Полный текст (10 391 стр.). Показаны 4761–4800 · переход к 4766.
стр. 4761
أقسام الحب
إن الحمد لله, نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.
اللهم صل وسلم على من بعثته هادياً ومبشراً ونذيراً، وداعياً بإذن الله وسراجاً منيراً.
أمَّا بَعْد:
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وإن كان من شكر فإني أشكر الله ﵎ على أن أجلسني بين أساتذة وطلبة علم ودعاة، ثم أشكر لأهل الفضل فضلهم: ﴿ومن لا يشكر الناس لا يشكر الله ﵎﴾ فأشكر عميد هذه الكلية وهيئة التدريس، والأساتذة الدارسين، وأبدأ معكم موضوعي الذي هو: مفهوم الحب في الإسلام.
لقد جاء الإسلام فقنن وحدد العقائد والأفكار والتصورات والأخلاق، وضبطها ووجهها ولم يجعلها هملاً، وإنما هي موجهة من الواحد الأحد، فمن هذا المنطلق سوف نتكلم عن الحب وكيف وجهه الإسلام والرسول ﵊ ولم يتركه، لأن كثيراً من الناس ظنوا أنهم يحبوا من شاءوا وفي أي وقت شاءوا وهذا خطأ، وهل العقيدة والعبادة إلا حب؟!
وهذه المحاضرة تدور على ست مسائل:
أولها: المحبوبات عند الناس في القرآن الكريم
ثانيها: حب الكافر لغير الله .
ثالثها: ادعاء الحب, ومن ادعى الحب وكذب فيه.
رابعهاً: محبة الله ومحبة رسوله ﷺ أعلى المطالب وأغلى المقاصد.
خامسها: علامة حب الله والفاصل بين الذين يحبونه ولا يحبونه.
سادسها: هو الحب الرخيص الحقير التافه الذي هو شؤم وأذى ولعنة ومقت على أصحابه، وسوف نقف مع أهل الحب الرخيص الفنانين والفنانات، والمغنيين والمغنيات، وأين صرفوا حبهم؟! وماذا فعلوا بحبهم؟! وما هو جزاؤهم عند الله إن لم يتوبوا؟!.
ذكر الإمام البخاري: ﴿أن النبي ﷺ وقف على المنبر فتكلم -وهو يتكلم للناس في العقائد والعبادات- فلما انتصف ﷺ في حديثه وإذا بأعرابي يقاطعه فالتفت إليه ﷺ وقال: مالك؟ قال: متى الساعة؟ فسكت ﵊ فلما انتهى قال: ماذا أعددت للساعة؟ قال: يا رسول الله! والله ما أعددت لها كثير صلاة ولا صيام ولا صدقة, ولكني أحب الله ورسوله, فقال ﵊: المرء يحشر مع من أحب﴾ قال الحسن البصري معلقاً على الحديث: لا يخدعنكم الحب فحسب, فوالله الذي لا إله إلا هو لقد أحب قوم عيسى بن مريم حتى تألهوه فأدخلهم حبه النار، فهو حب بلا عمل.
وروى الغزالي في الإحياء عن ابن عمر أنه قال: [[والله, لو أنفقت أموالي غلقاً غلقاً في سبيل الله، وصمت النهار لا أفطره، وقمت الليل لا أنامه ثم لقيت الله، وأنا لا أحب أهل الطاعة، ولا أكره أهل المعصية، لخشيت أن يكبني الله على وجهي في النار]] فمن هذا المنطلق جعل الرسول ﵊ الحب عقيدة، ففي سنن أبي داود بسند صحيح عنه ﷺ أنه قال: ﴿من أحب لله وأبغض لله وأعطى لله ومنع لله؛ فقد استكمل الإيمان﴾ فهذه عقيدة وتصور وميول فمن صرفه لغير الله فقد أساء وتعدى وظلم.
والحب على قسمين:
الأول: فطري جبلي.
الثاني: كسبي سببي.
فأما الفطري الجبلي: هو حب جُبِل عليه العبد في ذلك، منها: حب الرجل الطعام، وحبه الماء، وحبه لابنه وزوجته.
أما الكسبي السببي: فهو الإرادي الذي يحاسب الله عليه العبد إذا صرفه لغير مرضاة الله ﵎.
ونقف قليلاً مع سؤال وجه لشيخ الإسلام ابن تيمية وذكره ابن القيم في روضة المحبين.
قال السائل: لماذا يقول الله : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيراً لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [الأنفال:٤٥] كيف يأمرهم بذكره وقت الأزمات، أما هناك وقت للذكر إلا وقت مصارعة الأعداء والمقاتلة؟ قال ابن تيمية: إن المحبين يتشرفون بذكر محبوبيهم وقت الأزمات، أما سمعت لقول عنترة لما يقول لمحبوبته:
ولقد ذكرتك والرماح نواهل مني وبيض الهند تقطر من دمي
فوددت تقبيل السيوف لأنها لمعت كبارق ثغرك المتبسم
فكان الجاهليون يتمادحون لأنهم يذكرون محبيهم وقت القتال, فأراد الله أن يحول هذا المعتقد الآثم إلى ذكره في وقت الأزمات، ولذلك أفضل الذكر يوم يذكر العبد ربه وقت ملاقاته لقرنه أو مصارعه أو مبارزه.
стр. 4762
المحبوبات في القرآن
يقول الله تعالى: ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ﴾ [آل عمران:١٤] فكل محبوبات الناس تدور على هذا، ولكن عند الله خير من هذا، ومن أحب هذا الشيء الذي ذكره الله، وأفنى حبه فيه وعبده، فليس له عند الله من خلاق، لأن الحب عبادة وإذا اجتمع مع الذل فهو كمال العبادة، ولذلك يقول ﵊: ﴿تعس عبد الدرهم، تعس عبد الخميلة، تعس عبد الخميصة﴾ والحديث عند البخاري في كتاب الجهاد ونصه عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ﴿تعس عبد الدرهم, تعس عبد الدينار، تعس عبد الخميلة، تعس عبد الخميصة، تعس وانتكس وإذا شيك فلا انتقش﴾ وإنما سماه ﵊ عبداً؛ لأنه صرف حبه لهذه الأمور حتى غلبها على حب الله، ومن الناس من يحب زوجته أكثر من حب ربه ﵎! وعلامة ذلك أن يقدم مطلوبها -ولو كان معصيته- على مطلوب الله سبحانه وتبارك.
من الذي أخرج حنظلة الغسيل من بيته وهو في أول يوم من عرسه إلى لقاء الله, وأتى إلى أحد وكسر جفن سيفه على ركبته، وقال: [[اللهم خذ من دمي هذا اليوم حتى ترضى]] إلا حب الله، وفي الأخير قال ﵊: ﴿سلوا أهل حنظلة عن حنظلة ماله، فسألوهم، قالوا: خرج جنباً ولم يغتسل، قال: رأيت الملائكة بين السماء والأرض تغسله في صحاف الذهب بماء المزن﴾ من الذي جعله في هذه الدرجة إلا حين غلب محبوب الله على محبوبه النفسي؛ ولذلك ترك كل شيء وخرج إلى لقاء الله، وسوف نمر بنماذج في العنصر الخامس إن شاء الله.
يقول الله سبحانه: ﴿وَتُحِبُّونَ الْمَالَ حُبّاً جَمّاً﴾ [الفجر:٢٠] وهذا يدخل فيه نوعي الحب: سببي كسبي، وفطري جبلي.
أما الفطري الجبلي: وهو أن الإنسان يحب المال بلا شك، وهو مفطور على ذلك، وأما الكسبي: فهو الذي يصل به إلى درجة العبودية للدرهم والدينار, فيسبح بحمده صباح مساء، ويجعله مقصده في الحياة ومطلوبه، فيكون كما قال الله تعالى: ﴿أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ أَفَأَنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلاً﴾ [الفرقان:٤٣].
فمن جعل شيئاً أعظم من الله في قلبه وأحبه كان إلهه وكان مشركاً بالله.
ولذلك ذكر الله ذلك: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَاداً يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبّاً لِلَّهِ﴾ [البقرة:١٦٥].
стр. 4763
لا تقدم ملاذ الدنيا وحبها على حب الله ورسوله
وقد ذكر الله جل وعلا ملاذ الدنيا، فإن ملاذ الدنيا وشهواتها لا تخرج عن ثمانية أصناف ذكرها في سورة التوبة: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ﴾ [التوبة:٢٤] من قدم شيئاً من هذه الثمان على حب الله، فلينتظر الموت ولينتظر اللعنة والغضب، ومن قدم هذه الأمور على الجهاد في سبيل الله وعلى طاعة الله فمعناه: أنه صرف الحب لغير الله، واستحق اللعنة والغضب من الله ﵎، فهذه ملاذ الدنيا فمن قدمها على حب الله؛ فقد باء بغضب الله، يوم تأتي مصارعة حب الأب مع حب الله ﵎، الأب يدعوك إلى المعصية، والله يدعوك إلى المغفرة وإلى جنة عرضها السماوات والأرض, وتعصي أباك حينها تكون محباً لله.
ومن أجلّ الصور قصة أبي عبيدة ولو أن في إسنادها نظر، لكن هي من قصص السير ولا بأس بإيرادها.
وقف أبو عبيدة عامر بن الجراح -أحد العشرة المشهود لهم بالجنة- يوم بدر فعرض له أبوه مراراً فجنح عنه بالسيف، فلما رآه معترضاً له وعلم أنه يدعوه إلى النار وعلم أنه يحارب الله؛ ضربه بالسيف فكان كأمس الدابر فقتله، فما كان من الله إلا أن جازاه في الحب حباً، وبالصدق صدقاً، وبالإقدام ثواباً وأجراً.
يقول : ﴿لا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوْا وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا فَلا تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفَازَةٍ مِنَ الْعَذَابِ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [آل عمران:١٨٨] فهذا حب الجاه والشهرة, من أحب ذلك وقدمه على حب الله، فلا تحسبنه بمفازة من العذاب أبداً وله عذاب أليم.
يذهل الإنسان يوم يجد أهل الكفر والضلالة يستميتون من أجل مبادئهم ويحبون أصنامهم وطواغيتهم أكثر من حب أهل الإسلام لربهم ﵎, يسهرون الليالي في إنتاج الخطط في محاربة الإسلام, يقدسون عظماءهم, ويقبلون صور عظمائهم، ثم نعجب حين نجد الإنسان لا يشعر بحرارة النخوة وعقيدته مع الله ﵎.
يقول شاعر الضلالة والإلحاد الخوري:
هبوا لي ديناً يجعل العرب أمة وسيروا بجثماني على دين برهم
بلادك قدمها على كل ملة ومن أجلها أفطر ومن أجلها صم
يعني: يتخذ من دون الله أولياء ثم يموت في هذا الولاء ويحيا فيه؛ فما جعل الشيوعي، واليهودي والنصراني يستميت ويقاتل ويذبح إلا من أجل عقيدته، ولذلك يقول: هبوا لي ديناً: لا يهمني أي دين إلا دين يجمع العرب، فلا حيّ الله ذاك الوجه ولا بياه وعليه لعنة الله.
هبوا لي ديناً يجعل العرب ملة وسيروا بجثماني على دين برهم
برهم: المجرم الهندوكي السفاك.
فيقول هذا: فأتوني بدين ولو كان على دينه، ثم يقول: لاتنظر إلى الأديان، بل بلادك الطين والتراب، فهذه عقيدته وهذا حبه وهو يلقى الله :
بلادك قدمها على كل ملة ومن أجلها أفطر ومن أجلها صم
أحد الناس الذين صرفوا حبهم لغير الله من الفسقة - ابن هانئ الشاعر- يقف أمام سلطان لا يملك ضراً ولا نفعاً، ولا حياة ولا نشوراً، ولا حكمة ولا تصريفاً ويقول لهذا الحشرة:
ما شئتَ لا ما شاءت الأقدار فاحكم فأنت الواحد القهار
سبحان الله! من هو الواحد القهار إلا الله, من هو الذي يحيي ويميت إلا الله، من الذي يغني ويفقر إلا الله!
قل للطبيب تخطفته يد الردى من ياطبيب بطبه أرداكا
قل للمريض نجا وعوفي بعد ما عجزت فنون الطب من عافاكا
والنحل قل للنحل يا طير البوادي من ذا الذي بالشهد قد حلاكا
وإذا ترى الثعبان ينفث سُمَّهُ فاسأله من ذا بالسموم حشاكا
واسأله: كيف تعيشُ يا ثعبانُ أو تحيا وهذا السم يملأ فاكا
ستجيب بلسان حالها: الله.
فهذا صرف معتقده ونسي نفسه وخلع حبه يوم دخل على هذا السلطان:
ما شئت لا ما شاءت الأقدار فاحكم فأنت الواحد القهار
فما كان جزاؤه؟
والله قد يعجل بالجزاء ليجعل بعض الناس عبرة للمعتبرين، فهذا الشاعر أتاه مرض عضال فأخذ ينبح كما ينبح الكلب على فراشه، وتذكر تلك الكلمة الخاسئة الحقيرة التي صرف الحب فيها لغير الله فقال:
أبعين مفتقر إليك نظرتني فأهنتني وقذفتني من حالق
لست الملوم أنا الملوم لأنني علقت آمالي بغير الخالق
فخر على وجهه فوقع على أرض سحيقة لأنه أشرك بالله.
