← Джавами‘

Джавами‘ · id 7708

دروس الشيخ عائض القرني

عائض القرني

Полный текст (10 391 стр.). Показаны 4586–4625 · переход к 4591.

стр. 4586

أنقذ نفسك يا مسكين ! الإمارة حمل ثقيل, افتتن بها الجهال وهم عاجزون عن حملها, وخاف منها أصحاب النبي ﷺ , مع أنهم قادرون عليها, وخافها أولو العلم من سلف الأمة اقتداء بالصحابة لأنهم يعلمون ما فيها, وما ذاك إلا خوفاً من أن يظلم أحدهم قيد أنمله، فيلقى الله وهو متحمل لها، ففضل بعضهم -مع أن لديه خصال الولاية من القوة والأمانة- أن يجلد على أن يولى.

стр. 4587

حديث أبي حميد وقصة ابن اللتبية إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه, ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له, ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. أسأل الله أن يثبتنا وإياكم بالقول الثابت، وأن يجعلنا وإياكم ممن إذا استمع القول اتبع أحسنه. في روضة من رياض المصطفى ﷺ ، وفي جلسة تصلنا بسيرته العطرة النيرة، معنا هذه الليلة حديث رواه البخاري ومسلم في صحيحيهما، فحيا الله البخاري وحيا الله مسلماً، الحديث عن أبي حميد الساعدي ﵁ وأرضاه، قال: ﴿بعث رسول الله ﷺ رجلاً من الأزد يقال له: ابن اللتبية على صدقة بني سليم، فلما بعثه ﷺ لقبض صدقات بني سليم, أتى فقال: يا رسول الله! هذا لكم -يعني: من الصدقة- وهذا أهدي إلي، فقال ﵊ له: أفلا جلست في بيت أبيك وأمك فترى هل يهدى إليك أم لا؟ ثم قام ﵊ خطيباً، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: ما بال رجال أبعثهم لقبض الصدقات، فيأتي أحدهم، فيقول: هذا لكم وهذا أهدي إلي، أفلا كان جلس في بيت أبيه وأمه فيرى هل يهدى إليه أم لا؟ ثم قال ﵊: والذي نفسي بيده، لا يأخذ رجل مالاً بغير حق إلا أتى به يوم القيامة، ولأعرفن رجالاً -هذه رواية في مسلم - يأتون على رقابهم ما أخذوا, إن كان إبلاً فبعير له رغاء، أو بقرة لها خوار، أو شاة تيعر، ثم قال ﵊: اللهم هل بلغت﴾. قال أبو حميد: رأى بصري وسمعت أذناي. هذا الحديث في الصحيحين، ومجمل قصة الحديث: أن الرسول ﵊ كان إذا أراد أن يبعث لأخذ صدقات الناس، يبعث ﵊ رجالاً من أصحابه، ففي هذه المرة بعث هذا الرجل واعتمد عليه ﷺ ، ووثق بدينه وإخلاصه وأمانته، فذهب هذا الرجل فجمع الصدقات، والناس لهم مقاصد في الهدايا، بعضهم يهدي للرشوة، وبعضهم لأغراض يصل بها إلى غرضه، فأهدوا له فقبل الهدية، ولو كان لم يعينه ﷺ عاملاً ما أهدي له أبداً، فما أتته الهدايا إلا من هذا الطريق. فأتى فدخل المدينة بفرقتين وطائفتين من الغنم، فسأله ﷺ : ما بالك قسمت الغنم؟ أو كما قال، قال: هذا لكم، أي: لبيت المال وللزكاة، وهذا لي، فغضب ﵊، وقال له كلمة حارة ساخنة: ﴿أفلا جلست في بيت أبيك وأمك فترى هل يهدى لك أم لا؟﴾ ثم قام ﷺ ، فأعلن بياناً عاماً لكل من يلي شيئاً من أمر المسلمين خاصاً أو عاماً، أن الله يحاسبه يوم القيامة. وفي المسند من حديث عبد الله بن المغفل بسند حسن أن النبي ﷺ قال: ﴿لا يأتي أميرٌ يوم القيامة إلا وهو مغلول، فإن أصاب في ولايته فك الله غله، وإن لم يصب تدهده على وجهه في النار﴾ أو كما قال ﷺ . عنوان هذا الدرس: (أنقذ نفسك أيها المسكين) الذي تولى شيئاً من الولايات، أو من يسأله الله عن شيء من الأموال.

стр. 4588

ترجمة أعلام الحديث أبو حميد الساعدي أحد أصحاب الرسول ﵊، من بني ساعدة، وبنو ساعدة هم الذين جعلهم الرسول ﷺ في المستوى الرابع يوم صنف الأنصار درجات. يوم رجع الرسول ﷺ المدينة من الغزوات، فنظر إلى قرى الأنصار وإلى قبائلهم، واستعرضهم في اللائحة، فانتظر، فقال ﵊: ﴿خير دور الأنصار بنو النجار﴾ وهم أخواله أو أخوال أبيه ﵊، ومنهم أنس بن مالك، ثم بنو عبد الأشهل، ثم بنو الحارثة، ثم بنو ساعدة، وبنو ساعدة سيدهم سعد بن عبادة الكريم الغطريف الشجاع الجحجاح، فسمع بهذه المقالة فغاضه؛ لأنه قوي الهمة كيف يوضع في المرتبة الرابعة؟ فحرك ناقته واقترب من الرسول ﵊, قال: يا رسول الله! فضلت علينا الناس، قال: ﴿أفلا يكفيك أن تكون من الخيار؟﴾ لأن الأنصار ما يقارب عشر قبائل أو أكثر، لم يذكر ﵊ إلا أربعاً، قال ﷺ : ﴿أفلا يكفيك يا سعد! أن تكون الرابع؟ والخيار خيار﴾. ولو أنه تأخر في المرتبة، لكن هذا أمر الله قضاؤه وقدره، أما الأزد فهم أزد شنوءة الذين منهم ابن اللتبية صاحبنا هذه الليلة. ونحن -للعلم- قبائل الجنوب أزديون حتى الموت، من قبائل الأزد، ومنه ابن اللتبية عبد الله، قدم على الرسول ﷺ وأسلم، فأرسله ﷺ في هذه المهمة فأتى بهذا الخبر، وحديث وفد الأزد حديث ضعيف ولو أنه في فضائل الأعمال. قدم وفدهم سبعة فرآهم ﷺ عليهم من الأبهة والجلالة والمهابة ما يلحق بمستوى الرجال العظماء، فتكلموا فكانوا أحسن وأحسن، فقال ﵊ فيما يروى عنه: ﴿حكماء، فقهاء، كادوا من فقههم أن يكونوا أنبياء﴾. أما بني سليم فهم قبيلة عربية تسكن ساحل البحر الأحمر، وهم يجاورون جهينة وأشجع وأسد وتلك النواحي، وفيهم فضل كبير وخير كثير، لكنهم أسلموا متأخرين، ولذلك لم يجعلهم الله كالمتقدمين، والمتقدم دائماً هو الذي يعرف له الفضل، يقول الهذلي: ولو قبل مبكاها بكيت صبابةً لكنت شفيت النفس قبل التندم ولكن بكت قبلي فهيج لي البكا بكاها فقلت الفضل للمتقدم قال فيهم: ﴿قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا﴾ [الحجرات:١٤]. أتوا إلى المدينة، فقالوا: يا رسول الله! آمنا، الناس حاربوك إلا نحن ما حاربناك أهذه منة؟ المنة لله ولرسوله، يمتنون على الرسول ﷺ ، قال : ﴿يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا﴾ [الحجرات:١٧]. من الذي له الفضل؟ ومن الذي له الكرم؟ ومن الذي له العطاء إلا الله، ﴿يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا﴾ [الحجرات:١٧] وأنت هديتهم إلى طريق الإسلام، وأنت الذي قدتهم إلى دار السلام، وبينت لهم الكرامة والإكرام!! فأتوا كأن لهم الفضل عليك! لا والله. الفضل لله ثم لرسول الله ﷺ . ﴿يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُلْ لا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلامَكُمْ بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلْإِيمَانِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [الحجرات:١٧] فالمنة لله ثم لرسوله ﷺ .

стр. 4589

قضايا حديث أبي حميد في هذا الحديث قضايا منها: المسألة الأولى: عظم مسئولية الإمارة وخطورتها، وأنها حمل ثقيل، وأن الله يسأل الناس وخاصة من تولى الولاية يوم القيامة في موقف عصيب، نسأل الله أن ينجينا وإياكم من كل خطورته. المسألة الثانية: أخذ الصدقات من الناس، ولا تترك في أيدهم، فإنها لو تركت تلاعبوا بها. المسألة الثالثة: محاسبة العمال، واستقصاء أخبارهم وطلب أعلامهم، ليكون الإمام وثيقاً في صلته بعماله، وسنورد قصصاً في ذلك. المسألة الرابعة: هدايا العمال، هل يقبل العامل أو الأمير أو المسئول أو رئيس الدائرة، هل يقبل هدية من الرعية ومن الناس؟ المسألة الخامسة: التعميم في الدعوة بلا تشهير، وبلا تجريح، وبلا ذكر أسماء. المسألة السادسة: إقامة الخطب للحاجة، ونفض القلوب وتوعيتها للتبصر بطريقها إلى الله ﵎. المسألة السابعة: قول الرسول ﷺ : ﴿أمَّا بَعْد﴾ في خطبته. المسألة الثامنة: الهدية وما ورد فيها.

стр. 4590

عظم مسئولية الإمارة أعظم قضية في هذا الحديث أن الرسول ﵊ قام على المنبر، فجمع الصحابة من المهاجرين والأنصار، فقال: ﴿ما بال رجال أبعثهم لأخذ الصدقات، فيأتي أحدهم فيقول: هذا لكم، وهذا أهدي إلي، والذي نفسي بيده، لا يأخذ أحدكم شيئاً ليس له إلا أتى به يوم القيامة﴾. تصور قوله: إلا أتى به يوم القيامة! فمن يأتيك بالمال الذي في الدنيا؟ ومن يأتيك ببقر وغنم الدنيا؟ لكن يأتي بها الله ويصورها على أكتاف الناس. ثم قال ﵊: ﴿فلأعرفن﴾ جاءت اللام للقسم، وقيل: ﴿فلا أعرفن﴾ للنفي وهي الأصح. قال: ﴿فلا أعرفن﴾ كأنه يقول: أرجوكم لا تحرجونني يوم العرض الأكبر عند الله، لا تخيبوا الأمة المحمدية بالخيانة، لا تفضحوا الأمة على رءوس الأشهاد. يقول: ﴿فلا أعرفن﴾ أي: لا أرى هذا المشهد، ﴿لا أعرفن رجالاً يأتون وعلى كتف أحدهم بعير له رغاء﴾ الحديث. من سرق أو غل أو خان في الدنيا ببعير، حمله على أكتافه يوم العرض الأكبر, صحت بذلك الأحاديث، ويأتي البعير لا يأتي وهو ساكت، يأتي وله رغاء في الموقف والناس يشهدون، نسأل الله العافية والسلامة. لأن ذلك موقف المنائح أو الفضائح، إما إنسان سدد واتقى الله في المال، وخاف في الولاية أو المسئولية فهو ممنوح ومشروح، أو إنسان سلم منها سلامة مطلقة، فأتى الله وهو أبيض نقياً. إما إنسان مفضوح يوم العرض الأكبر، فيأتي وليس البعير ساكتاً ولكن للبعير حمحمة ورغو وزبد، يرغو حتى يسمعه الناس، ليعلموا فضيحة هذا الرجل. في الدنيا تستر عن جيرانه، وتستر عن زوجته في بيته وعن أطفاله، لكن الذي يعلم السر وأخفى هو أعلم بأنه خان وبأنه غل، ولذلك فإن الغادر يأتي بلواء منصوب مكتوب عليه: هذه غدرة فلان بن فلان، ولا حسرة, ولا ندامة, ولا كسف, ولا كسحة, إلا في ذلك اليوم. الدنيا همها سهل وبسيط، وهي نسبية (ستون سنة أو سبعون) وينقضي فيها ومن فيها، لكن على رءوس الأشهاد يوم العرض الأكبر ﴿أو بقرة لها خوار﴾ يأتي والبقرة محملة على ظهره تخور أمام الناس، لتخبر أنه خان في مال الله ، الذي استرعاه الله فيه، ولذلك ما بلغ الصحابة إلى هذا الزهد والتقشف والاحتماء من أموال الناس هذه المنزلة، إلا بسبب هذه الأحاديث وأمثالها.

