← Джавами‘

Джавами‘ · id 7708

دروس الشيخ عائض القرني

عائض القرني

Полный текст (10 391 стр.). Показаны 4691–4730 · переход к 4696.

стр. 4691

التبشير في الإسلام إن الحمد لله، نحمده ونستعينه، ونستغفره، ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. سلام الله عليكم ورحمته وبركاته. نعم، " مبشرون لا منفرون " عنوان هذه المحاضرة. بشرى لنا معشر الإسلام إن لنا من العناية ركناً غير منهدم لما دعا الله داعينا لطاعته بأكرم الرسل كنا أكرم الأمم لماذا هذا العنوان؟ لأن الله ابتعثنا مبشرين ميسرين، لا معسرين ولا منفرين، فإن زعم زاعم، أو ظن ظان أن الدعاة ينفرون الناس ويشددون ويكلفون، فقد أخطأ سبيله وضل سعيه، فأتباعه ﵊ يحملون البشارة، وقبل أن أبدأ بالموضوع أخبركم أني أحبكم في الله حباً عظيماً، وهو الحبل المتين الذي أتى به ﵊، والمعجزة الكبرى التي بثها في الناس، أن يجمع بين الأبيض والأسود، وبين الأبيض والأحمر، وبين الأشعث الأغبر والمرفه تحت مظلة: ﴿وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [الأنفال:٦٣] ولسان حالي هذه الليلة يقول: أنا الحجاز أنا نجد أنا يمنٌ أنا الجنوب بها دمعي وأشجاني بـ الشام أهلي وبغداد الهوى وأنا بـ الرقمتين وبـ الفسطاط جيراني وفي ربى مكة تاريخ ملحمةٍ على ثراها بنينا العالم الفاني في طيبة المصطفى عمري وواولهي في روضة المصطفى عمري ورضواني النيل معي ومن عمان تذكرتي وفي الجزائر آمالي وتطوان دمي تصبب في كابول منسكباً ودمعتي سفحت في سفح لبنان فأينما ذكر اسم الله في بلد عددت ذاك الحمى من صلب أوطاني ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة:٥] تلكم هي الكلمة التي بثها محمد ﵊ في الكون، ولكن أيضاً لماذا اخترت هذا العنوان؟، لأقول للمتسرع وللمتعجل: إننا مبشرون لا منفرون، وأقول للمتهجم المجرح: إننا مبشرون لا منفرون، وأقول للمكفر المفسق إننا مبشرون لا منفرون، وأقول لمن يسيء الظن بالناس ولا يقبل ما فيهم من حسن، ولا يمد الجسور معهم، ولا يمهد لهم حبال الود إننا مبشرون لا منفرون. إخوتي في الله! الأصل في الإسلام التبشير وآيات التبشير في القرآن أكثر من آيات التخويف والتحذير، وقد ذكر ذلكم الإمام النووي، ولما كتب كتابه رياض الصالحين جعل للرجاء بابين، وللخوف باباً واحداً فقط. إن العصاة والبعيدين عن الإسلام، أو الفجرة، أو المنافقين لا يمكن أن يعودوا إلا بتبشير، ولا يمكن أن يجروا إلى حلبة الإسلام إلا بتبشير، ولا يمكن أن تعالج التعاسة فيهم والندامة والخزي والقلق إلا بتبشير. الرسول ﵊ مبشر قبل أن يكون نذيراً ﴿وَمُبَشِّراً وَنَذِيراً﴾ [الأحزاب:٤٥] وهو يبشر الذين آمنوا وعملوا الصالحات، والقرآن مبشر ﴿كِتَابٌ أُنْزِلَ إِلَيْكَ فَلا يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنْهُ﴾ [الأعراف:٢] وذكر الله كتابه، فقال: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْراً كَبِيراً﴾ [الإسراء:٩]. المستقبل المشرق إنما يأتي بالتبشير، وقد ذكر الله في كتابه آيات البشرى وعلامات التبشير والعاقبة للمتقين، وأخبر رسوله بأنه سوف يفتح العالم، وبشر الرسول ﵊ أصحابه.

стр. 4692

الأصل في الإسلام التبشير ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة:٥] تلكم هي الكلمة التي بثها محمد ﵊ في الكون، ولكن أيضاً اخترت هذا العنوان لأقول للمتسرع وللمتعجل: إننا مبشرون لا منفرون، وأقول للمتهجم المجرح: إننا مبشرون لا منفرون، وأقول للمكفر المفسق إننا مبشرون لا منفرون، وأقول لمن يسيء الظن بالناس ولا يقبل ما فيهم من حسن، ولا يمد الجسور معهم، ولا يمد لهم حبال الود: إننا مبشرون لا منفرون. إخوتي في الله! الأصل في الإسلام التبشير، وآيات التبشير في القرآن أكثر من آيات التخويف والتحذير، وقد ذكر ذلكم الإمام النووي، ولما كتب كتابه رياض الصالحين جعل للرجاء بابين، وللخوف باباً واحداً فقط. إن العصاة والبعيدين عن الإسلام، أو الفجرة أو المنافقين لا يمكن أن يعودوا إلا بتبشير، ولا يمكن أن يجروا إلى حلبة الإسلام إلا بتبشير، ولا يمكن أن تعالج التعاسة فيهم والندامة والخزي والقلق إلا بتبشير. الرسول ﵊ مبشر قبل أن يكون نذيراً ﴿وَمُبَشِّراً وَنَذِيراً﴾ [الأحزاب:٤٥] وهو يبشر الذين آمنوا وعملوا الصالحات، والقرآن مبشر ﴿كِتَابٌ أُنْزِلَ إِلَيْكَ فَلا يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنْهُ﴾ [الأعراف:٢] وذكر الله كتابه فقال: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْراً كَبِيراً﴾ [الإسراء:٩]. المستقبل المشرق إنما يأتي بالتبشير، وقد ذكر الله في كتابه آيات البشرى وعلامات التبشير والعاقبة للمتقين، وأخبر رسوله بأنه سوف يفتح العالم، وبشر الرسول ﵊ أصحابه.

стр. 4693

صور من التبشير يا أخي! يا تلميذ محمد ﵊، يا جنديه في معترك الحياة! صح عنه ﵊ أنه نزل في الخندق في جوع ومجاعة، وربط على بطنه حجرين فأخذ المعول ليضرب الصخرة في وقت الأزمة الذي وصفه الله- بأنه: ﴿وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا * هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالاً شَدِيداً﴾ [الأحزاب:١٠ - ١١]. نزل ﵊ ليحفر والأحزاب تتجمع لغزو المدينة والكفر طغى والظالم اعتدى، فيضرب ﵊ بالمعول، فيبرق بارق فيبتسم ﵊ ويقول: ﴿أريت قصور كسرى وقيصر وسوف يفتحها الله علي﴾ فيتغامز المنافقون ويضحك اللاعبون، ويقولون: الواحد منا ما يجترئ من الخوف أن يبول، وهذا يريد أن يفتح قصور كسرى وقيصر، فقال الله عنهم: ﴿وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُوراً﴾ [الأحزاب:١٢] وبعد خمس وعشرين سنة يفتح أصحابه الدنيا، ويحكمون الدهر، وتنصت لهم المعمورة، ويصفق لهم التاريخ. أيضاً: يقول الله لرسوله ﵊ وهو في مكة: ﴿سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ﴾ [القمر:٤٥] وهذه بشرى النصر، ويقول لرسوله ﵊: ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ﴾ [فصلت:٥٣] وأراهم الله آياته في الآفاق، وعلم رسوله ﵊ تلكم الآيات. أيضاً وقف ﵊ يقول لأصحابه في مكة والحديث في الصحيحين من حديث صهيب: ﴿والذي نفسي بيده ليتمن الله هذا الدين حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت لا يخاف إلا الله والذئب على غنمه﴾ وحدث هذا. وفي السيرة لابن إسحاق يقول ﵊ وهو يطرد من مكة ويطرد من الطائف وتسيل أعقابه بالدماء ويتلفت إلى الناصر المعين إلى الله، ثم يقول: ﴿يا زيد إن الله جاعل لهذا الأمر فرجاً ومخرجاً﴾ ويحدث هذا الفرج والمخرج وينتصر ﵊، ويحكم الجزيرة العربية بمنهج رباني، بل ثلاثة أرباع الكرة الأرضية. وفي القرآن نهي مطلق عن التنفير، ونهي مطلق عن الحزن، ونهي مطلق عن اليأس والقنوط، قال أهل التربية: وهو اليأس قتل للإرادة. ولما ذكر أبو إسماعيل الهروي في منازل السائرين قال: ومن منازل ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة:٥] منزلة الحزن، قال ابن القيم: هذا خطأ ليس من منازل ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة:٥] منزلة الحزن، ولم يأمر به ولم يرضه، وكان الرسول ﵊ يستعيذ الله من الحزن، فيقول: ﴿اللهم إني أعوذ بك من الهم والغم، وأعوذ بك من العجز والكسل وأعوذ بك من البخل والجبن﴾ أو كما قال ﵊. قال : ﴿وَلا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلا تَكُ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ﴾ [النحل:١٢٧] وقال لرسوله ﵊: ﴿فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفاً﴾ [الكهف:٦] والبخع عند العرب هو قطع النخاع بشيء حاد، فيقول: لعلك تمزق دماغك حزناً عليهم، أنت منهي أن تحزن، لست عليهم بمصيطر، لست عليهم بوكيل، بلغ دعوتك ولا تكن فظاً، لا تجرح الهيئات، ولا الأشخاص، ولا الأجناس، ولا تكن عدواً للأمة، ولكن كن حبيباً للقلوب. أيضاً: نهى الأمة نهياً مطلقاً، فقال: ﴿وَلا تَهِنُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران:١٣٩] قال سيد ﵀ في الظلال: نحن الأعلون سنداً، والأعلون متناً، والأعلون منهجاً، والأعلون إرادة إلى آخر تلك الأعلون التي هي كالدرر جمعها أثابه الله.

стр. 4694

التيسير في الدين والتبشير روح يسري في القلب والعروق، ويصل إلى الإرادة فيحركها، بعث ﵊ من أصحابه مبشرين في العالم، وصح من حديث أنس عند البخاري ومسلم أنه ﷺ قال: ﴿يسروا ولا تعسروا وبشروا ولا تنفروا﴾. وعن أبي موسى الأشعري أن رسول الله ﷺ قال له ولـ معاذ: ﴿بشرا ولا تنفرا، ويسرا ولا تعسرا﴾. إذاً: هو منهج، فأين كثير من الدعاة من أمثالي من المقصرين عن هذا المنهج الرباني الرائد؟ إننا قبل أن نكون مؤدبين للناس، معزرين بالكلمات مجرحين، لا بد أن نكون محببين نقودهم إلى رضوان الله وإلى الجنة، وهذه هي مهمة الداعية، وهي مهمته ﵊ وهديه. وصح عنه ﵊ من حديث أبي هريرة: ﴿أنه قال: إن الدين يسر﴾ قال بعض العلماء -وهذه قاعدة- مقدمة من الرسول ﵊ ﴿إن الدين يسر، ولن يشاد الدين أحد إلا غلبه﴾ وضبطت ﴿ولن يشاد الدين أحداً إلا غلبه﴾. أي: إن الذي يريد أن يتعمق ويستولي على جزئيات الدين، وألا ينقص في أي مرحلة من مراحل الدين، أو أن يعبد ربه على أكمل وجه دون أن يثلم ثلمة، أو أن ينقص نقصاً، فلن يستطيع، أو أراد أن يأتي بجميع الطاعات والقربات والنوافل فلا يستطيع. ومن حديث بريدة عند أحمد -قال ابن حجر والحديث حسن- قال ﵊: ﴿عليكم هدياً قاصداً، فإنه من يشاد هذا الدين يغلبه﴾. أيضاً: من يشاد الدين في الدعوة ويريد أن يحول المجتمع إلى مجتمع رباني، وصنف من الملائكة، فليعلم أن مجتمع الرسول ﵊ ما تحول كله إلى مجتمع (١٠٠%) من الاستقامة والالتزام، فكان في عصره ﷺ الزناة وشربة الخمر والسارقون والخونة والمنافقون، ومع ذلك أصلح ﵊ ووجه، ولمح ولم يصرح وكان يقول: ﴿ما بال أقوام﴾. أيضاً: من حديث محجن بن الأدرع، وهو حديث حسن أيضاً، عند أحمد في المسند: ﴿إنكم لن تنالوا هذا الأمر بالمغالبة، وخير دينكم اليسرة﴾ وهذا منهج أيضاً للدعاة، فإن من يريد مغالبة المجتمع بأن يفرض سيطرته وكلمته يخطئ قال تعالى: ﴿لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ﴾ [الغاشية:٢٢] أي: أنت لا تحمل كرباجاً ولا عصاً ولا سيفاً ﴿لَسْتُ عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ﴾ [الأنعام:٦٦] ﴿وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ﴾ [يوسف:١٠٣]. قدم نصحك، وقدم كلمتك، فإن اهتدت القلوب فهذا هو المطلوب، وإن تولت، فأجرك كامل على الله و ﴿لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ﴾ [الغاشية:٢٢] ﴿أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ [يونس:٩٩]. أيضاً من حديث جابر عند البزار وفي سنده لين، لأن في سنده رجلاً عابداً لكن يهم في الحديث، يقول فيما يروى عنه ﵊: ﴿إن هذا الدين متين، فأوغلوا برفق فإن المنبت لا أرضاً قطع ولا ظهراً أبقى﴾ والمعنى: أنه شديد، والدخول فيه عميق، وهو طاقة تفجر، والذي يملك الدين بلا عقل يتفجر هو، ولذلك لا يحمل الدين إلا العقلاء، ويوم يحمله الحمقى يتفجرون ويتفجر بهم الدين.

стр. 4695

منهج الخوارج في التيسير الخوارج كانوا عباداً مسبحين مهللين، قراء صوام أهل صلاة، لكن كانوا حمقى بمعنى الكلمة. قال ابن تيمية: والسبب أن الخوارج أخذوا بظاهر القرآن وأبطلوا حقائق النصوص - لله درك! وهل هذا إلا الإبداع؟ صدقت! أخذوا بظاهر القرآن يقول ﷺ كما في صحيح مسلم عنهم: ﴿تحقرون صلاتكم إلى صلاتهم وقراءتكم إلى قراءتهم وصيامكم إلى صيامهم، يمرقون من الإسلام كما يمرق السهم من الرمية﴾. عبد الرحمن بن ملجم هذا الفاجر العنيد، كان يقوم من صلاة العشاء إلى صلاة الفجر، أُتي به بعد أن قتل علي بن أبي طالب - تلكم القتلة التي لا تزال جراحها في قلوب المؤمنين إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، وتبكي عجوز العراق مع السحر لما قتل علي وتقول: يا ليتها إذ فدت عمراً بـ خارجةٍ فدت علياً بمن شاءت من البشر يؤتى بـ عبد الرحمن هذا وفي جبهته كركبة العنز من كثرة العبادة، يسأله ودمه يسيل في الأرض- فيسبح الفاجر لئلا يضيع وقته في الحديث. عجباً لك يا فاجر! تقتل أكرم الناس، وأزهد الناس، وأخشى الناس في عهده وتسبح، حتى يقول عمران بن حطان -كلبهم-: يا ضربة من تقي ما أراد بها إلا ليبلغ من ذي العرش رضوانا هكذا معتقده إني لأذكره يوماً فأحسبه من أفضل الناس عند الله ميزانا قال شاعر أهل السنة: يا ضربة من شقي ما أراد بها إلا ليبلغ من ذي العرش خسرانا إني لأذكره يوماً فألعنه وألعن الكلب عمران بن حطانا هذه عقيدتهم، وهذا تصورهم، ماذا يفعلون؟ خُطَب الجمعة تكفير في علي، وتكفير في معاوية، وتكفير في عمرو بن العاص والصحابة كفار عندهم، العلماء مارقون ومنهزمون، هذا منهج ضال لا يرضاه رسولنا ﵊.

