← Джавами‘

Джавами‘ · id 7708

دروس الشيخ عائض القرني

عائض القرني

Полный текст (10 391 стр.). Показаны 4656–4695 · переход к 4661.

стр. 4656

النصر والرزق يكون بدعاء ضعفائنا أيها الإخوة: لا تستهينوا بدعاء المستضعفين، فقد صح عنه ﵊ أنه قال: ﴿إنما ترزقون وتنصرون بضعفائكم﴾ وبعض أهل العلم يحسن هذا الحديث، وهو من حديث أبي الدرداء، وقد ذكره ابن حجر في كتاب الجهاد في المجلد السادس، من فتح الباري، وهو من معلقات البخاري. فليغتنم الإنسان حب هؤلاء المساكين والضعفاء؛ فإن الخير والنصر والإيمان والبركة والتأييد وحسن الخاتمة معهم، ويقترب منهم ويرجو دعاءهم، فإنهم هم أحرى بالإجابة بإذن الله ؛ فإذا رأيتَ شيخاً كبيراً فحاول أن يكون صديقاً لك، وحاول أن تستعطف قلبه ليدعو لك؛ لأنه قد سبقك في الإسلام، وقد شابت لحيته. وقد جاء بعض الآثار: ﴿إن الله يستحي أن يعذب ذا شيبة في الإسلام﴾. جاء في ترجمة يحيى بن أكثم وهو قاضي المأمون، وقد شابَ وبلغ الثمانين، ثم مات، فرئي في المنام، فقيل له: ما فعل الله بك؟ قال: لقيني ربي فعاتبني على بعض الأشياء، وقال: وعزتي وجلالي! لولا شيبتك لعذبتُك، ثم أدخلني الجنة. وهذه القصة في سير أعلام النبلاء للذهبي؛ فعودوا إليها. لماذا غفر له؟ لأنه قد بلغ الثمانين، ولكنه أخطأ قليلاً، فقد كان الوزير المفوض عند المأمون، وقد وجد في بعض القضايا التي تحتاج إلى حسم وإلى صرم، خاصة قضية الإمام أحمد بن حنبل، قضية أهل السنة، وتحتاج إلى دفاع، فوجد فيه قليل من التباطؤ، فيقول : وعزتي وجلالي لولا شيبتُك لعذبتُك. فأهل الشيب هؤلاء عليكم أن تقربوا منهم، وكذلك المستضعفون من الفقراء والمساكين، فإنهم أقرب إلى الله وأكثر تواضعاً، وأكثر مسكنة. وقد قرأت لـ ابن رجب في كتاب اختيار الأولى في شرح حديث اختصام الملأ الأعلى حديثاً يعزوه إلى أحمد والترمذي، والله أعلم بصحته؛ لكن على رأي ابن رجب، يقول ﷺ : ﴿اللهم اجعلني مسكيناً، واحشرني في زمرة المساكين﴾. فإن المساكين هم أقرب الناس إلى الله ، فلا يزدريهم الإنسان، ولا يحاول أن يقلل من شأنهم؛ فإنهم هم الرصيد -بإذن الله- وهم القوة الهائلة. وربما دفع الله عن البلاد الإسلامية وعن العباد فتناً وحروباً ومحناً بسبب دعاء الفقراء والمساكين والمستضعفين في الأرض؛ لأن هناك من يملك المال والجاه والمكانة والقرار، لكنه قد يلطخ أعماله، ويسد الحجب بينه وبين الله بمصائب كالجبال، فلا يقبل الله دعاءه. نعم، قد يوجد من يعادل هؤلاء الفقراء بالمال بالملايين، أو من يملك نصف ما يملك أهل الأرض؛ ولكنه مع ذلك لا يستجيب الله كلمة منه، لأنه عدو له، أو أنه قد بارزه بالمعاصي.

стр. 4657

موانع الدعاء للدعاء موانع تمنع من استجابة الله للداعي، نذكر بعضها:

стр. 4658

المطعم الحرام وأقبحُ ذلك وأخبثُه الربا، وقد قال ﵊ كما عند مسلم: ﴿إن الله طيب لا يقبل إلا طيباً﴾ والربا محرم، وهو أكثر سبب حجب به الدعاء من أن يرتفع إلى الله . والأمة الآن تدعى إلى الربا، ويجر أبناء هذا الشعب جراً على وجوههم إلى أن يقعوا في حمأة الربا، وتُعْلَن الإعلانات على الشاشة وفي الراديو، وفي الصحف والمجلات المحلية والعالمية، إلى الاكتتاب والمساهمة، وهذا أمر خطير إن لم نقف ضده. ولنعلنها صريحة بقوة وشجاعة وبيان، وإلا فسوف تقع الأمة في كارثة لا يشابهها في كارثتها إلا ما فعلت دولة إسرائيل أو الصهاينة في العالم، وهذا الذي يراد لهذا البلد أن يجر جراً إلى هذه المأساة العميقة. لا أريد أن أفصل كثيراً، فقد سبق في خطبة الأمس بعنوان: (الحرب في ذكرى الحرب) شيءٌ من هذا؛ لكنني أحيلكم على فتوى سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز عالم البلاد، وقد أرسلها قبل أسبوع، وطلب من الخطباء والأئمة والدعاة قراءة هذه الفتوى، وهي موجودة في هذا المسجد؛ توزع وتصور ليقوم الأئمة والأساتذة والدعاة والخطباء بقراءتها ونشرها؛ لأنها لم تُنْشر في وسائل الإعلام، ولأنها لو نُشِرَت لكان هناك تضاد، أن يُعْلَن عن الاكتتاب والاستهام في بنك الرياض، وبعدها بخمس دقائق يقولون: وقد أفتى سماحة الشيخ بكذا، فسحبوا هذه الفتوى، وأعلنوا المساهمة ودعوة الناس إلى الاكتتاب وجرهم إلى الربا وقال : ﴿تُبْدُونَهَا وَتُخْفُونَ كَثِيراً﴾ [الأنعام:٩١] وقال: ﴿أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْكُمْ﴾ [البقرة:٨٥]. ففتوى سماحة الشيخ -أحياناً- تُخْرَج إذا كان لها مصلحة، ولكنها تُخْفَى إذا لم يكن هناك مصلحة، وتضر بمصالح الذين يريدون الربا في العالم. فواجبنا نحن أن نقف مع سماحة الشيخ، فقد استشاط غضباً مما فُعِل ومما حَدَث، فإن ذلك استهتار بشريعة الله. لماذا هذا؟ كيف تدعو عشرة ملايين إلى أن يرابوا ويحاربوا الله بالربا، ويذهبوا إلى بنوك تناطح السحاب وتتحدى شريعة الله، وتلغي شرع محمد ﷺ ؟ ما هو واجبك؟ كيف تخرج معي لصلاة الاستسقاء وأموالك في البنوك الربوية؟ تخرج تدعو الله أن ينزل المطر، وقد جاء في الحديث: ﴿ثم ذكر الرجل أشعث أغبر يمد يديه إلى السماء، ومطعمه حرام وملبسه حرام، فأنى يستجاب له؟!﴾. أهل الباطل إيجابيون في باطلهم ومؤثرون، وأهل الحق سلبيون إلا من رحم ربك، فأنا أعرف آلاف الملتزمين والمستقيمين بشرع الله والأخيار، لكنهم لا يَدْعُون ولا يؤثرون ولا يقفون مع الكلمة الحية الصادقة، ولا ينشرونها في الناس، ولا يدافعون عن الحق. فأنت لا شك أنك تجلس في مجلس ومعك جيران، وتلتقي بالناس، ولك مَجامِع وزملاء، ولك أصدقاء، فأين موقفك من الدعوة إلى فتوى سماحة الشيخ؟ إذا رَفَضَت الشاشة -مثلاً- والصحف أن تُخْرِج فتوى سماحة الشيخ، فما هو البديل إذاً؟ إنه المنبر؛ إنه أنت، تقرؤها وتعلنها في الناس. وإنما أحذر؛ لأن البلاد إذا استمرت على هذا الوضع، فسوف تنهار فيما يقارب العشر سنوات، وقد قالها الكثير من المحللين، وقد ذكر ذلك محمد أحمد الراشد في أشرطة له ألقاها في مدينة فينيكس بولاية أريزونا بـ أمريكا. فهذه قاصمة ظهر، فانتبهوا! وقفوا ضد هذا المخطط الرهيب لجر الناس إلى المراباة وإلى الاكتتاب بحجة تنمية المال، والدعايات المغرضة، ثم تُلْغَى صلاتُنا وصيامنا ودعاؤنا، ونصبح في قطيعة مع الله ما بعدها قطيعة.

стр. 4659

الدعاء بإثم أو قطيعة رحم إن بعض الناس قلبه ساخن على المسلمين وحقود؛ تجده لا ينسى الزلة ولا ينسى الغضبة ولا الهفوة التي صدرت من مسلم، حتى ولو كانت من قبل أربعين سنة، ومهما لا طفتَه لا يتلاطف، ودعاؤه: اللهم خذ فلاناً أخذ عزيز مقتدر وقد يكون من جيرانه، وهناك قصص في هذا الأمر، لكنني لا أريد أن أسهب؛ لأنها إما قد تكررت، وإما أنه لا داعي لذكرها، وهي عامية اجتماعية تدل على قلة إيمان بعض الناس وفقهه ومعرفته، يدعو على أسباب دنيوية، فتجده يبتهل إلى الله بدعاء ما دعاه نوح على أمته الكافرة. من أجل هذا السبب: تصور أن قَتَبَ جملٍ -وهو ما يوضع على الجمل- اختلف رجل عمره يقارب السبعين هو وجاره قبل ثلاثين سنة في هذا القَتَب، فحلف جاره أنه قَتبه فأخذه، فذُكِرَ هذا الرجل الصالح، وقيل: نسأل الله أن يغفر له، فقال: كلا، أسأل الله أن يكبه في نار جهنم بقَتَب الجمل الذي حلف عليه. انظر إلى قسوة القلب والحقد وقلة المعرفة، فمثل هذا وأمثاله يُحَذَّر منهم. وقطيعة الرحم: هو أن تُقْطَع الأرحام بالدعاء، فإن بعض الناس يدعو على أرحامه، فيدعو على أخته لأنها تطلب الميراث، فيقول: اللهم اقطع نسلها وذريتها، فلا يستجيب الله دعوته، فليست المسألة فوضى، وهل كلما دعوتَ يُنَفَّذ لك؟ إذاً لدُمِّرَت الدنيا بدعاء الجهلة؛ لكن الله حكيم .

стр. 4660

الإلحاد في أسمائه إن الله له أسماء حسنى، قال تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ﴾ [الأعراف:١٨٠]. فهو سبحانه سمى بها نفسَه, ولَمْ يُسَمِّه أحدٌ من الناس، وأسماؤه توقيقية شرعية وردت في الكتاب والسنة. ولا نوافق الغزالي في كتاب إحياء علوم الدين عندما اخترع لنا أسماءً من ذاكرته ومن ذاكرة أئمة الصوفية، فلا يُوافَق عليها، مثل: (يا دهر الدهارير) يسمي الله بـ (دهر الدهارير). ولا نوافق كذلك ابن عربي في فصوص الحكم في قوله: (يا هو يا هو يا هو)؛ لأنهم يقولون: إن الله قال: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ﴾ [آل عمران:١٨] فكلمة (هُوَ) اسم مفرد عَلَم، فعندما تدعوه تقول في الليل: (يا هو يا هو يا هو يا هو) قال بعض أهل السنة: هذا نباح كلاب وليس بدعاء. ودعا غيرُه، مثل صاحب قوت القلوب، فقال: ويدعى بـ (يا حي) فيقول: يا حي يا حي يا حي) لا بأس أن يقول: يا حي يا قيوم؛ لكن اطلب ماتريد؛ لأن الصوفية يقفون عند مقطع ويقولون: كرر الاسم. حتى إنهم يقولون في مسجد الرسول ﷺ : فإذا صليتَ ركعتين في الروضة، فاجلس وردِّد: (يا لطيف) عشرة آلاف مرة، تقول: (يا لطيف، يا لطيف، يا لطيف، يا لطيف، يا لطيف) فماذا بعد (يا لطيف)؟! تصور أن رجلاً يأتيك في ظلام الليل فيطرق عليك بابك وينادي: يا محمد، يا محمد، يا محمد، يا محمد، يا محمد، فتقول له: نعم! فيقول: يا محمد، فتقول: نعم. فيقول: يا محمد، ما هذا؟! فالله قد علمنا الذكر الشرعي الذي ندعوه به، فتقول: يا غفور اغفر لي، يا لطيف الطف بي، يا رحيم ارحمني، هذا هو المطلوب في الإسلام، وهو الدعاء الشرعي، ولا تأت بأسماء (بلدية) لم ينزل الله بها من سلطان، مثل أن تقول: (يا كائناً قبل أن يكون) أستغفر الله! هذا من دعاء العامة؛ ولكن يمكن أن تقول كما يقول بعضهم: يا مستجيباً للصوت قبل الموت، وقبل إدراك الفوت) ومن هذه التراجم، وإذا صادف حرارة من الإخلاص قد يُجاب الدعاء؛ لكن الصحيح عند أهل العلم أن يُتَوَقَّف في الدعاء، بأن تكون الأسماء شرعية نبوية أتت في الكتاب والسنة.

стр. 4661

الاعتداء في الدعاء ويجب أن تدعو بدعاء شرعي ينفع، ولا تعتدِ في الدعاء. مثال الاعتداء في الدعاء: أحد الصحابة سمع ابنه يقول: اللهم إني أسألك القصر الأبيض على يمين الجنة. فقال الرجل: سمعتُ الرسول ﵊ يقول: ﴿ليكونن أقوام من أمتي يعتدون في الطهور وفي الدعاء﴾ وهذا من الإسراف في الدعاء، أي: التَّقَعُّر في الدعاء. أو مثل أن تقول -والعياذ بالله-: اللهم إني أسألك أن تجعلني خيراً من أبي بكر الصديق. والله لن تكون خيراً منه لا أنتَ ولا أبوك ولا جدك، ولو ظللت تعبد الله ألف سنة، فهوِّن على نفسَك، فإن ساعة من أبي بكر أحسن مني ومنك ومن الكرة الأرضية في هذه الفترة. وبعضهم ربما يعتدي ويقول: اللهم اجعلني من أنبيائك! أعوذ بالله! قد ختم الأنبياء بمحمد ﷺ . فيجب أن تعرف ماذا تقول من لسانك لتُجاب الدعوة.

стр. 4662

أوقات إجابة الدعاء

стр. 4663

السحر وقت لإجابة الدعاء في الثلث الأخير من الليل، إذا بقيت ساعة لصلاة الفجر أو أكثر أو أقل تقوم ولو بركعتين، وتمد يديك إلى الله تعالى وتدعو، لكن لا تدعُ لنفسك فقط، بل تدعو للمسلمين، ولعلماء المسلمين، وللمجاهدين، وللدعاة في نصرة هذا الدين.

стр. 4664

آخر ساعة في الجمعة ومن أوقات الإجابة: آخر ساعة في يوم الجمعة، وقد تفنن ابن حجر ﵀ فذكر في الفتح ثلاثة وأربعين قولاً في ساعة الجمعة، والصحيح: أنها من بعد العصر إلى صلاة المغرب، فتأتي قبل الغروب في بيتِك أو في المسجد وتدعو، ويكون هذا ورداً لك دائماً، تلجأ إلى الله فيه بالدعاء.

