وخاف بعدما قال هذا، فقال : ﴿إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْأِيمَانِ﴾ [النحل:١٠٦]. وصل ﷺ المدينة، ولما وصل هناك واستقر أتى النبي ﷺ يبني مسجده، فأخذ اللبنة الأولى، فوضعها في مكانها، من يأخذ اللبنة الثانية؟ أبو بكر الصديق عرف الناس أنه رجل الساعة بعد الرسول ﷺ فأخذها ووضعها، ثم قام عمر فأخذ اللبنة الثالثة، فقام عمار كان يأخذ الناس لبنة لبنة، وهو يحمل لبنتين، فأتى إليه ﷺ ، فمسح التراب عن رأس عمار ﵁ وقبله، وقال: ﴿ويحك يا ابن سمية! تقتلك الفئة الباغية﴾ هذه من دلائل النبوة، كل يوم برهان من براهين النبوة، وحجة من حجج الرسالة: ﴿ويحك يا ابن سمية تقتلك الفئة الباغية تدعوهم إلى الجنة ويدعونك إلى النار﴾ قال عمار: أعوذ بالله من الفتن، لم يعرف ماذا ينتظره المستقبل وينتظره القدر.

стр. 4409

مقتل عمار ﵁ واستمر الحال بـ عمار حتى بلغ السبعين، وقيل: الثمانين من عمره، فلما حضر معركة صفين التي كانت بين علي بن أبي طالب ومعاوية بن أبي سفيان رضي الله عن الجميع ﴿تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ وَلا تُسْأَلونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [البقرة:١٣٤] مرض عمار في أول المعركة، فقال ابنه: يا أبتاه! أوصِ بدينك فأني أظنك تموت، قال: [[والله لا أموت حتى أقتل في المعركة، وعد خليلي الصادق المصدوق ما كذب ولا كذب]] ولما حضر المعركة أتوه بكوب من لبن، قال: أشهد بالله أنه آخر شرابي من الدنيا؛ لأن الرسول ﷺ أخبرني أن آخر ما أذوقه من الدنيا شربة لبن. فشرب وخرج وكان من أشجع الناس، وتصور ابن ثمانين يقاتل، وقاتل حتى قتل في سبيل الله وكان رسول الله ﷺ يخبر بعض الناس أنه سوف يقتل، هذه من أقوى دلائل النبوة التي عاشها ﷺ والتي قدمها للإنسانية ﴿كان رأس الرسول ﷺ في حجر علي مرة فتبسم، قال علي: مالك يا رسول الله؟ قال: أتدري من أشقاها؟ -يقول ﷺ : أتدري من أشقى الأمة؟ - قال: ما أدري، قال: أشقاها قاتل الناقة وأشقاها من يخضب هذه بهذه، ثم أشار إلى لحية علي بن أبي طالب وكانت كثة﴾ هذا أشقى الأمة عبد الرحمن بن ملجم. فأتى علي ﵁، ومرض ليلة بالحمى، فقام الحسن والحسين يدفونه، ويقولون: مرض الموت يا أبتاه مرض الموت، قال: لا. والله لا أموت حتى تخضب هذه من هذه، وعد الرسول ﵊. وليس على الأقدام تدمى كلومنا ولكن على أعقابنا تقطر الدما تأخرت أستبقي الحياة فلم أجد لنفسي حياة مثل أن أتقدما وبالفعل قتله عبد الرحمن بن ملجم الخارجي عليه غضب الله، ولما قتله قال عمران بن حطان مادحاً له: يا ضربة من تقي ما أراد بها إلا ليبلغ من ذي العرش رضوانا إني لأذكره يوماً فأحسبه من خير خلق عباد الله إنسانا هذا خارجي يمدح خارجياً، فرد عليه أحد شعراء أهل السنة، فقال: يا ضربة من شقي ما أراد بها إلا ليبلغ من ذي العرش خسرانا إني لأذكره يوماً فألعنه وألعن الكلب عمران بن حطانا فنسأل الله أن يرفع منازل الصالحين، ويجمعنا بهم، هؤلاء أصحاب رسول الله ﷺ ، وأنتم من تلك السلالة، ومن ذاك الموكب، (ومن يشابه أبه فما ظلم) وحبهم يدخلكم مع العمل الجنة، ومن تولاهم في الدنيا تولاه الله في الآخرة، نشهد الله على حبهم، وعلى توليهم، وعلى بغض أعدائهم، ونسأل الله أن يجمعنا بهم في دار الكرامة، وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.