стр. 4591

عظم المسئولية عند أبي بكر وعمر يموت أبو بكر وما خلف إلا ثوبين وبغلة وشيئاً من مال، ويقول: [[اذهبوا بها إلى عمر بن الخطاب، وقولوا لـ عمر: يا عمر! اتق الله لا يصرعنك الله كمصرعي]] فلما وصلت إلى عمر بكى حتى جلس، وقال: [[أتعبت الخلفاء بعدك يا خليفة رسول الله!]]. ولما تولى عمر الخلافة ما أخذ قليلاً ولا كثيراً حتى يقول على المنبر: [[والله الذي لا إله إلا هو، ما أخذت من مالكم شيئاً إلا بردتين (ثوبين) ثوب في الصيف وثوب في الشتاء]] وعين له راتباً كان يقوم بأحواله كفافاً، فإذا بقي دقيق، أو شيء من زبيب أو سمن رده إلى بيت المال. لما اشتهت زوجه الحلوى قال لها من أين لي ثمن الحلوى فأشريها حسبي وحسب القوافي حين أرويها أني إلى ساحة الفاروق أهديها يا رب هب لي بياناً أستعين به على حقوق العلا قد نام راعيها قل للملوك تنحوا عن مناصبكم فقد أتى آخذ الدنيا ومعطيها هذا هو التاريخ المشرق، هذا هو الرجل القرآني الفذ الذي رباه رسول الله ﷺ ، وسوف يمر بنا على الطريق مع علي وأبي ذر وأبي ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾ [الأنعام:٩٠] وسوف نستمع إلى أخبارهم في الإمارة. ﴿أو شاة تيعر﴾ أو يأتي هذا الرجل الخائن الذي خان في شاة عليه الشاة، وفي حديث أبي ذر وأبي هريرة اللذين هما في الصحيحين ﴿أن من غل ذهباً صفحت له صفائح فأحرق بها﴾ وهذا شاهده في القرآن، وهو الذي يكنز ويغل ويخون ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ * يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هَذَا مَا كَنَزْتُمْ لأنْفُسِكُمْ فَذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَكْنِزُونَ﴾ [التوبة:٣٤ - ٣٥]. يا خونة! هذا كنزكم، يا خونة! هذا ميراثكم، يا خونة! هذا مالكم في الدنيا. فالله الله أن يراقب الإنسان نفسه مع الله، ولا يستصغر أي مسئولية، قال ﷺ : ﴿كلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته﴾ درهم واحد، ريال واحد، شيء من حب، شيء من زبيب، شيء من ثياب، إنها مسئولية أمام علام الغيوب : ﴿وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَتَرَكْتُمْ مَا خَوَّلْنَاكُمْ وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ وَمَا نَرَى مَعَكُمْ شُفَعَاءَكُمُ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكَاءُ لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ وَضَلَّ عَنْكُمْ مَا كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ﴾ [الأنعام:٩٤]. يقول ﵊: ﴿اللهم من ولي من أمر أمتي شيئاً فرفق بهم فارفق به، ومن شق عليهم فاشقق عليه﴾ هذا الحديث صحيح، فمن رفق ورحم ﵀، ومن شق عليهم وأخذ أموالهم وأتعسهم أتعسه الله في الدنيا والآخرة، وفي حديث لكن في سنده نظر: ﴿الناس عيال الله أحبهم إلى الله أنفعهم لعياله﴾ وقد ضعفه كثير من العلماء ولو أن معناه صحيح. لما عرف الصحابة تيقنوا أن الإمرة لا تصلح أبداً، وأنهم إذا أقدموا على الإمرة أقدموا على النار، فكانوا يستعفون الرسول ﵊، يقول لأحدهم: اذهب يا فلان، يقول: اعفني يا رسول الله من الإمرة. قام ﵊ في الناس خطيباً في المسجد، فقال: ﴿والذي نفسي بيده، لا نولي أحداً منكم على عمل فينقصنا ولو مخيطاً أو شعرة إلا أتى بها يوم القيامة، فقام رجل أسمر من الأنصار، فقال: يا رسول الله! خذ عملك والله لا أتول لك عمل، قال: ولم؟ قال: سمعتك تقول: كيت وكيت، فرفع ﵊ أصبعه وقال: والذي نفسي بيده، لقد قلته، والذي نفسي بيده، إني أقوله الآن، أن من تولى عملاً فنقصنا مخيطاً أو شعرة ليأتين به يوم القيامة﴾ أو كما قال ﵊، فأحجموا جميعاً. حتى يقول عمر: [[ما أحببت الإمرة في الإسلام إلا مرة واحدة]] ما هي يا أبا حفص هذه المرة؟! ما هي هذه الليلة التي أحببت فيها الإمرة وأنت لا تحب إلا الآخرة؟ يقول: ما أحببت المنصب والتولي إلا مرة واحدة! اسمع يا هذا إلى الصادق، الصادق مع الله، والصادق مع القرآن، والصادق مع نفسه ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [العنكبوت:٦٩] يقول -وهو حديث أسوقه من رواية ابن عباس، قال- ﴿أرسل ﷺ لفتح خيبر أبا بكر فلم يفتح عليه، ثم أرسل عمر فلم يفتح عليه، فاهتم الناس وباتوا يدوخون ليلتهم كيف تفتح خيبر؟ تحصن بها اليهود حتى تعرضت لجيش المصطفى ﷺ ، وأراد ﷺ أن يقتحمها اقتحاماً، لكن أراد أن يفتحها أولاً بجيش وكتيبة، لكن في الليلة الثالثة صمم ﵊ على اقتحامها بكرة النهار، وأحرق شيئاً من النخل والمزارع﴾ حتى يقول حسان وهو يمدح الرسول ﷺ في قصيدة عسكرية رائعة، ويذم اليهود: وهان على سراة بني لؤي حريق بـ البويرة مستطير يقول: الأمر سهل، انظروا بني لؤي -أي: أسرة الرسول ﷺ ماذا فعلوا بكم يا إخوان القردة والخنازير؟ فأتوا تلك الليلة وناموا وهم في هم لا يعلمه إلا الله، تحصنت خيبر، والرسول ﷺ والصحابة قلت نفقتهم، وذهب طعامهم وشرابهم، وأتاهم أمر عظيم، فقال ﷺ ، بعد صلاة العشاء، في ليلة دامسة بطيئة النجوم، لكنها طيبة متفائلة بإذن الله: ﴿لأعطين الراية غداً رجلاً يحب الله ورسوله، ويحبه الله ورسوله﴾. ما أحسن هذا الرجل! فمن هو هذا الرجل؟! هو أبو الحسن علي بن أبي طالب. يقول محمد إقبال: أما أبوها فهو أكرم مرسل جبريل بالتوحيد قد رباها وعلي سيف لا تسل عنه سوى سيفٍ غدا بيمينه تياها يقصد فاطمة. فقال عمر: [[فأحببت الإمرة تلك الليلة]] يريد أن يكون هو، لا والله ليس للإمرة، ولا للفخر، ولا للشهرة، ولا للرياء والسمعة، ولكن لعله أن يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله، فكلهم ما أتاهم النوم، خاصة كبار الصحابة, الأسماء اللامعة، النجوم التي تأتي دائماً في المقدمة ما أتاهم النوم، يريدون هذه المواصفات، وبعد صلاة الفجر النبي صلى ﵊ بالناس، وعلي شاب فقير عليه كساء مخمل أتاه من البرد وكان أرمد تلك الليلة ما يرى مد يده أبداً. قادوه إلى الصلاة وهو في طرف الناس، ما طلب الإمرة ولا سعى لها ولا حرص عليها، قال ﵊: ﴿لأعطين الراية رجلاً يحبه الله ورسوله، ويحب الله ورسوله يفتح الله عليه﴾. أين علي بن أبي طالب؟ قال الصحابة: يا رسول الله! مريض ما بات البارحة، ولا يبصر شيئاً أبداً، فذهبوا إلى أبي الحسن رجل المواقف المشهودة في الإسلام فأخذوه، ولذلك يقول وهو يبكي لما مرَّ بسورة الحج: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ﴾ [النساء:٤٨] قال: [[أنا أول من يجثو عند الرحمن يوم القيامة للخصومة على ركبي يوم أتحاكم أنا ومن بارزني في بدر]]. يقول: أنا أول من يجلس على العرصات في القيامة للخصومة يوم أتحاكم أنا ومن بارزني في بدر؛ لأنه بارزه رجل من الكفار، وبارز هو رجلاً, كانوا ثلاثة من المسلمين وثلاثة من الكفار، فسوف يحكم الله بين الثلاثة والثلاثة. والقضية معروفة، الحق معروف والباطل معروف، لكن الله ليس بظلام للعبيد، يأتي بالثلاثة المبارزين من حزب الحق مع الثلاثة من حزب الضلال والغي، فيقول: لماذا تختصمون؟ ﴿هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ﴾ [الحج:١٩]. فـ علي -رجل المواقف أتى يقودونه بيده- حتى وقف أمام الرسول ﵊، قال: ﴿خذ الراية﴾ والرسول ﷺ يتبسم، قال: [[يا رسول الله! والله ما أبصر شيئاً حتى مد يدي]] أرمد العينين، فقرب منه ﷺ فتفل في عينيه، فإذا هو يرى كرؤية قلبه إلى الحق ما كأن به قلبة واحدة، فأخذ الراية بيده، قال: ماذا أفعل؟ -يتلقى التعليمات- ماذا أفعل يا رسول الله؟ أقاتلهم حتى يكونوا مثلنا، وعلي ﵁ وأرضاه الرجل الذي يضرب هامات الملاحدة والطغاة في سبيل الله. علي يجزر الكفار جزراً، قال ﷺ : ﴿يا علي! امش على رسلك، وادعهم إلى الإسلام فوالذي نفسي بيده، لأن يهدي الله بك رجلاً واحداً خيرٌ لك من حمر النعم﴾ فأخذ الراية. قال أحد الصحابة وأظنه بريدة بن حصيب: [[والله إنا كنا نهرول معه هرولة]] أي: يهرولون، كان شاباً متيناً قوياً، ولو أنه فقير لكن كان بطيناً، حتى أورد عنه في السيرة أن أحد الخوارج، قال: نراك زاهداً وأنت بطين، كبير البطن، قال: [[أما أعلاه فعلمٌ، وأما أسفله فنعمة من نعم الله]]. فأخذ يثب ويثب معه أصحاب الرسول ﷺ كالأسود، فأتى يناديهم: انزلوا يا أعداء الله! انزلوا لموعود الله! عرض عليهم الإسلام فلم يقبلوه، ثم نزل له مرحب في القصة التي مرت بنا كثيراً، فقتله علي وفتح الله على يديه، قال عمر: [[فما أحببت الإمرة إلا ذاك اليوم]]. أما غيرها فكان يتملص من كل جهة لا يريدها، حتى يوم تولَّى الخلافة في أول يوم وقت البريقات والتشريفات والهناء والترحاب قام يبكي على المنبر حتى ما استطاع أن يتكلم. عمر ﵁ أورد عنه ابن جرير أنه ما استطاع أن يتكلم أبداً، ثم قال في اليوم الثاني: [[اللهم إني بخيل فاجعلني كريماً لأوليائك، اللهم إني شديد فاجعلني رحيماً بأوليائك]] إلى آخر خطبته الصادقة ﵁ وأرضاه. أتى العباس عم الرسول ﷺ ورأى أن له حقاً في تولي الإمرة؛ لأن الرسول ﷺ كان يولي الناس، لا ينظر إلى نسب، ولا ينظر إلى أسرة، ولا ينظر إلى قبيلة بل ينظر إلى أتقاهم وأقربهم إلى الله وإلى رسوله ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات:١٣] حتى ورد في المسند أن الرسول ﷺ ، قال: ﴿لو كان سالم مولى أبي حذيفة حياً لوليته الخلافة﴾ سالم مولى ورقيق، حافظ للقرآن، يقول ﷺ : ﴿لو كان حياً لوليته الخلافة﴾ على المسلمين جميعاً. وسالم هذا يقول في اليمامة: [[بئس حامل القرآن أنا إذا انهزم المسلمون اليوم أو أوتي المسلمون من قبلي]] حضر اليمامة فاغتسل وتكفن، وكان يحفظ القرآن، وأخذ العلم وحفر لأقدامه إلى ركبه في الأرض، وقال: [[والله لا أتزحزح وقبري هنا]] فأتت كتائب مسيلمة، ووقف يقاتل ويقاتل حتى قتل في سبيل الله، فهذا هو سالم الذي قال فيه ﷺ ذلك. فـ العباس أتى وقال: يا رسول الله! وليت فلاناً، ووليت فلاناً أريد أن توليني ولاية، لأن المتولي يكسب، يكسب أولاً أناساً يخافونه، ويرهبونه، ويحترمونه، ويقدرونه، حتى أقل دائرة من الدوائر إذا كان رئيسها على ظهر المنصب وفي المنصب وجد تقديراً من الناس، لأن تقدير الناس في الغالب على الدنيا، لكن إذا عزل أصبح في طرف المجلس. وقبل ذلك يعانقونه وينادونه ويقولون: يا أبا سعيد، ويا أبا علي، ويا أبا عبد اللطيف, حياك الله وبياك، يا حسنة الدهر ويا بركة الزمان، لكن إذا انتهى، انتهى ودادهم معه. وكم في الحفل أبهى من عروس ولكن للعروس الدهر ساعد في قصيدة طويلة يقولها أحد الأدباء من الشافعية، معنى كلامه: أن هذه الدنيا تقاس بالرتب، لكن إذا انتهت رتب الدنيا فلا ينتهي الدين، ولذلك كان ميزان الصحابة تقوى الله ، فقال: يا رسول الله! ولني ولاية، قال: ﴿يا عباس! يا عم رسول الله! نفس تنجيها خيرٌ من إمارة لا تحصيها﴾. يقول: تريد النجاة من النار؟! تريد النجاة من العار؟! تريد النجاة من الحساب والعذاب والنكال؟! نفس تنجيها خير من إمارة لا تحصيها. بالله ماذا ينفع الإنسان يوم القيامة، وقد تولى إمرة الدنيا جميعاً، ثم لم يعدل ولم ينصف ولم يتق الله ثم خسر نفسه؟ والخاسر الخاسر من خسر نفسه، قال: ﴿نفس تنجيها ولا إمارة تحصيها﴾ فأخذها ﵁ وأرضاه وصية من المصطفى ﷺ ، ولكن أبا ذر لزهده ﵁ وأرضاه كان صريحاً، حتى يقول بعض العلماء: رُبي في الصحراء؛ فهو صريح كالصحراء، وعاش في الصحراء؛ فهو صادق كالصحراء، ﴿أتى إلى الرسول ﷺ ، فقال: يا رسول الله! وليت فلاناً، ووليت فلاناً، ووليت فلاناً، فلماذا لم تولني؟ قال: يا أبا ذر! والله إني أحب لك الخير كما أحب لنفسي -في بعض الروايات- يا أبا ذر إنك رجل ضعيف، وإنها أمانة، وإنها يوم القيامة خزي وندامة, نعمت المرضعة وبئست الفاطمة﴾. هذه الإمرة يقول ﷺ : أحب لك من الخير ما أحب لنفسي، وأنصح لك لأني أحبك ما أنصح لنفسي، فلا أنصحك أن تتولى أبداً، ثم قال له: إنك ضعيف، قالوا: ضعيف الرأي، ولا يدل ضعف الرأي على ضعف الفضل، بعض الناس من أولياء الله الأبرار قصره في الجنة كالربابة البيضاء، بعض الناس من أفضل الناس الذين يمشون على الأرض، لكن لا يعرف البيع ولا الشراء ولا يخادع، ولا يماكس، لكنه صادق، طيب القلب، وفيه طيبة وقرب وسهولة، ليس عنده تصريف ولا تحريف، لكنه يقوم بشئون دينه، فهذا من الفضلاء الكبراء. لكن بعضهم يجمع مع الدهاء والقوة في الدين والعمق قوة في الدنيا كـ عمر بن الخطاب، هذا رجل الدنيا والآخرة، إن أتيت في طريق الجنة وجدته من السابقين، وفي طريق الدنيا يقول: [[لست بالخب ولا الخب يخدعني]] يقول: أنا لست خباً، لكن ما يخدعني أحد، فنصح ﷺ أبا ذر، وقال: ﴿نعمت المرضعة وبئست الفاطمة﴾ أول ولاية المنصب والمسئولية والإدارة أو غيرها بشرى للناس وللأهل والأقارب، ويوم العزل يوم مأتم، فنعمت المرضعة وبئست الفاطمة، هذا أمر. ثم أتى أبي بن كعب ﵁ سيد القراء إلى عمر، فقال: يا عمر! كيف تولي الناس وتتركني؟ قال عمر: [[والله يا أبا المنذر! إني أحبك كحبي لنفسي، ولكن ما تركتك من الإمرة لئلا أدنس إيمانك]] فبقي وأخذها نصيحة من عمر، فلم يتول ولاية حتى لقي الله . هذه هي طائفة من بعض قصص الصحابة يوم أحجموا عن هذه الأمور، ولذلك كانوا يقفون أمام عمر فيوليهم، فيقول أحدهم: لا، لا أريد ذلك. يأتي بـ أبي عبيدة فيوليه إمرة الجيوش فيتملص ويحاول أن يتخلص، فيرغمه عمر ﵁، يأتي بـ سعيد بن عامر قال: والله لا أتولى، قال: [[والله لا تضعون الخلافة في عنقي ثم تذهبون وتتركونني]] فولاه غصباً. وهذا منهج السلف الصالح وصل حتى القرن الرابع والخامس إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، أتوا بـ أبي حنيفة ليولونه القضاء، فقال: أنا لا أصلح للقضاء، قال الخليفة له: كاذب أنت تصلح للقضاء، قال: مادام أني كاذب فلا أصلح للقضاء فتركه من القضاء، وأُتي به في المرة الثانية، وقال: أنا لا أصلح للقضاء، قال: تصلح، قال: ما أستطيع، فحاولوا معه وحاولوا، ثم جلدوه ثمانين جلدة وأعفوه من القضاء. وورد أن الإمام مالك حاولوا معه بكل الوسائل فرفض، وأتوا كذلك بـ إسماعيل بن إبراهيم بن علية فولوه القضاء، فذهب ابن المبارك فكتب له: ويلك من الله! إن في الحديث القضاة ثلاثة, اثنان في النار وواحد في الجنة، فانظر أن تكون من الاثنين، فكتب لـ ابن المبارك ما فهمت ما تقول. أبى هذا إلا أن نقشر له العصا، فكتب له قصيدة؛ لأنه ما فهم بالنثر فيفهم بالشعر، قال: يا جاعل العلم له بازياً يصطاد أموال المساكين أين رواياتك فيما مضى عن ابن عون وابن سيرين إن قلت أخطأت فقل لي إذاً زل حمار الشيخ في الطين فذهبت قصيدة طويلة، وكان ابن المبارك من أشعر الشعراء، وشعره من أجمل ما يقال! فذهب فلما قرأ القصيدة عرف، فبكى حتى بل الورقة، ثم دخل على هارون الرشيد، قال: شبتُ يا أمير المؤمنين! اعزلني، فعزله، قال: عرفت من ضلَّلك يـ ابن علية! قال: من هو؟ قال: ابن المبارك؛ لأنه ينصحهم ابن المبارك ولا يريد لإخوانه أن يتعرضوا على نار تلظى، النصيحة في الدنيا وليست في الآخرة، وابن المبارك لم يتول أبداً، وكذا الإمام أحمد وابن تيمية. مسألة: لكن هنا مسألة، أن يبقى هذا المنصب والدائرة والمكان بحاجة لك، وأنت -إن شاء الله- من أصلح الموجودين فلا تتأخر، قال يوسف ﵇: ﴿اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ﴾ [يوسف:٥٥] فيوسف رأى أن الأمور تنتهي، وأن الكفار يتولونها فتقدم لأخذها. وقد عزل عمر ﵁ أبا هريرة من البحرين، لماذا؟ لأن قدامة بن مضعون أحد الصحابة ﵁ وأرضاه من أهل بدر، يظن أن الخمر ليست محرمة: ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا إِذَا مَا اتَّقَوْا وَآمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ثُمَّ اتَّقَوْا وَآمَنُوا ثُمَّ اتَّقَوْا وَأَحْسَنُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [المائدة:٩٣]. قال: إنه ما دام أنه لا جناح علينا فيما طعمنا وشربنا فشرب الخمر، فأُتي به إلى عمر، وكان هو صهر عمر، أخت عمر عند هذا، ولكن عمر لا يعرف في الحق لومة لائم، بل على نفسه التي بين جنبه، فقال للصحابة وجمعهم ماذا ترون؟ قالوا: هو مريض، قال علي: [[نرى يا أمير المؤمنين أن تتركه حتى يتشافى، قال: لا والله؛ لأن يلقى الله وهو مطهر بالحد خير من أن يموت وما طهرته]]. فذهبوا إليه فسألوه، قال: الخمر ليست محرمة؛ لأن الله يقول: ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ [المائدة:٩٣] فاستشار الصحابة، قال علي بن أبي طالب: إن كان أصر على رأيه فيقتل بالسيف، وإن لم يكن فيجلد جلداً، فسألوه، فرأوا أنه متأول فجلدوه, وهو من الأخيار الأبرار الذين أخطئوا، والإجماع منعقد كتاباً وسنة ونقلاً على أن الخمر حرام، وأن من شربها في الدنيا لم يشربها في الآخرة، لكن هذا الرجل له عذر ولم يصله بلاغ من الله، وقد قدم دمه في خدمة الإسلام ﵁ وأرضاه. فعزل أبا هريرة لأنه أدلى بشهادته، لكن بصورة تختلف عما يطلب منه عمر، ثم أتى عمر واحتاج لـ أبي هريرة، قال: تولّ، قال: والله ما أتول، قال: ولم؟ قال: أخاف ثلاثة واثنتين، قال: قل خمساً، قال: لا. أخاف ثلاثة واثنتين، قال: ما هي الثلاث والاثنتين؟ قال: [[أخاف أن يجلد ظهري، ويؤخذ مالي، ويسفك عرضي، وأخاف في الآخرة أن أُوتى مغلولاً، وأن أرد على وجهي في النار، قال عمر: يا بن أم أبا هريرة! أنت خير أم يوسف الذي يقول: ﴿اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ﴾ [يوسف:٥٥] قال: يوسف كريم ابن كريم ابن كريم، وأنا ضعيف ابن ضعيف ابن ضعيف]] أو كما قال، وهو صادق ﵁. فمن وجد في نفسه قوة كما أفتى في ذلك أهل العلم، حتى ابن تيمية في باب القضاء: يقول: إذا تركت القضاء عند المسلمين، ورأيت أمور المسلمين تضيع، ويتولاها كل فاجر لا يؤمن بالله ولا باليوم الآخر، يريد المال من أي جهة، ثم يستعبد عباد الله ويجعلهم خولاً، فهذا يستثنى في هذه الصورة، إذا رأى الإنسان من نفسه قوة، وعلم أنه سوف يتقي الله .