стр. 4665

يوم عرفة وما رئي الشيطان أغيظ ولا أدحر ولا أصغر منه في يوم عرفة؛ لأنه المؤتمر العالمي الإسلامي الأكبر الذي بدأه محمد ﷺ يوم أطلق صرخة (لا إله إلا الله) من على قرن عرفة؛ فتدعو مع الجموع.

стр. 4666

بين الأذان والإقامة وهو وقتٌ للتَّنَفُّل, ولقراءة القرآن، والدعاء. وأنا أدعو في هذه المناسبة إخواني -خاصةً الشباب- أن يبادروا إلى الأذان دائماً، فإنه يوجد عند بعضهم طبع طبعت عليه نفسُه، وهو ألا يأتي إلا مع الإقامة، وبعضهم يترك الناس حتى يشرعوا في الصلاة ثم يأتي من بيته إن المسلم يُعرَف بحرصه على الخير، ويُعرَف باندفاعه الحي إلى مواسم الخير. فرجائي -أيها الأخيار- المبادرة وقت الأذان، فإذا سمعتَ الأذان عَطِّلْ كلَّ شغل عندك يُروى عنه ﵊ ﴿أنه كان يكون في مهنة أهله، فإذا سمع (الله أكبر) قالت عائشة: قام كأنَّا لا نعرفه ولا يعرفنا﴾. فلمثل هذا تقطع عملك، وتقطع اتصالك، وتُقِيْمُ ضيفَك من البيت، وتقول: هيا بنا إلى بيت الله، ولا تخشَ أحداً؛ فإذا حضرت وليمة أو عزيمة وسمعتَ الأذان تطلب أنت بشجاعتك الإيمانية وبحماسك وغيرتك وأدبك؛ تطلب من الناس أن يذهبوا إلى بيت الله مع الأذان؛ لأن هذا تحصيل إيماني في الأوقات. تصوَّر أن ما بين الأذان والإقامة ثلث ساعة في كثير من الأوقات، فلو ضَمَمْتَ الثلث إلى الثلث في خمسة أوقات لخرج لك وقتٌ كثير تستطيع أن تقرأ فيه الجزء والجزئين، وبعض الناس يقرأ جزءاً وجزئين في هذا الوقت، أو تدعو كثيراً، أو تسبح، أو تبتهل إلى الله . فهذا طلب لا يفوتكم وأمثالكم من الأخيار.

стр. 4667

أدبار الصلوات خرج ﷺ بعد صلاة من الصلوات فلقي معاذ بن جبل -قائد العلماء إلى الجنة- فأخذ بيده ﷺ وقال: ﴿يا معاذ! إني أحبك، فلا تَدَعْ في دبر كل صلاة أن تقول: اللهم أعني على ذكرك وشكرك وحُسن عبادتك﴾ هذه رواية أبي داود، وقد ورد عند بعضهم: ﴿اللهم أعني على شكرك وذكرك﴾ والصحيح الأغلب: ﴿اللهم أعني على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك﴾. قال ابن تيمية: تُقال هذه قبل السلام؛ لأن دبر الشيء منه. وقال ابن حجر: تُقال بعد السلام، هكذا قال في الفتح. والظاهر: أن الحق مع ابن حجر، فإن دبر الصلاة هو مابعدها -والله أعلم- فيرجح ابن حجر هذا الرأي وغيره من العلماء. والأحوط للعبد أن يقولها قبل السلام وبعد السلام، وهي الأحسن والأَولى والأكرم والأجل.

стр. 4668

الأسئلة .

стр. 4669

إنسان يكره الدعوة والدعاة السؤال ما رأيك في شخص يكره الدعوة والدعاة، ويريد تحطيمها علناً؟ هل ندعو عليه أم ماذا؟ الجواب أولاً: ندعو الله أن يهديه، وأن يرده إلى الدين وإلى الحق رداً جميلاً، وإن أصر فندعو الله أن يأخذه أخذ عزيز مقتدر. ولا تظنوا أنه لا يوجد هناك حَسَدَةٌ، ولا منافقون، ولا مارقون، فهذا خلاف سنة الله في الأرض، فلا بد أن يوجد للحق أعداء، حتى في القرية الصغيرة القليلة العدد، لا بد أن يوجد ضدٌّ لأهل الحق؛ حتى أن ابن الوردي يقول: ليس يخلو المرء من ضِدٍّ ولو حاول العزلة في رأس الجبل ومن حكمة الله أن جعل ما يسمى بقانون المدافعة، قال تعالى: ﴿وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتْ الأَرْضُ﴾ [البقرة:٢٥١] وقال جل اسمه: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوّاً مِنْ الْمُجْرِمِينَ وَكَفَى بِرَبِّكَ هَادِياً وَنَصِيراً﴾ [الفرقان:٣١]. فمن حكمة الله أن يجعل أنداداً وأضداداً وأعداءً للمؤمنين وللدعاة وللأخيار. فلا تتكاثَرْ هذا، ولا يضيق صدرُك، واعرف أن هذه سنة ماضية؛ لكن العاقبة للذين اتقوا: ﴿إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الأَشْهَادُ﴾ [غافر:٥١] ويقول سبحانه: ﴿وَإِنَّ جُندَنَا لَهُم الْغَالِبُونَ﴾ [الصافات:١٧٣] ويقول سبحانه: ﴿كَتَبَ اللَّهُ لأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ [المجادلة:٢١]. فلا تظن أن الساحة سوف تخلو من هؤلاء؛ فعلينا أن نقف له بالدعاء في الأسحار، وفي أدبار الصلوات، من أراد تحطيم الدين والدعاة والعلماء ندعو الله عليه أن يحطمه وأن يأخذه وأن يقتله بسيفه، وأن يمزقه كل ممزق، إنه على ذلك قدير وبالإجابة جدير. ثانياً: واجبك أنت أن تكون داعية إلى الحق وإلى منهج الله ، فلا تكن سلبياً، بل تدافع وتعرض فكرتك مثلما يعرضها هو، وتبرر موقف أهل الحق، وتنافح عنهم؛ لأنك إن سكت فمعنى ذلك: أنك خذلتَ أولياء الله، وأنك رضيتَ، ومُطْعِمُ المأكولِ كالآكلِ.

стр. 4670

كلمة إلى زوارنا من قطر السؤال حضر هذا الدرس بعض التائبين والزوار من دولة قطر، فهل من كلمة لهم؟ الجواب التحياتُ تَهامَتْ كالمطر لدُعاة الحق من أهل قطر حياهم الله وحياكم، ومرحباً بهم. وكلمتنا لهم: أننا نحن وإياهم بيننا -قبل أن تكون هناك مصالح دنيوية أو أمور أخرى- هناك نسب خالد أسسه محمد ﷺ ﴿وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنفَقْتَ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعاً مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [الأنفال:٦٣]. نريد منهم ثلاث مسائل: الأولى: أن يعتبروا أنهم في هذا الجمع أهل وأحبة وإخوة، فنزلوا على الرحب والسعة، وكل منا لهم مضيف وهم الضيوف. الثانية: أن ينقلوا سلامنا وأشواقنا إلى حملة التوحيد والمبادئ الخالدة والدين والإسلام وأهل الاستقامة في قطر. الثالثة: أن يكونوا دعاة إلى منهج الله ، وأن يشاركوا هذه المسيرة التي فتحها الله على المسلمين، والتي أصبحت تسير في الأرض، وأصبحت سماوية، والله يحميها ويرعاها، وهي مسيرة أهل الإسلام، وأن يثبتوا أقدامهم في العلى، ولك الحمد يا رب العالمين. وأنا أعلم أنه سوف يكون هناك عثرات وصدمات، لكن لا بد منها، فهكذا الطريق، ولو أنها سلمت من الشوك ومن الصدمات لنجى منها محمد ﷺ ؛ لكن اسمعوا إلى الأخبار الطيبة، ولو أنها تُلَوَّث بأجهزة الإعلام العالمية؛ لكن سوف يثبت الحق، قال تعالى: ﴿فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الأَرْضِ﴾ [الرعد:١٧]. جمهوريات في الاتحاد السوفيتي تعلن استقلالها، وإذا (٧٠%) منها مسلمون، وإذا بعلماء الذرة يرجعون وعلى الواحد منهم اللحية السنية الموروثة عن معلم الخير ﷺ ، وهو يصدر الذرة للعالم، وإذا بالملايين المُمَلْيَنَة يتجهون إلى المساجد، والمصاحف والأشرطة تُوَزَّع هناك بالآلاف، والرسائل تَفِد من هناك: إننا لكم إخوان، وإننا كنا وراء الأسوار الحديدية حُجِبْنا عنكم، والآن أصبحنا نتصل بكم. وهذا فتح عظيم. أيضاً: شمال أفريقيا تتجه هناك صحوة يقودها العلماء على الكتاب والسنة. وقد أرسل سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز شريطاً مسجلاً بصوته إلى جبهة الإنقاذ في الجزائر: أولاً: حياها بالتحية الإسلامية. ثانياً: سأل الله لها العون والسداد. ثالثاً: أفتى سماحته أن مَن صَوَّت لغير جبهة الإنقاذ وضم صوتَه من الجزائريين إلى الأحزاب الكافرة من الاشتراكية والشيوعية والعلمانية وغيرها فقد ارتكب جُرْماً عظيماً، وأن على الشعب الجزائري أن يصوت لهذه الجبهة، وأن يؤيدها، وأن يحشد وراءها هذا رأي سماحة الشيخ. وقبله أرسل العلامة الحافظ الألباني شريطاً بصوته، ووزع عشرات الآلاف في الجزائر. فماذا نقول عن هذه المسيرة الخالدة؟ نحن لا يهمنا ما حدث أو يحدث من تعكير، ولا يهمنا تجني الإعلام العالمي ضد أهل الإيمان وضد أهل الكتاب والسنة؛ فهذا أمر معروف، وماذا تريد من رجل شهواني منافق؟ ولكن إن تعجب فعجب ما فعلوه في الجزائر! جبهة الإنقاذ المسلمة الملتزمة بالكتاب والسنة التي يقودها علماء تحصل على (١٨٨) مقعداً، وحزب التحرير الضائع الضال يحصل على (١٦) مقعداً، والحزب الاشتراكي يحصل على (٢٥) مقعداً، ثم يأتي الإعلام ويقول: طعونٌ في الانتخابات -طعن الله أكبادهم من منافقين! طعونٌ في الانتخابات؟! أنتَ الذي لا تسجد لله ولا تبكي إلا من الفرح، وتقول: طفح السرور عليَّ حتى أنني من عظم ما قد سرني أبكاني إنها (١٨٨) مقعداً! مليون امرأة محجبة من الجزائر يخرجن إلى صناديق الاقتراع؛ لأنهن مضطرات أن يقدمن أسماءهن، وسبعمائة ألف شاب جزائري كأنهم من شباب المهاجرين والأنصار، يهتفون بعد صلاة الجمعة بل الجمع ويقولون: نحن الذين بايعوا محمدا على الجهاد ما بقينا أبدا ويقول الإعلام العالمي: خوفاً من الأصوليين أن يحكموا الجزائر. أصوليون؟! أتباع محمد ﷺ ، الذين نشروا العدل في العالم، تلاميذ عمر بن الخطاب! هل وَجْهُ هَوارِي بُوْمَدْيَن والشاذلي وأمثالهم الذين هم من المدارس المظلمة المنتنة أجدر بالحكم؟ والديمقراطية سُلَّمٌ يصعده كل أحد إلا المسلمين. ولما ظهرت النتائج قالوا: أُلغيت وشُطِّب عليها، وأُنْزِلَ الجيش، وكلما رأوا الصوت الإسلامي سوف يغلب استدعوا الجيش والشرطة والاستخبارات والمباحث في ضرب المتطرفين ومطاردتهم وإخراجهم من البلاد. يا أخي! هذا الشعب عَبَّرَ عن صوته، إنه يريد الإسلام، أتدرون لماذا صَوَّت الجزائريون مع جبهة الإنقاذ المسلمة؟ أنا أخبركم بالسر، سمعتُه من أناس من جبهة الإنقاذ في الرياض، يقولون: كان الرجل منا إذا تولى البلدية في مدينة من المدن حوَّل من سيرته صحابياً في هذا القرن، يأتي هذا من جبهة الإنقاذ وهو رئيس الإقليم، فيصلي بهم الجمعة، وهو رئيس البلدية، أي: رئيس المقاطعة، ثم يأتي ويجمع التبرعات ويوزعها على الفقراء، ثم يسمع بالمريض في المستشفى فيأخذ إخوانه ويذهب إلى المريض، ثم يأتي الأعراس فيحضرها ويحولها إلى أعراس إسلامية، ثم يأتي إلى المنكوبين فيساعدهم، ثم يراجع في معاملات الفقراء في الحارات، ويدخل لهم الماء والهاتف والكهرباء، فيقول الجزائريون: مادام أن هذا الدين يأتي لنا بهولاء، فلا نريد إلا هؤلاء. أما الطعون في الانتخابات فنحن نعرف من الذي يطعن في الانتخابات، ونعرف من الذي يتكلم في أعراض أهل الحق في كل مكان. أيضاً: نستبشر -والحمد لله- في اليمن، حيث أن هناك مسيرة خرج فيها الشيخ/ عبد المجيد الزنداني قبل جمعتين بـ (١. ٠٠٠. ٠٠٠) من شباب اليمن، هذا ليس رقماً من عندي ولا من كيسي، سلوا الدعاة، وسلوا أشرطتهم، مليون من شباب اليمن خرج بهم الشيخ/ عبد المجيد الزنداني ليقولوا: نريد الكتاب والسنة، لنا مطلب واحد، نريد الكتاب والسنة، لا نريد منصباً ولا دنيا ولا غيرها. والمفاجأة الآن: أن الشعوب الإسلامية كلها تريد الإسلام؛ لكن لم يقدِّم لها الإسلام، تريد الإسلام الذي أتى به محمد ﷺ ؛ لأنها جربت مبادئ كل شيطان في الأرض فأُحْرِقَت وسُحِقَت؛ لكن دعوها تجرب (١٠) سنوات، اتركوها تُحْكَم بـ (لا إله إلا الله، محمد رسول الله) حتى تروا تلاميذ أبي بكر وعمر كيف يعدلون! وكيف يرحمون! وكيف يوقرون! وكيف يقدرون! هذه بعض اللفتات. فالإخوة من قطر، نثني بالتحية والترحاب بهم، وأشكر الله لهم. وبالمناسبة: أشكر المشايخ من فرع جامعة الإمام الذين حضروا هذه الليلة، وأسأل الله لهم التوفيق والهداية، ومنهم نستفيد، وأثابهم الله وإياكم جميعاً.

