Полный текст (10 391 стр.). Показаны 4796–4835 · переход к 4801.
стр. 4796
الوقفة الثالثة: ذكر الله في السفر
وكان من هديه ﷺ ، إذا ركب الدابة، وهذا أمر من الله في كتابه ، ويقاس على الدابة ما في حكمها من سيارة ومركب وسفينة وطائرة، أن إذا ركبها المسلم أن يقول: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ﴾ [الزخرف:١٣] فالذي سخره هو الحي القيوم، ولولاه ما سُخر لنا شيء، فإنه الذي سخر وقاد وسهل ويسر، فإذا تمثل العبد هذه النعمة، فليقل: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ﴾ [الزخرف:١٣].
قال ربيعة -كما في سنن الترمذي -: ﴿كنت مع علي بن أبي طالب أبي الحسن ﵁ وأرضاه وهو في الكوفة، فأراد أن يسافر، قال: فركب دابته، فلما ركبها، قال: الحمد لله، الحمد لله، الحمد لله، الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، سبحان الله، سبحان الله، سبحان الله، اللهم اغفر لي ذنوبي فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت، ثم ضحك، فقال له ربيعة: مالك يا أمير المؤمنين تضحك؟ قال: رأيت رسول الله ﷺ ركب دابته كما ركبتها الآن، ثم ضحك، فقلت: مالك يا رسول الله؟! -وفي لفظ الترمذي - رأيت رسول الله ﷺ ركب دابته، ثم قال: اللهم اغفر لي ذنوبي فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت، ثم ضحك، قلت: ما أضحكك يا رسول الله أضحك الله سنك؟! قال: يضحك ربك إذا قال العبد: اللهم اغفر لي ذنوبي فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت، يقول الله لملائكته: انظروا لعبدي علم أنه لا يغفر الذنوب إلا أنا، صدق عبدي إنه لا يغفر الذنوب إلا أنا﴾ فكان من هديه ﷺ أن يحمد الله ثلاثاً، ويكبر ثلاثاً، ويسبح ثلاثاً، ثم يستغفر الله ويتوب إليه.
وكان ﵊ إذا انطلق في السفر، قال: ﴿اللهم أنت الصاحب في السفر، والخليفة في الأهل، اللهم هون علينا سفرنا هذا، واطو عنا بعده، اللهم إنا نعوذ بك من وعثاء السفر، وكآبة المنظر، وسوء المنقلب في المال والأهل﴾ وزاد بعضهم: الولد لكن الرواية الصحيحة الأهل.
فهذا الدعاء يفيد أن رسول الله ﷺ كان يحافظ عليه، ويستحفظ الله في أهله بعده، ثم يسأل الله تسهيل السفر، وطي الأرض؛ لأن الأرض تطوى للصالحين، وهذه من كرامات الصالحين.
ومن تيسير الله لرسوله ﷺ أنه كان يقطع المسافات الطويلة في وقت قصير، وكلما كثُر صلاح الرجل، واستغفاره، وذكره لله، سهل الله عليه السفر، فلم يأته من وعثاء السفر شيء، أو ما يشغله في سفره، وأعاده الله سليماً معافىً.
ومن السنة والحكمة والمصلحة أن يكثر الإنسان من الذكر، خاصة آية الكرسي والمعوذات وقل هو الله أحد، إذا ركب دابته، ويتعوذ؛ ليحفظ الله عليه كيانه، وإيمانه، ودينه؛ لأنه لا يدري بالمتالف ولا بالحوادث، والدعاء يرد القضاء بإذن الله، وإنما تلف من تلف في الحوادث؛ لأنهم ما ذكروا الله وما استعصموا بالله ، فلوا أنهم دعوا الله وتعوذوا به؛ لأعاذهم الله ، ولكن إذا وقع القضاء والقدر لطف الله بسبب الدعاء.
стр. 4797
الوقفة الرابعة: أنواع أسفار النبي ﷺ
الأمر الرابع: أنواع الأسفار التي سافرها رسول الهدى ﷺ .
وأسفاره ثلاثة أنواع: إما حج، أو عمرة، أو غزو في سبيل الله .
قال ابن القيم رحمه الله تعالى: فأسفاره ﷺ تدور على هذه الأنواع الثلاثة: إما حج، أو غزو في سبيل الله، أو عمرة يعتمر فيها، ولكن ذكر أهل العلم أن هناك سفراً لطلب العلم، وهذا من أعظم الأسفار، وسفر لزيارة الصالحين، وسفر للتفكر في آيات الله المعروضة، وسفر للنزهة، وسفر للمعصية، وقد ذكر ذلك ابن تيمية في فتاويه.
وتساءل شيخ الإسلام: هل يجوز أن تقصر إذا سافرت في المعصية؟ نعوذ بالله من المعاصي ما ظهر منها وما بطن، ومثّل على ذلك بمثال، يقول: كأن يخرج يريد قتل إنسان في المدينة أو في قرية بعيدة، هل له أن يقصر ويفطر، أو سافر لمعصية أخرى لأخذ مال أو نحو ذلك، فقال: نعم.
له أن يقصر، وله أن يفطر؛ لأن الله أطلق السفر في القرآن ولم يقيده بشيء، وأما بعض أهل العلم كـ أبي حنيفة فقال: أما سفر المعصية فلا يقصر فيه، وهذا سوف يأتي معنا.
إذاً أسفاره ﷺ حج وعمرة وغزو، ولك أن تسافر في غير ذلك لنزهة، أو لتفكر في آيات الله المعروضة في الكون: ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ﴾ [فصلت:٥٣].
وذكروا عن الجنيد بن محمد أنه كان كثير الأسفار، فقيل له: مالك كثير الأسفار؟ قال: لا أذكر الآخرة إلا إذا رأيت الفيافي، وهي الصحاري الطويلة العريضة، فهناك يتذكر الآخرة.
وبعض الناس إذا خرج من المدن والقرى وأصبح في الصحراء؛ يتذكر فناء العالم، ودمار هذه المعمورة، وانتقال الناس والرحيل إلى الحي القيوم، فيخشع ويلين، فما عليه أن يسافر إذا أراد بعمله وجه الله ليستعين به على طاعة الله.
стр. 4798
الوقفة الخامسة: أفضل أوقات السفر
متى يخرج ﷺ ؟ وما هو اليوم الذي يعجبه؟ وما هو الوقت الذي يحب أن يخرج فيه للسفر؟
يقول كعب بن مالك كما في صحيح البخاري وصحيح مسلم: ﴿كان ﷺ إذا أراد أن يخرج خرج صباح الخميس﴾ فكان أحسن الأوقات له ﷺ يوم الخميس، يتفاءل فيه ﵊ وكان يعجبه الفأل، فيخرج يوم الخميس في الصباح، لكنه في بعض الأسفار لا يستطيع أن يحكم ظروفه ليخرج في هذا اليوم، فكان يخرج في أي يوم من الأيام، إلا يوماً واحداً ووقتاً سوف أتكلم عنه.
وأما أحب الأوقات له ﷺ فكان الصباح بعد صلاة الفجر، وكان ﷺ يسافر في الغالب بعد صلاة الفجر، وكان يقول كما في حديث أبي صخر الغامدي في مسند أحمد: ﴿بارك الله لأمتي في بكورها﴾ أي: في صباحها يوم تصبح، وفي أثر: أن الأرزاق تقسم والأرض تطوى في الصباح، وهو أعظم وقت يستغله المسلم، ولذلك تقرب له المسافات بإذن الله ، وينهي أعماله؛ لأن الوقت في الصباح مبارك.
وذكر أهل العلم أن أبا صخر الغامدي راوي هذا الحديث: ﴿بارك الله لأمتي في بكورها﴾ أخذ بهذه الوصية، فكان يبيع ويشتري منذ الصباح الباكر، قال: فكثرت أمواله، حتى لا يدري أين يضعها، والقصة هذه في مسند أحمد وما ذاك إلا لأنه أخذ بوصيته ﷺ .
والسفر في كل الأيام مقبول بإذن الله، وأحسنها يوم الخميس، وأحسن الأوقات الصباح بعد الفجر، وأما الجمعة فاختلف فيها أهل العلم، قال قوم: لا يسافر حتى بعد فجر يوم الجمعة، وقد رووا: ﴿أن ملكاً ينادي من سافر يوم الجمعة ويقول: لا وفقك الله ولا صحبك الله في سفرك﴾ وهذا الحديث ضعيف لا تقوم به حجة، وقد سافر بعض الصالحين بعد فجر يوم الجمعة، لكن الذي نُهي عنه بعد النداء الثاني من صلاة الجمعة، فلا يسافر المسافر أبداً، أمَّا بَعْد الفجر فله أن يسافر، ولو ترك السفر يوم الجمعة لكان أحسن وأولى حتى يسدده الله؛ لأن يوم الجمعة وقت تفرغ وعبادة، ووقت مقام مع الحي القيوم، وهو عيد المسلمين، فلو صرف السفر يوم الجمعة لكان أحسن، أمَّا بَعْد النداء الثاني فإنه حرام لا يجوز له، ولن يوفق في سفره، إذا عصى الله ورسوله وسافر بعد النداء الثاني.
стр. 4799
الوقفة السادسة: اختيار الأصحاب في السفر
وأما المسألة السادسة فهي: اختيار الأصحاب في السفر، وقد أمر ﷺ باختيار الأصحاب في الحضر وكذلك في السفر: ﴿الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ﴾ [الزخرف:٦٧] وفي سنن الترمذي بسند حسن، قال النووي: لا بأس بهذا الحديث، أي: بسند هذا الحديث، قال ﵊: ﴿لا تصاحب إلا مؤمناً ولا يأكل طعامك إلا تقي﴾ فما هو السر في أن جعل الوصف في السفر مؤمناً وفي الطعام تقياً؟
جعله في السفر مؤمناً؛ لأنها كلمة مطلقة، فكل متق مؤمن، وليس كل مؤمن متقياً، فالمؤمن أقل درجة، أي: أنه يشترط في أكل الطعام ودخول البيت أن تتحفظ أو تستصحب الصالحين أكثر من السفر، أما السفر فكل من آمن بالله رافقه، فأما استصحاب الجلوس في البيوت مع الناس فالواجب أنك تؤاخي المتقي لله كثيراً: ﴿فلا تصاحب إلا مؤمناً، ولا يأكل طعامك إلا تقي﴾ لأن الفجرة -والعياذ بالله- تتنزل عليهم اللعنات، ومن كان مع قوم أشركهم؛ فإن الشر يعم والخير يخص.
ولذلك قال جعفر بن محمد الصادق لابنه وهو يوصيه كما في تراجمه: يا بني! لا تصاحب أربعة: لا تصاحب الفاجر، ولا تصاحب عاق الوالدين، ولا تصاحب الكذاب، ولا تصاحب البخيل.
فأما عاق الوالدين فإن الله غضب عليه، فكيف ترضى عليه وقد غضب الله عليه.
وأما الفاجر فإن اللعنة تتنزل عليه، فإياك أن تتنزل عليه لعنة فيصيبك منها مصيبة.
وأما البخيل فيبيعك أحوج ما تكون إليه.
وأما الكذاب كالسراب يقرب لك البعيد ويبعد عليك القريب.
فهؤلاء الأربعة أوصى هذا الرجل الذي له قدم صدق في الإسلام ابنه ألا يصاحبهم، وقس عليهم أمثالهم، والمسلم آتاه الله بصيرة من لدنه .
стр. 4800
الوقفة السابعة: كثرة الدعاء
ومن السنن في الأسفار: كثرة الدعاء والذكر؛ لأن للمسافر دعوة لا ترد بإذن الله، والله عند المنكسرة قلوبهم.
والمسافر إذا سافر عن أهله انكسر قلبه بالفراق والوحشة؛ فإذا انكسر قلبه؛ أجابه الله .
فثلاثة دعوتهم مقبولة عند الحي القيوم، الوالد لولده، والمظلوم على ظالمه، والمسافر، وعند أبي داود: ﴿الصائم حتى يفطر، والوالد لولده، والمظلوم على ظالمه﴾ ورواية المسافر صحيحة؛ فإن له دعوة لا ترد بإذن الله.
فعلى المسلم أن يغتنم سفره في الدعاء، وكثرة التهليل والتكبير والتسبيح، وأن يلتجئ إلى الحي القيوم.
وفي صحيح مسلم قال أبو هريرة ﵁ وأرضاه: ﴿كنا مع رسول الله ﷺ بين مكة والمدينة، فسرنا؛ فعرض له جبل اسمه جمدان - جمدان جبل يقع بين مكة والمدينة - فقال: سيروا هذا جمدان سبق المفردون، قلنا: وما المفردون يا رسول الله؟ قال: الذاكرون الله كثيراً والذاكرات﴾.
قال سهل بن سعد: ﴿دخلنا مع رسول الله ﷺ ثنية، فتعبنا فيها - هذه الثنية هي: جبل شائك ركبوه بفرسانهم وخيولهم فتعبوا فيه - فلما نزلوا، قال رسول الله ﷺ : قولوا: نستغفر الله ونتوب إليه، فقال الصحابة: نستغفر الله ونتوب إليه، قال: أبشروا وأملوا في ربكم ما يسركم! هذه والذي نفسي بيده! الحطة التي عرضت على بني إسرائيل يوم دخلوا الباب، قال لهم الله : ﴿وَقُولُوا حِطَّةٌ وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّداً نَغْفِرْ لَكُمْ خَطِيئَاتِكُمْ﴾ [الأعراف:١٦١]﴾.
لما دخل اليهود باب أريحا في فلسطين قال لهم الله: ﴿قُولُوا حِطَّةٌ﴾ [الأعراف:١٦١] أي: قولوا: غفرانك يا رب! نستغفرك ونتوب إليك من الذنوب والخطايا، فأخذوا يستهزئون ويتبطحون على أدبارهم، ويقولون: حنطة في سنبلة، وحنطة في شعرة، فأخزاهم الله وقطع دابرهم، فقبلها أصحاب محمد ﵊، وقالوا: نستغفرك الله ونتوب إليك.