стр. 4592

أخذ الصدقات من الناس إن الله كتب الصدقات، والصدقات إذا أطلقت في القرآن معناها: الزكاة، وجعل هناك عمالاً، قال في سورة التوبة: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ [التوبة:٦٠] فكان ﵊ لا يترك الصدقات في أيدي الناس يتلاعبون بها، بل كان يرسل عماله، وفي الصحيحين أنه أرسل معاذاً، والشاهد قال فيه: وأخبرهم بعد الصلاة: ﴿وأن الله افترض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم فترد على فقرائهم، وتوق دعوة المظلوم -وفي لفظ- إياك ودعوة المظلوم؛ فإنها ليس بينها وبين الله حجاب﴾. فأرسله ﷺ ليقبض الصدقات ولم يتركها للناس، فكان من أبر الناس, ومعاذ ﵁ لم يتدنس من مالهم بشيء. وممن أرسلهم ﷺ لجمع الصدقات من الناس عمر بن الخطاب، فمر بالناس جميعاً، وأتى -وهذا الحديث صحيح- وقال: ﴿يا رسول الله! كل الناس دفعوا لي الصدقة إلا ثلاثة، قال: منهم؟ قال: عمك العباس وخالد بن الوليد وابن جميل، قال: أما عمي فيا عمر! أما علمت أن عم الرجل صنو أبيه هي علي ومثلها﴾ لأن العباس أقرض الرسول ﷺ قرضةً لسنتين، واستحى يوم أن أتوا يأخذون منه الصدقة أن يقول: أعطيتها الرسول ﷺ فأمسك الصدقة؛ لأنه يعرف أنهم سوف يعرفون أنها عند بيت المال. قال ﷺ : ﴿وأما خالد فإنكم تظلمون خالداً، لقد احتبس أدرعه وأعتده في سبيل الله﴾. يقول: شيء أوقفه في سبيل الله تطلب منه الصدقة، خالد كان له مائة فرس، ومائة سيف، ومائة درع في بعض الروايات، قال: هي وقف في سبيل الله. يقولون معن لا زكاة لماله وكيف يزكي المال من هو باذله هو البحر من أي النواحي أتيته فدرته المعروف والجود ساحله ولو لم يكن في كفه غير روحه لجاد بها فليتق الله سائله ﴿وأما ابن جميل فما ينقم إلا أن كان فقيراً فأغناه الله﴾ هذا ابن جميل فيه نفاق، ولعله تاب من ذلك؛ فإنه منع الصدقة وقد كان فقيراً، والذي دعا له الرسول ﵊ ثم منع الصدقة؛ في الأخير أنزل الله : ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتَانَا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ * فَلَمَّا آتَاهُمْ مِنْ فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ وَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ * فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقاً فِي قُلُوبِهِمْ إِلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِمَا أَخْلَفُوا اللَّهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُوا يَكَذِبُونَ﴾ [التوبة:٧٥ - ٧٧]. هذا في ابن جميل وأمثاله، والشاهد: أن الرسول ﵊ كان يرسل أصحابه، لكن يرسل الأمناء، فيرسل أهل الأمانة، والاستقامة، أرسل للنصارى أبا عبيدة، وقال: ﴿لأرسلن معكم أميناً جد أمين﴾. ويشترط في من يتولى الأموال على الزكوات والصدقات والتبرعات وهذه الأمور، أن يكون عنده قوة وأمانة. القوة العقلية: يكون مصرفاً، مقدماً، محرفاً، مزيلاً، محيلاً. والأمانة أن يكون أميناً، ولذلك تقول ابنة الرجل الصالح, قيل: شعيب أو غيره: ﴿يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ﴾ [القصص:٢٦] فأمانة بلا قوة ضعف، وقوة بلا أمانة فجور، والقوي والأحسن والأطيب، أن يكون قوياً أميناً. فأرسل صلى الله عليه سلم مع وفد نجران أبا عبيدة، وقال: ﴿لأرسلن معكم أميناً جد أمين﴾ والرسول ﵊ أرسل عبد الله بن رواحة يشاطرهم النخل، ويخرس نخل اليهود، فوصل إلى اليهود -وانظر إلى إخوان القردة والخنازير، الذي يربى على الخساسة يموت على الخساسة، والذي يعرف الدساسة يموت على الدساسة والنجاسة والانحراف والعياذ بالله- أتوا فجمعوا لـ ابن رواحة أموالاً، لماذا؟ رشوة، سبحان الله! ما وجدتم إلا عبد الله بن رواحة الذي ينتظر الموت صباح مساء في سبيل الله، ما يريد الدنيا إلا لمرضاة الله، أما وجدتم إلا صحابياً من أصحاب الرسول ﵊ وهو أحسن من مشى على الأرض. فأتوا وقالوا: يا ابن رواحة! خذ هذا المال، وراعنا في الخرص، فاحمرّ وجهه حتى أخذ ينتفض، ثم قال: [[يا إخوان القردة والخنازير! والله الذي لا إله إلا هو، إنكم أبغض عندي من أمثالكم، ومن عدّتكم من القردة والخنازير، وإن هذا لا يمنعني أو لا يحملني على الحيف -أي: على ظلمكم- والله لا أظلمكم ولا آخذ هذا قيد أنملة]]. قالوا: بهذا العدل قامت السماوات والأرض، وعاد ابن رواحة إلى الرسول ﵊، فلما علم الله أمانة ابن رواحة وصدقه رزقه الشهادة في سبيله. ولذلك ثبت في الصحيح، أنه اتكأ في حجر امرأته - كان ابن رواحة من الشجعان الكبار من الأنصار، وكان شاعراً مجيداً يشعر في المعمعة- يقول: أقسمت يا نفس لتنزلنه لتنزلن أو لتكرهنه إن أقبل الناس وشدوا الرنة ما لي أراك تكرهين الجنة هل أنت إلا نطفة في شنة جلس ابن رواحة يقرأ القرآن في حجر امرأته، وأخذ يبكي ودموعه تسيل على لحيته، قالت: مالك؟ قال: ذكرت قوله : ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْماً مَقْضِيّاً * ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيّاً﴾ [مريم:٧١ - ٧٢] فأخاف أن أترك وأطرح في النار ثم لا ينظر إلي. فلما أخبر ﷺ في بعض الآثار، قال: ﴿لينجه الله ﴾ كما قال : ﴿وَيُنَجِّي اللَّهُ الَّذِينَ اتَّقَوْا بِمَفَازَتِهِمْ لا يَمَسُّهُمُ السُّوءُ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [الزمر:٦١] فنجاه الله بمفازته من الإيمان، حتى رأى ﷺ سريره من ذهب يعترض في جو وسماء المدينة ليدخل الجنة، وقتل في مؤتة في أرض الأردن هناك حيث يعرفهم الله . عدو القتلى لـ عمر في معركة بها شهداء، فقالوا: فلان بن فلان قتل، وفلان وفلان ولا نعرف كثيراً، فدمعت عين عمر، وقال: [[ولكن الله يعرفهم]] يعرفهم ، يعرف أين ولدوا، ويعرف كيف نشأوا، ويعرف الصادق من الكاذب، ويعرف المقبل من المدبر، فهو العالم بكل شيء. هذا ابن رواحة ﵁ الذي عرضوا له المال؛ لأنهم قردة وخنازير، يقدمون له رشوة، ولا يعلمون أن قلبه أكبر من الرشوة، لأن قلبه عظيم، يحب الله ورسوله فلا يحب الدنيا أبداً. خذوا كل دنياكم واتركوا قلبي حراً طليقاً غريبا فإني أعظمكم ثروة وإن خلتموني وحيداً سليبا

стр. 4593

محاسبة العمال حق على المسلم الذي يتولى ولاية, وهو رئيس في دائرة, أو في مكان أو مجمع، أن يحاسب من تحت يده من رؤساء المكاتب، ومن المسئولين عن الأقسام والشعب والدوائر؛ ليلقى الله وقد حاسبهم، فإن ترك الأمور هكذا مبثوثة، فهذا معناه: الوهن والفشل والضياع، والرسول ﵊ من هذا الحديث حاسب عماله. أرسله ثم لما أتى اعترضه، وقال: أين المال؟ أين الزكاة؟ فأخبره هذا, ولكنه فصل جزءاً من الزكاة لوحده، وقال: هذا لي، فغضب ﵊ وأعلن تذمره ﷺ من هذا التصرف، ثم تكلم ﵊ بالكلام الذي سمعتم، فيؤخذ منه المحاسبة، وعدم ترك الأمور تذهب هكذا! ويقاس على ذلك: من كان مسئولاً في كلية، أو مدرسة، أو معهد، أو ثانوية، أو دائرة حكومية، أو مصلحة، أو شركة، أو مؤسسة، أن يتفقد دائماً من تحت يده بالحساب، وبالجلسة، وبالاستقراء من أخبارهم، ومتابعة دوامهم، وحضورهم، وذهابهم، وأدائهم للدروس، وتحضيرهم للمحاضرات والحصص فإن الله سوف يسأله عن رعيته، وعن أساتذته، وعمّن تحت يده، هذا هو أمر الإسلام في هذا. عمر ﵁ وأرضاه يحاسب عماله، إذا لم يحاسب عمر عماله فمن يحاسب عماله؟! هو يحاسب نفسه قبل أن يحاسب الناس، ويحاسب زوجته في البيت وأبناءه، يأتي يوم عرفة في الحج الأكبر، فإذا حميت الشمس واجتمع الناس دعا عماله وصفهم بجانبه من ميمنته وميسرته، والي العراق، ووالي اليمن، ووالي مصر، ووالي الشام، كل الولاة في الأقاليم يجمعهم، ثم ينادي بالحجاج يا أيها الحجاج: هذا والي مصر -مثلاً- عمرو بن العاص تعالوا حاكموه، فيأتي كل أحد يتكلم بين يديه، هذا وهذا، فيحكم بينهم في يوم الحكومة الكبرى، يوم حقوق الإنسان، يوم أداء المظالم، يوم يتجلى الله للناس . حتى يأتي مصري، فيأتي بابنه، فيقول: مالك؟ قال: ابن هذا -أي: ابن الأمير عمرو - ضرب ابني، قال: ولم؟ قال: ابنه محمد سابق ابني فسبقه ابني على الفرس، فقال: أتسبقني وأنا ابن الأكرمين؟ فضربه، فقال عمر لـ عمرو: [[متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحراراً؟]] متى بدأ هذا البيان عندكم ونحن في الإسلام أعرف بالإسلام؟ فأخذه وأخذ ابنه، وقال للصحابة: [[لا يحول بيني وبينهم أحد فأخذ يضربهم بالدرة]] وعمرو يقول: [[الله الله في نفسي يا أمير المؤمنين]] فأدبهما ﵁ وأرضاه حتى رضي المصري. يقول حارث بن زياد فلما دخلت نظر إلي عمر وسأل عن أخباري، قال: فسددت والحمد لله -أي: في الكلام- هو مسدد أمام داهية الدنيا، أمام إنسان أعطاه الله من الفطنة والذكاء, فجعله ملهماً تنطق السكينة على لسانه، يقول ابن عمر: [[كنا نتحدث: أن السكينة تنطق على لسان عمر ﵁ وأرضاه]]. ويقول علي: [[لقد كفنت سعادة الإسلام في أكفان عمر ﵁]]. ويقول ﷺ : ﴿إن يكن أناس محدثون بعدي وملهمون فإنه عمر بن الخطاب﴾. فأخذ يسأله، قال: فلما أردت أن أقوم؟ قلت: -قال حارث بن زياد: وليتني تركت هذه الكلمة- عندما نظرت إلى عمر وعليه ثياب ممزقة ومرقعة، وهو يأكل خبز الشعير في ملح وزيت، فقلت: يا أمير المؤمنين! غيرك أولى بهذا، تكون بملبس رضي، ومطعم شهي، ومركب وطي، قال: فدخل؛ فأخذ خشبة؛ فضربني على رأسي، قال: [[ثكلتك أمك، والله إني كنت أظن أنك خير من ذلك، اذهب والله لا تلي لي ولاية]]. هذا عمر بن الخطاب ﵁ وأرضاه، العدل والتولية عنده كشرب الماء، كله رضى لله ، لا يفعل شيئاً إلا إرضاءً لله وهو مسدد. ولذلك كانوا يتحذرون منه دائماً وأبداً لأنه شديد الرأي، وسخره الله في تلك الفترة ليحفظ به الإسلام، وقوة الإسلام وعمقه، هذا عمر بن الخطاب ﵁ وأرضاه. ومثل هذا علي بن أبي طالب، ثبت في البداية والنهاية من حديثه ﵁ وأرضاه، أنه لما جمع الصدقات في الكوفة، أخذ بيت المال فوزعه، ثم غسله، ثم صلى ركعتين، ثم استقبل القبلة، قال: [[اللهم اعلم واشهد أني ما أخذت لأهلي حبة ولا درهماً ولا ديناراً ولا زبيبةً خوفاً منك]]. ثم يأتي عمر بن عبد العزيز المجدد، فيحاسب عماله، تولى الإمرة، وأول ما أخذ الخلافة أتى بكيس معه، وأتى بـ مزاحم مولاه -هذا مزاحم يأتي ومعه السيف دائماً ومعه مقص- وأتى بكيس، وجلس على المنبر، وناظر الناس جميعاً، والأمراء من بني أمية في الصف الأول، والوزراء والعلماء والناس، يتولى أمر الأمة الإسلامية من سمرقند إلى أسبانيا، ومن تركستان إلى جنوب أفريقيا، فجلس على المنبر، وقال لـ مزاحم: اُخرج عليّ الصك الأول، فخرج فقرأ صكاً للعباس بن الوليد بن عبد الملك، أنه أخذ أرضاً في حمص ليست له ولا لأبيه ولا لأمه، فلما قرأ عليه قصَّه من أوله إلى آخره ورمى به، فقام العباس من هناك، وقال: والله لا تفعل، ولا تستطيع أنت ولا أبوك ولا أمك -يقول لـ عمر بن عبد العزيز - قال: عليَّ برأسه يا مزاحم! أعطني رأسه واترك الجثة، فسل سيفه، قال العباس: لا. سمعاً وطاعة، فتركه، مادام أن الأمر سيصل إلى هذه الدرجة فلا ﴿لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ﴾ [الكافرون:٦]. يظن الأمر هيناً، يقبل التفاوض، لكن مادام أن هناك سيفاً فلا أستطيع، هذا العباس بن الوليد وقصته عند ابن كثير، وهي أكثر ما أخذت عن عمر بن عبد العزيز حتى نغصوا عليه، وسمموه في أكله، فمات مسموماً، لكن شهيداً إن شاء الله، وترك الدنيا لأهل الدنيا، ولكن سوف يلقى الله في مقعد صدق عند مليك مقتدر.