وهذا المتنبي الشاعر يقول لـ عضد الدولة:
أروح وقد ختمت على فؤادي بحبك أن يحل به سواكا
فضيعه الله في الدنيا والآخرة، فلا حصل على حب الناس في الدنيا أو على مكانة فيها وضيعه في الآخرة كذلك، والأمر عند الله؛ لأن أعماله شهدت له بمقال أنه صرف حبه لغير الله ﵎.
وبعض الناس يجعل الرياضة إلهاً من دون الله فيحبها حباً شديداً، يسبح بحمدها, فيصبح عليها ويمسي عليها، ويوالي على فريقه ويعادي عليه, وهل العبادة إلا الحب والبغض؟!
وهل العبادة إلا الولاء والبراء؟!
وهل العبادة إلا الميول؟!
ولذلك يغضب حين يجد إنساناً يناوئه على فريقه أو على نصر منتخبه، فهل هذه أمة تريد بحبها وجه الله؟!
وهل هذه أمة رسالة؟!
قد رأينا جميعاً بعض الناس يوالون على مغنيين، ومغنيات, وما جنين وماجنات, أحياء وأموات، فيتعصب لهؤلاء وهم أرخص الناس ثمناً وأقلهم سعراً في الأسواق، وهؤلاء لا عقل ولا دين كمثل أحد الصوفية كان يقرأ قوله تعالى: ﴿فَخَرَّ عَلَيْهِمْ السَّقْفُ مِنْ فَوْقِهِمْ﴾ [النحل:٢٦]: (فخر عليهم السقف من تحتهم) لأن الأصل أن السقف من فوق، لكن لا عقل ولا دين:
ولو أني بليت بهاشمي خئولته بنو عبد المدان
لهان عليّ ما ألقى ولكن تعالوا فانظروا بمن ابتلاني
стр. 4764
بطلان ادعاء الحب
الدعوى سهلة, يقول أحد الصالحين: لا تعرضوا حب الله على الألسن فتدعيه، وادعاء حب الله سهل عند الناس جميعاً, فتارك صلاة الجماعة وهو يصلي -رغم قوته- في بيته كالعجوز، تقول له: لماذا لا تصلي في المسجد؟ قال: الله يعلم أني أحبه.
وكذب لعمر الله! لو كان يحب الله ما تأخر عن الصلاة في المسجد:
يقول محمد إقبال معبراً عن حبه لمولاه:
نحن الذين إذا دعوا لصلاتهم والحرب تسقي الأرض جاماً أحمرا
جعلوا الوجوه إلى الحجاز فكبروا في مسمع الروح الأمين فكبرا
стр. 4765
المحبة تستلزم الطاعة
ثابت بن عامر بن عبد الله بن الزبير، قال: يا رب! أمتني ميتة حسنة, قالوا: وما هي الميتة الحسنة؟ قال: أن يتوفاني ربي وأنا ساجد، فطالت به الحياة وعلم الله أنه صادق: ﴿فَلَوْ صَدَقُوا اللَّهَ لَكَانَ خَيْراً لَهُمْ﴾ [محمد:٢١] ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [العنكبوت:٦٩] وأتت إليه منيته في وقت صلاة المغرب، فإنه لما كان في حالة الموت فسمع: حيّ على الصلاة حيّ على الفلاح، قال: احملوني إلى المسجد، قالوا: أدركك الموت, قال: أسمع حي على الصلاة حي على الفلاح ولا أقوم, لا والله! فنقلوه فلما أصبح في السجدة الأخيرة قبض الله روحه.
فهذه هي الميتة الحسنة.
فأهل الحب هم أهل الإيمان والحب والطموح.
قال أبو الحسن الندوي في معرض كتابه مسيرة الحياة: عين بلا إيمان مقلة عمياء، وأمة بلا إيمان قطيع من ظأن وغنم، ونحن نقول: كتاب بلا إيمان كلام مصفف، وقصيدة بلا إيمان كلام ملفف، وعقل بلا إيمان ضلال وضياع وخسار ودمار وعار، لينتبه كل منتبه أن العقل لا يأتي بالدعوى, يقول ابن القيم في مدارج السالكين، وهو يتلطف مع المحبين، ويتكلم عمن يدعي حب الله ثم يكذب، أقواله في واد وادعاؤه في واد آخر:
أصحيح أن من يحب الله يتدثر في فراشه وصلاة الفجر ينادى إليها؟ كذبٌ والله! إن هذا لم يحب الله، ولو أحب الله لأتى بيت الله، ولصلى مع المسلمين, ولتشرف بوضع جبهته في الأرض، فإن الذي لا يضع جبهته في الأرض لله يضعها لغير الله، والذي لا يمد يده سائلاً الله, يمدها لغير الله, وهذه قاعدة.
فلا بد للإنسان من إله: الله أو غيره, لذلك يقول ابن تيمية: الإنسان همام حارث -كما في الحديث الصحيح- لا بد لقلبه أن يهم ولا بد له أن يزاول شيئاً، فلا بد له من إله يألهه وهو الله ﵎، واسم "الله" معناه الذي تألهه القلوب وتحبه، ولا يركن القلب ولا يرتاح القلب إلا مع الله.
وقد ذكر عن سيبويه النحوي: أنه رئي في المنام فقالوا: ماذا فعل الله بك؟ - سيبويه توفي وعمره (٣٢ سنة) وقد ألف في النحو، ولو كان في الكتب معجزة -غير كتاب الله وسنة المصطفى- لكان هذا الكتاب، ولكن كتاب الله هو المعجز ونستغفر الله, لكن قالها أبو حيان المصري النحوي- فلما رئي في المنام، قالوا: ماذا فعل الله بك؟ قال: غفر لي، قالوا: بماذا؟ قال: قلت في باب المعرفة: الله أعرف المعارف.
فهو عندما أتى إلى اسم الجلالة ليعرفه للنحاة لم يعرفه بل قال: الله أعرف المعارف وسكت، ثم أخذ في الكلام، وهذا كلام عجيب، وهو أعرف المعارف : ﴿أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ [الرعد:٢٨] وابن القيم يتحدث عن ادعاء الحب فيقول: تقول امرأة لرجل يدعي حبها:
ولما ادعيت الحب قالت كذبتني أليس أرى الأعضاء منك كواسيا
تقول: لو كنت صادقاً لنحل جسمك من الحب، ولظهر عليك علامات الحب، أما أن تتظاهر بالحب وأنت تنام الليل، وتأكل ما اشتهيت، وأنت سمين، فأين آثار الحب عليك؟
ولذلك يقول ابن المبارك:
تعصي الإله وأنت تزعم حبه هذا لعمري في القياس بديع
لو كان حبك صادقاً لأطعته إن المحب لمن يحب مطيع
فيقول: كذب من ادعى المحبة، وفي أثر إسرائيلي: كذب من ادعى محبتي، فإذا ضمه الليل نام عني ولم يقم يناجيني, أو كما قال , وهذا من أحاديث الإسرائيليات نرويها باعتبار: ﴿حدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج﴾.
فالحب ادعاه قوم كثير وهو في المسلمين كثير وكثير، حتى من الفسقة الفجار ممن يحمل الكأس، ويعيش للمرأة، ويسمع الأغنية، ويعاصر الخلاعة، فإذا قلت له في ذلك ادعى حب الله، وهذا أكبر ادعاء وبهتان في الأرض وهو إفك وبهتان وزور مبين.
стр. 4766
محبة الله ورسوله ﷺ أعلى المطالب وأعظم المقاصد
ومحبة الله ومحبة رسوله ﷺ أعلى المطالب وأعظم المقاصد، فآخر ما تصل إليه من درجة العبودية أن تحب الله أكثر من نفسك وأهلك ومالك، ومن الناس أجمعين، وتحب رسول الله ﷺ ذلك الحب.
في صحيح البخاري قال عمر: ﴿يا رسول الله! والله إنك أحب إلي من كل شيء إلا من نفسي، فقال ﵊: لا يا عمر! حتى أكون أحب إليك حتى من نفسك، فانتظر قليلاً ثم قال: والله -يا رسول الله- إنك أحب إلي من نفسي﴾ فهذا هو منتهى الحب.
وفي الصحيحين عن أنس يقول ﵊: ﴿ثلاث من كن فيه وجد بهن حلاوة الإيمان: أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله، وأن يكره أن يعود إلى الكفر كما يكره أن يقذف في النار﴾ فمن وجد هذه الثلاث وجد حلاوة الإيمان ومنتهاه وأصله فهنيئاً له، ومن لم يجد ذلك فليبكِ على نفسه.
وحب الله من أعظم المقاصد والمطالب، يقول ابن القيم في الفوائد في قوله تعالى: ﴿يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾ [المائدة:٥٤] ليس العجب من قوله: (يُحِبُّونَه) فإن من أطعمك وكساك ومن خلقك ورزقك تحبه جبلةً وأصلاً، ولكن العجب من قوله: (يُحِبُّهُمْ) فالله خلقهم ورزقهم، وأعطاهم الأسماع والأبصار، ثم يحبهم ، وأعطاهم النفوس ثم اشتراها منهم وأعطاهم الجنة ثمناً فكان الربح لهم.
أتى جبريل بصك أملاه الواحد الأحد ووقع فيه محمد: السلعة الجنة، والثمن أرواح المؤمنين، فتقدم من يشتري تلك السلعة فقدموا أرواحهم في بدر وأحد وارتفعت أرواحهم إلى الحي القيوم، فكلمهم الله كفاحاً بلا ترجمان: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْداً عَلَيْهِ حَقّاً فِي التَّوْرَاةِ وَالْأِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ [التوبة:١١١].
стр. 4767
صور من محبة الصحابة لله
قال ابن القيم في زاد المعاد وهو يتحدث عن بيع جمل جابر بن عبد الله بن عمرو بن حرام الأنصاري أبوه أتى إلى يوم أحد فلبس أكفانه, ومعنى لبس الأكفان: أنها ساعة الخطر والصفر, فلا عودة إلى الحياة، ولا محاب إلا محبة الله، لا زوجة ولا ولداً ولا داراً ولا مالاً:
ومن الذي باع الحياة رخيصة ورأى رضاك أعز شيء فاشترى
أم من رمى نار المجوس فأُطفئت وأبان وجه الصبح أبيض نيرا
ومن الألى دكوا بعزم أكفهم باب المدينة يوم غزوة خيبرا
أتى إلى المعركة فأخذ غمد سيفه وكسره على ركبته -وهذا في أحد وحديثه في الصحيح- وقال: [[اللهم خذ من دمي هذا اليوم حتى ترضى]] فقتل، ولذلك يقول ﵊ لـ جابر: ﴿ابك أو لا تبك والذي نفسي بيده, ما زالت الملائكة تظل أباك بأجنحتها حتى رفعته﴾ وفي حديث حسن أن النبي ﷺ يقول: ﴿يا جابر! والذي نفسي بيده, لقد كلم الله أباك كفاحاً بلا ترجمان، فقال: تمن يا عبدي , قال: أتمنى أن تعيدني إلى الدنيا فأقتل فيك ثانية، قال: كتبت على نفسي أنهم إليها لا يرجعون، فأتمنى أن ترضى عني, قال: فإني قد رضيت عنك، فأحل الله عليه رضوانه وعلى إخوانه من الشهداء, وجعل أرواحهم في حواصل طير ترد الجنة فتأكل من ثمارها، وتشرب من مائها، وتأوي إلى قناديل معلقة بالعرش حتى يرث الله الأرض ومن عليها﴾ وأنزل الله قوله: ﴿وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتاً بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ * فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ * يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ وَأَنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران:١٦٩ - ١٧١].
جابر أتى بجمله يضربه في غزوة لأن الجمل تحير عليه, فأتى ﵊ فأخذ العصا فضرب الجمل -والحديث في الصحيحين - فتحرك الجمل حتى قال جابر: كنت أحبسه لا يتقدم بين يدي رسول الله ﷺ ، فأخذ ﷺ يداعبه بكلام الأحباب بالسحر، فقال له وهم يمشون في آخر الليل: ﴿يا جابر! أتزوجت؟ قال: نعم.
قال: بكراً أم ثيباً؟ قال: ثيباً، قال: هلا بكراً تداعبها وتداعبك؟ قال: إن لي أخوات وقد قتل أبي - يعني: في أحد - وترك عندي سبع أخوات فأردت امرأة تقوم على شئونهن, فسكت ﵊، ثم قال: يا جابر! أتبيعني جملك؟ قال: ما ترى يا رسول الله! فشراه بأوقية، فلما ذهب اشترط جابر حملانه إلى المدينة، قال: فدخلت المسجد فصليت ركعتين -وفي لفظ: قال له ﷺ : صلِّ ركعتين- فلما أتى قال لـ بلال: انقده الثمن, فأعطاه الأوقية, فولى جابر فأخذ الثمن وترك الجمل، قال: يا جابر! تعال خذ الجمل والثمن، فساق الجمل والثمن﴾ قال ابن القيم: كأنه يشير إلى قصة أبيه عبد الله يوم أعطاه الله روحه ثم أخذ روحه وأعطاه الجنة، فهو الذي أعطى في الأولى والثانية: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ﴾ [التوبة:١١١].
فهذا هو حب الصحابة لله ﵎.