قال أهل العلم: من تعب في سفره، أو صعد جبلاً، أو حمل حملاً ثقيلاً، فليقل: نستغفر الله ونتوب إليه؛ لأنه لم تأت مشقة في سفر إلا بالذنوب التي لا نخلو منها طرفة عين، فإن ذنوبنا عدد أنفاسنا، نذنب ونحن جلوس في بيوتنا، وتذنب قلوبنا وأبصارنا وأسماعنا، ولا يغفر الذنب إلا الحي القيوم، فالجأ إليه واستغفره دائماً وأبداً.
والمقصود هنا: كثرة الدعاء في السفر والتهليل والتكبير؛ ليصحبك الله وليؤنسك مما تخاف.
стр. 4801
الوقفة الثامنة: حسن الخلق
المسألة الثامنة: حسن الخلق والتحمل، وقد عقد له الغزالي في كتاب إحياء علوم الدين فصلاً جامعاً مانعاً لا أحسن منه؛ لأن الأسفار تُظهر أخلاق الرجال.
فالرجل قد يكون حليماً مع أهله وفي بيته، ولكن إذا سافر انكشفت أموره، ولذلك لما استشهد عمر ﵁ وأرضاه رجلاً قال: [[من يزكيه؟ فقام رجل من الناس يزكيه، قال: هل صاحبته في سفر؛ فإن السفر يسفر عن أخلاق الرجال، قال: لا.
قال: اجلس فإنك لا تعرفه]] وقال: هل جاورته؟ هل عاملته بالدرهم والدينار؟
إذاً: فالسفر يخرج أخلاق الرجال؛ لأنه وقت كربة ومشقة وجوع وملل، وثلاثة لا يُلامون في سوء أخلاقهم: المريض، والصائم، والمسافر.
ولذلك أمر بحسن الخلق في السفر، وكان رسول الله ﷺ أحسن الناس أخلاقاً إذا سافر.
وإذا صحبت أرى الوفاء مجسماً في بردك الأصحاب والخلطاء
وتمد حلمك للسفيه مدارياً حتى يضيق بحلمك السفهاء
فهو ﷺ كما وصفه ربه فقال: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم:٤].
إذاً فحسن الخلق والتحمل، والذي لا يعرف من نفسه أنه لا يتحمل فلا يسافر مع المؤمنين.
وهذا الإمام أحمد بن حنبل، قال له علي بن المديني: سمعت أنك تريد الحج فأريد أن أحج معك، قال: لا.
حج وحدك وأحج وحدي؛ لئلا تملني أو أملك.
стр. 4802
الوقفة التاسعة: أحكام الصلاة في السفر
المسألة التاسعة: مسألة القصر في السفر، ما هي المسافة المطلوبة في القصر؟ وما هو هديه ﷺ في الصلاة في السفر؟
اعلموا بارك الله فيكم، وقد علم كثير منكم أو علمتم جميعاً أن أقوال العلماء في مسافة القصر في السفر متعددة متشعبة، بعضهم قال: يقصر في بردان أو ثلاثة برود أو أربعة، كما بين مكة إلى عسفان، وما بين مكة إلى جدة، وما بين مكة إلى الطائف، وقد نُقل هذا عن ابن عباس ﵄ في صحيح البخاري تعليقاً، وأتى مسنداً عنه صحيحاً إليه، وذكره ابن تيمية في المجلد الثالث والعشرين من فتاويه، وورد عن أنس أنه فرسخ، وورد عنه أنه ميل، وورد عن آخرين قولهم: مسافة ثلاثة أيام، وآخرين: يومان، وغيرهم أربعة فراسخ، واضطربت الأقوال في هذه المسألة.
والنتيجة والتحقيق -إن شاء الله- الذي عليه المحققون كـ ابن تيمية وابن القيم، أنه ليس هناك مسافة للقصر في السفر، وليس هناك سفر له مسافة، بل كل ما سمي سفراً فاقصر فيه.
فإذا تعارف الناس في لغتهم أن هذا الخروج يسمى سفراً فاقصر فيه، أما إذا أنكروا من قلوبهم وأنكروا عليك أن هذا ليس بسفر فلا تقصر فيه، كأن تقول: سوف أسافر إلى الطائف فلا ينكر عليك أحد، أو إلى مكة، أو بيشة.
أما أن تقول: أسافر من هنا إلى السودة، أو الخميس، أو القرعاء فسوف ينكر عليك الناس، فليس بسفر.
فالخلاصة: أن ما سمي سفراً سواء طال أم قصر فهو سفر، قال ابن تيمية: وقصر ﷺ إلى عرفة هو وأهل مكة، وعد ما بين مكة إلى عرفة مسافة سفر، فلما حج أهل مكة مع رسول الله ﷺ قصروا، ولو كان ليس سفراً لكانوا أتموا بعده ﷺ حينما سلّم، لكنهم قصروا فصلوا ركعتين، ولو كان ﵊ يريد أن يتموا، لقال لهم: ﴿أتموا صلاتكم فإنا قوم سفر﴾ كما قاله يوم الفتح لأهل مكة، يوم صلى بهم ﷺ ، وقال: ﴿أتموا صلاتكم فإنا قوم سفر﴾ أي: مسافرون، وأما في منى ومزدلفة وفي عرفة فما قال لهم هذا ﷺ ، بل سكت عنهم، فعلم أن السفر لا يتحدد بطول المسافة، والذين حددوه بواحد وثمانين كيلو متر؛ ليس لهم برهان ولا دليل: ﴿قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا﴾ [الأنعام: ة١٤٨] ﴿قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [البقرة:١١١].
ومن حدده بالأيام فالأيام تختلف، كما يقول ابن تيمية، بعضهم يقطع مسافة يومين في يوم واحد، وبعضهم يقطع مسافة ثلاثة أيام في ساعات، إما لجواده المسرع، أو لأن مركوبه سريع، والآن الطائرة قد تقطع مسافة عشرة أيام، في ساعة واحدة، فكيف نحدد للناس بأمكنة وأزمنة ما أنزل الله بها من سلطان، ولا ذكرها الله في كتابه، ولا رسوله ﷺ في سنته، وإنما الأقوال كلها مضطربة.
إذاً فكل ما سمي سفراً فاقصر فيه، فهذا في مسافة القصر.
وكان ﵊ يقصر الرباعية ركعتين، إلا صلاة المغرب وصلاة الفجر؛ لأن الفجر مقرة على أصلها ركعتان، وصلاة المغرب وتر النهار فلا تقصر.
وكان ﵊ إذا سافر سفراً قصر فيه، وليس هناك سفر سافر فيه ﷺ فأتم فيه أبداً، ورواية الدارقطني التي تقول عائشة: ﴿سافرت مع رسول الله ﷺ ، فقصر وأتممت، وأفطر وصمت﴾ رواها الدارقطني وضعفها، وقال الإمام أحمد: هذا حديث كذب لا يثبت، وقال ابن تيمية: حديث باطل لا يصح أبداً.
فعلم أن الرسول ﵊ ما سافر إلا وقصر.
والقصر أفضل في السفر، ولا يظن أحد من الناس أن هذا بالرأي، فيقول: كيف يكون أفضل أن أصلي ركعتين وأترك أربع ركعات؟ هذا الدين ليس بالرأي، يقول أبو الحسن علي ﵁ وأرضاه: [[لو كان الدين بالرأي لكان باطن الخف أولى بالمسح من أعلاه]] لأن باطن الخف يلامس الأرض والوساخات، والشارع الحكيم أمرنا أن نمسح على ظهر الخف، فهذا يخالف العقل؛ لأن العقل يقول: امسح على باطن الأقدام، أما ظاهرها فإنها نظيفة، قال: ليس الدين بالرأي إنما الدين بالنقل، ثم قال: ﴿ورأيت رسول الله ﷺ يمسح على ظاهر خفيه﴾.
أما نوافله ﷺ في السفر، فما كان يتنفل العشر الرواتب، بل كان يتركها وهو مسافر ﵊، وهذه العشر يقول عنها ابن عمر كما في الصحيحين: ﴿حفظت عن رسول الله ﷺ عشر ركعات، ركعتين قبل الفجر، وركعتين قبل الظهر، وركعتين بعد الظهر، وركعتين بعد المغرب، وركعتين بعد العشاء﴾ وكان ﷺ يترك هذه العشر، وهذا عين الحكمة؛ لأنه يصلي ﷺ الظهر ركعتين فكيف يقوم يتنفل بعدها.
ولذلك قال بعض تلاميذ عبد الله بن عمر ﵄: لماذا لا تتنفل؟ قال: لو كنت مسبحاً لأتممت، ولو كنت متنفلاً لأتممت الفريضة، فكيف أتنفل؟! لأن الله شرع هذه الرخصة للتيسير على الناس، فكيف تصلي ركعتين ثم تقوم تتنفل، فلا نافلة في السفر، إلا الوتر، فالوتر لم يتركه ﷺ حضراً ولا سفراً أبداً، وإذا نام عنه من سفر أو مرض أو تعب، فإنه يصلي من النهار اثنتي عشرة ركعة.
لكن
السؤال
هل ترك ﷺ الوتر مرة في عمره؟
الجواب
نعم.
ترك ﷺ الوتر ليلة مزدلفة، يوم نام ﵊ ليلة مزدلفة وصباح يوم منى يوم يرمي جمرة العقبة، في تلك الليلة ترك الوتر ﵊، وهو الظاهر من كلام أهل العلم، فإنه صلى العشاء ثم نام، وما قام ﵊ حتى أذن لصلاة الفجر، حتى تلك الليلة ما قام يصلي فيها أبداً، وقد ذكر ابن القيم: أنه فعل ذلك ترويحاً على الناس، ويقول: من قامها فقد خالف السنة، ولا نقول: أنه خالف السنة لأنه يصلي في الليل، لكن إذا قام واعتقد أنها سنة أن يقوم في تلك الليلة فهو المخالف، أما من قامها ليتنفل فهو مأجور مشكور وأجره على الله.
لكن الرسول ﵊ ترك الوتر في تلك الليلة، فما أوتر حتى أصبح، وبعد أن أصبح لم يوتر ﵊، فترك في عمره تلك الليلة.
إذاً فالوتر لا يترك في السفر، إلا في ليلة مزدلفة لمن تعب أو كلّ أو ملّ، ومن أوتر فلا عليه، لكن الرسول ﵊ لم يوتر تلك الليلة.
فهذا هديه ﷺ في السفر في الصلاة والوتر.
ويتساءل ابن تيمية من له ورد من الصلاة مثل صلاة الضحى في السفر، هل له أن يصليه؟ قال: نعم.
له أن يصلي ذلك، وهو مأجور وأجره على الله ، فإن كان له ورد واستطاع أن يحافظ عليه في السفر فليفعل، أما التي تركها ﷺ فلا تفعلها أنت، بل تتركها كما تركها ﷺ ، فلك أن تصلي من الضحى ثمان ركعات أو ست أو أربع أو ركعتين، وليس عليك شيء وأنت مأجور في هذا.
стр. 4803
الوقفة العاشرة: حكم الإفطار في السفر
مسألة الإفطار للصائم: يقول عز من قائل: ﴿وَمَنْ كَانَ مَرِيضاً أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة:١٨٥] والمسألة: أيهما أفضل الإفطار أو الصيام في السفر؟
و
الجواب
بإذن الله وبعونه وبتوفيقه، أن الإفطار لمن يشق عليه الصيام في السفر أفضل، وأما إذا تساوت المشقة وعدمها فسيان إفطاره وصيامه، ولو أفطر لكان أحسن، وأما إذا وجد يسراً في سفره وسهولة، فإن صام فله ذلك وهو مأجورٌ وليس عليه شيء.
وقبل أن أبدأ في هذه المسألة -مسألة القصر في الصلاة- يقول أبو حنيفة: من صلى الظهر أربعاً في السفر فصلاته باطلة، وعليه أن يعيد الصلاة ركعتين، وتبعه الأحناف في هذا.
وقال ابن تيمية: القصر في السفر أفضل، وسئل الإمام أحمد عن القصر والإتمام في السفر، قال: أكره الإتمام؛ لأنه مخالفة لسنة المصطفى ﵊.
أما الإفطار في السفر فيفطر إذا حصل له مشقة، ومن لم يفعل وقد شق عليه، فقد عصى أبا القاسم ﵊، قال جابر كما في الصحيح: ﴿سافرنا مع رسول الله ﷺ ، فلما أصبحنا بـ كراع الغميم﴾ وكراع الغميم: بلد بين مكة والمدينة، ولذلك ضحك العلماء من تفسير الغزالي لقوله ﷺ : ﴿لو أهدي إليَّ ذراع لقبلته، ولو دعيت إلى كراع لأجبت﴾ والكراع أي: كراع الشاة، قال: الغزالي: لو دعيت إلى كراع الغميم - أي: إذا دعيت إلى هناك- لذهبت، فقال أهل العلم: فتح الله عليك وبيّض وجهك، ليس هذا المعنى، بل المعنى كراع الشاة، أما كراع الغميم فلم يتعرض له ﷺ في الحديث.
فيقول جابر: ﴿فلما أصبحنا في كراع الغميم أتى رجل إلى رسول الله ﷺ ، فقال: يا رسول الله! إن الناس شق عليهم الصيام في السفر، وهم صوام، فنزل ﵊ وأخذ ماءً بارداً فشرب وشرب الناس﴾ فهذا فعل رسول الله ﷺ : ﴿وَنُيَسِّرُكَ لِلْيُسْرَى﴾ [الأعلى:٨] والذي قال له: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء:١٠٧] والذي قاله فيه: ﴿طَهَ * مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى﴾ [طه:١ - ٢] والذي قال فيه: ﴿وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ﴾ [الأعراف:١٥٧].