стр. 4671

كتاب الأسبوع كتاب الأسبوع في هذا السبت: الطحاوية، وهي عقيدة أهل السنة والجماعة، هذا العقيدة التي تُفَضِّخ رءوس الشياطين، وهو الكتاب الموسع، وهو الدرجة الثالثة من كتب أهل السنة؛ لأن لـ أهل السنة ثلاث درجات: المبتدئون: كتاب التوحيد. والمتوسطون: معارج القبول للشيخ حافظ بن أحمد الحكمي. والمنتهون: الطحاوية، وهو مُحَقَّق في مجلدين، حققه شعيب الأرناؤوط. فأنا أدلكم عليه، ليكون في مكتبة كل منكم؛ حتى تعرف ماذا يقول أهل السنة في المعتقدات، ولا تأخذ عقيدتك من الشرق ولا من الغرب، بل من أهل السنة. أيضاً: أنبهكم دائماً على التبرع للمساجد، ولكن أظن أنكم تظنون أن هذه الدعوة مقبولة مع وقف التنفيذ، فتقولون: دعوتك مقبولة؛ لكن مع وقف التنفيذ، والمقصود: أن تتبرعوا للمساجد التي ذكرتُ أسماءها؛ لأنها تريد أن تقام بأموالكم أنتم، مثل: جامع النماص، وجامع تنومة، وجامع ثريبان، ومسجد جماعة في ابن الأسمر.

стр. 4672

مشاركة في بحث كيف تعالج القلق أيضاً: هناك بحث مقترح ومقدم اسمه: (كيف تعالج القلق؟!) وقد كتب بعض المثقفين العالميين في هذا؛ لكننا نريد هذا من منظور إسلامي. والمطلوب: الاطلاع على ما كُتِب من الكتب الشرقية والغربية والإسلامية وغيرها، وإعطاءنا التجارب وإرسالها إلينا في هذا المسجد. والمطلوب أيضاً: القصص الواقعية، إذا كان أحدكم وقعت له قصة، أو يعرف قصة ممن أصابه الهم والغم؛ لأنه مرض هذا العصر، وأصبحت الوسوسة والخوف والقلق والاضطرابات عند كثير من الناس، فنريد أن نقدم بحثاً ويُنْشَر -بإذن الله- واسمه: (كيف تعالج القلق؟!). أيضاً: أَلتَمِس من إخواني الدكاترة الأطباء -وقد حضر منهم فئة طيبة مباركة- أن يمدونا بتجارب من علمهم ومن خبرتهم عن هذا المرض، وكيف يُعالج. أيضاً: أرجو من أهل الفكر والأدب والعلم أن يمدونا، وألا يبخلوا علينا؛ لأن هذا مساهمة في الخير، فسوف تقوم لجنة فتهذب هذا البحث وتنقيه وتصفيه، ثم يُكْتَب ويكون بديلاً عن بعض الكتب؛ لأنه لم يطرق هذا الموضوع إلا القليل من الكتاب المسلمين. صحيحٌ أننا أغنياء من ناحية الكتاب والسنة -والحمد لله- لكنني أقصد بحثاً من كتب البشر ومؤلفات البشر، بمعنى: أنك تجد كتاباً لأمريكي: دع القلق وابدأ الحياة، وكتاب كان عليهم أن يشاهدوا باريس لِـ مُوْر، وكتب أخرى لِكَتَبَةٍ هنود وصينيين؛ لكن الكتاب المسلمين يريدون كتاباً وبحثاً في هذا، فهذا ما أريده. أيضاًَ: من أراد أن يرسل من غير مدينة أبها بتجاربه حول هذا الموضوع، أو ببحثه، أو ما قرأه في مجلة أو جريدة، أو كتاب، فعليه أن يكتب على: (أبها - فرع جامعة الإمام - كلية الشريعة وأصول الدين - قسم السنة) باسمي، وستصل بإذن الله. وسوف يراه قريباً، حتى يكون -إن شاء الله- في محاضرات، وينشر عليكم، وأعدكم -بإذن الله- إذا خرج أن يوزع عليكم مجاناً في سبيل الله . أيها الإخوة: هذا الدرس سوف يتوقف في إجازة الربيع، ثم نبدؤه -بإذن الله- ونعود إليه بإعلان بعد الإجازة، وإن كنا سنفارق شيئاً في أبها، فلا نفارق إلا هذه الوجوه وهذه القلوب، ولن نحس بوحشة لفرقة الجبال، ففي كل بلد جبال، ولا للتراب ففي كل بلد تراب، ولا للشجر ففي كل أرض شجر؛ لكن أنتم، وإنما يُسْتأنَس بـ أبها لوجودكم، وإنما تُحَب أبها لأنكم أنتم فيها، وكلما أتى ضيف رآكم فأحب المدينة، كما قال مجنون ليلى: أمر على الديار ديار ليلى أقبل ذا الجدار وذا الجدارا وما حب الديار شغفن قلبي ولكن حب من سكن الديارا وكان ابن المبارك إذا ودع تلاميذه بكى وقال: وخفف وجدي أن فرقة واحدٍ فراق حياة لا فراق مماتِ يا من يعز علينا أن نفارقهم وجداننا كل شيء بعدكم عدم

стр. 4673

قضاء المسلم لوقته أيام الإجازة ولكن أمامنا -أيها الأحباب- إجازة ربيع، وليس أمام المسلم إجازة ولا فسحة في الوقت ولا فراغ، إنما الجد المتصل والعمل المثمر لمن وفقه الله ، فلا بد من مشاريع تبدؤها وتكتبها أنت حتى تستثمر الإجازة استثماراً طيباً. فمَن يذهب إلى مكة أدعوهم إلى كثرة العبادة، وإلى الإهلال بعمرة؛ لترضي الله ، فقد ورد في سنن الترمذي: ﴿تابعوا بين الحج والعمرة، فإنهما ينفيان الفقر والذنوب كما تنفي النار خبث الحديد﴾. أيضاً: أدعوهم إلى كثرة قراءة القرآن في الحرم، ومدارسة كتب أهل العلم. أيضاً: أدعوهم إلى أن يكون عند الواحد منهم كتاب يقرؤه، وأن يكون مستأنساً بعبادة الله . لَفْتَة: -ولا تَجِدُوا عليَّ- ففي بعض الأماكن تجدهم إذا أرادوا أن يذهبوا إلى العمرة من أعجل الناس، يبشر بعضُهم بعضاً، ويقول: أبشرك، ما طلعت علينا الشمس إلا وقد انتهينا من العمرة وعدنا إلى الطائف، وكأنه خرج من سجن أو من حبس، يبشر الناس، ويقول: والله ذهبتُ بالوالدة، وما مكثنا في الطواف ولا في المسعى إلا ساعتين، وقبل أن يؤذن المؤذن ونحن في مكان كذا سلمك الله؛ لأنك خرجت قبل أن يؤذن المؤذن. وهذه العجلة -أيها الإخوة- ليست في العبادة، إنها في أمكنة أخرى، إن الأجر والمثوبة أن تبقى كثيراً، وأن تدعو كثيراً، وأن تدخل بهدوء وبعبادة، حتى أنك تجد بعض الناس يجر على نفسه في العمرة وفي الحج المشاكل والزحام حيث لا زحمة ولا مشاكل؛ لكن يأتي فتجده متحفزاً مستنفراً لقواه العضلية والجسمانية والعقلية والصوتية، حتى يدخل الزحام على نفسه ولا زحام. وتجد بعضهم يدخل بلا فقه، فيعتمر ولا يدري ماذا قال وماذا فعل، فإذا انتهى بدأ يتصل بطلبة العلم، هل يجوز هذا أو لا يجوز؟ فالواجب أن يسير على بصيرة، وأن يقرأ الكتب المبسطة في الحج والعمرة.

стр. 4674

دعوة إلى الأمر بالمعروف أيضاً: هناك شبه سواحل ريفية، وسواحل يستفيد منها بعض الناس في الربيع، كالساحل الجنوبي في الشِّقِيْق، فيقع فيه اختلاط وأمور قد تخالف الشرع، فالواجب علينا أن ندعو إلى سبيل الله ، ومن ذهب إلى هناك عليه أن يدعو بالشريط، ويدعو بلسانه بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وقد كتب بعض الإخوة كتابات في هذا، ومنهم: أحد الإخوة من البرْك كتب رسالة في ثلاث صفحات، فأنا أشكره باسمكم جميعاً، وأشكر غَيرته، وأخبر أن الناس يجتمعون ويقع هناك اختلاط، وأن بعض الناس يخرجون بملابس ليست بملابس محتشمة، ويسبح أمام العالمين، وهذا أمر مخالف، فما هو دوركم؟ هذا في منطقة البرْك، أرسلها قبل أسبوع تقريباً، ونسيت أن أذكرها أو أقرأها عليكم، لكن هذا ما يدعو إليه، فهو يدعو إلى المشاركة في الدعوة والوعي. أيها الإخوة: أسأل الله أن يعيد هذا اللقاء بكم في أيام قريبة، وأن يحفظنا وإياكم، وطلبنا وهو طلبٌ مُلَبَّى فيكم: ألا تنسونا من الدعاء بظهر الغيب، فإن ثمرة هذا اللقاء (سهام الليل) هي الدعاء الذي تشرفون به، والذي هو كنز لكم، والذي هو في أيديكم، متى شئتم استخدمتموه، وكان لكم النفع العظيم والأجر العميم من الله . أسأل الله بأسمائه الحسنى وصفاته العلا أن يحفظنا وإياكم، وأن يهدينا وإياكم سواء السبيل، وأن يتولانا، وأن يرزقنا الإخلاص والصدق، وأن يجزل لنا المثوبة، وأن يجعلنا هداة مهتدين غير ضالين ولا مضلين. كما أشكر الإخوة الطلبة الذين حضروا في هذا الأسبوع، وهو أسبوع امتحانات، ولكن وصلت من بعضهم أسئلة يقولون: إنا حضرنا وشاركنا حباً في الدرس وتركنا المذاكرة، فأقول: لا تتركوا المذاكرة؛ لكن اجمعوا بين الحسنيين، بين الحضور وبين المذاكرة، ونرجو لكم النجاح من الله والتوفيق. سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين.

стр. 4675

صفات أهل الكفر وأهل النفاق النفاق عداوة لله ولرسوله وللمؤمنين، والمنافقون على مدار التاريخ هم أخطر على الأمة من عدوها الظاهر. وقد ذكر الله صفات المنافقين في كتابه الكريم، وذكر لهم رسول الله ﷺ علامات، فإذا وجدت في أحد من المسلمين صفة من صفاتهم كان نفاقه نفاقاً عملياً لا يخرجه من الملة غير أنه مع ذلك على خطر عظيم.

стр. 4676

دروس وقضايا من بداية سورة البقرة الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. أمَّا بَعْد: سبق فيما مضى أن أخذنا صفات المفلحين في كتاب الله ﵎ وقد وصفهم الله ﵎ بصفات ثم قال: ﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [البقرة:٥] ثم في هذا الدرس يصف أهل الكفر وأهل النفاق، وفي أول سورة البقرة لف ونشر، واللف هو: أن يجمع القضايا ويجملها ثم ينشر القضايا ويتكلم عنها بالتفصيل، وانظر كيف جعل الله للمؤمنين خمس آيات، وللكفار آيتين، وللمنافقين ثلاثة عشر آية، وكأن النفاق -نعوذ بالله- أعظم من الكفر. ويقول بعض المفكرين: إن في أول سورة البقرة نسف وإبادة، ولذلك يتعرض للكفر وللنفاق ثم يفصل في بقية السورة أحوال المؤمنين، وأحوال الكفار، وأحوال المنافقين. يقول بعد أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ ءأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ * خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [البقرة:٦ - ٧] انتهى من وصف الكفار وبعدها سوف يأتي بوصف المنافقين، يقول للرسول ﷺ : ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ ءأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ﴾ [البقرة:٦] في الآية قضايا: القضية الأولى: كيف يخبر أن الكفار لا ينتفعون من الموعظة، وإذا كان الله يعلم أن الكفار لا ينتفعون من الموعظة فلماذا يأمر رسوله أن يعظهم ويذكرهم؟ ولماذا يأمر رسوله أن يبلغهم وما الفائدة؟ والله يعلم أنهم لن يتعظوا ويؤمنوا ويستفيدوا من الموعظة والبلاغ، فلماذا يأمره أن يعظهم؟ ما هو السر؟ القضية الثانية: ما معنى ﴿أَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ﴾ [يس:١٠]. القضية الثالثة: وجد من الكفار من لعنهم الرسول ﵊ وآمنوا وأسلموا ودخلوا في دين الله، فكيف نجمع بينها، هذه ثلاث قضايا كبرى في الآية.

стр. 4677

الكفار ووجوب إنذارهم أما قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ ءأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ﴾ [البقرة:٦] فالله يعرف أن طائفة من الناس لن يؤمنوا أبداً، ولكن أمر رسوله ﷺ أن يعظهم ليقيم الله عليهم الحجة: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً﴾ [الإسراء:١٥]؛ لأنه لو لم ينذرهم أتوا يوم القيامة وقالوا: ما أتانا من نذير، وقد أتاهم نذير في الدنيا ومع ذلك قالوا: ما أتانا من نذير ويحلفون بالله، وهم يكذبون وهذه شهادة باطلة لم يقبلها الله . إذاً فليس لكل داعية يعلم أن المدعو لا يستجيب له أن يتوقف عن دعوته، يقول تعالى: ﴿فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلاغُ﴾ [آل عمران:٢٠] ويقول: ﴿إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرٌ﴾ [الرعد:٧] ويقول: ﴿وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [البقرة:٢١٣] فواجب الرسول ﵊ أن يبلغ، ولا يقول: أنا أرتاح ولا أتكلم لا أدعو، قال الله تعالى: ﴿سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ ءأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ * خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ﴾ [البقرة:٦ - ٧] هذا صنف من كفار مكة منهم: أمية بن خلف وأبو جهل وأبو لهب، هؤلاء كتب الله عليهم أنهم لن يؤمنوا أبداً، والسبب يقول : ﴿فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾ [الصف:٥] ولماذا زاغوا؟ قال : ﴿وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْراً لَأسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ﴾ [الأنفال:٢٣]. إذاً يقول الله للرسول ﵊: ﴿فَذَكِّرْ إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرَى﴾ [الأعلى:٩] ولا يعني ذلك أن فيها مفهوم مخالفة: أي إذا لم تنفع الذكرى فلا تذكر ﴿فَذَكِّرْ إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرَى﴾ [الأعلى:٩] بل قال أهل العلم: حتى وإن لم تنفع فلابد من الذكرى؛ لأن في الكلام شيئاً مقدراً معناه: وإن لم تنفع: ﴿فَذَكِّرْ إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرَى﴾ [الأعلى:٩] أي: وإن لم تنفع الذكرى فذكر ﴿سَيَذَّكَّرُ مَنْ يَخْشَى * وَيَتَجَنَّبُهَا الأَشْقَى﴾ [الأعلى:١٠ - ١١] إذاً فواجب الرسول ﷺ البلاغ.