وفي السير عند ابن هشام وغيره أن النبي ﷺ : ﴿وقف قبل معركة أحد يعلن الحرب على أبي سفيان على المنبر، ويتحدث للناس ويشاورهم: أنقاتل في المدينة أم نخرج خارج المدينة؟ فقال كبار الناس: يا رسول الله! دعنا نقاتل هنا, فقام شاب من بني سالم، ققال: يا رسول الله! لا تحرمني دخول الجنة، فوالله الذي لا إله إلا هو! لأدخلن الجنة, فقال ﵊ وهو يتبسم: بم تدخل الجنة؟ -هل يحلف على الله أحد؟! هل يقسم على الله فرد من الناس، ومن يدر بأحكام الله ﵎؟! - قال: بخصلتين، قال: ما هما؟ قال: إني أحب الله ورسوله ولا أفر يوم الزحف، قال ﵊: إن تصدق الله يصدقك، وبدأت المعركة يوم السبت ودارت رحاها وأتى الصادق -يوم يوف الله الصادقين بصدقهم- فصدق الله فقتل، ومرّ ﵊ على البواسل من الجنود فوجد هذا فأخذ يمسح التراب عن جبينه وتدمع عيناه ﷺ ويقول: صدقت الله فصدقك الله﴾ يقول محمد إقبال:
أرواحنا يا رب فوق أكفنا نرجو ثوابك مغنماً وجوارا
لم نخش طاغوتاً يحاربنا ولو نصب المنايا حولنا أسوارا
وكأن ظل السيف ظل حديقة خضراء تنبت حولنا الأزهارا
إلى أن يقول:
كنا نرى الأصنام من ذهب فنهدمها ونهدم فوقها الكفارا
لو كان غير المسلمين لحازها كنزاً وصاغ الحلي والدينارا
عبدة الدينار, عبدة الحلي, عبدة المناصب، عبدة الوظائف -نعوذ بالله أن نكون منهم- لأنهم أحبوا هذا أكثر من حب الله، وعلامة ذلك: ذكرهم لها في المجالس والولاء البراء والحب والبغض من أجلها والانقياد لها أكثر من الحب لوجه الله .
جعفر بن أبي طالب من الذي أخرجه فترك أهله وماله وولده وأحبابه؟ وقبل المعركة ماذا فعل؟ كسر غمده، وكسر الغمد عند العرب ليس بالأمر السهل، إذا كسر الرجل غمده على ركبته فهذا يعني: ساعة الصفر وأنه لن يعود أبداً، من الذي جعله يكسر غمده؟ إنه حب الله فيقول:
يا حبذا الجنة واقترابها طيبة وبارد شرابها
والروم روم قد دنا عذابها كافرة بعيدة أنسابها
عليّ إن لاقيتها ضرابها
فقاتل حتى الظهر فقطعت يمينه, ولو كان يقاتل لغير الله فأتته نخسة برمح والله لا يثبت في المعركة, والروس يفرون الآن من أفغانستان , حتى إنهم رفعوا أصابع النصر يوم انسحبوا مهزومين، لماذا؟ لأنهم يقاتلون للطواغيت ولا يقاتلون لله، يحبون الحياة:
فروا على نغم البازوك في غسق فقهقهت بالكلاشنكوف نيرانُ
والذي يقاتل لله لا يفر ولا ينسحب, فقطعت يده اليسرى فضم الراية بعضديه, فكسرت الرماح في صدره فهوى شهيداً وأبدله الله بجناحين في الجنة يطير بهما حيث شاء, وهذا أعلى الحب.
عمير بن الحمام في بدر يقول له ﷺ وللناس: ﴿والذي نفسي بيده! ما بينكم وبين الجنة، إلا أن يقتلكم هؤلاء، فيقول الأنصاري عمير بن الحمام -الذي لا يملك إلا الرمح, ولا يملك إلا الثياب البالية, ولا يملك إلا حفن التمر في يده-: يا رسول الله! أسألك بالله ما بيننا وبين هؤلاء إلا أن يقتلنا هؤلاء؟ قال: إيه والذي نفسي بيده, قال: والله إنها لحياة طويلة إذا بقيت إلى أن آكل هذه التمرات، ثم رمى التمرات فقاتل حتى قتل -وفي لفظ في السيرة- وخلع درعه من على جنبه﴾.
وفي الحديث: ﴿ويعجب ربك من الرجل يلقى العدو حاسراً﴾ ولذلك يقول الأول فيه وفي أمثاله:
ولسنا على الأعقاب تدمى كلومنا ولكن على أعقابنا تقطر الدما
تأخرت أستبقي الحياة فلم أجد لنفسي حياة مثل أن أتقدما
أنس بن النضر:
من الذي جعله يزحف حتى يقول سعد: [[هون عليك رويداً رويداً؟ قال: إليك يا سعد! والذي نفسي بيده! إني لأجد ريح الجنة من دون أحد، فقاتل حتى قتل]] فما عرف إلا ببنانه، ووجدوا فيه بضعاً وثمانين ضربة؛ لماذا هذا؟ إنه حب الله ، والمطلوب منا نحن ليس أن نسفك دماءنا، فالحمد لله ليس عندنا سفك دماء، بل أكل خبز وشرب ماء، وصلاة في الجماعة في الصف الأخير! ثم إذا صلينا نظرنا إلى الفسقة الذين هم أسفل منا في الدين, وقلنا: نحن كالصحابة نصلي خمس صلوات في المسجد، وهذا هو حال المتخلف يوم ينظر إلى الأقل منه، لكننا ما نظرنا في الدنيا إلى الذين هم أقل بل نظرنا إلى من فوقنا، فكلما تواصينا بالزهد؛ قلنا: نحن على خير ونحن أفضل من كثير من الناس, أوما رأيت إلى أولئك وأولئك كم عندهم من الدور والقصور والسيارات! فرضينا في الدين بالهون والدنية، ولم نرض في الدنيا إلا بأعلى شيء وقمته، وهو ليس بقمة وليس بأعلى.
فمحبة الله هي أعلى المطالب وأعلى ما يطمح إليه المؤمن بلغني الله وإياكم محبته .
стр. 4768
علامات محبة الله ورسوله ﷺ
كل يدعي المحبة لكن هناك علامات وإذا لم يأت الإنسان بشهود فهو كاذب:
والدعاوى إذا لم يقيموا عليها بينات أصحابها أدعياء
ولو أعطي الناس بدعواهم لادعى الخلي حرقة الشجي، وحديث ابن عباس: ﴿لو أعطي الناس بدعواهم, لادعى أناس دماء أناس وأموال أناس﴾.
ولو كان كل إنسان يسلم له بدعواه لأخر أناس صادقون وقدم قوم كاذبون.
стр. 4769
بيع النفس لله
أما أعظم علامة من علامات حب الله : هي بيع النفس.
وبيع النفس هي أول خطوة من خطوات الهجرة, أن تبيعها من الله الواحد الأحد فتغضب لله وترضى لله وتقدم لله، وتعطي لله، وتحب وتبغض لله، وقد ذكرت نماذج من الذين باعوا أنفسهم حقيقة: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْداً عَلَيْهِ حَقّاً فِي التَّوْرَاةِ وَالْأِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ [التوبة:١١١].
стр. 4770
الإقبال على الطاعات
ومن علامات حب الله : الإقبال على الطاعات, والانتهاء عن المخالفات.
من سمع الأذان ولم يأت إلى المسجد بلا عذر فإنه لم يحب الله.
من هجر القرآن فلم يقرأ فيه, وقدم قراءة المجلة الخليعة والجريدة التافهة على كتاب الله فما أحب الله.
من جلس مع رفقاء السوء وهجر الصالحين وما جالسهم فما أحب الله.
من تخلف عن النوافل وعنده بسطة في الجسم وسعة في الوقت فما أحب الله.
من أغلق قلبه عن الذكر فما ذكر الله وما تلذذ بذكره وما أحب ذكره فما أحب الله.
فهذه علامات تظهر، وعلامات المحبين بيع النفس:
يجود بالنفس إن ظن البخيل بها والجود بالنفس أغلى غاية الجود
ومن منازل إياك نعبد وإياك نستعين؛ منزلة المحبة, ويذكر ابن القيم عشرة أسباب للمحبة نذكر منها:
стр. 4771
قراءة القرآن
قراءة القرآن بتدبر، فإذا رأيت الإنسان يحب المصحف ويتلذذ بالقراءة بالمصحف فاعرف أنه من أحباب الله.
стр. 4772
كثرة ذكر الله
ومن العلامات كثرة الذكر:
إذا مرضنا تداوينا بذكركم ونترك الذكر أحياناً فننتكس
﴿أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ [الرعد:٢٨] ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ﴾ [البقرة:١٥٢] ﴿سيروا هذا جمدان سبق المفردون، قالوا: يا رسول الله! وما المفردون؟ قال: الذاكرون الله كثيراً والذاكرات﴾ وفي الترمذي عن عبد الله بن بسر: ﴿أن رجلاً أتى إلى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله! إن شرائع الإسلام قد كثرت عليّ فأخبرني عن شيء أتشبث به, قال: لا يزال لسانك رطباً من ذكر الله﴾ فإنسان لا يذكر الله كثيراً فشك فيه، يقول الله في المنافقين: ﴿وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاؤُونَ النَّاسَ وَلا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلاً﴾ [النساء:١٤٢] سبحان الله! منافق يذكر الله! ولكن ليس عنده ذكر إلا قليل, وأنت تعرف الناس بتصنيفات، فإن الناس على محبوباتهم الذي يبيع الغنم يريد أن يتكلم الناس في الظأن والماعز كما قال الغزالي، فتجد حبه في الكلام على الغنم، والبنّاء لا يتكلم إلا في البناء, والنساج والنجار وغيرهم.
أما أولياء الله إذا جلسوا في مجلس لهجو بلا إله إلا الله والله أكبر ليذكروا الله:
إذا مرضنا تداوينا بذكركم ونترك الذكر أحياناً فننتكس
تجده دائماً يريد أن يتحدث في الله , وهذا أعظم شيء للإنسان في الحياة، فتجده يقول -مثلاً-: هل سمعتم ما قيل في هذه المسألة؟ لأنه يحمل الإيمان والحب والطموح، أما التافه فهو يتكلم في التافهات، يسميها ابن تيمية في المجلد العاشر (مجريات الحياة): وبعضهم ما يريد مجريات الحياة، وليس له هم إلا أن يتكلم في الدنيا، ويجمع من أخبارها، ثم تذهب وتسحق: ﴿فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ﴾ [الرعد:١٧] ولذلك تأتي بضاعتهم يوم القيامة مزجاة ولا يقبل ذاك اليوم إلا بضاعة خرجت وعليها ختم محمد ﷺ من طيبة، أما الختوم الأخرى فإنها لا تقبل عند الله.
ومن علامات حب الله:
стр. 4773
تعظيم الشعائر
وذُكر عن بشر الحافي في شبابه أنه وجد صحيفة على الأرض مكتوب فيها: الله -هل تعلم له سمياً؟ هل تعلم أعظم من الله؟ - فقال: يا رب! سبحانك تباركت وتعاليت يداس اسمك! والله لأطيبن اسمك, فأخذ الصحيفة وطيبها وعلقها, فسمع قائلاً وكأنه في المنام: يا من طيب اسم الله! ليطيبن الله اسمك، فرفع الله اسمه، فهو من العباد الكبار الذين تطيب بذكرهم المجالس؛ لأنه طيب اسم الله.
يقول أحد الصالحين -وقد ذكر هذا الذهبي عن الإبيوردي -: ما نمت في غرفة فيها مصحف، وذلك تعظيماً لشعائر الله.
الإمام أحمد - وهذا في ترجمة إبراهيم بن طهمان الراوية في الصحيحين، فهو راوية البخاري ومسلم - ذكروا عنده إبراهيم بن طهمان فقال: أجلسوني, فأجلوسه -في سكرات الموت- قالوا: كيف وأنت مريض؟ قال: نذكر الصالحين ونحن على جنب ولا نقعد! لا والله، وهذا من تعظيم شعائر الله.
قالوا لـ سعيد بن المسيب: نريد أن تحدثنا بحديث رسول الله ﷺ قال: أجلسوني، قالوا: أنت مريض، قال: أيذكر رسول الله ﷺ وأنا ممدود مضطجع؟! فأجلسوه فتكلم.
وسئل الإمام مالك وهو يمشي, قال: الحديث لا يسأل عنه والإنسان يمشي.
ويقول ابن المبارك: كنت مع الإمام مالك في مسجد الرسول ﵊ فلدغته عقرب, فأخذ يتغير وجهه, فلما انتهى قلت: مالك؟ قال: لدغني عقرب فكشف عن ساقه فإذا لدغ العقرب عليها واضح، فقلت: ولم لم تقطع الحديث؟ قال: أأقطع حديث المصطفى ﷺ في لدغ عقرب؟! ثم نفث في يده وقرأ ورقى رجله فكأنما بها قلبة.
وهذا عباد تصيبه الأسهم وهو يقرأ سورة الكهف فما قطع الصلاة، قال له أخوه وزميله: لماذا لم تقطع الصلاة، قال: أقرأ كلام ربي وأقطعه من أجل هذا؟! لا والله، ثم يقول: لولا مخافتي أن يظهر العدو علينا، لبقيت حتى أتم السورة.
стр. 4774
الحب الرخيص
الحب الرخيص التافه حب المرأة والكأس، وحب الماجنين والماجنات، والمغنين والمغنيات، والفنانين والفنانات الأحياء منهم والأموات.
والفنان في لغة العرب هو: الحمار المخطط -الحمار الوحشي المخطط- وأكله حلال لكن أكل الحمار الإنسي حرام.
أما الفنان الوحشي المخطط فأكله حلال؛ لأن الرسول ﵊ يوم خيبر أذن به وحديثه صحيح عن أبي قتادة وغيره، أما الإنسي فلا يؤكل.
