Полный текст (10 391 стр.). Показаны 4621–4660 · переход к 4626.
стр. 4621
تفصيل نظر الداعي إلى يديه
السؤال
هل الذي يدعو ينظر إلى يديه؟
الجواب
لم يرد هناك شيء في النظر، ولكن الأَولى والأرجح أن ينظر إلى كفيه؛ لأنها الوجهة والقصد والمطلوب، وأجمع لقلبك، فينظر هناك عند كفيه، ولا يحيل بصره؛ لأن الداعي إذا دعا إنساناً أو طلبه فمن الأدب أن لا يحرف بصره عنه، وعند عبد الرزاق في المصنف بسند جيد يقول ﷺ : ﴿إذا قام العبد في الصلاة قام الله تجاهه، فإذا انصرف العبد ببصره انصرف الله عنه﴾ وهذه الرواية عن عطاء، ولكن لها شواهد تؤيد أنها صحيحة أو تبلغ الصحيح لغيره.
стр. 4622
قراءة المعوذتان والنفث قبل النوم
السؤال
الرسول ﷺ ثبت عنه أنه كان يقرأ المعوذات قبل أن ينام وينفث في يديه ويمسح جسمه بذلك، فهل هذا من المسح في الدعاء؟ وهل هذا يقتضي أنه يجوز أن يمسح الداعي بيديه وجهه؟
الجواب
هذا سؤال جيد، لكن هذا في غير ما نحن فيه، لأن هذا قرآن، وفعل الرسول ﵊ له يريد به البركة على جسمه، وقد كان يمسح ما أقبل من جسمه وما أدبر.
وأما ذاك فمسح من باب طول التكريم، وقيل: إظهاراً للنعمة، وقيل: تبركاً لعلَّ الله يجيب الدعاء.
стр. 4623
حكم قضاء الوتر
إذا فات المسلم الوتر في الليل، فالسُّنَّة والذي تَرَجَّح من الأدلة: أن يقضيه في النهار، ولكن يقضيه شفعاً لا وتراً؛ أي: أنه إذا كان ترك في الليل ثلاث ركعات فيصلي في النهار أربعاً، وإذا كان ترك خمساً فتصلي ستاً، وإذا ترك سبعاً يصلي ثماناً.
ولماذا اختلفت الهيئة في النهار؟
لأن وتر النهار صلاة المغرب، ووتر الليل صلاة الوتر، والدليل حديثٌ حَسَنٌ، حَسَّنه ابن خزيمة وغيره من أهل العلم، فاقتضى أنه يقضى سبعاً، والدليل عليه ما مر معنا في صحيح مسلم عن عائشة قالت: ﴿كان ﷺ يصلي من الليل إحدى عشرة ركعة، فإذا فاته الوتر صلى من النهار اثنتي عشرة ركعة﴾ أي: أنه يجعل بدل إحدى عشرة اثنتي عشرة.
ولكن
السؤال
لماذا روى أبو داود وأهل السنن أنه ﷺ قال: ﴿من فاته الوتر فليقضه وتراً إذا ذكره﴾ وهذا على نظرين اثنين:
النظر الأول: أن هذا قول لبعض أهل العلم؛ وذكره محمد بن نصر المروزي، وأن من الناس من يرى أن يقضى الوتر؛ وهي فتيا لبعض أهل العلم، فيقضى على هيئته ثلاث ركعات في النهار أو خمس.
النظر الثاني: وقيل: إن هذا الحديث فيه ضعف، ويؤخذ بحديث عائشة الصحيح عند مسلم، والأَولى أن يقضى شفعاً في النهار.
стр. 4624
أفضل أوقات صلاة الوتر
مسألة وهي: ما هو الوقت الأفضل في الوتر؟
قال أبو هريرة - كما في الصحيحين -: ﴿أوصاني خليلي ﷺ بثلاث لا أدعهن حتى أموت: بركعتي الضحى، وأن أوتر قبل أن أنام، وصيام ثلاثة أيام من كل شهر -وفي المسند بدل: صيام ثلاثة أيام في كل شهر ورد: بغسل الجمعة-﴾.
قال ابن تيمية: إنما قال ﷺ لـ أبي هريرة أن يوتر قبل أن ينام؛ لأنه كان مشغولاً بتدارس الحديث في الليل، فخاف أن ينام عن مثله، فقال: ﴿أوتر قبل أن تنام﴾ ووقع لـ أبي هريرة هذا، فكان يوتر قبل أن ينام، ويتدارس الحديث ثم يصلي ما تيسر، أو ينام.
وقال ابن تيمية أيضاً: إنما قال ﷺ : ﴿وركعتي الضحى﴾ لتعوض ركعتي الضحى عن قيام الليل في آخر الليل الذي قد لا يتسنى لـ أبي هريرة وأمثاله من الناس أن يصلوا ركعتي الضحى.
فلْيُعْلَم هذا، فمن أوتر قبل أن ينام ولا يستطيع أن يقوم الليل له أن يصلي الضحى وهي صلاة الأوابين، فيكفر الله بها عنه، ويكتب له أجر ثلاثمائة وستين مفصلاً من مفاصل جسمه في هاتين الركعتين الخفيفتين، فهذا وقت.
أما أوقاته الأخرى فالأفضل تأخيره إلى الليل؛ لحديث أبي أيوب الأنصاري: ﴿اجعلوا آخر صلاتكم بالليل وتراً﴾ وهو في سنن أبي داود كذلك، وصححه ابن حبان والحاكم.
ولك أن توتر بعد صلاة العشاء، ولا بأس أن توتر قبل أن تنام، لكن أفضل أوقات الوتر آخر الليل، والوقت الفاضل كذلك قبل النوم، والوقت المفضول بعد صلاة العشاء.
والإنسان يعرف عادته، وقدرته، وما يستطيع له، و: ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة:٢٨٦] ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن:١٦].
السؤال
من نام بعد أن أوتر في الليل، ثم قام آخر الليل، هل يعيد الوتر، وقد أوتر في أول الليل، أم ماذا يفعل؟
الجواب
يصلي شفعاً ولا يوتر، وهذا رأي الإمام مالك وأورده في الموطأ أنه يصلي شفعاً ولا يوتر وكأنه الصحيح، وهو الأولى؛ لأنه لا وتران في ليلة.
فإذا أوتر في أول الليل فليصل شفعاً ركعتين، أو أربعاً، أو ستاً، أو ثماناً.
وروي عن ابن مسعود ﵁ وأرضاه: أن من أوتر في أول الليل، وقام في آخر الليل وقد أوتر في أول الليل أنه يصلي ركعة واحدة تشفع له ما صلى، ثم يبدأ يصلي من جديد على الشفع ثم يوتر.
لكن الأَولى ما ذهب إليه الإمام مالك لظاهر الحديث: أنه إذا أوتر في أول الليل يكتفي ويصلي ما يسر الله شفعاً.
стр. 4625
حكم الصلاة بعد الوتر مباشرة
هل يصلى بعد أن يصلي الوتر مباشرة؟
ورد عنه ﷺ أنه صلى ركعتين بعد الوتر جالساً، فلك أن تصلي بعد الوتر جالساً ركعتين.
قال النووي: يحتمل أن هذا لبيان جواز الصلاة بعد الوتر؛ لأن بعض الناس يتوهم أنه لا يجوز أن يصلي بعد الوتر، فأتى النبي ﷺ بهاتين الركعتين.
стр. 4626
الأمور المساعدة على قيام الليل
ما هي الأمور التي تعين المسلم على قيام الليل؟
وأما فضل قيام الليل، فمهما عدَّد المعدِّد، ومهما تكلم المتكلم عن فضله فإنه أكثر من أن يذكر، ومن أراد تربية نفسه وروحه وقيادة قلبه إلى الله فعليه بقيام الليل، ولو بمقدار حلب شاة، وورد في مجمع الزوائد بأسانيد تفيد أنه حديث حسن: ﴿لا بد من قيام بالليل ولو بقدر حلب شاه﴾ فهذا الوقت الصغير القصير الذي يمكن أن يقوم الإنسان ولو قبل صلاة الفجر بدقائق، يمكنه من الدعاء المستجاب إن شاء الله؛ ففي الصحيحين عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ﴿إن الله ينزل في الثلث الأخير إلى سماء الدنيا، فيقول: هل من داعٍ فأستجيب له، هل من مستغفر فأغفر له، هل من سائل فأعطيه﴾ فهذا هو وقت الإجابة وهو من أعظم الأوقات.
ومما يعين على قيام الليل: التقليل من الخطايا والذنوب؛ فإنها توبق العبد، وتقيده عن قيام الليل، وعن الأعمال الصالحة، قيل للحسن البصري: [[يا أبا سعيد! لا نستطيع القيام؟ قال: قيدتكم خطاياكم ورب الكعبة]] فعلى العبد أن يستغفر كثيراً قبل أن ينام، وأن يتوب إلى الله.
يقول ابن تيمية: للعبد أن يأخذ وِرداًً من الدعاء، وحبذا لو كان قبل النوم، يقول في المجلد العاشر، والحادي عشر: حبذا أن يكون قبل النوم ليكون كفارة لما أسرف به وفعله في نهاره، ولا بد من الذنوب والخطايا.
فعلى العبد أن يستغفر قبل أن ينام كثيراً، وأن يذكر الله لينام وهو تائب منيب، فإن توفاه الله كان من الخالدين الصالحين: ﴿الَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَنَتَجَاوَزُ عَنْ سَيِّئَاتِهِمْ فِي أَصْحَابِ الْجَنَّةِ وَعْدَ الصِّدْقِ الَّذِي كَانُوا يُوعَدُونَ﴾ [الأحقاف:١٦] وإن كان من الباقين كتب الله أجر يومه، وغفر ذنوبه.
ومما يعين على قيام الليل: التسبيح ثلاثاً وثلاثين، والتحميد ثلاثاً وثلاثين، والتكبير ثلاثاً وثلاثين؛ فإن الرسول ﷺ أوصى بها علياً وفاطمة ﵄ فقال: ﴿هما خيرٌ لكما من خادم﴾ قال ابن القيم: يريد أنها في القوة مثل الخادم.
فهي مجردة تقوي العبد، وتجعل عنده نشاط وهمة، ومن يسر الله له الخير تيسر.