﴿إلا رجلان -من الجهل وقلة الفقه، فقالوا: لا.
أما نحن نستمر، الرسول ﷺ أفطر وهم تركوا- فأخبر الرسول ﷺ ، فقال: أولئك العصاة، أولئك العصاة، أولئك العصاة﴾.
أما النافلة في السفر، فلك أن تصوم نافلة، وهو من الخير أن تصوم إذا استطعت، ولا عليك إذا كان لك ورد أن تحافظ عليه، قالت عائشة ﵂ وأرضاها كما في صحيح البخاري في باب نوافل الصيام: ﴿جاء عمرو بن حمزة الأسلمي، فقال: يا رسول الله! إني أطيق الصيام في السفر، فهل عليّ من جناح؟ قال: إن شئت فصم وإن شئت فأفطر﴾.
فإذا صام المسافر فيشترط ألا يشق عليه ذلك؛ لأن الله رخص له أن يفطر من الفريضة، فكيف يشق على نفسه بالنافلة في السفر؟!
وأما الذي لا يشق عليه فله أن يصوم في السفر وهو مأجور كالحضر لهذا الحديث الذي معنا، وقد صام ﷺ في السفر.
والصيام يختلف عن القصر في الصلاة، فالرسول ﷺ ما أتم أبداً في سفره، وأما الصيام فقد صام في بعض أسفاره، ولذلك في الصحيح عن أبي الدرداء قال: ﴿سافرنا مع رسول الله ﷺ وما فينا صائم إلا رسول الله ﷺ وابن رواحة، وإن أحدنا ليتقي الشمس بيده من شدة الحرارة﴾ وكان في الناس صوام في سفرة سافرها ﷺ ، فلما نزلوا في منزل من المنازل، قام المفطرون فنصبوا الخيام، وبنوا الحياض وخلطوها بالطين، ثم ملئوها بالماء البارد، ثم سقوا وقاموا فقدموا الطعام للناس، فقال ﷺ : ﴿ذهب المفطرون اليوم بالأجر﴾ يقولون: ظاهر الحديث أن المفطر في هذه الحالة أعظم أجراً من الصائم، والسبب أن نفعه متعد للناس؛ لأنه نفع الناس، وأما الصائم فنفعه لنفسه، فهذا لخدمته للمسلمين كان أجره أعظم من أجر الصائم الذي صام لنفسه.
стр. 4804
الوقفة الحادية عشرة: أحكام المسح على الخفين
المسألة الحادية عشرة: مسألة المسح على الخفين: وهي لا تخفى على مسلم عنده فقه في دين الله، ولكن يختلف المسح على الخفين في السفر عنه في الحضر، والمسح على الخفين فيه ثلاثة أقوال لأهل العلم:
قولٌ يقول: لا يحدد المسح إلا في الإقامة، أما في السفر فامسح ما بدا لك، وهذا قول الإمام مالك وابن تيمية، وقد مسح ابن تيمية سبعة أيام في سفره من دمشق إلى الاسكندرية في مصر، وخالفه وغضب عليه علماء الشافعية، مثل ابن مخلوف وابن الزملكاني، وقالوا: خالف السنة، لكن عنده دليل، ومعه أناس منهم عمر ﵁، وعقبة بن عامر وغيرهم، فالإمام مالك يرى أنه لا يحدد المسح.
وقوم قالوا: ثلاثة أيام في السفر ويوم وليلة في الحضر وهو الصحيح.
وقوم قالوا: لا يحدد في السفر ولا في الحضر وأنكروه، وهم الرافضة الضلال المبتدعة الذين هم أغبى من الحمير.
قال الشعبي لما ذكر هذه المسألة: إذا دخلت باب الزج، فخذ بيدك أحد أهل باب الزج وحرج عليه فإنه حمار، وقد ذكر هذا ابن تيمية في منهاج السنة؛ لأنهم ضلوا في هذه، يقول الإمام أحمد: سبحان الله! نقل المسح على الخفين سبعون من الصحابة وأنكرها الضلال.
يعني الرافضة.
يقول سفيان الثوري: من عقيدتنا المسح على الخفين.
فأدخلها في مسائل الأصول؛ لأنه خالف فيها تلك الفرقة الضالة.
إذاً فالمسح في السفر ثلاثة أيام، والثقوب في الجورب لا عبرة بها، بل لك أن تمسح ولو كان به ثقوب وقد ذكر ذلك ابن تيمية وقال: إنهم اشترطوا شروطاً في المسح على الخفين ليست في كتاب الله ولا في سنة رسوله ﷺ ، وإنما هذا من وضع الآصار والأغلال على الأمة، والتكليف بما لا يطاق، والله يوم سن هذا ورسوله ﵊ إنما هو للتيسير على الناس، فكيف نأتي إلى الناس بعد أن يسر الله لهم المسح على الخفين ونقول: لا بد أن يكون مخروزاً، وأن يكون قائماً بنفسه، وأن يستطاع المشي عليه، بل شرطه الوحيد هو أن يسمى خفاً في لغة العرب.
ثم يقول ابن تيمية: وهل كانت خفاف أصحاب محمد ﷺ إلا مشققة، فقد كانوا قوماً فقراء ليس عندهم شيء، فكانوا يلفون اللفائف على أرجلهم حتى أن أحدهم يأخذ من قماشه -من بزه من ثوبه- ويقطعها ثم يلف بها على أرجله ويمسح عليها فيبدو منها ما شاء الله أن يبدوا.
وفي سنن أبي داود عن ثوبان ﵁ وأرضاه، قال: ﴿أرسلنا ﷺ في سرية، فأمرنا أن نمسح على العصائب -أي: العمائم- وعلى التساخين الخفاف﴾ إذاً فالأمر فيه يسر وسهولة، فالخف عند العرب هو الذي يستر المكان ستراً لا تشدد فيه، فلا يشترط أن يأتي إنسان بناظور وينظر في رجله هل يرى رجله من تحت الجورب أو لا يراها، أو يصب ماء حاراً هل يحس به أو لا، فالتعمق والتدقيق ليس وارداً في الإسلام، إنما يلبس ويتوكل على الله ويكون سهلاً ميسراً ويمسح على جوربه بشرط أن يدخلهما على طهارة.
وقد ورد في البخاري ومسلم من حديث المغيرة بن شعبة قال: ﴿خرجت مع رسول الله ﷺ فأهويت لأنزع خفيه، قال: دعهما فإني أدخلتهما طاهرتين﴾ فإذا أدخلت رجليك طاهرتين، فلتمسح عليهما في السفر ثلاثة أيام، ولا تخلعها إلا بعد حدث، أي: يستمر على الوضوء بعد الثلاثة إذا كان متوضئاً فإذا أحدث بعد الثلاثة الأيام فليخلعها.
وهذا هو الأحسن -ثلاثة أيام- لكن من زاد أربعة أيام أو خمسة أو ستة أو سبعة فله ذلك، وما أتى بمحرم، بل سبقه إلى هذا أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁ الذي كلامه من السنة إذا وافق السنة، لقوله ﵊: ﴿عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي﴾ قال عقبة بن عامر [[أتيت من الشام، فدخلت على عمر ﵁ وأرضاه، فرأى في رجلي خفين، فقال: متى لبستها؟ قال: لبستها من الشام، قال: كم أخذت؟ قلت: سبعة أيام، قال: هل خلعتها؟ قلت: لا.
قال: لو خلعتها لأوجعتك ضرباً]] لأنها خلاف السنة، فهو أخذها سبعة أيام، وذكر ذلك ابن تيمية وفعلها، فمن فعل ذلك فلا عليه إن شاء الله، لكن الثلاثة الأيام هي الأقرب للدليل.
стр. 4805
الوقفة الثانية عشرة: التيمم في السفر
المسألة الثانية عشرة: التيمم: قال : ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيباً﴾ [النساء:٤٣] فالتيمم في السفر والحضر وارد، لكنه لا يجوز في الحضر إلا إذا فقد الماء فلم يجده، أو كان مريضاً متضرراً لا يستطيع أن يتوضأ أو يغتسل، وكثير من الناس لا يفقه مسألة كيف يتيمم وهو يغسل بعض أعضائه.
إنسان فيه شجة في رأسه، وإذا اغتسل آذاه الماء في رأسه، ماذا يفعل؟ حكمه أن يغتسل في بقية جسمه، وأن يتيمم لهذه الشجة، وفي لفظ عند أبي داود يعصب عليها ويمسح على العصابة، ثم يتيمم لها، فمن كان فيه جرح في أعضاء الوضوء فليترك هذا الجرح وليتوضأ ولا يغسل يترك هذا المنطقة، ثم يتيمم بعد الوضوء تيمماً كاملاً.
والتيمم يكون في السفر؛ لأن الماء قليل في السفر، فعلى المسلم أن يتيمم في حالات: منها: إذا خاف على نفسه، حيث نزل في مكان وبجانبه وادٍ يعرف أن فيه ماء، ولكن يعرف أن هناك سباعاً ضارية وحيّات، وأن هناك أعداء، فله أن يتيمم في مكانه ولا يذهب إلى ذاك الوادي.
أو إنسان قام في الصباح وعنده ماء، وادٍ مسيل أو غدير كبير، وقام وإذا الماء أصبح قريباً من التثلج، وخاف على نفسه إذا توضأ واغتسل، فله أن يتيمم ويصلي ولو كان عليه جنابة، وقد دل على ذلك النصوص ظاهراً وباطناً، وتكلم فيها أهل العلم، إلا أن يكون عنده شيء من وقود أو حطبٍ فيسخن به الماء فهذا واجبه، لكن يقول ابن تيمية: إذا خاف أن يسخن الماء؛ فيخرج وقت الصلاة، فعليه أن يترك التسخين وأن يتيمم ويصلي ولا يعيد الصلاة؛ لأن إدراك الوقت واجب، أما هذا الفعل عند تحقق هذا الشرط فإنه يسقط بالعجز، قال تعالى: ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة:٢٨٦].
قال p=١٠٠٠٢٠٢>> عمرو بن العاص: ﴿خرجت في سرية -هذا الحديث أصله في الصحيح، وذكره بطوله أبو داود، وهذه السرية هي غزوة ذات السلاسل، ولها أصل في كتاب الأدب المفرد للإمام البخاري فالرسول ﵊ كان يتألف بعض الصحابة، ومن الأناس المهمين في الإسلام عمرو بن العاص، فأراد أن يتألفه رسول الهدى ﷺ ، فأمّره على سرية - قال: فأتيت رسول الله ﷺ وهو يتوضأ لصلاة العصر، وقد أمرني على السرية -فأراد عمرو بن العاص أن يبري ساحته، أي: أنه لا يحب المال ولا يحب الإمارة- قال: فقلت: يا رسول الله! لا أريد المال، أريد الجهاد في سبيل الله، قال: فما أنسى تبسمه وهو يتوضأ ﷺ ، وقال: يا عمرو! نعم المال الصالح في يد الرجل الصالح﴾ لأنه سوف يحصل في هذه الغزوة غنيمة، فلما خرج وصل إلى ذات السلاسل فسمع ﷺ أن أعداءهم قد كثروا واجتمعوا عليهم، فأرسل جيشاً أميره أبو عبيدة وتحت إمرة أبي عبيدة أبو بكر وعمر وأناس من الصحابة، فلما وصلوا إلى عمرو بن العاص قال أبو عبيدة: أنا الأمير؛ لأن معي أكابر الصحابة أبو بكر وعمر، وأرسلني ﷺ بعدك، قال عمرو بن العاص: والله لا يتأمر إلا أنا.
قال الذهبي: وكان أبو عبيدة حسن الخلق ﵁ وأرضاه متواضعاً، فتنازل عن الإمرة، فتأمر على الناس عمرو بن العاص، فقام يصلي بهم الفجر-لأن الأمير كان هو الذي يصلي بالناس- فتيمم من الجنابة وصلى بهم وهو جنب، لأنه عندما قام من النوم ليغتسل وجد الماء بارداً لا يستطيع أن يستعمله فتيمم، فأتى إلى المدينة فسبقه الجيش إلى الرسول ﵊، فأخبروا رسول الله ﷺ .
فمن أول وهلة حكم الرسول ﷺ على فعله هذا أنه صحيح، لكن أراد أن يستدعيه ليرى ماذا في ذهن عمرو، وكان عمرو رجلاً داهية ذكياً لبيباً كما يقول ابن عباس، يقول لـ علي: أجعلت أبا موسى ﵁ قريناً لـ عمرو -ذكر هذا الذهبي في ترجمة عمرو - قال: لا تزنه بـ عمرو فإنه رجل باز قارح مارس داهية.
فلما دخل عمرو على رسول الله ﷺ ، قال ﷺ وهو يتبسم: ﴿يا عمرو! أصليت بأصحابك وأنت جنب؟ -فأتى عمرو يفتي بين يدي الرسول ﷺ قال: يا رسول الله! إن الله يقول: ﴿وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ [البقرة:١٩٥] ويقول : ﴿وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيماً﴾ [النساء:٢٩] فتبسم ﷺ ولم يقل شيئاً﴾ والتبسم عند علماء الحديث معناه الإقرار، فإن الإقرار إما بالسكوت أو بالكلام أو بالتبسم، وقيل: الإقرار بالإشارة، وهذه مسألة مختلف فيها ويعاد فيها إلى المصطلح، فمن أشار إليه بيده هل هو إقرار أو لا؟
إنما هنا تبسم ﷺ فأقره.
فمن حدثت له هذه الحالة وهو مسافر فعليه أن يتيمم ويصلي ولا عليه، سواء كان جنباً أم محدثاً.
بشرط أن يعلم الله أنه متقٍ له وأنه لم يستطع أن يسخن الماء أو يحدث شيئاً، وإذا خاف أن يفوته وقت صلاة الفجر، وعلم أنه لن يسخن الماء أو يحضر الماء في ذلك الوقت، فليصلِّ بتيممه والله المستعان.