стр. 4594

هدايا العمال غلول صح ذلك من حديث ابن مسعود ﵁ وأرضاه. الهدية التي تقدم للعامل أو للوالي أو للمسئول من أحد الناس الذين يتمصلحون غلول، لا يقول: هدية بل هي رشوة، لولا أنه في منصبه، ولولا أن عنده شيء ما له هدية، يأتي إليه يريد أن يأخذ منه أمراً، أو بينه وبين أحد الناس نقاشاً أو خصومة في أرض، فيذهب لا يتكلم في الأرض أولاً، بل يذهب ويقول لهذا المسئول: أريد أن تشرف بيتي شرف الله قدرك، أحبك في الله حباً جماً حتى ما أنام الليل من محبتك، فيقول: ماذا حدث؟! قال: أحبك أن تشرف هذا البيت، وهو لم يعزمه من قبل أبداً، فيأتي فإذا عزمه، قال: فلان اعتدى علي وخاصمني، وأخذ أرضي، ماذا ترى؟ ذاك ينصرف قلبه إذا لم يكن فيه إيمان كالجبال؛ لأن الناس عبيد من أحسن إليهم. أحسن إلى الناس تستعبد قلوبهم فطالما استعبد الإنسان إحسان كان المغيرة بن شعبة أميراً في الكوفة، فجعل خادمه عند الباب، وقال له: لا تدخل أحداً من الناس إلا من آذن أنا بدخوله، فأدخل من أذن له إلا واحداً أتى عرفه فأدخله، فقال المغيرة: لماذا أدخلته؟ قال: أدخلته لأمر، قال: ولماذا؟ قال: أحسن لي يوماً من الأيام، قال: أحسنت، إن المعروف ينفع حتى في الكلب! ولذلك قال الجاحظ وغيره: أحفظ الحيوانات للود الكلب، إذا أحسنت للكلب حفظ الود ولا ينساه، حتى يقول أحمد شوقي يهجو حافظ إبراهيم شاعر وادي النيل، يقول: فأودعت إنساناً وكلباً أمانةً فضيعها الإنسان والكلب حافظ أي: أن الكلب يحفظ لكنه يقصد حافظ إبراهيم. وعلي بن الجهم كان يرعى غنماً ومعه كلاب في البادية ما يعرف من الحضارة شيئاً، ما رأى في حياته قصراً ولا حديقةً، ولا رأى بستاناً، ولا رأى جسراً، ولا رأى جيشاً، فقط يرى التيس في الصباح يتصارع مع التيس، ويرى الكلب ينبح، فيظن الحضارة والإنسانية في هذا المحصول، وهو شاعر من أقوى الشعراء، وقد سبق هذا لكن بإعادته تتم الفائدة، فدخل على المتوكل يوم عيد الفطر، قال المتوكل: ماذا عندك؟ قال: عندي قصيدة؛ لأن الشعراء جميعهم يمدحون الخليفة، وكل الناس جالسون في المجلس, من حضر، قيل له: تفضل قل، قال: أنت كالكلب في حفاظك للود وكالتيس في قراع الخطوب فقاموا يبطشون به أرضاً، فقال المتوكل: اتركوه، هذا رجل عاش في البادية ما رأى إلا التيس والكلب وقد مدحنا بما عنده، أي: أن أقصى ما عنده قد مدحنا به، فأنزلوه سنة في الرصافة ليرى الجمال والحدائق والبساتين ونهر دجلة والفرات ثم يأتي بعد سنة. فأنزلوه فلما رأى الحدائق، ورأى الجمال، ورأى القصور، وأكل الدجاج الطري رجع بعد سنة، فقال قصيدته اللامعة في تاريخ الأدب مطلعها يقول: عيون المها بين الرصافة والجسر جلبن الهوى من حيث أدري ولا أدري وأسكت الشعراء في ذلك اليوم، ثم مدح الخليفة بمدح بلغه النجم أو الثريا. هذا علي بن الجهم، لكن ما هو الشاهد معنا؟ الشاهد: أن إسداء هذه الأمور والخدمات للناس وللعمال خاصة, معناها: رشوة، لكن استثنى الفقهاء من إذا كان بينهم هدايا من قبل، كأن يكون حبيباً له، وليس عنده معاملة ولا مشكلة ولا شيء من أمور الدنيا، فله أن يهدي له، يذهب ويعطيه ما تيسر ويأخذ هديته، أما أن يقف؛ فإذا أتت أمور من أمور الدنيا أهدى له فهي غلول، يلقى الله وقد غلها ويعيدها يوم القيامة ﴿وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [آل عمران:١٦١]. فهذا أمرٌ لا يغيب عن الأذهان. أيها الإخوة الفضلاء: إن هدايا العمال غلول، والهدية للعامل رشوة ﴿يَا دَاوُدُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [ص:٢٦] فحق على أي مسئول عنده لبعض الناس مراجعة أو مداولة أو مرافعة، ألا يقبل من أي خصم خدمة من الخدمات؟ ولذلك قال في آداب القاضي: ألا يكون معزوماً عند الناس، لا يجعل بيوت الناس مقاهي دائماً، السلام عليكم يذبحون له، سوف ينصرف قلبه يوماً من الأيام. القاضي يكون قاضياً عالماً، له هيبة وقيمة، ولا يكون خادماً يتجول في بيوت الناس ويأكل ويشرب على سفرهم، ثم يأتي في اليوم الثاني ويجالس الخصوم، ويعرف أن هذا أكرمه، وهذا ما أكرمه، حينها سوف يخفق في القضايا ويفشل فشلاً تاماً، إلا إذا كان صارماً كالسيف. قال أهل العلم: لا بأس أن يحضر في الولائم كالزواجات إذا كان من وجوده فائدة ونفع وكان متكلماً، وكان يعظهم ويأمرهم، وينهاهم فلا بأس، أما أن يصبح سبهللاً في كل وادٍ وكل مكان، فهذا فيه ريبة وشبهة وشك والعياذ بالله، هذا أمر يتنبه له. الرشوة في صورة الهدية: يأتون بالرشوة ويقولون: هذه هدية لك وهي رشوة، فالأسماء لا تغير المعاني، يقول ﵊: ﴿أناس يأتون في آخر الزمان يشربون الخمر يسمونها بغير اسمها﴾ يتناولون المخدرات، يقولون ليست بخمر، شيء من المعطيات والتركيبات الكيميائية يسمونها: مشروبات روحية، وهي خمر، فهذه الأسماء لا تغير حقيقتها، الرشوة رشوة ولو سماها صاحبها صدقة أو هدية أو زكاة، هي رشوة. أقسام الرشوة: والرشوة لها أقسام: وهي هدية العمال: منهم من يرشي العامل ويظن أنه يهدي له بالعزائم والولائم، ومنهم من يقدم له الخدمات، ومنهم من يكثر الزيارة حتى يصادقه، ومنهم من يجاوره، ومنهم من يرسل عليه أناساً. ومنهم من يتداولون المنافع كأن يكون هذا مسئول في دائرة وذاك مسئول في دائرة أخرى، فيقول: اخدمنا في هذا المعاملة، أو أنجزنا فيها وسوف تراها -إن شاء الله- محفوظة لك عندنا. يحفظه في مال الله، يتصرف في معاملات ومسئوليات وضعها الله في عنقه، ولن نقصر عليك إن شاء الله، فينفذ له هذه المعاملة على أن ينفذ له ذاك معاملة، فإن كان منها إضرار بالمسلمين، فهذا -والعياذ بالله- هو الغلول، وهو الرشا بالخدمات ليس بالمال, هذا أمر يعرف.

стр. 4595

التعميم في الدعوة بلا تشهير ومن مسائل الحديث التعميم في الدعوة بلا تشهير: نحن أمرنا أن نكون هينين لينين بالمسلمين وألَّا نشهر بالناس، ولا نعلن الأسماء على المنابر، الرجل هذا اسمه عبد الله بن اللتبية، والرسول ﵊ يعرف أنه عبد الله بن اللتبية، ويعرف أنه أزدي من أزد شنوءة، لكنه لم يقم يوم الجمعة، ويقول: يا أيها الناس! اسمعوا أرسلنا عبد الله بن اللتبية إلى بني سليم قبل أيام، ففعل وفعل، لا. هذا أسلوب جارح، إنه أسلوب لا ينفع، إنه أسلوب إحباط المساعي، لكن الرسول ﵊ لا يستخدم التشهير أبداً، يعمم المقال فيعرف المخطئ أنه أخطأ، ولكن الناس لا يعرفون من هو المخطئ فيتنبهون. فحق على الإنسان أن يتجنب التجريح والتشهير بالناس، ذواتاً، ومناصب، وأسماء لتبقى دعوته طيبة وتقبل، ويعرف الحق ويؤخذ، فهذا درس من هديه ﷺ في تصرفاته مع الناس، وفي الدعوة، والحكمة، والقول اللين: ﴿فَقُولا لَهُ قَوْلاً لَيِّناً لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى﴾ [طه:٤٤].

стр. 4596

الخطب للحاجة كان ﷺ إذا سمع أمراً يشوش على الناس، أو يحتاج إلى تنبيه قام فخطب الناس. تكسف الشمس، فقال الناس: كسفت لموت إبراهيم ابنه ﷺ ، فقام وأعلن أنها ﴿لا تكسف لموت أحد ولا لحياته﴾ يأتي أناس فقراء فلا يجدون من يعطيهم، فيقوم ﵊ يخطب ويخبرهم، وتأتي أمور وقضايا مهمة للناس، فيقوم ﷺ فيتكلم فيهم، مثل هذه الخطب تكون للحاجة ويجمع الناس لها، يبصرون بأمور دينهم حتى يكونوا على بينة. فصلى الله عليه وسلم، ما ترك خيراً إلا دلنا عليه، ولا ترك شراً إلا حذرنا منه، نشهد بالله العظيم، نشهد بأسمائه وصفاته أن رسوله أدى إلينا الأمانة كاملة مكملة، بيضاء نقية كالشمس، ما كتم ولا ظلم ولا خان، وإنما بلغها كالشمس بيضاء ليلها كنهارها، فعليه الصلاة والسلام، فإن كان تقصير فمنا، أما هو فاستشهد الناس -بأبي هو وأمي ﵊ يقف يوم عرفات والناس أمامه، بعد أن بلغ الجهد، وتعب، وظمأ، وجاع، وعذب، وشرد، وحورب، وذهب أصحابه، وفي الأخير يقول: ﴿يا أيها الناس! إن الله سوف يسألكم عني﴾. سبحان الله! الله يسأل الناس هل بلغكم؟ بعد هذا التعب وهذه المشقة، يقول للناس يوم حجة الوداع: ﴿إن الله سوف يسألكم عني فما أنتم قائلون؟ فقام كبار الناس ووجهاء الصحابة، يقولون: نشهد أنك بلغت الرسالة، وأديت الأمانة، وبلغت الأمة، قال: اللهم فاشهد، اللهم فاشهد، اللهم فاشهد﴾.

стр. 4597

قول: أما بعد ومن قضايا الحديث، قول: أمَّا بَعْد: قال بعض المفسرين لما قال : ﴿وَآتَيْنَاهُ الْحِكْمَةَ وَفَصْلَ الْخِطَابِ) [ص:٢٠] قالوا: فصل الخطاب: (أمَّا بَعْد) وأمَّا بَعْد لفصل ما بعدها عما قبلها، أو: أي الشأن هذا، أو: أمَّا بَعْد، فالشأن كيت وكيت، فالخطيب من آدابه أن يقول: أمَّا بَعْد: وهي غالباً اقتداءً به ﷺ ، ليكون فاصلاً بين كلامه، حتى استخدمت في الشعر، قال عبيد الله بن عبد الله بن عتبة، يكتب لـ عمر بن عبد العزيز قصيدة يرثي ابنه: باسم الذي أنزلت من عنده السور الحمد لله أمَّا بَعْد يا عمر

стр. 4598

الهدية وما ورد فيها ورد في الحديث لفظ هدية، فللفائدة نتكلم عن الهدية، في كتاب الأدب المفرد: ﴿الهدية تسل السخيمة﴾ لكن الحديث الذي أنا متأكد منه ومتيقن: ﴿تهادوا تحابوا﴾ وهو حديث حسن، وورد في حديث حسن آخر: ﴿الهدية تسل السخيمة﴾ السخيمة هي: ما يأتي في القلب من أحقاد بين الناس، وحبذا أن تجعلها ديدنك مع جيرانك ومع أقاربك تهدي له ولو شيئاً قليلاً، لا مالاً، إنما شيئاً قليلاً، كتاباً، شريطاً، ثوباً، ملبساً؛ لأنها تسل السخيمة وتذهب الجفاء، وهي أحسن من كثير من المال، قالوا: ولو أنها قليلة؛ فإنها جليلة، ولو كانت صغيرة فإنها كبيرة، فقال ﵊: ﴿تهادوا تحابوا﴾ فالهدية مطلوبة ولو كان سواكاً تقدمه لأخيك المسلم، فإنه يرى أنك اعتبرته، وأنك تذكرته، وأنك احتفيت به، سوف يحفظ لك هذه اليد. وقف ابن عباس ﵁ وأرضاه عند زمزم في الشمس، فأتى أعرابي فظلل ابن عباس بمظلته وابن عباس يشرب، ثم ذهب الأعرابي، وذهب ابن عباس، وبعد سنوات أتى الأعرابي قال: يا ابن عباس! لي عندك يدٌ أريد أن تكافئني بها؛ لأنه احتاج فهو فقير، قال: ما هي يدك؟ قال: رأيتك بين الحجاج تشرب من زمزم وقد صهرتك الشمس فظللتك بكسائي، قال ابن عباس: [[حياك الله من معرفة، أهلاً وسهلاً فأجلسه بجانبه، فأغدق عليه من المال والأشياء، وقال: سامحني ما كافأناك بيدك؛ لأنك نفعتنا في وقت شدة، ونحن نعطيك من رخاء]] أو كما قال ﵁ وأرضاه.