وكذلك أن ينام الإنسان مبكراً، وألاَّ يسهر كثيراً في غير طارئ إلا في مدارسة علم، أو في جلسة خير، أو قراءة القرآن وتدبره، وإذا علم أنه سوف يقوم لصلاة الفجر وتدبره، أما إذا علم أنه سوف تفوت عليه صلاة الفجر، فحرام أن يسهر هذا السهر، فليُعلم هذا.
وفي البداية والنهاية لـ ابن كثير قال ابن كثير: توفيت زبيدة زوجة هارون الرشيد، وأم الأمين، فرئيت في المنام، وزبيدة هذه هي التي أجرت عيناً في مكة، المسماة: عين زبيدة، فرئيت زبيدة هذه في المنام، فقال لها ابنها: ما فعل الله بك؟ قالت: كدت أهلك -أي: أُعَذَّب- فقال: وأين العين -عين زبيدة - وأجرها وثوابها التي أجريتِها للحجاج؟ قالت: ما نفعتني بشيء، كادت تهلكني تلك العين، قال: ولِمَ؟ قالت: ما أردت بها وجه الله فما نفعتني.
قال: وما نفعك إذاً؟ قالت: نفعتني رحمة الله، ثم إنه ما مرت عليَّ ليلة إلا أقوم في السحر، فأتوضأ ثم أقوم على شرفات القصر -قصر هارون الرشيد؛ لأنه خليفة وهي زوجته- فأنظر في السماء وأقول: لا إله إلا الله أدخل بها قبري، لا إله إلا الله أقضي بها عمري، لا إله إلا الله أقف بها في حشري، لا إله إلا الله يغفر بها ربي ذنبي.
فهذا العمل القليل نفعها أكثر من تلك العين، والمشروع الضخم الذي عد في التاريخ من أفضل المشاريع التي عرفتها الأمة، ما نفعها بشيء: ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُوراً﴾ [الفرقان:٢٣] إن عملاً لا يراد به وجه الله لا ينفع صاحبه أبداً، ولذلك قال ﷺ كما أورده المنذري في الترغيب والترهيب: ﴿يا معاذ! أخلص عملك يكفيك القليل﴾ فإن المقلَّ مع الإخلاص يكفيه وهو من السابقين عند الله ، والمكثر بلا إخلاص لا ينفعه، كالذي يحمل الحجارة على ظهره فهو لم يستفد منها، ولم يسلم من حملها وثقلها، فليُعلم هذا.
نسأل الله لنا ولكم التوفيق والهداية.
стр. 4627
الأسئلة
стр. 4628
أحوال السلف في البكاء من خشية الله
السؤال
كيف نوفِّق بين ما ذكر في الدرس من أن أبا بكر ﵁ وأرضاه كان إذا قرأ لا تسمع قراءته من كثرة البكاء، وبين الأوزاعي الذي كان لا يبكي أمام الناس، فإذا خلا بنفسه بكى حتى يَرثِِي له الجيران؟
الجواب
هذا ثابت في الصحيح من حديث عائشة: ﴿كان أبو بكر رجلاً أسيفاً -وفي لفظ: حزيناً، وفي لفظ: رقيقاً-﴾ وورد في كتاب الزهد للإمام أحمد بسند جيد: [[أن أبا بكر ﵁ وأرضاه دخل مزرعة رجل من الأنصار فرأى طائراً يطير من شجرة إلى شجرة، وهو خليفة، فبكى حتى جلس، فقال له الصحابة: ما لك يا خليفة رسول الله؟ قال: أبكي من هذا الطائر، يرد الماء، ويأكل الشجر، ثم يموت، فلا حساب ولا عذاب، ثم قال: يا ليتني كنت طائراً!]] فبكى الصحابة رضوان الله عليهم، وهذا معلوم.
وفي مسند الإمام أحمد -وأول مسند فيه أبو بكر - في الصفحات: الأولى، والثالثة، والرابعة: أنه وقف على المنبر فبكى، ثم رفع رأسه وقال: [[أيها الناس! وقف ﷺ موقفي هذا، ثم بكى ونكس رأسه، ثم رفع رأسه، ثم قال: أيها الناس! نسأل الله العفو والعافية]] فعُلم أن أبا بكر لا يمتلك عينيه ﵁، طبيعته هكذا، وإيمانه، واتصاله بالله جعله لا يملك عينيه أبداً، بل ربما كان في حياته يقولون: [[إذا ذكر ﷺ دمعت عيناه على لحيته ﵁ وأرضاه]].
وأما الأوزاعي فأورد ابن كثير في البداية والنهاية في ترجمة الأوزاعي، وأورد الذهبي، صاحب سير أعلام النبلاء: أنه كان لا يبكي أمام الناس، وإذا خلا أغلق على نفسه بابه وبكى طويلاً حتى يَرثِي له جيرانه، من خشية الله .
ويوفق بينهم أن الأوزاعي استطاع أن يملك شعوره وجوارحه, وأن يملك عواطفه فاستطاع ألا يبكي، أما أبو بكر فما استطاع، يقول المتنبي:
إذا اشتبكت دموع في خدود تبين من بكى ممن تباكَى
فهذا استطاع، وذاك لم يستطع، فرضي الله عنهم وأرضاهم جميعاً.
стр. 4629
حكم قضاء الوتر بين أذان الفجر والإقامة
السؤال
هل يقضي الوتر بين أذان الفجر والإقامة؟
الجواب
هذه المسألة فاتتنا، وقد تعرض لها ابن حجر، هل يقضى الوتر بين أذان الفجر وبين الإقامة؟
ورد في حديث عند محمد بن نصر المروزي أنه ﷺ قال: ﴿إذا خشي أحدكم الفجر فليوتر بركعة﴾ وهو في الصحيح من حديث ابن عمر، قال: ﴿وقف رجلٌ يسأل رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله! صلاة الليل؟ قال: مَثْنَى مَثْنَى، فإذا خشيت الفجر فأوتر بركعة﴾ فقال: خشيت الفجر، أي: أنه لا صلاة وتر بعد الفجر.
لكن أورد ابن حزم، صاحب المحلى: أن الصحابة أوتروا بعد الفجر.
وخلاصة المسالة: أن من فاته الوتر، وأتى الفجر فله أن يصلي ولو ركعة بعد أذان الفجر إلى الإقامة، ولا بأس بذلك، وأما أن يتخذها عادة دائماً فلا يصح هذا، والصحابة لم يفعلوه، ولا الرسول ﷺ .
стр. 4630
من الأسباب المعينة على قيام الليل
السؤال
هل التخفيف في وجبة العشاء من الأسباب التي تعين على قيام الليل؟
الجواب
وهذا الكلام الذي أورده الأخ الكريم أورده الغزالي في إحياء علوم الدين يقول: إن من الأسباب التي تعين على قيام الليل: أن يخفف الإنسان عشاءه.
стр. 4631
حكم قضاء النافلة
السؤال
من نسي النافلة، ثم ذكرها، ماذا عليه؟
الجواب
إذا كان في الليل الثاني فله أن يقضيها، ولو ذكرها بعد أيام؛ لأن هذا من باب قضاء النوافل، والنوافل تقضى ولو بعد أيام.
стр. 4632
حكم صلاة الوتر بسلام واحد
السؤال
هل يصلي الوتر بسلام واحد؟
الجواب
هذا هو الصحيح، وهذا هو الأولى والأغلب؛ لكن المسألة التي أوردتُها قبل قليل فهي لبيان الجواز، فمَن صلاها بسلام واحد فجائز؛ لحديث أُبَي الذي أورده في سنن النسائي أنه صلاها ﷺ بسلام واحد، ولكنه كان غالباً يصليها بفاصل، وما هذا إلا لأبين الجواز من الأفضل، ولكن الأفضل أن يفصل مثنى مثنى، أي: بسلام.
стр. 4633
من لا يستطيع قيام الليل ؟
بقيت مسألة لا بد من التنبيه عليها، وهي: أن كثيراً من الناس لظروفهم ولأعمالهم ولمشاغلهم، وما عندهم من الأسر لا يستطيعون أن يداوموا على قيام الليل، فما هو الذي ينوب عن قيام الليل؟ وكثير من الناس ليس عندهم مال ينفقونه في سبيل الله، ولا عندهم طائل في المال ولا في الدخل، فماذا يفعلون؟ وكثير من الناس كذلك لا يستطيعون أن يجاهدوا في سبيل الله، فماذا يفعلون؟
وكل هذه الأسئلة يجيب عنها سؤال معاذ ﵁ وأرضاه، يقول: قال رسول الله ﷺ : ﴿مَن أعياه الليل أن يكابده، والنهار أن يصومه، والمال أن ينفقه، والعدو أن يجاهده، فعليه بذكر الله عزوجل﴾ فأدلكم وأدل نفسي على أكبر وأفضل وأيسر وأسهل عمل في الإسلام يعدل القيام والصيام والنفقة والجهاد، ويعدل كل نافلة في الإسلام بعد الفرائض: عليكم بذكر الله، معنى ذلك: أنك تذكر الله في بيتك ومسجدك وطريقك وسيارتك؛ حتى تصبح عادة، ولذلك ورد عنه ﷺ عند الترمذي، كما أورده ابن حجر في بلوغ المرام في باب الذكر؛ يقول الله في الحديث القدسي: ﴿أنا مع عبدي ما ذكرني وتحركت بي شفتاه﴾ فكلما ذكر الله ، وكلما حرك العبد شفتيه كلما كان قريباً من الله، فينوب عن قيام الليل والصدقة والأنفاق وعن كثير من البذل.
وعند ابن تيمية في المجلد العاشر رسالة من سائل اسمه أبو القاسم المغربي، بسؤال مشهور؛ قال فيه: دلني على أفضل عمل بعد الفرائض؟ قال: عليك بذكر الله.
فأفضل عملٍ بالإجماع بين أهل العلم هو: ذكر الله .
فعلى المسلم أن يعود نفسه على التسبيح، لأنه قد يسبح في المجلس الواحد أو في دقائق معدودة ما يعادل أجر نفقة كثيرة، قال ابن مسعود ﵁: [[لأن أقول: سبحان الله! أحب إليَّ من أن أنفق درهماً في سبيل الله]].