стр. 4696

منهج القرآن في الوسطية والبشرى لكن تعال بنا إلى منهج القرآن في الوسطية والبشرى قال تعالى: ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة:٢٨٦] أن تتكلم للناس وأنت تعرف أن لهم طاقات محددة، فلا تكلفهم فوق الطاقة قال تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج:٧٨] فطبيعة الدين أنه ميسر يناسب الفطر ﴿رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ [البقرة:٢٨٦] وفي الحديث الصحيح: ﴿قد فعلت قد فعلت﴾ وابن تيمية يرويه في الفتاوى أنه قال: ﴿نعم، نعم، نعم﴾ وهذه رواية مسلم، ومن طبيعة الرسول ﵊ أنه ﴿يَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ﴾ [الأعراف:١٥٧] أي: أن الأغلال التي كانت على الأمم السابقة قد وضعها ﵊ عن أمته. أتى بهذه الآية ابن تيمية ﵀ وهو يتكلم عن مسح الخفين، والحقيقة انظر إلى العقل إذا تدخل في الشريعة فوق حدوده، أتى بعض الفقهاء، وقالوا: يشترط في الخفين تسعة شروط: أن يكون (جلداً- مخروزاً - قائماً بنفسه - لا ينفذ الماء - يمشى فيه-) إلى آخر تلك الشروط التي كأنها شروط المجتهد المطلق. من أين نأتي لكم بخف تنطبق عليه هذه الشروط؟ أنأتي به من السماء. قال ابن تيمية: شروط باطلة، الرسول ﷺ ﴿يَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ﴾ [الأعراف:١٥٧] هذا مثل من الأمثلة. أيضاً يقول عن المتنطعين: ﴿وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلَّا ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللَّهِ﴾ [الحديد:٢٧] من هذا المبتدع الذي يبتدع أحكاماً ويسير الأمة على مزاجه؟ فمن حاد عن مزاجه وعن منهجه وعن موقفه هو، فهو فاسق كافر يميت القضايا، منهزم يميع المنهج الرباني، هكذا يحكم على الناس، قال : ﴿وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلَّا ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللَّهِ﴾ [الحديد:٢٧] أنا أعرف أن من يتسرع ويتعجل يريد رضوان الله، ولكن ليس كل من ابتغى رضوان الله أصاب، والله ذكر المبتدعة، فقال: ﴿أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَناً﴾ [فاطر:٨] قال سفيان بن عيينة: نزلت هذه الآية في المبتدعة، زين الله لهم سوء أعمالهم، أتظن عمران بن حطان كان يظن أنه فاجر أو مخطئ، أو الجعد بن درهم، أو الجهم بن صفوان؟ لا، يقول ابن المبارك في الجهم -لأنه كان داعية، وكان يضحي عن مبادئه أكثر من تضحيتي أنا وأنت عن مبادئنا- يقول: عجبت لدجال دعا الناس جهرةً إلى النار واشتق اسمه من جهنم الجعد بن درهم ماذا فعل؟ مخطئ فاجر ضال؛ رفض أن يتنازل عن خطئه ويظن أنه صائب، قال له خالد بن عبد الله القسري: أتعود عن رأيك، قال: لا، فقال في خطبة العيد: يا أيها الناس! إن الجعد بن درهم زعم أن الله لم يكلم موسى تكليماً، ولم يتخذ إبراهيم خليلاً، ألا إني مضحٍ بـ الجعد بن درهم ضحوا تقبل الله منكم أضحياتكم، ثم نزل فأخذه بالخنجر قتله حتى يقول ابن القيم: من أجل ذا ضحى بـ جعد خالد القسري يوم ذبائح القربان إذ قال إبراهيم ليس خليله كلا ولا موسى الكليم الداني شكر الضحية كل صاحب سنةٍ لله درك من أخي قربان يقول: من أراد أن يضحي فليضح مثله، البدنة عن سبعة. أيضاً يقول : ﴿طه * مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى﴾ [طه:١ - ٢] يقول بعض المفسرين: مفهوم المخالفة في الآية أن تسعد، نزل القرآن للسعادة، فالتلاوة فيها سعادة، والحكم به في الناس سعادة، تبيينه للناس سعادة، لا أن تشقي الناس، لماذا نشقي الناس بالقرآن؟ لماذا نشقي الناس بالسنة؟ وسوف أصل -إن شاء الله- في هذه المحاضرة إلى مواقف محمد ﵊، وليست من كلامي ولا من كلام آخر من المجاهيل النكرات، لكن من كلام من يجب علينا على رغم أنوفنا أن نستمع له، وأن نتحاكم إليه، كما قال مالك: ما من إنسان إلا راد ومردود عليه إلا صاحب هذا القبر ﵊. قال لرسوله ﵊: ﴿وَنُيَسِّرُكَ لِلْيُسْرَى﴾ [الأعلى:٨] فاليسر من طبيعته في العبادة، وفي الدعوة، وفي التربية، والأخلاق، والسلوك، تقول عائشة كما في صحيح مسلم: ﴿ما خير رسول الله ﷺ بين أمرين إلا اختار أيسرهما﴾ إذا كان الناس يستجيبون لك بالكلمة اللينة، فلماذا الغضب؟! ولماذا التشنج في العبارة؟! ولماذا الجرح؟! ولماذا الوصم بالكفر والفسق؟! لماذا؟! يقول : ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا مَا آتَاهَا﴾ [الطلاق:٧] فلا تطلب من الضعيف في العبادة ما تطلبه من القوي؛ لأنه قد علم كل أناس مشربهم. ومن صفاته ﵊: أنه رحمة للعالمين، فهل سأل كل واحد منا نفسه؟ هل سأل الإمام والخطيب والعالم والقاضي ورجل الهيئة نفسه: هل هو رحمة للعالمين أم هو شقاء للعالمين؟ رحمة للعالمين، فلم يقل رحمة للناس فيخرج الحيوانات، ولم يقل للمؤمنين فيخرج الكافرين، ولم يقل للرجال فيخرج النساء أما الرازي فقد مد نَفَسَه في هذه الآية وتكلم كثيراً، والعجيب أن الرسول ﷺ كان رحمة للعجماوات، رحمة للطيور، رحمة للزواحف ورحمة للوحوش. في سنن أبي داود بسند صحيح: ﴿أن الرسول ﷺ جلس تحت الشجر مع أناس من الصحابة، فأتت حمامة -طائر أنثى- كان أحد الصحابة، قد أخذ أفراخها، فأتت تشتكي إلى الرسول ﷺ ، لكن بلا كلام، ولا نطق حامت على رأسه ﵊ ففهم أنها تشكو، قال: من فجع هذه بأفراخها، قال رجل: أنا يا رسول الله! قال: رد عليها فراخها﴾ فلما رد أفراخها، فرفرت فرحة جذلانة وعادت إلى عشها. يقول أحد الشعراء في هذه: جاءت إليك حمامةٌ مشتاقةٌ تشكو إليك بقلب صب واجف من أخبر الورقاء أن مكانكم حرم وأنك ملجأ للخائف هذه رحمته ﵊، وسوف أصل إلى وقفة مع رحمته ﵊ فيما يأتي. أيضاً وصفه ربه أنه (عزيز عليه ما عنتم) أي: أي شيء يعنت الأمة يعز عليه ﵊ ويكلف عليه ويشق عليه قال تعالى: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ﴾ [التوبة:١٢٨] وقرأ ابن مسعود: من أنفَسِكم، يعني: من أغلاكم، ومن أحسنكم، ومن أرفعكم نسباً وذكراً ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة:١٢٨].

стр. 4697

يسر الرسول ﷺ أولاً: من صفات الإسلام أنه بسيط، ويسير، وأنه سهل ليس فيه تعقيد ولا تقعر ولا تشدق، وما صعبناه على الناس إلا يوم تقعرنا في العبارات، وأكثرنا من الحواشي والردود، وأكثرنا من البسط والأخذ والرد، فصعب الإسلام صراحة، وإلا فالرسول ﵊ يشرح الإسلام في عشر دقائق لأعرابي ويذهب الأعرابي من المسجد، ويقول: والله لا أزيد على ما سمعت ولا أنقص أنا ضمام بن ثعلبة أخو بني سعد بن بكر، فيقول ﷺ : ﴿أفلح الرجل ودخل الجنة إن صدق﴾ أو كما قال ﵊، هذا هو الدين. في الصحيحين من حديث أنس قال: ﴿كان الرسول ﷺ بين أظهرنا، فوفد أعرابي فعقل ناقته في طرف المسجد، وجاء يمشي قال: أين ابن عبد المطلب؟ يقصد الرسول ﵊؛ لأنه أشهر عند العرب بجده من أبيه، قال الصحابة: هو ذاك الرجل الأبيض الأمهق المرتفق، قال: يابن عبد المطلب، قال: نعم، قال: إني سائلك فمشدد عليك في المسألة، قال: سل ما بدا لك، قال: من رفع السماء؟ قال: الله، قال: من بسط الأرض؟ قال: الله، قال: من نصب الجبال؟ قال: الله، قال: أسألك بمن رفع السماء وبسط الأرض ونصب الجبال آلله أرسلك فتربع ﵊، وقال: اللهم نعم، فأخذ يسأله عن أركان الإسلام، فلما انتهى قال: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أنك رسول الله، والله لا أزيد على ما سمعت ولا أنقص أنا ضمام بن ثعلبة أخو بني سعد بن بكر، فيتولى، فيشهد له ﷺ أنه من أهل الجنة﴾. هذا هو الإسلام، هذا هو الدين البسيط، لماذا لا نشرحه للناس؟ لماذا لا نتحدث به؟ تعال الآن إلى كثير مما يُتحدث عنه من القضايا حتى المعتقد: التعقيد، الردود، استحداث الإشكال، التشبع بما لم يعط، حتى لا يفهم الناس من العقيدة شيئاً، وهذا فعل أهل البدع كـ المعتزلة والخوارج والروافض.

стр. 4698

يسره ﵊ في التعليم والتوجيه يأتيه أعرابي فيصلي معه الصلاة - والحديث في الصحيحين - ويقرأ معه التحيات، فيرفع الأعرابي صوته في آخر التحيات، ويقول: اللهم ارحمني ومحمداً ولا ترحم معنا أحداً، السلام عليكم ورحمة الله، السلام عليكم ورحمة الله، الرسول ﷺ يعرف من هو الأعرابي، من هو الذي قال هذه العبارة، لأن أبا بكر لن يقول هذا، ولا عمر، ولا أبي، ولا زيد، وهذا في الصف الأول، لكن أتظن الرسول- ﷺ يقول أنت قلت العبارة، لا، لا يواجه، يقول أبو سعيد كما في الصحيحين: ﴿كان أشد حياء من العذراء في خدرها﴾ حتى ذكروا عنه في السيرة: أنه ما كان يبده ببصره الإنسان، يعني: ما كان يشد نظره إليك، فإذا نظرت أنت إليه، خفض طرفه من الحياء قال الله: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم:٤]. قال ﷺ : ﴿من قال آنفاً -كيت وكيت وتلا العبارة- فسكتوا، قال: من قال؟ فقال الأعرابي: أنا يا رسول الله! قال: لقد تحجرت واسعاً إن رحمة الله وسعت كل شيء﴾ أي: فأين الملايين المملينة ممن يريدون جنة عرضها السماوات والأرض؟ وأين البشرى؟ وأين التسهيل؟ وأين الرحمة المهداة والنعمة المسداة التي حملها محمد ﷺ ؛ لينقذ الألوف المؤلفة من النار ومن العار والدمار؟ أبقى أنا وأنت فقط في الجنة وتصير الأمم في النار، كما يفعل بعض الناس حين يقول: من فعل كذا ففي النار، ومن فعل كذا فعليه لعنة الله، ومن فعل كذا غضب الله عليه، ومن فعل كذا فهو في جهنم، لم يقلها رسولنا أبداً ﵊، قام الأعرابي وبال في طرف المسجد؛ ضاقت عليه الدنيا بما رحبت إلا المسجد، قام الصحابة يريدون أن يبطحوه أرضاً. كل بطاح من الـ ـناس له يوم بطوح قال ﷺ : ﴿اتركوه﴾ لأن المشكلة سهلة، ومعالجة الأخطاء بأخطاء أفدح عنف، والنار لا تطفأ بالبترول، إنما تطفئ بالماء، وإذا أردت أن تصلح الخطأ وتعنف، وتريد أن تؤدب حينها ينقلب القط أسداً، لو أغلقت على القط في البيت، وقمت تحارشه حوله الله من قط إلى هزبر، وهذا فعل الناس ولذا قال تعالى: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ﴾ [النحل:١٢٥] وقال: ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ﴾ [فصلت:٣٤] استدعاه ﵊ وأخبره وبين له، وأخذ ذنوباً من الماء وصبه على البول وانتهى، وعاد الأعرابي داعية إلى قبيلته فأسلموا عن بكرة أبيهم. دخل معاوية بن الحكم -والحديث في مسلم - وهو لا يدري أن الكلام في الصلاة حرام، فقال: السلام عليكم ورحمة الله -والصحابة يصلون- فما ردوا، فعطس واحدٌ منهم، قال: يرحمك الله، فضربوا على أفخاذهم قبل أن يعلموا التسبيح، فقال: ويل أمي أأحدثت شيئاً! فلما سلم قال: ﴿دعاني رسول الله ﷺ ، فما رأيت معلماً قبله ولا بعده أرحم منه، وكان على كرسي من حديد، فعلمني وقال: إن هذه الصلاة لا يصلح فيها شيء من كلام الناس، إنما هي للذكر والتسبيح وقراءة القرآن﴾ انتهى وصلاته صحيحيه، لأنه تكلم عن جهل، قال أهل الفقه: من تكلم بجهل أو ناسياً فصلاته صحيحة. أيضاً: الدين أتى بما تفهمه العقول لا بما تحار فيه، وربما يأتي إنسان فيورد قضايا على الناس فتحار فيها عقولهم، قال عبد الله بن مسعود: [[]]. كثير من القضايا أرى أن طرحها ليس صحيحاً، وأن طرحها على الملأ ليس من الحق ولا من العدل، وكلام الخاصة للخاصة، وكلام العامة للعامة. كان الإمام أحمد يقول للمعتصم كلاماً بينه وبينه لم يقله للناس، وقال للناس كلاماً يصلح للناس.

стр. 4699

الدعاة تابعون للنبي ﷺ في التيسير والمحبة للناس أيضاً ليس بيننا وبين أحد من الناس عداء، لا يتصور بعض الناس أن الدعاة يريدون شيئاً من الدنيا، أو يريدون شيئاً من الأراضي، أو المناصب، أو الممتلكات، أو القصور، فوالله ما رأيت داعية ممن يوثق بعلمه ودعوته إلا يريد الخير، ولا يريد سبباً إلا إن كان شيئاً لا نعلمه في نيته فالله المطلع، وما لسان حال كل منهم إلا كما قال القاضي الزبيري: خذوا كل دنياكم واتركوا فؤادي حراً طليقاً غريبا فإني أعظمكم ثروة وإن خلتموني وحيداً سليبا وهو منهج الرسل عليهم الصلاة والسلام ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْأِصْلاحَ﴾ [هود:٨٨] وهناك ﴿قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ﴾ [ص:٨٦] لا يطلبون أجراً على دعوتهم، ولا يريد الواحد منهم كنزاً، إنما يعيش لدعوته فقط. أيضاً ليس بين الدعاة وبين أحد من الناس ثارات جاهلية، أو نزعات، أو مسألة أساء إلي فلا بد أن أنتقم لنفسي، أو ميراث أخذه جده أو عمته أو جدته، لا، مسألة الدين فقط، الإسلام فحسب، وإلا الرسول ﷺ جرح عرضه صراحةً، وأدمي عقبه، ووضع سلى الجزور عليه، وأهين في مواقف، وقتل من أصحابه سبعون، وشج رأسه، وكسرت ثنيته، ومع ذلك يقول: ﴿اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون﴾. أيضاً الإسلام أيها الإخوة الكرام! أتى موافقاً للفطرة، فلا تحاول أنت أن تلغي هذا الدين الذي تقبله القلوب، والعالم الآن أصبح عالماً متديناً، نسبة التدين في العالم الآن من (٧٦%) إلى (٧٧%) حتى العالم الشيوعي أصبح يتدين بغض النظر عن الديانة التي يعتنقها، وقبل سنوات -كما تعرفون- اعتنق جرباتشوف النصرانية وغيره كثير من الحزب الشيوعي وتخلوا عن مسألة الإلحاد، لأنها نظرية خاطئة، والله يقول: ﴿وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ [الأنعام:١١٠] لكن كيف يتدين الناس تديناً صحيحاً؟ يوم يرون عرض الإسلام عرض التبشير، عرض السهولة , عرض اليسر. وإني من هذا الموقف أقول كلمة ويوافقني عليها الدعاة ولا أعلم داعيةً يخالفني في هذا والله لا أريد بها مجاملة ولا محاباة والله الشاهد: إنني لا أعلم في هذا العصر عالماً له منهج رباني (من الأحياء) علمه سديد، ودعوته ومنهجه، ويسره وفتاويه كسماحة الشيخ / عبد العزيز بن عبد الله بن باز، وإنه يستحق أن يكتب في منهجه، في الدعوة، وفي التعليم، وفي الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر كتب، وأن تدرس وأن تعلم، انظر إليه الآن في منهج الفتوى، فليس هو بذاك الذي يتعلق بالفروع ويطرح النصوص، ولا هو بالظاهري الجامد على ظاهر النص، ولكنه الموافق المتألق الذي يستوحي معلوماته من الكتاب والسنة بفهم صادق، ونية يريد بها الله والدار والآخرة، هذا أمر يستحق محاضرة عن منهج سماحته في الدعوة حتى نري شبابنا وجيلنا عالماً في الأحياء، وإلا فمن عدل الله ألا يعدم الأمة من عالم حجة ومجدد، من عدله ألا يعدم الدنيا من ذلك. مراعاة واقع الناس، أنا أدعو إخواني من الدعاة أن يراعوا واقع الناس، وألا يطلبوا من مجتمعنا هذا أن يكون كمجتمع أبي هريرة وسلمان وسعد بن أبي وقاص، لأن القدوة عندهم محمد ﵊، وجبريل يتنزل بالوحي صباح مساء، أما زمننا أيها الإخوة! فشرور وفتن وابتلاءات وإغراءات ومحن، يقول أبو الدرداء ﵁ -فيما نسبه العلماء إليه كـ ابن عبد البر والخطيب البغدادي - قال: [[إنكم في زمن من ترك عشر ما أمر به هلك، وسوف يأتي زمن من فعل عشر ما أمر به نجى]] وهذا ليس على إطلاقه، ولكن يقصد به من النوافل، أو ما زاد على الفرائض.