стр. 4599

رد الهدية وهديه ﷺ فيها انتهت مسائل هذا الدرس، ولو أن هناك كلاماً في الهدية أن الرسول ﵊ كان يقبل الهدية ويثيب عليها ﷺ ، أي: يكافئ عليها، أهدي له مرة أمبجانية فقبلها، وأهدي له ﷺ شيئاً فقبله، وكان يهدى إليه سمن فيأخذه ولكنه يرد ويثيب على الهدية، فيقول ﵊: ﴿لو دعيت إلى كراع لأجبته، ولو أهدي إليّ ذراع لقبلت﴾ وهذا من تواضعه ﷺ . فالحكمة أنك تقبل الهدية إذا علمت أنه لا يترتب عليها مفسدة في عرضك ولا في دينك، لأنك إذا رددت الهدية وجد صاحبها عليك، وكان هذا سوء تعامل مع الناس. مر الرسول ﵊ بـ صعب بن جثامة بـ وادي ودان فأهدى له شقاً من حمار -أي: حمار وحشي- فرده ﷺ ، وقال: ﴿إنا لم نرده عليك إلا أنا حرم﴾؛ لأنه صاده من أجله، فإذا علمت أنه يجرح شعوره رد الهدية فلا ترد الهدية، بل اقبلها وأثب عليها بالدعاء، وبإجازتها بهدية أخرى. والهدايا من أحسن ما يفعل، خاصة الهدايا التي تنفع في الآخرة من علم ونفع عام، نسأل الله التوفيق والهداية.

стр. 4600

الأسئلة

стр. 4601

لا ولاية لضعيف السؤال إنك ذكرت في أثناء الدرس أن النبي ﷺ قال لـ أبي ذر: (إني أحب لك ما أحب لنفسي، ولكن لا أريد أن أدنس إيمانك) فلماذا يولي الصحابة الآخرين؟ الجواب هذا إدخال كلام في كلام، عمر الذي يقول لـ أبي: [[لا أريد أن أدنس دينك]] والرسول ﷺ ، قال لـ أبي ذر: ﴿إنك ضعيف﴾ فهو ضعيف في رأيه، ويحب له الرسول ﷺ الخير، ولو أنه جاء في الحديث يحب الخير لعمه ولـ أبي ذر ذُكر كذلك. فالرسول ﷺ ولىّ الصحابة لأنهم يستطيعون، وأما أبو ذر وأمثاله فلا يستطيعون؛ لأن الأمر يحتاج إلى طاقات، وإلى قوة، وأبو ذر يمكن أنه تنقصه هذه الأمور، وهو رجل ضعيف ﵁ وأرضاه.

стр. 4602

سبب نزول قوله تعالى: (وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ) وبيان ضعف بعض الأحاديث السؤال قال : ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتَانَا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ﴾ في من نزلت هذه الآية؟ الجواب سبق أن قلنا أنها نزلت في ابن جميل وقال بذلك كثير من المفسرين. وقال بعضهم: في جماعة من المنافقين ولا تعارض، فـ ابن جميل قد كان فيه شيء من هذا، والمنافقون فعلوا ذلك، وليست العبرة بخصوص السبب، ولكن العبرة بعموم اللفظ. أما ثعلبة فليس حديثه بصحيح، ولو أن ابن جرير وابن كثير، وغيرهم من العلماء أوردوا قصته، فقصة ثعلبة لا تصح عند العلماء، وهي معارضة؛ لأنه ما قبل ﷺ صدقته، ولا أبو بكر ولا عمر، فبقي هكذا، وأهل الذنوب تقبل توبتهم: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ﴾ فالمقصود: أن هذه معارضة، القصة وسندها لا يصح، حديث ثعلبة لا يصح، هذا ولو استشهد به كثير من الخطباء فهو حديث لا يصح. ومثل ذلك على الذكرى حديث علقمة، الذي يقولون عنه: إنه عقّ أمه، فأتته سكرات الموت فلم يستطع ينطق بالشهادتين القصة، فقال الرسول ﷺ : اجمعوا لي حطباً، حتى سامحته أمه، هذا حديث كذب، موضوع باطل عن المصطفى ﵊, حديث علقمة هذا لا يحدث به، وكثير من خطباء المساجد يخطبون به يوم الجمعة، فلا بد للخطيب والواعظ أن يتأكد من الحديث الذي يعرضه على الناس، ويتكلم به على المسلمين، ليكون متثبتاً من معلوماته، متأكداً مما يقول، حتى لا يظلل الناس في الأحكام، والاعتقادات والعبادات.

стр. 4603

اعتبار الفرد مع إطلاق الجنس السؤال لماذا جمع الله بعد أن ثنى في قوله : ﴿هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ﴾ [الحج:١٩] وفي قوله تعالى: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا﴾ [الحجرات:٩]؟ الجواب قال: اختصموا، ولم يقل: اختصما؛ لأن المثنى مرفوع بالألف، لكن هنا أتى بالجمع بعد المثنى، ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا﴾ [الحجرات:٩] قال أهل العلم: اعتبر الأفراد في المجموعتين هنا، فإن الطائفتين ﴿هَذَانِ خَصْمَانِ﴾ [الحج:١٩] فيهم مجموعة، الخصم يكون مجموعة، تقول: جاء ضيف والضيف قد يكون عشرة، وتقول: آتاني خصم قد يكونوا عشرة أو عشرين، فاعتبر أفرادهم أكثر من واحد. قال: ﴿هَذَانِ خَصْمَانِ﴾ [الحج:١٩] أي: فريقان، وقد يكون في الفريقين أكثر من اثنين، قال: ﴿اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ﴾ [الحج:١٩] وهذه من بلاغة القرآن، وقال : ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الحجرات:٩] الطائفة: قد تكون ألف، قال: ﴿اقْتَتَلُوا﴾ [الحجرات:٩] فاعتبر بالأفراد في المجموعتين ولم يعتبر بالجنسين.

стр. 4604

صحة حديث: (يا أبا ذر إنك رجل ضعيف) السؤال ما هي رتبة الحديث: ﴿يا أبا ذر! إنك رجل ضعيف﴾؟ الجواب أولاً في أبي ذر أحاديث أذكر بعضها، منها: حديث: ﴿يا أبا ذر! إنك رجل ضعيف﴾ هذا حديث صحيح. ﴿ويا أبا ذر! إنها حسرة وندامة﴾ أي: الإمارة وهو حديث صحيح. ﴿ورحم الله أبا ذر يعيش وحده، ويموت وحده، ويبعث وحده﴾ حديث ضعيف. ﴿وإذا بلغ البناء سلع فاخرج منها﴾ يقبل التحسين. ﴿وأبو ذر يحشر مع عيسى بن مريم يوم القيامة﴾ حديث ضعيف. أورده الذهبي في سير أعلام النبلاء، هذا في أبي ذر ﵁ وأرضاه، لكنه روى أحاديث كثيرة تشرح البال، وهو من علماء الصحابة.

стр. 4605

ضعف رواية: (سيدنا محمد) في الصلاة وجواز قولها في غير الصلاة السؤال هل نقول عند الصلاة على النبي ﷺ : اللهم صلِّ على سيدنا محمد أم أن السيادة لله ؟ الجواب الرسول ﵊ لما علم الصحابة في التحيات، لم يعلمهم سيدنا، وكثير من الناس تسمعهم يقول: اللهم صلِّ على سيدنا محمد، كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، هذا ليس بصحيح هذا اللفظ (سيدنا) لم يرد في التشهد ولو أنه ﷺ كما صح عنه أنه قال: ﴿أنا سيد ولد آدم﴾؛ وقال في صحيح البخاري عن الحسن من حديث أبي بكرة، وقد أخذ الحسن على المنبر، قال: ﴿إن ابني هذا سيد، وسيصلح الله به بين فئتين عظيمتين من المسلمين﴾ هذا في المدح. قال ﵊ للأنصار: ﴿قوموا إلى سيدكم﴾ أي: سعد بن معاذ، فلا بأس أن يطلق على الناس لفظ "سيد"، لكن قال عمر: [[السيد: هو الله]]. وإن كان من باب التعظيم، وإدخال الغرور والعجب على الرجل فلا تقل له هذا اللفظ، أما في ألفاظ الصلاة فالأولى ألا تذكر, لأن الصحابة لم يذكروها, وما ذكرها ﷺ في الأحاديث الصحيحة، فالأفضل أن تقول: اللهم صلِّ على نبينا محمد، أو اللهم صلِّ وسلم على محمد رسول الله، أما لفظ سيدنا فلم يرد فيما أعلم في حديث صحيح، ولو أنه ﷺ سيد ولد آدم.

стр. 4606

ضعف حديث: (لقد أمرت بمداراة الناس كما أمرت بأداء الفرائض) السؤال ما صحة هذا الحديث: ﴿لقد أمرت بمداراة الناس كما أمرت بأداء الفرائض﴾؟ الجواب هذا الحديث ليس بصحيح، حديث باطل ولا يرفع إليه ﷺ ، حديث ﴿لقد أمرت بمداراة الناس كما أمرت بأداء الفرائض﴾ ليس من لفظه، ولفظ الحديث ركيك، والرسول ﵊ حديثه كالنور، وكالشمس في رابعة النهار، فهو يعرف، أما في المداراة فقد ورد فيها أحاديث وآثار، منها: في الصحيحين عن عائشة ﵂ قالت: قدم عيينة بن حصن، فاستأذن على الرسول ﵊ -هذا الغطفاني الفزاري - قال: ﴿ائذنوا له بئس أخو العشيرة﴾ فلما دخل انبسط له ﷺ وكلمه، فلما خرج قلنا: يا رسول الله! قلت في عيينة كذا وكذا، فلما دخل انبسطت إليه وحييته، قال: ﴿إن شر الناس من تركه الناس اتقاء فحشه﴾ أي: المدارة، وعلق البخاري عن أبي الدرداء في كتاب الأدب، قال: [[إنا لنكشر في وجوه قوم، وإن قلوبنا لتلعنهم]] هذا في المدارة. وهناك فرق بين المدارة والمداهنة: فالمداهنة هي: أن تذهب شيئاً من دينك لحصول الدنيا. والمداراة هي: أن تذهب شيئاً من دنياك لبقاء الدين، فلك أن تداري الناس وتعاملهم بالتي هي أحسن ببسمة؛ لأنك إذا قطعت الحبال بينك وبين الناس لا يبقى لك شيء، وسوف تخسر الناس ويخسرونك، فالمدارة بالبسمة، والكلمة الطيبة، تثني على من قدم خيراً، وتشكر أهل الفضل هذه هي المداراة. وأما المداهنة فهي: أن تنافق -والعياذ بالله- لحصول شيء من الدنيا وتضيع دينك، تأتي إلى رجل فاجر، فتقول: لا إله إلا الله ما أحسنك للإسلام! وما أنصرك للإسلام! وما أقواك في دين الله! هذه هي المداهنة، وهي شعبة من النفاق، أما المداراة فواردة وجائزة. وفي الختام! أسأل الله لي ولكم التوفيق والهداية، والرشد والسداد، وأن يتولانا في الدارين، وصلى الله وسلم على محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.

стр. 4607

فضل الوتر وقيام الليل إن العبد المسلم قد يعاني طوال يومه من المشاق والتعب سواءً أكان في الدعوة أو في العمل، فجعل الله قيام الليل ليخلو بربه . وقيام الليل يعطي الشخص القوة والقدرة على مشاق النهار، فيناجي العبد ربه في ذلك الليل، وخصوصاً وقت نزول الجبار جل وعلا في الثلث الأخير من الليل. وفي هذه المادة الحث على قيام الليل، وذكر فضائله، والأمور المساعدة على قيام الليل كما تطرق للحديث عن المسائل والأحكام المتعلقة بصلاة الوتر.

стр. 4608

مجاهدة النفس الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. أمَّا بَعْد: فسلام الله عليكم ورحمته وبركاته. يقول الله : ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [العنكبوت:٦٩] عهدٌ من الله ، وحقٌ ألزم به نفسه، ولم يلزمه به أحدٌ من الناس، أن من جاهد فيه أن يهديه سبيله. قال أهل العلم: المجاهدة بالنية وبالعمل، والذي يدعي أنه يجاهد في سبيل الله يبذل وسعه للهداية، ومن لا يبذل وسعه ولا يعمل، فإنما هو مفترٍ على الله . ولذلك ورد في الموطأ عن الحسن البصري ﵀ موقوفاً عليه: [[ليس الإيمان بالتحلي ولا بالتمني، ولكنه ما وقر في القلب وصدقه العمل]]. ومن أسباب المجاهدة التي يزيد الله بها الهداية والإيمان على حد قوله : ﴿وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدىً وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ﴾ [محمد:١٧] من هذه الأعمال الصالحة: قيام الليل، ومن أجلِّ قضاياه التي سوف نتدارسها هذه الليلة: الوتر. وفي الوتر قضايا، منها: المسألة الأولى: حكم الوتر في الليل، هل هو واجب أم سنة؟ وما ورد في ذلك، وما هو الصحيح؟ المسألة الثانية: الوتر على الراحلة، ويقاس عليها السيارة كذلك. المسألة الثالثة: عدد ركعات الوتر، وما حد أكثره وأقله؟ المسألة الرابعة: ما يقرأ في الوتر، وفي ركعاته، من السور التي قرأها ﷺ ، وحافظ على قراءتها في الوتر. المسألة الخامسة: الدعاء الذي يقال في الوتر. المسألة السادسة: رفع اليدين ومتى ترفع؟ المسألة السابعة: هل يمسح الوجه بعد الانتهاء من الدعاء؟ المسألة الثامنة: إذا فات الوتر في ليل هل يقضى بعد أن يطلع الفجر، أم لا؟ المسألة التاسعة: هل يُصلى من الوتر ركعة واحدة ويكتفي بهذه الركعة، ولا يزاد عليها؟ المسألة العاشرة: هل يصلى بعد الوتر صلاة؟ أم يكتفي بالوتر في الليل؟ المسألة الحادية عشرة: أفضل أوقات الوتر، وما هو الوقت الذي وردت بفضله النصوص؟ المسألة الثانية عشرة: الوتر قبل النوم.