стр. 4410

بين يدي كتاب الله تعددت مناهج المفسرين، فاللغويون اهتموا باللغة، والقصاصون أكثروا من رواية الإسرائيليات، والمتكلمون شحنوا تفاسيرهم بمباحث كلامية فلسفية عقيمة لا تسمن ولا تغني من جوع. والباطنية من الصوفية والشيعة جاءوا بتحريفات عجيبة يضحك الجاهل والطفل الصغير من سخافتها، أما أهل السنة فإنهم يفسرون القرآن بالقرآن، ثم بالسنة، ثم بما صح عن الصحابة والتابعين، وبما فهم من كلام العرب.

стр. 4411

أهمية تفسير القرآن الحمد لله الذي كان بعباده خبيراً بصيراً، وتبارك الذي جعل في السماء بروجاً وجعل فيها سراجاً وقمراً منيراً، وهو الذي جعل الليل والنهار خلفة لمن أراد أن يذكر أو أراد شكوراً. والصلاة والسلام على من بعثه ربه هادياً ومبشراً ونذيراً، وداعياً إلى الله بإذنه وسراجاً منيراً، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. أما بعد: فسلام الله عليكم ورحمته وبركاته. يصل بنا الإمام البخاري ﵀ هذه الليلة إلى قمة القمم، وإلى بيت القصيد، وإلى المعنى واللباب، إلى كتاب التفسير من صحيحه، ويوم نظرنا إلى كتاب التفسير لم نجد تفسير القرآن كاملاً في صحيحه، بل وجدنا أحاديث وتركت أكثر منها بعشرات المرات أضعافاً مضاعفة؛ لأنه يشترط في الحديث الصحة، فهو لا يأخذ إلا ما كان على شرطه، فرأيت أنه من السُعْدى ومن البركة والخير أن نبدأ بأول القرآن، وأن نعيش مع القرآن، وأن نحيا بالقرآن، وأن ننغمس في أنهار القرآن، وأن نتأدب بآداب القرآن، وأن نعيش سويعات في مثل هذه الليالي المباركة مع القرآن. إنني لسعيد جداً يوم أتل آيات الله المباركات على هذا الجمع المبارك النبيل الحافل، وأستمع ماذا قال فيها العلماء والمفسرون، وإنني أعلم أن من العلماء من يفسر، ولكن لكلٍّ مشرب ولكلٍّ مقصد، ومقصدنا جميعاً هو -إن شاء الله- ما يرضي ربنا ﵎. والقرآن يا أمة القرآن ينبغي أن يأخذ كثيراً من دروسنا ومن اجتماعاتنا، ولقاءاتنا ومحاضراتنا وندواتنا. والقرآن يا أمة القرآن يفسر تفسيراً يفعله بعض العلماء، لا تفسيراً آخر. إن بعض الناس عندما يفسر القرآن يجعله كتاب صرف، أو كتاب نحو، أو كتاب لغة، فأخذ يعرب الآيات والكلمات حتى ذهبت طلاوة القرآن، وذهبت حلاوة القرآن! هذا الكتاب الخالد الذي أخرج الأمة الضائعة من الضلالة إلى الهدى، وبصرها وعلمها ورفع رأسها، هذا الكتاب هو كتاب العقيدة، هذا الكتاب هو كتاب العبادة، وكتاب الاقتصاد، وكتاب الأدب، واللغة، هذا الكتاب الذي أخرج الأمة من رعي الغنم إلى أن قلدها مفاتيح التاريخ، وأعطاها منبر الدنيا، وأركبها صهوة المجد، وقال: أنتِ الأمة المجيدة الرائدة. نريد أن نسمع القرآن في هذه الليالي، ونعيش مع القرآن إن شاء الله من الفاتحة إلى الناس، وسوف لا نطيل بخلافيات وصرفيات ونحويات، لكننا نورد القرآن بالقرآن، والحديث الذي يفسر القرآن واللغة العربية، ثم نصل إلى قضايا: منها قوله تعالى: ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً﴾ [الإسراء:٨٨] وقوله تعالى: ﴿كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ﴾ [هود:١]. ﴿وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ * نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ * عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِين * بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾ [الشعراء:١٩٢ - ١٩٥]. وقال تعالى: ﴿وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى * مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى * وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى * عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى * ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوَى * وَهُوَ بِالْأُفُقِ الْأَعْلَى * ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى﴾ [النجم:١ - ٨]. دعني ومدحي آيات له لمعت كلمع برق سرى ليلاً على علم أتى على سفر التوراة فانهزمت فلم يفدها زمان السبق والقدم ولم تقم منه للإنجيل قائمة كأنه الطيف زار الجفن في الحلم القرآن من قرأه أجر، ومن عمل به أجر، ومن تدبره أجر، القرآن يذهب عنك الوساوس والخطرات والهواجس. والقرآن يشفيك شفاءً ظاهراً وباطناً ويقودك إلى الجنة. والقرآن يعلمك الإيمان والحب والطموح. ولكن قبل أن نبدأ بسورة الفاتحة؛ أريد أن نأخذ الخمس والست والسبع آيات ونبدأ بقضايا كبرى عن القرآن:

стр. 4412

مناهج التفسير في القرآن ما هي مناهج التفسير في القرآن؟ وتتلخص مناهج المفسرين في أربعة مناهج: المنهج الأول: منهج الصوفية. المنهج الثاني: منهج الرافضة. المنهج الثالث: منهج المتكلفين المتنطعين. والمنهج الرابع: منهج أهل السنة والجماعة حشرنا الله في زمرتهم: ﴿هم القوم لا يشقى بهم جليسهم﴾ هم القوم إن قالوا أصابوا وإن دعوا أجابوا وإن أعطوا أطابوا وأجزلوا ولا يستطيع الفاعلون كفعلهم وإن حاولوا في النائبات وأجملوا

стр. 4413

منهج الصوفية في تفسير القرآن أما الصوفية: فإنهم دخلوا في مقاصد لم يقصدها القرآن، لا من قريب ولا من بعيد، تركوا القرآن بالقرآن والسنة النبوية واللغة العربية، وأتوا ينحتون من أفكارهم وشعوذاتهم، وزواياهم ومن مرقعاتهم؛ كلاماً يُضحك عجائز نيسابور! اسمع إلى بعض تفسيراتهم يقول الحقي في التفسير الذي نقلته عنه وقرأته قبل ساعات وهو عجمي ونحن لا نقول هنا العرب والعجم بل نقول الإسلام: أبي الإسلام لا أب لي سواه إذا افتخروا بقيس أو تميم لكن من باب التعريف، يقول: بسم الله الرحمن الرحيم، بدأ الله بالباء لعشرة أسباب: السبب الأول: أن الباء فيها تواضع وانكسار، ولذلك تمتد على السطر نقول: فتح الله عليك! أأنزل القرآن لهذه المعاني؟! تمتد على السطر منكوسة على رأسها، ومطروحة على ظهرها، ولذلك بدأ الله بالباء هكذا يقول في تفسيره. السبب الثاني: لأن الباء فيها تواضع ولذلك ما وقفت مثل الألف. يقول: الألف متكبرة وترى نفسها وتفتخر فوقفت وقوفاً! أما الباء فانصرعت وتواضعت فبدأ الله بها. السبب الثالث: من تواضع الباء جعلت النقطة تحت أرجلها! لأن الجيم أخذت النقطة في بطنها، والخاء على رأسها والحاء تركت النقطة! لكن الباء من تواضعها جعلت النقطة تحتها. ونحن نقول: الياء أكثر تواضعاً لأن تحتها نقطتان! فهكذا يقول إلخ. وهذه الأسباب ولا أريد أن نضيع الوقت في نقل مثل هذه الأشياء. ونقول: أأنزل القرآن لهذا؟! لو سألت ابن عباس وابن مسعود وخالد بن الوليد الذين فتحوا الدنيا ووصلت خيولهم إلى المحيط الأطلنطي وعمروا منبر التاريخ، وأقاموا لا إله إلا الله في الأرض أيقولون الباء بدئ بها لهذه الأسباب؟! لا والله. ويقول من ضمن الأسباب: لأن الباء مكسورة، والكسر معناه انكسار القلب والتواضع والرقة. قلنا: حاشا وكلا ما نزل القرآن لهذا، زيدونا من تفسيركم يا أيها الصوفية! ففيهم كما ترون الخير، يحمد فيهم أشياء، ولكن هناك أمور غلوا فيها لا نقبلها؛ لأنها وزنت على السنة فرمت بها السنة على شفا جرف هار فانهار بها في نار جهنم. أحد الصوفية لما قال الله في سورة آل عمران: ﴿مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ﴾ [آل عمران:١٥٢] أي: من الصحابة. فأهل المغانم لما نزلوا وتركوا عبد الله بن جبير -قد قتل مع السبعين في أحد -وتركوا الجبل وحماية الموقف قال الله لهم: ﴿مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا﴾ [آل عمران:١٥٢] المتاع: ﴿مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا﴾ [آل عمران:١٥٢] ومنكم من يريد جنة عرضها السماوات والأرض كـ مصعب، وكـ أنس بن النظر، وعبد الله بن عمرو الأنصاري الذين يأتون إلى الواحد الأحد تتدفق دماؤهم، ولسان حال الواحد منهم يقول: اللهم خذ من دمي هذا اليوم حتى ترضى. فيقول هذا الصوفي: سبحان الله! وأين الذي يريد الله؟ فهذا يريد الدنيا وهذا يريد الآخرة ولا أحد يريد الله؟! قلنا له: يا غبي! الذي يريد الآخرة يريد الله. ولذلك سمعت أن بعض الناس يقول: إن رابعة العدوية تقول: ما عبدت الله طمعاً في جنته ولا خوفاً من ناره -قلنا: لماذا عبدت الله؟ - قالت: إنما عبدته حباً فيه. قلنا: هذا يخالف منهج أهل السنة والجماعة؛ والله ذكر السنة وأهل الصلاح فقال: ﴿يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَاناً﴾ [الفتح:٢٩] وقال تعالى: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ﴾ [آل عمران:١٣٣] وجعفر تتحكم السيوف على رأسه يوم مؤتة ويقول: يا حبذا الجنة واقترابها طيبة وبارد شرابها والروم روم قد دنا عذابها كافرة بعيدة أنسابها ثم يطير بعد ساعات بجناحين من شجرة إلى شجرة في الجنة، والله يقول: ﴿وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتاً بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [آل عمران:١٧٠]. ما هذا التخلف؟! تقول للذي يريد الآخرة أنه لا يريد الله؟! فهذا كلام رابعة مرفوض ولا نقبله؛ لأنه وزن بالقرآن والسنة فأصبح كلاماً خاطئاً لا صحة له. يقول أحد الصوفية وهو يعظ الناس: يا قلب! يا لسان! اذهب إلى فرعون إنه طغى. قالوا له: من هو فرعون؟ قال: قلبي. قالوا: وموسى؟ قال: لساني. ففرعون هنا يقول: إنه القلب، قال: وأرسل الله اللسان إلى القلب فقال: يا لسان! اذهب إلى فرعون إنه طغى. كأن هذا المتخلف ما علم أن الله خلق فرعون وخلق موسى، وأوجد صراعاً عالمياً، وتحدياً حضارياً، بين دعاة التوحيد ودعاة الضلالة، بين أهل العمالة وأهل الحق، وقامت الدنيا، حتى قال بعض المفكرين: موسى وفرعون حربهم جوية وبحرية وبرية. فكان الثعبان يشتغل في الجو، والبحر يدمر فيه فرعون، والبر ينازله فيه موسى. وبعد هذا كله ينسى التاريخ ويقول: اذهب يا لساني إلى قلبي -فقلبي فرعون- إنه طغى.