стр. 4700

منهجه ﷺ في التعامل مع العصاة مراعاة واقع الناس، الضغوط التي تقع عليهم، لماذا عصى صاحب المعصية؟ صاحب المعصية لا نفرح أنه عصى الله، لا يبشر بعضنا بعضاً أنه عثر على رجل يشرب الخمر، الواجب أن نبكي إذا رأينا رجلاً يشرب خمراً، لا ندين الناس بالتهم، لا نذهب ونحرج الناس إلى أن يعترفوا، أنا أرى أن هناك ممارسات خاطئة، مثلاً: نجد رجلاً شرب الخمر وينكر أنه شرب الخمر، ولا نجد للخمر رائحة ولا علامات، فنقول: لا، وتحت السوط، وتحت التقارير، وتحت الشهود حتى يعترف، هذا ليس منهجه ﵊. أيضاً لا نتهم الناس في نياتهم، ولا في مزاولاتهم لأعمالهم التي ظاهرها الخير. وأيضاً لا نتجسس لنكشف أناساً تستروا بالمعاصي وما جاهروا بها، ثم لا نفرح بالمجتمع أنَّا أدنَّاه بالخطأ. في الصحيحين أن الرسول- ﷺ أتي بشارب خمر شرب الخمر كثيراً، وفي بعض الروايات في غير الصحيح أنه شرب إلى خمسين مرة. تصوروا أيها الإخوة! لو أتي لنا برجل الآن شرب الخمر خمسين مرة، بعض الناس لا يسلم عليه ولا ينظر لوجهه أصلاً، فقال أحد الصحابة: ﴿أخزاه الله ما أكثر ما يؤتى به في الخمر! فغضب ﵊ وقال: لا تكن عوناً للشيطان على أخيك، فوالذي نفسي بيده ما علمت إلا أنه يحب الله ورسوله﴾ فأثبت له أصل الحب، وبين أن فيه خيراً وأنه لا زال على الفطرة، ومعنى الكلام: لماذا نخسر هذا الرجل ولو تكرر منه الذنب، علَّ الله أن يصلحه، وكلنا مذنبون وكلنا خطاءون. سبحان من يعفو ونهفو دائماً ولم يزل مهما هفا العبد عفا يعطي الذي يخطي ولا يمنعه جلاله عن العطا لذي الخطا أيضاً في الصحيحين: أن ماعزاً الأسلمي زنى، فجاء إلى الرسول ﷺ تصوروا تلكم الشفافية في التقوى الذي بلغها مجتمع الرسول ﵊ حتى يقول ابن الوزير في العواصم والقواصم: والله الذي لا إله إلا هو لعصاة أصحاب الرسول ﵊ خير من طائعي زماننا، لم يكن عند الرسول ﷺ أجهزة تجسس ولا مباحث ولا استخبارات ولا هيئات، ولم يرسل للناس أناساً يكبسون عليهم بيوتهم، لكنها التقوى، فلما زنى تذكر الله والقدوم على الله والجنة والنار. أتى ماعز بنفسه ووصل إلى الرسول ﷺ ودخل عليه وقال: زنيت يا رسول الله! فهل استبشر ﷺ ! لو قيل لبعض الناس: اعترف فلان بالزنا لقال: خذوه فغلوه، ثم الجحيم صلوه، ثم في سلسلة ذرعها سبعون ذراعاً فاسكلوه أثبتوا عليه، اكتبوا محضراً، خذوا بصماته؛ لأننا نخاف أن ينكر غداً، ليس هذا منهجه ﵊ ماذا فعل؟ -حول وجهه من الجهة اليمنى إلى اليسرى- غضب، لا يريد ﷺ أن يفتضح الناس. يقول كما روى الحاكم عن ابن عباس: ﴿يا أيها الناس من ابتلي بشيء من هذه القاذورات، فليستتر بستر الله، فإنه من يبد لنا صفحته نقم عليه الحد﴾ هذا قوله ﵊ وهذا الحديث في بلوغ المرام لـ ابن حجر. ﴿فحول وجهه- ﷺ فاعترف ماعز حتى تكلم أربع مرات، وذهب به ورجم وفر قبل الرجم، فمسكه الصحابة ورجموه، قال ﷺ : ألا تركتموه﴾ لماذا ما تركتموه يذهب؟ لعله ما زنى من يدري؟! وعند البيهقي فيما يروى عنه ﷺ وبعض أهل العلم يصحح هذا الحديث لكنه يقبل التحسين ويرويه مثل ابن عدي: ﴿ادرءوا الحدود بالشبهات﴾ وزاد البيهقي ﴿فإن الإمام أن يخطئ في العفو أحسن من أن يخطئ في العقوبة﴾. زنت امرأة ولا يعلم بزناها إلا الله، ولم يأت الرسول ﷺ خبر من المجتمع، أو إخبارية، أو قرار أنها زنت، ولم يصله ملف اعتراف، ولكنها لما زنت تحرك الإيمان الذي في قلبها، الإيمان الذي في عصاة الصحابة أكبر من الإيمان الذي في قلوب الطائعين في هذا العصر، فذهبت إلى الرسول ﵊ واعترفت، قال: ﴿عودي حتى تضعي﴾ لأنها حبلى من الزنا، فعادت ولم يكتب عليها بياناً ولم يثبت عليها ولم يأخذ منها تقريراً وردها إلى أهلها. أسألكم بالله لو أنكرت هي ووقفت في بيتها هل سيرسل لها الرسول ﷺ من يأخذها؟ لا والله، وأتت بعد أن وضعت بطفلها -قال الراوي: وكان في لفائف- في أول يوم لكن الإيمان ارتفع في قلبها كالجبال، وقدمته إلى الرسول ﷺ وقالت: (طهرني يا رسول الله!) -فاعتبرت الحد تطهيراً- قال الرسول ﷺ : عودي حتى ترضعيه، فإذا فطمتيه فتعالي -ولم يأخذ عليها شهوداً وكفى بالله شهيداً- فذهبت فأرضعت طفلها، فلما فطمته، أتت به وفي يده كسرة خبز قال ﷺ : من يكفل هذا وهو رفيقي في الجنة كهاتين؟ فأخذه أحد الأنصار وذهبوا بالمرأة فرجموها، والرسول ﷺ قيل في بعض الروايات: كان معهم، فقال أحد الصحابة: أخزاها الله لو أنها استترت بستر الله، قال: لا تسبها والذي نفسي بيده إني لأراها تنغمس في أنهار الجنة، وفي الرواية الصحيحة: ﴿والذي نفسي بيده لقد تابت توبة لو وزعت على سبعين من أهل المدينة لوسعتهم﴾ وفي لفظ: ﴿لو تابها صاحب مكس لغفر له﴾ وفي بعض الروايات: ﴿لو وزعت على أهل المدينة، لكفتهم﴾. هذا فضل الله، وهذه رحمته؛ وذاك عطاؤه لهذا العاصي أن يتطهر وأن يعود في الدين، وأن يدخل جنة عرضها السماوات والأرض. من الذي حجب الجنة عن السارقين والزناة وشربة الخمر بعد أن يتوبوا إلا الخوارج؟ ولذلك فهم مبتدعة عند أهل الإسلام، لكن ما دامت رحمة الله وسعت هؤلاء العصاة وعادوا وأنابوا وجادوا بالنفوس، من منا الآن يجود بنفسه كما جادت المرأة الزانية، ثم تابت؟ يجود بالنفس إن ضنَّ البخيل بها والجود بالنفس أغلى غاية الجود

стр. 4701

الستر على العصاة نحن دعاة قبل أن نكون مؤدبين، وفرق يا أيها الإخوة! بين من يجاهرون الله بالمعاصي، كمن يبني خمارةً في بيته وقصره، ومن يروج المخدرات ويتعامل بها ويزاول ذلك، ومن ينشئ بيتاً للدعارة -والعياذ بالله- فهؤلاء مجاهرون محاربون لله ولرسوله، لكن إنسان عثر عثرة، أو تستر بشيء وهناك ظنون، وهناك اتهامات فقط، فلا نذهب عليه ونجمع الناس وندينه حتى يعترف! وإلا فهي ممارسات خاطئة، أنا أحاج بالكتاب والسنة أن هذا لم يكن هديه ﵊. أيضاً علينا أن نفتح باب التوبة للناس، وإني لأعلم أن كثيراً من العصاة ما ردهم من الهداية إلا لأنهم أحبطوا أمام الوعظ الناري الحار الذي أغلق عليهم باب الهداية. عند الترمذي من حديث سلمان بسند حسن: ﴿إن الله ستير يحب الستر﴾ فهو يحب أن يستر عباده. ﴿يا عبادي إنكم تذنبون بالليل والنهار، وأنا أغفر الذنوب جميعا فاستغفروني أغفر لكم﴾ وعند مسلم: ﴿إن الله يبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار، ويبسط يده بالنهار ليتوب مسيء الليل حتى تطلع الشمس من مغربها﴾.

стр. 4702

الرحمة بالمؤمنين والغلظة على الكافرين العنصر الرابع: الرحمة بالمؤمنين والغلظة على الكافرين والمنافقين: هذا مبدأ إسلامي، وأصل الاعتقاد لا يزول بمخالفة فرعية ولا بمعصية، هذه قاعدة لـ ابن تيمية ﵀. صفة رسول الله ﵊ أنه بالمؤمنين رحيم ﴿أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ [المائدة:٥٤] هؤلاء هم المؤمنون، أشداء على الكفار رحماء بينهم. ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ [التوبة:٧٣] لأن هناك دعوى تنشرها أجهزة الإعلام بين الفينة والأخرى، وتتكلم بها النخبة المثقفة -كما تسمي نفسها- وهي العارية عن علم الكتاب وعلم الرسول ﵊، وهذه النخبة المثقفة في البلاد مثل: الضباط الأحرار في البلاد الأخرى، والأفكار واحدة، والمسار واحد، فيرددون: الوفاق العالمي، والأخوة الإنسانية، والعلاقة الدولية، والإنسان أخو الإنسان، ولا بد أن نسعى إلى بسط السلام ونبذ الفرقة أي أن المسلم واليهودي والنصراني والبوذي والماركسي كلهم تحت مظلة الوفاق الدولي، والإسلام يرفض ذلك، وليس من التشنج، وليس من الفضاضة، وليس من التنفير أن نهاجم معتقدات النصارى الصليبيين، ولا اليهود ولا أذناب اليهود ولا الماركسية بل مزيداً من تعريتهم وفضحهم، والله قد لعنهم في كتابه ولعنهم رسوله ﵊. قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً﴾ [التوبة:١٢٣] لكن لمَّا ذاب الولاء والبراء انقلبت الموازين، الآن يلقى الخواجة بالاحترام والشكر والتقدير، والعزايم والهدايا، والمرتب العالي، والسيارة الفخمة، والسكن في القصور، ويلقى المؤمن بالاتهام بالدروشة والفضاضة، والتنفير والغلظة حتى يقولون: إن الأشقر دائماً له من لونه نصيب، والأبيض له نبأ غريب وخبر عجيب، وتجد له كأن طابع انهزام المسلمين الداخلي من هذا المد الحضاري الذي يسمونه مد حضاري دخل عليهم حتى في المعاملات، فتجده إذا تكلم مع الخواجة تكلم بانبساط وانشراح وبشاشة وهشاشة ورضا، وإذا تكلم مع إخوانه المؤمنين إذا هو يغضب ويزبد ويرعد. قلب بعض الناس هذا المفهوم، فتجده أحياناً مع إخوانه في مسائل خلافية ويغلظ، بينما في مسائل كبرى لا يتكلم فيها، أحياناً تجد أفكاراً علمانية تطرح في الساحة وفي الصحف والمجلات، وفي الراديو على الشاشة ولا تجد من ينتقدها أبداً بحجة الهدوء والسكينة، لكنه على إخوانه الدعاة وطلبة العلم من أشد الناس تسلطاً ومن أضخمهم عبارة.

стр. 4703

الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ليس غلظة ولا تشهيراً أيضاً ظن بعض الناس أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر تشهير، وهناك من يريد أن يلغي مسألة الهيئات، وأنها ليست من الإسلام، وأنها أساءت سمعة البلاد، وهذا ليس بصحيح، ويوم تلغى الهيئات، أو الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر تلغى هوية لا إله إلا الله محمد رسول الله، يقول تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ [آل عمران:١١٠] ويقول في الخونة العملاء المرتزقة من أهل البذاء والنفاق والعمالة العالمية من الصهاينة وغيرهم: ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرائيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُدَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ * كَانُوا لا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾ [المائدة:٧٨ - ٧٩] جريمتهم أنهم لا ينهون عن المنكر، مصيبتهم أنهم لا يأمرون بالمعروف، تريد ديناً ليس فيه محتسبون يأمرون وينهون، لا تقوم شئون العباد ولا البلاد إلا بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

стр. 4704

الاهتمام بالمنكرات الكبرى أيضاً: سكوت بعض الناس عن المنكرات الكبرى مع انقطاعهم إلى بعض المسائل واستحداثهم لبعض المشكلات؛ وفر جهدك بدل أن تتكلم ساعتين عن تحريك الإصبع، وهي من السنة ولا بد أن تحرك , وأنا لا ألغيها ولا أهاجمها، لكن وفر هذا الجهد في المسائل الكبرى كموضوع الربا، موضوع الفساد الذي يوجد في كثير من النواحي، الطرح الغثائي، مهاجمة العقيدة الإسلامية، الغثاء الفكري التي تعيشه الأمة، موت الولاء والبراء، انسحاق الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وغيرها من القضايا.

стр. 4705

التحليل والتحريم العنصر الخامس: ليس لأحد أن يحرم ما أحل الله، أو يحل ما حرم الله، ربما يتسرع متسرع فيحب مسألة التحريم، يحب دائماً يقول: حرام حرام، حتى إن بعض المرتدين والمنافقين عيروا المهتدين والمستقيمين بذلك، حتى يقول أحدهم وهو يتبجح في مجلس: هؤلاء حرموا كل شيء حتى السُكرَّ، ويقول أحدهم: صليت الجمعة -اسمع الكذب- فقام خطيب يخطب فينا، فقال: حلق اللحية حرام، وإسبال الإزار حرام، والغناء حرام، والموسيقى حرام، وكل شيء حرام. والله ما قاله، وهذا من التشويه، هذه النصوص المزيدة من أكياس التشويه لمعالم الإسلام. أيضاً: يصفون الدعاة بالعنف: وأنا أجزم جزماً أنه ليس هناك عنف، وإن كان في العبارات غلظة؛ فهذا الذي أريد أن أعالجه هذه الليلة إن استطعت، أو وفقت، لكن أن يكون هناك عنف بمعنى العنف الذي يتعارف عليه الناس، فليس هناك عنف ولا تطرف، العنف يا أخي: مهاجمة المؤسسات بالحديد والنار، العنف: الاغتيال، العنف: إسالة الدماء، العنف: فتنة طامة عامة، العنف: حمل السلاح، العنف: قطع الرءوس، العنف: اقتحام المنازل للقتال، لكن هذا لم يحدث أبداً، ولم نسمع بصورة ولو واحدة أنه حدث، فلماذا يوصم هؤلاء بالتطرف؟! قال : ﴿وَلا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لا يُفْلِحُونَ﴾ [النحل:١١٦]. أيها الإخوة: ليس لأحد من الناس أن يحرم إلا ما حرم الله ورسوله، ولا يحلل إلا ما حلل الله ورسوله، ولا يوجب إلا ما أوجب الله ورسوله، ولا يستحب إلا ما استحبه الله ورسوله، ولا يكره إلا ما كرهه الله ورسوله، ولا يبيح إلا ما أباحه الله ورسوله، هذه قاعدة يذكرها شيخ الإسلام في أصول الفقه كثيراً، لأن بعض الناس جعلوا من أنفسهم مشرعين، وهذا يدل على الجهل، وقلة الوعي، عدم المعرفة، وتحريم الحلال كتحليل الحرام سواءً بسواء، حتى المسائل الخلافية ليس لك أن تسارع إلى التحريم فيها. ذكر ابن القيم ﵀ في أعلام الموقعين أن الإمام أحمد كان إذا سئل عن مسألة فيها تحريم، قال: أكرهها، أو أكره هذا، أو أخشى أن تكون حراماً؛ من الورع، لأنه لا يدري هل هي حرام أم لا. يقول : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَسْأَلوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ وَإِنْ تَسْأَلوا عَنْهَا حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْآنُ تُبْدَ لَكُمْ عَفَا اللَّهُ عَنْهَا وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ﴾ [المائدة:١٠١] فالواجب الورع وعدم إحراج الناس في تحريم ما لم يحرمه الله ، وما زاد عن حده انقلب إلى ضده، وقد يكون تنطعاً، ولذلك لما تنطع النصارى فحرموا على أنفسهم أموراً حرمها الله عليهم، وفيه حديث: ﴿إن من أعظم الناس جرماً عند الله يوم القيامة من سأل عن شيء لم يحرم فحرمت من أجل مسألته﴾. وورد في الحديث وهو يحسن عند أهل العلم ولو أن ابن رجب نقد هذا الحديث: ﴿إن الله فرض فرائض فلا تضيعوها، وحد حدوداً فلا تعتدوها، وسكت عن أشياء رحمة بكم فلا تسألوا عنها﴾.