стр. 4806
الوقفة الثالثة عشرة: حكم أداء النوافل في السفر
المسألة الثالثة عشرة: نوافل الصيام والصلاة والقرآن: كثير من الصالحين الذين فتح الله عليهم: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [فاطر:٣٢] كثير منهم له نوافل في الحضر، والمسلم لا بد أن يكون له حد أدنى من العبادة يداوم عليها ولو قليلاً، حتى الذكر، قال أهل العلم: ولو كان يكرر لا إله إلا الله عشر مرات بعد الفجر كان حقاً عليه أن يداوم عليها، فإن من داوم قرع الباب فتح الله له، ويقول ﵊: ﴿أحب العمل إلى الله أدومه وإن قل﴾ وقيل: من كلام عائشة، فالقليل الدائم خير من الكثير المنقطع.
فمن كان له ورد كركعتي الضحى، وصيام ثلاثة أيام من كل شهر، وجزء من القرآن، فماذا يحصل إذا سافر؟
له على الله الحي القيوم المنان أن يكتب له أجره ولو لم يصم، ولم يصل ركعتي الضحى، ولو لم يأت بورده، وقد صح ذلك في حديث مسلم، قال عمر ﵁: قال رسول الله ﷺ : ﴿إذا سافر العبد المسلم، أو مرض، كتب الله له من الأجر -أجر عمله- ما كان يعمل صحيحاً مقيماً﴾ لأنه علم الله أنه يعمل في الحضر هذا فأعطاه أجره في السفر، فليكن للعبد في الحضر نافلة، فإن سافر واستطاع أن يأتي بها، فبها ونعمت، فيضاعف الله له الثواب، ويكثر له الأجر، وإن لم يستطع فسوف يكتب الله له الثواب ولو لم يفعل ذلك؛ لأنه مسافر، وهذا في النوافل.
стр. 4807
الوقفة الرابعة عشرة: دعاء نزول المكان
المسألة الرابعة عشرة: دعاء نزول المنزل، يقول ﵊ -كما في الأذكار -: ﴿من نزل منزلاً -أي: في السفر أو غيره- فقال: أعوذ بكلمات الله التامات من شر من خلق الله، لم يصبه سوء في منزله حتى يرتحل﴾ فحق على العبد إذا وقف في مكان بسيارته أو وقف بأهله، أن إذا نزل مباشرة يقول في المكان الذي نزل فيه: أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق، فيعصمه الله، ويحفظه، ولا يصيبه سوء أبداً، وكثير من الناس أصيبوا في الأسفار؛ لأنهم تركوا الذكر؛ فالذكر حرز وحصن حصين بإذن الله، ومنها: (ربنا أنزلنا منزلاً مباركاً وأنت خير المنزلين).
стр. 4808
الوقفة الخامسة عشرة: التكبير عند الصعود والتسبيح عند النزول
ومن هديه ﷺ التكبير عند الصعود، والتسبيح عند النزول، ولذلك يقول ابن تيمية: وضعت الصلاة على هذه، وهذا حديث ابن عمر ﵁ وأرضاه: ﴿كنا إذا صعدنا كبرنا، وإذا نزلنا سبحنا﴾ فالصلاة وضعت على هذا، يوم يرفع المسلم رأسه يقول: الله أكبر، ويسبح في الركوع والسجود، فكان ﵊ إذا علا شرفاً كبّر، وإذا نزل وأبطن في الوادي والسهل؛ سبح ﵊.
стр. 4809
الوقفة السادسة عشرة: النهي عن التطويل في الأسفار
المسألة السادسة عشرة: مسألة عدم التطويل في السفر بلا حاجة: ففي الحديث قال ﵊: ﴿السفر قطعة من العذاب، يمنع أحدكم طعامه وشرابه، فإذا قضى أحدكم نهمته فليعد﴾ أو كما قال ﵊، وذكر ابن كثير في ترجمة هارون الرشيد أنه سافر ونذر على نفسه ألا يركب مركوباً في السفر إلى الحج، فكان يمشي على أقدامه، فقيل له -وقد تعب كثيراً حتى يقولون: كان يسند رأسه مرة إلى فرس ومرة إلى فرس وهو يمشي- صدق رسول الله ﷺ : ﴿السفر قطعة من العذاب﴾ قال: بل العذاب قطعة من السفر.
فالمسلم ينبغي له أن إذا قضى حاجته ومقصده وطلبه؛ أن يعود إلى أهله؛ لأن السفر يمنعه طعامه وشرابه واستقراره وراحته، وهناك أمور ينبغي أن ينبه عليها؛ لأن بعض الناس قد يضيعون أوقاتهم في الأسفار التي لا طائل منها، فتتشتت قلوبهم، وقد سأل سائل ابن تيمية -في كتاب الجهاد- أي بلد أسكن؟ قال: اسكن في البلد التي تسكن فيها نفسك وتجد قلبك خاشعاً فيها.
فالمسلم يسكن في البلد ويستقر، ولا يشتت عمره في الأسفار، فإنها تشتت الأعمار.
لكن قد يُبتلى المسلم بظروف تحوجه إلى السفر، منها ضيق الرزق، فإن في السفر فتح من الله ورزق، ولذلك سافر سفيان الثوري إلى بغداد فقالوا: مالك؟ قال: سافرت إلى بلاد سلة الخبز فيها بدرهم، ومنها أن يكون معك نكد، إما جارٌ أو صاحب، أو كُبدت في بلد.
فغرب فالتغرب فيه نفع وشرق إن بريقك قد شرقتا
ولا تلبث بأرض فيها ضيم يذيب القلب إلا أن كبلتا
فالسفر لهذه الأمور ولهذه الدواعي، ولذلك يقول المتنبي:
إذا ترحلت عن قوم وقد قدروا ألا تفارقهم فالراحلون هم
يا من يعز علينا أن نفارقهم وجداننا كل شيء بعدكم عدم
стр. 4810
الوقفة السابعة عشرة: النهي عن الرجوع ليلاً
المسألة السابعة عشرة: استحباب الرجوع نهاراً لا ليلاً: وقد أمر رسول الله ﷺ بذلك كما في السنن ونهى ﷺ أن يطرق الرجل أهله ليلاً، حتى تمتشط الشعثة، وتستحد المغيبة -التي أبطأ عنها زوجها- وليس من الحكمة أن يدخل الرجل على أهله ليلاً، لأمور يعلمها الله ، فالأفضل أن يأتي أهله نهاراً، أو إذا أراد أن يأتيهم ليلاً فيعطيهم خبراً قبل دخوله، إما أن يتصل عليهم أو يخبرهم أنه سوف يقدم عليهم في تلك الساعة ولو ليلاً حتى يكونوا على بينة.
ولما سمع أحد الأنصار -كما في السير- هذا الحديث، وأن الرسول ﷺ نهى أن يطرق الرجل أهله، ليلاً، قال: وما في ذلك؟ فطرق أهله، فوجد مع امرأته رجلاً لمخالفته للسنة -نسأل الله العافية- فالرجوع يكون نهاراً أو يكون ليلاً إذا أخبر أهله وكان عندهم خبر بقدومه قبل وقت، ليكونوا على أتم استعداد ولا يفاجئهم أو يباغتهم، ولا يخلفهم؛ لأن طارق الليل لا يطرق إلا لخوف أو لحاجة ملحة.
لذلك لما أتى محمد بن مسلمة لقتل اليهودي، قالت زوجة اليهودي: إن هذا صوت يقطر منه الدم.
فكان أحرار العرب يفتخرون بإجابة الصوت والداعي ولو في الليل، ويقولون: يجيب الأحرار في الليل لا في النهار، أو كما قالوا.
стр. 4811
الوقفة الثامنة عشرة: دعاء الرجوع من السفر
المسألة الثامنة عشرة: دعاء الرجوع من السفر: صح عن ابن عمر أن رسول الله ﷺ ، كان إذا أطل وأفل من سفره قال: ﴿آيبون تائبون عابدون لربنا حامدون﴾ أو كما قال ﵊، وكان يكبر ﵊ وهو عائد، وكان من هديه أنه يُستقبل بأطفال المدينة، فيستقبلونه عند المشارف، ولذلك اختلف العلماء في قولهم:
طلع البدر علينا من ثنيات الوداع
وجب الشكر علينا ما دعا لله داع
متى كان؟ وقد تكلم ابن حجر عن هذه متى كانت؟ هل هو في قدومه من مكة إلى المدينة في الهجرة، أم من رجوعه من تبوك، وكأن ابن القيم والداودي المحدث رجحا أنه عند رجوعه من تبوك ﵊، ولكن لا يهمنا هذا وهذا، إنما كان ﵊ يستقبل بالأطفال، فربما أركب بعضهم أمامه وخلفه، وقبلهم ﵊ ودعا لهم.
ولما دخل ونظر إلى أحد قال: ﴿هذا أحد جبل يحبنا ونحبه -وفي رواية- وهو من جبال الجنة﴾ وقال: ﴿هذه - للمدينة - طابة﴾ ﵊.
فدعاء الرجوع من السفر وارد، وفي حديث صهيب ﵁ وأرضاه، قال: ﴿أمرنا ﷺ أن نقول إذا أردنا أن ندخل قرية: اللهم رب السماوات السبع وما أظللن، ورب الأرضين وما أقللن، ورب الشياطين وما أضللن، ورب الرياح وما ذرين، نسألك خير هذه القرية وخير ما فيها وخير سكانها، ونعوذ بك من شر هذه القرية وشر ما فيها وشر سكانها﴾ وقد تُكلم في سند هذا الحديث، لكن هذا في باب الفضائل، فإنه إذا أتى الحديث في الفضائل تسهل فيه ما لا يتسهل في الحلال والحرام، وهذه الكلمة ذكرها ابن تيمية في المجلد الثامن عشر من فتاويه ﵀، وهي كلمة للإمام أحمد ثبتت عنه، أنه قال: إذا أتى الحديث في الحلال والحرام تشددنا، وإذا أتى في الفضائل تساهلنا.
وقد يفهم بعض الناس أن التساهل في أحاديث الفضائل معناه: أننا نتساهل حتى نجعل بعض الأمور مستحبة بأحاديث ضعيفة، وهذا ليس بوارد، لكن معنى كلام الإمام أحمد وابن تيمية ﵏ أن الفضائل ما كان لها أصلٌ في الدين يعضدها، فإن الذكر أمر الله به في الكتاب، وأمر به رسوله ﷺ ، فإذا أتى حديث في فضل الذكر، فلا نقف عنده وندقق كما ندقق في الحلال والحرام؛ لأن للذكر أحاديث وآيات تسندها وتعضدها، وتبين أن لها قاعدة في الإسلام.
كحديث من دخل السوق فقال: ﴿لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، كتبت له ألف ألف حسنة، ومحيت عنه ألف ألف سيئة﴾ هذا حديث ضعيف، لكن ابن تيمية أتى به في الكلم الطيب، وسكت عنه، فلما أتى الأستاذ الأجل الشيخ الألباني، حذف هذا الحديث على قاعدته، وهو موفق ومن أنصار السنة جزاه الله عن الإسلام خير الجزاء؛ لأن الحديث علىقاعدته ضعيف حتى في الفضائل والأذكار، مع العلم أن ابن تيمية يوضح أنه إذا كان له أصل في الفضائل فلا بأس.
إذاً: فالحديث الذي سقناه حديث ضعيف، لكن لا بأس بإيراده في مثل دخول القرية والمدينة.
стр. 4812
الوقفة التاسعة عشرة: أول ما يفعله المسافر بعد الرجوع
وكان من هديه ﷺ إذا قدم من سفر أن يبدأ بالمسجد فيصلي فيه ركعتين، ثبت ذلك من حديث كعب بن مالك في الصحيحين: ﴿أنه كان ﷺ إذا أفل قادماً بدأ بالمسجد فصلى فيه ركعتين ﵊﴾ فمن السنة للمسلم، ومن الأمور التي يؤجر عليها ويثاب، أنه إذا رجع من سفره أن يبدأ بالمسجد فيصلي فيه ركعتين، وهاتان الركعتان من ذوات الأسباب، فمن قدم في وقت منهي عن الصلاة فيه فله أن يبدأ بالمسجد؛ لأنه لم يتحر الصلاة فيه، فهي من ذوات الأسباب -إن شاء الله- كركعتي الوضوء في حديث بلال ﵁ الصحيح، لما سمع رسول الله ﷺ دفَّ نعليه في الجنة، فسأله فأخبره ﵁ وأرضاه، أنه ما توضأ في ساعة من ليل أو نهار، إلا صلى بعدها ركعتين، فهذه تلحق بهذا، وابن تيمية سئل عن ركعتي الوضوء هذه أتصلى بعد الفجر أو بعد العصر، قال: نعم.
لأنها من ذوات الأسباب.
стр. 4813
الوقفة العشرون: عدم النوم في الطرقات
المسألة العشرون: عدم النوم في الطرقات في السفر؛ فإنها طرق الدواب: وهذا الحديث عند أبي داود ﴿أن الرسول ﷺ نهى أن ينام في الطرق﴾ فإذا نزل الإنسان مع رفقة فلا ينم في طرقات الناس أو على قارعة الطريق، بل يرتفع عنها؛ لأنها ممر الدواب، فالدواب تخرج في الليل -الثعابين والعقارب والحيّات- فهي طرق الناس في النهار، والدواب في الليل.
فالرسول ﵊ نهى عن هذا لحكمة هي ظاهرة شاهرة معروفة عند الناس.