стр. 4414

منهج الرافضة في تفسير القرآن أمَّا الرافضة فهم أجهل الناس؛ يقول ابن تيمية: هم من أضل الناس في المنقولات ومن أجهلهم في المعقولات، لا خبر ولا علم ولا شيء. وهذا مثل أحد الناس كان يقرأ: "فخر عليهم السقف من تحتهم" والقرآن يقول من "فوقهم" لكن هذا أعمى بليد جاهل لا يعرف الآية، ولا يعرف معنى اللغة، فقال: "فخر عليهم السقف من تحتهم! " قال ابن تيمية: لا عقل ولا قرآن؟! فالسقف دائماً من فوق ولو لم يقرأ الإنسان، وهل يأتي السقف من أسفل؟! واسمع إلى تفسيراتهم قالوا: ﴿الم﴾ "ألف": ألف الله محمداً فبعثه هادياً ورسولاً، "لام" لام الله المشركين، "م" مقت الله معاوية. أهذا كلام؟ حتى الذين ما قرءوا وما كتبوا وهم في أدغال إفريقيا وأحراش آسيا لا يقولون مثل هذا الكلام. وقالوا في تفسير قوله تعالى: ﴿مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيَانِ﴾ [الرحمن:١٩] قالوا: البحرين علي وفاطمة! وقوله تعالى: ﴿بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ لا يَبْغِيَانِ﴾ [الرحمن:٢٠] قالوا: التقوى والعفاف. قلنا: وقوله تعالى: ﴿يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجَانُ﴾ [الرحمن:٢٢] قالوا: الحسن والحسين. قال مفسرهم في قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً﴾ [البقرة:٦٧] قال: البقرة عائشة؛ لأنهم يلعنونها، نعوذ بالله من الخذلان والحرمان، وكذبوا لعمر الله! فهم ما علموا القصة ولا قرءوا اللغة، ولا عاشوا مع موسى وهو يقول هذا لقومه. فهذا تفسيرهم.