стр. 4678

معنى الإنذار والفرق بينه وبين الإشعار والبشارة قال : ﴿سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ ءأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ﴾ [البقرة:٦] ما معنى الإنذار؟ يقول القرطبي: الإنذار هو: الخبر في مدة يمكن فيها النجاة، إنسان بقي عليه حتى يسقط في البئر أمتار، فتقول: قف مكانك! أمامك بئر، هذا إنذار، لكن إذا وقع إنسان في البئر فإن هذا إشعار، أما إذا وقع إنسان في البئر فلا تقل: انتبه أمامك بئر، وقد وقع فيها هذا لا يكون. قال: الإنذار في القرآن هو: الذي يكون فيه وقت يمكن النجاة فيه؛ ولذلك يقول ﵊ في وصف نفسه: ﴿أنا النذير العريان﴾ والحديث في صحيح البخاري عن أبي موسى قال: قال رسول الله ﷺ : ﴿أنا النذير العريان﴾ والنذير العريان عند العرب هو: رجل يأتي قومه فيخلع ثيابه فيبقى كيوم ولدته أمه ويأتي بثوبه يطير به في الجو يعني الهلكة الهلكة، محذراً لهم بأمر عظيم. ولذلك لما أرسل أبو سفيان أبا ضمضم الغفاري ماذا فعل؟ مزق ثيابه أمام أهل مكة وقال: اللطيمة اللطيمة! يعني أدركوا عيركم، لما قطع ﷺ طريق العودة، فالنذير العريان: هو الذي يخلع ملا بسه ويبقى عرياناً، ويصيح من على جبل، يقول ﷺ : أنا مثلي ومثل الناس، كالنذير العريان أتيتكم بالويل والدمار أو بالفلاح في الدنيا والآخرة. قال : ﴿أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ﴾ [البقرة:٦] هل الرسول منذر فحسب أم مبشر؟ يقول : ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِداً وَمُبَشِّراً وَنَذِيراً﴾ [الأحزاب:٤٥] ويقول هناك: ﴿إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرٌ﴾ [الرعد:٧] فكيف نجمع بينهما، يقول: إنما أنت منذر و (إنما) معناها الحصر أي حصرنا رسالتك في الإنذار. والجمع أن يقال: إذا تكلم الله عن إنذار الكفار حصر مهمته في الإنذار، وإذا تكلم عن البشارة سمى البشارة، وهنا لما أنكر الكفار ألوهية الله؛ قال : ﴿إِنَّمَا اللَّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ [النساء:١٧١] وهذا مثل إنسان يقول لك: محمد ليس بكريم! ما هو الجواب؟ إن قلت محمد كريم كان الجواب ضعيفاً لكنك تقول إنما الكريم محمد. إنما مصعب شهاب من الله تجلت عن وجهه الظلماء وقوله: (ءأنذرتهم) لماذا لم يقل أبشرتهم أم لم تبشرهم؟ لأن الرسول ﷺ بعث بالنذارة قبل البشارة، فهم أناس سكارى يعبدون الوثن والصنم فكيف يبشرهم؟ إنما ينذرهم ثم يبشرهم ﵊، وفي حديث تعرض له ابن تيمية لكن يقول: كما في الحديث وهو حديث ضعيف: يروى عنه ﷺ أنه قال: ﴿أنا الضحوك القتال﴾ وقال لكفار مكة لما دعاهم فكذبوا به وقام عقبة بن أبي معيط لعنه الله فبصق في وجه المصطفى ﷺ ، قال: ﴿يا معشر قريش! والله الذي لا إله إلا هو والذي نفسي بيده لقد جئتكم بالذبح﴾ ابن أبي معيط هذا حضر بدراً فلما رآه ﷺ في الأسارى مسلسلاً في الحديد، أصبح مأسوراً مع السبعين لم يقتل في المعركة، مر به ﷺ فالتفت فرآه فقال: ﴿قم يا علي فاقتله﴾ حتى لا يبقى في الأسرى ثم ينجو معهم قال: يا محمد! لمن الصبية؟ قال: ﴿النار﴾ يقول: صبيانك وأولادك لهم النار، نار جهنم، فقتل، وأتى النضر بن الحارث وهو مارد آخر فقتله ﷺ ، فسمعت أخته فألقت قصيدة، يقول ﵊: ﴿لو سمعتها قبل أن أقتله ما قتلته﴾ تقول: أمحمداً يا خدن كل كريمة من قومه والفحل فحل معرق ما كان ضرك لو مننت وربما مَنَّ الفتى وهو المغيظ المحنق والنضر أكرم من أسرت إسارة وأحقهم إن كان عتق يعتق فقال ﵊: ﴿والذي نفسي بيده لو سمعت هذا قبل أن أقتله ما قتلته لكن إلى النار﴾. فمعنى الآية أي: هؤلاء الذين ختم الله عليهم لا يؤمنون أبداً فلا تتعب نفسك، مع العلم أن الرسول ﷺ بقي يدعوهم ليقيم عليهم الحجة، قال الله : ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ ءأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ﴾ [البقرة:٦] لماذا لم يقل يتقون؟ لأن التقوى متدرجة عن إيمان، وإذا ذكر الله الكفر أتى بالإيمان، وإذا ذكر الإيمان ذكر الكفر، وإذا ذكر الآيات الكونية جاء بالعقل، وإذا أتى بالأدلة النقلية، جاء بالفقه، وإذا أتى بالليل؛ أتى بالسمع قال: ﴿لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ﴾ [يونس:٦٧] وإذا أتى بالنهار، أتى بالبصر قال: ﴿أَفَلا تُبْصِرُونَ﴾ [الذاريات:٢١] يقول : ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ اللَّيْلَ سَرْمَداً إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِضِيَاءٍ أَفَلا تَسْمَعُونَ﴾ [القصص:٧١] الليل لماذا؟ قالوا: لأن الأذن هي الحاسة القوية في الليل، هل رأيتم أحداً ينظر في الظلام، إنما يسمع ولذلك السماع في الليل بسهولة ويكون اختراقاً لحجب الظلمات، حتى في العلم الحديث أن حجب الظلمات يقوي ذبذبات الصوت، ولذلك إذا أتى الإنسان في الليل يسمع من مسافات وآلته المتحركة هي الأذن ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ اللَّيْلَ سَرْمَداً إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِضِيَاءٍ أَفَلا تَسْمَعُونَ﴾ [القصص:٧١] ثم يقول : ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ النَّهَارَ سَرْمَداً إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ أَفَلا تُبْصِرُونَ﴾ [القصص:٧٢] فلما ذكر النهار ذكر البصر، ولما ذكر الليل ذكر السمع؛ لأن البصر أقوى آلة وأقوى حاسة في النهار، وأما الأذن والسمع فهو في الليل وسوف يأتي ضرب من هذا. قال : ﴿لا يُؤْمِنُونَ﴾ [البقرة:٦] ولم يقل: لا يتقون؛ لأنها مركبة على الإيمان، ولم يقل: لا يفقهون؛ لأنه ليست هنا أدلة نقلية، ولم يقل: يعقلون؛ لأنه ليس هنا أدلة عقلية، ولم يقل: لعلهم يتفكرون؛ لأنه لا يوجد هنا تفكر.

стр. 4679

أمراض القلوب في القرآن قال : ﴿خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ﴾ [البقرة:٧] ذكر الله في القرآن عن القلوب أموراً: ذكر الختم، والأكنة، والران، والطبع، والإقفال، والقسوة، والمرض، والرجس. فأما الختم: فقد قال : ﴿خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ﴾ [البقرة:٧]. وأما الأكنة: فقال: ﴿وَقَالُوا قُلُوبُنَا فِي أَكِنَّةٍ﴾ [فصلت:٥] يعني: في أغطية. وأما القسوة: فقال تعالى: ﴿ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ﴾ [البقرة:٧٤] وقال أيضاً : ﴿فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ﴾ [المائدة:١٣] وقال أيضاً: ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ [الحديد:١٦]. وأما الطبع: فقال : ﴿بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ﴾ [النساء:١٥٥] على ماذا؟ على قلوبهم بكفرهم. وأما المرض: فقال تعالى: ﴿فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضاً﴾ [البقرة:١٠]. وأما الإقفال: فقال تعالى: ﴿أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾ [محمد:٢٤]. وأما الران: فقال : ﴿كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [المطففين:١٤]. هذه أمراض القلوب التي ذكرها الله في القرآن وهي درجات. أولها: الغين: والغين شيء شفاف يأتي من كثرة المباحات، وكثرة الضحك وكثرة الكلام، وكثرة الخلطة في الناس، فيه غين على القلب، يقول ﵊ كما في صحيح مسلم: ﴿إنه ليغان على قلبي﴾ هو أشرف البشر وأكملهم وأطهر الناس قلباً وأنقاهم سريرة، وأقربهم من المولى ومع ذلك من كثرة خلطته بالناس يقول: يغان على قلبي حتى أستغفر الله في اليوم أكثر من مائة مرة، هذا يسمى الغين، قالت الصوفية: هذا غين أنوار لا غين أغيار. قلنا: من أين أتيتم بهذا الكلام؟ وفسر الماء بعد الجهد بالماء، هذه الطلاسم لا نتعرض لها. وأما الران: فإنه يحجب القلب غشاوة من الذنوب وفي سنن النسائي وابن ماجة والترمذي أن الرسول ﷺ قال في حديث ما معناه: ﴿إذا أذنب العبد نكتت في قلبه نكتة سوداء، فإذا زاد نكتت حتى يصبح قلبه أسود فهذ هو الران﴾ قال مجاهد: [[القلب هكذا يذنب العبد فضم إصبعه، ثم يذنب ذنباً آخر فيضم الثانية، ثم يذنب ثالثاً حتى ضم أصابعه قال: فيصبح القلب هكذا]] من كثرة الذنوب وهذا هو الران. أما الطبع فإذا أذنب وأكثر من الذنوب والخطايا والإغفال طبع الله عليه، والختم آخر شيء، والقفل أشدها وأصعبها، نعوذ بالله من هذه الأمراض.

стр. 4680

أقسام المرض في القرآن وقد ذكر الله المرض في القرآن على ثلاثة أقسام: ١/ مرض الجسم: أولاً: مرض الجسم قال : ﴿لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ وَلا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ﴾ [النور:٦١] وهذا هو مرض الجسم وليس مرض القلب: ﴿أَوْ كُنْتُمْ مَرْضَى﴾ [النساء:١٠٢] أي مرض الجسم. ٢/ مرض الشهوة: ثانياً: مرض الشهوة، إنسان قلبه مريض بالشهوة، إذا سمع صوت امرأة تحرك قلبه، بعضهم فيه شهوة ولو كان عنده أربع زوجات لكن مرض الشهوة في قلبه، يقول : ﴿فَلا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ﴾ [الأحزاب:٣٢] وليس هذا مرض النفاق بل هذا مرض الشهوة. ٣/ مرض النفاق: ثالثاً: مرض النفاق قال تعالى: ﴿فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضاً﴾ [البقرة:١٠] ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْساً إِلَى رِجْسِهِمْ﴾ [التوبة:١٢٥]. ٤/ علاج هذه الأمراض: إذاً فالأمراض ثلاثة في القرآن: مرض الجسم وهو أقلها وأيسرها وأخفها ولا عبرة به، بل لو تقطع الإنسان على السرير من المرض لكان خفيفاً يسيراً، وأما مرض الشهوة فهو أثقل، ودواؤه الصبر، وأما مرض النفاق فهو أخطر ودواؤه اليقين، ولذلك ذكر الله اليقين والصبر في موضع واحد فقال : ﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآياتِنَا يُوقِنُونَ﴾ [السجدة:٢٤] لماذا ذكر الصبر؟ قالوا: عن الشهوات، ولماذا ذكر اليقين؟ قالوا: عن الشبهات، يقول ابن تيمية: بالصبر واليقين تنال الإمامة في الدين. ثم يقول سبحانه: ﴿خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [البقرة:٧] هنا تساؤلات: أولها: لماذا ختم الله على قلوبهم؟ لأنهم لم يهتدوا ﴿فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾ [الصف:٥]. ثانيها: لماذا قدم القلوب وجمعها؟ لأن لكل واحد منهم قلباً، ولا يصح أن يقال في اللغة على قلبهم، أما السمع فإنه يؤخذ منه المصدر فيقال: على سمعهم؛ لأنه قال هنا: ﴿خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ﴾ [البقرة:٧] ولم يقل: وعلى أسماعهم؛ بل أتى بها مفرداً أما القلب فلا يفرد. ثالثها: ولماذا أتى بالسمع قبل البصر؟ لأن آلة السمع في العلم أقوى من آلة البصر، قال : ﴿وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لا تَعْلَمُونَ شَيْئاً وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [النحل:٧٨] فبدأ بالسمع؛ ولذلك من يستخدم آلة السمع في طلب العلم يكون أقوى ممن يستخدم آلة البصر، ووجد أن العمي أذكى الناس؛ إذا استخدموا أسماعهم بعد تقوى الله في السماع، والسماع الذي تسمعه أنت أقوى من القراءة التي تقرأها، وحضورك للدرس وسماعك له أقوى من نظرك في الكتاب حين تقرؤه، لأنها تشترك الآلات جميعاً في استقبال الصوت وهذا مجرب وملحوظ، فالله بدأ بالسمع قال : ﴿خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ﴾ [البقرة:٧] ولم يقل: أسماعهم؛ لأنه يجوز أن يجعلها مفرداً هنا، وليس فيه ثقل في العربية، أي: في البلاغة، وأما لو قال: على قلبهم، فإنه لا يستقيم. ﴿وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ﴾ [البقرة:٧] هنا الأبصار الذي يظهر -والله أعلم- أنها هذه الأبصار التي يرون بها، ليست البصائر ولو أنه قد يقال: إنها البصائر.

стр. 4681

الغشاوة في القرآن وقوله: ﴿وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ﴾ [البقرة:٧] والغشاوة ثلاثة أقسام: غشاوة الكفر وهي أعظمها، وغشاوة الكبائر وهي بعد تلك الغشاوة، وغشاوة الصغائر، هذا الغشاوات من سلم منها؛ فقد أفلح ونجا في الدنيا والآخرة: ﴿وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [البقرة:٧] قال أهل العلم: أي: على أبصارهم غشاوة في الدنيا ولهم عذاب عظيم في الآخرة.

стр. 4682

المنافقون وصفاتهم ثم يقول : ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ﴾ [البقرة:٨] الآن يبدأ بذكر المنافقين وصفاتهم وسوف نمر بها في القرآن في هذا الدرس إن شاء الله وقوله: (وَمِنَ النَّاسِ) لم يقل : آل فلان أو المنافقون، لأن التشهير ليس من أسلوب القرآن ولا السنة، وإنما شهَّر ببعض الناس في القرآن كفرعون؛ لأنه شهَّر بنفسه، وقارون وأبو لهب أما غيرهم فلم يشهر بهم في القرآن، والرسول ﷺ كان يصعد المنبر ويقول: ما بال أقوام يفعلون كذا وكذا ولا يسميهم. فقال : (وَمِنَ النَّاسِ) وقيل: السر فيها لحقارتهم فإنهم لا يذكرون، ولذلك إذا أردت أن تتكلم عن بعض الناس لتهون من شأنهم، تقول: بعض الناس يقولون كذا وكذا لكنك إن قلت آل فلان بن آل فلان يقولون: كذا وكذا أو فلان ابن فلان يقول كذا وكذا، كأنك رفعت قدره. والبخاري في كتاب الحيل في الصحيح أتى بهجوم أدبي، على بعض الأحناف، يقول كثيراً: قال بعض الناس: يعني: خطَّأ آراءهم، ولذلك أتى حنفي في القرن الخامس كتب كتاباً اسمه المقياس في الرد على من قال بعض الناس يقصد البخاري، فـ البخاري يهون من شأن آرائهم، يقول: من هم هؤلاء حتى يردون على السنن، فيقول: قال بعض الناس غفر الله للجميع. المتنبي له طرفة يقولون: هجاه ثمانون شاعراً فقالوا: لماذا لا ترد عليهم؟ قال: ما سمعتهم حتى أرد عليهم، يعني: من هم؟ لأنه لو رد عليهم لضخمهم، ولذلك إذا أردت أن تميت الإنسان فاتركه. إذا نطق السفيه فلا تجبه فخير من إجابته السكوت فإن جاوبته فرجت عنه وإن أغفلته كمداً يموت لم يقل الشاعر: (أغفلته) لكن هذه الأقرب، وبعض القراء: يقرءون في سورة الدخان (مَنْ فرعون) والقراءة الصحيحة ﴿مِنْ فِرْعَوْنَ إِنَّهُ كَانَ عَالِياً مِنَ الْمُسْرِفِينَ﴾ [الدخان:٣١] فبعضهم يقرأ (مَن فرعون) استخفافاً واحتقاراً، فلذلك يقول الله : (وَمِنَ النَّاسِ) استخفافاً بهم واحتقاراً لهم وسوف يأتي الاحتقار بهم.