стр. 4609

حديث ابن عباس في قيام الليل يقول الإمام البخاري رحمه الله تعالى، بسم الله الرحمن الرحيم -وكل كتابٍ نبدأ فيه بالبسملة-. كتاب الوتر، باب: ما جاء في الوتر. ثم قال: حدثنا عبد الله بن مسلمة عن مالك عن مخرمة بن سليمان عن كريب عن ابن عباس أخبره أنه بات عند ميمونة وهي خالته، قال ابن عباس: ﴿فاضطجعت في عرض الوسادة، واضطجع رسول الله ﷺ وأهله في طولها، فنام ﵊ حتى انتصف الليل، أو قريب منه، فاستيقظ يمسح النوم عن وجهه، ثم قرأ عشر آيات من آل عمران، ثم قام رسول الله ﷺ ، فتوضأ وأحسن الوضوء ثم قام يصلي، فصنعت مثله - ابن عباس يقول فصنعت مثله- فقمت إلى جنبه ﷺ ، فوضع يده اليمنى على رأسي، وأخذ بأذني يفتلها، ثم صلى ركعتين ثم ركعتين ثم ركعتين ثم ركعتين ثم ركعتين ثم ركعتين، ثم أوتر، ثم اضطجع حتى جاءه المؤذن فقام فصلى ركعتين، ثم خرج فصلى الصبح ﷺ ﴾. أورد البخاري هذا الحديث في هذا الموضع مختصراً، وإلا فالروايات الزائدة سوف نوردها على ما أوردها أهل العلم، والإمام البخاري يتفنن في إيراد الأحاديث كما سلف في بعض المناسبات، منها: أنه قد يبتدئ بالحديث ويختصره، ومنها: أنه يتشبع في طول الحديث، ومنها: أنه يأتي بالحديث بالمعنى: يزيدك وجهه حُسناً إذا ما زدته نظرا

стр. 4610

ترجمة ابن عباس وابن عباس تكرر معنا في أكثر من موضع، فمن هو هذا العملاق؟ ومن هو هذا الشاب الذي حرص على الهداية، وأولى أمور العلم جلَّ اهتمامه، وهو ما زال في العاشرة من عمره، بل قبل ذلك يهتم بتتبع سيرة الرسول ﷺ وسنته، فآتاه الله على قدر نيته، ولذلك يقول كما أسلفنا: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [العنكبوت:٦٩] فلما علم الله من ابن عباس أنه يريد وجهه، ويريد ما عنده؛ فتح عليه ﴿وَهُوَ الْفَتَّاحُ الْعَلِيمُ﴾ [سبأ:٢٦] ورزقه علماً جماً؛ حتى يقال له: البحر. ويقال له: ترجمان القرآن. ويقال له: حبر الأمة وبحرها. قال مجاهد: [[وقفنا مع ابن عباس يوم عرفة، فأخذ يفسر سورة البقرة من بعد صلاة الظهر إلى صلاة المغرب حرفاً حرفاً، آيةً آيةً، مقطعاً مقطعاً، والله ما تلعثم في حرف، ولا توقف في آية، والله لو سمعه اليهود والنصارى لأسلموا]]. ويقول ابن كثير في البداية والنهاية: ثبت أن ابن عباس ﵄ لما أتته الوفاة، وعرضت جنازته للناس، وكفن في أكفان بيضاء، وقام الناس ليصلوا عليه، وثلَّ قائمٌ أبيض فدخل في أكفانه، وسمعوا هاتفاً يقول: ﴿يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ * ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً * فَادْخُلِي فِي عِبَادِي * وَادْخُلِي جَنَّتِي﴾ [الفجر:٢٧ - ٢٩]. ورئيت له منامات ﵁ وأرضاه، وهو ممن له قدم صدقٍ في الإسلام، حتى أنه رآى جبريل كرامة له ولم يره كثير من الصحابة.

стр. 4611

معاشرة النبي ﷺ مع أهله يقول: ذهبتُ ليلة من الليالي عند خالتي ميمونة، وهي زوجة رسول الله ﷺ ؛ لأن الرسول ﷺ كان له تسع نسوة مجتمعات، كل امرأة يجعل لها رسول الله ﷺ ليلةً من لياليه المباركة الخالدة؛ يعلمهن مما علمه الله، وينشر لهن السنة لينشرنها في نساء الأمة. فعلم ابن عباس أن هذه الليلة ليلة خالته ميمونة فأخذ نفسه وذهب وسبق الرسول ﵊ بعد صلاة العشاء، ودخل وهو لا يريد النوم ولا العشاء، ولكن يريد قوت القلوب والأرواح، يوم أن تتغذى القلوب والأرواح بغذاءٍ لا يشبه غذاء الناس، ولذلك يقول الألبيري: فقوت الروح أرواح المعاني وليس بأن طعمت ولا شربتا فقوت الروح: الهداية، والذكر، وآيات الله البينات، وأحاديث رسول الله ﷺ الواضحات. وعلم ابن عباس أن خالته حائض؛ وهي في الروايات التي وردت صحيحة، حائضٌ لا يمكن أن يقربها تلك الليلة ﷺ . فأتى في فراش ميمونة خالته، فنام في عرض الفراش، ودخل ﷺ في الليل فالتفت فرأى ابن عباس، وعرف ابن عباس، وقال: ﴿نام الغُلَيم؟﴾ أي: نام الغلام، ولكن الغليم كلمة تَحَبُّبّ، ويصغر الاسم للتحبب، وللتعظيم، وللتصغير، وللتهويل، وهذا للتحبب، قالت ميمونة على حد ما ترى: ﴿نام يا رسول الله﴾ وهو لم ينم: نامت الأعين إلا مقلةٌ تذرف الدمع وترعى مضجعكْ فهو يريد العلم، ويريد أن ينتبه لما يقول ﷺ ، فيسمع هذه المحادثة؛ لأنه نقلها للناس. فقرب ﵊ من الفراش وأتى يحدث ميمونة ساعة، يقول ساعة على حسابه الزمني: وفيه العشرة مع الأهل، وحسن الخلق، ومحادثة الأهل، وهذه من سنته ﷺ ، ولا يعتذر المعتذر بكثرة أشغاله، ولا أعماله، ولا ضيوفه، ولا ٠٠٠، فأكثر الناس عليهم أشغال وأعمال، ومحمد ﷺ لم يشغله ذلك عن محادثة أهله ﷺ ، فلما حادثهم نام ﵊ ولكن ابن عباس لم ينم. فقال ابن عباس: ﴿فنام ﷺ حتى سمعت غطيطه﴾ والمقصود أنه ﷺ نامت عيناه، أما قلبه فما نام، فقلبه يسبح، وقلبه مع ربه ، ولذلك إذا نام لا ينتقض وضوءه. ويقوم من النوم ﷺ ويذهب إلى المسجد، فتقول عائشة ﵂: ﴿يا رسول الله! إنك نمت؟ قال: يا عائشة! إنها تنام عيناي ولا ينام قلبي﴾ وكان ربما حدث ﷺ في نومه بالآيات، فقام يقرأها على لسانه، ورؤياه ﷺ حق كفلق الصبح، فإذا رأى رؤيا تقع، حتى أنه يقول قبل معركة أحد، وهو يستقرئ الأنباء للصحابة ويقول قبلها بليلة بعد أن صلى الفجر، وبعد صلاة الفجر سوف تبدأ المعركة صباح السبت، وسوف يبدأ الالتحام مع أبي سفيان في معركة أحد، قال: ﴿رأيت البارحة كأن ثلماً أصاب سيفي، وكأن بقراً تنحر، وكأني أدخلت يدي في درعٍ حصينة، قالوا: يا رسول الله! ما أوَّلت ذلك؟ قال: أما الثلم في سيفي -كُسْر، وهو في الذبابة، في رأس السيف- فهو رجلٌ من أهل بيتي يقتل، وأما البقر التي تنحر؛ فهؤلاء المؤمنون يصابون ويستشهدون في سبيل الله، وأما أنني أدخلت يدي في درعٍ حصينة؛ فهي المدينة ندخل فيها وتحصننا بإذن الله﴾ وبدأت المعركة وقُتل حمزة، وكان من أول من قتل في المعركة حتى وقف ﷺ عليه وتغيظ كثيراً وبكى كثيراً وحلف ليمثلن منهم بسبعين، واستشهد من المسلمين سبعين، ودخل في الأخير ﷺ المدينة.

стр. 4612

صور من معايشة النبي ﷺ للقرآن قام ﵊ بعد أن نام، قال ابن عباس: ﴿فرأيته في الظلماء﴾ فما كانت هناك سُرُج ولا كهرباء، وكان بيته ﷺ يلتقي رأسه بطرف الجدار ورجلاه الشريفتان بالطرف الآخر من ضيق بيوته ﷺ . كفاك عن كل قصر شاهق عمدٍ بيتٌ من الطين أو كهفٌ من العلَم تبني الفضائل أبراجاً مشيدة نصب الخيام التي من أروع الخيم فهو أتى ليبني الأرواح والقلوب ﵊، أما الأجسام والدور والقصور فلهن أناس متخصصون خلقهم الله لها، ولذلك يقول معاذ، أحد دعاة الإسلام، لما حضرته الوفاة: [[والله إني لم أكن أحب الحياة لغرس الأشجار، ولا لجري الأنهار، ولا لعمارة الدور، ولا لرفع القصور؛ ولكن لمكابدة الليالي، ولمزاحمة العلماء بالركب في حلق الذكر، ولظمأ الهواجر]] ﴿وَلَوْلا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً لَجَعَلْنَا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفاً مِنْ فِضَّةٍ وَمَعَارِجَ عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ * وَلِبُيُوتِهِمْ أَبْوَاباً وَسُرُراً عَلَيْهَا يَتَّكِئُونَ * وَزُخْرُفاً وَإِنْ كُلُّ ذَلِكَ لَمَّا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةُ عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [الزخرف:٣٣ - ٣٥]. قام رسول الله ﷺ ، وذهب النوم من عينيه، وأخذ يتلو: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآياتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ * الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ [آل عمران:١٩٠ - ١٩١]. قرأ الآيات العشر حتى ختم سورة آل عمران، ثم قام ﵊. وعند ابن جرير الطبري وابن مردويه بسند يقبل التحسين قال بلال: ﴿خرجت أؤذن رسول الله ﷺ بصلاة الفجر، فوجدته يبكي ﷺ ، فقلت: مالك يا رسول الله! بأبي أنت وأمي؟ قال: يا بلال! قلت: لبيك وسعديك يا رسول الله! قال: أنزلت عليَّ آياتٌ بينات، ويلٌ لمن قرأها ولم يتدبرها، قلت: وما هي يا رسول الله؟ فأخذ يقرأ وهو يبكي: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآياتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ * الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ [آل عمران:١٩٠ - ١٩١]﴾. وربما كان ﵊ يقوم فيصلي من الليل، وفي بعض الأحيان يقوم ويتوضأ ويخرج إلى المدينة، وينشط إلى بيوت الأنصار والمهاجرين وهم يقرءون القرآن، فيبكي وهو يستمع لهم ﷺ . ومن ذلك ما ثبت في الصحيح عن عمر وابن مسعود وعائشة ﵃ قالوا: ﴿خرج رسول الله ﷺ ذات ليلة فسمع أبا موسى الأشعري يقرأ القرآن، فوضع ﷺ يديه على نافذة المسجد في الليلة الظلماء وهو ينصت لـ أبي موسى﴾ وأبو موسى الأشعري من أهل اليمن، أُوتي صوتاً ما أجمل منه! ولا أحسن منه! ولا آثر منه! يقول مسروق: [[سمعت أبا موسى يقرأ، فوالله ما سمعت صنجاً ولا طنجاً ولا نأياً ولا وتراً أعجب من صوته!]] فأخذ ﷺ يستمع وينصت -وذاك يصلي ويقرأ وهو لا يعلم أن الرسول ﷺ يستمع له- وأخذ ﷺ يبكي، فلما سمع نساؤه بكاءه ﷺ ، أتين ووضعن أيديهن معه وبجانبه يستمعن ويبكين، فلما أصبح الصباح لقي الرسول ﷺ أبا موسى وقال له: ﴿يا أبا موسى! لو رأيتني البارحة وأنا أستمع إلى قراءتك، وقد أوتيت مزماراً من مزامير آل داود، فقال أبو موسى: يا رسول الله! أتستمع لي البارحة؟ قال: إي والله، قال أبو موسى: والذي نفسي بيده يا رسول الله! لو علمت أنك تستمع لي لحبرته لك تحبيراً﴾ أي جوَّدته أكثر مما سمعت، وحسنته أكثر مما وقع في أذنيك ليكون أكثر تأثيراً. ولذلك تسابق أبو بكر وعمر مرة ثانية إلى أبي موسى يبشرانه أن الرسول ﷺ يستمع إليه، قال عمر: [[لما صليت الفجر ذهبت إلى بيت أبي موسى لأبشره ببشرى رسول الله ﷺ فوجدت أبو بكر قد سبقني، فقلت: والله لا أسابقه بعد اليوم]] كلما أتى عمر ﵁ يسابق أبا بكر سبقه أبو بكر. ألا لا أحب السير إلا مصعداً ولا البرق إلا أن يكون يمانيا ولذلك كان أبو بكر أسبق الناس، فهو في الجهاد أستاذ الجهاد، وفي العبادة أول الصحابة، وفي الخلافة الرجل المرجى والمرشح ﵁ وأرضاه، لا لشيء إلا لشيء وَقَر في قلبه وهو الخشية، حتى كان يصلي بالناس ويقطع قلبه بالبكاء وهو لا يزال في سورة الفاتحة لما علم من معرفة الله . وقد أسلفت لكم أنه يخرج ﵊ في المدينة، وفي تفسير أبن أبي حاتم بسند جيد عن امرأة من الأنصار قال: ﴿خرج ﷺ ذات ليلة يتمشى في شوارع المدينة، فسمع عجوزاً من الأنصار تصلي في الليل، وتقرأ: ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ﴾ [الغاشية:١] فوضع رأسه ﷺ على سائر الباب، وجعل يستمع معها وهي تردد وتقول: ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ﴾ [الغاشية:١] فيقول: نعم أتاني، نعم أتاني، وهو يبكي حتى الصباح ﷺ ﴾. هذه بعض الملامح لمعايشته لهذا الكتاب العظيم.