стр. 4814
الوقفة الحادية والعشرون: الاجتماع عند النزول
المسألة الحادية والعشرون: الاجتماع عند النزول: ولذلك وصف جابر حال أصحاب الرسول ﵊ أنهم كانوا يتفرقون إذا نزلوا، فأمرهم ﷺ بالاجتماع، حتى لو بسط عليهم بساط لكفاهم، فالاجتماع أبرك، وهو أجمع للكلمة وأسد، وعدم التفرق في ذلك، ولذلك في حديث أبي حميد الساعدي عند مسلم ﴿لما خرج ﷺ إلى تبوك، أمر الناس إذا نزلوا أن يجتمعوا ولا يتفرقوا، فكلهم أنصت وأجاب لهذا، إلا رجلان اثنان خرجا وأمر رسول الله ﷺ بعدم الخروج تلك الليلة؛ لأنه أخبرهم أنها سوف تهب ريح، فخرج الرجلان فهبت ريح، فحملتهما الريح، فألقت أحدهما في جبل آجا وسلمى﴾ وهذا الحديث في صحيح مسلم.
стр. 4815
الوقفة الثانية والعشرون: الاجتماع على الطعام
المسألة الثانية والعشرون: جمع الطعام: من هدي الإسلام في السفر أن يجمع الطعام؛ لأنه كلما كثرت الأيدي بارك الله في الطعام، وهذا عند العرب قبل الإسلام وهو من علامات الكرم، والرسول ﵊، يقول: ﴿إن الأشعريين إذا أرملوا جمعوا طعامهم فاجتمعوا عليه -أو كما قال ﵊ أولئك مني وأنا منهم﴾ فهؤلاء الأشعريون، وهم قبيلة أبي موسى ﵁ من أهل اليمن، كانت فيهم خصلة جميلة أن إذا أرملوا جمعوا ما عندهم من أزواد وطعام ثم اجتمعوا عليه.
ولذلك يذكر ابن تيمية في اقتضاء الصراط المستقيم، أن من فعل العجم وعاداتهم أن كل إنسان منهم يأكل وحده، أما العرب فلما جعل الله لهم من فطر سليمة، ومن كرم السجايا فإنهم يجتمعون سوياً، فلم يرد لا من السنة ولا من الأدب أن يكون مزادة كل أحد وصحنه وقدره لوحده، بل هذا من اللؤم، يقول أبو تمام:
وإن أولى الموالي أن تواليهم عند السرور الذي واساك في الحزن
إن الكرام إذا ما أيسروا ذكروا من كان يألفهم في الموطن الخشن
وقد كان عبد الملك بن مروان -الخليفة الأموي- في مجلس سمر، مع أدباء وشعراء وعلماء، فقال: أي العرب أكرم؟ فذكروا رجالاً.
قال: ما وددت أنه ولدني من العرب إلا عروة بن الورد - كان عروة قبل الإسلام- حيث يقول:
أتهزأ مني أن سمنت وأن ترى بوجهي شحوب الحق والحق جاهد
أوزع جسمي في جسوم كثيرة وأحسوا قراح الماء والماء بارد
فإني امرؤ عافي إنائي شركة وأنت امرؤ عافي إنائك واحد
يقول: أنت سمنت وتضحك مني أنني هزيل؛ لأني إذا نزلت أنزلت الناس على قدري، فأكلوا معي وبقيت كذا، وأنت؛ لأنه لا ينزل على قدرك أحد سمنت.
ولذلك يقول نافع ﵁ وأرضاه، ورضي الله عن ابن عمر [[كان ابن عمر إذا أُحضر له طعامه، قال: ادعوا لي أناساً يأكلون معي، فيدعون له الفقراء والمساكين]] ويقول حاتم لامرأته -وليته مات مسلماً، ولكن قدر الله وما شاء فعل- يقول:
إذا ما صنعت الزاد فالتمسي له أكيلاً فإني لست آكله وحدي
من كرمه يقول: إذا صنعت الزاد وأحضرتيه، فالتمسي ضيفاً يأتي معي.
وذكروا في سيرة إبراهيم ﵇ أنه كان لا يأكل طعاماً إلا ويدعو ضيوفاً يضيفهم، ولذلك ذكر الله له روغتين في القرآن، روغة كرم، وروغة شجاعة، فروغة الشجاعة: ﴿فَرَاغَ عَلَيْهِمْ ضَرْباً بِالْيَمِينِ﴾ [الصافات:٩٣] وروغة الكرم: ﴿فَرَاغَ إِلَى أَهْلِهِ فَجَاءَ بِعِجْلٍ سَمِينٍ﴾ [الذاريات:٢٦].
والبخيل لا يروغ، وإنما يخرج ظاهراً شاهراً بسكينته ويتنحنح ويتكلم، ويستخير الله ثلاثة أيام ثم يذبح ذبيحته.
أما إبراهيم ﵇ فإنه خرج، قال ابن القيم: انظر إلى روغته ما أحسنها! وانظر إلى عجلته، فخير البر عاجله، وانظر إلى ذبيحته ما أعظمها! عجل فيه، ثم جاء به سمين حنيذ، فهو عجل سمين وليس بهزيل، وهو حنيذ وليس بمطبوخ، ثم قربه إليهم ولم يقرب الضيوف إلى الأكل، ولكن قرب الطعام إليهم، إلى غير ذلك من الآداب.
فمن الهدي والسنة في السفر أن يجتمع على الطعام، وهو من كرم السجايا.
стр. 4816
الوقفة الثالثة والعشرون: الإمارة في السفر
المسألة الثالثة والعشرون: تأمير أحد الرفقة: كان من هديه ﷺ أن يؤمر أحد أصحابه إذا سافروا، وأمر الناس أن إذا سافروا أن يؤمروا أحدهم، يقول ﵊: ﴿الواحد شيطان، والاثنان شيطانان، والثلاثة ركب﴾ فالثلاثة يؤمر أحدهم.
فنهى ﷺ في هذا الحديث أن يسافر الواحد وحيداً فإن الوحدة تذم، إلا لمصلحة راجحة.
وقد قيل لـ مالك بن دينار: مالك لا ترافق الناس، والرسول ﵊ نهى عن الوحدة، ويقول: ﴿الواحد شيطان﴾ قال: أنا شيطان بنفسي -تواضعاً منه- فكيف آخذ لي شيطاناً آخر، فأحب أن يسافر وحده.
فالمصلحة إذا ترجحت -لأن هذا ليس من باب الوجوب إن شاء الله- ورأى الإنسان أنه يقوم بنوافله، ويستطيع أن يذكر الله وحده، ويخاف أن إذا رافق أحد الناس أن يكثر من الغيبة، ومن تضييع الوقت، ومن اللغو، فلا عليه بإذن الله؛ لأن بعض الناس قد يكون حملاً ثقيلاً، وعبئاً عليك إذا سافر معك، فما عليك ألا تستصحبه، لكن احرص أن يكون معك أحد.
стр. 4817
الوقفة الرابعة والعشرون: عدم سفر المرأة إلا مع ذي محرم
المسألة الرابعة والعشرون: عدم سفر المرأة إلا مع ذي محرم: فالرسول ﵊ كما في الصحيح، قال: ﴿لا تسافر المرأة مسيرة ثلاثة أيام إلا مع ذي محرم -وفي رواية- يوم وليلة﴾ وهي روايات كثيرة، لكن أقصاها ثلاثة أيام، وأدناها يوم أو ليلة، إلا مع ذي محرم، ومن باب أولى إذا كان أربعة أيام أو خمسة، فلا تسافر المرأة إلا مع ذي محرم.
وابن تيمية تكلم في الحج في هذه المسألة: قال: إلا إذا احتاجت المرأة، مثل أن تكون حاجَّة، فما استطاعت أن تحج وهناك رفقة، وهم من الأخيار الأبرار، وتأمن على نفسها فلها أن تذهب معهم، أو كانت في مكان ثم خافت على نفسها من لصوص وسراق وقطاع فلها أن تسافر مع قوم صالحين لتنتقل من هذا المكان أو ما في حكمه من باب الضرورات.
стр. 4818
الوقفة الخامسة والعشرون: عدم استصحاب الكلب والجرس في السفر
وأما المسألة الخامسة والعشرون: فالنهي عن استصحاب الكلب والجرس في السفر: يقول ﵊ كما في سنن أبي داود: ﴿لا تصحبُ الملائكة رفقة فيهم كلبٌ ولا جرس﴾ فهذان منهي عن استصحابهما في الأسفار، فما بالك بالذين يربون الكلاب ويغسلونها بالماء والصابون ويضعون الميداليات في نحورها، ثم يركبونها في المرتبة الأولى، وأهلهم في المرتبة الثانية، وهؤلاء هم الذين طبع الله على قلوبهم وأعمى أبصارهم، فهذه طباع الكفار، وقد تنتقل هذه العادات بالمشابهة.
يقول الأستاذ محمد قطب: نحن قوم مقلدون، لو وضع أحد الإنجليز حذاءه على رأسه؛ لأصبح في المشرق بعد ثلاثة أيام قوم يضعون أحذيتهم على رءوسهم، فيُخشى أن ينقلوا الكلاب ويغسلونها، ثم يستصحبونها في السفر، وقد نهى ﷺ عن استصحاب الكلاب والجرس، وما في حكمه من النواقيس والأدوات وآلات اللهو والطرب والدف والمزمار والموسيقى، فهذه منهي عن استصحابها في الأسفار، وهذا هديه ﷺ .
وأعظم ما يذكر به السفر القدوم على الله ، فالمسلم يتذكر أنه بانتقاله من بلد إلى بلد، أنه مسافر إلى الله ، وأن هذه الدار لا قرار فيها، فقبحاً لها من دار، فإنها تنغص بقدر ما تسر، وكلما تم فيها شيء تنغص، ولا يرتفع فيها شيء إلا كان حقاً على الله أن يضعه، فليس للعبد مستقر إلا في الجنة، فحيهلاً:
فحيَّ على جنات عدن فإنها منازلك الأولى وفيها المخيم
لا دار للمرء بعد الموت يسكنها إلا التي كان قبل الموت بانيها
فإن بناها بخير طاب مسكنه وإن بناها بشر خاب بانيها
فاعمل لدارٍ غداً رضوان خازنها الجار أحمد والرحمن بانيها
قصورها ذهبٌ والمسك تربتها والزعفران حشيش نابتٌ فيها
نسأل الله أن يعيننا وإياكم على سفرنا إليه ، وأن يزودنا بزاد التقوى، وأن يجعلنا من المعتبرين المتذكرين المتفكرين، وأن يجعلنا من الذي اتبعوا رسول الهدى ﵊، وأن يجعل هذا المجلس في ميزان حسناتنا، وأن يتقبل الله منا أحسن ما عملنا، ويتجاوز عن سيئاتنا في أصحاب الجنة وعد الصدق الذي كانوا يوعدون.
سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلامٌ على المرسلين، والحمد لله رب العالمين.
وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.
стр. 4819
أحب لأخيك ما تحب لنفسك
إن الدين الإسلامي مبنيٌ على المحبة والمؤاثرة، والحلم والصبر والعفو، ومكارم الأخلاق، واتباع رسول الهدى، وموافقته فيما جاء به وتقديره وتعظيمه ولزوم نهجة، والنبي ﷺ يضرب لنا أروع الأمثلة في المحبة والمؤاثرة وفي الحلم والصبر ومكارم الأخلاق وفي الآداب، ويعلمنا آداب الشريعة الإسلامية وسماحتها ويسرها.
стр. 4820
المآثرة والحب في الله
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.
معنا في هذا الدرس ثلاثة أحاديث للإمام الكبير الزاهد العابد المجاهد، الإمام البخاري ﵀ رحمة واسعة، وجزاه الله عن أمة محمد أفضل ما جزى عالماً مجاهداً زاهداً عابداً عن هذه الأمة الماجدة.
الحديث الأول: يقول الإمام البخاري، ويتفنن في التبويب، باب: من الإيمان أن يحب لأخيه ما يحب لنفسه، ثم قال: حدثنا مسدد قال: حدثنا يحيى، عن شعبة، عن قتادة، عن أنس ﵁ عن النبي ﷺ .
وعن الحسين المعلم قال: حدثنا قتادة عن أنس عن النبي ﷺ قال: ﴿لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه﴾.
стр. 4821
ترجمة سعيد بن المسيب
قبل أن نبدأ في شرح الحديث معنا علم من الأعلام سوف يمر في الأسانيد، وهو يمر كثيراً في صحيح البخاري وفي كل كتب العلم، وهو أشهر من نار على علم، وكما تعودنا أن نأخذ نموذجاً فريداً من السلف الصالح سواء كان من الصحابة أم من التابعين، أم من القرن الثالث، لنستضيء بسيرتهم، ولنجدد حبهم في الله ، علَّ الله أن يحشرنا في زمرتهم، صاحبنا في هذا الدرس هو سعيد بن المسيب وأبو محمد القرشي الزهري؛ عالم أهل المدينة، في قرن التابعين، أدرك كثيراً من الصحابة، وسمع خطبة عمر ﵁ على المنبر وحفظها، أدركته بركة من الله؛ لأنه رضع ثدي أم المؤمنين أم سلمة، هو والحسن البصري، فأكسبه الله بهذه الرضعة الطيبة من تلك الأم الحنون الرءوم الماجدة الشريفة، فصاحة، وبراعة، وعلماً نافعاً، وعاش ﵁ في زهد، وعفاف منقطع النظير، وطلب العلم فنافس الأقران وأصبح وحيد الدهر، في تلك الفترة، كان ﵁، يتحدث بنعمة الله عليه يقول: [[من أربعين سنة، ما فاتتني تكبيرة الإحرام في المسجد]].
ويقول: [[والله ما نظرت منذ أربعين سنة إلى قفا أحد إلا الإمام]] يعني: أنه دائماً في الروضة وراء الإمام، فلا ينظر إلى قفا أحدٍ، أي: أنه لم يصلِّ في مرة من المرات في الصف الثاني، ولذلك سئل: من حافظ على الصلوات الخمس أعابد هو؟ قال: [[من حافظ على الصلوات الخمس في جماعة فقد ملأ البر والبحر من العبادة]].