стр. 4706

التسرع في التكفير العنصر السادس: التحذير من التسرع في التكفير: ﴿سباب المسلم فسوق وقتاله كفر﴾ كما قال ﵊، والتكفير عند أهل السنة والجماعة أضيق من ثقب الإبرة، ويذكر عن ابن تيمية في ترجمة ابن النفيس: أنه لما حضرته الوفاة استقبل القبلة، وقال: تبت عن كل من كفرته من أهل القبلة، وأقل الناس تكفيراً هو ابن تيمية ومن يقرأ الرسائل والرد على البكري يجد أنه يعتبر الكثير من الناس الذين اشتهروا عند الكثير منا أنهم كفار، ويحمل كلامهم على محمل جميل وينصف ويخاف الله في ذلك، لكن تجد التكفير يظهر على ألسنة الكثير لجهلهم في فقه الدين. قال ﷺ : ﴿من قال لأخيه يا كافر، فقد باء بها أحدهما إما القائل وإما المقول فيه﴾ فلماذا نقول كافر؟ ولماذا لا نستغني عن هذه العبارة؟ وهل كلفنا أن نكفر إلا من أعلن كفره وعرفنا باليقين أنه كافر؟ أيضاً لا أريد في المقابل تمييع قضية التكفير فتقول: لا تكفر الناس بترك الصلوات الخمس، أو رجل يدوس المصحف بحذائه، فنقول: أحسن الظن به، أو يدمر حماة فيقتل ثلاثين ألفاً، فيقال: لا، لا تكفر اتق الله. كيف هذا؟! هذا إماعة للقضية ومن نواقض لا إله إلا الله، أو من نواقض الإسلام التي كتبها الشيخ/ محمد بن عبد الوهاب ﵀، أن من لم يكفر الكافرين أو شك في كفرهم فهو كافر، فلا بد أن نكفر الكافرين، لكن لا نكفر المسلمين أو العصاة منهم.

стр. 4707

وقفة مع كتاب الحق الدامغ للخليلي قرأت من قريب كتاب الحق الدامغ، وهو للخليلي من عمان، واكتشفت فيما بعد أنه خارجي، وأتى بأهل المعاصي فأخرجهم من الملة جملةً وتفصيلاً، ولو سرنا على قاعدته، لخرجت دول الخليج من الإسلام ولم يبق أحد، وهذا المنهج خارجي بحت، والرجل في كتابه مبتدع، لأنه دافع عن ثلاث قضايا، وأنا أحذركم من هذا الكتاب، وهو يباع في الأسواق وهذه القضايا هي: ١/ أن الله لا يرى في الآخرة. ٢/ أن أهل الكبائر كفار. ٣/ أن القرآن مخلوق. وهل أخطأ المعتزلة وكثير من الخوارج إلا بهذه المسائل وأمثالها وبدَّعهم أهل العلم إلا بها، فنعوذ بالله من قلة الفقه في الدين. للكفر موانع وله مقتضيات، قد تتخلف بعض المقتضيات وتوجد بعض الموانع، فأنت تجد إنساناً قد يقول كلمة هي كفر، لكن له موانع، أو مقتضيات، أو تسأله عن حكمها فلا يدري! يأتيك رجل في أرض المسلمين، لكنه عاش في البادية لم يصل الصلوات الخمس، والرسول ﷺ يقول: ﴿من ترك الصلاة فقد كفر العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة، فمن تركها فقد كفر﴾ فتقول: كافر، هذا ليس بصحيح. بل تسأله: هل الصلوات الخمس مفروضة؟، فإن قال: نعم أعلم ذلك، لكني لا أصلي، حينها يكفر، لكن قال: لا أعلم ذلك، ولا أسمع بالصلوات الخمس إلا منك الآن، فهذا لا يكفر، وقس على ذلك من أمثالها.

стр. 4708

التقارب مع أهل البدع الخوارج متهالكون في التكفير حتى كفروا بعض الصحابة، وكفروا أهل الكبائر غير المستحلين لها، يقابلهم أيضاً مرجئة العصر، ومساراتهم وسيعة حتى إنهم يرون أنه لا خلاف مع أهل البدع، وأن المسألة اعتقاد فحسب، والمقصود أنه يوجد في الساحة من يميع القضايا، ويقول: المسألة مسألة عقيدة فقط، من قال: (لا إله إلا الله) فهو أخونا. ما رأيك في الرافضي؟، قال: أخونا وحبيبنا وليس بيننا وبينه خلاف، والخوارج أحبابنا، والمرجئة إخواننا، والقدرية أخوالنا. فإذا قيل له: من هو العدو؟ قال: شامير. فهل هو العدو فقط؟ أما هؤلاء -المبتدعة- فيقول: لا تفرق كلمة المسلمين، وادع إلى الاتفاق، ومدوا الجسور مع هؤلاء!! إذاً فما هي ميزة أهل السنة والجماعة؛ المذهب الذي قدم صفوة العلماء دماءهم رخيصة من أجله، وشنقوا وجلدوا وحبسوا؟ لماذا سجن أحمد بن حنبل؟ لماذا ضرب بالسياط؟ تدري كم جلد الإمام أحمد بن حنبل يقولون: ما يقارب ألف وستمائة سوط في ستة وثلاثين شهراً حتى يقول له أحد الخمارين: -انظر العصاة للمبادئ يخدمون مبادئهم وهم عصاة- وكان مسجوناً معه: يا أحمد بن حنبل! اصبر على ضرب السياط، فإنك تجلد من أجل أمة محمد ﵊، والله الذي لا إله إلا هو لقد جلدت في الخمر ألف وستمائة سوط وما تراجعت، هكذا فلتكن الشجاعة والثبات. يذكرون في بعض المذكرات عن الأكراد أن رءوسهم يابسة من الشجاعة، فقيل: إن سلطاناً من السلاطين كان حارسه كردياً وبينما الوزراء عنده جلوس والسلاطين لا يريدون أن يكسر لهم جاه، فقال السلطان للناس: الحبحب يقطع بالسكين أو بالمقص، قال الوزراء كلهم: بالسكين، قال السلطان: نعم بالسكين، قال الكردي: لا بالمقص، قال السلطان: أنت وليد نعمتي وتخالف أمري: بالسكين، أو بالمقص؟ قال: بالمقص، قال: أوقفوه، فأوقفوه يومين، ثم استدعاه في اليوم الثالث: المقص أو بالسكين؟ قال: بالمقص، قال: غيبوه في البركة في الماء، أنزله الجنود، تدريجياً في الماء يغرقونه، ويقول: بالمقص بالمقص بالمقص بالمقص، قالوا: فلما اختفى رأسه أخرج إصبعه ويقول بها كذا، هذا من التضحيات إلى آخر قطرة من الدماء، فالمقصود: أن تنظر إلى الخمارين والسكارى كيف يبذلون دماءهم في سبيل منهجهم، فلما عرف الإمام أحمد قال: فما شد قلبي أحد كما شد قلبي ذاك الرجل جزاه الله خيراً. الإمام أحمد يدعو له؛ لأنه لا زال مسلماً لا زال يقول: لا إله إلا الله، لا زال يصلي فدعا له، قال: جزاه الله خيراً، فاشتد قلب الإمام أحمد وانتصر بإذن الله، وحقق منهج أهل السنة والجماعة. لماذا سجن ابن تيمية؟ أصل ابن تيمية هذا عجيب فهو دائماً في الحديد يخرج من قلعة دمشق إلى الإسكندرية؛ لأنه لا يريد الباطل، يريد أن يثبت منهج أهل السنة والجماعة، فقصدي: أن مرجئة العصر يتقون الله فينا كلما تكلمنا عن طوائف المبتدعة، قالوا: اتقوا الله لا تشتتوا شمل المسلمين، المسلمون منهم الرافضة ومنهم المرجئة ومنهم الخوارج وهؤلاء كلهم مسلمون، لا أهل السنة والجماعة فقط. هذا هو المنهج الرباني الذي يجب أن نربي الناس عليه، وأن ننشره، وعليه دعوة الإمام أحمد بن حنبل والإمام ابن تيمية والإمام محمد بن عبد الوهاب، وهؤلاء الثلاثة نجوم في عصورهم وحسبك بهم. تقريع الناس وتوبيخهم في الوعظ والتعليم ليس من هديه ﵊، التقريع والتعنيف تزكية ضمنية للمتكلم وإدانة للمستمعين، وإلى متى يحتمل الإنسان من يؤدبه ويجرحه؟ هو يجرحه ويعرض عليه سلبياته. من مناهج أهل السنة والجماعة أنهم لا يوبخون على رءوس الملأ، ولا يقرعون بوعظهم الناس، ولا يشهرون العصاة بالأسماء، أو بالعلامات التي تفهم، بل إنهم يعرضون الحق ويعرضون الباطل. أيضاً: ليس من مناهجهم التكتم على الباطل أو المنكرات، أو الفجور الموجود بحجة أن يستروا على العصاة فلا يعرضون الباطل، لا، هذا خطأ، وقضية ألا تعرض إلا الجوانب الحسنة فقط، ولا تعرض السيئة في المجتمع غير صحيح، بل عرضها بشكل عام لا يفهم منه إرادة توبيخ أحد، أو تجريحه. كان ﷺ يقول على المنبر: ﴿ما بال أقوام يصنعون كذا وكذا﴾ وقال لقبيلة بني عبد الله: ﴿يا بني عبد الله إن الله أحسن اسم أبيكم، فأحسنوا الاستجابة﴾ أو كما قال ﷺ ، وأمره ربه ، فقال: ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ﴾ [فصلت:٣٤].

стр. 4709

تغليب الخوف على الرجاء أيضاً: تغليب الخوف على الرجاء، والترهيب على الترغيب، وهو منهج بعض الدعاة وهم قلة أنهم يتكلمون في الخوف أكثر من الرجاء، وفي العذاب أكثر من الرحمة، وفي سوء الخاتمة أكثر من حسن الخاتمة، وفي النار أكثر من الجنة، ويسبون أكثر مما يثنون، فالداعية عليه ألا يقدح ولا يمدح، بل يمدح الله ، والله يحب المدح، وهو الذي يستحق المدح، الداعية يعرض منهجه السليم السديد على الناس، وفي الترغيب والترهيب تسمى هذه النظرة السوداوية، وكأن العالم أغلق من الخير، وأنه أصبح عالم فتن ومصائب، وعالم كوارث فقط، ودين الله وسط بين الغالي والجافي، وقد جعل الله لكل شيء قدراً، والله قرن بين الترغيب والترهيب، فقال: ﴿غَافِرِ الذَّنْبِ وَقَابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ الْعِقَابِ ذِي الطَّوْلِ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ إِلَيْهِ الْمَصِيرُ﴾ [غافر:٣] وقال: ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلنَّاسِ عَلَى ظُلْمِهِمْ وَإِنَّ رَبَّكَ لَشَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ [الرعد:٦]. أخفق الحارث المحاسبي لما ألف كتاب الرعاية، ترك الناس المساجد وهو وإن أراد خيراً، لكن دخل في الخطرات والوساوس والواردات مثلاً: تريد أن تدعو العاصي وتقول: انتبه من صلى وقد وسوس في صلاته أظنها لا تقبل، ومن أتى إلى المسجد يريد رياء وسمعة الناس أظن إقباله باطل، ومن دخل المسجد ونظر إليه الناس فأعجبوا بخشوعه أظنه يبطل خشوعه، فإنه بالتالي يترك المسجد ويترك الصلاة ويترك الخشوع، هذا منهج الحارث المحاسبي، وتبعه في ذلك الغزالي في إحياء علوم الدين، وأنا أنصح أن يحذر الناشئة من قراءة هذا الكتاب، لأنه سوف يسحقهم سحقاً. أيضاً: بدون مجاملة، وقد أكون مخطئاً: ليت ابن القيم لم يؤلف مدارج السالكين، وليته حفظ جهده وذكاءه في كتب أخرى، وقال هذا مثل: محمد حامد فقي وغيره، والصحيح أن منهجه تتبع الخطرات والوساوس، وهي ليست من مناهج الصحابة، ولو أن ابن القيم سلفي صرف من أئمة أهل السنة والجماعة، لكن أمَّا في هذا الكتاب، فإنه يتعب في التربية، ويدخل بك في متاهات، ويريد أن ترتقي بروحك إلى مرتقى صعب، حتى لو أتيت بالصحابة ووزنتهم في مدارج السالكين، لرأيت بوناً شاسعاً عن ما يريده ابن القيم، هذه وجهة نظر.

стр. 4710

فتح باب التوبة للعصاة أيضاً: علينا ألا نغلق أبواب التوبة أمام العصاة، وأن نرحب بهم، وأن نخبرهم أن رحمة الله وسعت كل شيء. في الصحيح وقد أورده الشيخ / الإمام محمد بن عبد الوهاب في كتاب" التوحيد ": ﴿أن رجلاً قال لعاصٍ: تب إلى الله، قال: اتركني وربي، قال: تب إلى الله، قال: اتركني وربي، قال: والله لا يغفر الله لك، وفي لفظ: لفلان، قال الله- : من الذي يتألى علي؟ أشهدكم أني غفرت لهذا، وأحبطت عمل هذا﴾. غفر للعاصي، وأحبط عمل هذا الطائع المعجب بطاعته. أيضاً: مما يروى في كتب التاريخ أن أحد العلماء رأى أناساً في سفينة نزلت من دجلة، وهم يصفقون ويضحكون ويغنون، وعندهم مزامير وأعواد وكمنجة فضحكوا، فقال أحد الناس من المتشددين المنفرين: يا شيخ ادع على هؤلاء أن يغرق الله سفينتهم، فالتفت الشيخ الإمام العاقل الفطن إلى القبلة، قال: اللهم كما أضحكتهم في الدنيا، فأضحكهم في الآخرة في جنتك. وماذا يضر هذا العالم أن يدخل الجنة المغنون؟ ولذلك من الأحكام الجائرة أنه مات بعض المغنين العالميين (موسيقار) فسمعت بعض الخطباء يقولون: مات إلى جهنم وسوء المصير. وهذا لا يجوز لأنه عند أهل السنة ضوابط في الحكم على الناس بالكفر والإيمان والحنة والنار حتى ولو كان عاصياً فاسقاً؛ فإنه لا يستطيع الحكم عليه بالنار إلا الله .