стр. 4683

معاني الشهادة في القرآن الكريم يقول: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ﴾ [البقرة:٨] أي: أن أناساً شهدوا فأورد الله شهادتهم في القرآن، ثم كذبهم وكذب شهادتهم، وهؤلاء هم المنافقون، يقول ﴿إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ﴾ [المنافقون:١] أورد شهادتهم وأورد الشهود ثم كذبهم وكذب الشهادة، وهناك أناس قبل الله شهادتهم ثم أدخلهم والشهود في النار فمن هم؟ الجلود ﴿وَقَالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنَا﴾ [فصلت:٢١] قبل الله شهادتهم فأدخلهم وشهودهم النار، وهناك شاهد استشهده الله وهو صغير فقبلت شهادته، وهو الغلام الذي في بيت يوسف لما قال: ﴿وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ أَهْلِهَا﴾ [يوسف:٢٦] وأناس عامة شهدوا، فقبلت شهادتهم قبل أن يزكوا ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيهَا وَالْعِيرَ الَّتِي أَقْبَلْنَا فِيهَا وَإِنَّا لَصَادِقُونَ﴾ [يوسف:٨٢] إلى غيرها من الآيات، وهذه أقسام الشهادة في القرآن، قال : ﴿إِلَّا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [الزخرف:٨٦]. فالمنافقون، قال : ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ [البقرة:٨] لماذا لم يقولوا: آمنا بالرسول؟ لأن السورة تتكلم عن الله واليوم الآخر، والإيمان به ﷺ يدخل في الإيمان باليوم الآخر. يأتي عبد الله بن أبي إلى الرسول ﷺ فيقول للصحابة: اسمعوا للنبي، وهو كاذب، ويأتي أحدهم فيقول: إني أحبك، فيكشفه الله . الجد بن قيس يأتون له فيقولون: تعال يستغفر لك رسول الله ﷺ ، أو يبايعك وقد ضاع جمله، فقال: والله لأن ألقى جملي أحب إلي من بيعتي لمحمد، وهو منافق، وقالوا له: تعال يستغفر لك ما دام صدرت منك الكلمة هذه، فأعرض برأسه خاف أن يقول: لا. بالحروف، لكن نقلت الصورة، قال : ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا يَسْتَغْفِرْ لَكُمْ رَسُولُ اللَّهِ﴾ [المنافقون:٥] ماذا قالوا؟ ﴿لَوَّوْا رُؤُوسَهُمْ﴾ [المنافقون:٥] خاف أن يقول: لا. لن آتي، فيأتي الوحي من جبريل فيخبر الرسول ﷺ يقول: الجد بن قيس يقول: لا. لن يأتي، قال : ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا يَسْتَغْفِرْ لَكُمْ رَسُولُ اللَّهِ لَوَّوْا رُؤُوسَهُمْ وَرَأَيْتَهُمْ يَصُدُّونَ وَهُمْ مُسْتَكْبِرُونَ﴾ [المنافقون:٥].

стр. 4684

بعض صفات المنافقين في القرآن قال : ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ﴾ [البقرة:٨] كيف يقولون باللسان ما ليس في القلوب؟ آمنوا بألسنتهم وكفروا بقلوبهم، وصفات المنافقين في القرآن كثيرة منها: أولاً: ﴿يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ﴾ [النساء:١٤٢]. ثانياً: ﴿وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ﴾ [آل عمران:٥٤]. ثالثاً: قوله : ﴿وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلاةِ قَامُوا كُسَالَى﴾ [النساء:١٤٢]. رابعاً: ﴿يُرَاؤُونَ النَّاسَ وَلا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلاً﴾ [النساء:١٤٢]. خامساً: ﴿مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذَلِكَ لا إِلَى هَؤُلاءِ وَلا إِلَى هَؤُلاءِ﴾ [النساء:١٤٣] مرة مع الفسقة ومرة مع الأخيار، إن جلسوا مع المتقين قالوا: ما أحسن الإسلام! وما أحسن القرآن! وما أحسن هذه المجالس! لقد استفدنا فائدة ما كنا ندري بهذا! فإذا رجع إلى أصحابه -وسوف يأتي ذلك في آخر السورة- قال: جلسنا مع أناس متخلفين حدثونا بأساطير عن آبائهم وأجدادهم، هذه الرجعية التي يتكلمون بها إلى غير ذلك من التهم. سادساً: أنهم يعتنون بالأجسام وبالظواهر أكثر من المخابر يقول : ﴿وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ وَإِنْ يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ﴾ [المنافقون:٤] إنهم يشغلون أوقاتهم في الشارات والصور فقط أما الباطن فلا. لا بأس بالقوم من طول ومن قصر أجسام البغال وأحلام العصافير أتى وفد من فارس على ابن مسعود -وفد من كسرى- فدخلوا هذا الوفد يتلامعون من البياض والنظرة واللبس، فقال بعض الصحابة: انظر لهؤلاء! قال ابن مسعود: [[ترى الكافر بطيناً سميناً غشوماً ظلوماً، وترى المؤمن هزيلاً ضعيفاً مؤمناً تقياً]] وليس هذا دائماً بالاستطراد، فإنك قد تجد منافقاً هزيلاً ضعيفاً، وقد تجد مؤمناً سميناً بطيناً قوياً، لكن هذه فطر في الغالب، لكن أولئك يعتنون بالمظاهر ﴿وَإِنْ يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ﴾ [المنافقون:٤] أي: فصحاء. وعند الترمذي عنه ﷺ قال: ﴿البذاء والبيان شعبتان من النفاق، والعي والحياء شعبتان من الإيمان﴾ أي: العي إنسان لا يتحدث، خجول في المجالس، فيه إيمان وحياء والبذاء والبيان شعبتان من النفاق إذا علم هذا فوصفهم الله بهذه الأوصاف ﴿وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ وَإِنْ يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ هُمُ الْعَدُوُّ﴾ [المنافقون:٤] يقولون: صيحة عليهم، أي: إنهم يخافون من الأحداث، ولذلك المنافق الآن إذا وقع شيء في الدنيا كأنه وقع في بيته. ترتفع الأسعار يموت، ودائماً حديث الساعة عنده في المجالس: سمعنا بارتفاع الأسعار، سمعنا بكذا، سمعنا بكذا، نخاف من الحروب هذه، نخاف من الزلازل؛ لأنه يريد الحياة الدنيا فقط، لكن إذا ضيع الصلوات الخمس لا يخاف، وكثير من المسلمين منهم من يفسق، ومنهم لا يخاف من خروج المرأة متبرجة ولا يخاف من انتشار شريط الغناء، والفيديو الهدام ولا يخاف من المجلة الخليعة، لكنه يخاف من الأرزاق والأمطار والأشجار لأن همه الأكبر أن يأكل مثل الدابة ﴿ذَرْهُمْ يَأْكُلُوا وَيَتَمَتَّعُوا وَيُلْهِهِمُ الْأَمَلُ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ [الحجر:٣]. قال : ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ﴾ [البقرة:٨] حكم الله عليهم أنهم كفرة، لأنهم ﴿يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ﴾ [البقرة:٩] الخداع معناه الفساد، هو في أصله من الخدع، أي: من الفساد، قال : (يُخَادِعُونَ) ولم يقل يخدعون؛ لأن يخادعون غير يخدعون فأنا أقول لك أنا أخادعك يعني أحاول خداعك، وخدعتك أي: أوقعتك في الخديعة حقيقة، فالله يقول: ﴿يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ﴾ [البقرة:٩] ويقول هناك: ﴿يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ﴾ [النساء:١٤٢] أي: أثبت أنه خدعهم حقيقة، وأما هم فجعلهم يحاولون ولكن ما لم يستطيعوا. فقوله ﴿يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ﴾ [البقرة:٩] كيف يخادعون الله؟ يقولون: نحن نحب الصلاة ويصلون وليس في قلوبهم إيمان، يأخذون المصاحف فيقرءون ولا يصدّقون بالقرآن، يحضرون مجالس الذكر ولكن مجاملة ورياء وسمعة وهم لا يريدون مجالس الذكر ولا العلم ولا الفقه في الدين، يظهرون النسك والخشوع وليس في قلوبهم نسك ولا خشوع، فهؤلاء يخادعون الله والذين آمنوا. و (ما يخدعون) يعني: حقيقة (إلا أنفسهم). قال: ﴿وَمَا يَشْعُرُونَ﴾ [البقرة:٩] كيف قال: (وما يشعرون) لماذا لم يقل: وما يعلمون؟ لأن الذي لا يشعر أعظم جهلاً من الذي لا يعلم. من يهن يسهل الهوان عليه ما لجرح بميت إيلام إنسان ميت وتأتيه بخنجر وتطعنه، هل يحس؟ لا، ولذلك (لا يشعرون) وهذا هو الجهل المركب، والجهل قسمان: جهل بسيط، وجهل مركب. والجهل البسيط: جاهل يعرف أنه جاهل، تقول له: أنت لا تحفظ الفاتحة، فيقول: صدقت أنا لا أحفظ الفاتحة. لكن تأتي إلى جاهل جهلاً مركباً تقول: أنت لا تحفظ -وهو لا يحفظ- فيقول: أنا؟! أنا أعلم الناس، أنا ماهر، أنا من أذكياء الدنيا. هذا جاهل جهلاً مركباً. قال حمار الحكيم توما لو أنصف الدهر كنت أركب وتوما هذا رجل حكيم، كان له حمار فتكلم الناظم على لسان حمار الحكيم توما: قال حمار الحكيم توما لو أنصف الدهر كنت أركب يقول: لو كان الدهر فيه إنصاف وعدل كان توما هو الحمار وأنا الراكب قال حمار الحكيم توما لو أنصف الدهر كنت أركب فإنني جاهل بسيط وصاحبي جاهل مركب أي: يقول: أنا جاهل وأعلم أني جاهل لكن صاحبي جاهل ولا يدري أنه جاهل.

стр. 4685

أقسام الناس من حيث العلم والجهل والخليل بن أحمد هو أحد أذكياء الدنيا، هذا العروضي الذي أتى بستة عشر بحراً، كان ذكياً حلف بالله قال: لأضعن حساباً، علم الحساب أضعه حتى تذهب الجارية إلى البقال فلا يظلمها -الجارية البنت الصغيرة- تذهب إلى البقال من عنده فلا يستطيع أن يظلمها مهما كان ذكياً وبقي يفكر حتى دخل المسجد مرة فارتطم بالسارية فوقع دماغه في الأرض فمات، والخطأ منه ليس من السارية لأن السارية واقفة. كان زاهداً عابداً ولكن أحب علم العروض يقول: تن تن تن يعني: البحور مستفعل مستفعل مستفعل فيتنتن، فدخل ابنه فلما رأى أباه يتنتن ذهب عند أمه وولول، وقال: أبي جُنَّ الليلة، قال الخليل بن أحمد لابنه: لو كنتَ تعلم ما أقول عذرتني أو كنت أعلم ما تقول عذلتكا لكن جهلت مقالتي فعذلتني وعلمت أنك جاهل فعذرتكا يقول أنت لا تعرف ماذا أفعل؟ وأنا لا أعرف أنك سفيه، فأنت تعذلني وأنا أعذرك، هذا معنى كلامه، كان من الأذكياء الكبار، الشاهد أنه لما توفي رُئي في المنام ﵀ وهذه ذكرها الخطيب البغدادي في كتاب اقتضاء العلم العمل -قالوا: ما فعل الله بك؟ قال: تعرفون علم العروض؟ قالوا: نعم نعرفه قال: ما نفعني عند الله بشيء قالوا: ماذا نفعك؟ قال: كنت أعلم سورة الفاتحة عجائز في قريتي. ذهب التنتن والدندن، يعني: ليس في الحسنات، هو صحيح قد يفيد في الشعر لكن هل يوضع في سجل الحسنات؟ هل الأمة متوقفة حتى تعرف تن تن ودن دن؟ لا. فالأمة تعيش بدون تن تن ودن دن، ولذلك أذهب أبو الفرج الأصبهاني وقته وحياته في كتاب الأغاني من التنتنة والدندنة ولو أن فيه فوائد. يقول الخليل بن أحمد: الناس أربعة: رجل يدري ويدري أنه يدري، والثاني: يدري ولا يدري أنه يدري، والثالث: لا يدري ويدري أنه لا يدري، والرابع لا يدري ولا يدري أنه لا يدري، يقول: هذه أقسام الناس. فأما الأول قال: فهو عالم فاسألوه، إنسان يدري ويدري أنه يدري، يعني يعرف ويعرف أنه يعرف، فهذا واثق من نفسه عالم تذهب إليه تقول هل تعلم هذا؟ قال: نعم أعلم علم الكتاب والسنة وأنا واثق من نفسي وأقول على حقيقة ودليل وبرهان، فهذا عالم فاسألوه. أما الثاني: فغافل فنبهوه، أي رجل غافل عنده علم ولكن لا يدري بذلك، يقول: ليس عندي شيء، مع أن عنده حصيلة طيبة من علم الكتاب والسنة ويفهم كثيراً من القضايا، لكن يقولون: تحدث أثابك الله، يقول: ما عندي شيء، قالوا: صل بنا الليلة، قال: أنا لا أعرف أصلي بكم، فلا يدري أنه يدري، قال: فهذا غافل فنبهوه، قولوا: عندك خير، عندك علم، عندك نفع للناس. أما الثالث: فهذا جاهل فعلموه، إنسان مسكين يقول: أنا ليس عندي علموني ما عندي شيء، فيقول له الناس: أنت لا تعرف تصلي قال: صدقتم كيف كان يصلي ﷺ ؟ هذا جاهل فعلموه. وأما الرابع: فهو الطامة الكبرى والمصيبة الدهياء: وهو الذي لا يدري ولا يدري أنه لا يدري، وهو الجاهل المركب، يقال له: أنت جاهل، قال: أنا جاهل؟! بل أنا عالم من العلماء، أنت لا تعرف شيئاً، قال: أنا حافظ من حفاظ الدنيا، فهذا هو الجاهل المركب، قال : ﴿وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ﴾ [البقرة:٩] إنهم يخدعون أنفسهم، يقول: أحد الشعراء يسب أعداء ابن تيمية: ولو أنه جهل بسيطٌ عذرته ولكنه يدلي بجهل مركب وقوله و (وما يشعرون) في الكلام تقدير أي: وما يشعرون أنهم يخدعون أنفسهم. ثم قال : ﴿فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾ [البقرة:١٠] تقديم الجار والمجرور يقتضي الحصر، إذا قلت: في البيت محمد أبلغ من قولك: محمد في البيت، وهذه من صور الحصر.