وأما برنامجه اليومي فكان يصلي الفجر ويجلس في المسجد يسبح، وكان يلبس البياض دائماً، حتى أن من رآه يتذكر الله ويذكر الله، وكان مخبتاًَ دائماً لا يرفع نظره، ولا ينظر إلى السماء من كثرة خشيته، حتى أن بعض الجواري يقلن لآبائهن: "مر بنا الأعمى اليوم" يقصدون: سعيد بن المسيب وليس بأعمى ﵁، لكن من كثرة خشوعه يظن الناس أنه أعمى، كان يجلس مستقبل القبلة حتى تطلع الشمس، ثم يصلي ما يسر الله له، ثم تنظم له حلقات العلم في المدينة، فيتهدر منه العلم كالبحر العجاج ﵁ وأرضاه، فكان هو المفتي في الدولة الإسلامية، ثم يستمر إلى قرب صلاة الظهر فينام نومة في بيته، ثم يعود، والذي أثر عنه أنه صام الدهر إلا عيد الفطر وعيد الأضحى.
وكان يستمر فإذا أتى وقت الإفطار ذهب إلى ابنته -وقد ماتت زوجته وهي بنت أبي هريرة - فيفطر عندها ثم يعود إلى المسجد فيصلي، ثم يصلي العشاء، ثم يقرأ ما تيسر له من أوراده وذكره قليلاً، ثم يقوم ويصلي إلى الفجر، ويتقطع صوته بالبكاء، واستمر على البكاء من خشية الله حتى ذهبت إحدى عينيه، ولذلك قال له أحد تلاميذه: [[لو خرجت إلى العقيق الوادي الجميل الأخضر، علَّ بصرك أن يثوب إليك -يعني: بصره في العين الأخرى أما تلك فقد ذهب ضوءها ونورها- قال: وأين لي بشهود العتمة، ومن يضمن لي صلاة بألف صلاة في غير مسجده ﷺ ، فرفض أن يخرج]].
وكان شديداً في ذات الله لا تأخذه لومة لائم أبداً [[حاول عبد الملك بن مروان خليفة الدولة الإسلامية وأمير المؤمنين في تلك الفترة، أن يبايع لابنه الوليد بيعة ثانية ويلزم المسلمين بها -كما تعرفون ذلك- فتوقف المسلمون جميعاً حتى يبايع سعيد بن المسيب؛ لأنه رجل الموقف، ورجل الساعة في تلك الفترة، قالوا: "إذا بايع سعيد فسوف نبايع كلنا" وتوقفت الأقطار على فتواه، وأتى الوزراء إلى سعيد بن المسيب فرفض وقال: إن الرسول ﷺ يقول: ﴿لا يبايع لخليفتين في وقت واحد﴾ وحاول عبد الملك معه بشتى الوسائل، أعطاه المال فرفض، ومناه ورجاه فرفض أيما رفض، وفي الأخير أتاه والي المدينة فخيره بين ثلاثة خيارات: إما أن يخرج من المدينة حتى يبايع أهل المدينة؛ لأنهم لا يبايعون وهو موجود، وإما أن يلزم بيته فلا يخرج أبداً، وإما أن يدخل من باب ويخرج من الباب الثاني، ويتظاهر للناس أنه بايع ولا يبايع، قال: أما قولك أخرج لأعتمر أو أخرج من المدينة، فما كان لي أن أعتمر أو أدخل مكة بدون نية، وأما أن ألزم بيتي فوالله لا أترك شهود العتمة والصلاة في المسجد حتى يحال بين رأسي وجسدي، وأما أن أدخل من باب وأخرج من باب آخر فوالله لا أغر مسلماً أبداً.
ثم حاولوا استدراجه فرفض، وجُلد ﵁ ما يقارب مائة جلدة، وطيف به على بعير، وبكى أهل المدينة عن بكرة أبيهم على هذا الإمام العالم الزاهد العابد، وحاول أن يسترضيه عبد الملك قبلها، وكأن عبد الملك وجد في نفسه لأنه خطب ابنته العابدة الصوامة القوامة لابنه الوليد بن عبد الملك ولي عهد المسلمين والخليفة المنتظر، فرفض سعيد بن المسيب وحاول العلماء، ألا يرفض وقال: أرأيتم إن أخذ الله سمعكم وأبصاركم وختم على قلوبكم أتريدون أن أدخل ابنتي بعد قيام الليل، وصيام النهار، وحفظ القرآن، على أبناء مروان، لا يكون هذا أبداً.
وفي الأخير زوجَّها من فقير كان يدرس معه ماتت زوجته فسأله: لم تأخرت؟ قال: مرضت زوجتي ثم دفنتها وأتيت، قال: هل لك من دراهم؟ -قال: معي درهمان -وقيل: أربعة دراهم- قال: أتريد ابنتي؟ فدهش الرجل وما صدق وظن أن هذا من الأحلام!! زوجه ﵁ من ابنته، فوجدها حافظة كحفظ أبيها، فقيهة كفقه أبيها، عابدة عبادة أبيها، زاهدة زهد أبيها، رضوان الله عليهم جميعاً]] من كلماته النيرة المشرقة: [[سئل في المسجد ماذا يقطع الصلاة؟ قال: يقطعها الفجور ويسترها التقوى]].
وقال ﵁: [[الناس في كنف الله ، فمن أراد أن يخرجه من كنفه سلط عليه المعصية]].
ومرت في كتب السير والتواريخ دعابة له ﵁: وذلك أن تاجرة عراقية أتت ببراقع؛ والبراقع: لباس يلبس في العراق، ولا يلبس في المدينة؛ لأن أهل الحجاز لا يعرفون ذلك، وظنت العراقية أنها سوف تكسب مالاً طائلاً فذهبت ببراقعها على بعير فنزلت في أهل المدينة، فما عرفوا ما هي السلعة هذه، فما شرت امرأة واحدة أبداً، وفي الأخير أرادت أن تعود إلى العراق بتجارتها، فعرضت لها امرأة فقالت: "إن كنتِ تريدين أن تبيعي تلك البراقع فتعرضي لأحد الشعراء ليمدح البراقع، فإنها سوف تباع في وقتها، فذهبت المرأة وأهدت إلى رجل هناك من أهل المدينة هديه، وهذا الرجل اسمه ابن عنين وهو شاعر، وقالت: امدح البراقع، فعرض بـ سعيد بن المسيب في قصيدته يقول:-
قل للمليحة في الخمار الأسودِ ماذا فعلتِ بناسك متعبد (١)
قد كان يمم للصلاة بوجهه حتى وقفت له بباب المسجد
يقول إن لابسة الخمار فتنت حتى سعيد بن المسيب على عبادته وزهده وجلالته، فسمع سعيد بن المسيب، فاستغفر وتبسم وقال: [[والله ما كان من ذلك من شيء ولكن صدق الله: ﴿وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ * أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ * وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لا يَفْعَلُونَ﴾ [الشعراء:٢٢٤ - ٢٢٦]]].
﵁ وأرضاه كان إذا تكلم بكلمة في غير ذكر الله استغفر مائة استغفارة، توفي ﵁ بعد هذا العمر المديد، وهو من فقهاء المدينة السبعة، وممن يتقرب بحبهم إلى الله ، نسأل الله أن يحشرنا في زمرته، وفي زمرة الأخيار الأبرار من أصحاب محمد ومن التابعين لهم بإحسان.
стр. 4822
ترجمة بعض رجال البخاري
أما الحديث الأول، فيقول الإمام البخاري باب: من الإيمان أن يحب لأخيه ما يحب لنفسه، هذا تبويب البخاري، مرة يقول: باب: إطعام الطعام من الإيمان، ومرة يقول: باب: من الإيمان أن يحب لأخيه ما يحب لنفسه، فيقدم مرة ويؤخر مرة، لجلالة الرجل وذكائه وتفننه.
قال: حدثنا مسدد ومسدد هذا شيخ البخاري، مسدد كاسمه، يقول البخاري عنه: مسدد كاسمه، أي: أنه مسدد في كلامه وفي روايته ﵁، ولعلمكم أن رجال البخاري ومسلم كلهم نجوم يهتدى بهم، وعلماء أجلة وزهاد وعباد، وللعجيب أورد الذهبي والحفاظ اسمه فقالوا: مسدد بن مسرهد بن مسربل بن مرعبل، هذا اسمه أي يروى كذا، لأنه أعجمي ولذلك لما سمع الفضل بن دكين هذه التسمية قال: هذه رقية العقرب.
يعني: يكفي أن تقول: بسم الله ثم تقرأ هذه على ماء ثم تشرب ملعقتين في الصباح وفي المساء وترقيك من العقرب، هذا الفضل بن دكين تلميذه وشيخ البخاري أيضاً، وهو صاحب دعابة حتى ذكر عنه أنه طرق عليه طارق في البيت، فخرج الفضل من عند الباب فقال الفضل: من بالباب؟ قال: رجل من ذرية آدم، ففتح له وقال: الحمد لله ظننت أن ذرية آدم قد انتهوا وانقرضوا، وإذا بك لا زلت حياً.
فـ مسدد هذا كاسمه، قال: حدثنا يحيى بن سعيد القطان إذا أطلق فهو يطلق على ثلاثة، لكن في البخاري يحيى بن سعيد الأنصاري ويحيى بن سعيد القطان؛ هذا يحيى بن سعيد القطان كان سبب موته أن سمع قارئاً يقرأ في سورة الصافات، فسقط من على الجدار، من خشية الله ومات في ذلك اليوم.
عن شعبة بن الحجاج أبي بسطام الضخم الضخام راوية الإسلام عن قتادة بن دعامة السدوسي وهذا قتادة بن دعامة السدوسي، أحفظ عباد الله ، دخل على سعيد بن المسيب فقال: اسمع مني سورة البقرة فسمع منه سورة البقرة، فقال: والله ما أخطأ ولا لحن ولا أسقط حرفاً، فقال له سعيد بن المسيب: أنت أحفظ أهل الأرض.
وقال ابن المبارك: [[إن كان غير الدهر حفظ أحد فما غير حفظ قتادة بن دعامة]] كان فيه تشيع يسير، وهو من العلماء الأجلاء.
وعن أنس ﵁ عن النبي ﷺ .
ثم قال: عن الحسين المعلم قال: حدثنا قتادة عن أنس عن النبي ﷺ قال: ﴿لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه﴾.
في هذا الحديث مسائل، ثم نتعرض إن شاء الله للتحليل اللفظي والشرح المفصل.
стр. 4823
فضل محبة المؤمن لإخوانه
أولاً: فيه حث على محبة المؤمن لإخوانه المؤمنين، وهذه تنقسم إلى شقين: الشق الأول: التخلي، والثاني: التحلي.
والتخلي من الأخلاق السيئة التي تؤذي المؤمنين، ولذلك ثبت عنه ﷺ في مسند الإمام أحمد أنه قال: ﴿ثلاث لا يغل عليهن قلب امرئٍ مسلم﴾.
هذا الحديث العظيم دائماً ابن تيمية ﵀ يعيد ويبدي في شرحه ويهتم به اهتماماً عظيماً، ونحن أحوج الناس اليوم إلى هذا الحديث، يقول ﷺ : ﴿ثلاث لا يغل عليهن قلب امرئ مسلم: الإخلاص لله في العمل، ثم النصيحة لولاة أمور المسلمين، وملازمة جماعة المسلمين فإن دعوتهم تحيط بمن وراءهم﴾.
هذه الثلاثة لابد منها، وهي تسمى التخلي أي: التخلي عن الأخلاق السيئة.
стр. 4824
واجبات المؤمنين على بعضهم البعض
ثم يأتي التحلي ومن واجب المسلم على المسلم أمور كثيرة تربو على العشرين لكن مفاد هذا الحديث، ربما تجمع هذه الأمور في أربع مسائل وهي واجب المؤمن على المؤمن.
стр. 4825
الواجب الأول: النصيحة
إن من واجب المؤمن على أخيه المؤمن أن ينصح له، والذي لا ينصح للمسلمين ولا ينصح للمؤمنين، فهو خائن غاش، غادر لله ولرسوله وللمؤمنين، يحاسبه الله على عمله السيء والخبيث، والذي يحمل ضغينة على المؤمنين، على أمر من أمور الدنيا، أو لأمر لا يتعلق بهذا الدين فمقصوده أن فيه شعبة من النفاق، نسأل الله السلامة، ولذلك يقول جرير بن عبد الله البجلي: ﴿وفدت على رسول الله ﷺ وكان قبل أن أدخل المسجد يقول: سوف يقدم عليكم رجل من أهل اليمن، على وجهه مسحة ملك.
-لأن جرير بن عبد الله من أجمل هذه الأمة وهو يوسف هذه الأمة، على يوسف السلام ورضي الله عن جرير - فلما وفد قال ﷺ : يا جرير! ما ذُكر لي أحد إلا كان أقل مما ذكر لي إلا أنت، فكنت أرفع مما ذكر لي، فأخذه ﷺ بيده إلى بيته عليه أفضل الصلاة والسلام، ثم أجلسه فوضع له مخدة يجلس عليها فأتى جرير فرفض أن يجلس عليها تواضعاً لله ، فتعجب ﷺ فوضع إصبعه في بطن جرير وقال: أشهد أنك من الذين لا يريدون علواً في الأرض ولا فساداً، مد يدك لأبايعك، فمد يده فبايعه ﷺ على شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله، وإقامة الصلاة، وإيتاء الزكاة، والنصح لكل مسلم، قال جرير: والله ما زلت أنصح لكل مسلم حتى ألقى الله﴾.
ولذلك كان إذا بايع رجلاً، وانتهت البيعة يقول جرير: [[السلعة التي اشتريت منك أحب إليَّ من الدارهم التي دفعت إليك، وقد بايعت رسول الله ﷺ على النصح لكل مسلم، فإن تريدني أن أقيلها أقلتك]] حتى لا يغشه أبداً، وهكذا دائماً كلما بايع حتى لا يغشه أبداً، ولذلك وفقه الله وحفظه الله بهذه النصيحة، حتى لقي الله .