стр. 4711

الوصول إلى من في وصوله الخير والنفع أيضاً: المطلوب مد الجسور مع الناس، والوصول إلى من في وصوله الخير والنفع، وإذا رأيت أن من النفع أن تصل إلى هذا الرجل، أو إلى ذاك، فصل إليه وتبسم له وحاول أن تكسبه. موسى ﵇ أرسله الله إلى فرعون، أنا قرأت وأنتم قرأتم أيضاً، وهذه موجودة في كتاب الشيباني في ترجمته لـ ابن تيمية فيما أظن أن ابن تيمية كان يخرج غالب الأيام ويذهب إلى ابن قطلوبك فيدخل عليه في قصره كثيراً، فيقول السلطان -مجاملة-: يا شيخ! يا إمام! أنت أولى أن نزورك في البيت، قال ابن تيمية: دعنا من كدوراتك، كان موسى يأتي فرعون في اليوم مراراً، فالله يرسله يقول: ﴿اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى﴾ [طه:٤٣] لا تنتظر أن يأتيك يطرق عليك بابك، لو بقيت خمسين سنة ما أتاك؛ لأنه غني عنك، ويتصور أن الدنيا عنده، وأن القرار بيده وأنه هو المؤثر، ولماذا يأتي عندك؟ فأنت تذهب إذا رأيت أن هذا الأصلح، وتتوكل على الله، وتدعو الله أن يكون عملك خالصاً لوجهه في نفع المسلمين، ثم لا تنافق ولا تجامل، ولا تتنازل عن ذرة من دينك، ولا تخاطر بمبادئك وتقدم النصح مثلما فعل أئمة الإسلام الزهري وابن تيمية وأحمد فعلوا ذلك. أيضاً: الدعاة كالأطباء يأتون مرضى الناس، والناس قريبون من الداعية، فهم على الفطرة، والرسول ﵊ يجوب الأسواق والمنتديات ويصل إلى الطائف ويدخل سوق عكاظ، ويتكلم مع المنافقين ويصل إلى اليهود، ولكن صنف من الناس يريد أن يأتي الناس إليه في بيته ويطرقون عليه بيته. أنا أرى أن من النقص عند بعض المشايخ الأجلاء أنهم فوتوا وفرطوا وخسروا الجيل، خسروا الشباب صراحة، أيظن العالم أن من مهمته أن يبقى في بيته حتى نطرق عليه الجرس عشرين مرة، ثم يخرج نسأله عن مسألة في الطلاق والحيض فقط! أهذه مهمته في الحياة! ابن تيمية يا أخي! كان على الرصيف وفي المسجد، وفي السوق، وفي المعركة، ومع البقالين، أنا أريد العالم أن يكون مع الناس ومع العامة والأطفال والشباب في كل مكان، هذا هو العالم، العالم يتبسم، العالم يفرح أن يطرق بابه، ويرحب بهذا الجيل، ويحمد الله أن أتي إليه، وأنه حُبَّ في الله . فأنا أقول: إن الكثير خسروا بسبب هذه الممارسات. أيضاً: يقول للرسول ﷺ : ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ﴾ [المائدة:٦٧] فعمم التبليغ، التبليغ ليس لطائفة فقط، كثير من المراكز الصيفية والمخيمات لا يدعى إليها إلا الملتزمون مع أنهم أصلاً جاهزون من قبل، الملتزمون مهيئون للطاعة، لكن من يذهب إلى المقاهي، وإلى المنديات، ونوادي الكرة، والمسرح، والملاعب، والقصور، والفلل؟ الدعاة المخلصون.

стр. 4712

عدم تكليف الناس في عبادتهم من الواجب على العالم والداعية عدم تكليف الناس في عباداتهم، فلا نريد التنفير في الطاعة لا في إمامة المسجد، ولا في خطابة الجمعة، ولا في القراءة على الناس، ولا في تعليم الناس. يا أيها الإخوة: دعونا نتحاج إلى الكتاب والسنة، صلى معاذ ﵁ وهو أفقه فقهاء الأمة، وهو عالم الأمة، فطول بالناس، قرأ سورة البقرة ظن أنه أحسن؛ لأنه يقرأ قرآناً ويكسب أجراً، فمل بعض الناس من الصلاة ورفضوا أن يصلوا معه، لأنهم لا يتحملون هذا التطويل وشكوه إلى الرسول ﷺ ، فغضب ﷺ غضباً شديداً حتى يقول جابر: ﴿ما رأيت رسول الله ﷺ أشد غضباً منه في تلك الموعظة، وقال: أفتانٌ أنت يا معاذ! أفتانٌ أنت يا معاذ! أفتانٌ أنت يا معاذ﴾ وصح عنه ﵊ أنه قال: ﴿يا أيها الناس! إن منكم منفرين، من صلى بالناس فليخفف، فإن فيهم المريض والضعيف والكبير وذا الحاجة﴾ وهذا درس للأئمة حتى لا يطيلوا على الناس، أتظن الناس على قلبك وقلب شباب الصحوة، رجل تاب من أسبوع، ورجل اهتدى من شهر، ورجل ترك الخمر أمس، ورجل كان يستمع الأغنية قبل الصلاة، فتريد أن تشده معك حتى يترك المسجد، اكسب الناس في صلاة التراويح، يبدأ بعض الأئمة والناس ملء المسجد، فشدد حتى ما بقي معه إلا صف فنقول: اتق الله واكسب الناس، وهذا منهج الرسول ﷺ ، يقول ﷺ في صحيح البخاري: ﴿إني لأدخل في الصلاة فأريد أن أطيل، فأسمع بكاء الصبي فأتجوز في صلاتي كراهية أن أشق على أمه﴾ وفي سنن أبي داود قال عثمان بن أبي العاص الثقفي: ﴿يا رسول الله اجعلني إمام قومي، قال: أنت إمامهم، واقتد بأضعفهم، واتخذ مؤذناً لا يأخذ على أذانه أجراً﴾ والشاهد: اقتد بأضعفهم. أيضاً: كان الرسول ﷺ معاملته مع الثلاثة الذين شددوا على أنفسهم في العبادة، قال: ﴿أما أنا فأصوم وأفطر، وأقوم وأنام، وأتزوج النساء , وآكل اللحم، فمن رغب عن سنتي فليس مني﴾. رأى سعيد بن المسيب قوماً يصلون من الظهر إلى العصر -وهذا موجود في سير أعلام النبلاء في ترجمته- فقال له أحد العباد: ما شاء الله انظر يا أبا محمد! لهؤلاء الشباب يصلون من الظهر إلى العصر -معجب هذا الشيخ- قال سعيد بن المسيب سيد التابعين: لا، والله ليست هذه بالعبادة، إنما العبادة الكف عن محارم الله والتفكر في أمر الله، وهذه الذي بلغت سعيد بن المسيب هذا المبلغ. أما قضية أن يشد الإنسان على نفسه وعلى مجتمعه، فيكون نقمة عليهم حتى ينفرهم، فغير صحيح. أيضاً مثل: خطبة الجمعة لماذا تخطب ساعة في الناس؟ لماذا تعذب الناس ساعة كاملة ليستمعوا لك؟ هم ما جلسوا حباً فيك، لكنهم مجبرون على الجلوس؛ لأن وراءهم صلاة وبعضهم ساعة وربع! هذه محاضرة، ندوة، هذه أمسية شعرية، يقول- ﷺ في صحيح مسلم من حديث عمار: ﴿إن قصر خطبة الرجل وطول صلاته مئنة من فقهه﴾. أيضاً في الوعظ -وأنا طولت ما امتثلت لكن الله المستعان-!

стр. 4713

سلامة الصدر وحسن الظن بالمسلمين وفي الأخير أقول: المسلم سليم الصدر لا يسيء الظن حتى تظهر له البينات: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيراً مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ﴾ [الحجرات:١٢] ويقول : ﴿إِنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ﴾ [يونس:٣٦] وفي صحيح مسلم يقول ﷺ : ﴿من قال: هلك الناس فهو أهلكهم﴾ فلماذا نجعل الأصل في الإنسان سوء الظن؟ إذا تكلم بكلمة قلنا يريد كذا وكذا، فتقول أنت: لا، يريد أن يصلح، قال: لا، أنت ما تعرفه هو دائماً يريد السوء. أجل لقد فعل خيراً فاشكره على الخير، قال: لا، هو ما أراد إلا خبثاً ودهاءً ما أراد الخير. يقول عمر ﵁ فيما صح عنه: [[من وجد لكلام المسلم محملاً فليحمله على أحسن العذر، أو على أحسن المحامل]] أو كما قال، ويقال: التمس لأخيك عذراً ما وجدت له محملاً. أيضاً: من مميزات المسلمين أنهم لا يسارعون في الحكم على الناس بالأحكام الجائرة: كالتفسيق، أحذركم منه وأحذر نفسي، رمي الناس بالتكفير وهذا قليل فينا ونادر -والحمد لله- لكني أخشى أن يتطور الحال إلى أن يصل إلى هذا المستوى بقلة علم أو فقه في دين الله ، فالأحكام الجائرة لا تخدم هذا الدين، واتهام الناس في نياتهم، وحمل كلام الناصح على أنه يريد السوء، أو الفوضى، أو أنه متطرف، أو أنه يريد أموراً الله أعلم بها، ليس هذا بصحيح، وهذا من الجهل ومن سوء التقدير. فأسأل الله أن يرحمنا وإياكم، وأن يجمع قلوبنا على الحق، وأن يصلح الراعي والرعية، وأن يهدينا وولاة الأمر إلى ما يحبه ويرضاه، ونسأل الله أن يبقي من في بقائه صلاح للإسلام والمسلمين، وأن يهلك من في هلاكه صلاح للإسلام والمسلمين، ونسأله أن يرينا الحق حقاً ويرزقنا اتباعه، وأن يرينا الباطل باطلاً ويرزقنا اجتنابه، ونسأله أن يجعلنا مبشرين لا منفرين، وميسرين لا معسرين، وأن يهدي على أيدينا أمماً من الناس، ولا يرد بسببنا أمماً من الناس ﴿لئن يهدي الله بك رجلاً واحداً خيرٌ لك من حمر النعم﴾ وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.

стр. 4714

الفرج بعد الشدة في غزوة تبوك دروس وعبر عظيمة، أظهرت بجلاء صدق الصحابة وبلائهم وكذب المنافقين وخورهم، وفيها من الفوائد الشيء الكبير. والشيخ تطرق إلى هذا الموضوع مستخرجاً الكثير من الفوائد والأحكام.

стр. 4715

غزوة تبوك والتهيُّؤ لها الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه وسلم. وبعد: تجهز ﷺ لغزوة تبوك - وغزوة تبوك كانت في حرارة الصيف، وفي شدة الحر وفي وهج الشمس- فخرج إليها ﷺ ، ونادى في الناس، فخرج معه ما يقارب الثلاثين ألفاً من أصحابه رضوان الله عليهم، وقبل المعركة أراد ﷺ أن يجهز الجيش، فما وجد ﵊ مالاً، فصعد المنبر ودعا إلى التبرع ورغب في البذل والعطاء: ﴿من يجهز جيش تبوك وله الجنة؟ فوقف عثمان بن عفان وقال: أنا يا رسول الله، فدمعت عيناه ﷺ وقال: اللهم اغفر لـ عثمان ما تقدم من ذنبه وما تأخر، اللهم ارض عن عثمان فإني عنه راضٍ، ما ضر عثمان ما فعل بعد اليوم﴾ أو كما قال ﵊. وخرج ﷺ ، ولكن لما خرج في حرارة الصيف نظر بعض الصحابة فرأوا أن الثمار قد دنت في المدينة ورأوا أن الراحة في البيوت أحسن من الحر فجلسوا. والذين تخلفوا عن الغزوة ثلاثة وثمانون رجلاً، لم يسجلهم ﷺ في كتاب، ولم يكتبهم في ديوان، أما ثمانون فكذبوا على الله: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ ائْذَنْ لِي وَلا تَفْتِنِّي أَلا فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُوا وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكَافِرِينَ﴾ [التوبة:٤٩] والرسول ﵊ كان يمشي مع أصحابه مشياً على الأقدام، في حرارة الصيف، وفي ظمأ ونصب وجوع، ومشقة لا يعلمها إلا الله. ثم جاء الجد بن قيس أحد المنافقين، فقال: ﴿يا رسول الله! ائذن لي ألا أخرج معك إلى تبوك، قال: ولماذا؟ قال: أنا رجلٌ مفتون، فإذا رأيت بنات بني الأصفر افتتنتُ﴾ أي: بنات الروم، وهو كذب على الله، ولذلك يقول : ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ ائْذَنْ لِي وَلا تَفْتِنِّي أَلا فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُوا وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكَافِرِينَ﴾ [التوبة:٤٩] وقال المنافقون يوصي بعضهم بعضاً: ﴿لا تَنْفِرُوا فِي الْحَرِّ﴾ [التوبة:٨١] اطلبوا من الرسول ﷺ أن يتأخر، لا تنفروا في الحر، فرد الله عليهم: ﴿قُلْ نَارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرّاً﴾ [التوبة:٨١]. فخرج ﵊، وكان كعب بن مالك صادق الإيمان لكنه تخلف. يقول عن نفسه: قلت: أتهيأ غداً وألحق بالرسول ﷺ ، وهذه خطيئة ﴿مَا كَانَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُمْ مِنَ الْأَعْرَابِ أَنْ يَتَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ وَلا يَرْغَبُوا بِأَنْفُسِهِمْ عَنْ نَفْسِهِ﴾ [التوبة:١٢٠] كيف يخرج رسول الهدى ﵊ ويتخلف هؤلاء؟! هذا خطأ لا يقر. فتخلف ﵁، يقول: أتهيأ غداً، وذهب ﷺ فلما أصبح في الصحراء، يقول: فقمت غداً لأتهيأ فثبَّطني الشيطان فجلست، ومشى ﵊ حتى اقترب من تبوك فنزل في الجيش وهو ما يقارب الثلاثين ألفاً، ولما نزل قبل تبوك نزل عند شجر بجيشه العظيم عليه أفضل الصلاة والسلام، وفي أثناء الجلوس قال للصحابة: أين كعب بن مالك؟ -لم يذكره ﷺ إلا عند تبوك - فقال رجلٌ من بني سلمة -من قرابة كعب بن مالك؛ يا رسول الله! حبسه برداه ونظره في عطفيه، فانبرى له معاذ ﵁ وأرضاه سيد العلماء الذي يأتي أمامهم يوم القيامة برتوة- فقال: لا والله ما قلت خيراً، والله ما علمنا فيه إلا خيراً، والله ما علمناه إلا صادقاً مجاهداً، فسكت ﵊ ولم يعلق على الحادث. وبينما الرسول ﷺ جالس تحت الشجر وإذا برجلٍ أقبل كالصقر على ناقة، فقال ﷺ : كن أبا خيثمة، فاقترب الرجل فإذا هو أبو خيثمة -وهو أحد المجاهدين الكبار في الإسلام- وسأل ﷺ فقال: أين أبو ذر؟ قالوا: تخلف يا رسول الله! قال: إن يرد الله به خيراً يلحق بنا﴾. وأبو ذر مسكين فقير، يحشر يوم القيامة مع عيسى بن مريم، زاهد ليس عنده إلا جمل قحل هزيل، أتى بهذا الجمل فركبه فرفض الجمل أن يقوم وبرك على الأرض، فأخذ أبو ذر متاعه على كتفه ومشى في الأرض ليلحق بالرسول ﷺ ، وبينما هم جلوس وإذا بـ أبي ذر يطل عليهم ويمشي في آخر الصحراء فقال ﵊: كن أبا ذر، فاقترب فإذا هو أبو ذر، قال: رحمك الله يا أبا ذر! تعيش وحدك، وتموت وحدك، وتبعث وحدك. وانتهى ﷺ من الغزوة، لكن كعب بن مالك واثنان معه: هلال بن أمية ومرارة بن الربيع وهؤلاء الثلاثة صدقوا لكن تخلفوا بلا عذر، أخذتهم من الهموم والغموم ما لا يعلمه إلا الله، قال كعب: ﴿فكنت في غياب الرسول ﵊ أخرج في الأسواق فلا أرى إلا منافقاً، أو شيخاً كبيراً عذره الله أو طفلاً أو امرأة، فأزداد هماً إلى همي، قال: وسمعت أن الرسول ﷺ أقبل من تبوك إلى المدينة﴾ الآن يتهيأ بحجج، وبراهين، ماذا يقول للرسول ﷺ ؟ وكيف يتكلم معه؟ وما هو عذره؟ إن كذب فسوف يكذبه الله من السماء بالوحي، وإن صدق فسوف يهلك، في الأخير قال: لما أقبل الرسول ﷺ حضرني بَثِّي -ما معنى بَثِّي؟ البث: أشد الحزن، قال تعالى: ﴿إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ﴾ [يوسف:٨٦]- قال: حضرني بَثِّي وغمي وعلمت أني لا أخرج من غضب الله ولا من غضب رسول الله ﷺ إلا بالصدق، قال: فلما نزل ﷺ المدينة بالجيش توضأ وبدأ بالمسجد عليه أفضل الصلاة وأتم السلام، فصلى ركعتين، ثم جلس للناس يفتيهم ويأخذ أخبارهم ويستقبلهم ويسلمون عليه ويرحبون به لأنه غاب ﵊ ما يقارب شهراً أو أكثر، فصلى ﵊ ركعتين ثم جلس.