وعند الترمذي بسند حسن؛ قال ﷺ : ﴿من قال: سبحان الله العظيم وبحمده غُرِسَت له نخلة في الجنة﴾.
فعلى الإنسان أن يستعين بالله ، وأن يكثر من الذكر والدعاء لتنوب عن هذه الأمور، ثم إن تيسر له القيام والصيام والنافلة والجهاد والإنفاق فعليه بذلك، والله الميسر.
стр. 4634
أفضل الذكر
السؤال
ما هو أفضل الذكر؟
الجواب
أفضل كلمة أتى بها ﷺ بعد القرآن وهي من القرآن: لا إله إلا الله؛ فليس في الإسلام أفضل منها، وكل الكلمات تضم شفتيك بها: التسبيح والتكبير والتحميد والاستغفار والحوقلة، أما لا إله إلا الله فالإنسان لا يستطيع أن يضم شفتيه فيها، ومن أراد أن يجرب فليجرب إذا انتهت صلاة العشاء مائة مرة ليكتب الله له مائة حسنة، ويمحو عنه مائة سيئة، فتكون له عدل عشر رقاب، وتكون له حرزاً يومه ذلك حتى يمسي، كما في حديث أبي هريرة عند البخاري.
стр. 4635
حكم الذكر مع انشغال القلب
السؤال
بعض الناس يذكر الله وقلبه مشغول، فلا يذكر إلا بلسانه.
الجواب
الذكر على ثلاث مراتب:
المرتبة الأولى: أن تذكر الله بقلبك وبلسانك.
والمرتبة الثانية: أن تذكر الله بقلبك دون لسانك.
والمرتبة الثالثة: أن تذكر الله بلسانك دون قلبك.
وكل هذه مأجور ومشكور فيها، وثوابك حاصل لكن على درجات، أفضلها: الدرجة الأولى، مهما حركت شفتيك فالله معك، ومهما تلفظت فالملائكة تسجل ما قلت، سواءً أحضر قلبك أم غاب، فعليك بالاشتغال بذكر الله : ﴿سبق المفردون: قالوا: وما المفردون يا رسول الله؟ قال: الذاكرون الله كثيراً والذاكرات﴾ ﴿أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ [الرعد:٢٨] فاذكروا الله يذكركم.
стр. 4636
حكم حديث: لا تصلوا ثلاثا، لا تشبهوا
السؤال
ما حال حديث: ﴿لا تصلوا ثلاثاً، لا تشبِّهوا بها صلاة المغرب﴾؟
الجواب
هذا الحديث وارد، يقول: ﴿لا تصلوا ثلاثاً، لا تشبِّهوا بها صلاة المغرب﴾ وهذا لا يحضرني سنده إلى الآن، فأنا أبحث عنه، ومن عنده سنده فليفدنا بهذا الحكم على هذا الحديث.
стр. 4637
حكم صلاة الوتر بعد جمع التقديم
السؤال
هل يُصلِّي المسافر الوتر بعد العشاء إذا جمعها مع المغرب؟
الجواب
إذا جمعت العشاء والمغرب جمع تقديم فلك أن تصليها، فلو صليتها مع العشاء بعد صلاة العشاء لصح هذا، لكن الأفضل أن تجعله قبل نومك، ولكن لو صليته مباشرة بعد العشاء لصح الوتر، فهو وتر الليلة، والليلة تبدأ من غروب الشمس إلى بداية الفجر، بلا شك.
وفي ختام هذه الجلسة نتوجه إلى الله أن يتقبل منا ومنكم صالح الأعمال، وأن يتجاوز عنا وعنكم سيئها.
اللهم بعلمك الغيب، وبقدرتك على الخلق، أحينا ما كانت الحياة خيراً لنا، وتوفنا إذا كانت الوفاة خيراً لنا.
اللهم إنا نسألك خشيتك في الغيب والشهادة، ونسألك كلمة الحق في الغضب والرضا، ونسألك القصد في الغنى والفقر، ونسألك لذة النظر إلى وجهك، والشوق إلى لقائك من غير ضراء مضرة، ولا فتنة مضلة، برحمتك يا أرحم الراحمين!
سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين.
وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.
стр. 4638
سهام الليل
الأمة اليوم تعيش في ذل وهوان، ولا يمكن أن تنتصر إلا بقربها من الله، وبدعائها إياه.
والدعاء له آداب، وله أوقات هو فيها أرجى من غيرها، وقد أتقن السلف ﵏ استخدام هذا السلاح لينصروا به دين الله ، وما ذلك إلا لأنهم أخذوا بأسبابه، وعرفوا أوقات إجابته، وتجنبوا موانع الاستجابة.
стр. 4639
وقفات للسائلين مع رب العالمين
إن الحمد لله، نحمده ونستيعنه ونستغفره ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له.
وأشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
عنوان هذا الدرس: (سهام الليل)
ولليل سهام لا يجيد إطلاقها إلا الموحدون، تطْلَق بأوتار العبادة، وبقسيِّ الدموع في السحر إلى الله الواحد الأحد، فيجيب من شاء متى شاء إذا شاء، ﴿تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [الأعراف:٥٤].
هذه هي ليلة الأحد مساء السبت: ١٤/رجب/١٤١٢هجرية.
وحديثنا من كلام الله ومن سنة رسوله ﷺ ، وإنني أسأل الله في هذه الساعة المباركة أن يبلغ رسوله منا أزكى السلام وأشرف التحية.
بلغ السهى بكمالهِ
زان الورى بجمالهِ
صلُّوا عليه وآلهِ
اللهم صلِّ وسلم عليه صلاةً وسلاماً دائمَين كريْمَين مباركَين ما دام الليل والنهار، وما فاحت الأزهار، وما تدفقت الأنهار، وما صاحت على الأيك الأطيار.
صلوا على المصطفى ما اهتز تيارُ وما تلألأ في الآفاق أنوارُ
صلوا عليه وزيدوا في صلاتكم فنحن في شرعه الميمون أنصارُ
والصلاة عليه ﵊ حق له جزاء ما قدم للأمة، وما أنقذنا به من متاهة الجهل، وما أخرجنا به من الظلمات إلى النور؛ فإن من حقوقه الثابتة علينا ﵊ أن نكثر من الصلاة والسلام عليه دائماً وأبداً.
صلاةٌُ والدموع بها تُهَلُّ وتسليم أرتله أجلُّ
فيا أخيار صاحبكم عظيمٌ ومعصوم عليه اليوم صلُّوا
لكنها صلاة وسلام على منهج أهل السنة والجماعة، لا على منهج أهل البدع الذين جعلوا الصلاة والسلام عليه رقصاً وغناءً وتطبيلاً، بل صلاة بوقار واتباع، وتسليم بحب وميل إليه ﵊.
стр. 4640
لفتة مع دعاء أبي بن كعب
جاء عند الترمذي من حديث أبي بن كعب قال: قلت: ﴿يا رسول الله! كم أجعل لك من صلاتي؟ -أي: من دعائي- قال: ما شئتَ، قال: أجعل لك الثلث؟ قال: ما شئتَ وإن زدتَ فأحسن، قال: النصفَ؟ قال: ما شئتَ وإن زدتَ فأحسن، قال: الثلثين؟ قال: ما شئتَ وإن زدتَ فأحسن، قال: أجعل لك صلاتي كلها، قال: إذاً يُغْفَر ذنبُك، وتُكْفَى همك﴾.
حديث صحيح.
ولسيرة أبي بن كعب طعم في قلوب الموحدين، وهو سيد القراء، وكان عمر يهابه كثيراً، وكان إذا تنازع القراء في عهد عمر عادوا إلى أبي، بل ذكر أهل الحديث والفقه أن الرسول ﵊ تجاوز آية وهو يصلي بالناس، فالتفت إلى الناس بعد الصلاة فقالوا: يا رسول الله! نُسِخَت الآية، أم نسيتَ؟ قال: ﴿يا أبا المنذر! أكما يقولون؟﴾؛ لأنه مرجعية ثابتة في علم القراءة، فهو رئيس قسم القراء في عهده ﵊.
وقد مرض بالحُمَّى ثلاثين سنة، حتى كُفِّرَت سيئاته -إن شاء الله- وخطاياه.
استقبله ﵊ فقال له: ﴿أي آية في كتاب الله أعظم؟ قال: الله ورسوله أعلم، قال: أي آية في كتاب الله أعظم؟ قال: ﴿اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ [البقرة:٢٥٥] فضم ﷺ كفه وضرب في صدره وقال: لِيَهْنَكَ العلم أبا المنذر﴾ أي: افرح واغتبط بهذا العلم الصافي، النَّمِير الثابت، العميق الأصيل.
وجاء عند مسلم: ﴿أن سورة البينة لما نزلت على المعصوم ﵊ أمر الله جبريل أن يأمر الرسول ﵊ أن يقرأها على أبي بن كعب، فقام ﵊ وذهب إلى أبي في بيته، وقال: إن الله أمرني أن أقرأ عليك سورة البينة.
قال: أوسَمَّاني في الملأ الأعلى؟ -أي: هل ذكرني عند الملائكة باسمي أبي بن كعب؟ - قال: نعم سَمَّاك﴾ فأجْهشَ بالبكاء.
سلام على رسول الله ﷺ ورضي الله عن أبي بن كعب، وإنما هي لفتة في الطريق، والمقصود: سهام الليل.
وأنتم حملة الأسهم، وأنتم المستضعفون، ولذلك أحببناكم في درس المستضعفين.
اللهم إن بني إسرائيل عصوك يوم السبت وليلة السبت فمسختهم قردة وخنازير، وقد أطعناك واجتمعنا في مساء السبت فاجعلنا مرحومين بررة مقبولين.
стр. 4641
الدعاء في جوف الليل
ينادي الله المتحابين يوم العرض الأكبر كما في صحيح مسلم فيقول: ﴿أين المتحابون في جلالي؟ اليوم أظلهم في ظلي يوم لا ظل إلا ظلي﴾ نسبي بيني وبينكم هذا الحب وهذا المسجد، وقصة الحب معكم انطلقت من قبل خمس سنوات، وابتدأت من مسجد أبي بكر الصديق، فلنا من الصديق نسب، ولنا من مساء هذا اليوم نسب، ولنا مما يتلى هنا -قال الله وقال رسوله- نسب.