стр. 4686

صفات النفاق العملي قال : ﴿فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾ [البقرة:١٠] أمرض الشهوة هنا أم مرض ماذا؟ هو مرض النفاق -نعوذ بالله من النفاق- وللنفاق علامات في الجوارح منها التكاسل عن الصلاة، والخلف في الميعاد، والكذب في القول، والغدر في العهد، والفجور في اليمين، كما في الحديث: ﴿ثلاث من كن فيه كان منافقاً خالصاً ومن كانت فيه خصلة كانت فيه خصلة من النفاق حتى يدعها﴾ هذه صور النفاق، ويسمى هذا النفاق المذكور في الحديث: النفاق العملي، ﴿إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا اؤتمن خان﴾ فمن استكمل فيه كان منافقاً نفاقاً عملياً. أما النفاق الاعتقادي، فهو: الكفر الذي يخلد في النار مثل الذي يكذب بالقرآن، يقول: هذا القرآن ما نزل من عند الله، هذا منافق نفاقاً اعتقادياً، صاحبه خالد مخلد في النار، ومثل أن يكذب بالرسول ﷺ ، أما الذي يكذب في القول ويخلف في الوعد فهو منافق نفاقاً عملياً، ومن النفاق العملي حب أعداء الله، قد تجد بعض الناس مصلياً صائماً قائماً، يذكر الله، ويتلو القرآن، ولكن يحب الخواجات، قلبه معلق بالكفار، لا يتحدث في المجالس إلا عن أمريكا وأوربا، ترده إلى مكة يطير بك إلى واشنطن تأتي به إلى المدينة المنورة يذهب بك إلى لندن، يقول: كم عندهم من التقدم؟! كم عندهم من التنسيق؟! كم من الوفاء؟! كم من الصدق؟! كم من الإخلاص؟! هذا منافق نفاقاً عملياً.

стр. 4687

صفات أخرى للنفاق العملي يذكر ابن تيمية من أنواع النفاق من يحب لغات الكفار، حتى تجد بعض الناس الآن هذا الجيل لا يحب أن يتكلم إلا الإنجليزي، سبحان الله! هو لا يعرف شيئاً لكن يحب أن يتكلم ويرطن بلغتهم ويقدمها على اللغة العربية وهذا من علامات النفاق؛ لأن الذي لا يحب العربية معناه أنه لا يحب القرآن؛ لأنها لغة القرآن فهذه من علامات النفاق التي وقعت، ومنها أمور أخرى مثل حب ملابسهم، فهو يحب البنطلون دائماً، ولبس البنطلون ليس حراماً لكن لباسنا المعروف هي: الثياب، لكن يأتينا واحد يلبس البنطلون دائماً، فنحن نشك فيه ونقول: عنده نفاق عملي، لأنه لا يحب البنطلون إلا لأنه يحب أهله وهذا فيما إذا كان ليس بجاهل. أحب بني السمراء من أجل حبها ومن أجلها أحببت أخوالها كلبا يقول: حتى كلاب حيهم أحبها من أجل حب أهلها، ويقول مجنون ليلى: وما حب الديار شغفن قلبي ولكن حب من سكن الديارا فالمؤمن يحب مكة والمدينة ليس من أجل حجارتها السود، لا والله، بل من أجل من مشى على ترابها، سادة العالم وقادة البشرية ومفاتيح الخير ومشاعل الحق: أبو بكر وعمر وعثمان وعلي مع صاحبهم الكبير عليه أفضل الصلاة والسلام، والكفر يبغض ولذلك يقول ﷺ ﴿أحد جبل يحبنا ونحبه، وعير من جبال النار﴾ فلذلك المؤمنون يحبون جبل أحد لا لحجارته وترابه لكن لأنه يحبه ﷺ ، والدبا يأكله أنس فقالوا: ما لك؟ قال: [[أحبه لأني رأيت الرسول ﷺ يتتبعه في الصحفة فأنا أحبه]] والضب كثير من الصحابة لا يأكله، وكانوا يأكلونه، قالوا: ما لك؟ قال: [[كرهه الرسول ﷺ فأنا أكرهه]] فحب ما يحب الله من علامة الإيمان، وحب ما يبغضه الله من علامة النفاق، هذا لا بد أن يبين. قال : ﴿فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضاً وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ﴾ [البقرة:١٠] فيها إثبات زيادة الكفر وأن الكفر درجات، وأن النفاق درجات، وأن الإيمان درجات بمفهوم المخالفة، لأنه مر معنا أن الله يزيد الذين آمنوا إيماناً، ويزيدهم هدىً، وهنا يزيد الله المنافقين نفاقاً، فهم درجات، منهم في المركز الأول، ومنهم من يحمل دكتوراه في النفاق، ومنهم ماجستير، ومنهم من عنده مسحة من النفاق، ومنهم من عنده واحد في المائة، فهم درجات ﴿هُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ اللَّهِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ﴾ [آل عمران:١٦٣]. ولا يخلو أحد في الغالب من شيء من النفاق، ولذلك يقول عمر ﵁ وأرضاه لـ حذيفة كما في صحيح البخاري: [[أسألك بالله يا حذيفة، أسماني رسول الله ﷺ من المنافقين؟ قال: لا، ولا أزكي أحداً بعدك]] فالنفاق كما قال الحسن البصري كما في صحيح البخاري: [[ما خافه إلا مؤمن ولا أمنه إلا منافق]] المنافق الآن إذا جئته وقلت: أنت منافق! فإنه يقاتلك، يقول: أنا منافق؟! وإذا قلت لبعض المنتسبين إلى الإسلام الذي بلغ درجة الكفر وهو في بلاد المسلمين لا يصلي أبداً، يا كافر! فإنه يقاتلك، والمؤمن إذا أتيت تقول له: أخشى عليك من النفاق، يتأثر وينكسر قلبه، ويخاف منه ويقول: نعوذ بالله، نسأل الله العافية، يارب رحماك وعفوك، إذاً النفاق ما خافه إلا مؤمن ولا أمنه إلا منافق. ومن علامات النفاق: الاستهتار بالذنوب والخطايا، قال ابن مسعود: [[المؤمن يرى ذنوبه كأنها جبل يريد أن يسقط عليه، والمنافق يرى ذنوبه كأنها ذباب قال به هكذا فطار من على أنفه]] يرتكب الكبائر ويقول الحمد لله نحن على خير، ونسأل الله الخاتمة الحسنة، والله غفور رحيم والناس كلهم في صلاح وخير، ورحمة الله وسعت كل شيء، لكن لا يذكر أن الله شديد العقاب. ولكن المؤمن إذا أتى بخصلة فتراه دائماً يعض أنامله ويندم ويبكي ويتأثر، فهذه من علامات الإيمان وتلك من علامة النفاق، وقد ورد في حديث لـ عمر وبعضهم يرفعه وبعضهم يوقفه عليه ﴿من سرته حسنته، وساءته سيئته فهو المؤمن﴾ فمثلاً أنت إذا صليت بخشوع فرحت فأنت مؤمن، وإذا تصدقت انشرح صدرك فأنت مؤمن، وإذا وصلت رحمك فانشرح صدرك فأنت مؤمن وإذا أسأت بكلمة أو بنظرة فندمت فأنت مؤمن، إن شاء الله، وهذا ميزان. قال : ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ﴾ [البقرة:١٠] يقول ابن تيمية شيخ الإسلام: مبنى النفاق على الكذب، أي أن الكذب بني على النفاق ولذلك أكذب الناس أقربهم إلى النفاق، وأكثر الناس نفاقاً أكثرهم كذباً، فالكذب ابن عم النفاق. رضيعي لبان ثدي أم تقاسما بأسحم داج عوض لا نتفرقا الكذب والنفاق أولاد عم رضعا من ثدي واحد، وهو ثدي الكفر والخبث -والعياذ بالله- فما يأتي الكذاب إلا منافقاً والمنافق إلا كذاباً، ولذلك الشجاع لا يكذب أبداً، وممن وصف بالصدق في التاريخ أناس كثير، حتى ولو كان في الصدق حتفهم منهم: زر بن حبيش أحد الرواة العلماء الصادقين الصالحين العباد، قال الحجاج بن يوسف: أيكذب أحد من الناس؟ قالوا: لا ندري إلا أن زراً لن يكذب أبداً قال: لأحوجن زراً إلى أن يكذب هذا اليوم، فقال: أين أبناؤه؟ قال الناس: أبناؤه في بيته، قال: سوف أقول له: سوف أقتلهم؛ فإنه بذلك سوف يخفيهم ويكذب، فأرسل إليه الجنود فأتوا بـ زر وهو شيخ كبير قال: أبناؤك خرجوا علينا وفعلوا وفعلوا ثم حلف الحجاج لأقتلنهم أين هم؟ قال: هم في البيت، فتبسم الحجاج قال: إن كذب أحد فلن يكذب زر أو كما قال، يعني من صدقه لن يكذب أبداً. يقول الإمام أحمد: الصدق كالسيف لو وضع على جرح لبرى، ولذلك بلغ الله الصادقين منازل الصدق، وبلغ الكاذبين منازل الكذب -نعوذ بالله من الكذب- وإن في المعاريض لمندوحة عن الكذب، إذا ألجئت إلى مسألة وأردت ألا تكذب فعليك بالمعاريض، وهو أن تعرض بكلامك إلا في الحقوق فإنه لا يجوز لك أن تذهب إلى القاضي وتكذب في الظاهر وأنت تريد أمراً في الباطن؛ لأن في الحديث الصحيح ﴿يمينك على ما صدقك به صاحبك﴾ مثلاً: إذا ضربت أحداً بالعصا، فيأتي القاضي فيقول لك: كيف تضربه بالعصا؟ تقول: ما ضربته، فتقول: والله الذي لا إله إلا هو أني ما ضربته يعني: تقصد في نيتك ما ضربته بيدي، لكن العصا ضربته، -وهذا ما يفعله بعض الناس- ويقول: ما حلفت على هذا لكن حلفت على هذا، يقول لك: لماذا غيرت منار الأرض من مكان إلى مكان؟ قال: والله الذي لا إله إلا هو ما غيرته، يعني: أنه ليس هو لكنه ابنه، وهذه من المعاريض المحرمة لأخذ حقوق الناس. لكن المعاريض المباحة تكون في عدم أخذ الحقوق وأموال الناس مثلما حصل لـ مطرف بن عبد الله وهو أحد العلماء لما غضب عليه الحجاج بن يوسف وأرغى وأزبد وأرعد وأراد أن يقتله قال: عليَّ بـ مطرف، فأتى مطرف فدخل عليه يريد أن يقتله؛ لأنه يقول: إنه مع الذين خرجوا عليه، قال: لماذا لم تأتنا؟ قال: والله ما رفعت جنبي منذ أن فارقتك إلا ما رفعه الله، وهو صادق، ما يرفع الإنسان جنبه إلا ما رفعه الله، فصدقه الحجاج، يقول: ما رفعت جنبي يعني: كأنه من المرض إلا ما رفعه الله. الإمام أحمد أتى إليه في أيام الفتنة جندي أرسله المعتصم يريد أخذ الإمام أحمد فطرق الباب فقام تلميذ الإمام أحمد وقال: إن أحمد ليس هنا وأشار بيده إلى كفه من وراء الباب، وهو صحيح وهذه من معاريض الأذكياء ولـ ابن الجوزي كتاب يسمى كتاب الأذكياء في المعاريض. ابن الجوزي دخل في حي للرافضة تعرفون الرافضة وهو لو تكلم بكلمة خطأ لقتلوه قالوا: أي الصحابة أفضل؟ فقال ابن الجوزي: أفضلهم الذي ابنته عنده، ثم سكت، فسكت أهل السنة وسكت الرافضة، أهل السنة يقولون ابنته أي: أبو بكر ابنته عند الرسول ﷺ والرافضة يقولون: ابنته أي بنت الرسول ﷺ عند علي فسكت، فهذه هي من المعاريض التي هي مندوحة عن الكذب هذا على قوله : ﴿بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ﴾ [البقرة:١٠].