стр. 4716

صدق كعب بن مالك وصاحبه، والأمر بمقاطعتهم قال كعب بن مالك: ﴿فتقدمت إلى الرسول ﷺ فسلمت عليه، فلم أدْرِ هل رَدَّ عليَّ أم لا! ووضع يده في يده﴾ حتى وضعت يميني ما أنازعها في كف ذي نقماتٍ قوله القيل ﴿فقال لي: يا كعب بن مالك! ما تخلف بك؟ أما كنت ابتعت ظهرك؟ فقال كعب: والله يا رسول الله! لو جلست عند غيرك من أهل الدنيا لرأيت أن أخرج من غضبه بكلام، إني رجل شاعر، وإني قد أوتيت جدلاً -أي: رجلٌ فصيح يستطيع أن يتكلم- لكن يا رسول الله، لئن غضبت عليَّ اليوم في صدقٍ أقوله أرجو من الله أن ترضى عني غداً، قال: قم حتى يقضي الله فيك وفي صاحبيك، فقام ﵁ وأرضاه لا يكاد يرى الطريق من الهم والغم، فلحقه قرابته من بني سلمة، قالوا: كلنا اعتذر إلا أنت ما أحسنت تعتذر، فعد إلى الرسول ﷺ وأحسن واعتذر بعذر، فقال ﵁ وأرضاه: والله ما زالوا بي حتى أردت أن أعود فأكذب نفسي عند الرسول ﷺ -لكن عصمه الله- قال: فسألتهم هل معي أحدٌ وقع في مثل ما وقعت فيه من التخلف؟ قالوا: معك رجلان: هلال بن أمية ومرارة بن الربيع، قال: فذكرا لي رجلين من أهل بدر صالحَين، قلت: لي بهم أسوة قال: فخرجت من المسجد، وقام ﵊ في أهل المدينة رجالاً ونساءً وأطفالاً وقال: لا تكلموا الثلاثة: كعب بن مالك وهلال بن أمية ومرارة بن الربيع﴾ فمنع ﷺ الناس من كلامهم، قال كعب بن مالك: ﴿فتغيرت لي الأرض التي كنت أعهد، فوالله ما هي التي كنت أعرف، وضاقت عليَّ الدنيا بما رحبت، كما وصف الله ذلك، وأظلم في عينيَّ كل شيء﴾ لعل عتبك محمود عواقبه وربما صحت الأجساد بالعلل واستمر الصحابة لا يتكلمون مع كعب، تأتي امرأته فتصنع له الطعام وتعطيه إياه، ولا تلتفت إليه، إذا أتى يأكل أعطته ظهرها؛ لأنها تريد أن تقاطعه، فالولاء والحب والبغض والعطاء والمنع لله، يقول لامرأته: اسقيني، فتأخذ الماء في الإناء وتعطيه إياه وهي لا تلتفت إليه؛ لأنه رجل تخلف وعصى الله ورسوله، ينزل إلى السوق فيسلم على الصحابة لا يكلمه أحد، يذهب إلى أقاربه فلا يفتحون له الباب، لا يزوره أحد، هذا هو مستوى المجتمع الذي رباه ﷺ ، قال: [[فضاقت عليَّ الأرض بما رحبت، فتسورت حائط ابن عمي أبي قتادة -وأبو قتادة هذا فارس الرسول ﷺ ، وهو ممنوعٌ أن يدخل من الباب فأتى من الجدار، فهو ابن عمه ويريد أن يكلمه- قال: فتسورتُ الجدار واقتحمت عليه البيت فدخلت، قلت: يا أبا قتادة! أسألك بالله! هل تعلم أني أحب الله ورسوله؟ فلم يكلمني، قلت: يا أبا قتادة! أسألك بالله! هل تعلم أني أحب الله ورسوله؟ فلم يجبني، فسألته في الثالثة ودمعت عيناي، فقال: الله ورسوله أعلم، قال: فعدت من الجدار]]. وبعد أن تمت لهؤلاء الثلاثة أربعون ليلة أرسل ﷺ إليهم أن اعتزلوا نساءكم. انظر إلى الشدة، وانظر إلى الكرب الشديد، وانظر إلى الزلزلة التي لا يعلمها إلا الله، إنسان يرى أن الله من السماء قد غضب عليه بسبب معصية، وأن الرسول ﷺ قد قاطعه، وأن الصحابة لا يكلمونه، أين شعوره؟ وأين أشواقه؟ وأين حياته؟ وأين صبره؟ قال: ﴿فرفض الناس تكليمنا ولما تمت لنا أربعون يوماً أمر ﷺ أن نعتزل النساء، فأتت امرأة هلال بن أمية إلى الرسول ﷺ وقالت: يا رسول الله! ماذا أفعل؟ قال: اعتزلي هلالاً، قالت: يا رسول الله! هلال شيخٌ كبير، والله ما زال يبكي منذ تخلف عنك إلى اليوم، والله ما يأكل من الطعام إلا قليلاً﴾.

стр. 4717

رسالة ملك غسان لكعب بن مالك قال كعب بن مالك: كنت أنا أشب القوم -كان أصغر الثلاثة- فكنت أنزل إلى الأسواق فلا يكلمني أحد، أسلم فلا يردون، قال: بينما أنا بالسوق إذا بنبطي -النبطي هذا يبيع ملابس، وقد أتى من الشام، وهو أعجمي أرسله ملك غسان برسالة إلى كعب بن مالك يريد أن يغرق بينه وبين الرسول ﷺ قال: ففتحت الرسالة -وكان كعب يقرأ- فإذا هي من ذاك الملك يقول: لم يجعلك الله بدار مضيعة، وإنا سمعنا أن صاحبك قد جفاك، فالحق بنا نواسِك -يقول: الحق بنا واترك الدين؛ فإن صاحبك محمداً ﷺ جفاك- قال كعب: فقلت: هذا من البلاء، فتيممت بها التنور فسجرتها -التنور هو الكانون، سحرتها أي: أحرقتها. ثم لبث في بيته حتى تمت خمسون ليلة. وقد يقال الثمانون؟ أما تخلف ثلاثة وثمانون، ثلاثة يعيشون المرارة والأسى واللوعة والقلق والاضطراب، وثمانون أين هم؟ الثمانون منافقون جميعاً، عفا عنهم ﷺ وما عاتبهم؛ لأن هؤلاء منافقون، وحسابهم على الله ولا ينفع فيهم الهجر، فهو كافر فكيف يعاتبه ﷺ ؟ أما كعب بن مالك وصاحباه فإن فيهم خير وإيمانٌ وجهاد وصدق، والماء إذا بلغ القلتين لم يحمل الخبث. فقد أساءوا لكنه ﷺ يمحصهم بالعتاب، والعتاب فيه مرارة، حتى يقول كعب بن مالك: ﴿كنت أنزل فأحضر الصلاة مع الرسول ﷺ -صلاة الفريضة- قال: إذا أتيت وهو يصلي سلمت عليه، وقال: وإذا كان جالساً سلمت عليه، فوالله لا أدري هل يرد عليَّ السلام أو لا، قال: فإذا سلمت من صلاتي أقبل على شأنه ﵊، فإذا قمت أصلي التفتَ إليَّ ﵊﴾ وتصور الصورة، الرسول ﷺ يريد أن يعاتب ويربي أحد تلاميذه الأخيار الأبرار الصادقين مع الله- يقول: إذا قمت أصلي النافلة أتى ﷺ ينظر فِيَّ ويتفقد حالي ويمد بصره فيَّ، قال: ﴿فإذا سلمت رجع ﵊ ونكس رأسه﴾. فلما تمت لهم خمسون ليلة أتى الفرج من الله، من فوق سبع سماوات، ليس من أحد، وإنما من الله. أما المنافقون فالله يقول: ﴿عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَتَعْلَمَ الْكَاذِبِينَ﴾ [التوبة:٤٣] يقول: ما لكَ تعفو عنهم وهم قد كذبوا على الله وخانوا شرعه، وعطلوا الجهاد في سبيله؟! فلماذا تعفو عنهم؟! إنما عفا عنهم ﷺ ، فعفا الله عنه ثم عاتبه. فتمت خمسون ليلة وأتى العفو من الله ، قال تعالى: ﴿وَعَلَى الثَّلاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ وَظَنُّوا أَنْ لا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ [التوبة:١١٨].

стр. 4718

توبة الله على كعب وصاحبيه قال كعب: ﴿فصليت الفجر على بيتي﴾ كان بيته في سلع وسلع جبلٌ في المدينة قريب من مسجده ﷺ ، يقول ﷺ لـ أبي ذر: ﴿إذا بلغ البناء سلعاً فاخرج من المدينة﴾ أي: إذا تطاول الناس بالبنيان والعمران وبلغَتْ جبل سلع فاخرج من المدينة، فلما بلغ البناء سلعاً خرج أبو ذر إلى الربذة. فصلى كعب بن مالك صلاة الفجر مكانه، قال: ﴿ولما سلمت من الصلاة، وإذا برجلٍ على فرس أقبل يريد أن يبشرني وبرجلٍ آخر على قدميه على جبل سلع﴾ يعني: الذي يمشي على رجليه صعد الجبل، والفارس أتى من الوادي يريدان جميعاً أن يبشراه، وهذه شيمة المؤمن أنه يفرح لأخيه ويبشره إذا وقع ما يسره، وأن يقدم له ما يفرحه؛ فإن هذا من عمل الخير ومن شيم المؤمنين، قال: ﴿فسبق صوت ذاك الرجل الذي على الجبل - فقد أراد الفارس أن يسبقه بالفرس، لكن ذاك صاح- وقال: يا كعب بن مالك! أبشر بتوبة الله عليك، أبشر بخير يوم منذ ولدتك أمك، قال: فسجدت لله شاكراً﴾ وهذا سجود الشكر. وإذا الحسن همى فاسجد له فسجود الشكر فرض يا أخي وحسان الكون لما أن بدت أقبلت نحوي وقالت لي إليَّ فتعاميت كأن لم أرها حينما أبصرت مقصودي لدي والرسول ﷺ كان يسجد سجود الشكر إذا أتاه ما يفرحه ويسره ﵊، وفي إحدى المرات نزل ﷺ من على الدابة وسجد على الأرض والحديث حسن، فقال سعد بن أبي وقاص: ﴿ما لك يا رسول الله؟ قال: أخبرني جبريل الآن أن الله يقول: لا يصلي عليك رجلٌ صلاة إلا صليت عليه بها عشراً﴾ فسجد ﵊ من هذه النعمة، وأتاه كتابٌ من علي من اليمن يبشره أن قبائل همدان قد أسلمت، فسجد ﵊ شاكراً لله، وقال: ﴿السلام على همدان، السلام على همدان، السلام على همدان﴾ وللفائدة: لا يشترط في سجود الشكر الوضوء، بل إذا أتاك ما يسرك ويفرحك فضع رأسك فرحاً لله ، خاصةً في الأمور الدينية، وتأتي الأمور الدنيوية تبعاً، لكن بعض الناس لا يظن أنه انتصر إلا إذا حصل على وظيفة أو منصب أو مال أو سيارة أو قصر، أما أمور الدين فلا يحسب لها ذلك الحساب: ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾ [يونس:٥٨] فسجد ﵁ ورفع رأسه. قال: ﴿وكان عندي ثوبان﴾ وهم فقراء، وغنيهم قد يعادل فقيرنا اليوم، هو من أحسن الحال، عنده ثوبان وهو يحمد الله على أن عنده ثوبين، لكن عند بعضنا اليوم ثلاثين ثوباً، عشرة زرق وعشرة بيض وعشرة صفر، وللعيد ثياب، وللأضحى ثياب، وللعرس ثياب، وللجمعة ثياب، بذخ، أما عنده فقال: ﴿كان عندي ثوبان -وفي رواية البخاري كان عندي إزارٌ ورداء- قال: فلبست لباساً قديماً ثم أعطيت هذا المبشِّر﴾ من بشرك بشيءٍ فلك أن تعطيه شيئاً من المال، فلا يكون الإنسان جافاً مثل الحجر صلداً، لابد من شيء، قال: ﴿فلما بشرني خلعت له ثوبي ولبست ثوباً قديماً وسلمت له الثوب -هذا جزاء البشارة- وذهبت إلى ابن عمي، فاستعرت منه ثوباً فلبسته﴾ لبس ثوباً جديداً ليلقى به الرسول ﷺ . ومضى إلى المدينة، إلى مسجد الرسول ﷺ وإذا بالرسول ﷺ حوله أصحابه، وهو جالس وسطهم كالبدر يقول شوقي: لما خطرت به التفوا بسيدهم كالشهب بالبدر أو كالجند بالعلم يقول: مثل هؤلاء مثل النجوم إذا حفت بالقمر ليلة البدر أو مثل الجنود إذا حفوا بالعلم، فالعلم محمد ﵊، والقمر محمد ﵊، والجنود أصحابه، والنجوم أصحابه. أتى كعب ﵁ وأرضاه مسرعاً إلى الرسول ﷺ ، ودخل المسجد على الرسول ﵊، قال: ﴿فإذا وجه الرسول ﷺ كأنه قطعة قمر، وكان ﷺ إذا سر بالأمر رئي وجهه يبرق من السرور﴾ حتى قالت عائشة ﵂ وأرضاها: ﴿كنت إذا رأيت وجه الرسول ﷺ إذا سُرَّ أنظر إلى أسارير وجهه فأتذكر قول سويد بن كاهل: ومبرأ من كل غبر حيضة وفساد مرضعة وداء مغيل وإذا نظرت إلى أسرة وجهه برقت كبرق العارض المتهلل ﴾ ولذلك سر ﵊ يوم تاب الله على أحد أصحابه، والتوبة لا يعادلها شيءٌ في الدنيا أبداً، والله ما قصور الدنيا، وملكها، وذهبها وفضتها تعادل توبة الله على العبد يوم يتوب على عبده الصالح ويعيده إليه!