ولو أنه نور فريد عذرته ولكنه نور وثانٍ وثالثُ
فعسى الله أن يجمع بيننا وبينكم بالنسب الخالد في مقعد صدق عند مليك مقتدر ﴿الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ﴾ [الزخرف:٦٧].
قال ابن القيم مخاطباً أمثالَكم؛ لأنه كان عنده بررة في القرن السابع من أمثالكم، وكل قرن يفخر ببررته، وأنتم من بررة وصفوة هذا القرن، قال في أحبابه:
وكنت إذا ما اشتد بي الشوق والجوى وكادت عُرى الصبر الجميل تَفَصَّمُ
أعلِّل نفسي بالتلاقي وقربِه وأوهِمُها لكنها تتوهمُ
إلى آخر ما قال.
فيا أيها الأحباب: أسأل الله أن يزيد هذا الحب، وأن ينميه ويعمقه وأن يبارك فيه، وأن ينفعنا به وإياكم، فإنني ما اخترتُ هذا إلا لأنكم أنتم الذين تملكون هذا السلاح، وهو سلاح فتاك لكنه معطل، وهو قوة كبرى -دعاء الليل- وهو يوجد عندكم ولا يوجد عند غيركم؛ فإن الكيانات قد تملك صواريخ أسكود، والكيماوي، والطائرات، والمدمرات، والزواحف؛ ولكنها لا تملك هذا السلاح المعطل الذي لا يوجد إلا عندكم، لأنكم أنتم صفوة المجتمعات، وإذا صفَّى المجتمع أصحابه وأخياره ومفكريه وطلبة العلم كنتم أنتم الصفوة المثمرة النافعة التي تملك سهام الليل.
لماذا الليل؟
لأن الليل له طعم خاص، وله أثر في العبادة، فهو:
أولاً: أبعد عن الرياء والسمعة.
ثانياً: أهدأ للنفس.
ثالثاً: يكون الإنسان به أقرب من رب العالمين.
ولقد صور الشعراء الليل مع الله بصور، ومنهم: ابن القيم، يمدح أصحاب الرسول ﵊ فيقول فيهم:
بالليل رهبان وعند لقائهم لعدوهم من أشجع الأبطال
وقال آخر في أصحاب الرسول ﵊:
عباد ليل إذا جن الظلام بهم كم عابد دمعه في الخد أجراهُ
وأسد غاب إذا نادى الجهاد بهم هبوا إلى الموت يستجدون رؤياهُ
يا رب فابعث لنا من مثلهم نفراً يشيدون لنا مجداً أضعناهُ
ولن تعود لنا أفغانستان سليمة ولا الأندلس ولا فلسطين إلا إذا قمنا الثلث الأخير، ولن ينتشر هذا الخير، ولن تعود الأمة إلى التوحيد، إلا إذا جلسنا جلسة راضية في الثلث الأخير مع الله.
قلتُ لليل هل بجوفك سرٌ عامرٌ بالحديث والأسرارِ
قال لم ألقَ في حياتي حديثاً كحديث الأحباب في الأسحارِ
стр. 4642
الوزير ابن بقية يقطع الله يده بدعوة
دخل أحد الصالحين على الوزير ابن بقية -وقيل: غيره من الوزراء- فمَدَّ ابنُ بقية يدَه فضرب بها هذا الرجل الصالح والأيادي قد ترسل على الخلق لتبطشهم إن لم تقيد بتقوى من الله فقال له الصالح: لأرُدَّنَّ عليك بسهام الليل، قال: اذهب أنت وسهامك.
فاشتكى إلى الله، وجلس بعدها بِلَيْلة في السحر يرفع شكواه إلى الواحد الأحد.
قيل لـ علي بن أبي طالب: كم بين التراب والعرش؟ وظن السائل أن علياً سوف يعد له بالكيلومترات أو بالأميال، قال: [[بينهما دعوة مستجابة]].
ويقول ﷺ : ﴿ودعوة المظلوم يرفعها الله فوق الغمام، ويقول: وعزتي وجلالي لأنصرنك ولو بعد حين﴾.
أما هذا الرجل الصالح الذي لطمه الوزير العباسي، الذي جعل لطمته لأحد المستضعفين والفقراء وليس وراءه هيئة تطالب بحقوقه؛ لكن معه الله جلس في السحر يدعو ويشكو ويبكي ويقول: يا رب! لطمني والله يعرف أنه لطمه، والله سوف يقتص له، لكن أراد هذا الرجل الصالح أن يكون النصف والعدل في الدنيا.
قال: اللهم كما لطمني بيده، اللهم اقطعها في الدنيا.
فاستولى الخليفة القاهر على الخلافة، وأتى بالوزير فقطع يده، وعلقها بباب الطاق عند مدخل بغداد، ومرَّ هذا الفقير ورأى اليد مقطوعة؛ لأنه اشتكى في الثلث الأخير من الليل.
جاء في الصحيحين من حديث أبي هريرة، قال: ﴿ينزل ربنا إلى سماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل، فيقول: هل من سائل فأعطيه؟ هل من مستغفر فأغفر له؟ هل من داعٍ فأجيبه؟﴾.
قال المفسرون -وقد ذكره ابن كثير وغيره- في قوله عن يعقوب حين قال لأبنائه: ﴿قَالَ سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّي إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [يوسف:٩٨] قالوا: لماذا لا يستغفر لهم وهم جلوس عنده؟ فقالوا: يريد أن يتحرى بهم السحر، أي: أراد أن يلتقي مع ربه في السحر، فقال: أنظروني قليلاً حتى يأتي السحر، فسوف أستغفر لكم ربي إنه هو الغفور الرحيم.
ومدرسة المساكين والفقراء لا يعشقها إلا رواد الحق، ولا يحبها إلا أحفاد محمد ﵊، فهم يأتون من كل حدب وصوب لهذا الدرس ولأمثاله، ولهذه المحاضرة ولأمثالها، ويحشدون ويؤيدون السواد المؤمن، ويأتون ويباركون المسيرة الخالدة الموجهة التي بنيت على تقوى من الله ورضوان، فهم أهل الثلث الأخير من الليل، وهم أهل السلاح الفتاك الذي هو سهام الليل.
وبيننا وبينكم وصية نجعلها سراً ولا تخبروا بها أحداً من الناس، وكلما ذكرت لكم سراً من الأسرار في درس السبت ذهبت إلى الناس فوجدت هذا السر قد انتشر.
هذا السر: أن ندعوَ لكم وتدعو لنا، لا نريد منكم شيئاً ولا تريدون منا شيئاً، فليس بيننا شركة ولا مؤسسة، ولا مقاولات ولا بنايات ولا عمارات ولا فِلَل، بيننا أننا جمعية كبرى إمامها محمد ﵊، وأعضاؤها كل خيِّر في الأرض، وأنتم من روادها؛ ولكن بيننا حبل متين، وهو الدعاء في ظهر الغيب.
стр. 4643
لا يأتي النصر إلا بالدعاء
تصوروا لو أن هذا الجمع وأمثاله وأضعافه وآلاف أضعافه في العالم الإسلامي يقومون قبل السحر بدقائق وبلحظات، فيرفعون الأكف، وفي أدبار الصلوات وفي السجود، ثم يدعون بالنصر لأهل الإسلام وعلمائه ودعاته، ويدعون بالمحق والسحق والهزيمة والخذلان لأعداء الله.
فما النتيجة؟!!
قدِّر أن واحداً قُبِلَتْ دعوتُه! أليس فينا رجل رشيد؟! أما في هذا الجمع والوجوه المكرمة الموقرة رجل يعلم الله أنه صادق؟! لماذا؟ لأن الولاية لا زالت لله، ولله أولياء من عباده، والولاية ليست حكراً على قسم السنة في أصول الدين، ولا قسم العقيدة في الشريعة، ولا القضاء، ولا العلم، ولا الفُتيا، وإنما هي منثورة مبذولة من الواحد الأحد فهناك الولي في بقالةٍ، أو بنشرٍ، أو مؤسسةٍ، أو عيادةٍ، أو مستشفىً، أو وزارةٍ، أو دائرةٍ، أو مدرسة؛ لأن الله ينثر المناقب كما ينثر المثالب.
أيضاً مما يُجَمِّل هذا المجلس: أنه مجلس لا يرتاده إلا من يريد الإسلام لذاته، والله يأمر رسوله ﵊ في لفتة من لفتات القرآن أن يأتي إلى الفقراء، وأن يجلس مع المساكين، وأنا أعلم أن بعض من يأتي هم من الأغنياء والأثرياء، ولكن هكذا مسيرة المساكين؛ لأن محمداً ﷺ هو إمام المستضعفين؛ لأنه حررهم؛ ولذلك أحبوه، وعشقوا سيرته، وقدموا جماجمهم في نصرة مبادئهم في أحد وفي بدر والقادسية واليرموك ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطاً﴾ [الكهف:٢٨].
إن مجالسَ المستضعفين هي: ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ﴾ [النور:٣٦].
ولباسَهم: التقوى ﴿وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ﴾ [الأعراف:٢٦].
وهوايتَهم: ﴿يُرِيدُونَ وَجْهَهُ﴾ [الأنعام:٥٢].
وشغلَهم الشاغل: ﴿يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لا يَفْتُرُونَ﴾ [الأنبياء:٢٠].
وسَمَرَهم في نادٍ ليلِيٍّ كُتِبَ عليه: ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ﴾ [السجدة:١٦].
فيا خيمتَي ليلى بعيني سُراكُما ولا ليلَ يُعطينا الودادَ وأنجما
стр. 4644
قصيدة في مدح النبي ﷺ
معذرة! قبل أن أشرع في الموضوع، كانت آخر مقطوعة: وقفةُ إجلال لمعلم الجيل، وهو محمد ﵊، وهي بنت الساعة، والمخاطب الرسول ﵊:
المعاني إليك فرضاً ونفلا والتحيات في معاليك تُجْلى
وشباب هم المحبون أضحوا فيك يا أكرم المحبين قَتْلَى
لِمَ قتل الشباب في أفغانستان؟ وخرجت مسيرة مليون شاب في الجزائر يطالبون بحكم الله؟ ولِمَ يتدفق الشباب في فلسطين يقدمون صدورهم لبنادق الصهاينة؟ كل هذا لحب الله وجل ولحب محمد ﷺ .