стр. 4613

استفتاح الرسول ﷺ صلاته في الليل بالدعاء وقام ﷺ يقضي حاجته، فخرج من بيته ﷺ ، فعَلِمَ ابن عباس وعمره ما يقارب عشر سنوات أن الرسول ﷺ إذا عاد فسوف يبحث عن ماء أو يتوضأ. قال ابن عباس: [[فقمت إلى شَنِّ قِرْبَة -معلقة في طرف البيت- فحللت وكاءها، وسكبت الماء للرسول ﷺ وقدمت له]] فلما جاء ﷺ رجع ابن عباس وتناوم مرةً ثانية. فقال ﷺ وهو يحدث نفسه: ﴿من وضع لي الماء﴾ ثم التفت إلى السماء ﷺ ، وقال: ﴿اللهم فقهه في الدين، وعلمه التأويل﴾؛ فعلمه الله التأويل أي: تفسير القرآن، حتى ما وجدت آية ولا سورة إلا ويعرف متى نزلت، وأين نزلت، وما معناها، حتى كبار الصحابة كانوا يسألونه ﵁ وأرضاه، وفقهه الله في الدين. فقام ﵊ يصلي، وقبل أن يصلي أخذ يستاك ﵊، يستقبل القبلة، وقال دعاءً تنخلع منه القلوب، روته عائشة وابن عباس، قال: ﴿اللهم لك الحمد، أنت رب السماوات والأرض ومن فيهن، ولك الحمد، أنت ملك السماوات والأرض ومن فيهن، ولك الحمد، أنت نور السماوات والأرض ومن فيهن، ولك الحمد، أنت الحق، ووعدك حق، والجنة حق، والنار حق، والنبيون حق، ومحمد ﷺ حق، اللهم لك أسلمت، وبك آمنت، وبك خاصمت، وإليك حاكمت، وعليك توكلت، فاغفر لي ما قدمت وما أخرت، وما أسررت وما أعلنت، إنه لا يغفر الذنوب إلا أنت﴾ ثم قال -كما صح في صحيح مسلم - عن عائشة: ﴿اللهم رب جبرائيل وميكائيل وإسرافيل، فاطر السماوات والأرض، عالم الغيب والشهادة، أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون، اهدني لما اختلف فيه من الحق بإذنك إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم﴾. من لم يكن له رصيد من الدعاء بعد كل صلاة، وفي دبر الليل، وقبل الصلاة، وبين الأذانين، وفي آخر ساعة من الجمعة، وفي يوم عرفة، وفي مناسبات الخير؛ فإنه سوف يبقى قلبه قاسياً إن لم يتزود بزاد الدعاء؛ ولذلك يقول ﵊ كما عند الترمذي عن سلمان: ﴿إن الله يستحي من العبد إذا رفع يديه إليه أن يردهما صفراً﴾ قال أحد الصالحين؛ وهو من علماء الجزائر، الثورة على الفرنسيين في الجزائر قال: في إحدى المرات في غارة على الفرنسيين -وهو من علماء ثورة الجزائر على فرنسا -: أمسيت ليلة من الليالي فرأيت عمر بن الخطاب في المنام ومعه الدرَّة، فقلت له: يا أمير المؤمنين! ابتلانا الله بهؤلاء احتلوا بلادنا، وقتلوا أطفالنا، وشيوخنا، ونساءنا، فما المخرج؟ قال: فضرب على كتفي بالعصا، قال: أتخاف والله معك؟! فقلت له: يا أمير المؤمنين! -وقد عرفت أنه عمر -: ما هي النجاة؟ قال: عليك بالدعاء، قال: فما نسيت يديه وهو يدعو لنا في المنام. فمن أراد النجاة فعليه بالدعاء، ولذلك يقال في الأثر: [[لا يهلك مع الدعاء أحد]] ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ﴾ [البقرة:١٨٦].

стр. 4614

موقف المأموم من الإمام وحكم الحركة القليلة للمصلي قام ﵊ فابتدأ صلاته، فلما أصبح في الصلاة قام ابن عباس فأخذ ماءً وتوضأ ثم اقترب من الرسول ﵊، فوقف عن يساره، يعني: تجاه جهته اليسرى ﷺ . والمأموم إذا كان منفرداً يبقى عن يمين الإمام. فأرسل ﷺ يده من وراء ظهره وألقاها على ابن عباس وفركه وهو في الصلاة ثم حوله إلى يمينه؛ قال ابن حجر: يؤخذ من هذا أن المعلم له أن يفرك أذن الطالب، وقد مرت هذه في مناسبات، وكانت أفهم له، بشرط أن يكون صغيراً في سنه، ولا يتأذى بذلك. فحوله عن يده اليمنى، وعند ابن خزيمة: أنه كلما نعس ابن عباس أرسل ﷺ يده وفرك أذن ابن عباس حتى يوقظه في الصلاة. لماذا ينعس؟ لأن الرسول ﷺ يستمر في القراءة حتى ينسى المكبر أنه كبر. يقول ابن مسعود ﵁: ﴿قمت مع رسول الله ﷺ ليلة من الليالي، فصلى فأطال القيام حتى هممت بأمر سوء، قيل له: وبماذا هممت؟ قال: هممت أن أجلس وأدَعَهُ﴾. وقال حذيفة كما في الصحيحين: ﴿قمت مع رسول الله ﷺ ، فابتدأ سورة البقرة، فقلت: يركع عند المائة، فواصل حتى خَتَمَها، ثم افتتح سورة النساء فقلت: يركع عند المائة، فاختَتَمَها، ثم افتتح سورة آل عمران، ثم اختتمها ﷺ ]]. فهو ﷺ وابن عباس بجانبه جعل يده على أذن ابن عباس وفركه ليستيقظ، وفي رواية صحيحة أوردها ابن حجر: لئلا يستوحش في الظلماء. يقول: لئلا يستوحش ابن عباس، فيظن أن من طول قراءة الرسول ﷺ أو إسراره من الرسول ﷺ تركه واقفاً، أو استيحاش من باب أنه يطول عليه الوقوف. والله أعلم. ولا يقاس على قوَّته ﷺ قوة أحد من الناس، والإنسان فقيه بنفسه لا يستمع مثل هذه الأحاديث فيأتي فيقف ليلة كاملة من صلاة العشاء إلى صلاة الفجر وبعدها يترك صلاة الفجر، فهذا لا أحسن في الأولى ولا في الثانية؛ أما في الأولى: فشدد على نفسه وخرج عن السنة، فإن سنة الله بين الغالي والجافي، والحسنة بين السيئتين، والقصد القصد تبلغوا. وأما الأمر الثاني: فأنه قد يفوت من الفرائض ما هو أعظم منه، ولا يفوتكم أن الرسول ﵊ جُمِعَت في جسمه الطاهر قوة ثلاثين رجلاً، فهو أجمل وأقوى وأفصح وأحلم وأبر وأصبر الناس، حتى يقول علي؛ وأنتم تعرفون من هو علي بن أبي طالب، سيف الله المنتضى، من أشجع الناس يقول: [[كنا إذا اشتد الكرب، وحَمِي الوطيس، واقتربت الرماح، الحدق واحمرت اتقينا برسول الله ﷺ في المعركة، فوجدناه أقرب القوم إلى العدو]] من قوة جسمه ﷺ . ولما التقوا في معركة هوازن في حنين، كان ﵊ في المقدمة الأولى للجيش، وفرَّ جميع الجيش إلا ستة أنفار، فلم يثبت إلا هو وخمسة معه ﷺ ، وهذا من القوة التي أعطاه الله إياها.

стр. 4615

قضايا من حديث ابن عباس وفي حديث ابن عباس هذا قبل أحاديث الوتر قضايا: القضية الأولى: أسلفنا منها: أن الغلام الصغير، الذي لم يبلغ الحُلُم له أن يدخل على إحدى محارمه دون استئذان، في غير الأوقات الممنوعة من الزيارة، يدخل على المحارم بغير إذن، ويجلس معهن. ومنها: الحديث مع الأهل، والاستئناس معهم. ومنها: أنه لا بأس بالسمر بعد العشاء؛ لأن هناك حديث أبي برزة ﴿كان رسول الله ﷺ يكره النوم قبل العشاء والحديث بعدها﴾ وقال: الحديث، أي: الحديث الذي لا ينهى عن الفحشاء والمنكر، ويلهي ويكون فيه لغو، ويصد عن صلاة الفجر، فهذا يكرهه ﷺ . أما الحديث مع الضيوف، أو الأهل، أو الحديث في العلم، وفي مدارسة الشرع؛ فهذا لا بأس به، ولذلك عقد البخاري باباً في صحيحه، باب السمر مع الضيف، فلا بأس بالحديث مع الأهل بعد صلاة العشاء. وفيه: أن المحْدِث حَدَثاً أصغراً له أن يقرأ القرآن؛ فالرسول ﵊ -كما قلنا- لا ينتقض وضوءه بالنوم، لكن ليس عندنا دليل أنه نام متوضئاً ﷺ . ما هو وجه الاستدلال؟ وجه الاستدلال: أنه لما قرأ ﷺ هذه غيباً، يرد السؤال كيف يقرأ ﷺ غيباً وهو لم يتوضأ بعد، لأنه توضأ فيما بعد. وفيه دليل على أن المحْدِث حَدَثاً أصغراً غير حَدَث الجنابة له أن يقرأ القرآن غيباً، لأن الجنب لا يقرأ القرآن، لا غيباً ولا نظراً، والمحْدِث حَدَثاً أصغراً لا يمس القرآن، وله أن يقرأ القرآن غيباً بهذا الحديث وبغيره. منها: في أثر سلمان قال: [[خرج عمر ﵁ إلى البرية -إلى الخلاء- فقضى حاجته، ثم أتى يقرأ القرآن وهو لم يتوضأ]] يقرأه غيباً ﵁ وأرضاه، فقال رجل من أهل نجد من اليمامة: [[يا أمير المؤمنين! كيف تقرأ القرآن وقد أحدثت ولم تتوضأ؟ قال: أأخبرك نبيك مسيلمة أنه لا يجوز أن يقرأ القرآن إلا من توضأ؟]] يقصد: مسيلمة الكذاب؛ لأنه من اليمامة، وهذا مسيلمة صفَّى حسابه خالد بن الوليد سيف الله: ﴿فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الأنعام:٤٥]. وأحاديث أخرى، ومنها: الحديث الذي في موطأ مالك مرسلاً لكنه معضود، عن أبي بكر بن عمرو بن حزم -قال ابن عبد البر أشبه المتواتر-: ﴿أن لا يمس القرآن إلا طاهر﴾ فعُلِم بمفهوم المخالفة أن له أن يقرأ القرآن غير طاهر، ليس جنباً لكنه محدث حدثاً أصغراً، فهذه من القضايا. ومنها: الجماعة في النافلة: لك -إذا أوترت- أن توتر بأهلك في البيت، ولا تتخذها عادة دائماً؛ لأن الرسول ﷺ لم يفعلها دائماً، لكن في بعض الأحيان توتر وأهلك معك، وإذا أتاك أناس وأرادوا أن يتنفلوا معك تتنفل فيهم بالليل، أو بعض الأوقات كصلاة الضحى، ولا تتخذ عادة، ففي صحيح البخاري عن عتبان بن مالك قال: ﴿زارني ﷺ في بيتي فقال: أين تريد أن أصلي لك من البيت؟ قال: فعرضت له حصيراً، وغسلته بالماء، ونضحته، فقام ﷺ فصفنا خلفه، وصلى بنا ركعتين﴾ قال أهل العلم: هذه صلاة الضحى، وهذا يقتضي جواز الجماعة في صلاة الضحى لا على الدوام، أي: أنها لا تتخذ على الدوام. والمسألة التي تستفاد كذلك من هذا الحديث: الائتمام بمن لم ينو الإمامة، تأتي في المسجد وأحد الناس يصلي وما نوى أن يكون إماماً، لكن هو فاتته الصلاة فقام يصلي وحده، فلك أن تدخل معه، ويكون إماماً لك، وأنت مأموم، وتصلي معه، وهذا يؤخذ من هذا الحديث؛ لأن الرسول ﷺ لما قام يصلي من الليل ما نوى أن يكون إماماً، وإنما نوى أن يصلي ويتنفل حتى جاء ابن عباس. ومنها كذلك: أن من أراد أن يتنفل، مثلاً: صلى صلاة الظهر في المسجد، ثم قام يصلي ركعتين بعد الظهر وأتى رجل متخلف، فرأى هذا يتنفل، فله أن يدخل معه، ولو كان هذا متنفلاً وهذا مفترضاً، فدخلتَ معه وصليتَ صلاة الظهر، وهو يصلي نافلة، وهذا مأخوذ من هذا الحديث. ومنها صورة ثالثة كذلك: أنك إذا أتيت المسجد والناس قد صلوا، وما أدركتهم في الركعة الأخيرة مثلاً، فلما سلم الإمام قمت تقضي، وقام بعض الناس يقضوا معك، فلك أن تجعل الذي بجانبك إماماً وأنت مأموماً وتصلي بصلاته، هذه الصورة الثالثة تؤخذ من هذا، وهي جائزة لأنه لم يرد حديث بمنعها. ويؤخذ كذلك: موقف الإمام وأنه دائماً على يسار المأموم إذا كان واحداً، ولو كانوا جماعة فيصلون عن يمينه أو خلفه، والسنة إذا كثروا فخلفه، والواحد على يمينه ولا يصلي يساره؛ لأن ابن مسعود ﵁: يرى أن يصلي الإمام وسطاً، وأن يجعل الناس عن يمينه ويساره، ورد عليه أهل العلم بأن هذا منسوخ. المسألة التي تليها وتستفاد من هذا الحديث: أنه لا بأس بالحركة القليلة في الصلاة؛ فالرسول ﵊ تحرك في الصلاة، وأخذ بأذن ابن عباس، وحاله هنا: فلك مثلاً أن تؤخر ابنك عن مكان تخاف منه وأنت في الصلاة، وإذا كنت قريباً من الباب أن تفتح الباب؛ فقد صح عن عائشة ﵂: أن رسول الله ﷺ فتح لها الباب وهو في الصلاة، وفي سنن أبي داود بسند جيد عن سهل بن الحنظلية قال: ﴿أرسل ﷺ بطليعة قوم ليأخذ أخبار العدو، فأخذ ﷺ يلتفت مرة وهو في الصلاة﴾. ولا يحمل هذا على الترخص، ولا على التنطع، ولا على الخروج عن الخشوع الذي ورد عنه ﷺ . ولكن نخبركم بهذا وعندكم خبر به من باب إبراء الذمة، ومن باب عرض بعض سننه ﷺ للناس، ومن باب إيجاد بعض الرخص لبعض المكروبين في صلواتهم، أو الذين يظنون أنه لا يجوز إحداث شيء في الصلاة، فقد وردت الحركة القليلة عنه ﷺ . ويؤخذ من هذا الحديث: الاضطجاع مع الحائض؛ فالمرأة إذا حاضت فلزوجها أن ينام في فراشها الذي تنام فيه، وأن يؤاكلها ويشاربها ويحادثها، ولا بأس بذلك كله. ومنها: الاعتداد بصلاة الصبي الصغير؛ فأنت إذا لم تجد جماعة، ولا رجل تصلي معه، لك أن تصلي مع ابنك بعد أن يتوضأ، وتجعله معك وتتم لكما جماعة، وإذا أتيت في المسجد ووجدت إماماً ومعك صبي فلك أن تصف مع الصبي وراء الإمام، وتعدُّ بالصف مع الصبي؛ ففي صحيح البخاري عن أنس قال: ﴿صلى بنا رسول الله ﷺ فصففت أنا واليتيم من ورائه والعجوز من ورائنا﴾. وأدخل ﵊ المسجد وهو مريض، في رواية ابن عباس قال: ﴿عليه عصابة دسمة، وهو يتخطى مع الفضل وعلي حتى أدخل، فأجلس على يسار أبي بكر وأبو بكر يصلي بالناس﴾ فأصبح الرسول ﷺ إماماً، وأصبح أبو بكر بجانبه مأموماً، وأصبح أبو بكر يردد بعده الناس وهو عن يمين الرسول ﷺ ، فالذي على اليسار هو الرسول ﷺ ، وليس أبو بكر.

стр. 4616

أحكام صلاة الوتر وأما الوتر ففي حكمه خلاف بين أهل العلم: ذهب الجمهور إلى أنه سنة وليس بواجب. وأما بعض الأحناف فقالوا: واجب؛ واستدلوا على ذلك بأدلة منها: أنه يقضى بالنهار. ومنها: أن الرسول ﷺ ما تركه في حضر ولا سفر. ولكن هذه الأدلة ظنية، والصحيح أنه سنة وليس بواجب. ومن الأحاديث التي تبين سنية الوتر: قوله ﷺ في حديث أبي طلحة في الصحيحين، قال: ﴿كنا جلوساً مع الرسول ﷺ في المسجد، فجاء رجلٌ من أهل نجد؛ ثائر الرأس، نسمع دويَّ صوته، ولا نفقه ما يقول، فأقبل علينا، فإذا به يسأل عن الإيمان، قال: الإيمان أن تؤمن بالله، -وفي لفظ البخاري: يسأل عن الإسلام- قال: أن تشهد أن لا إله إلا الله -وفي هذا الحديث تداخل بين الإيمان والإسلام - ثم قال: وأن تقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، قال: يا رسول الله! وما هي الصلاة؟ قال: خمس صلوات في اليوم والليلة، قال: هل عليَّ غيرها؟ قال: لا إلا أن تطوع﴾. فأخذ من هذا أن الخمس الصلوات هي الواجبة، أما غيرها فتطوع، فلا يدخل غيرها في الوجوب كالوتر، ولا ركعتي الضحى، ولا تحية المسجد، ولا غيرها، إنما الواجب ما ذكره ﷺ في هذا الحديث. فحكمه على الصحيح أنه سنة؛ لكنه سنة مؤكدة، لا يُترك في سفر ولا في حضر. ومن تركه هل يقضيه بعد أن يفوته في الليل أم لا؟ سوف يأتي هذا الكلام.