فهؤلاء صرفوا الأمة وصرفوا القلوب عن باريها وهم أعداء الأمة في مسألة الحب، واسمع إلى بعض النماذج، يقول أحدهم -وهو يصرف قلوب الناس إلى غيرالواحد الأحد-:
يا من هواه أعزه وأذلني كيف السبيل إلى وصالك دلني
السبيل إلى النار خذها على يسارك ولك مقعد في النار إذا لم تتب، فالوصول إنما هو إلى الله الواحد الأحد.
يا من هواه أعزه وأذلني
نعم.
لأنك ذللت لغير الله فأذلك الله، فهم في ذلة في الحياة الدنيا، والعجيب أنهم لا يخجلون لكن دعاة الحق يخجلون، فيخجل الإنسان أن يتكلم في الدعوة وأن يخطب فيها، وأن يكون إماماً في الدعوة، يقول: أنا لا أستطيع أن أخطب في جماعتي وأن أصلي بهم، والفنان أمام الملايين لا يخجل فيذل نفسه وعقيدته ويتكلم أمام الملايين، أتدرون من المخاطب فيها؟ إنها امرأة ماجنة, امرأة حرام وليست في الحلال.
стр. 4775
حديث: (من عشق فعف) حديث باطل
وبعضهم يستدل ويتنطع بحديث: ﴿من حب فعف فكتم فمات؛ مات شهيداً﴾ هذه شهادة نابليون وهتلر، وهؤلاء الأقزام الحقراء الكلاب، وليست شهادة تدخل الجنة؛ لأنه مات من أجل امرأة, وهذا لا يوجد في العالم, فليس هناك رجلاً حب فعشق فكتم فمات فهو شهيد، لا يوجد هذا من يوم خلق السماوات والأرض إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، لم يوجد هذا الصنف، ما وجد أن واحداً يحب ويعف ويكتم حتى يأتي بفاحشة، وهذا الحديث أورده ابن خلكان وسكت عنه لأنه يوافق مشربه, وابن خلكان كان يسكت عن الأشعار وهو عنده حديث، حتى يقول الذهبي: سكت عن ابن الراوندي كأن الكلب ما أكل له عجيناً، لماذا لا يتحمس, ويعلق على هذه الأحاديث؟
فلذلك قال ابن القيم في زاد المعاد: والله الذي لا إله إلا هو لو كان سند هذا الحديث كالشمس لكان باطلاً ولم يقله النبي ﷺ ، لو كان سنده سفيان الثوري ومالك وأحمد والشافعي لكان الحديث باطلاً، فالرسول ﷺ لا يقول هذا للناس: من عشق وعف وكتم ومات مات شهيداً.
فهل صحيح أن شخصاً يحب امرأة ويعشقها حراماً، ويكتم حبها ثم يموت فيدخله الله مع جعفر وسعد بن معاذ، وأنس بن النضر؟! قطعاً لا يدخل الجنة من هذه الطريق إلا أن يكون له حسنات غير ذلك.
والثاني يقول:
هل رأى الحب سكارى مثلنا
وهذه منقولة، ورأيت أحد المفكرين ينقلها عما يسمونه كوكب الشرق وهي ظلام الشرق، تلك التي فتنت الأجيال والجماهير ووقفت تصد الشباب عن الله، وميراج إسرائيل يغطي ضوء الشمس عن الأرض ويقصف بالطائرات.
شاعر اليمن البردوني وهو أعمى القلب والبصر:
فأطفأت شهب الميراج أنجمنا وشمسنا وتحدت نارها الخطب
يقول: أسقطنا الطائرات بالخطب, وشاعر آخر يقول:
شجباً ونكراً وتنديداً بغارتها الله كم نددوا يوماً وكم شجبوا
كيف انهزمنا وما تلك بعادتنا سيسأل السيف عنا والقنا السلب
لكن انهزمنا لما سمعنا لكوكب الشرق وظلامه وخسارته, وإسرائيل لا تعرف الغناء والمجون والرفاهية للجيش, وتقصف أرضنا وتأخذ حدودنا ومقدساتنا وتقتل نساءنا وأطفالنا ونحن مع المغنين والمغنيات والماجنين والماجنات.
стр. 4776
من أمثلة الحب الرخيص
هذا هو الحب الرخيص الذي صرف لغير مرضاة الله , والحب الرخيص موجود من القرون الأولى يقول أحدهم:
حج الناس في عفاف وطهر محرمين لوجه الواحد الأحد
فهذا الحاج لا يحب الله كثيراً، فهو يبحث -انظروا في أعظم المواقف- في الحرم الذي هو بيت الله الذي جعله مثابة للناس وأمناً, فينسى الله وينسى حبه الوقوف بين يديه، فينظر إلى امرأة أتت من الطواف إلى البيت تريد الباب فنسي كل شيء وأخذ يتغنى في الحرم، فهذا شاعر ماجن:
قف بالطواف ترى الغزال المحرما حج الحجيج وأراد يقصد زمزما
لو أن بيت الله كلم عاشقاً من قبل هذا كاد أن يتكلما
فهذا هو الحب الحقير الذي يحاسبه الله بما قال وبما اقترف، ولي مقطوعة أرد عليه:
قف في الحياة تر الجمال تبسما والطل من ثغر الخمائل قد همى
والمؤمن اطلع الوجود مسلماً أهلاً بمن حاز الجمال وسلما
لا والذي جمع الخلائق في منى وبدا فأعطى من أحل وأحرما
ما في جميع الأرض أجمل منظر من مؤمن لله جد ويمما
فهذا هو الجمال وهذا هو الحب، أما من يتغزل بهذه الأمور ويصرف هذا إلى غير الله فقد كذب على الله.
أحد الصالحين خرج من بيته، فلما أصبح في الصحراء رفع طرفه إلى السماء ورفع أصبعه، وقال: لا إله إلا الله محمد رسول الله ﷺ ثم بكى وقال:
وإني لأستغشي وما بي غشوة لعل خيالاً منك يلقى خياليا
وأخرج من بين البيوت لعلني أحدث عنك النفس في السر خالياً
﴿ورجل ذكر الله خالياً ففاضت عيناه﴾ وأصل هذا البيت لـ مجنون ليلى يقول:
ومحبوبة يخلو في الخلاء لعل طيفاً يلقاه منها
ويستغشي وما به غشوة ويغمى عليه وما به إغماء، لعله أن يراها في المنام، فهذا سُلب إرادته وحبه وطموحه.
وهذا المتنبي شعره شعر قوي في القمة، لكنه أساء كل الإساءة يوم صرفه لمخلوق، يقول:
فومن أحب لأعصينك في الهوى
فهو أقسم بمحبوبه وهي امرأة، نعوذ بالله من الخذلان والحرمان.
يقول ابن القيم في بدائع الفوائد عمن صرف حبه لغير الله وهو أبو فراس الحمداني الشاعر:
وأبو فراس سجن في سجن في أرض الروم, فأرسل لابن عمه سيف الدولة رسالة يقول فيها:
فليتك تحلو والحياة مريرة وليتك ترضى والأنام غضاب
إذا صح منك الود فالكل هين وكل الذي فوق التراب تراب
وليت الذي بيني وبينك عامر وبيني وبين العالمين خراب
قال: أحسن كل الإحسان في نظم الأبيات, وأساء كل الإساءة يوم صرفها لمخلوق.
وخلاصة الباب:
إن الحب عقيدة، ومن صرفه لغير الله فقد أشرك وأخطأ, وأعني به الحب الكسبي السببي لا الجبلي الفطري.
فإن الإنسان لازال يحب الطعام إذا جاع، والماء إذا ظمئ, ويحب زوجته، ويحب السكنى واللباس، لكن هذا فطري جبلي لا يلام عليه, يشترك فيه المسلم والكافر، ولكن الحب الكسبي السببي هو عقيدة وعبادة، من صرفه لغير الله لقي الله لا حجة له -مقطوع الحجة- أو أصابه الخذلان والحرمان نعوذ بالله من ذلك.
إخوتي في الله! الخلاصة:
أدعوكم ونفسي إلى حب الله ﵎ وإلى حب رسوله ﷺ ، وإلى إقامة البينات على هذه الدعوة من محافظة على فرائض, ومن تزود بنوافل, وتدبر لكتاب الله، وكثرة ذكر لرسول الله ﷺ ، ومن حب المصطفى, وحضور مجالس الخير، وحب العلماء والصالحين.
يا أمة الإسلام! مفهوم الحب هو أن يصرف لمرضاة الله ، وأن يحب الله ، وألا يحب غيره الحب الكسبي السببي.
يا من وقفتم أمام الأجيال رواداً: أدعوكم أن تلقنوا شباب الإسلام وأجياله وأبناءه، الإيمان بالله تعالى والإيمان بالرسول ﷺ ، والحب لله ولرسول الله ﷺ ولكتاب الله.
واعلم أنك إذا أحببت شيئاً في الله فكأنك أحببت الله، وأنت مأجور على ذلك، فحبك للصالحين لأنهم أطاعوا الله أنت مأجور عليه، وحبك للمسجد لأنه بيت الله، فأنت مأجور.
وأدعوكم أن تعلموا الأمة الطموح، فنحن حين تركنا الطموح خسرنا -والله- وانهزمنا, خسرنا حين أخذ جيلنا وطلابنا ينبت الواحد منهم وهو يستمع الأغنية الماجنة، وتعرض عليه على أن القمم والعباقرة هم هؤلاء المغنون ويسمون في بعض الصحف: الصاعدون، وهم الصاعدون إلى الحضيض، قيل لـ أبي علي الروذاباري: غلاة الصوفية -أهل الحلول- وصلوا, قال: نعم وصلوا، ولكن إلى سقر، لا تبقي ولا تذر!
فمنهم من يعجب بالكافر ويظن أنه ما خلق في الأرض إلا هذا الرجل.
يأتي بعض الشباب من أمريكا وبريطانيا حتى أن أحدهم يقول لأحد العلماء -عالم يشرح في الروض المربع، وهو أحد المتطورين الذين وقفوا على الجليد لا داخل الحلبة ولا خارج الحلبة- قال: يا شيخ! أنت تشرح في الروض المربع والناس قد صعدوا على سطح القمر، فقال له: أنت ما صعدت على سطح القمر ولا جلست على الأرض معنا تقرأ الروض المربع، فهو ما صنع لنا صاروخاً ولا طائرة ولا ثلاجة ولكن أخذ السيجارة والعود من الغرب:
منهم أخذنا العود والسيجارة وما عرفنا ننتج السيارة
أما المساوئ فنقلت للشرق، لكن ما سمعنا بأن أحداً صنع لنا ثلاجة أو سبورة ولا قدم مروحة أو سخانة أو برادة، وإنما أخذوا مخلفات الغرب وقدموها لنا، ثم يضحكون على الدعاة والعلماء وقالوا: إنهم خلف الركب، هم المتخلفون المتدهورون المتقهقرون ﴿وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنقَلَبٍ يَنقَلِبُونَ﴾ [الشعراء:٢٢٧].
إخوتي في الله: في الختام أدعوكم إلى الحب والإيمان والطموح، وكذلك أدعوكم إلى علو الهمة, وأن يكون حبنا لله ولرسوله ﷺ ولكتاب الله، وحينها نرتفع وليس لي زيادة كلام, وإن كان هناك من أسئلة فسوف نستمع إليها.
سبحان ربك رب العزة عما يصفون, وسلام على المرسلين, والحمد لله رب العالمين.
وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
стр. 4777
الأسئلة
стр. 4778
الأخوة في الله وفضلها
السؤال
تكلمت عن الحب في الله, فأرجو التكلم عن الأخوة في الله وفضلها مع إلقاء قصيدة إن أمكن؟
الجواب
الأخوة في الله شق من الحب فيه ، فلا يؤاخى في الإسلام إلا في الحب في الله, ولا تؤاخي إلا أحباب الله، والأصل في ذلك: ﴿الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ﴾ [الزخرف:٦٧] ولذلك أُثر عن علي ﵁ وأرضاه أنه قال: [[تزودوا من الإخوان فإنهم عون في الدنيا وفي الآخرة, قالوا: أما في الدنيا فصحيح أما في الآخرة كيف؟ قال أما يقول الله: ﴿الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ﴾ [الزخرف:٦٧]]] والرسول ﷺ جعل من الأخوة أن تحب في الله وأن تبغض في الله ، والإخوان أن تحب الطائع لطاعته والمتقي لتقواه، وعلى ذكر القصائد يقول أبو تمام في الحب في الله:
إن كيد مطرف الإخاء فإننا نغدو ونسري في إخاء تالد
أو يختلف ماء الغمام فماؤنا عذب تحدر من غمام واحد
أو يفترق نسب يؤلف بيننا دين أقمناه مقام الوالد
وبعض الناس -وهذا كلام من كلام الصوفية - يقول لأخيه:
أنت أصبحت أنا, فمن أنا؟
يقول: دخلت فيّ فأصبحت من حبي لك وحبك لي، أصبحت أنت أنا وأنا أنت فمن أنا, فهو لا شيء, وهذا خطأ, وهو للسعد الشيرازي، وهو شاعر سني إيراني يقول في الحب والأخوة في الله:
قال لي المحبوب لما زرته من ببابي قلت في الباب أنا
قال أخطأت تعريف الهوى حينما فرقت فيه بيننا
ومضى عام فلما جئته أطرق الباب عليه الباب موهنا
قال لي من أنت قلت انظر فما ثمّ إلا أنت في الباب هنا
قال أحسنت تعريف الهوى وعرفت الحب فادخل يا أنا
وهذا خطأ, بل في الإسلام تبقى أنت أنت وأنا أنا, أما هذا الاندماج وتغيير الصور والأشكال فليس بواردٍ, بل يبقى المسلم وولاؤه وبراؤه على حد طاعة ذاك, فليس عندنا انضباط في الولاء والبراء، فنحب الطائع لكثرة طاعته، ونبغض العاصي بنسبة معصيته، فصاحب الكبائر يبغض أكثر من صاحب الصغائر، والطائع الباذل نفسه وجهاده يحب أكثر من الطائع الذي هو دونه: ﴿قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْراً﴾ [الطلاق:٣].