стр. 4688

أقسام الإفساد عند المنافقين قال : ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ﴾ [البقرة:١١] في الآية إخبار وحصر، أما الإخبار فقوله : ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ﴾ [البقرة:١١] ما هو الإفساد في الأرض؟ الإفساد في الأرض على قسمين: إفساد بتعطيل الديانات، وإفساد بإرهاق الأنفس وقتلها، قال في سورة آل عمران: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ * وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الْفَسَادَ﴾ [البقرة:٢٠٤ - ٢٠٥] فما هو فساد هؤلاء؟ فسادهم في تعطيل الديانات والرسالات لا من إزهاق النفوس. قال : ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْض﴾) [البقرة:١١] إفساد المنافقين هو بتعطيل ما أنزل الله على رسوله وبتكذيب رسوله ﷺ ، وبإدخال الشك والريبة في قلوب المؤمنين وهذا أعظم فساد ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ﴾ [البقرة:١١] ما هو أصل الجواب؟ إنسان يقول لك: لا تفسد، الجواب أن تقول: أنا لا أفسد، لكن الأدهى والأمَرْ أن يقال لك: لا تفسد، فتقول: إنما أنا مصلح، لو قالوا: ما أفسدنا لكان أسهل، لكنهم: ﴿قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ﴾ [البقرة:١١] كما لو قلت للكافر: لا تكفر بالله، يقول: ما كفرت هذا يمكن أن تتفاوض معه، لكن أن يقول: إنما أنا مؤمن، فهذا من الطامة. قال : ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ﴾ [البقرة:١١] وهنا حصر " إنما " " نحن " بالضمير المنفصل وهو من أدوات الحصر (إنما نحن مصلحون) ما هو الجواب؟ قال : ﴿أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِنْ لا يَشْعُرُونَ﴾ [البقرة:١٢] وسوف نتحدث بعد قليل عن السر بين كلمة (يشعرون) و (يعلمون). يقول : ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ﴾ [البقرة:١١] قال أهل العلم إفساد المنافقين: بتكذيب الرسول ﷺ ، والتشكيك في رسالته، والاستهزاء به من خلفه. ١/ تكذيب الرسول ﷺ : الرسول ﵊ في الخندق يحفر وبه من الجوع ما لا يعلمه إلا الله، وضع حجرين على بطنه، والصحابة وضعوا حجراً حجراً فأتى الصحابة يشتكون إليه ورفعوا عن بطونهم فرأى الحجر فتبسم ﷺ ورفع ثوبه عن بطنه فإذا. ينزل ﷺ والأعداء من حوله حلقة، الكفار والمنافقون واليهود والمشركون: ﴿وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا﴾ [الأحزاب:١٠] أي القلوب التي في الصدور أصبحت في الحنجرة من كثرة الخوف، ومع ذاك الخوف يأتي ﷺ يأخذ المعول فيضرب به الصخرة فيلمع الشرر في الجو، فيقول: هذه قصور كسرى! فتحها الله عليَّ فيتضاحك المنافقون ويتغامزون، فقالوا: أحدنا لا يستطيع أن يبول من العدو ويقول: يفتح الله عليه قصور كسرى ﴿وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُوراً﴾ [الأحزاب:١٢] فيأتي ﷺ فيضرب الثانية فيلمع الشرر في الجو، فيقول: هذه قصور هرقل يعني ملك الروم وسوف يفتح الله عليَّ الأبيضين: الأبيض والأحمر يعني الذهب والفضة، فيضحكون ويقولون: يفتح الله عليه قصور هرقل! وبعد خمس وعشرين سنة يفتحها الله عليه. ٢/ الاستهزاء بالصالحين: من استهزائهم ما قاله عبد الله بن أبي حين اختلف أجيران أحدهما أنصاري والآخر مهاجري على ماء فتضاربا فكسع المهاجري الأنصاري فقال عبد الله بن أبي: صدق القائل: (سمن كلبك يأكلك، وجوع كلبك يتبعك) يعني: أن الصحابة لما أتوا من مكة كانوا جياعاً، فأطعمناهم حتى سمنوا فأكلونا، فذهبوا بكلامه إلى الرسول ﵊. ويقول أيضاً: ﴿يَقُولُونَ لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ﴾ [المنافقون:٨] يقول: إذا رجعنا سوف نخرج هؤلاء المهاجرين، فوصل الكلام إلى الرسول ﵊ فسكت، فقال عمر: يا رسول الله اقتله فإنه منافق، فقال ﷺ : سوف يتحدث الناس أن محمداً يقتل أصحابه. فأتى ابنه البار الراشد ابن عبد الله هذا واسمه عبد الله لكن الله ﴿يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَمُخْرِجُ الْمَيِّتِ مِنَ الْحَيِّ﴾ [الأنعام:٩٥] أرأيت الشوك يوم يخرج منه الورد، هذا المنافق أتى من صلبه مؤمن يحمل السيف، ويقول: يا رسول الله، لا تأمر أحداً بقتل أبي فوالله الذي لا إله إلا هو، لا أطمئن في الحياة ولا أمشي على الأرض وأنا أرى قاتل أبي إلا قتلته، ولكن إن تريد رأس أبي هذا اليوم فوالله الذي لا إله إلا هو لآتينك برأسه، قال ﷺ : ﴿أإنك قاتله؟ قال: والله الذي لا إله إلا هو إن أمرتني بقتله لأقتلنه الآن -وصدق- فقال ﷺ : بل نترفق به﴾ يعني نصاحبه معروفاً، انظر إلى بعد النظرة، قال أحمد شوقي: المصلحون أصابع جمعت يداً هي أنت بل أنت اليد البيضاء وإذا رحمت فأنت أم أو أب هذان في الدنيا هم الرحماء وإذا أخذت العهد أو أعطيته فجميع عهدك ذمة ووفاء وتمد حبلك للسفيه مدارياً حتى يضيق بحبلك السفهاء وإذا خطبت فللمنابر هزة تعدو الندي وللقلوب بكاء وإذا غضبت فإنما هي غضبة في الحق لا ظغن ولا بغضاء وإذا سعيت إلى العدى فغضنفر وإذا جريت فإنك النكباء فلما أراد عبد الله بن أبي أن يدخل المدينة وقف عبد الله بن عبد الله ابنه عند مدخل المدينة فلما رأى أباه سل السيف أمامه وقال: [[والله الذي لا إله إلا هو، والذي شرف وجه محمد بالنبوة لا تدخل المدينة حتى يأذن لك الرسول ﷺ ، قال: ولم؟ قال: لأنك الأذل وهو الأعز -هو عكس الآية عليه- فذهبوا إلى رسول الله ﷺ ، فأذن له أما إذا أذن لك رسول الله ﷺ فجز الآن]] يدخل هذا المنافق الكبير. في تبوك يأتي المنافقون فجلسوا في السمر، ودائماً إذا خلوا يخرجون ما في قلوبهم يقول : ﴿وَإِذَا خَلَوْا﴾ [البقرة:١٤] لم يقل: إذا ذهبوا، لأنهم يحبون الخلوات ويحبون الدياجير والساعات الحمراء مثل الماسونية وأذناب الصهيونية العالمية والقومية والعلمانية يحبون السمر من الساعة الثانية إلى الفجر دائماً: ﴿وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ﴾ [البقرة:١٤] وسوف يأتي من هم شياطينهم ولماذا وصفهم بالشيطنة؟ وماذا يفعلون في خلواتهم؟ فخلوا في آخر الليل يتضاحكون قالوا: ما رأينا كقرائنا أرغب بطوناً وأجبن عند اللقاء يقصدون قراء الصحابة. وفي الصباح ولكن الله السميع البصير أنزل جبريل وقال للرسول ﷺ : الحق بهؤلاء فقد احترقوا، يعني احترقوا في النار، أتى ﷺ ، فقال: ما لكم لماذا قلتم البارحة كذا وكذا؟ فأتوا يمسكون بحبل الناقة من أمامها ومن خلفها ويمسحون يد الرسول ﷺ : يا رسول الله! إنما كنا نخوض ونلعب، كنا نمزح فقال الله : ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ * لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ إِنْ نَعْفُ عَنْ طَائِفَةٍ مِنْكُمْ نُعَذِّبْ طَائِفَةَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا مُجْرِمِينَ﴾ [التوبة:٦٥ - ٦٦] ولذلك في الحديث ﴿رب كلمة يقولها صاحبها لا يلقي لها بالاً؛ تهوي به في النار سبعين خريفاً، ورب كلمة من الخير لا يلقي لها صاحبها بالاً يرفعه الله عنده في الجنة﴾. مثل إنسان يقول في المجلس وهو يريد أن يضحك الناس فيتكلم على عالم من علماء المسلمين، أو على سنة، أو على هيئات الصلاة، أو يتكلم عن صيام رمضان، أو عن بعض القضايا الإسلامية، كالقرآن والحرم أو أي شيء فيه اسم الإسلام هذه ربما تهوي به في النار ويحترق سبعين خريفاً لا ينجو من النار أبداً، يقول كلمة يكفر بها العبد ربما يستهزئ بسنة صغيرة من السنن فيدخل بها النار -والعياذ بالله، ونسأل الله العافية والسلامة- وابن الراوندي الملحد والقاسم بن عبيد الله أحد الوزراء الملاحدة كان وزيراً عباسياً وكان ملحداً، دخل عليه أحد العلماء: فتساءل هو وإياه، قال: في أي سورة هذه؟ قال: في سورة البقرة، قال الوزير: في بقرتكم أنتم، فقال هذا العالم: والله ما صدقت أنه ملحد إلا ذاك اليوم. والإمام أحمد قال له رجل: إن فلاناً يتنقص أهل الحديث ويسب أهل السنة طلبة العلم، قال: زنديق زنديق، وزنديق يعني: ملحد وقد يلحد الإنسان بكلمة والعياذ بالله. قال : ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ﴾ [البقرة:١١] هذه دعوى عريضة. والدعاوى ما لم يقيموا عليها بينات أصحابها أدعياء ﴿أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِنْ لا يَشْعُرُونَ﴾ [البقرة:١٢] انظر إلى الضبط (أَلا إِنَّهُمْ) بالتأكيد بـ (إن) المؤكدة، (هُمُ) الضمير المنفصل (الْمُفْسِدُونَ) بأل (وَلَكِنْ لا يَشْعُرُونَ) إنما قال: لا يشعرون، لأن الشعور مع الدقة والخفاء والعلم مع الشيء الجلي الواضح. ٣/ اتهام الصالحين بالسفه: قال : ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا كَمَا آمَنَ النَّاسُ﴾ [البقرة:١٣] أي إذا قيل للمنافقين: آمنوا كما آمن الناس، أي: الصحابة من المهاجرين والأنصار، وإذا قيل لشخص اهتدي كما اهتدى آل فلان قال: هم سفهاء متخلفون متطرفون متزمتون، وهذه أسماء تعرض دائماً لكن بألقاب تتغير مع مر التاريخ ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا كَمَا آمَنَ النَّاسُ﴾ [البقرة:١٣] يعني: الصحابة على رأي ابن كثير ومجاهد وغيرهم من العلماء ﴿قَالُوا أَنُؤْمِنُ كَمَا آمَنَ السُّفَهَاءُ﴾ [البقرة:١٣] السفيه الذي لا يملك رشده، والسفيه: الذي يضع الشيء في غير موضعه، وقد يكون الإنسان سفيهاً وهو كبير، يعني: لا يملك رشداً ﴿قَالُوا أَنُؤْمِنُ كَمَا آمَنَ السُّفَهَاءُ﴾ [البقرة:١٣] يقصدون بالسفهاء الصحابة -قاتل الله أولئك المنافقين- والصحابة هم الصحابة وأبصرهم وأكثرهم إشراقاً. وفي قوله: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا كَمَا آمَنَ النَّاسُ قَالُوا أَنُؤْمِنُ كَمَا آمَنَ السُّفَهَاءُ أَلا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاءُ) [البقرة:١٣] أعاد الله الضمير و (أل) ليحصر فيهم السفه ﴿وَلَكِنْ لا يَعْلَمُونَ﴾ [البقرة:١٣] هنا أتى بـ (لا) يعلمون، وهناك أتى بـ (لا يشعرون)؛ لأنه هنا أمر جلي وواضح أنهم هم السفهاء، ولكن هناك التبست عليهم الأمور فقال: لا يشعرون ﴿وَلَكِنْ لا يَعْلَمُونَ﴾ وهذا وذاك من الجهل المركب الذي لا يدري ولا يدري أنه لا يدري.

стр. 4689

ادعاء الإيمان أمام المؤمنين فقط ثم يقول سبحانه: ﴿وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا﴾ [البقرة:١٤] يأتون إلى الصحابة في مجالسهم عند الرسول ﷺ ، فيقولون: صدقت ﴿إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ﴾ [المنافقون:١] وهناك قال: ﴿وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [البقرة:١٤] ولم يقل: وإذا أتوا إلى الذين آمنوا، إنما قال: إذا لقوا، كأنهم لا يتعرضون للهداية بل هم لقوهم عرضة، كأنهم لا يذهبون لطلب العلم ولكن لقوهم في أي مكان ﴿وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا﴾ بماذا؟ بأفواههم ﴿وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ﴾ [البقرة:١٤] قال: خلوا والخلوة: هي الانزواء عن أعين الناس. إذا ما خلوت الدهر يوماً فلا تقل خلوت ولكن قل علي رقيب وإذا خلوت بريبة في ظلمة والنفس داعية إلى الطغيان فاستحي من نظر الإله وقل لها إن الذي خلق الظلام يراني فالخلوة عند الصوفية يسمونها الخلوة والجلوة، والخلوة، هي: الانزواء عن أعين الناس، يقول ابن تيمية: "ماذا يفعل أعدائي بي؟ أنا جنتي وبستاني في صدري، أنّا سرت فهي معي، أنا قتلي شهادة، وإخراجي من بلدي سياحة، وسجني خلوة " يعني: خلوة أختلي بها مع الله كما في الحديث: ﴿ورجل ذكر الله خالياً ففاضت عيناه﴾ يعني وحده؛ لأنه أبعد عن الرياء. فهذه الخلوة قال : (وَإِذَا خَلَوْا) يعني خلا بعضهم إلى بعض، (إِلَى شَيَاطِينِهِمْ) وهم رؤساء الضلالة، ولكل قوم شياطين، مثلاً الماسونية لها شياطين كبار، ولليهودية شياطين كبار، وهكذا والعلمانية والزنادقة هؤلاء الأساتذة والمنظرون وراء الكواليس وراء الأسوار في الليالي الحمراء ﴿وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ﴾ [البقرة:١٤] تضاحكوا و ﴿قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ﴾ [البقرة:١٤] كيف إنا معكم؟ يعني: معكم على معتقدكم ليس معكم بالجلوس، فهذا أمر معروف، إنا معكم يعني: على المعتقد والمنهج والسلوك والطريقة ﴿إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ﴾ [البقرة:١٤] أي: نستهزئ بالمؤمنين وقيل: مستهزئون بالعقيدة، وقيل: بالقرآن وقيل: بالرسول، والكلام كله صحيح. ﴿إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ﴾ [البقرة:١٤] هنا لم يقل: إنما نحن نستهزئ أو يستهزئون وإنما قال: مستهزئون؛ لأن الاسم يقبل الاستمرار أكثر من المصدر والفعل؛ لأنه اسم هنا يقبل الاستمرار والدوام أكثر من الفعل. وفي قوله تعالى: ﴿وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ﴾ [البقرة:١٤] أي: إلى كبرائهم قال ابن كثير - وقد أورد الأقوال- قال: هم رؤساؤهم من اليهود والمنافقين والمشركين وهو صحيح، وقيل: علماء اليهود وأحبارهم وقيل: هم رؤساؤهم في الدنيا، وكل المعاني صحيحة لكن الواحد منهم إذا كبر سمي شيطاناً، يقول أحدهم: وكنت امرأً من جند إبليس فارتقى بي الحال حتى صار إبليس من جندي نعوذ بالله! يقول: وكنت امرأً من جند إبليس، أي: كنت تابعاً له فارتقى بي الحال حتى صار إبليس من جندي، أورده ابن القيم في ذخيرة الصابرين، فالمقصود أن الشيطان لا يسمى شيطاناً إلا إذا بلغ الرأس في الضلالة، فإذا أصبح رأساً سمي شيطاناً، ولذلك يقول الناس للمسرف في اللعب: هذا شيطان، ويقولون للمخرب والمدمر: شيطان مناوب، ويقولون للخبيث: شيطان مخبث، فالشيطان هو الرئيس في الضلالة، قال : ﴿وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ﴾ [البقرة:١٤] معكم أي: على معتقدكم، يعني: في الباطن معكم وفي الظاهر مع المسلمين، ولذلك نحذر أنفسنا وإياكم من ذي الوجهين، وهو الذي يجلس مع قوم بوجه ومع آخرين بوجه أن يكون فيه نفاق وهو بلا شك فيه نفاق- وهذا من أشد الناس عذاباً كما في الصحيح. وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.

стр. 4690

مبشرون لا منفرون من أعظم أوصاف الدين الإسلامي أنه جاء بالتبشير لأتباعه. ومن رحمة الله بعباده أن أرسل إليهم رسولاً عزيز عليه ما فيه عنت لأتباعه، حريص عليهم وعلى هدايتهم، وهو بهم رءوف رحيم. وفي هذه المادة عرض لكثير من مواقف النبي ﷺ التي يظهر فيها بجلاء يسره في التعليم والتوجيه حتى مع العصاة.