стр. 4617

الصلاة على الراحلة وعدد ركعات الوتر ويؤخذ من سنته ﷺ أنه صلى على الراحلة، ويقاس على ذلك السيارة، فلك أن تصلي الوتر وأنت مسافر على سيارتك بعد أن تستقبل القبلة عند تكبيرة الإحرام، ثم لا بأس أن تتوجه وأنت تصلي في أي مكان وجهت بك سيارتك. ويؤخذ من ذلك أن الوتر سنة، وأقل عدد ركعاته ركعة، وأكثره لا حد له. وهل يجوز أن يصلي المسلم ركعة واحدة؟ أورد ابن حزم في المحلى وابن خزيمة ومحمد بن نصر المروزي وسعيد بن منصور في سننه أن كثيراً من الصحابة صلوا ركعة واحدة؛ منهم: معاوية وسعد بن أبي وقاص وعثمان ﵃ وأرضاهم. فأما عثمان ﵁ وأرضاه فورد أنه دخل الحرم، قال تميم الداري: [[كنت عند المقام -مقام إبراهيم ﵇ فدخل رجلٌ وهو متلثم، فدفعني وأخرني عن المقام ثم قام ففك لثمته فنظرت إليه فإذا هو أمير المؤمنين عثمان بن عفان ﵁ وأرضاه، فقام يصلي، فقرأ القرآن في ركعة من بعد صلاة العشاء إلى صلاة الفجر، ثم سلم والأذان يؤذن]]. ولذلك كان ابن عباس ﵄ إذا قرأ قوله تعالى: ﴿أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِداً وَقَائِماً يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ﴾ [الزمر:٩] بكى وقال: [[ذلك عثمان بن عفان]] وقال حسان لما قُتل عثمان ﵁: ضحوا بأشمط عنوان السجود به يقطع الليل تسبيحاً وقرآنا وثبت أن عثمان انخرمت في يده أربعة مصاحف؛ من كثرة ما يقرأ، فأربعة مصاحف انخرمت أو تقطعت وتمزقت من كثرة ما يمسكها. وهو على العموم أكثر من يقرأ القرآن من الصحابة الأخيار، حتى أنه كان يتوضأ ويصلي صلاة الفجر فيبقى والمصحف معه يقرأ حتى صلاة الظهر، وقال له بعض الصحابة: [[لو رفقت بنفسك يا أمير المؤمنين؟ قال: والله لو طهرت قلوبنا ما شبعنا من القرآن]] ﵁ وأرضاه، فالشاهد: أنه صلى ركعة. ومعاوية صلى العشاء ثم صلى ركعة وذهب لينام، فسئل ابن عباس وقيل له: [[إن معاوية صلى ركعة؟ قال: ذاك رجلٌ فقيه]] يعني: عنده فهم في الدين. وصلى سعد بن أبي وقاص ركعة ﵁ وأرضاه. لكن الأولى والأحسن ألا تُتخذ عادة، وللمسلم أن يصلي ركعة واحدة، لكنه خلاف النصوص الوفيرة الكثيرة عنه ﷺ : أن أقل الوتر ثلاث ركعات؛ لما روى أبو داود بسند جيد عن أبي أيوب ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ﴿من أوتر بسبع فهو أفضل، أو بخمس، أو بثلاث﴾ وهذا الحديث صححه ابن حبان والحاكم، فالثلاثة أقل الوتر، فمن شاء أن يوتر ويقلل فعليه أن يداوم على ثلاث ركعات، يقرأ في الأولى: سورة الأعلى، وفي الثانية: سورة الكافرون، وفي الثالثة: سورة الإخلاص؛ والدليل على ذلك حديث أبي بن كعب ﵁ وأرضاه، وهو صحيح عند النسائي قال: ﴿كان ﷺ يصلي الوتر ثلاث ركعات يقرأ في الأولى: بـ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ [الأعلى:١] وفي الثانية: بـ ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ [الكافرون:١] وفي الثالثة بـ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص:١] لا يسلم إلا في آخرهن﴾ ففي هذه الرواية، أي: رواية النسائي والحاكم عن عائشة: لا يفصل بينهن. وقال: محمد بن نصر المروزي في كتاب الوتر: يفصل بين الوتر، ولم ينقل في حديثٍ صحيحٍ أنه يوصل بين الوتر، قال ابن حجر: بل يوصل بينها، ومن صلاها كالمغرب، فجائز له ذلك. أما حديث أُبَي الذي أسلفت في سنن النسائي أنه يقول: ﴿لا يسلم إلا في آخرهن﴾ فلكم أن تراجعوه في الصفحة (٤٨١) من فتح الباري المجلد الثاني. فهذا -بارك الله فيكم- هديه ﷺ ، أو ما قاله في الوتر؛ لكنه ﷺ كان يصلي الوتر إحدى عشرة ركعة، تقول عائشة في صحيح مسلم: ﴿ما زاد ﷺ في رمضان، ولا في غير رمضان على إحدى عشرة ركعة، فإذا فاتته من الليل صلى من النهار اثنتي عشرة ركعة﴾. ففي هذا دليل على أن التراويح السُّنَّة فيها، والأَولى والأفضل أن تُصلى إحدى عشرة ركعة، ومن زاد فلا بأس، ومن صلى ثلاث عشرة ركعة، أو إحدى وعشرين، أو ثلاثاً وعشرين، أو زاد فلا بأس، لكن الأَولى والسُّنَّة هي هذه وهي التي وردت في الصحيح عنه ﷺ . ما يقرأ فيه؟ ذكرنا لكم أنه يقرأ فيه بِسُوَر: الأعلى، والكافرون، والإخلاص.

стр. 4618

دعاء الوتر ما هو دعاء الوتر؟ إذا أوترت، وقرأتَ: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص:١] وركعت كما هو معروف، فبعد أن ترفع صلبك من الركوع، ترفع يديك هكذا وتقول: اللهم اهدني فيمن هديت؛ لحديث الحسن بن علي ﵁ وأرضاه؛ ريحانة رسول الله ﷺ ، وهو في سنن الترمذي، وقال ابن حجر: فيه ضعف؛ ولكن له طرق تشهد له فيصبح بها حسناً، قال ﷺ : ﴿إذا أوترت، فقل: اللهم اهدني في من هديت، وعافني في من عافيت، وتولني في من توليت﴾. الحديث. ولك أن تدعو بما تيسر، سواء هذا الدعاء أو غيره من الدعاء الذي يجمع لك خيري الدنيا الآخرة.

стр. 4619

آداب الدعاء من آداب الدعاء: ١ - أن تبدأ بالحمد لله والصلاة والسلام على الرسول ﷺ ثم تدعو. ٢ - وترفع يديك بعد أن تقول: سمع الله لمن حمده، لما ثبت في مستدرك الحاكم، قال ﷺ : ﴿إذا رفعت صلبك فارفع يديك وادع الله يُجِبْك﴾ أورده ابن القيم في زاد المعاد. ٣ - وهل بعد أن تنتهي تمسح وجهك أم لا؟ الراجح والصحيح ألا تمسح وجهك؛ لأن مسح الوجه لم يرد فيه حديث صحيح، وإنما هو حديث ضعيف، قال ابن تيمية: أما مسح الوجه في الصلاة فلم يرد. ولم يرد عنه ﷺ حديثٌ صحيح في ذلك، فالأولى أن يمسح خارج الصلاة مرة في الدعاء ويترك مرة، أما داخل الصلاة فلا يمسح الوجه.

стр. 4620

حديث مسح الوجه بعد الدعاء السؤال هل حديث مسح الوجه في الصلاة لا يصح؟ الجواب بعض أهل العلم يصححه، منهم ابن حجر، والصحيح: أنه ضعيف، ولكن له شواهد، وابن تيمية يقول: على احتمال تحسين الحديث فيمسح الوجه خارج الصلاة مرة، وعلى احتمال ضعفه يترك مرة. وقد أفتى فيه كثير من أهل العلم؛ منهم: سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز، يقول: خارج الصلاة يمسح مرة ويترك مرة، أما داخل الصلاة فلا يمسح.

стр. 4621

تفصيل نظر الداعي إلى يديه السؤال هل الذي يدعو ينظر إلى يديه؟ الجواب لم يرد هناك شيء في النظر، ولكن الأَولى والأرجح أن ينظر إلى كفيه؛ لأنها الوجهة والقصد والمطلوب، وأجمع لقلبك، فينظر هناك عند كفيه، ولا يحيل بصره؛ لأن الداعي إذا دعا إنساناً أو طلبه فمن الأدب أن لا يحرف بصره عنه، وعند عبد الرزاق في المصنف بسند جيد يقول ﷺ : ﴿إذا قام العبد في الصلاة قام الله تجاهه، فإذا انصرف العبد ببصره انصرف الله عنه﴾ وهذه الرواية عن عطاء، ولكن لها شواهد تؤيد أنها صحيحة أو تبلغ الصحيح لغيره.

стр. 4622

قراءة المعوذتان والنفث قبل النوم السؤال الرسول ﷺ ثبت عنه أنه كان يقرأ المعوذات قبل أن ينام وينفث في يديه ويمسح جسمه بذلك، فهل هذا من المسح في الدعاء؟ وهل هذا يقتضي أنه يجوز أن يمسح الداعي بيديه وجهه؟ الجواب هذا سؤال جيد، لكن هذا في غير ما نحن فيه، لأن هذا قرآن، وفعل الرسول ﵊ له يريد به البركة على جسمه، وقد كان يمسح ما أقبل من جسمه وما أدبر. وأما ذاك فمسح من باب طول التكريم، وقيل: إظهاراً للنعمة، وقيل: تبركاً لعلَّ الله يجيب الدعاء.

стр. 4623

حكم قضاء الوتر إذا فات المسلم الوتر في الليل، فالسُّنَّة والذي تَرَجَّح من الأدلة: أن يقضيه في النهار، ولكن يقضيه شفعاً لا وتراً؛ أي: أنه إذا كان ترك في الليل ثلاث ركعات فيصلي في النهار أربعاً، وإذا كان ترك خمساً فتصلي ستاً، وإذا ترك سبعاً يصلي ثماناً. ولماذا اختلفت الهيئة في النهار؟ لأن وتر النهار صلاة المغرب، ووتر الليل صلاة الوتر، والدليل حديثٌ حَسَنٌ، حَسَّنه ابن خزيمة وغيره من أهل العلم، فاقتضى أنه يقضى سبعاً، والدليل عليه ما مر معنا في صحيح مسلم عن عائشة قالت: ﴿كان ﷺ يصلي من الليل إحدى عشرة ركعة، فإذا فاته الوتر صلى من النهار اثنتي عشرة ركعة﴾ أي: أنه يجعل بدل إحدى عشرة اثنتي عشرة. ولكن السؤال لماذا روى أبو داود وأهل السنن أنه ﷺ قال: ﴿من فاته الوتر فليقضه وتراً إذا ذكره﴾ وهذا على نظرين اثنين: النظر الأول: أن هذا قول لبعض أهل العلم؛ وذكره محمد بن نصر المروزي، وأن من الناس من يرى أن يقضى الوتر؛ وهي فتيا لبعض أهل العلم، فيقضى على هيئته ثلاث ركعات في النهار أو خمس. النظر الثاني: وقيل: إن هذا الحديث فيه ضعف، ويؤخذ بحديث عائشة الصحيح عند مسلم، والأَولى أن يقضى شفعاً في النهار.

стр. 4624

أفضل أوقات صلاة الوتر مسألة وهي: ما هو الوقت الأفضل في الوتر؟ قال أبو هريرة - كما في الصحيحين -: ﴿أوصاني خليلي ﷺ بثلاث لا أدعهن حتى أموت: بركعتي الضحى، وأن أوتر قبل أن أنام، وصيام ثلاثة أيام من كل شهر -وفي المسند بدل: صيام ثلاثة أيام في كل شهر ورد: بغسل الجمعة-﴾. قال ابن تيمية: إنما قال ﷺ لـ أبي هريرة أن يوتر قبل أن ينام؛ لأنه كان مشغولاً بتدارس الحديث في الليل، فخاف أن ينام عن مثله، فقال: ﴿أوتر قبل أن تنام﴾ ووقع لـ أبي هريرة هذا، فكان يوتر قبل أن ينام، ويتدارس الحديث ثم يصلي ما تيسر، أو ينام. وقال ابن تيمية أيضاً: إنما قال ﷺ : ﴿وركعتي الضحى﴾ لتعوض ركعتي الضحى عن قيام الليل في آخر الليل الذي قد لا يتسنى لـ أبي هريرة وأمثاله من الناس أن يصلوا ركعتي الضحى. فلْيُعْلَم هذا، فمن أوتر قبل أن ينام ولا يستطيع أن يقوم الليل له أن يصلي الضحى وهي صلاة الأوابين، فيكفر الله بها عنه، ويكتب له أجر ثلاثمائة وستين مفصلاً من مفاصل جسمه في هاتين الركعتين الخفيفتين، فهذا وقت. أما أوقاته الأخرى فالأفضل تأخيره إلى الليل؛ لحديث أبي أيوب الأنصاري: ﴿اجعلوا آخر صلاتكم بالليل وتراً﴾ وهو في سنن أبي داود كذلك، وصححه ابن حبان والحاكم. ولك أن توتر بعد صلاة العشاء، ولا بأس أن توتر قبل أن تنام، لكن أفضل أوقات الوتر آخر الليل، والوقت الفاضل كذلك قبل النوم، والوقت المفضول بعد صلاة العشاء. والإنسان يعرف عادته، وقدرته، وما يستطيع له، و: ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة:٢٨٦] ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن:١٦]. السؤال من نام بعد أن أوتر في الليل، ثم قام آخر الليل، هل يعيد الوتر، وقد أوتر في أول الليل، أم ماذا يفعل؟ الجواب يصلي شفعاً ولا يوتر، وهذا رأي الإمام مالك وأورده في الموطأ أنه يصلي شفعاً ولا يوتر وكأنه الصحيح، وهو الأولى؛ لأنه لا وتران في ليلة. فإذا أوتر في أول الليل فليصل شفعاً ركعتين، أو أربعاً، أو ستاً، أو ثماناً. وروي عن ابن مسعود ﵁ وأرضاه: أن من أوتر في أول الليل، وقام في آخر الليل وقد أوتر في أول الليل أنه يصلي ركعة واحدة تشفع له ما صلى، ثم يبدأ يصلي من جديد على الشفع ثم يوتر. لكن الأَولى ما ذهب إليه الإمام مالك لظاهر الحديث: أنه إذا أوتر في أول الليل يكتفي ويصلي ما يسر الله شفعاً.

стр. 4625

حكم الصلاة بعد الوتر مباشرة هل يصلى بعد أن يصلي الوتر مباشرة؟ ورد عنه ﷺ أنه صلى ركعتين بعد الوتر جالساً، فلك أن تصلي بعد الوتر جالساً ركعتين. قال النووي: يحتمل أن هذا لبيان جواز الصلاة بعد الوتر؛ لأن بعض الناس يتوهم أنه لا يجوز أن يصلي بعد الوتر، فأتى النبي ﷺ بهاتين الركعتين.
следующие страницы →