стр. 4779
أيهم أفضل قراءة القرآن أم الدعاء أم التسبيح
السؤال
هل الأفضل قراءة القرآن أم التسبيح أم الدعاء؟
الجواب
السؤال فيه جواب عام، وجواب خاص مفصل.
أما الجواب العام: فإن أفضل الذكر كلام الله ، وكتابه وقراءة كلامه , وهذا على العموم.
أما على التفصيل: فيختلف باختلاف الأشخاص, وقد تعرض كثير من العلماء لهذه المسألة، فمن وجد رقة وخشوعاً وحضور قلب مع الذكر أكثر من القرآن فهو في نسبته أفضل له أن يذكر ويدعو أكثر مما يقرأ القرآن، وفي الترمذي حديث لكنه ضعيف: ﴿من شغله قراءة القرآن وذكري عن مسألتي أعطيته أكثر مما أعطي السائلين﴾ فعلى العموم القرآن أفضل من أي ذكر آخر، وعلى الخصوص من وجد رقة وخشوعاً وحضوراً في الدعاء والذكر أكثر من القرآن فعليه أن يكثر من الذكر والدعاء.
وأنبه على مسألة: هناك هيئات وأوقات لا يكون فيها إلا الذكر أو الدعاء هو الأفضل.
مثل الركوع: فالذكر فيه أفضل من قراءة القرآن، وفي حديث علي مرفوعاً وهو صحيح: ﴿إني نهيت أن أقرأ القرآن راكعاً أو ساجداً، فأما الركوع فعظموا فيه الرب، وأما السجود فأكثروا من الدعاء فقمن أن يستجاب لكم﴾.
стр. 4780
وجه التحريم في الأغنية
السؤال
ما وجه التحريم في الأغنية؟ هل هي نفس الكلمات في الأغنية، أم في العزف على العود أم كلاهما معاً؟
الجواب
الأغنية من عزف وناي: ﴿ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُوراً فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ﴾ [النور:٤٠] والكلمات في حد ذاتها يحلل فيها شيء ويحرم, فما كان في طاعة الله فهو كلام مباح، وما كان فيه بذاءة أو تشبه بامرأة أجنبية أو دعوة الناس إلى فاحشة أو زنا فهو محرم، ولذلك يقول ابن القيم: "الغناء بريد الزنا" وذكر هذا ابن تيمية في أول كتاب الاستقامة وابن القيم يلوم هؤلاء الذين صرفوا آذانهم لسماع الخنى والغناء عن سماع كلام الله، وأخبر في منظومته أن الله يحرمهم الغناء في الجنة, ففي مسند أحمد عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ﴿إن في الجنة جوار يغنين ويقلن: نحن الخالدات فلا نبيد, نحن الناعمات فلا نبأس.
طوبى لمن كنا له وكان لنا﴾ [[وإذا اشتهى أهل الجنة -وهذا من كلام ابن عباس - أرسل الله ريحاً تهز ذوائب أغصان الجنة فيجدون غناءً]] أو كما قال.
قال ابن القيم في منظومته:
قال ابن عباس ويرسل ربنا ريحاً تهز ذوائب الأغصان
فتثير أصواتاً تلذ لمسمع الـ إنسان كالنغمات بالأوزان
يا خيبة الآذان لا تتعوضي بلذاذة الأوتار والعيدان
إلى آخر ما قال.
وأما الغناء -في حد ذاته- الذي يصاحبه الكلام الفاحش فإنه محرم ولو لم يكن عليه موسيقى وعزف، فإذا صاحبه زادت حرمته لحديث أبي مالك الأشعري في صحيح البخاري من قوله ﷺ : ﴿ليكونن أقوام من أمتي يستحلون الحر والحرير والخمر والمعازف﴾ واستحلالها إنما يأتي بعد تحريمها.
وورد عند ابن خزيمة بسند جيد عن الزبير قال: قال ﷺ : ﴿إني نهيت عن صوتين أحمقين فاجرين: صوت عند نعمة وصوت عند مصيبة﴾ قالوا: الصوت عند النعمة هو العزف والغناء، وفي لفظ عند: نغمة، وصوت عند المصيبة هو صوت النائحة, وفي سنن أبي داود وفي سنده كلام عن ابن عمر: ﴿أنه سمع زمارة راعٍ, فوضع أصبعيه في أذنيه حتى ولى، قال لمولاه: أتسمع؟ قال: لا.
فخلع أصبعيه، وقال: رأيت الرسول ﷺ صنع كما صنعت﴾.
وفي قوله : ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ [لقمان:٦] قال ابن مسعود: [[أقسم بالله إنه الغناء]] وورد عن بعض المحدثين رفع هذا الحديث، والصحيح أنه موقوف على ابن مسعود.
فالغناء ينبت النفاق في القلب كما بنبت البقل من المطر, وقد أجمع أهل السنة على أنه محرم ولم يخالف في ذلك إلا ابن حزم رحمه الله تعالى، وكان ظناً منه أن الحديث ضعيف والحديث -والحمد لله- في البخاري.
стр. 4781
حكم الفنون الشعبية, وحكم المال الذي مصدره الغناء
السؤال
ما حكم الفنون الشعبية؟ وما حكم المال الذي مصدره الغناء أو الطرب إذا كان يتصدق منه ويبنى مساجد؟
الجواب
الغناء والعزف أو ما صاحب الغناء من آلات للرجال محرم، أما الدفوف فالذي أعرفه أنه للنساء لا بأس به في الزواج والمناسبات، لقوله ﷺ عند أبي داود: ﴿أعلنوا النكاح واضربوا عليه بالدف﴾ وهذا الخطاب للنساء, فقد علم بالاستقراء في حياة الصحابة أنه ماكان يزف المرأة إلا النساء, وكن يضربن بالدف, فضرب الدف للنساء، أما للرجال فلا أعلم أن هذه الآلات والغناء الماجن تجوز لهم.
أما مسألة الحفلات بلا دفوف ولا طبول ولا ناي ولا موسيقى فأنا أتوقف فيها ويسأل عنها أهل العلم.
وأما مسألة من يبني مساجد من هذه الأمور فهذا كسب خبيث، فأخذ الأجرة من الغناء والشعر بالمناسبات، قد سمعت فيه من بعض العلماء الثقات من هؤلاء العلماء الموجودين، أنه يقول: توضع في مرافق المسجد في حمامات وفي مصالح عامة كالخطوط إذا تاب أصحابها، ولا توضع في المساجد ولا في شراء الكتب؛ لأنها كسب خبيث فتوضع في خبيث وهذا حقه ومنزلته.
стр. 4782
شروط مزاولة الرياضة
السؤال
أنا شاب أحب الرياضة وأزاولها بعض الأوقات، فما حكم هذا؟
الجواب
الرياضة يشترط في إباحتها ثلاثة شروط:
أولها: ألا تعارض وقت صلاة، فإذا أخر من أجلها الصلاة أو ضيعت الصلاة فهي حرام وباطلة ولا تحل أبداً.
الثاني: أن يكون من يلعبها بلباس ساتر, وعورة الرجل من السرة إلى الركبة كما أتت بها الأحاديث، فإذا لبس ذلك فهذا هو المطلوب، وإذا انكشف من العورة شيء فقد دخل في التحريم.
الثالث: ألا تصد عن ذكر الله , وألا يوالى ويعادى من أجلها، ولا تضيع أوقات طلب العلم والقراءة وإنما تكون ترويحاً.
стр. 4783
السبيل إلى ترك الحب
السؤال
أحببت فتاة وأريد أن أتركها لأنني خفت الله، فكيف السبيل إلى تركها؟
الجواب
السبيل إلى تركها أن تتركها، سئل سعيد بن المسيب من هم أهل السنة، قال: الذين ليس لهم اسم إلا أهل السنة، فالسبيل إلى تركها أن تتركها وأن تتوب إلى الواحد الأحد، وأوصيك بأمور, وهذا السؤال قد وجه إلى بعض أهل العلم وهو موجود في كتبهم لمن ابتلي بحب فعشق:
قال: فعلاجه أن يكثر الدعاء في السجود وفي أدبار الصلوات, وأن تدعو مقلب القلوب أن يقلب قلبك على دينه, ومصرف الأبصار أن يصرف قلبك إلى طاعته .
وأدعوك أنك إذا قمت في السحر أن تمد يديك إلى الله أن يعيد في قلبك الإيمان واليقين والثبات والسكينة والطمأنينة.
ومنها: أوصيك بتدبر القرآن، وتدبره يزيل عنك هذه الوساوس والعشق والغرام، ثم كثرة الذكر صباحاً ومساء.
والأمر الرابع: أن تشغل نفسك بالطاعة، وبالجلوس مع الصالحين والأخيار.
والأمر الخامس: أن تقطع جميع الحبال الموصلة إلى هذه الفاحشة مثل استماع الأغنية، والمجلة الخليعة وكل ما يذكرك بالعشق والمعصية، عسى الله أن يحجبك عن النار وأن يتوب الله علينا وعليك.
стр. 4784
حكم حب الوظيفة
السؤال
إذا كانت الوظيفة هي مصدر المعيشة للإنسان بعد الله , فما حكم حبنا لهذا المصدر الذي يعود علينا بفائدة؟
الجواب
حب الوظيفة -كما أسلفت- حب جبلي فطري, فالإنسان يحب العمل، ويحب الراتب والمعاش، لكن الكسبي السببي أن يبلغ به هذا المنصب أن يموت فيه ويحيا فيه، وأن يوالي ويعادي فيه، وأن يكون ليله ونهاره عليه، وأن يسبح بحمده صباح مساء، وأن يراه أعظم من كل شيء، ووجد من الناس من إذا تولى شيئاً لا تجده يقرأ القرآن، ولا يتدبر ولا يعرف من سيرة الرسول ﷺ شيئاً، ولا يحرص على الدعوة، ولا على نصرة الإسلام في هذا المنصب، وإنما يريد هذا المنصب لهذا المنصب، فإنه يحب المنصب أشد من حب الله، ويبغض من يزاحمه على هذا المنصب أكثر من بغضه للكافر واليهودي والنصراني، فهذا بلغ بحبه سبباً كسبياً فأثم، أما الجبلي الفطري فلا بأس به فكل يحب الوظيفة.
стр. 4785
توضيح في حب الجهاد
السؤال
أرجو من فضيلتكم بيان حب الجهاد, وهل يقدم حب الجهاد على حب الوالدين؟
الجواب
حب الجهاد من حب الله ، والجهاد المطلوب في الإسلام حدده ﷺ وعرفه, قال أبو موسى: ﴿يا رسول الله! الرجل يقاتل شجاعة ويقاتل حمية، ويقاتل ليرى مكانه, أي ذلك في سبيل الله؟ قال: من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو سبيل الله﴾.
فهذا ليس فيه جواب منضبط, فإنه يختلف باختلاف الحالات والأشخاص والأحوال.
فالرسول ﵊ كان حكيماً لبيباً في الفتيا, وقد روى عبد الله بن بسر في سنن الترمذي أن شيخاً كبيراً هزيلاً جاء إلى النبي ﷺ فقال: ﴿دلني على عمل يا رسول الله! قال: لا يزال لسانك رطباً من ذكر الله﴾ وأتاه غيلان الثقفي، وهو يحمل عضلاته وقوة جسم فقال: ﴿دلني على عمل, قال: عليك بالجهاد في سبيل الله﴾ وفي النسائي: ﴿أتاه رجل من أهل اليمن له والدة, فقال: يا رسول الله! دلني على عمل قال: ألك والدة؟ قال: نعم.
قال: الزم رجلها, فإن الجنة عند رجلها﴾.
فإذا قيل: إن بر الوالدين أفضل فقد يكون كثير من الناس سمح له والداه بالجهاد فليذهب، أو ليس له والدان على قيد الحياة، وقد يقال للناس: الجهاد أفضل مطلقاً فيتركون طلب العلم، والدعوة وبر الوالدين ويذهبون، ويقال لبعض الناس: الذكر أفضل فيترك الإنفاق في سبيل الله، لكن يُلاحظ في فضل الأعمال أمور:
الأول: الظرف/ مثلاً: أن يكون الناس في وقت جهاد, فالأفضل أن يجاهدوا.
الثاني: الحال: أن تنظر إلى حال المستفتي فتفتيه بما يناسبه.
الثالث: النفع: نحن نخاطب التجار والأغنياء بالصدقة فلا نقول لهم: قوموا الليل, فهم سوف يقومون الليل، وأسهل شيء على التاجر أن يسمعك تتحدث عن ركعتي الضحى، وأصعب شيء عليه أن يسمعك تتحدث عن البذل والعطاء، والمجاهدون نحدثهم عن الجهاد في سبيل الله.
فهذه أمور قد تكون ضابطة لهذه المسألة.