стр. 4719

حكم القيام للداخل قال كعب بن مالك: ﴿فلما دخلت قام لي طلحة بن عبيد الله -وهو أحد العشرة المبشرين بالجنة- قال: والله ما قام لي من قريش ولا من المهاجرين غير طلحة﴾ قام طلحة ﵁ وأرضاه تكريماً لـ كعب بن مالك، واقترب منه وسلم عليه وصافحه، والقيام -للفائدة لما وصلنا هذه المسألة- للقادم على ثلاثة أضرب: قيام له، وقيام عليه، وقيام إليه. أما القيام عليه فهو محرم، كأن يجلس الجالس، ويقوم على رأسه أناس من باب التعظيم والتفخيم، فهذا محرم؛ لأنه فعل الأعاجم في ملوكهم، وفي الصحيحين من حديث أنس أن الرسول ﷺ نهى عن هذا، وذلك عندما صلى جالساً ﷺ ورأى أصحابه وقوفاً خلفه فأمرهم بالجلوس، وقال لهم بعد السلام: ﴿كدتم أن تفعلوا كما تفعل الأعاجم بملوكها﴾ وصح عنه ﷺ أنه قال: ﴿من أحب أن يتمثل له الناس قياماً فليتبوأ مقعده من النار﴾ كأن يجلس الجالس في المجلس، ويدور الحديث ويقوم عليه بجنبتيه أو أمامه وخلفه رجال، هذا منهيٌ عنه في الإسلام، وهو الذي يسمى القيام عليه. أما القيام له: فإن كان للتعظيم وللتفخيم فهذا يلحق بالتحريم، وإن كان للتقدير ولإعطاء المسلم حقه فلا بأس بذلك، فإن من الحق أن تقوم للمسلم من باب التواضع ومن باب إعطائه حقه، لا كبراً ولا تعظيماً له ولا تفخيماً، جاء زيد بن حارثة فقام له ﷺ وقبله، وصح أن فاطمة بنت رسول الله ﷺ كانت إذا دخلت على أبيها قام لها واحتضنها وقبلها وأجلسها مكانها، وكان إذا زارها في بيتها قامت إليه عند الباب واحتضنته وقبلته وأجلسته مكانها ﷺ ، ورضي الله عنها وأرضاها، وجمعنا بهم في الجنة. وفي حديثٍ -في سنده كلام- أن جعفر بن أبي طالب ﵁ وأرضاه لما قدم من الحبشة قام له ﵊ من بين الصحابة وقال: ﴿لا أدري بأيهما أُسَر بقدوم جعفر أو بفتح خيبر وقَبَّل جعفر وأجلسه﴾ أحد النبلاء من الأدباء رأى عالماً أقبل فقام الأديب، فقال العالم: لا تقم، فقال هذا الشاعر: قيامي والإله إليك حقٌ وترك الحق ما لا يستقيم وهل رجلٌ له لبٌ وعقلٌ يراك تجي إليه ولا يقوم وأما القيام إليه، فهو جائز بالإجماع، مثل أن تقوم إليه لتنزله أو لتعينه على شيء أو تفتح له الباب، أتى سعد بن معاذ سيد الأوس الذي اهتز له عرش الرحمن لما مات، وشيعه سبعون ألف ملك، قدم على حمار ليحكم بين الرسول ﷺ وبين بني قريظة، وكان مريضاً مجروحاً من القتال، فلما أتى قال ﷺ للأنصار: ﴿قوموا إلى سيدكم، وفي رواية: فأنزلوه﴾ فالقيام إليه جائز كما أسلفت. قال كعب بن مالك: ﴿فقام لي طلحة بن عبيد الله، ووالله ما أنساها لـ طلحة﴾ الإحسان ينفع حتى إلى الكلاب، يقول: أحسن إلى الناس تستعبد قلوبَهم فطالَما استعبدَ الإنسانَ إحسانُ كان المغيرة بن شعبة أحد الأمراء في قصره، فقال لحاجبه: لا تُدْخِل عليَّ أحداً، فأتى رجل صديق للحارس، قال: أريد الأمير المغيرة بن شعبة، قال: كيف؟ قال: أنا صديقك تمنعني قال: ادخل، فدخل قال المغيرة: أما قلت لك لا تدخل أحداً اليوم؟ قال: إنه صديقي وصاحبي فخجلت أن أمنعه، قال: [[أحسنت أصاب الله بك الخير، والله إن المعروف ينفع ولو في الكلب الأسود]] أحسن إلى الناس تستعبد قلوبَهم فطالَما استعبدَ الإنسانَ إحسانُ يقول رجل أعرابي لـ ابن عباس: يـ ابن عباس! إن لي عندك يداً -أي: إني فعلت معك معروفاً، وقدمت لك مكرمة- قال ابن عباس: ما هي؟ قال: رأيتك في الحج في العام الأول، وأنت في الشمس فظللتك بكسائي فهذا الأعرابي رأى ابن عباس -عالم المسلمين ترجمان القرآن بحر الأمة وبحر القرآن- رآه في الشمس وهو حاج يفتي الناس وسط الحجيج كالغمام حوله يفتيهم، فأتى هذا البدوي بكسائه، فظلل ابن عباس، وابن عباس ما درى من ظلله، وبعد سنتين أتى الأعرابي يحاسب ابن عباس ويريد منه الأجرة، قال: إن لي عندك يداً، قال: ما هي؟ قال: رأيتك في العام الأول في الحج وأنت تفتي الناس، فأصابتك الشمس، فظللتك منها، قال ابن عباس: يا غلام! أعطه ألف دينار. الخير أبقى وإن طال الزمان به والشر أخبث ما استوعيت من زاد كان أبو جعفر المنصور الخليفة الجبار ثاني خلفاء بني العباس جالساً مع الأدباء والوزراء والأمراء، قال: ما أحسن الأبيات التي قالت العرب؟! فكلٌ أدلى ببيت، فقال: أحسن بيتٍ قالته العرب هو: الخير أبقى وإن طال الزمان به والشر أخبث ما استوعيت من زاد افعل الخير في أي رجل، يقول الحطيئة: من يفعل الخير لا يعدم جوازيه لا يذهب العرف بين الله والناس اشترى عمر ﵁ وأرضاه من الحطيئة أعراض المسلمين بألف دينار، وكان شاعراً هجاءً. مر الحطيئة برجل اسمه الزبرقان بن بدر على ماء، فأراد أن يضيفه الزبرقان بن بدر، وكان الزبرقان أميراً؛ لكنه كان بخيلاً، يمص الذباب وهو في الهواء، والحطيئة يخرج لسانه ويضرب أرنبة أنفه، وهذا لا يستطيعه كل الناس، ومن أراد أن يجرب فإذا عاد إلى بيته فليجرب، فـ الحطيئة لطول لسانه كان يضرب أرنبة أنفه بها، وقالوا عن حسان بن ثابت أيضاً أنه كان يضرب بلسانه أرنبة أنفه، يقول ﵊: ﴿من يهجو المشركين؟ قال علي: أنا، قال: لا -لأن علياً لم يكن شاعراً بدرجة حسان -قال حسان: أنا يا رسول الله، قال: كيف؟ قال: عندي -يا رسول الله- لسانٌ لو وضعتها على حجرٍ لفلقه، ولو وضعتها على شعرٍ لحلقه، ثم أخرج لسانه وضرب أرنبة أنفه﴾. فـ الحطيئة مر بهذا الأمير، فطلب منه العشاء فما عشاه، فأتى بقصيدة مخزية مزرية، يقول في الأمير: دع المكارم لا ترحل لبُغيَتها واقعد فإنك أنت الطاعم الكاسي يقول: أنت خادم ولا تصلح أن تكون أميراً، لأن الأمير واجبه أن يضيف وأن يعطي وأن يبذل وأن يكون وجهه طلقاً سمحاً بشوشاً يعانق ويرحب. دع المكارم لا ترحل لبُغيَتها واقعد فإنك أنت الطاعم الكاسي من يفعل الخير لا يعدم جوازيه لا يذهب العرف بين الله والناس أجمعت يأساً مبيناً من نوالكم ولا يرى طارداً للحر كالآسي أتى هذا الأمير وسمع القصيدة التي سارت في العرب -والعرب تتنقل فيهم القصائد كالهواء أو كالماء- فضاقت عليه الدنيا بما رحبت، فركب ناقته وذهب إلى عمر وخلع رداءه، وقال: [[لا أتولى ولاية، سبني الحطيئة، قال عمر: ماذا قال فيك؟ قال: يقول: دع المكارم لا ترحل لبغيتها فاقعد فإنك أنت الطاعم الكاسي -وعمر يدري أنها تنزل على الكبد؛ لكن يريد أن يلطف الوضع- قال: لا أظن أنه سبك، يقول: اترك المكارم فإنك مطعم مكسي، وكلنا مطعم من الله ومكسي، قال: يا أمير المؤمنين! استدعِ حساناً -الذي يعرف- واسأله عن هذه القصيدة، فاستدعى حساناً، قال عمر: يا حسان! هل سبَّه؟ فقال حسان: لم يسبه -يا أمير المؤمنين- ولكنه سلح عليه، ليته سبه فحسب، لكنه سلح عليه. هذه قصة تطول، وإنما الشاهد فيها -بارك الله فيكم- القيام، وتكريم الوافد. فجلس كعب بن مالك بعد أن قام له طلحة بن عبيد الله، فقال ﵊: ﴿أبشر يا كعب بخير يومٍ مر عليك منذ ولدتك أمك﴾ قال كعب: فبكيت من الفرح. البكاء قسمان: بكاء حزن، وبكاء فرح، دمع الحزن حار، ودمع الفرح بارد، قال ابن القيم: يقول أحد الأولين: طفح السرور عليَّ حتى إنني من عظم ما قد سرني أبكاني ومن هذا: المرأة، إذا سمِعَتْ بنجاح ولدها تبكي، لا تبكي لأنه رسب؟ بل تبكي فرحاً بنجاحه، وكذلك إذ رجع ولدها من سفر، فهذا يسمى دمع الفرح، أن يبكي الإنسان فرحاً وهو في غاية الفرح، ويقولون: إن صغار القلوب إذا أتاهم أمرٌ طامٌ ماتوا من كثرة الفرح، يصيب أحدهم سكتة فيموت. ذكر الجاحظ وغيره أن رجلاً من البخلاء ذهب إلى أحد الملوك، وكان هذا البخيل فقيراً وكان يظن أن الملك يعطيه عشرة دنانير أو مائة دينار أو ثوباً، أو أي شيء، فذهب فسأل الملك عطاء، فقال الملك: اصرفوا له عشرة آلاف دينار، هذه عشرة آلاف دينار ميزانية، فأتوا فأخبروا الرجل، قالوا: فجلس مرتعداً عند باب الملك وما مر عليه قليل حتى مات. لقد ذهب الحمار بأم عمرو فلا رجعت ولا رجع الحمار وهذا يقوله ابن القيم في كتابه الطب، على الإنسان أن يتدرج مع حبيبه خاصةً مع الأطفال في الفرح، فلا يعطيهم الفرح دفعة واحدة، يقول: كيف لو حصل كذا أو حصل كذا؟ وهذا نادر لا يحدث إلا لأهل الجشع، والطمع الذين يصابون بسكتات؛ لقلة الإيمان في قلوبهم، أما أهل الإيمان فسواء زادت الدنيا أو نقصت فأمرها سهل، بعضهم لا يتزعزع من المصائب ولو كانت كالجبال. قيل للأحنف بن قيس: [[ممن تعلمت الحلم؟ قال: تعلمت الحلم من قيس بن عاصم]] قيس بن عاصم هذا هو شيخ قبائل بني تميم، عنده عشرة آلاف رجل، إذا ناداهم حملوا عشرة آلاف سيف، لا يسألونه عما غضب، يقولون: إذا سمعوه ناداهم لمعركة قالوا: غضبت زبرة، وزبرة خادمة لـ قيس بن عاصم، فإذا ناداهم قيس بن عاصم، أخذوا السيوف لا يسألون عما غضب؛ هل هو محق أو مبطل، أو ظالم أو مظلوم! لا يسألون أخاهم حين يندبهم في النائبات على ما قال برهانا ويروى عنه أنه قدم إلى الرسول ﷺ ، وكان عليه جلالة ومهابة وعقل وسكينة، وهذه شارة المؤمن دائماً، فرآه ﷺ فقال: ﴿ما سمعت برجلٍ إلا كان أقل مما سمعت به إلا أنت يا قيس فكنت أعظم مما سمعت به﴾ وقال: ﴿هذا سيد أهل الوبر -أي: البدو- قال قيس: يا رسول الله! إنه قد رق عظمي، وشاب رأسي، ودنا أجلي فأوصني يا رسول الله، قال ﵊: يا قيس! إن مع الصحة سقما، ً وإن مع القوة ضعفاً، وإن مع الغنى فقراً، وإن مع العزة ذلة، يا قيس! إن معك قريناً تدفن معه وهو حي ويدفن معك وأنت ميت، وهو عملك فأقلل منه أو أكثر، فبكى وارتحل إلى قومه﴾.

стр. 4720

الفرج يأتي بعد الشدة قال ﵊ ﴿يا كعب: أبشر بخير يوم مر عليك منذ ولدتك أمك -يوم تاب الله عليه- قال كعب: يا رسول الله! إن من توبة الله عليَّ أن أتخلع من مالي﴾ يقول: من حق الله ما دام أنه قد تاب عليَّ وقبلني، فمن حق الله عليَّ أن أنخلع من مالي، وأتصدق به في سبيل الله. قال الرسول ﷺ : ﴿أبقِ عليك بعض مالك فهو خيرٌ لك﴾ وهذا مبدأ في الإسلام لابد أن يُتْنَبَه إليه، بعض الناس يمدح بعض الناس يقولون: لا يمسك درهماً ولا ديناراً! وورثته ومكسبه وأهله وأطفاله أين يذهبون؟! قال ﷺ لـ سعد بن أبي وقاص: ﴿إنك إن تذر ورثتك أغنياء خير لك من أن تذرهم عالةً يتكففون الناس﴾ فيقول رسول الله لـ كعب بن مالك: ﴿أبقِ عليك بعض مالك، فهو خير لك؛ فإني أمسك سهي الذي بخيبر﴾ وعاد كعب وقد فرح بعفو الله ورحمته ورضوانه، وكان له هذا فرجاً بعد الشدة، أي: أن الله فرج كربته بعدما اشتدت عليه الضوائق، قال الشافعي: ولرب نازلة يضيق بها الفتى ذرعاً وعند الله منها المخرج ضاقت فلما استحكمت حلقاتها فرجت وكنت أظنها لا تفرج قال ابن عباس: [[لن يغلب عسرٌ يسرين]] قال الله : ﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً * إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً﴾ [الشرح:٥ - ٦] وهنا السؤال كيف يقول ابن عباس: [[لن يغلب عسرٌ يسرين]] وهو قد ذكر في الآية العسر مرتين وذكر اليسر مرتين، يقول : ﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً * إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً﴾ [الشرح:٥ - ٦] وابن عباس يقول: [[لن يغلب عسرٌ يسرين]] وكأن اليسر ذكر مرتين، والعسر ذكر مرة، كيف وقد ذكر العسر مرتين واليسر مرتين؟ و الجواب لأن العسر معرف فهو واحد، وأما اليسر فَمُنَكَّر، فهو متعدد، فالعسر الثاني هو العسر الأول، أما اليسر الأول فغير اليسر الثاني، وهذه (ال) للعهد؛ فلذلك جعل الله مع كل عسر يسرين، فإذا ضاقت بالعبد الكرب، فليمد يده إلى الله، ولا يسأل أحداً بتفريج كربته، فلا يفرج الكرب إلا الله قال تعالى: ﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ﴾ [النمل:٦٢] ﴿فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [العنكبوت:٦٥]. ثم ذكر أنه لا يكشف الضراء إلا هو. والعرب تقول في الأمثال: (إذا اشتد الحبل انقطع)؛ أي: إذا اشتدت الكرب سهلها الله .

стр. 4721

ما يؤخذ من قصة كعب بن مالك من حديث كعب بن مالك نأخذ أكثر من مائة فائدة، لكن أذكر ما تيسر من هذه الفوائد، منها:

стр. 4722

التبكير بالسفر صباحاً ذُكر في الحديث أنه ﷺ كان يخرج صباحاً إذا أراد السفر، أي: بعد الفجر، وهذا درسٌ للمسلمين في أسفارهم أن يحرصوا على السفر بعد صلاة الفجر، للحديث الصحيح عن أبي صخر الغامدي قال: قال رسول الله ﷺ : ﴿بارك الله لأمتي في بكورها﴾ رواه أحمد والترمذي وغيره، وهذا الحديث هو الوحيد لـ أبي صخر الغامدي، وهذه بشرى لآل غامد أنه وجد لهم حديث في مسند الإمام أحمد، وهذا شرفٌ عظيم، وذكر أهل السير في ترجمته أنه لما سمع الرسول ﷺ يقول: ﴿بارك الله لأمتي في بكورها﴾ فكان يذهب بعد الفجر يتاجر حتى كثر ماله، فلا يدري أين يضعه. ومنها: أن السفر المرغوب يوم الخميس، فإنه ذكر كعب بن مالك أن الرسول ﷺ سافر يوم الخميس، وكان غالباً ما يسافر ﷺ يوم الخميس، والذي ينهى السفر فيه يوم الجمعة، وبعض أهل العلم على كراهية السفر يوم الجمعة، وبعضهم يقول: الكراهة والتحريم بعد الأذان الأول، إذا أذن الأذان الأول فلا تسافر، أما في صباح الجمعة فلك ذلك، لكن الأحسن أن يستقر العبد يوم الجمعة فيجعله للعبادة والغسل والتهيؤ للصلاة والذكر والتلاوة وتدبر القرآن؛ لأنه عيد المسلمين.

стр. 4723

تفقد المسئول للرعية ومن الدروس أيضاً: أن على المسئول أن يتفقد رعيته، فإن الرسول ﷺ لما نزل في تبوك قال: ﴿أين كعب بن مالك؟﴾ فعلى المسئول وعلى راعي المدرسة ومديرها ورئيس الدائرة الحكومية أن يتفقد موظفيه، وأن يتفقد رعيته على حد تعبير الحديث صحيح: ﴿كلكم راعٍ وكلكم مسئول عن رعيته﴾.

стр. 4724

فوائد الجرح والتعديل ومن الدروس أيضاً: أن يذكر ما يعلم في الشخص، وأن من المستقر عند أهل العلم أن الفاجر ليس له غيبة، وإذا استنصحت فعليك أن تنصح، والغيبة في مواطن جائزة؛ كأن يأتيك رجلٌ يستشيرك بأن يزوج ابنته رجلاً من الناس، وتعلم أن هذا الرجل فاجر أو تارك للصلوات، أو سكير، أو معرض عن الله، فحقٌ عليك أن تبين عيبه ولا تكتمه، لأن هذا ليس من الغيبة في شيء، وكذلك مما جوز أهل العلم جرح أهل الحديث بعضهم لبعض، كأن يقولوا: فلان كذاب أو ضعيف أو واهم أو سيئ الحفظ، هذا من العلم ومن السنة، وهم مأجورون على ذلك، ومنها إذا شاركت أحداً في تجارة فعليك قبل ذلك أن تسأل عن هذا: هل هو مؤتمن أم لا؟

стр. 4725

الذب عن عرض الآخرين ومن دروس قصة كعب بن مالك: أن على المسلم أن يذب عن عرض أخيه، مثلما فعل معاذ ﵁ وأرضاه، لما سمع كلاماً في كعب ذب عنه ودافع عنه، وقال: [[بئس ما قلت، ما علمنا إلا أنه يحب الله ورسوله]] وفي حديث يروى عنه ﷺ : ﴿من ذب عن عرض أخيه المسلم ذب الله عن عرضه﴾ أو كما قال ﵊، فحق على المسلم إذا سمع عن مسلم في مجلس من المجالس انتهاكاً لقيمته وكرامته ومكانته أن يرد وأن يذب، وأن يبين أن هذا خطأ وأن يخبر بمناقب هذا الشخص إذا علم أن فيه خيراً.