وشبابٌ هم المحبون أضحوا فيك يا أكرم المحبين قَتْلَى
أنتَ أوقدتَ في القلوب مناراً فأتتك القلوبُ بالحب عَجْلَى
شَهِدَتْ صدقَك الشعوبُ وصلَّت أدمعُ العاشقين والوصلُ يُتْلَى
واستفاقَ الزمان أحسن ما كا ن ورؤياه بالفضائل حُبْلَى
يَعْرُبِيَّاتُنا بغيرك زيفٌ والهوى في سواك أصبح جهْلا
يعربياتنا: العروبة بغير محمد ﷺ في الوحل.
والدماء الدماء سالت لتروي في ثراك الميمون سفحاً وسهلا
أنشد الفجر ثم غنى سروراً والعصافير في حقولك جذلى
وهشيم البستان يخضر رياً وعيون الوادي من الهجر نجلا
سر بنا موكباً من الموت إنا حمزة كلنا وسيفك أعلى
اسقنا من بلال صوت يقين كلما أذن الوفا فيه صلى
وارتجل خطبة الشهادة فينا ما عشقنا التراب بعدك كَلاَّ
بك نلوي أعناق كل عنيدٍِ ليرى الحق في الوجود وإِلاَّ
هل وعى الليل سرَّنا هل رآنا هل دعا غيرنا مدى الدهر خِلاَّ
هل لهذا التاريخ كفء سوانا هل على غير نأينا يتسلى
اللهم صلِّ وسلم على محمد.
стр. 4645
إجابة الله للدعاء
سهام الليل تبدأ من لحظة الحرج، ولحظة الحرج في حياة المؤمن تسمى: الساعة الحمراء، وهي- كما يقول بعض الكتبة - هي الساعة التي سحقت الشيوعية في العالم؛ لأن الله يقول متحدياً الصهاينة والرأسماليين والماركسيين بأصنافهم، والوثنيين والصابئة والمجوس: ﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ﴾ [النمل:٦٢] يقول: بيني وبينكم إجابة المضطر في الساعة الحمراء، فمن يجيب المضطر هو الذي يستحق الألوهية، أما غيره فليس له علاقة بالألوهية.
فلما قالها انهارت كل القيم والكيانات، إلا قيمة ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة:٥] وكيان (لا إله إلا الله).
﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ﴾ [النمل:٦٢]: واختيار القرآن عجيب، ولفظ المضطر أصلها: المضترر، فأدغمت الراء وقلبت التاء طاءً لأجل الضاد (مربوش) والكلمة لَمَّا ارْتُبِشَتْ اندمِجت فأصبحت مضطراً، كما قال سيد قطب في كلمة (ضنكا) في قوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً﴾ [طه:١٢٤] قال: اختيار الضاد والكاف لصعوبة المعيشة التي يعيشها الإنسان، فكأن معيشته كإخراجه للحروف الثقيلة عليه فهي ضنك، حتى إخراجك لضنكا صعب.
فالله يقول لهذا المخلوق: مَن الذي يجيبك في وقت الاضطرار؟ أليس هو الله؟ أما تذكرتَه؟ ﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ﴾ [النمل:٦٢].
وهناك قصة ذكرها ابن القيم وابن عساكر، وقد كررتها كثيراً، وهي قصة الرجل الصالح صاحب الحمار، الذي أرسل الله له ملكاً نَصَرَهُ وقَتَلَ المجرمَ الذي أراد اغتياله؛ لأن الرجل الصالح يقول: يا من يجيب المضطر إذا دعاه! يا من يجيب المضطر إذا دعاه! يا من يجيب المضطر إذا دعاه!
стр. 4646
قرب الله من عباده
إن الله قريب، يقول تعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ﴾ [البقرة:١٨٦] وفي الآية لفتة بلاغية، وهي: أن الله لم يقل: وإذا سألك عبادي عني فقل لهم: إني قريب.
لا.
بل قال: ﴿فَإِنِّي قَرِيبٌ﴾ [البقرة:٨٦]؛ لأن القرب وسرعة المبادرة للإجابة تقتضي الاختصار في الكلام، فقال: ﴿فَإِنِّي قَرِيبٌ﴾ [البقرة:١٨٦].
ركب الصحابة مطاياهم، واستقلوا رواحلهم، وهَمْلَجَت بهم في روابي المدينة، فأخذوا يقولون: الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله، والحمد لله، وسبحان الله! فجمعهم ﵊ وقال: ﴿أرْبِعوا على أنفسكم، فإنكم لا تدعون أصمَّ ولا غائباً، وإنما تدعون سميعاً بصيراً قريباً أقرب إلى أحدكم من عنق راحلته﴾.
انظر إلى الوصف! وما أحسن هذا التوحيد المبسط الذي يعلم به ﷺ الأعراب وأهل البادية! يقول: هو قريب، فادعوه.
قال أحد الصحابة: ﴿يا رسول الله! أربنا بعيد فنناديه؟ أم قريب فنناجيه؟ فسكت ﵊ -لأنه لم يكن يدري- فأنزل الله: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ﴾ [البقرة:١٨٦]﴾.
والله يقول: ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً﴾ [الأعراف:٥٥] وخفية: من الإخفاء، أي: أن تخفي دعاءك.
قالوا عن زكريا ﵇: لما أراد أن يدعو ربه ما سمع جليسه، فقال: ﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْباً﴾ [مريم:٤] لقد أراد ابناً فرزقه الله ابناً.
قالوا: لما قال هذه الكلمة، لم يعلم أحد من جلسائه ماذا قال؛ لكن الله علم ووصَل خبرُه إلى الواحد الأحد.
والله يقول عن نفسه: ﴿يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى﴾ [طه:٧] ما هو أخفى من السر؟ قال أهل التفسير: الذي هو أخفى من السر هو الذي ما فكر به الإنسان إلى الآن؛ فالله يعلم أنك بعد دقيقة سوف تفكر في أمر، فيعلم به قبل أن تعلم أنتَ به.
سبحان الله رب العرش العظيم!
وذكر الله أنبياءه، وأن كل واحد منهم دعاه في أزمة؛ فجلى الله أزمته، وكشف ضره، وأزال كربته.
فَذَكر عن نوح أنه قال: ﴿فَدَعَا رَبَّهُ أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانْتَصِرْ﴾ [القمر:١٠] فنصره الله ونجاه.
ودعا موسى وكان أخوه هارون يُؤَمِّنُ بجانبه، ولم يُجابا إلا بعد أربعين سنة، قام موسى يقول كما في القرآن الكريم: ﴿رَبَّنَا إِنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلَأَهُ زِينَةً وَأَمْوَالاً فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا رَبَّنَا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِكَ رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَلا يُؤْمِنُوا حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ * قَالَ قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُمَا فَاسْتَقِيمَا﴾ [يونس:٨٨ - ٨٩] قالوا: إنما ذَكَر المثنى رغم أن الداعي واحد لأن هارون كان كلما قال موسى: ربنا، قال: آمين، فقال الله: ﴿قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُمَا﴾ [يونس:٨٨] ثم قال هناك: ﴿فَاسْتَقِيمَا﴾ [يونس:٨٩] قال أهل العلم: إنما أمرهم بالاستقامة لتجاب الدعوة، وقد أجيبت وانسحق فرعون وبقيت مبادئ موسى ﵇، وحُمِلَت في شريعة الرسول ﵊.
وصح عنه ﵊ أنه قال: ﴿إن الدعاء هو العبادة﴾.
رواه الأربعة وصححه الترمذي.
والمعنى: أن جُلَّ العبادةِ تكون في الدعاء.
وعند الحاكم: ﴿الدعاء مخ العبادة﴾ ولكن فيه ضعف.
وصفوة العبادة الدعاء، وإذا رأيت الرجل يكثر من الدعاء ويلح فاعلم أنه مؤمن، وعلى حسب كثرة دعائه يكثر إيمانه، وكل مخلوق يغضب إذا دعوته كثيراً وسألته وألْحَحْتَ عليه، أما الله فكلما ألححت عليه ودعوتَه وسألتَه أحبك، وزادت محبتك عنده ﵎.
فاقرع باب الله دائماً، ولا تقل أكثرتُ؛ فإن الله أكثر، وما عنده أكثر مما عند غيره ﴿تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [الأعراف:٥٤].
وروى ابن حبان والحاكم عنه ﵊ أنه قال: ﴿ليس شيءٌ أكرم على الله من الدعاء﴾ فلا يوجد في الأرض عبادة أكرم على الله من دعائه ﵎، والله يُلْجِئ عباده إلى بعض الاضطرارات والمواقف الحرجة والنكبات والأزمات حتى يلتجئوا إليه ويدعوه.
стр. 4647
أدب رفع اليدين في الدعاء
جاء في كتاب علماء من الجزائر، لأحد العلماء في عهد الشيخ عبد الحميد بن باديس، الذي يعتبر أستاذ الصحوة الحالية في الجزائر، الصحوة السنية الهادفة الراشدة، هذا الذي أخرج هو وتلاميذه- بإذن الله -الفرنسيين، وسحق منهم أكثر من مليون فرنسي، وقدم من الشعب أكثر من مليون شهيد، كان تلاميذ ابن باديس يحمل أحدهم القنابل والسلاح ويرمي نفسه -هذا على فتوى لبعض العلماء بجواز التضحية وجواز أن يقدم نفسه- فكان يفجر العمارة بما فيها من الفرنسيين، فدوخهم هذا الشيخ تدويخاً ما سمع العالَم بمثله.
هذا العالِم كان يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر فأتته مصيبةٌ، هُدِّدَ بالقتل من بعض الجهات التي تحارب الدعاة في الجزائر.