стр. 4786
حكم الجلوس مع المتهاون بالصلاة
السؤال
إنني أحب الصالحين والحمد لله, ولكني أجلس مع بعض الزملاء, فبعضهم لا يصلي مع الجماعة ولا يصلي صلاة الفجر، فهل عليّ إثم في ذلك الجلوس؟
الجواب
إنما الأعمال بالنيات, إن كان قصدك أن تدعوه إلى طاعة الله وتؤثر فيه، فأنت مأجور ولا بد من الجلوس مع هؤلاء، لأن الطبيب إذا لم يجلس مع المرضى فلن يداويهم، والداعية طبيب، فإذا لم يتحمل هؤلاء فمن يعالجهم؟!
والرسول ﷺ جلس مع المنافقين والكفار ومع المشركين ليقودهم إلى الله.
وأما إن كان جلوسك حباً وولاءً ورضاً بما يفعلون؛ فأنت آثم، وحسابك على الله, وينبغي أن تتوب إلى الله من مجالستهم وأن تقطعهم وتهجرهم؛ لأن هجر العاصي أصل أصيل من أصول أهل السنة والجماعة.
وهناك استدراك وتعقيب من أحد المشايخ, يقول فضيلته: لا خلاف في جواز الدف للنساء في الزواج ولكن بشروط:
أولها: عدم رفع الأصوات.
ثانيها: عدم الاختلاط بالرجال.
ثالثها: عدم اللعب والرقص للنساء؛ لأن الكثير من النساء يضربن بالطبل، وهو محرم ويظنونه أنه دف, ويلعب الناس على التركي والمصري ويقطعن الفلوس وينفشن شعرهن ثم يهيجن، ويملن ذات اليمين وذات الشمال حتى يسقطن على الأرض، فهذا تنبيه, وأنا أشكر لمن قاله, فما نحن إلا إخوة يكمل بعضنا بعضاً.
стр. 4787
المعاصي سبب في سوء التحصيل العلمي
السؤال
إني أعاني من سوء التحصيل العلمي، فهل للمعصية دور في ظلمة النفس، وكيف أجد حلاً لهذه المشكلة علماً بأني أحرص على القراءة والأذكار فما هو الحل؟
الجواب
نعم للمعصية دور في سوء هضم العلم، وهو من أعظم الأدوار, والله نص على ذلك وقال: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ﴾ [البقرة:٢٨٢] فالواو هنا قيل: استئنافية ومتعلقة بما قبلها وهو الأحسن، وقيل: عاطفة متعلقة بما قبلها أو حالية، والحال أن الله سوف يعلمكم بإذنه ، فمن اتقى الله علمه الله، والمعاصي ترين على القلب وتطمس الذكاء والنور والإشراق، وتجعل صاحبها متخلفاً، وأعظم ما أتى الناس منه المعاصي، قال مالك للشافعي:
إني أرى لك فهماً فلا تطفئ فهمك بالمعاصي, وقال وكيع للشافعي: لا تطفئ نور فهمك بالمعاصي.
فقال الشافعي:
شكوت إلى وكيع سوء حفظي فأرشدني إلى ترك المعاصي
وقال اعلم بأن العلم نور ونور الله لا يهدى لعاصي
ويحكي الذهبي عن أحد الصالحين: قال: نظرت نظرة لا تحل لي, فقال لي أحد الأولياء: أتنظر إلى حرام؟! والذي نفسي بيده! لتجدنّ غبها ولو بعد حين -أي نتيجتها- قال: فنسيت القرآن بعد أربعين سنة.
وفي ترجمة ابن تيمية قال: إني لتعجم عليّ المسألة -أي: تصعب- فأستغفر الله ألف مرة أو أكثر أو أقل فيفتحها الله عليَّ.
ولا يفتح إلا التوبة والاستغفار والعودة إلى الله والطاعة، ولا يطمس الذكاء والمستقبل إلا المعصية.
فهي ظلمة في الوجه، وسواد في القلب، وضيق في الصدر والرزق.
وبالمقابل الطاعة نور في الوجه وبياض في القلب، وسعة في الرزق، ومحبة في قلوب الخلق، والله ذكر المعصية في بني إسرائيل في جانب العلم: ﴿فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَنَسُوا حَظّاً مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ﴾ [المائدة:١٣].
وقد ذكر ابن تيمية في تحريف الكلام عن مواضعه قسمين: وهم العصاة قال: منهم الفسقة أهل الشهوات: يحرفون الكلم عن مواضعه في الطاعات، وأهل التأويل من أهل الشبهات وهم المبتدعون يحرفونها في الأسماء والصفات، وهذا واقع في الأمة، قال سفيان بن عيينة: من فسد من علمائنا ففيه شبه باليهود، ومن فسد من عبادنا ففيه شبه بالنصارى، لأن النصارى عبدوا الله بجهل، فقال : ﴿وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلَّا ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللَّهِ فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا﴾ [الحديد:٢٧].
وقال في علماء بني إسرائيل: ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ * وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ ذَلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنَا فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [الأعراف:١٧٥ - ١٧٦] وقد يصل ذهن الإنسان إلى مثل ذهن الحمار، ودماغه مثل دماغ الحمار من كثرة المعاصي، قال : ﴿كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَاراً﴾ [الجمعة:٥].
стр. 4788
رجل يذكر الله ويأتي بكلام عن الحب والعشق
السؤال
ما رأيكم برجل يذكر الله ثم يأتي بكلام عن الحب والعشق والغرام، ولديه أشرطة كثيرة، ولا يدري كيف يتخلص منها وربما كانت أشرطة غناء؟
الجواب
هذا من الذين خلطوا عملاً صالحاً وآخر سيئاً, فعليه أن يتوب إلى الله مما يتكلم فيه من هذا, إن كان كلامه من جانب تحليله للناس فقد أخطأ خطأ بيناً، وغلط غلطاً فاحشاً: (وَلا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلالٌ وَهَذَا حَرَامٌ﴾ [النحل:١١٦] وأنا سمعت من بعض الجهلة من الذين لا يحفظون الفاتحة ولا يقرءونها قراءة مستقيمة يقول: من الذي حرم الغناء؟ أنتم تحرمون وتحللون وهي ليست بحرام، وهذا لا يتحاكم إلى رأيه، فهذا لا رأي له ولا علم، وإذا ترك الناس لمثل أراء هؤلاء الجهلة فإنها سوف تعارض الشرائع وأحكام الله: ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْماً لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ [المائدة:٥٠] وبعضهم يستدل ويقول: بأن الغناء لم يذكر بلفظه في القرآن، ومثله شرب الدخان.
والقرآن -يا معشر الإخوة الكرام- ليس معاجم أو قواميس للأسماء، فالقرآن قواعد كلية ثابتة تندرج تحتها مليون قضية: ﴿وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ﴾ [الأعراف:١٥٧] والطيبات ألف مليون طيبة، والخبائث ألف مليون خبيثة، أما أن نأتي بكل شيء جد في العصر ونقول: أخرجوه لنا من القرآن، فهذا لا يوافق العقل ولا النقل.
"الميرندا" "الببسي" "التفاح" نريد نخرجه من القرآن، أيصبح القرآن بهذا المستوى؟!
فالقرآن قواعد تسير الحياة والزمن والناس، فهذا يترك لأهل العلم، ولا يترك للجهلة أهل الشهوات: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ [الأنبياء:٧] فإذا استنبط أهل الذكر من القرآن تحريماً, نقول: على العين والرأس، أو استنبطوا تحليلاً فنقول: على العين والرأس, أما الجهلة فلا يلتفت إليهم.
أما أشرطة الغناء، فيتخلص منها بأمور: بعض التسجيلات يقبلون هذه الأشرطة, وينسخون عليها مادة إسلامية فعليه أن يذهب بهذه الأشرطة، ويقدمها وينسخون عليها مادة طيبة تنفعه في دار الدنيا والآخرة.
وإذا لم يقبلوه فعليه أن يحرقها من باب إتلاف أدوات اللهو، والخبيث لا يتأسف عليه, واحمد الله على التوبة.
وماذا تفعل بالأشرطة؟! هل توصي بها لورثتك، أو تترك معك في القبر, أو تدفن عند رأسك؟!
стр. 4789
حكم الترديد خلف المؤذن في دورة المياه
السؤال
إذا أذن المؤذن وأنا في دورات المياه فهل يحق لي أن أردد معه أم لا؟
الجواب
الذي يظهر من النصوص أنه يحق لك أن تردد بقلبك، أما بلسانك فلا، وهذا من باب تعظيم شعائر الله، وعند أبي داود ﴿أن رجلاً سلّم على رسول الله ﷺ فلم يرد عليه حتى أتى الحائط فتيمم فرد عليه﴾ فأنت إذا كنت في الدورة فردد بقلبك, فإذا خرجت فلك أن تعيد من باب إعادة النوافل، فإن النبي ﷺ أعاد بعض النوافل، ولذلك تساءل بعض أهل العلم: من نسي الذكر بعد الصلاة أو قام لغرض؟ قالوا: يعيده من باب إعادة النوافل، والأصل: ﴿أن النبي ﷺ أعاد ركعتي سنة الظهر، وقال: شغلني عنها وفد عبد القيس﴾.
стр. 4790
حكم إطالة الإمام في الصلاة
السؤال
إمام مسجد يطيل الصلاة ونصح ولم يستمع النصيحة، فما الحكم إذا ذهبنا نصلي في مسجد آخر؟
الجواب
الطول والقصر في الصلاة لا يترك لآراء الناس, فإن من الناس من يعد القصر الكثير تطويلاً، ومن الناس من أفحم الناس بالتطويل وشق عليهم، فهو يصلي بالناس فيتبرع الساعات الطوال، ولا يلتفت إلى مريض ولا إلى كبير وعاجز وطفل ويصلي بالناس حتى يتوب الناس من الصلاة وراءه ومن دخول المسجد، فهذا من باب التطويل.
وقد قال النبي ﷺ لـ معاذ؟: ﴿أفتان أنت يا معاذ﴾ ويقول ﵊: ﴿من صلى بالناس فليخفف فإن فيهم المريض والضعيف والكبير وذا الحاجة -وفي لفظ: الصغير-﴾ ويقول ﵊ والحديث عند البخاري -: ﴿إني لأقوم في الصلاة أريد إطالتها فأسمع بكاء الصبي فأتجوز في صلاتي كراهة أن أشق على أمه﴾ وبعض الناس يقصر بالناس لسماع هذه الأحاديث، فيصب تمارين سويدية في المسجد، فلا يسلم الناس إلا وقد قطع صدورهم من الفحمة، وغترهم تشتغل وثيابهم وأقلامهم ومذكراتهم تساقطت، كأنه على سلم يشتغل ويغني، فهذا كذلك يستتاب ويتوب إلى الله.
وحد الطول والقصر صفة صلاته ﷺ ، وهو أن يقرأ الإمام بما كان يقرأ ﷺ , فيقرأ بقصار المفصل بترتيل في المغرب، وبالوسط في صلاة العشاء، كالضحى, والشمس وضحاها, والليل، وما شابهها، ويطيل في الفجر لأنها بعد راحة ولأنها ركعتان، والظهر يطيل ويتوسط في العصر على نصف صلاة الظهر, ويتمم الركوع والسجود حتى إنه في حديث حذيفة: ﴿يسبح عشراً في الركوع ويسبح عشراً في السجود﴾ وهذا لا يفعله كثير من الناس، فهذا ينصح به الأئمة ويكونون وسطاً بين هؤلاء وهؤلاء ويتحببون إلى المأمومين.
стр. 4791
نصيحة للدعاة
السؤال
إن الدعاة مقتصرون في دعوتهم على بعضهم البعض، والشباب يرتكبون المعاصي الكبيرة، والدعاة محاسبون عنهم؛ لأنهم لم يذهبوا إليهم ولم يخرجوا إليهم في أماكنهم, فما رأيكم يا شيخ؟
الجواب
هذا السؤال فيه كثير من الحقيقة والحق, ومن أتى بالحق نقبله من أي رجل تكلم به، سواء كان قاصداً للخير بهذا السؤال أو مغرضاً لتنقيص الدعاة، والدعاة لا يقال فيهم كلمة عامة بالبخس أو بالوفاء، فهم بشر فيهم المحسن وفيهم المقتصد، وفيهم سابق بالخيرات، وفيهم الظالم لنفسه، ولكن خير الناس الدعاة: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحاً وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [فصلت:٣٣] وأعقل الناس الدعاة، وهذا على العموم -الجنس-.
أما ما ذكر الأخ السائل فهذا صحيح, فقد وجد أن الدعوة قد انحصرت في بعض الأمكنة والأزمنة وعلى المساجد, فيقوم الداعية بعد الصلاة في أناس ما أتوا إلا ليصلون فيقول لهم: صلوا فإن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر, اتقوا الله في الصلاة، ولكن المقاهي والنوادي ممتلئة بالفسقة الذين يصدون عن بيوت الله, فهذا خطأ, والرسول ﷺ دخل إلى الأسواق - سوق عكاظ وذي المجنة - وخطب بالناس ودعاهم، وذهب إلى مجتمعات اليهود، ودخل على المنافقين والمشركين ودعاهم إلى الله، فهذا واجب على الدعاة أن يتنبهوا إليه.