стр. 4691

التبشير في الإسلام إن الحمد لله، نحمده ونستعينه، ونستغفره، ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. سلام الله عليكم ورحمته وبركاته. نعم، " مبشرون لا منفرون " عنوان هذه المحاضرة. بشرى لنا معشر الإسلام إن لنا من العناية ركناً غير منهدم لما دعا الله داعينا لطاعته بأكرم الرسل كنا أكرم الأمم لماذا هذا العنوان؟ لأن الله ابتعثنا مبشرين ميسرين، لا معسرين ولا منفرين، فإن زعم زاعم، أو ظن ظان أن الدعاة ينفرون الناس ويشددون ويكلفون، فقد أخطأ سبيله وضل سعيه، فأتباعه ﵊ يحملون البشارة، وقبل أن أبدأ بالموضوع أخبركم أني أحبكم في الله حباً عظيماً، وهو الحبل المتين الذي أتى به ﵊، والمعجزة الكبرى التي بثها في الناس، أن يجمع بين الأبيض والأسود، وبين الأبيض والأحمر، وبين الأشعث الأغبر والمرفه تحت مظلة: ﴿وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [الأنفال:٦٣] ولسان حالي هذه الليلة يقول: أنا الحجاز أنا نجد أنا يمنٌ أنا الجنوب بها دمعي وأشجاني بـ الشام أهلي وبغداد الهوى وأنا بـ الرقمتين وبـ الفسطاط جيراني وفي ربى مكة تاريخ ملحمةٍ على ثراها بنينا العالم الفاني في طيبة المصطفى عمري وواولهي في روضة المصطفى عمري ورضواني النيل معي ومن عمان تذكرتي وفي الجزائر آمالي وتطوان دمي تصبب في كابول منسكباً ودمعتي سفحت في سفح لبنان فأينما ذكر اسم الله في بلد عددت ذاك الحمى من صلب أوطاني ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة:٥] تلكم هي الكلمة التي بثها محمد ﵊ في الكون، ولكن أيضاً لماذا اخترت هذا العنوان؟، لأقول للمتسرع وللمتعجل: إننا مبشرون لا منفرون، وأقول للمتهجم المجرح: إننا مبشرون لا منفرون، وأقول للمكفر المفسق إننا مبشرون لا منفرون، وأقول لمن يسيء الظن بالناس ولا يقبل ما فيهم من حسن، ولا يمد الجسور معهم، ولا يمهد لهم حبال الود إننا مبشرون لا منفرون. إخوتي في الله! الأصل في الإسلام التبشير وآيات التبشير في القرآن أكثر من آيات التخويف والتحذير، وقد ذكر ذلكم الإمام النووي، ولما كتب كتابه رياض الصالحين جعل للرجاء بابين، وللخوف باباً واحداً فقط. إن العصاة والبعيدين عن الإسلام، أو الفجرة، أو المنافقين لا يمكن أن يعودوا إلا بتبشير، ولا يمكن أن يجروا إلى حلبة الإسلام إلا بتبشير، ولا يمكن أن تعالج التعاسة فيهم والندامة والخزي والقلق إلا بتبشير. الرسول ﵊ مبشر قبل أن يكون نذيراً ﴿وَمُبَشِّراً وَنَذِيراً﴾ [الأحزاب:٤٥] وهو يبشر الذين آمنوا وعملوا الصالحات، والقرآن مبشر ﴿كِتَابٌ أُنْزِلَ إِلَيْكَ فَلا يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنْهُ﴾ [الأعراف:٢] وذكر الله كتابه، فقال: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْراً كَبِيراً﴾ [الإسراء:٩]. المستقبل المشرق إنما يأتي بالتبشير، وقد ذكر الله في كتابه آيات البشرى وعلامات التبشير والعاقبة للمتقين، وأخبر رسوله بأنه سوف يفتح العالم، وبشر الرسول ﵊ أصحابه.

стр. 4692

الأصل في الإسلام التبشير ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة:٥] تلكم هي الكلمة التي بثها محمد ﵊ في الكون، ولكن أيضاً اخترت هذا العنوان لأقول للمتسرع وللمتعجل: إننا مبشرون لا منفرون، وأقول للمتهجم المجرح: إننا مبشرون لا منفرون، وأقول للمكفر المفسق إننا مبشرون لا منفرون، وأقول لمن يسيء الظن بالناس ولا يقبل ما فيهم من حسن، ولا يمد الجسور معهم، ولا يمد لهم حبال الود: إننا مبشرون لا منفرون. إخوتي في الله! الأصل في الإسلام التبشير، وآيات التبشير في القرآن أكثر من آيات التخويف والتحذير، وقد ذكر ذلكم الإمام النووي، ولما كتب كتابه رياض الصالحين جعل للرجاء بابين، وللخوف باباً واحداً فقط. إن العصاة والبعيدين عن الإسلام، أو الفجرة أو المنافقين لا يمكن أن يعودوا إلا بتبشير، ولا يمكن أن يجروا إلى حلبة الإسلام إلا بتبشير، ولا يمكن أن تعالج التعاسة فيهم والندامة والخزي والقلق إلا بتبشير. الرسول ﵊ مبشر قبل أن يكون نذيراً ﴿وَمُبَشِّراً وَنَذِيراً﴾ [الأحزاب:٤٥] وهو يبشر الذين آمنوا وعملوا الصالحات، والقرآن مبشر ﴿كِتَابٌ أُنْزِلَ إِلَيْكَ فَلا يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنْهُ﴾ [الأعراف:٢] وذكر الله كتابه فقال: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْراً كَبِيراً﴾ [الإسراء:٩]. المستقبل المشرق إنما يأتي بالتبشير، وقد ذكر الله في كتابه آيات البشرى وعلامات التبشير والعاقبة للمتقين، وأخبر رسوله بأنه سوف يفتح العالم، وبشر الرسول ﵊ أصحابه.

стр. 4693

صور من التبشير يا أخي! يا تلميذ محمد ﵊، يا جنديه في معترك الحياة! صح عنه ﵊ أنه نزل في الخندق في جوع ومجاعة، وربط على بطنه حجرين فأخذ المعول ليضرب الصخرة في وقت الأزمة الذي وصفه الله- بأنه: ﴿وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا * هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالاً شَدِيداً﴾ [الأحزاب:١٠ - ١١]. نزل ﵊ ليحفر والأحزاب تتجمع لغزو المدينة والكفر طغى والظالم اعتدى، فيضرب ﵊ بالمعول، فيبرق بارق فيبتسم ﵊ ويقول: ﴿أريت قصور كسرى وقيصر وسوف يفتحها الله علي﴾ فيتغامز المنافقون ويضحك اللاعبون، ويقولون: الواحد منا ما يجترئ من الخوف أن يبول، وهذا يريد أن يفتح قصور كسرى وقيصر، فقال الله عنهم: ﴿وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُوراً﴾ [الأحزاب:١٢] وبعد خمس وعشرين سنة يفتح أصحابه الدنيا، ويحكمون الدهر، وتنصت لهم المعمورة، ويصفق لهم التاريخ. أيضاً: يقول الله لرسوله ﵊ وهو في مكة: ﴿سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ﴾ [القمر:٤٥] وهذه بشرى النصر، ويقول لرسوله ﵊: ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ﴾ [فصلت:٥٣] وأراهم الله آياته في الآفاق، وعلم رسوله ﵊ تلكم الآيات. أيضاً وقف ﵊ يقول لأصحابه في مكة والحديث في الصحيحين من حديث صهيب: ﴿والذي نفسي بيده ليتمن الله هذا الدين حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت لا يخاف إلا الله والذئب على غنمه﴾ وحدث هذا. وفي السيرة لابن إسحاق يقول ﵊ وهو يطرد من مكة ويطرد من الطائف وتسيل أعقابه بالدماء ويتلفت إلى الناصر المعين إلى الله، ثم يقول: ﴿يا زيد إن الله جاعل لهذا الأمر فرجاً ومخرجاً﴾ ويحدث هذا الفرج والمخرج وينتصر ﵊، ويحكم الجزيرة العربية بمنهج رباني، بل ثلاثة أرباع الكرة الأرضية. وفي القرآن نهي مطلق عن التنفير، ونهي مطلق عن الحزن، ونهي مطلق عن اليأس والقنوط، قال أهل التربية: وهو اليأس قتل للإرادة. ولما ذكر أبو إسماعيل الهروي في منازل السائرين قال: ومن منازل ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة:٥] منزلة الحزن، قال ابن القيم: هذا خطأ ليس من منازل ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة:٥] منزلة الحزن، ولم يأمر به ولم يرضه، وكان الرسول ﵊ يستعيذ الله من الحزن، فيقول: ﴿اللهم إني أعوذ بك من الهم والغم، وأعوذ بك من العجز والكسل وأعوذ بك من البخل والجبن﴾ أو كما قال ﵊. قال : ﴿وَلا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلا تَكُ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ﴾ [النحل:١٢٧] وقال لرسوله ﵊: ﴿فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفاً﴾ [الكهف:٦] والبخع عند العرب هو قطع النخاع بشيء حاد، فيقول: لعلك تمزق دماغك حزناً عليهم، أنت منهي أن تحزن، لست عليهم بمصيطر، لست عليهم بوكيل، بلغ دعوتك ولا تكن فظاً، لا تجرح الهيئات، ولا الأشخاص، ولا الأجناس، ولا تكن عدواً للأمة، ولكن كن حبيباً للقلوب. أيضاً: نهى الأمة نهياً مطلقاً، فقال: ﴿وَلا تَهِنُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران:١٣٩] قال سيد ﵀ في الظلال: نحن الأعلون سنداً، والأعلون متناً، والأعلون منهجاً، والأعلون إرادة إلى آخر تلك الأعلون التي هي كالدرر جمعها أثابه الله.

стр. 4694

التيسير في الدين والتبشير روح يسري في القلب والعروق، ويصل إلى الإرادة فيحركها، بعث ﵊ من أصحابه مبشرين في العالم، وصح من حديث أنس عند البخاري ومسلم أنه ﷺ قال: ﴿يسروا ولا تعسروا وبشروا ولا تنفروا﴾. وعن أبي موسى الأشعري أن رسول الله ﷺ قال له ولـ معاذ: ﴿بشرا ولا تنفرا، ويسرا ولا تعسرا﴾. إذاً: هو منهج، فأين كثير من الدعاة من أمثالي من المقصرين عن هذا المنهج الرباني الرائد؟ إننا قبل أن نكون مؤدبين للناس، معزرين بالكلمات مجرحين، لا بد أن نكون محببين نقودهم إلى رضوان الله وإلى الجنة، وهذه هي مهمة الداعية، وهي مهمته ﵊ وهديه. وصح عنه ﵊ من حديث أبي هريرة: ﴿أنه قال: إن الدين يسر﴾ قال بعض العلماء -وهذه قاعدة- مقدمة من الرسول ﵊ ﴿إن الدين يسر، ولن يشاد الدين أحد إلا غلبه﴾ وضبطت ﴿ولن يشاد الدين أحداً إلا غلبه﴾. أي: إن الذي يريد أن يتعمق ويستولي على جزئيات الدين، وألا ينقص في أي مرحلة من مراحل الدين، أو أن يعبد ربه على أكمل وجه دون أن يثلم ثلمة، أو أن ينقص نقصاً، فلن يستطيع، أو أراد أن يأتي بجميع الطاعات والقربات والنوافل فلا يستطيع. ومن حديث بريدة عند أحمد -قال ابن حجر والحديث حسن- قال ﵊: ﴿عليكم هدياً قاصداً، فإنه من يشاد هذا الدين يغلبه﴾. أيضاً: من يشاد الدين في الدعوة ويريد أن يحول المجتمع إلى مجتمع رباني، وصنف من الملائكة، فليعلم أن مجتمع الرسول ﵊ ما تحول كله إلى مجتمع (١٠٠%) من الاستقامة والالتزام، فكان في عصره ﷺ الزناة وشربة الخمر والسارقون والخونة والمنافقون، ومع ذلك أصلح ﵊ ووجه، ولمح ولم يصرح وكان يقول: ﴿ما بال أقوام﴾. أيضاً: من حديث محجن بن الأدرع، وهو حديث حسن أيضاً، عند أحمد في المسند: ﴿إنكم لن تنالوا هذا الأمر بالمغالبة، وخير دينكم اليسرة﴾ وهذا منهج أيضاً للدعاة، فإن من يريد مغالبة المجتمع بأن يفرض سيطرته وكلمته يخطئ قال تعالى: ﴿لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ﴾ [الغاشية:٢٢] أي: أنت لا تحمل كرباجاً ولا عصاً ولا سيفاً ﴿لَسْتُ عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ﴾ [الأنعام:٦٦] ﴿وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ﴾ [يوسف:١٠٣]. قدم نصحك، وقدم كلمتك، فإن اهتدت القلوب فهذا هو المطلوب، وإن تولت، فأجرك كامل على الله و ﴿لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ﴾ [الغاشية:٢٢] ﴿أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ [يونس:٩٩]. أيضاً من حديث جابر عند البزار وفي سنده لين، لأن في سنده رجلاً عابداً لكن يهم في الحديث، يقول فيما يروى عنه ﵊: ﴿إن هذا الدين متين، فأوغلوا برفق فإن المنبت لا أرضاً قطع ولا ظهراً أبقى﴾ والمعنى: أنه شديد، والدخول فيه عميق، وهو طاقة تفجر، والذي يملك الدين بلا عقل يتفجر هو، ولذلك لا يحمل الدين إلا العقلاء، ويوم يحمله الحمقى يتفجرون ويتفجر بهم الدين.

стр. 4695

منهج الخوارج في التيسير الخوارج كانوا عباداً مسبحين مهللين، قراء صوام أهل صلاة، لكن كانوا حمقى بمعنى الكلمة. قال ابن تيمية: والسبب أن الخوارج أخذوا بظاهر القرآن وأبطلوا حقائق النصوص - لله درك! وهل هذا إلا الإبداع؟ صدقت! أخذوا بظاهر القرآن يقول ﷺ كما في صحيح مسلم عنهم: ﴿تحقرون صلاتكم إلى صلاتهم وقراءتكم إلى قراءتهم وصيامكم إلى صيامهم، يمرقون من الإسلام كما يمرق السهم من الرمية﴾. عبد الرحمن بن ملجم هذا الفاجر العنيد، كان يقوم من صلاة العشاء إلى صلاة الفجر، أُتي به بعد أن قتل علي بن أبي طالب - تلكم القتلة التي لا تزال جراحها في قلوب المؤمنين إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، وتبكي عجوز العراق مع السحر لما قتل علي وتقول: يا ليتها إذ فدت عمراً بـ خارجةٍ فدت علياً بمن شاءت من البشر يؤتى بـ عبد الرحمن هذا وفي جبهته كركبة العنز من كثرة العبادة، يسأله ودمه يسيل في الأرض- فيسبح الفاجر لئلا يضيع وقته في الحديث. عجباً لك يا فاجر! تقتل أكرم الناس، وأزهد الناس، وأخشى الناس في عهده وتسبح، حتى يقول عمران بن حطان -كلبهم-: يا ضربة من تقي ما أراد بها إلا ليبلغ من ذي العرش رضوانا هكذا معتقده إني لأذكره يوماً فأحسبه من أفضل الناس عند الله ميزانا قال شاعر أهل السنة: يا ضربة من شقي ما أراد بها إلا ليبلغ من ذي العرش خسرانا إني لأذكره يوماً فألعنه وألعن الكلب عمران بن حطانا هذه عقيدتهم، وهذا تصورهم، ماذا يفعلون؟ خُطَب الجمعة تكفير في علي، وتكفير في معاوية، وتكفير في عمرو بن العاص والصحابة كفار عندهم، العلماء مارقون ومنهزمون، هذا منهج ضال لا يرضاه رسولنا ﵊.
следующие страницы →