قال: فأمسيتُ ليلة وأنا مهموم وحزين وخائف، فلما نمتُ رأيتُ عمر بن الخطاب، فقَرَعَنِي بالدِّرَّة وقال: لِمَ تَخَفْ؟ ﴿وَيُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِنْ دُونِهِ﴾ [الزمر:٣٦]؟ قلتُ: يا أبا حفص! ما النجاة؟ قال: عليك بهذا، ورفع كفَّيه أي: بالدعاء، وهذا ثابتٌ.
فمن أعظم ما يكون ومن أحسن ما يكون للمؤمن أن يرفع أكُفَّه دائماً ويدعو، ولا تأتيه الحرب الوهمية الخاسرة التي يُدَبِّرها الشيطان في رأسه، ويقول له: كَمْ تَدْعُو ولا تجابُ؟ لا.
بل ادْعُ وحاول أن تدعو دائماً، ولا تقل: لَمْ يُسْتَجَبْ لي؛ فسوف أخبرك عن سر عدم الاستجابة لنا في مرحلة من مراحل التاريخ عشناها؛ والسر هو: أسبابٌ نحن فعلناها، والله المستعان.
وقد صح عنه ﵊ عند النسائي وابن حبان: ﴿الدعاء بين الأذان والإقامة لا يُرد﴾.
فأنت بين عبادة وعبادة، وبين ندائين، فحاول أن تدعو الله كثيراً.
واسمع إلى هذا الحديث الصحيح الذي رواه الأربعة إلا النسائي، وصححه الحاكم، قال ﵊: ﴿إن ربكم حييٌّ كريم يستحي من عبده إذا رفع يديه إليه أن يردهما صِفْراً﴾ فنثبت لله حياءً يليق بجلاله، لا نكيفه ولا نمثله ولا نشبهه ولا نعطله؛ لكنك إذا رفعت يديك يستحي الله منك أن يردها صِفْراً، بل يردها مليئة.
وقد ترجم ابن كثير في البداية والنهاية لأحد العباد، قال: أصابه برد في ليلة شاتية، فقام يدعو في السحر، فرفع كفاً واحدة يدعو، ثم نام، قال: فرأى قائلاً يقول: أعطيناك هذه الليلة في يدك اليمنى وبقي ما لليد اليسرى.
أو كما قال.
فمن الأدب أن ترفع الكفين، وقد رفعها ﵊ وهو أبر الناس وأكثرهم إخلاصاً وصدقاً، رفعهما من بعد الزوال إلى أن غربت الشمس في عرفة، وكلما سقط خطام أو زمام الناقة أخذ الخطام وعاد ليجمع الأخرى ويدعو ربه، وربما رفعهما حتى يُرَى بياض إبطيه ﷺ .
стр. 4648
قرب الرعيل الأول من الله في الأسحار
قال الله عن أوليائه: ﴿وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾ [الذاريات:١٨].
وقال: ﴿وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحَارِ﴾ [آل عمران:١٧].
وإنما ذكر الأسحار؛ لأنه قليل مَن يقوم في الأسحار، وعلامة المحبة أن تغالب النوم وتقوم، وقد جاء عند الطبراني: أن الله يضحك من ثلاثة، نذكر أحدهم:
رجل كان في قافلة، سافروا ومضوا، فأضناهم السير، وباتوا في تعب شديد لا يعلمه إلا الله، فلما أقبل السحر نزلوا فناموا إلا واحداً منهم رغم الإعياء والتعب والسهر، فقام فتوضأ بالماء البارد وقام يصلي ويدعو، فقال الله لملائكته: ﴿انظروا لعبدي هذا! ترك اللحاف الوثير، والفراش الدفِيء، وقام إلى الماء البارد يدعوني ويتملقني، أُشهدكم أني غفرت له وأدخلته الجنة﴾.
стр. 4649
صلاة عمار في الأسحار
نام ﵊ بجيش عرمرم في ذات الرقاع -كما عند أبي داود بسند صحيح- وكان الجيش هائلاً يحتاج إلى حراسة ليلية حتى لا يجتاح من الكفار، فقال ﷺ : ﴿من يحرسنا هذه الليلة؟﴾ قال عمار بن ياسر: أنا يا رسول الله، وقال عباد بن بشر: أنا يا رسول الله، رجل من المهاجرين هو عمار، ورجل من الأنصار هو عباد بن بشر، ولكلٍّ منهم قصة في التاريخ، ولولا الإسهاب لوقفتُ وقفة إجلال مع كل رجل.
أما عمار فإن الرسول ﷺ قال له: ﴿تقتُلُك الفئةُ الباغية﴾ وقُتِل في صفين، وقد نيَّف على الثمانين ﵁ وأرضاه.
وأما عباد بن بشر فهو صاحب المواقف المشهودة، وقد قتل شهيداً في اليمامة.
فقام الاثنان في الليل؛ فقال عباد لـ عمار: أتحرس الجيش أول الليل أو آخره؟ قال عمار: أنا أول الليل وأنت آخر الليل.
فنام عباد وقام عمار، فقام يصلي ويقرأ سورة الكهف، وأتى عينٌ من الكفار وجاسوس من المشركين، فأرسل الأسهم على عمار وعمار يصلي، وخاف أن يقطع الصلاة؛ لأنه في حياة من التجليات مع الواحد الأحد، في اتصال مع الحي القيوم، يقرأ ويصلي، فأرسل السهم فوقع في جسم عمار حتى نزف الدم، فأخرجه عمار، فأرسل السهم الثاني فنزعه، فأرسل الثالث فنزعه، فلما غشيه الدم خفف الصلاة وركع وسجد وسلم وقام يسحب بجسمه ودماؤه تنزف وقال لـ عباد: قم عليك بالحراسة، والذي نفسي بيده! لولا خشية أن يُجْتاحَ الجيش لأكملت الصلاة ولما قطعتُ سورة الكهف.
فقام عباد يحرس جزاهم الله عن الإسلام والمسلمين خير الجزاء.
الصالحون يدعون الله ، وأقرب الطرق إليه الطريق غير المُزاحَم، أي: أنك قريب من الله متى دعوته، ولا تفرح بحصول كيان من الكيانات لك، أو بشفاعتك، أو بواسطتك، ولكن افرح لأنك قريب من الله.
стр. 4650
العلاء بن الحضرمي مستجاب الدعوة
خرج الصحابة مع أبي هريرة وقائدهم العلاء بن الحضرمي، أحد الأبطال من أصحاب الرسول ﵊، فضاعوا في صحراء الدهناء، وقيل: في الربع الخالي، وهو الأقرب ما يكون، فلما ضلوا الطريق أخذوا يدورون في مساحة من الأرض ومفازة لا يعرفون طرفها ولا أولها من آخرها، حتى انقطع الماء، فبحثوا عن الأنهار، فما وجدوا نهراً، وعن الغُدْران فما وجدوا غديراً، فأشرفوا على الهلاك، حتى قال بعض الرواة: حفر بعض الناس قبورهم ووقفوا على أطراف القبور ينتظرون الموت.
فقال أبو هريرة: [[يا علاء! إن الله عوَّدك خيراً، فقم فادعُ الله لنا]].
فقام العلاء معه سيفه وأسهمه، يبيع دمه من الله في طاعة ما بعدها طاعة، واستقبل القبلة، وقال: [[يا حكيم يا عليم يا علي يا عظيم أغثنا]].
وما تأخرت الإجابة، وما هي إلا لحظات حتى ثارت سحابة في السماء حتى غطت الجيش، ونزل الغيث وسال، فامتلأت الغُدْران، وسَقَوا وشربوا واغتسلوا وتوضئوا.
وهذه من كرامات الأولياء التي يثبتها أهل السنة والجماعة.
стр. 4651
البراء بن مالك لو أقسم على الله لأبره
مرَّ البراء بن مالك على الرسول ﵊، وهو أخو أنس لكنه أكبر منه، وكان فقيراً، معه ثياب ممزقة
ممزق الثوب كاسي العرض ملتهباً أنعى المخاطر في الدنيا وتنعاني
فرآه ﷺ وإذا الغبار يفوح من جُمَّتِه، غبار المعارك والغزوات، وغبار البذل، فقال ﷺ : ﴿رُبَّ أشعثَ أغبرَ ذي طِمْرَين، لو أقسم على الله لأبرَّه، منهم: البراء بن مالك﴾.
وفي الحديث تجانس بلاغي بديع؛ (رُبَّ) و (لأبرَّه) و (البراء) وهذا تجانس بديع لا يجيده إلا محمد ﷺ .
قال: ﴿لو أقسم على الله لأبرَّه﴾ فكان البراء يقسم على الله، أي: أنه بلغ من قوة إيمانه أنه يقسم على الله، وهذا حق أحقه الله على نفسه، لم يحقه ولم يُوْجِبْه أحد من الناس عليه، أنه يجيب دعاء الصالحين المضطرين.
فحضرت معركة تستر، وقائدها أبو موسى الأشعري، والتقى الجمعان، الجمع الإسلامي بقيادة أبي موسى أحد تلاميذ محمد ﷺ ، والمعسكر الكافر، وأتى الوعد الصادق.
فأتى الصحابة فقالوا: [[يا براء! نسألك بالله أن تقسم على الله أن ينصرنا هذا اليوم.
فقال: انتظروني قليلاً، فذهب فاغتسل وتطيب وتحنط ولبس أكفانه واستقبل القبلة، وقال: اللهم إني أقسم عليك أن تجعلني أول قتيل هذا اليوم، وأن تنصرنا]] فكان أول قتيل، وفُتِحَت قلعة تستر، وفتحوا بلد تستر وانتشر الإسلام.
стр. 4652
دعاء الرسول لسعد بن أبي وقاص
ومن أعظم من أجيبت دعوته: سعد بن أبي وقاص، خال الرسول ﵊، كان ﵊ إذا جلس مع الصحابة وأقبل سعد بن أبي وقاص -وكان رِبْعَةً متيناً كثير شعر الساعدَين والصدر- قال: ﴿هذا خالي، فلْيُرِنِي امرؤ خاله﴾ بمعنى: أخرجوا لي أخوالكم إن كانوا مثل هذا الخال، وكأنه تحدٍّ، وكلامه ﷺ صدق وحق؛ لأن له مساراً في التاريخ، فهو الذي دَكْدَكَ امبراطورية كسرى تحت قدميه.
حتى إن عمر قال: [[مَن يقود جيش القادسية؟ قالوا: رأيك يا أمير المؤمنين.