وبعض الناس يتوقف عن استخدام الوسائل في الدعوة, فلا بأس باستخدام الوسائل إذا كانت مصلحتها أعظم من مفسدتها، وهذا يقال في هذا الجانب ولا أحدد أي وسيلة، ولو كان بالكتابة في الصحف الرديئة فإني رأيت بعض الإخوة يحجم عنها ويقول: لا يكتب فيها؛ لأنها بوضع رديء وإذا تركت الكتابة في الصحف والدعوة في الصحف والمجلات أخذها أهل الباطل وسرحوا فيها كلمتهم، ونصروا فيها مبادئهم, وإذا تركت لهم الساحة فإنهم سوف يعيثون فيها فساداً: ﴿وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ﴾ [البقرة:٢٥١] فواجب الإخوة الدعاة أن يتصدروا وأن يصنفوا أنفسهم، فلا يصلح كل إنسان إلا لما خلقه الله له، فداعية يصلح للخطابة يوم الجمعة؛ فهذا حقه المنبر، وداعية في البادية وفي القرى لأنه يجيد لغة البوادي والقرى، وداعية يستطيع بفكره وصبره وعلمه أن يدخل النوادي والمقاهي، وداعية يكون صحفياً وأديباً فيكون -من هذا الجانب- كل واحدٍ على ثغرة، والله خلق الناس وكلٌ ميسر لما خلق له، ونوع طاقاتهم لحكمة أرادها .
وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
стр. 4792
هدي الرسول ﷺ في السفر
إذا كان للحياة طعم، وللعيش لذة، فإنما هي في تذكر سيرة الرسول ﷺ وتدارسها وتمثلها، وفي هذا الدرس نتعرف على سيرة إمام الهدى ﷺ في السفر: آدابه معاملاته عباداته أذكاره.
стр. 4793
وقفات مع هدي الرسول ﷺ في السفر
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.
أمَّا بَعْد:
فسلام الله عليكم ورحمته وبركاته:
ما زالت هذه الجلسة مع سيرة رسول الله ﷺ العطرة، وأيامه المشرقة، وأنفاسه المتوهجة بنور الإسلام ﷺ ، وإن كان للحياة سعادة، وللعيش لذة، وللعمر مواهب؛ فإنما هو في تذكر سيرته ﷺ .
فنسأل الله بأسمائه الحسنى وصفاته العلى، أن يوفقنا لاتباعه ﷺ ، وأن يحشرنا في زمرته، وأن يجعلنا من الشاربين من حوضه شربة لا نظمأ بعدها أبداً.
ومعنا في هذا الدرس هديه ﵊ في السفر.
ماذا كان يفعل في سفره ﷺ ؟ في قصره إفطاره أذكاره نوافله ﵊.
وقد ذكر الله السفر في كتابه، فذكر سفر الأنبياء، قال : ﴿قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ﴾ [الأنعام:١١] ولما دمر قرى قوم لوط، وحاسبهم ، قال لقريش وللمشركين عامة: ﴿وَلَقَدْ أَتَوْا عَلَى الْقَرْيَةِ الَّتِي أُمْطِرَتْ مَطَرَ السَّوْءِ أَفَلَمْ يَكُونُوا يَرَوْنَهَا بَلْ كَانُوا لا يَرْجُونَ نُشُوراً﴾ [الفرقان:٤٠].
يقول: أما مروا وهم مسافرون في رحلة الصيف إلى الشام على قرية قوم لوط فرأوها مدمرة؟ لماذا لم يتعظوا؟! فالذي يسافر ولا يتعظ لم يستفد من سفره.
وذكر الله أن إبراهيم ﵇ لما سافر إلى مكة، وعاد منها مودعاً أهله قال: ﴿رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ﴾ [إبراهيم:٣٧].
وذكر سبحانه سفر لوط عن قومه، وقال: ﴿وَقَالَ إِنِّي مُهَاجِرٌ إِلَى رَبِّي إِنَّهُ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [العنكبوت:٢٦] فانظر إلى تأدبه مع الله فقال: مهاجر، ولم يقل: مسافر؛ لأن من سافر لطاعة الله ولو كان في نزهة فهو مهاجر بإذن الله.
وذكر الله موسى ﵇، وأنه لما كلّ وملّ وجاع في السفر قال لغلامه: ﴿آتِنَا غَدَاءَنَا لَقَدْ لَقِينَا مِنْ سَفَرِنَا هَذَا نَصَباً﴾ [الكهف:٦٢] وكان يسافر لطلب العلم.
وقد عقد البخاري في كتاب العلم باباً قال: باب السفر في طلب العلم، ثم أتى بقصة موسى ﵇ يوم سافر للخضر وركب البحر؛ فأتى بهذه القصة.
وهنا سبع وعشرون مسألة، نتدارسها في هذه الجلسة المباركة، التي نسأل الله أن تكون خالصة لوجهه، وأن تكون كفارة لكل مجلس باطل جلسناه، أو لغو تحدثنا فيه، أو مجلس ضيعناه.
стр. 4794
الوقفة الأولى: وداع النبي ﷺ لأصحابه
المسألة الأولى: وداعه ﷺ لأصحابه: والعرب في جاهليتها كانت أحسم ساعة عندها ساعة الوداع والفراق.
قيل لـ جعفر بن محمد الصادق: لماذا لا تصاحب الناس والإخوان؟ قال: أخاف وحشة الفراق.
وكان الحسن البصري رحمه الله تعالى إذا ودع أصحابه بكى وقال:
هو الدهر قد يعطيك من فلتاته رزية مال أو فراق حبيب
وابن المبارك ودع أصحابه وهم سائرون في الغزو؛ فبكى كثيراً، وقال:
بغض الحياة وخوف الله أخرجني وبيع نفسي بما ليست له ثمنا
إني وزنت الذي يبقى ليعدله ما ليس يبقى فلا والله ما اتزنا
وعمر بن الخطاب كانت من أسعد اللحظات في حياته تلك الساعة التي ودَّع فيها رسول الله ﵊، فقال له: ﴿لا تنسنا يا أخي من دعائك﴾.
فالرسول ﷺ يقول هذا لـ عمر، والحديث في الترمذي وقد تكلم فيه بعض أهل العلم، لكن الصحيح أنه حديث حسن، قال: ﴿لا تنسنا يا أخي من دعائك﴾ فالرسول ﷺ يقول هذا وعمر حسنة من حسناته، وتلميذ من تلامذته، وقد كان عمر ذاهباً ليعتمر.
ثم يقول عمر وهو يبكي ويتذكر هذه الكلمة بعد وفاة المصطفى ﵊: [[كلمة ما أريد أن لي بها الدنيا وما فيها]].
والرسول ﵊ كان إذا ودع أصحابه كما في صحيح مسلم من حديث بريدة بن الحصيب يقول: ﴿أستودع الله دينكم، وأمانتكم، وخواتيم أعمالكم﴾ وفي الصحيح أن ابن عمر قال: ﴿كان الرسول ﷺ إذا ودع أحدنا قال: استودع الله دينك، وأمانتك، وخواتيم عملك﴾.
فالمسلم ينبغي له أن يقول هذا الدعاء، فإن الله إذا استودع على شيء حفظه، والله لا تضيع ودائعه، وأحسن وأعظم ما يحفظه هو الدين، والعمل، والإخلاص، والتوجه، وخواتيم العمل.
وفي السيرة لـ ابن هشام وابن إسحاق قصة عبد الله بن رواحة وقد ذكرها ابن كثير وهي أن ابن رواحة لما ودع رسول الله ﷺ ، وقد كان أرسله يغزو في سبيل الله في مؤتة وهي قريبة من معان، فتخلف ابن رواحة عن أصحابه وصلى الجمعة مع رسول الله ﵊، فقال له ﵊: ﴿ما خلفك عن أصحابك؟ قال: ليكون آخر عهدي بك أن أراك على المنبر، فقال ﷺ : لقد فاتتك غدوة خير من الدنيا وما فيها﴾ فلما ودعه بكى ابن رواحة، فقال الصحابة: مالك تبكي يـ ابن رواحة! أعادك الله علينا بالخير؟ قال: لا والله.
لكنني أسأل الرحمن مغفرة وطعنة ذات فرغ تقذف الزبدا
حتى يقال إذا مروا على جدثي يا أرشد الله من غاز وقد رشدا
فكان الصحابة كلما مروا على قبره يتباكون، ويقولون: يا أرشد الله من غاز وقد رشدا- ولما انتهى نظر ابن رواحة إلى النخل وفيه رسول الله ﷺ ، ثم قال وهو يبكي:
خلف السلام على امرئٍ ودعته في النخل خير مودع وخليل
وودع ﷺ معاذاً وقد ذكر القصة الذهبي في سير أعلام النبلاء في المجلد الأول، وهي أن النبي ﷺ ودع معاذاً فبكى معاذ طويلاً؛ لأن الرسول ﵊ قال له: ﴿يا معاذ! لعلك لا تراني بعد اليوم، فبكى معاذ كثيراً، فقال له ﷺ : لا تبك فإن الجزع من الشيطان، ثم قال له: اتق الله حيثما كنت، وأتبع السيئة الحسنة تمحها، وخالق الناس بخلق حسن﴾ وهذه رواية الترمذي، وزاد غيره من أهل السير: ﴿اذكر الله -يا معاذ - عند كل شجر وحجر ومدر﴾ فأوصاه بتقوى الله وذكره والتوبة.
والرسول ﷺ قد ودع كثيراً من أصحابه فكان يوصيهم بذكر الله وبتقوى الله كما ودع أبا ذر.
قال بريدة بن الحصيب: [[كان إذا كان لنا قائد في الغزو اختص ﷺ بهذا القائد، فأوصاه بتقوى الله في ذات نفسه، ثم خطب في الناس فأوصاهم بتقوى الله عامة]].
وأما أبو بكر ﵁ وأرضاه، فإنه استعرض الجيش -الغازي في سبيل الله- الذي خرج إلى الشام، وكان أميره يزيد بن أبي سفيان أخو معاوية، وهو خير من معاوية وأفضل عند أهل السنة والجماعة، فودعه أبو بكر وأوصاه بتقوى الله، وقال: [[الله الله في الإخلاص، ثم قال: إنما ثقل الحق على قوم لأنهم ملوه، وإنما خف الباطل على قوم لأنهم أحبوه]] ثم ودعه، وودع خالداً ودعا له كثيراً.
وعمر ﵁ وأرضاه ودع جيش سعد الذي ذهب إلى القادسية، وخطب فيهم خطبة عظيمة، ثم أخذ سعد بن أبي وقاص ومال به عن الجيش، وقال له: [[يا سعد بن وهيب! - سعد هو: سعد بن مالك بن أبي وقاص، لكن سماه سعد بن وهيب ليصغر من شأنه في نفسه، ويحقره كي لا تعجبه نفسه- قال: يا سعد بن وهيب! لا يغرنك قول الناس أنك خال رسول الله ﷺ ، فإن الله ليس بينه وبين أحد من خلقه نسب، وإن أفضلهم عند الله أتقاهم]] ثم أوصاه وذهب.
وكان من هديه ﷺ أن يوصي الناس بالاستخارة قبل السفر.
قال أهل العلم: الاستخارة قبل السفر في السفر الذي ما ترجحت مصلحته، فأنت مضطرب لا تدري أتقدم على هذا السفر أم تحجم، فكان من الحكمة أن تستخير الله ، أما سفر حج أو عمرة أو طلب علم، فهذا واضح، وإن استخرت فلا بأس وأنت مأجور على هذا، لكن السفر الذي لم يظهر لك وجه المصلحة فيه فعليك أن تستخير الله، بعد أن تتوضأ وتصلي ركعتين، ثم تدعو بالدعاء المعروف في حديث جابر، وبعدها سوف يسهل الله أمرك.
стр. 4795
الوقفة الثانية: عدم التشاؤم
وحق على المسلم الذي يعتقد وحدانية الله ألا يتشاءم؛ لأن من عادة المشركين والمشعوذين والكهنة أن يتشاءموا في الأسفار، فإذا حزم أحدهم متاعه وهمَّ بالسفر، ثم سمع صوت غراب ترك السفر، أو سمع صوتاً تشاءم به وترك، وهذا هو مذهب الجاهلية، وأهل الوثنية والإشراك، والصد عن الله .
ولذلك يقول لبيد بن ربيعة:
زعم البوارح أن رحلتنا غداً وبذاك ينعاق الغراب الأسود
يقول: نحن مسافرون غداً وقد أخبرنا بذلك الغراب؛ لكن ليس عند الغراب خبر، إن الأمر إلا عند الله ، ولذلك لام الله المشركين؛ لأنهم يستقسمون بالأزلام، فكلما أرادوا السفر ضربوا بالقداح، فإن خرج اخرج خرج، وإن خرج لا تخرج ترك، وهذا من عبادة غير الله .
стр. 4796
الوقفة الثالثة: ذكر الله في السفر
وكان من هديه ﷺ ، إذا ركب الدابة، وهذا أمر من الله في كتابه ، ويقاس على الدابة ما في حكمها من سيارة ومركب وسفينة وطائرة، أن إذا ركبها المسلم أن يقول: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ﴾ [الزخرف:١٣] فالذي سخره هو الحي القيوم، ولولاه ما سُخر لنا شيء، فإنه الذي سخر وقاد وسهل ويسر، فإذا تمثل العبد هذه النعمة، فليقل: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ﴾ [الزخرف:١٣].