وفي صحيح مسلم أن الرسول ﷺ قال: ﴿الدين النصيحة، الدين النصيحة، الدين النصيحة، قلنا: لمن يا رسول الله؟ قال: لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم﴾.
وهذا حديث صحيح وهو أصل من أصول هذا الدين، وهو من الأربعين النووية، يجب أن يحفظ وأن يفهم، وأن يلاحظ وأن يهتم به، فإنه من أعظم الأحاديث على الإطلاق.
стр. 4826
الواجب الثاني: التودد وألفة المسلمين
الأمر الثاني الذي يجب أن يلاحظ: التودد والألفة للمؤمنين خاصة.
يقول ﵊: ﴿ألا أنبئكم بأحبكم إلي وأقربكم مني مجلساً يوم القيامة: أحاسنكم أخلاقاً، الموطئون أكنافاً، الذين يألفون ويؤلفون﴾.
يألفهم الناس ويألفون الناس، والمقصود بهم في الحديث: المؤمنون ليس إلَّا.
المقصود به: المؤمنون الذين يألفهم المؤمن ويألفونه، أما المنافق فله أمر آخر، وكذلك الكافر، ولذلك يقول الله في سورة الأنفال ممتناً على رسول الله ﷺ وعلى الأمة الإسلامية: ﴿وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [الأنفال:٦٣].
ورد عند ابن جرير وغيره من المفسرين: أن الأوس والخزرج كانوا في مجلس من المجالس اجتمعوا فيه؛ والأوس والخزرج قبيلتان، مشهورتان، عظيمتان أزدتيتان، وهما الأنصار رضوان الله عليهم، كانوا في الجاهلية يتقاتلون، وبينهم يوم بعاث المشهور، فلما أسلموا ودخلوا في دين الله أفواجاً، فنسوا تلك الإحن، وتلك الأحقاد, وتلك الثورات، فلما اجتمعوا في مجلس من المجالس رآهم ابن شاس؛ رجل من اليهود عليهم لعائن الله، واليهود يغيظهم جمع المسلمين، ويغيظهم اجتماع كلمة المؤمنين، فقام ابن شاس هذا الرجل اليهودي، فأتى إلى الأنصار فجلس بينهم، وأخذ يذكرهم بأيام الجاهلية، أيام الحروب التي وقعت بينهم بعد أن اهتدوا والرسول ﵊ موجود بينهم، وهو حي ﷺ ، وقد نزل عليهم القرآن، فأخذ يذكرهم فقام رجل منهم فقال: ﴿نحن خير منكم يا أيها الأوس! قتلنا منكم يوم بعاث كذا وكذا، فقام الأوسي وقال: بل نحن قتلنا يوم كذا وكذا منكم كذا، وقال شاعرنا قيس بن الخطيب كذا، فقام الآخر وقال: حسان فيكم كذا، فقام رجل منهم وسل سيفه وقال: موعدكم الحرة -وهو من الأوس- أيها الخزرج! ثم تلبس الأوس بسيوفهم ورماحهم وخرجوا إلى الحرة الحرة؛ ظاهر المدينة، وخرج معهم الخزرج، -وهذا من ضعف البشر، طاشت العقول، ونسوا تعاليم الإسلام في تلك الفترة- وأتى الخبر رسول الله ﷺ وهو في بيته ومعه أبو بكر وعمر قالوا: يا رسول الله! أدرك الأوس والخزرج فإنهم مجتمعون في الحرة يريدون المبارزة والمقاتلة، وإن لم تدركهم فإنا نخشى أن ينهي بعضهم بعضاً، فقام رسول الله ﷺ .
يقول ابن عمر: والله لقد قام ﷺ بلا حذاء من كثرة ما أتاه ﷺ من الدهش والفزع على هذا الأمر العظيم، فأخذ ﷺ برده ومشى.
قال: وإنه مهرول هرولة، ووراءه أبو بكر وعمر وكثير من المهاجرين فأتى ﷺ وإذا هم يحاججون وقد أصبحوا صفين: الأوس في صف، والخزرج في صف، وقد سلوا السيوف، وامتشقوا الرماح، فقام ﷺ فقال: أيها الناس! مالكم، ألست برسول الله؟ قالوا: بلى، قال: أتشهدون أن لا إله إلا الله؟ قالوا: بلى، قال: أتؤمنون باليوم الآخر؟ قالوا: بلى، فأخذ ﷺ يسألهم بالله العظيم، أن يثوبوا إلى رشدهم ويتركوا أمر الجاهلية، ثم قال: مالكم أتفعلونه وأنا بين أظهركم، كيف لو مت؟! ثم ألقى عليهم ﷺ موعظة فبدأ الأوس يلقون السيوف والرماح في الأرض وأخذوا يتباكون، فأمر ﷺ أن يتعانق الناس فتعانق الأوس والخزرج معانقة عظيمة وقام ﷺ وسطهم وهو يبكي ﵊﴾.
وهذا سبب الآية على الراجح عند الجمهور، قال : ﴿وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَاناً وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ [آل عمران:١٠٣].
ثم أمرهم بأن يذكروا هذه النعمة بعد أن كانوا متحاسدين، ومتحاقدين، ومتقاتلين، ومتباغضين.
فرجعوا إلى المدينة والرسول ﷺ معهم، وقام ﵊ فألقى خطبة على المنبر ودعا بقية الأوس والخزرج وأخبرهم بهذه النعمة، فعاد الإخاء، وهذه حكمة من الله ، ليجدد للقلوب وليرد للأرواح ما فقدته في بعض الأوقات التي يضعف فيها البشر.
стр. 4827
واجب المؤمن على المؤمن
ومن واجب المؤمن على المؤمن العفو والصفح، وهو الذي يحتمله الحديث، بل احتماله أولياً، ودخوله دخولاً أولياً في الحديث، ولذلك يقول الله تعالى: ﴿وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [آل عمران:١٣٤].
وهذه من أعظم الآيات في الأخلاق، ومن أراد أن يتعلم الأخلاق، فليفهم هذه الآية وليعيها، وليعمل بمقتضى هذه الآية.
стр. 4828
صور من العفو في عصر السلف الصالح
يقول ابن عباس ﵁: [[كان أهل القرآن خَاصَة عمر ومستشاريه صغاراً كانوا أو كباراً، وكان منهم الحر بن قيس؛ كان شاباً ويقربه عمر ﵁ وأتى ابن عم للحر بن قيس؛ وهو شيخ قبيلتهم، فقال للحر بن قيس: إنك قريب عند هذا الأمير -يقصد عمر - فاستأذن لي عنده غداً لأكلمه، فأتى الحر بن قيس فاستأذن على عمر ﵁، فأذن عمر لذاك الرجل، فلما دخل قال: مهلاً يا عمر! والله ما تحكم فينا بالعدل ولا تعطينا الجزل، فغضب عمر وحمل درته وأراد أن يبطش بهذا الرجل الذي أساء الأدب معه ﵁، فقال الحر بن قيس: يا أمير المؤمنين! إن هذا من الجاهلين والله يقول: ﴿وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [آل عمران:١٣٤].
فقال عمر: قد كظمت وعفوت وأحسنت، قال ابن عباس: رضي الله عن عمر، كان وقافاً عند كتاب الله ]].
وسطر السلف الصالح من مواقف العفو والصفح أعظم الصور الرائعة التي حفظها الدهر، ولذلك يروى عن عمر بن عبد العزيز أنه خرج رضي عنه وهو خليفة للمسلمين في وسط الليل، يريد أن يصلي في مسجد بني أمية الجامع في دمشق، وكان يخرج وحده في الليل يتفقد أمور الناس، وربما صلى في المسجد، وربما زار المقبرة، وكان هو الخليفة الوحيد في تلك الفترة خليفة المسلمين ﵁ من المغرب إلى نهر السند شرقاً، [[فلما خرج ودخل المسجد في الظلام وطأ برجله أحد النوام، فقال: من هذا الحمار الذي وطأني؟ فقال عمر بن عبد العزيز: أنا عمر بن عبد العزيز ولست بحمار، ثم صلى ﵁، وانصرف]].
فيقول العلماء: "إنها من حسناته الفريدة التي يرى أنها قليلة لا يلتفت إليها بل هي من أعظم الحسنات؛ لأن أهل السلطان يغضبون على أي شيء، وأما هذا فرضي الله عنه، ما غضب" ولذلك يقولون: إنه من سلالة عمر رضي عنه وهم دائماً من أشد الناس في الحق، لكنهم من أعظم الناس عفواً عما يصلهم، أو ما يخص ذوات أنفسهم ﵃.
[[وكان سالم بن عبد الله ﵁ يطوف، فزاحمه رجل من أهل العراق، فكأن سالماً زاحم الرجل فالتفت إليه العراقي، فقال: والله إني لأظنك شيخ سوء، فقال سالم: ما عرفني إلا أنت، ثم انصرف من الطواف ﵁ وأرضاه]].
وسالم هذا من الذين يتقرب بحبهم إلى الله لزهده وجلالته، ولكن العفو والصفح يأتي إما بجبلة، أو تعلم، وهو موهبة من الله ، أو اكتساب يكتسبها الإنسان بالدربة، وبالعلم، وبالرياضة، ولذلك يقول ﷺ لـ أشج بن عبد القيس: ﴿لديك خصلتان يحبهما الله: الحلم والأناة، فقال أجَبلني الله بهما أم تخلقت عليهما؟ قال: بل جبلك الله عليهما، قال: الحمد الله الذي وفقني لخلق، أو جبلني على خلق يحبه الله ورسوله ﷺ ﴾.
ومن أحلم الناس وأعظمهم حلماً: قيس بن عاصم المنقري وقد تعرضنا له بشيء من الإيجاز، لكن الرسول ﷺ يقول لـ قيس بن عاصم المنقري: ﴿أنت سيد أهل الوبر﴾.
هذا سيد بني تميم وشيخهم، كان من أحلم الناس بل ضرب في الحلم والصفح أروع الأمثلة، حتى أنه ما كان يغضب أبداً.
قيل للأحنف بن قيس: [[ممن تعلمت الحلم؟ قال: تعلمت الحلم من قيس بن عاصم المنقري، قالوا: بماذا؟ قال: كنا جلوساً عنده ذات يوم وكان محتبياً بثوب وهو جالس القرفصاء، فأتى ولد له فقال: يا أبتاه! قتل أخي، قتل أخي قال: من قتله؟ قال ابن فلانة -امرأة ربعية سكنت عندهم وحلت ورضعت معهم وكان معها ولد فقتل ولدها ولد قيس بن عاصم أي: أسقط عليه حجراً فقتله- قال الأحنف بن قيس: فوالله ما حل قيس بن عاصم حبوته، ولا تحرك، ولا تغير وجهه، ولا قطع حديثه، قال: فلما انتهى من الحديث قال: جهزوه، وغسلوه، وأتوني به أصلي عليه وأودعه، وخذوا مائة ناقة -لأنه كان غنياً ثرياً- وخذوا مائة ناقة واعطوها ذاك الولد لئلا يخاف ذاك الولد القاتل، وسلّوا أمه وعزوا أمه؛ لئلا تظن أنا نريد بها شراً، وعفىا الله عما سلف، قال الأحنف بن قيس: فمن ذلك تعلمت الحلم]].
وكذلك كأن الأحنف بن قيس هو سيد، بعد قيس بن عاصم وقيس بن عاصم هو الذي سارت بذكره الركبان يقول: عقد له البخاري باباً في الأدب المفرد وأخذ وصاياه العلماء بل حتى المحدثون جعلوه في كتبهم ولذلك يقول الأول:
عليك سلام الله قيس بن عاصم ورحمته ما شاء أن يترحما
تحية من ألبسته منك نعمةً إذا زار عن شحط بلادك سلما
وما كان قيس موته موت واحد ولكنه بنيانُ قوم تهدما
تولى الأحنف بن قيس بعده ولاية بني تميم، فجلسوا في مجلس يسمرون، فقال رجل منهم: [[هل رأيتهم الأحنف غضب في يوم من الأيام؟ قالوا: والله ما رأيناه قد غضب في يوم من الأيام، فقال: فما لي إن أغضبته؟ فأعطوه شيئاً من المال، فدعا رجلاً سفيهاً من سفهاء بني تميم، وقال: خذ هذه الجائزة -ما أدري كم من الدنانير والدراهم وهي في عيون الأخبار والعقد، وغيرها من كتب الأدب والتاريخ- قال: خذ هذه الجائزة واذهب إلى الأحنف بن قيس ولا تكلمه، وإنما الطمه على وجهه، فإذا قال لك: مالك؟ فقل: إني سمعت أنك تتعرض لي وتسبني وتغتابني، فذهب وإذا الأحنف بن قيس جالس في مجلس بني تميم فتعرض له ذاك السفيه فضربه على وجهه، فقال له الأحنف: مالك؟ قال: سمعت أنك تعرضت لي وسببتني وشتمتني، قال: من أخبرك؟ قال: أخبرني فلان بن فلان، قال: ماذا قال؟ قال اذهب إلى سيد بني تميم فلان فاضربه، فقال الأحنف: أنا ليس بسيد بني تميم، إن سيد بني تميم جارية بن قدامة -سيد آخر لكنه يغضب من الريح إذا مرت- فذهب إليه وهو في مجلس آخر، فانطلق هذا السفيه، ثم أتى جارية بن قدامة فضربه على وجهه، فقام جارية بن قدامة ومعه سيفه فضرب يد الرجل فأنزلها في الأرض]].
وهذه مشهورة عن جارية بن قدامة؛ لأنه من أحد الناس، ومن أغضب الناس.
هذا نموذج للحلم أو الصفح الذي تمثل به أهل الجاهلية في جاهليتهم وزاده الإسلام قوة ومتانة، ولذلك أحلم الناس وأعظمهم عفواً هو رسول الله ﷺ حتى يقول الله : ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾ [آل عمران:١٥٩].