стр. 4415

منهج المتكلفين في تفسير القرآن أما تفسير المتكلفين فهم من العصور المتأخرة، من عهد الرازي إلى هذه العصور، يقول بعض العلماء: إن الرازي أدخل في كتابه كل شيء إلا التفسير. فهو أدخل الكيمياء والفيزياء والطب والهندسة والتاريخ والجغرافيا لكن لم يتكلم فيه بالتفسير. فهو مر وترك التفسير على شماله، وما التفت إليه حتى وصل سورة الناس، لكن فيه بعض اللمحات واللطخات من التفسير، وهو يجهل الحديث النبوي مع أنه عقلية كبيرة، حتى إنهم فضلوه على ابن سينا -ابن خالته وعمته في المنهج- يقول الشاعر: كذب امرؤ بـ أبي علي قاسه هيهات يبلغ مستواه أبو علي ومن اللطائف أن الرازي يقول عنه ابن كثير أن عنده خمسين من الخدم، وكانت ملوك خوارزم تعظمه. وكان فصيحاً داهية لكنه ما تعلم الإيمان والحب والطموح من الكتاب والسنة، ولم يقرأ الحديث قراءة مكثفة، بل قرأ فلسفة سقراط وأرسطو وعماتهم وخالاتهم، وهذه عملة مزيفة، إذا أركبتها عملة محمد ﷺ سقطت ولا تصلح، فإذا أتت عملة مختوم عليها من طيبة المدينة من محمد ﷺ وتحت الختم: أبو بكر وعمر وعثمان وعلي فاقبلها وإلا فردها فهي لا تصلح. فهو أخذ ختمه من سقراط وبقراط وأفلاطون وأتباعهم وأشباههم، فتموج الرجل وما انضبط. كان جالساً في المسجد بعد صلاة الفجر يدرس الناس الفلسفة، فتكتفت حمامة من البرد فوقعت على بردته فأخذها فضمها، فقال أحد الشعراء وهو جالس هناك: جاءت إليك حمامة مشتاقة تشكو إليك بقلب صبٍ واجف من أخبر الورقاء أن مكانكم حرم وأنك ملجأ للخائف وهذا من أحسن ما قيل، على أننا لا نوافقه أنه (ملجأ للخائف) إلا بعد الله، لكن هذه من أحسن الكلمات، من يستطيع أن يأتي بهذا الإبداع، حمامة سقطت فاعتذر لها وقال: إنها خائفة، فأتت إلى الشيخ لتشكو إليه هذا تصوير أدبي، وهل الشعر إلا خيال وأسلوب؟! أما أن تقول للشجرة شجرة ولليل ليل وللنهار نهار فما فعلت شيئاً. يقول ابن عبد ربه في العقد الفريد: بعض الشعراء يقول: الليل ليل والنهار نهار والأرض فيها الماء والأشجار فهذالم يأت بشيء. جلس أحد الطفيليين مع بعض الشعراء فحلفوا عليه أنه لا يقوم حتى يقول بيتاً -وهو ليس بشاعر، بل هو أكال فقط، يأكل ويشرب مجاناً- فقالوا: لا تقوم حتى تقول شعراً، فنظر فرأى النهر حوله ونظر إلى الشعراء وقال: كأننا والماء من حولنا قوم جلوس حولهم ماء وهذا ليس إبداعاً. والمقصود: أن هؤلاء المتكلفين يبدءون من الرازي ثم تصعد إلى أن تصل إلى هنا. ,الأستاذ الداعية المتحمس للإسلام، الباكستاني القوي، أبو الأعلى المودودي سقى الله عظامه شآبيب الرحمة، كان قلمه مارداً جباراً على الطغاة، وعلى المفسدين من الشيوعيين وأذنابهم، وكان له ترجمان القرآن، تبدأ في الصباح باستهلاليتها، وكان بليغاً يأسر القلوب، حتى يقول أحد الناس: قرأت له مقالة، فأخذ قلبي بالمقالة فما رد قلبي إلى اليوم. يقول: قبل أن تقرأ القرآن انزع من ذهنك كل تصور سابق عن القرآن، فالقرآن ليس بكتاب تاريخ -صدق- ولا بكتاب هندسة أو جغرافيا أو طب، بل القرآن كتاب هداية؛ ولذلك يأتي بعض المفسرين فيقولون: يقول الله : ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الأنعام:٣٨] فمعنى ذلك: أن كل قضية لابد أن تكون في القرآن سبحان الله! كل شيء؟ قالوا: كل شيء. على سبيل الدعابة: الإمام محمد عبده المصري الذي يسمونه إماماً مفسراً، وكان ذكياً لامعاً، توفي قبل سنوات، سافر في سفينة اسمها كوك إلى فرنسا، ومعه خواجة مستشرق يقرأ القرآن، فأراد أن يسخر من محمد عبده يقول: يا محمد عبده! يقول الله في كتابكم: ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الأنعام:٣٨] فهل سمى السفينة هذه في القرآن؟ قال: ما اسمها؟ قال: كوك. قال: نعم، سماها في القرآن. قال: ماذا قال؟ قال: وتر كوك قائماً وهذه الآية التي في سورة الجمعة في قوله تعالى: ﴿وَتَرَكُوكَ قَائِماً﴾ [الجمعة:١١] أي: تركوا الخطيب قائماً، لكنه يريد أن يهزأ من هذا ويضحك على عقله، وإلا فالقرآن ما أتى معجماً، حتى بعض الناس يقول: كيف لم يورد الله تحريم الشيشة ولا الدخان في القرآن؟ ونقول له: على استطراداتك لماذا لم يذكر الميرندا والبيبسي والموز والتفاح؟!! هل تريد القرآن أن يأتي معجماً لكل اسم يرد في الكون؟ فلا تسعه الدور ولا القصور. فالقرآن قواعد كلية، يأتي بقاعدة تندرج فيها ملايين القضايا، فقوله تعالى: ﴿وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ﴾ [الأعراف:١٥٧] أدخل فيه مليون قضية، وقوله تعالى: ﴿وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ﴾ [الأعراف:١٥٧] أدخل فيه مليون قضية. واسمع ما يقول المتكلفون، فأحدهم يفسر -وتفسيره موجود- ويقول القرآن فيه أسس علم الهندسة. قلنا: مثل ماذا فتح الله عليك؟ قال: الخط المستقيم أقرب موصل بين نقطتين. قلنا من أين أخذته؟ قال: من قوله تعالى: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ [الفاتحة:٦] قال: والمثلث إحدى زواياه منفرجة. قلنا: من أين لك هذا؟ قال: من قوله : ﴿انْطَلِقُوا إِلَى ظِلٍّ ذِي ثَلاثِ شُعَبٍ * لا ظَلِيلٍ وَلا يُغْنِي مِنَ اللَّهَبِ﴾ [المرسلات:٣٠ - ٣١]. فالقرآن لم ينزل للتاريخ، ولم ينزل للجغرافيا، فلم يخبرنا متى ولد فرعون، ومتى تولى ومتى توفي. بل القرآن كتاب هداية، فلا بد أن نعرف هذا. والقرآن ليس كتاب صرف، والآن كثير من التفاسير كلها صرف، ما تقرأ فيه إلا ويقول وأصل الكلمة فيعمل فانقلبت الواو إلى ياء، فماتت الأمة وذهبت معتقدات الأمة ونحن من فيعل إلى فعول كانت ياءً فقلبها الله حتى صارت واواً، صحيح أن هذا فن مختص لكن لا يصح أن ندخله ليكون تفسيراً. وكثير من التفاسير كلها نحو، ما تقرأ إلا ويقول: الفاعل المفعول الحال المبتدأ الخبر، حتى تجد في القلوب قسوة، ننظر في السبورة والأستاذ يشرح فيقول: قال أصلها قول، وهي من الفعل الماضي، قال زيد لعلي: كذا وكذا. أين هذا الإبداع الذي أتى به القرآن؟ فالقرآن ما أتى لهذا بل أتى لمقاصد أبينها إن شاء الله. ثم هو ليس كتاب جغرافيا -كما قلت- فما ذكر المناخ ولا التضاريس، وما ذكر هبوب الرياح ولا دراجات الحرارة، ولا ذكر الصادرات والواردات وأهم المدن، بل هو كتاب هداية. لذلك يريد سيد قطب أن يقرر هذا المبدأ جزاه الله خيراً في كتاب الظلال، فهو يقرره دائماً، ويقول: كتاب هداية.
следующие страницы →