فقال: أنا]].
أي: أن الأزمة أصبحت إلى حد أن الخليفة الراشد يضطر إلى قيادة المعركة، ومعنى ذلك: تصفية ومقامرة ما بعدها مقامرة، إما أن ينتهي الإسلام أو أن تنتهي المجوسية ودين الصابئة وعباد النار، فقال عمر: [[أنا قائد المعركة]].
قال علي بن أبي طالب: [[يا أمير المؤمنين، ابقَ في المدينة فإنك إن ذهبتَ ذهب الإسلام، وكن فيئاًَ للمؤمنين إذا عادوا لك فقال عمر: أصبتَ، أصاب الله بك الخير يا أبا الحسن؛ لكن التمسوا لي قائداً]] فباتوا في الخيام وفي البيوت، ثم أقبل عبد الرحمن بن عوف -أحد العشرة- يُوَلْوِل، فقال لـ عمر: [[وجدتُه، الأسد في براثنه، قال: من هو؟ قال: سعد بن أبي وقاص.
قال: صدقتَ]].
فولاه عمر، ورغم أنه كان مريضاً في المعركة، ولكن ببركته ولشجاعته ولرأيه وإقدامه كسب المعركة على مر التاريخ، وسحق الكفار سحقاًَ ما بعده سحق.
يقول علي في معركة أحد: ﴿ما سمعتُ الرسول ﷺ يُفَدِّي أحداً إلا سعداً﴾.
أي: أن الرسول ﷺ لم يقل: فداك أبي وأمي لأحد، لا لـ أبي بكر، ولا لـ عمر، إلا لـ سعد.
كان يعطيه ﷺ الأسهم وقد كان رامياً من الدرجة الأولى، وهو أول من رمى بسهم في سبيل الله في بدر، فيقول: ﴿ارمِ سعدُ فداك أبي وأمي﴾ حتى أنه قيل: لو ضُرِبَ به في الشمال والهدف في الجنوب لأصابه بإذن الله.
دعها سماوية تجري على قدرٍ لا تفسدنها برأي منك منكوسِ
﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى﴾ [الأنفال:١٧].
رمى بك الله جنبيها فحطمها ولو رمى بك غير الله لَمْ يصب
فكان ﷺ يعطيه الأسهم ويدعو له، وكان يتطاول حتى يستبشر أين يقع السهم، فيقع في عين الكافر ويموت، فيتبسم ﷺ هكذا في السير، ولكم أن تعودوا إليها.
فكان يقول: ﴿ارمِِ سعد فداك أبي وأمي﴾ ويلتفت ﷺ ويرفع يديه ويقول: ﴿اللهم أجب دعوته، وسدد رميته﴾.
فكان مجاب الدعوة.
وفي صحيح البخاري: [[أن عمر ﵁ أرسله أميراً على أهل العراق -وبالخصوص أهل الكوفة وهم مشاغبون، ولو نزل عليهم ملك من السماء لاشتكوا منه- ذهبوا إلى عمر، فقال: ماذا تنقمون من سعد؟ قالوا: ما يحسن الصلاة بنا -اسمَعوا الكلام! - فأتى سعد ﵁.
فقال له عمر ﵁: يا أبا إسحاق! زعم أهل الكوفة أنك لا تحسن أن تصلي بهم.
فقال: عجباً لبني أسد! والله الذي لا إله إلا هو لقد أدخلتهم في الإسلام بسيفي هذا، ثم أصبحوا يعرفونني بالصلاة -فأراد عمر أن يسمع من الكل، وأن يعيش الحوار، وأن يعيش الشورى، وأن يسمع الشكوى على مبدأ (لا إله إلا الله) على مبدأ العدل، فكون لجنة يرأسها محمد بن مسلمة - وقال: مُرُّوا على مساجد الكوفة وأعطوني نتيجة سعد بن أبي وقاص -هذه تسمى أوراق استبيان ونتائج الاقتراع- فمروا، فوجدوهم كلهم يثنون عليه خيراً؛ إلا شيخاً كبيراً قال: إن سألتمونا عن سعد؛ فإنه لا يحكم بالسوية، ولا يعدل في الرعية، ولا يمشي مع السرية.
فقام سعد وكان جالساً، وقال: اللهم إن كان قام رياءً وسمعة وكذباً عليَّ فأطل عمره وأطل فقره وعرضه للفتن.
فطال عمره حتى سقط حاجباه على عينيه، وأخذ يتعرض للفتيات والبنات في شوارع الكوفة يَغْمِّزُهُنَّ، ويقول: شيخ مفتون، أصابتني دعوة سعد]].
فـ سعد كان متفوقاً في الدعاء؛ لأنه أطاب مطعمه، ولِمَا عَلِمَ اللهُ من إخلاصه وقربه.
ويُروى أن الرسول ﷺ قال له: ﴿يا سعد! أطب مطعمك تستجب دعوتك﴾ ولكن في هذا الحديث ضعف.
стр. 4653
مسائل في الدعاء
وفي الدعاء مسائل نذكر بعضها:
стр. 4654
عدم الاستعجال بالإجابة
لاتستعجل النتائج؛ فإن خزائن الله مليئة، وليس هناك فقر، وقدرة الله نافذة، والله هو الذي يقول للشيء كن فيكون، فلا نستعجل النتائج.
يقول ﷺ : ﴿يستجاب للعبد ما لم يعجل يقول: دعوتُ دعوتُ فلم يستجب لي﴾ فلا تقل ذلك، ولا تعدها بالأيام، ولا بالأشهر؛ فإن في عالم الغيب وقت محدد يجيب الله دعوتك ﴿وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ [يوسف:٢١].
ضاع يوسف من يعقوب ﵉، فبقي يبكيه أربعين سنة، فرده الله عليه، فقال يوسف في القرآن الكريم: ﴿هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَاي مِنْ قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقّاً﴾ [يوسف:١٠٠].
стр. 4655
قد تكون المصلحة أن تتأخر الإجابة
وقد يكون الأصلح لنا أن تتأخر عنا الإجابة ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ [النور:١٩] فإن الله يدري ويطلع على الخبايا ، وهو البصير بعباده، فقد يكون الأصلح ألا تجاب في هذه المرحلة.
وقد يدعو الإنسان بما يضره، فتجد بعض الناس يدعو لنفسه بالمال أو بمنصب أو بوظيفة، وقد يكون سبب شقائه وتعاسته واندحاره هذا الأمر؛ فيمنعه الله، فالله أعلم بالعبد.
وقد يدخر الله الدعوة للعبد في الآخرة أحسن مما له أجيب في الدنيا، فتتمنى يوم العرض الأكبر أنك لم تُجَبْ لك دعوة في الدنيا، ولم يتقدم لك شيء من حثالة الدنيا، ولا من مال الدنيا، ويبقى لك الخير عند الله مما رأيتَ من العطايا.
وقد يصرف عنك من السوء أعظم مما سألت؛ فإنك قد تسأل إما ولداً، وإما رزقاً أو منصباً، أو باباً من الأبواب؛ فيصرف الله عنك من السوء أكثر من هذا الشيء الذي طلبته.
стр. 4656
النصر والرزق يكون بدعاء ضعفائنا
أيها الإخوة: لا تستهينوا بدعاء المستضعفين، فقد صح عنه ﵊ أنه قال: ﴿إنما ترزقون وتنصرون بضعفائكم﴾ وبعض أهل العلم يحسن هذا الحديث، وهو من حديث أبي الدرداء، وقد ذكره ابن حجر في كتاب الجهاد في المجلد السادس، من فتح الباري، وهو من معلقات البخاري.
فليغتنم الإنسان حب هؤلاء المساكين والضعفاء؛ فإن الخير والنصر والإيمان والبركة والتأييد وحسن الخاتمة معهم، ويقترب منهم ويرجو دعاءهم، فإنهم هم أحرى بالإجابة بإذن الله ؛ فإذا رأيتَ شيخاً كبيراً فحاول أن يكون صديقاً لك، وحاول أن تستعطف قلبه ليدعو لك؛ لأنه قد سبقك في الإسلام، وقد شابت لحيته.
وقد جاء بعض الآثار: ﴿إن الله يستحي أن يعذب ذا شيبة في الإسلام﴾.
جاء في ترجمة يحيى بن أكثم وهو قاضي المأمون، وقد شابَ وبلغ الثمانين، ثم مات، فرئي في المنام، فقيل له: ما فعل الله بك؟ قال: لقيني ربي فعاتبني على بعض الأشياء، وقال: وعزتي وجلالي! لولا شيبتك لعذبتُك، ثم أدخلني الجنة.
وهذه القصة في سير أعلام النبلاء للذهبي؛ فعودوا إليها.
لماذا غفر له؟ لأنه قد بلغ الثمانين، ولكنه أخطأ قليلاً، فقد كان الوزير المفوض عند المأمون، وقد وجد في بعض القضايا التي تحتاج إلى حسم وإلى صرم، خاصة قضية الإمام أحمد بن حنبل، قضية أهل السنة، وتحتاج إلى دفاع، فوجد فيه قليل من التباطؤ، فيقول : وعزتي وجلالي لولا شيبتُك لعذبتُك.
فأهل الشيب هؤلاء عليكم أن تقربوا منهم، وكذلك المستضعفون من الفقراء والمساكين، فإنهم أقرب إلى الله وأكثر تواضعاً، وأكثر مسكنة.
وقد قرأت لـ ابن رجب في كتاب اختيار الأولى في شرح حديث اختصام الملأ الأعلى حديثاً يعزوه إلى أحمد والترمذي، والله أعلم بصحته؛ لكن على رأي ابن رجب، يقول ﷺ : ﴿اللهم اجعلني مسكيناً، واحشرني في زمرة المساكين﴾.
فإن المساكين هم أقرب الناس إلى الله ، فلا يزدريهم الإنسان، ولا يحاول أن يقلل من شأنهم؛ فإنهم هم الرصيد -بإذن الله- وهم القوة الهائلة.
وربما دفع الله عن البلاد الإسلامية وعن العباد فتناً وحروباً ومحناً بسبب دعاء الفقراء والمساكين والمستضعفين في الأرض؛ لأن هناك من يملك المال والجاه والمكانة والقرار، لكنه قد يلطخ أعماله، ويسد الحجب بينه وبين الله بمصائب كالجبال، فلا يقبل الله دعاءه.