قال ربيعة -كما في سنن الترمذي -: ﴿كنت مع علي بن أبي طالب أبي الحسن ﵁ وأرضاه وهو في الكوفة، فأراد أن يسافر، قال: فركب دابته، فلما ركبها، قال: الحمد لله، الحمد لله، الحمد لله، الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، سبحان الله، سبحان الله، سبحان الله، اللهم اغفر لي ذنوبي فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت، ثم ضحك، فقال له ربيعة: مالك يا أمير المؤمنين تضحك؟ قال: رأيت رسول الله ﷺ ركب دابته كما ركبتها الآن، ثم ضحك، فقلت: مالك يا رسول الله؟! -وفي لفظ الترمذي - رأيت رسول الله ﷺ ركب دابته، ثم قال: اللهم اغفر لي ذنوبي فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت، ثم ضحك، قلت: ما أضحكك يا رسول الله أضحك الله سنك؟! قال: يضحك ربك إذا قال العبد: اللهم اغفر لي ذنوبي فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت، يقول الله لملائكته: انظروا لعبدي علم أنه لا يغفر الذنوب إلا أنا، صدق عبدي إنه لا يغفر الذنوب إلا أنا﴾ فكان من هديه ﷺ أن يحمد الله ثلاثاً، ويكبر ثلاثاً، ويسبح ثلاثاً، ثم يستغفر الله ويتوب إليه.
وكان ﵊ إذا انطلق في السفر، قال: ﴿اللهم أنت الصاحب في السفر، والخليفة في الأهل، اللهم هون علينا سفرنا هذا، واطو عنا بعده، اللهم إنا نعوذ بك من وعثاء السفر، وكآبة المنظر، وسوء المنقلب في المال والأهل﴾ وزاد بعضهم: الولد لكن الرواية الصحيحة الأهل.
فهذا الدعاء يفيد أن رسول الله ﷺ كان يحافظ عليه، ويستحفظ الله في أهله بعده، ثم يسأل الله تسهيل السفر، وطي الأرض؛ لأن الأرض تطوى للصالحين، وهذه من كرامات الصالحين.
ومن تيسير الله لرسوله ﷺ أنه كان يقطع المسافات الطويلة في وقت قصير، وكلما كثُر صلاح الرجل، واستغفاره، وذكره لله، سهل الله عليه السفر، فلم يأته من وعثاء السفر شيء، أو ما يشغله في سفره، وأعاده الله سليماً معافىً.
ومن السنة والحكمة والمصلحة أن يكثر الإنسان من الذكر، خاصة آية الكرسي والمعوذات وقل هو الله أحد، إذا ركب دابته، ويتعوذ؛ ليحفظ الله عليه كيانه، وإيمانه، ودينه؛ لأنه لا يدري بالمتالف ولا بالحوادث، والدعاء يرد القضاء بإذن الله، وإنما تلف من تلف في الحوادث؛ لأنهم ما ذكروا الله وما استعصموا بالله ، فلوا أنهم دعوا الله وتعوذوا به؛ لأعاذهم الله ، ولكن إذا وقع القضاء والقدر لطف الله بسبب الدعاء.
стр. 4797
الوقفة الرابعة: أنواع أسفار النبي ﷺ
الأمر الرابع: أنواع الأسفار التي سافرها رسول الهدى ﷺ .
وأسفاره ثلاثة أنواع: إما حج، أو عمرة، أو غزو في سبيل الله .
قال ابن القيم رحمه الله تعالى: فأسفاره ﷺ تدور على هذه الأنواع الثلاثة: إما حج، أو غزو في سبيل الله، أو عمرة يعتمر فيها، ولكن ذكر أهل العلم أن هناك سفراً لطلب العلم، وهذا من أعظم الأسفار، وسفر لزيارة الصالحين، وسفر للتفكر في آيات الله المعروضة، وسفر للنزهة، وسفر للمعصية، وقد ذكر ذلك ابن تيمية في فتاويه.
وتساءل شيخ الإسلام: هل يجوز أن تقصر إذا سافرت في المعصية؟ نعوذ بالله من المعاصي ما ظهر منها وما بطن، ومثّل على ذلك بمثال، يقول: كأن يخرج يريد قتل إنسان في المدينة أو في قرية بعيدة، هل له أن يقصر ويفطر، أو سافر لمعصية أخرى لأخذ مال أو نحو ذلك، فقال: نعم.
له أن يقصر، وله أن يفطر؛ لأن الله أطلق السفر في القرآن ولم يقيده بشيء، وأما بعض أهل العلم كـ أبي حنيفة فقال: أما سفر المعصية فلا يقصر فيه، وهذا سوف يأتي معنا.
إذاً أسفاره ﷺ حج وعمرة وغزو، ولك أن تسافر في غير ذلك لنزهة، أو لتفكر في آيات الله المعروضة في الكون: ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ﴾ [فصلت:٥٣].
وذكروا عن الجنيد بن محمد أنه كان كثير الأسفار، فقيل له: مالك كثير الأسفار؟ قال: لا أذكر الآخرة إلا إذا رأيت الفيافي، وهي الصحاري الطويلة العريضة، فهناك يتذكر الآخرة.
وبعض الناس إذا خرج من المدن والقرى وأصبح في الصحراء؛ يتذكر فناء العالم، ودمار هذه المعمورة، وانتقال الناس والرحيل إلى الحي القيوم، فيخشع ويلين، فما عليه أن يسافر إذا أراد بعمله وجه الله ليستعين به على طاعة الله.
стр. 4798
الوقفة الخامسة: أفضل أوقات السفر
متى يخرج ﷺ ؟ وما هو اليوم الذي يعجبه؟ وما هو الوقت الذي يحب أن يخرج فيه للسفر؟
يقول كعب بن مالك كما في صحيح البخاري وصحيح مسلم: ﴿كان ﷺ إذا أراد أن يخرج خرج صباح الخميس﴾ فكان أحسن الأوقات له ﷺ يوم الخميس، يتفاءل فيه ﵊ وكان يعجبه الفأل، فيخرج يوم الخميس في الصباح، لكنه في بعض الأسفار لا يستطيع أن يحكم ظروفه ليخرج في هذا اليوم، فكان يخرج في أي يوم من الأيام، إلا يوماً واحداً ووقتاً سوف أتكلم عنه.
وأما أحب الأوقات له ﷺ فكان الصباح بعد صلاة الفجر، وكان ﷺ يسافر في الغالب بعد صلاة الفجر، وكان يقول كما في حديث أبي صخر الغامدي في مسند أحمد: ﴿بارك الله لأمتي في بكورها﴾ أي: في صباحها يوم تصبح، وفي أثر: أن الأرزاق تقسم والأرض تطوى في الصباح، وهو أعظم وقت يستغله المسلم، ولذلك تقرب له المسافات بإذن الله ، وينهي أعماله؛ لأن الوقت في الصباح مبارك.
وذكر أهل العلم أن أبا صخر الغامدي راوي هذا الحديث: ﴿بارك الله لأمتي في بكورها﴾ أخذ بهذه الوصية، فكان يبيع ويشتري منذ الصباح الباكر، قال: فكثرت أمواله، حتى لا يدري أين يضعها، والقصة هذه في مسند أحمد وما ذاك إلا لأنه أخذ بوصيته ﷺ .
والسفر في كل الأيام مقبول بإذن الله، وأحسنها يوم الخميس، وأحسن الأوقات الصباح بعد الفجر، وأما الجمعة فاختلف فيها أهل العلم، قال قوم: لا يسافر حتى بعد فجر يوم الجمعة، وقد رووا: ﴿أن ملكاً ينادي من سافر يوم الجمعة ويقول: لا وفقك الله ولا صحبك الله في سفرك﴾ وهذا الحديث ضعيف لا تقوم به حجة، وقد سافر بعض الصالحين بعد فجر يوم الجمعة، لكن الذي نُهي عنه بعد النداء الثاني من صلاة الجمعة، فلا يسافر المسافر أبداً، أمَّا بَعْد الفجر فله أن يسافر، ولو ترك السفر يوم الجمعة لكان أحسن وأولى حتى يسدده الله؛ لأن يوم الجمعة وقت تفرغ وعبادة، ووقت مقام مع الحي القيوم، وهو عيد المسلمين، فلو صرف السفر يوم الجمعة لكان أحسن، أمَّا بَعْد النداء الثاني فإنه حرام لا يجوز له، ولن يوفق في سفره، إذا عصى الله ورسوله وسافر بعد النداء الثاني.
стр. 4799
الوقفة السادسة: اختيار الأصحاب في السفر
وأما المسألة السادسة فهي: اختيار الأصحاب في السفر، وقد أمر ﷺ باختيار الأصحاب في الحضر وكذلك في السفر: ﴿الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ﴾ [الزخرف:٦٧] وفي سنن الترمذي بسند حسن، قال النووي: لا بأس بهذا الحديث، أي: بسند هذا الحديث، قال ﵊: ﴿لا تصاحب إلا مؤمناً ولا يأكل طعامك إلا تقي﴾ فما هو السر في أن جعل الوصف في السفر مؤمناً وفي الطعام تقياً؟
جعله في السفر مؤمناً؛ لأنها كلمة مطلقة، فكل متق مؤمن، وليس كل مؤمن متقياً، فالمؤمن أقل درجة، أي: أنه يشترط في أكل الطعام ودخول البيت أن تتحفظ أو تستصحب الصالحين أكثر من السفر، أما السفر فكل من آمن بالله رافقه، فأما استصحاب الجلوس في البيوت مع الناس فالواجب أنك تؤاخي المتقي لله كثيراً: ﴿فلا تصاحب إلا مؤمناً، ولا يأكل طعامك إلا تقي﴾ لأن الفجرة -والعياذ بالله- تتنزل عليهم اللعنات، ومن كان مع قوم أشركهم؛ فإن الشر يعم والخير يخص.
ولذلك قال جعفر بن محمد الصادق لابنه وهو يوصيه كما في تراجمه: يا بني! لا تصاحب أربعة: لا تصاحب الفاجر، ولا تصاحب عاق الوالدين، ولا تصاحب الكذاب، ولا تصاحب البخيل.
فأما عاق الوالدين فإن الله غضب عليه، فكيف ترضى عليه وقد غضب الله عليه.
وأما الفاجر فإن اللعنة تتنزل عليه، فإياك أن تتنزل عليه لعنة فيصيبك منها مصيبة.
وأما البخيل فيبيعك أحوج ما تكون إليه.
وأما الكذاب كالسراب يقرب لك البعيد ويبعد عليك القريب.
فهؤلاء الأربعة أوصى هذا الرجل الذي له قدم صدق في الإسلام ابنه ألا يصاحبهم، وقس عليهم أمثالهم، والمسلم آتاه الله بصيرة من لدنه .
стр. 4800
الوقفة السابعة: كثرة الدعاء
ومن السنن في الأسفار: كثرة الدعاء والذكر؛ لأن للمسافر دعوة لا ترد بإذن الله، والله عند المنكسرة قلوبهم.
والمسافر إذا سافر عن أهله انكسر قلبه بالفراق والوحشة؛ فإذا انكسر قلبه؛ أجابه الله .
فثلاثة دعوتهم مقبولة عند الحي القيوم، الوالد لولده، والمظلوم على ظالمه، والمسافر، وعند أبي داود: ﴿الصائم حتى يفطر، والوالد لولده، والمظلوم على ظالمه﴾ ورواية المسافر صحيحة؛ فإن له دعوة لا ترد بإذن الله.
فعلى المسلم أن يغتنم سفره في الدعاء، وكثرة التهليل والتكبير والتسبيح، وأن يلتجئ إلى الحي القيوم.
وفي صحيح مسلم قال أبو هريرة ﵁ وأرضاه: ﴿كنا مع رسول الله ﷺ بين مكة والمدينة، فسرنا؛ فعرض له جبل اسمه جمدان - جمدان جبل يقع بين مكة والمدينة - فقال: سيروا هذا جمدان سبق المفردون، قلنا: وما المفردون يا رسول الله؟ قال: الذاكرون الله كثيراً والذاكرات﴾.
قال سهل بن سعد: ﴿دخلنا مع رسول الله ﷺ ثنية، فتعبنا فيها - هذه الثنية هي: جبل شائك ركبوه بفرسانهم وخيولهم فتعبوا فيه - فلما نزلوا، قال رسول الله ﷺ : قولوا: نستغفر الله ونتوب إليه، فقال الصحابة: نستغفر الله ونتوب إليه، قال: أبشروا وأملوا في ربكم ما يسركم! هذه والذي نفسي بيده! الحطة التي عرضت على بني إسرائيل يوم دخلوا الباب، قال لهم الله : ﴿وَقُولُوا حِطَّةٌ وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّداً نَغْفِرْ لَكُمْ خَطِيئَاتِكُمْ﴾ [الأعراف:١٦١]﴾.
لما دخل اليهود باب أريحا في فلسطين قال لهم الله: ﴿قُولُوا حِطَّةٌ﴾ [الأعراف:١٦١] أي: قولوا: غفرانك يا رب! نستغفرك ونتوب إليك من الذنوب والخطايا، فأخذوا يستهزئون ويتبطحون على أدبارهم، ويقولون: حنطة في سنبلة، وحنطة في شعرة، فأخزاهم الله وقطع دابرهم، فقبلها أصحاب محمد ﵊، وقالوا: نستغفرك الله ونتوب إليك.
قال أهل العلم: من تعب في سفره، أو صعد جبلاً، أو حمل حملاً ثقيلاً، فليقل: نستغفر الله ونتوب إليه؛ لأنه لم تأت مشقة في سفر إلا بالذنوب التي لا نخلو منها طرفة عين، فإن ذنوبنا عدد أنفاسنا، نذنب ونحن جلوس في بيوتنا، وتذنب قلوبنا وأبصارنا وأسماعنا، ولا يغفر الذنب إلا الحي القيوم، فالجأ إليه واستغفره دائماً وأبداً.
والمقصود هنا: كثرة الدعاء في السفر والتهليل والتكبير؛ ليصحبك الله وليؤنسك مما تخاف.
следующие страницы →