стр. 4726

سنن في القدوم من السفر وفيها من المناقب: أن الرسول ﷺ كان يبدأ بالمسجد إذا قدم من السفر، وكان يصلي فيه ركعتين، والبداية في السفر من هذا الحديث كانت في الضحى، أما إذا قدم عصراً فلا أرى أن يذهب إلى المسجد، لأنه وقت نهي، وكذلك بعد طلوع الفجر، إنما إذا قدم ضحىً فليبدأ في المسجد، وليكن متوضئاً، فيصلي فيه ركعتين، كما فعل ﵊، وصح عنه من حديث أبي قتادة عند البخاري ومسلم أنه قال: ﴿إذا دخل أحدكم المسجد فلا يجلس حتى يصلي ركعتين﴾. ومنها: أن يجلس للناس فيسلم عليهم ويسلموا عليه إذا قدم من سفر، وهذه من أخلاق الرسول ﷺ . ومنها: قبول عذر المعتذر، إذا اعتذر لك أخوك فاقبل عذره، واحمله على الظاهر، لا تقل: أراد كذا أو في نيته كذا، أو لم يصدق، أو كذب بل التمس له عذراً.

стр. 4727

مشروعية هجر أصحاب المعاصي ومنها -وهو أعظم درس- هجر أهل المعاصي، يقول الحسن البصري فيما رواه ابن أبي حاتم عنه: وذكره ابن حجر في فتح الباري يقول: [[يا عجباً! هؤلاء -أي: الثلاثة- ما سفكوا دماً، ولا قطعوا طريقاً، ولا أفسدوا في الأرض، ولا نهبوا مالاً، وقد وصل لهم من الجزاء ما تعلمون، فكيف بمن ارتكب الكبائر والفواحش؟!]] يقول: هذا فقط لأنهم تخلفوا عن رسول الله ﷺ ، لكن كيف جزاء من ارتكب الفواحش والكبائر والعياذ بالله، فهجر أهل المعاصي من مذهب أهل السنة والجماعة، أما الذي أعلن بدعته فهَجْرُه مطلوبٌ؛ بل واجب، أو كالرجل الذي اشتهر عنه شهادة الزور، وهو كاذب يصرف الحقوق، ويموه على القضاة، ويخون على شرع الله، حقه أن يُهْجَر من المجتمع، ومثل مدمن المخدرات، والمدمن على سماع الغناء، والذي يخالف السنة في مظهره ومخبره فحقه أن يُهْجَر، وهجر أهل المعاصي من سنته ﵊، ويؤجر عليه العبد. أما الهجر الدنيوي فلا يجوز إلا لثلاث ليال، لحديث أبي أيوب عند مسلم قوله ﷺ : ﴿لا يحل للمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاث -أي: ثلاث ليال في الدنيا- يلتقيان فيعرض هذا ويعرض هذا، وخيرهما الذي يبدأ بالسلام﴾ وأما في أمور الآخرة فيهجر العصاة حتى يؤدبوا إذا كان الهجر أنفع لهم، لكن ابن تيمية يذكر مسألة وهي: إذا كان الهجر يؤدي بهم إلى زيادة الإعراض، أو كأن الداعية نفسه ضعيفاً، أو في مجتمع ينتشر فيه المفسدون فلا يشرع الهجر لأنك عندها تصبح وحيداً مضطهداً محتقراً، وظلموك واحتقروك، ومن أراد أن يراجع هذه المسألة فليراجعها في المجلد الثامن والعشرين من فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية في الحسبة وفي الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وفي الهجرة والجهاد.

стр. 4728

من دلائل البشارة ومنها: أن على المسلم أن يبشر أخاه المسلم بالمبشرات، فإذا ولد له مولود، أو نجح ابنه أو أتاه خير أو سمع عنه ذكرٌ حسن، أو رئيت له رؤيا صالحة؛ لأن أهل الحسد وأهل الضغينة وأهل الحقد يكتمون الخير ويظهرون السوء، فإذا رأى أحدهم لأخيه المسلم خيراً أو سمع خيراً كتمه، وإذا سمع شيئاً يجرح عرضه أعلنه ونشره بين الناس، وهذا من شيم أهل الحسد -والعياذ بالله- والضغينة والحقد ومن شيم الذين أعرضوا عن منهج الله . ومنها: أن على من بشر بشيء أن يعطي مكان هذا، لأن المسلم كريم يبذل ويعطي.

стр. 4729

أسعد أيام المسلم هو يوم توبته إلى الله ومنها: أن خير أيام المسلم يوم يتوب إلى الله، لكن كيف يقول ﵊: ﴿يا كعب! أبشر بخير يومٍ مر عليك منذ ولدتك أمك﴾ مع العلم أن إسلام كعب خير يوم، وهو قد تاب فكيف نجيب على هذا؟ يجيب أهل الحديث على ذلك، فيقولون: خير يومٍ مر عليك منذ ولدتك أمك بسبب إسلامك، أي: أنه بسبب إسلامك ذلك اليوم أتى لك خير يوم، وهذا تكلف. وأجاب آخرون وقالوا: هذا اليوم يوم الإسلام ويوم التوبة يجتمعان ليصبحا يوماً واحداً، فهو خير يوم ولدتك فيه أمك، أو مر عليك منذ ولدتك أمك، يوم تبت وعدت إلى الله، وكعب بن مالك لم يحضر بدراً وإنما حضر بيعة العقبة، يوم بايع الرسول ﷺ أصحابه البيعة الكبرى.

стр. 4730

وقفات مع بيعة العقبة لابد أن أقف مع بيعة العقبة وقفات لأنها تسمى: البيعة الكبرى. كان ﷺ يعرض نفسه على قبائل العرب، وكان يمر على السوق فيقول: من ينصرني؟ يقول لبني شيبان: انصروني، وامنعوني مما تمنعون به نساءكم وأطفالكم ولكم الجنة فيقولون: لا نستطيع، يمر على القبيلة الأخرى فيعرض نفسه ﵊ فيعتذرون، وكل قبيلة تعتذر لماذا؟ لأنهم يقولون: لو أننا نصرناه لحاربَتْنا العرب عن وتيرة واحدة. ويوم أراد الله أن يرفع الأنصار جعلهم أنصار الرسول ﷺ ، فأتى ﵊ في العقبة ليبايع الأنصار، قال عبدالله بن رواحة: ﴿يا رسول الله! على ماذا تبايعنا؟ قال: أبايعكم على أن تمنعوني مما تمنعون منه نساءكم وأطفالكم وأموالكم، قالوا: فإذا فعلنا ذلك فما لنا عند الله؟ -أي: ماذا تعطينا من مكافأة إذا نصرناك وآويناك وجاهدنا معك؟ - قال: لكم الجنة، قالوا: ربح البيع لا نقيل ولا نستقيل﴾. يقول ابن القيم معلقاً على هذه البيعة: ﴿البيعان بالخيار ما لم يتفرقا، فإذا تفرقا فقد وجب البيع﴾ ولذلك أعلنوا بيعتهم رضوان الله عليهم، وكانوا ينتظرون متى يسلمون أرواحهم رخيصة في سبيل الله. وأنا أذكر نماذج الأنصار كما فعل ابن حجر لما شرح هذا الحديث، عرض لبعض النماذج باستطراد ليثبت أن الأنصار بايعوا الرسول ﷺ على الجهاد، كانوا يحضرون المعركة وهم ينشدون ويترنمون ويقولون: نحن الذين بايعوا محمدا على الجهاد ما بقينا أبدا من أبطالهم: أبو دجانة، سلم نفسه في أحد للبيعة، لكنه ما قتل ذاك اليوم، أتى إلى المعركة فوقف ﵊ قبل المعركة، فمد سيفه ﷺ ، قيل: ذو الفقار، وقيل: غيره، قال: ﴿من يأخذ هذا السيف؟ فمد الصحابة أياديهم كلهم يريد أن يأخذ السيف، قال: من يأخذ هذا السيف بحقه؟ فسكنت الأصابع وهدأت الأصوات، وقام أبو دجانة وقال: أنا آخذه يا رسول الله بحقه، فما هو حقه؟ قال: حقه أن تضرب به في الأعداء حتى ينحني -فما قال: تضرب به فحسب، وإنما تضرب به حتى ينحني- فلما أخذه أخرج عصابة حمراء من جيبه، وشد رأسه وقال: أنا الذي عاهدني خليلي ونحن بالسفح لدى النخيل ألا أقوم الدهر في الكيول أضرب بسيف الله والرسول فلما أخرج عصابته الحمراء سكت الأنصار وقالوا: أخرج أبو دجانة عصابة الموت!﴾ يسمى هذا خطر ممنوع الاقتراب قال أنس: فتتبعت أبا دجانة فكان يفلق بالسيف هامات الكفار حتى أتى بالسيف في العصر وقد انحنى. سبحان الله! سيف ينحني؟ يقول النابغة الذبياني يمدح الغساسنة فيقول: ولا عيب فيهم غير أن سيوفهم بهن فلول من قراع الكتائب تخيرن من أزمان يوم حليمة إلى اليوم جربن كل التجارب يقول: من أزمان جداتهم وسيوفهم معهم، لا عيب فيهم إلا أن أسيافهم مثلمة، وهذا يسمى عند أهل البلاغة: المدح بما يشبه الذم. كان عكاشة في معركة بدر يضرب بالسيف حتى تكسر، وما تبقى منه إلا المقبض، فأخذ ﷺ عوداً من خشب، وقال: خذ هذا السيف بارك الله لك فيه، فهزه ﷺ فتحول سيفاً بإذن الله -وقد ذكر هذه القصة ابن القيم وابن هشام وابن إسحاق - هز الخشب ﵊ فأخذه عكاشة وقاتل به، وبقي معه حتى قال أهل العلم: دفن معه في القبر. وحضر قتادة بن النعمان معركة أُحُد، وهو من الذين بايعوا النبي ﵊ يوم العقبة، فلما حضر المعركة رميت عينه اليمنى فسالت عينه على خده، فأخذها النبي ﷺ ثم قال: باسم الله، ثم أعادها مكانها وأرجعها ﵊، فكانت أجمل من العين الأخرى﴾ حتى يقول ابنه لما يمتدح: أنا ابن الذي سالت على الخد عينه فردت بكف المصطفى أحسن الرد ومن أهل الأنصار من أهل بيعة العقبة: عبد الله بن عمرو الأنصاري حضر في معركة أُحُد فباع نفسه من الله، وقال: اللهم خُذ من دمي هذا اليوم حتى ترضى، فسلم نفسه من الله فقتل، ضرب أكثر من ثمانين ضربة، حتى يقول ﷺ لابنه جابر: ﴿ابكِِ أو لا تبكِ، فوالذي نفسي بيده، ما زالت الملائكة تظلل أباك بأجنحتها حتى رفعته، وقد كلمه الله كفاحاً بلا ترجمان﴾ هذه قصص استعرضتها لما قال كعب بن مالك إنه من أهل بيعة العقبة، أما الدرس فعنوانه (الفرج بعد الشدة) أي: أنها إذا اشتدت الشدائد واحتكمت الضوائق فلا يفرجها إلا الله . لأحد أهل اليمن وهو شاعر يمني عظيم، له قصائد طويلة. فـ ابن دريد يقول: يا ظبيةً أشبه شيء بالمها ترعى الخزامي بين أشجار النقا فعارضه اليمني هذا بقصيدة في العقيدة كأنها قذائف من القِلب يقول: سبحان من يعفو ونهفو دائماً ولم يزل مهما هفا العبد عفا يعطي الذي يخطي ولا يمنعه جلاله عن العطا لذي الخطا لطائف الله وإن طال المدى كلمحة الطرف إذا الطرف سجا يقول ابن الجوزي في صفة الصفوة: "لا يفرج الكرب إلا الله، ولا يرزق إلا الله". وهذه عقيدة أهل السنة والجماعة، وكتابات ابن تيمية تدور حول العبادة والرزق، وكشف الضر من الله . يقول ابن الجوزي في قصته: "مر رجلٌ فرأى عصفوراً ينقل لحماً إلى نخلة، قال الرجل: فتعجبت لأن العصفور لا يعشعش النخل، فصعدت النخلة فوجدت في النخلة حية عمياء، قال: إذا أتى العصفور باللحم صوَّت العصفور، وترنم بصوته، ففغرت فاها وهي عمياء، فألقى في فمها اللحم وعاد، فعلمت أنه لا يرزق إلا الله الواحد الأحد". وعلى سبيل المثال عندما استطردنا في ذكر الحيوانات يذكر ابن القيم في مفتاح دار السعادة قصة أرويها على ذمة ابن القيم وهي قصة النملة المشهورة، لكن لا بأس بتكرارها. كرر العلم يا جميل المحيا وتدبره فالمكرر أحلى قص ابن القيم علينا قصة يقول: كانت هناك نملة خرجت من جحرها تطلب الرزق، والله يتجلى في خلق النملة ويتجلى في خلق النحلة، ويتجلى في كل شيء قال تعالى: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ [هود:٦] ﴿وَلا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الأنعام:٣٨] كلها تدل على الواحد الأحد. قل للطبيب تخطفته يد الردى من يا طبيب بطِبِّه أرداكَا! قل للمريض نجا وعوفي بعدما عجزت فنون الطب مَن عافاكَا! والنحل قل للنحل يا طير البوا دي ما الذي بالشهد قد حلاكَا! وإذا ترى بالثعبان ينفث سمه فاسأله من ذا بالسموم حشاكَا! واسأله كيف تعيش يا ثعبان أو تحيا وهذا السم يملأ فاكَا! يقول: جلس رجلٌ عند بيت نملة، وكان هناك رجل جرادة بجانب بيت النملة، فخرجت النملة فوجدت رجل الجرادة، فحاولت أن تزحزحها وتسحبها إلى بيتها فما استطاعت، فعادت تأخذ نقالات وحمالات؛ لأن النمل ثلاثة أقسام: ملكة، وهذه لا تشتغل وإنما تصدر الأوامر ولها عاملات حولها وخدم، وهناك شغالات همها تبني خلايا البيض والبيوت وتصلح الأعشاش، وهناك خدم عمال، وهؤلاء جنودٌ متطوعون يأتون بالرزق، ذلك من حكمة الواحد الأحد، ذلك خلق الله، قال تعالى: ﴿هَذَا خَلْقُ اللَّهِ فَأَرُونِي مَاذَا خَلَقَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ﴾ [لقمان:١١] وقال سبحانه: ﴿وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئاً لا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ﴾ [الحج:٧٣] خرجت فحاولت أن تجر رجل الجرادة فما استطاعت، فعادت فأخبرت الشغالات أو الخدم، ففي أثناء عودتها ومعها ما يقارب الثلاثين نملة فأتى الرجل، فرفع رجل الجرادة، فبحثوا في المكان فما وجدوا شيئاً فعادوا، ووقفت النملة وحدها مكانها، فلما رجع البقية أعاد لها رجل الجرادة، فحاولت أن تسحبها ولكنها لم تستطع، فعادت فكلمتهم فأتوا، فرفع رجل الجرادة، فبحثوا ولم يجدوا شيئاً فرجعوا، ثم وضع الرِجل، فأتت تسحب فما استطاعت، فعادت فكلمتهم فأتوا فرفع الرجل فما وجدوا في المكان شيئاً، قال: فتحلقوا على هذه النملة فقطعوها إرباً إربا". ذكرها ابن القيم في مفتاح دار السعادة، والعهدة على ابن القيم وهو ثقة عند أهل السنة والجماعة. والذي يؤخذ من هذا: أن الفرج من عنده ، ولا يفرج الكرب إلا هو تبارك الله رب العالمين. من ضمن هذه الكرب التي مرت قصة أكررها كثيراً، لكن لا بأس بإيرادها: يقول ابن القيم في كتاب الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي "كان هناك رجل تاجر وخرج في تجارة، فعرض له أحد قطاع الطرق، فلجأ إلى الله فأنجاه الله". وهناك قصة إبراهيم ﵇ حينما أرادوا أن يلقوه في النار، تقطعت به الأسباب، وتقطعت به الحبال إلا من ذي الجلال والإكرام، أتاه جبريل فقال لإبراهيم: "ألك إليَّ حاجة؟ قال: أما إليك فلا، وأما إلى الله فنعم" والصحيح أن الإنسان يلجأ لا إلى جبريل ولا إلى ميكائيل ولا إلى إسرافيل ولا إلى محمد ﷺ ، فهؤلاء لا ينفعون ولا يضرون ولا يشافون ولا ينجحون ولا يرزقون ولا يشفون، وإنما يفعل ذلك الله ، قال تعالى: ﴿وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً لا يَخْلُقُونَ شَيْئاً وَهُمْ يُخْلَقُونَ وَلا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ ضَرّاً وَلا نَفْعاً وَلا يَمْلِكُونَ مَوْتاً وَلا حَيَاةً وَلا نُشُوراً﴾ [الفرقان:٣].
следующие страницы →