نعم، قد يوجد من يعادل هؤلاء الفقراء بالمال بالملايين، أو من يملك نصف ما يملك أهل الأرض؛ ولكنه مع ذلك لا يستجيب الله كلمة منه، لأنه عدو له، أو أنه قد بارزه بالمعاصي.
стр. 4657
موانع الدعاء
للدعاء موانع تمنع من استجابة الله للداعي، نذكر بعضها:
стр. 4658
المطعم الحرام
وأقبحُ ذلك وأخبثُه الربا، وقد قال ﵊ كما عند مسلم: ﴿إن الله طيب لا يقبل إلا طيباً﴾ والربا محرم، وهو أكثر سبب حجب به الدعاء من أن يرتفع إلى الله .
والأمة الآن تدعى إلى الربا، ويجر أبناء هذا الشعب جراً على وجوههم إلى أن يقعوا في حمأة الربا، وتُعْلَن الإعلانات على الشاشة وفي الراديو، وفي الصحف والمجلات المحلية والعالمية، إلى الاكتتاب والمساهمة، وهذا أمر خطير إن لم نقف ضده.
ولنعلنها صريحة بقوة وشجاعة وبيان، وإلا فسوف تقع الأمة في كارثة لا يشابهها في كارثتها إلا ما فعلت دولة إسرائيل أو الصهاينة في العالم، وهذا الذي يراد لهذا البلد أن يجر جراً إلى هذه المأساة العميقة.
لا أريد أن أفصل كثيراً، فقد سبق في خطبة الأمس بعنوان: (الحرب في ذكرى الحرب) شيءٌ من هذا؛ لكنني أحيلكم على فتوى سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز عالم البلاد، وقد أرسلها قبل أسبوع، وطلب من الخطباء والأئمة والدعاة قراءة هذه الفتوى، وهي موجودة في هذا المسجد؛ توزع وتصور ليقوم الأئمة والأساتذة والدعاة والخطباء بقراءتها ونشرها؛ لأنها لم تُنْشر في وسائل الإعلام، ولأنها لو نُشِرَت لكان هناك تضاد، أن يُعْلَن عن الاكتتاب والاستهام في بنك الرياض، وبعدها بخمس دقائق يقولون: وقد أفتى سماحة الشيخ بكذا، فسحبوا هذه الفتوى، وأعلنوا المساهمة ودعوة الناس إلى الاكتتاب وجرهم إلى الربا وقال : ﴿تُبْدُونَهَا وَتُخْفُونَ كَثِيراً﴾ [الأنعام:٩١] وقال: ﴿أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْكُمْ﴾ [البقرة:٨٥].
ففتوى سماحة الشيخ -أحياناً- تُخْرَج إذا كان لها مصلحة، ولكنها تُخْفَى إذا لم يكن هناك مصلحة، وتضر بمصالح الذين يريدون الربا في العالم.
فواجبنا نحن أن نقف مع سماحة الشيخ، فقد استشاط غضباً مما فُعِل ومما حَدَث، فإن ذلك استهتار بشريعة الله.
لماذا هذا؟ كيف تدعو عشرة ملايين إلى أن يرابوا ويحاربوا الله بالربا، ويذهبوا إلى بنوك تناطح السحاب وتتحدى شريعة الله، وتلغي شرع محمد ﷺ ؟ ما هو واجبك؟ كيف تخرج معي لصلاة الاستسقاء وأموالك في البنوك الربوية؟ تخرج تدعو الله أن ينزل المطر، وقد جاء في الحديث: ﴿ثم ذكر الرجل أشعث أغبر يمد يديه إلى السماء، ومطعمه حرام وملبسه حرام، فأنى يستجاب له؟!﴾.
أهل الباطل إيجابيون في باطلهم ومؤثرون، وأهل الحق سلبيون إلا من رحم ربك، فأنا أعرف آلاف الملتزمين والمستقيمين بشرع الله والأخيار، لكنهم لا يَدْعُون ولا يؤثرون ولا يقفون مع الكلمة الحية الصادقة، ولا ينشرونها في الناس، ولا يدافعون عن الحق.
فأنت لا شك أنك تجلس في مجلس ومعك جيران، وتلتقي بالناس، ولك مَجامِع وزملاء، ولك أصدقاء، فأين موقفك من الدعوة إلى فتوى سماحة الشيخ؟
إذا رَفَضَت الشاشة -مثلاً- والصحف أن تُخْرِج فتوى سماحة الشيخ، فما هو البديل إذاً؟ إنه المنبر؛ إنه أنت، تقرؤها وتعلنها في الناس.
وإنما أحذر؛ لأن البلاد إذا استمرت على هذا الوضع، فسوف تنهار فيما يقارب العشر سنوات، وقد قالها الكثير من المحللين، وقد ذكر ذلك محمد أحمد الراشد في أشرطة له ألقاها في مدينة فينيكس بولاية أريزونا بـ أمريكا.
فهذه قاصمة ظهر، فانتبهوا! وقفوا ضد هذا المخطط الرهيب لجر الناس إلى المراباة وإلى الاكتتاب بحجة تنمية المال، والدعايات المغرضة، ثم تُلْغَى صلاتُنا وصيامنا ودعاؤنا، ونصبح في قطيعة مع الله ما بعدها قطيعة.
стр. 4659
الدعاء بإثم أو قطيعة رحم
إن بعض الناس قلبه ساخن على المسلمين وحقود؛ تجده لا ينسى الزلة ولا ينسى الغضبة ولا الهفوة التي صدرت من مسلم، حتى ولو كانت من قبل أربعين سنة، ومهما لا طفتَه لا يتلاطف، ودعاؤه: اللهم خذ فلاناً أخذ عزيز مقتدر وقد يكون من جيرانه، وهناك قصص في هذا الأمر، لكنني لا أريد أن أسهب؛ لأنها إما قد تكررت، وإما أنه لا داعي لذكرها، وهي عامية اجتماعية تدل على قلة إيمان بعض الناس وفقهه ومعرفته، يدعو على أسباب دنيوية، فتجده يبتهل إلى الله بدعاء ما دعاه نوح على أمته الكافرة.
من أجل هذا السبب: تصور أن قَتَبَ جملٍ -وهو ما يوضع على الجمل- اختلف رجل عمره يقارب السبعين هو وجاره قبل ثلاثين سنة في هذا القَتَب، فحلف جاره أنه قَتبه فأخذه، فذُكِرَ هذا الرجل الصالح، وقيل: نسأل الله أن يغفر له، فقال: كلا، أسأل الله أن يكبه في نار جهنم بقَتَب الجمل الذي حلف عليه.
انظر إلى قسوة القلب والحقد وقلة المعرفة، فمثل هذا وأمثاله يُحَذَّر منهم.
وقطيعة الرحم: هو أن تُقْطَع الأرحام بالدعاء، فإن بعض الناس يدعو على أرحامه، فيدعو على أخته لأنها تطلب الميراث، فيقول: اللهم اقطع نسلها وذريتها، فلا يستجيب الله دعوته، فليست المسألة فوضى، وهل كلما دعوتَ يُنَفَّذ لك؟ إذاً لدُمِّرَت الدنيا بدعاء الجهلة؛ لكن الله حكيم .
стр. 4660
الإلحاد في أسمائه
إن الله له أسماء حسنى، قال تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ﴾ [الأعراف:١٨٠].
فهو سبحانه سمى بها نفسَه, ولَمْ يُسَمِّه أحدٌ من الناس، وأسماؤه توقيقية شرعية وردت في الكتاب والسنة.
ولا نوافق الغزالي في كتاب إحياء علوم الدين عندما اخترع لنا أسماءً من ذاكرته ومن ذاكرة أئمة الصوفية، فلا يُوافَق عليها، مثل: (يا دهر الدهارير) يسمي الله بـ (دهر الدهارير).
ولا نوافق كذلك ابن عربي في فصوص الحكم في قوله: (يا هو يا هو يا هو)؛ لأنهم يقولون: إن الله قال: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ﴾ [آل عمران:١٨] فكلمة (هُوَ) اسم مفرد عَلَم، فعندما تدعوه تقول في الليل: (يا هو يا هو يا هو يا هو) قال بعض أهل السنة: هذا نباح كلاب وليس بدعاء.
ودعا غيرُه، مثل صاحب قوت القلوب، فقال: ويدعى بـ (يا حي) فيقول: يا حي يا حي يا حي) لا بأس أن يقول: يا حي يا قيوم؛ لكن اطلب ماتريد؛ لأن الصوفية يقفون عند مقطع ويقولون: كرر الاسم.
حتى إنهم يقولون في مسجد الرسول ﷺ : فإذا صليتَ ركعتين في الروضة، فاجلس وردِّد: (يا لطيف) عشرة آلاف مرة، تقول: (يا لطيف، يا لطيف، يا لطيف، يا لطيف، يا لطيف) فماذا بعد (يا لطيف)؟!
تصور أن رجلاً يأتيك في ظلام الليل فيطرق عليك بابك وينادي: يا محمد، يا محمد، يا محمد، يا محمد، يا محمد، فتقول له: نعم! فيقول: يا محمد، فتقول: نعم.
فيقول: يا محمد، ما هذا؟!
فالله قد علمنا الذكر الشرعي الذي ندعوه به، فتقول: يا غفور اغفر لي، يا لطيف الطف بي، يا رحيم ارحمني، هذا هو المطلوب في الإسلام، وهو الدعاء الشرعي، ولا تأت بأسماء (بلدية) لم ينزل الله بها من سلطان، مثل أن تقول: (يا كائناً قبل أن يكون) أستغفر الله! هذا من دعاء العامة؛ ولكن يمكن أن تقول كما يقول بعضهم: يا مستجيباً للصوت قبل الموت، وقبل إدراك الفوت) ومن هذه التراجم، وإذا صادف حرارة من الإخلاص قد يُجاب الدعاء؛ لكن الصحيح عند أهل العلم أن يُتَوَقَّف في الدعاء، بأن تكون الأسماء شرعية نبوية أتت في الكتاب والسنة.
следующие страницы →