﴿دخل أبو سفيان بن حرب بعد تلك الأفاعيل والأيام السوداء، بعد أن أخرج الرسول ﷺ ، وحارب الرسول ﷺ ، وقاتله وباع أملاكه، في مكة دخل يوم الحديبية مستسلماً، فلما دخل أخذ عمر يطارده في الخيام، وكانت المعسكرات في الحديبية، والرسول ﷺ قد وزع الجيش أربعة أقسام، فأخذ أبو سفيان يكر على بغلة الرسول ﷺ مع العباس وعمر وراءه بالسيف ويقول: هذا أبو سفيان لا نجوت إن نجا، حتى دخل أبو سفيان في خيمة الرسول ﷺ ، فتكلم أبو سفيان إلى الرسول ﷺ ، فقال: يا رسول الله! فعلتُ وفعلتُ فاعف عني.
قال: فقد عفوت, وحلمت، وقد صفحت، فدمعت عينا أبي سفيان وقال: لا إله إلا الله ما أرحمك، ولا إله إلا الله ما أبرك، ولا إله إلا الله ما أوصلك﴾.
ولذلك لما دخل ﷺ مكة -كما ثبت في أحاديث صحيحة- وقد كان أبو سفيان بن الحارث ابن عم الرسول ﷺ قبل ذلك ما ترك قصيدة عصماء يهجو بها الرسول ﷺ إلا نثرها في العرب، حتى أن الناس من المشركين أخذوا يهجون الرسول ﷺ بشعر أبي سفيان بن الحارث ابن عم الرسول ﷺ ، وما كفى هذا، بل نازل وصرف ماله في حرب الرسول ﷺ ، فلما فتح الرسول ﷺ مكة ونصره الله ورفع الله رايته، وأعزه وهزم الأحزاب وحده ﴿أتى أبو سفيان بن الحارث فجمع أربعة أطفال له ما بلغوا سن التمييز وخرج بهم يريد الصحراء فلقيه علي بن أبي طالب، وهو من بني عمومته، فقال: يا أبا سفيان إلى أين تذهب؟ قال: أذهب بأبنائي إلى الصحراء فأموت جوعاً وعطشاً، والله لئن أدركني محمد ليقطعني إرباً إرباً، فقال علي: أخطأت يا أبا سفيان! إن رسول الله ﷺ من أحلم الناس، ومن أبر الناس، ومن أوصلهم، فعد إليه، وقل له كما قال إخوة يوسف ليوسف ﴿تَاللَّهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنَا وَإِنْ كُنَّا لَخَاطِئِينَ﴾ [يوسف:٩١] فعاد أبو سفيان بأطفاله، ووقف على رأس الرسول ﷺ ، والرسول ﷺ على رأسه ما يقارب اثني عشر ألفاً من الأنصار ومن قبائل العرب والمسلمين مسلحين، فقال: يا رسول الله! السلام عليك، تالله لقد آثرك الله علينا وإن كنا لخاطئين، فرفع الرسول ﷺ عينيه ودمع ﷺ وقال: لا تثريب عليكم اليوم يغفر الله لكم وهو أرحم الراحمين، فنسي كل ما مر به ﵊﴾.
وفي ذاك اليوم وقف ﷺ ، وأخذ بباب الكعبة وتكلم للناس ثم قال لقريش وقد أخذ السلاح من أيديهم: ﴿ما ترون أني فاعل بكم؟ قالوا: أخ كريم وابن أخ كريم، قال: اذهبوا فأنتم الطلقاء﴾.
أي: مسامحين معفو عنكم من الله ، هذا عفوه ﷺ وسماحته، وهذه قضايا الحديث.
وبقيت قضايا لفظية في هذا الحديث منها: قوله ﷺ : ﴿لا يؤمن أحدكم﴾.
ورد في لفظ: ﴿لا يؤمن أحد﴾ بدون الإضافة، وورد: ﴿لا يؤمن عبد﴾ وورد: ﴿لا يؤمن مسلم﴾.
وأشملها: ﴿لا يؤمن أحد﴾ وهو أعمها في اللفظ، وأكثرها فائدة، ومعنى: ﴿لا يؤمن﴾ أي: الإيمان الكامل، أما أصل الإيمان فقد يحصل بدون أن يحب الإنسان لأخيه ما يحب لنفسه لكنه إيمان ضعيف، وإيمان ليس في تلك القوة التي يريدها الرسول ﷺ .
﴿حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه﴾ قال كثير من العلماء منهم النووي والقرطبي: "أن يحب لنفسه من خير الدنيا والآخرة".
ولذلك يورد ابن القيم في الوابل الصيب مسألة في الإيثار بالقربات: هل لنا أن نؤثر بالقربات؟ يعني: لك إذا رأيت مسلماً في الصف الثاني أن تترك الصف الثاني أنت وتتأخر وتقدمه مكانك، أو أتيت يوم الجمعة متقدماً وجلست في مكان، ثم أتى رجل متأخر من المسلمين، هل لك أن تجلسه مكانك وتعود؟
والذي يميل إليه ابن القيم وبعض العلماء: أن هذا وارد وأنه جائز ومشروع، وأن الله يثيبك على الإيثار في القربات.
ورأى بعض العلماء: أن هذا لا ينبغي وأن الإيثار يكون في أمور الدنيا في الأكل، والشرب، واللباس، وفي مجالس الدنيا، أما في القربات التي يقصد بها التقرب إلى الله فلا يُؤثر بها.
هذه المسألة: الراجح فيها ما ذهب إليه ابن القيم، وهو جيد في بابه فإن الله سبحانه يثيب ويعطي على مقدار ما جعلت أنت وما تنازلت عنه من الأحقية ومن الثواب الذي آثرت به غيرك؛ لأنه لا يوجد في النصوص ما يعارض ذلك أبداً، بل قد آثر كثير من الصحابة رضوان الله عليهم بعضهم، فـ عمر ﵁ يقولون: [[أنه آثر أبا بكر في الصلاة في بعض المواقف، وتأخر قبل أمر الرسول ﷺ ، وآثره بالخلافة]] وآثر بعضهم بعضاً بالقيادة، والإمامة، وآثار بعضهم بعضاً بالمجالس، وصدور المجالس، والصفوف الأول، هذا هو الوارد، وكأنه الصحيح والله أعلم، والمسألة سهلة لا تقتضي هذا الخلاف.
أما قوله ﷺ : ﴿لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه﴾ فمعناه: أن من لم يحب لأخيه ما يحب لنفسه، فليس بمؤمن كامل الإيمان، وفي نفسه ضغينة، ولذلك يطلب من الإنسان أن يطهر نفسه من الحسد والحقد والغل، ومن لم يفعل فإنه سوف يبقى ناقص الإيمان حتى يلقى الله .
والقضايا اللفظية سوف نتعرض لها بعد هذا الحديث إن شاء الله، إن كان هناك وقت، لكن نريد أن نربط بين الحديث الأول والحديث الثاني والثالث لأنها بمعنى واحد.
يقول الإمام البخاري باب: حب الرسول ﷺ من الإيمان، حدثنا أبو اليمان قال: أخبرنا شعيب، قال: حدثنا أبو الزناد عن الأعرج، عن أبي هريرة ﵁، أن رسول الله ﷺ قال: ﴿فوالذي نفسي بيده لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من والده وولده﴾ وفي حديث أنس قال النبي ﷺ : ﴿لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من والده وولده والناس أجمعين﴾ ﵊.
стр. 4829
لوازم حب الرسول ﷺ
هذان الحديثان فيهما قضايا، أما الحديث الأول: ففيه القضية الأولى: لوازم حب الرسول ﷺ ، وما هي لوازم حب الرسول ﷺ ؟ قال العلماء: "لوازم حب الرسول ﷺ أربعة لوازم:
أولاً: طاعته عليه أفضل الصلاة والسلام -وهي اللازم الأول من القضية الأولى- طاعته عليه أفضل الصلاة والسلام بما أمر واجتناب ما عنه نهى وزجر، وتصديقه فيما أخبر، وهذه من أصول أهل السنة والجماعة.
الأمر الثاني: كثرة الصلاة والسلام عليه، ﵊، فإنها من حقوقه المتوجبة على المسلمين، وهذه من لوازم الحب.
الأمر الثالث: توقيره وتقديره ﵊.
الأمر الرابع: تقديم قوله على قول غيره، وسوف أبسطها إن شاء الله.
стр. 4830
طاعته ﷺ
أما اللازم الأول: فهي طاعته، فالله يقول: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ﴾ [آل عمران:٣١] ولذلك يقول ابن القيم: "أوصد الله أبواب الجنة إلا من طريق محمد ﷺ ، فحرام أن يدخل الداخل من أمته الجنة إلا من طريقه، فالذي لا يأتي من طريقه، فليس بداخل أبداً والجنة عليه حرام".
ولذلك من أراد أن يهتدي بغير هداه، فقد ضل سواء السبيل، وكثير من الناس تجدونهم في تراجم بعض أهل المعارف، والذين يدعون علم الفلسفة والزندقة، وعلم المنطق، وعلم الكلام الذين أعرضوا عن منهجه وعن سنته ﷺ ، والذين ادعوا الاهتداء وقالوا: نهتدي بغير هذا، فأضلهم الله.
وكم أكرر هذه الكلمة لجودتها ولقوتها؛ ولأنها كلمة حارة يتعظ بها من شاء الله أن يتعظ وهي قول شيخ الإسلام في مختصر الفتاوى: "من ظن أنه يهتدي أو من اعتقد أنه سوف يهتدي بغير كتاب الله وبغير سنة رسول الله ﷺ ، فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين".
لازم الحب الطاعة، والذي اعتقد محبة الرسول ﷺ ، ثم لا يعتقد طاعته فليس بصادق في محبته.
تعصي الإله وأنت تزعم حبه هذا لعمري في القياس بديع
لو كنت حقاً صادقاً لأطعته إن المحب لمن يحب مطيع
هذا من كلام ابن المبارك ﵁، ولذلك كذَّب الله مقالة اليهود، يقول ﵎: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ﴾ [المائدة:١٨] فقال الله : ﴿قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ﴾ [المائدة:١٨].
قال أبو سعيد الخراز: "ائتوني بكلام من القرآن أن الحبيب لا يعذب حبيبه فسكت الناس، قال: قوله : ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ﴾ [المائدة:١٨] " فمفهوم الآية بالمخالفة، أن الحبيب لا يعذب حبيبه، السبب في ذلك: أنهم كانوا يقولون: نحب الله -وهذا التلازم بين الآيتين، بين آية آل عمران وآية المائدة- فيقول الله : ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ [آل عمران:٣١] لأن اليهود والنصارى يقولون نحب الله لكن لا نتبع محمداً ﷺ ، فكذب الله مقالتهم ورد بدعتهم وفريتهم، وأدحض حجتهم وقال: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ [آل عمران:٣١] وإذا رأيت الإنسان يقول: أنا أحب الرسول ﷺ ثم لم يتقيد بالسنة، ولم تظهر عليه معالم السنة فلا تقبل قوله، وكذبه في الحال؛ لأنه لم يطع الرسول ﷺ ، إلا لعدم حبه له.
стр. 4831
كثرة الصلاة والسلام عليه ﷺ
وأما كثرة الصلاة والسلام عليه، ﵊ فهذا أمر واجب في بعض المواقف، ومسنون في مواقف، فأما وجوبه ففي التشهد الأول في الصحيح وفي التشهد الثاني على الصحيح وهو قول طائفة من أهل العلم، منهم: القاضي عياض الأندلسي، ورجحه كثير من محققي العصر كـ الألباني، وفي أحاديث صحيحه، في التشهد الثاني، تدل على أنه واجب.
وأما المسنون فهو ما سوى ذلك كخطب الجمعة، وبعضهم أوجبها كما في رواية عن الحنابلة، وكالمناسبات التي ذكرها ابن القيم وهي خمس وثلاثون مناسبة ذكرها في جلاء الأفهام في فضل الصلاة والسلام على خير الأنام ﷺ .
وورد في الترمذي أن أبي بن كعب سيد القراء قال: ﴿يا رسول الله! كم أجعل لك من صلاتي؟ -أي: من دعائي- قال: ما شئت، قال: أجعل لك الثلث؟ قال: ما شئت وإن زدت فأحسن، قال: الثلثين؟ قال: ما شئت وإن زدت فأحسن، قال: أجعل لك دعائي كله، فقال ﷺ : إذاً يغفر ذنبك وتكفى همك﴾ فكان أُبيّ ﵁ يجعل الدعاء، الذي يدعو به لنفسه ولأهله ولأولاده يجعله خالصاً كله لرسول الله ﷺ ، ولذلك كفاه الله همه وغفر الله له ذنبه بهذا العمل العظيم، الذي قدمه للرسول ﷺ ، وبلغ الجهد ببعض علماء الإسلام، أنهم كان يصلون على الرسول ﷺ ، في اليوم مئات المرات، وقرأت لـ محمد الحامد، علامة حماة، الشامي المجاهد الكبير، أنه كان يصلي على الرسول ﷺ في اليوم ألف مرة، لا تفوته أبداً، وفاتته مرة لما تعالج فقضاها في الليل ولما انتهى من ورده مات ﵀ رحمة واسعة، ولذلك يقول علي ﵁: [[والله لولا ما ذكر الله ورسوله في فضل التسبيح والتكبير والتهليل والتحميد، لجعلت كل أنفاسي صلاة على رسول الله ﷺ ]].
فالأروع والأجزل في حياة المسلم أن يكثر دائماً وأبداً من الصلاة والسلام على الرسول ﷺ .
وذكر ابن القيم المواضع التي يصلى ويسلم عليه ﷺ فيها، منها: دخول المسجد والخروج منه، والتشهد، ورؤية المساجد، ودخول الأسواق، ودخول البيت والخروج من البيت، ونسيان الحاجة، وفي وقت الفقر، وفي البداية في العلم، وفي البداية في الخطب، والانتهاء من مجالس العلم، وفي لقاء الإخوان والأحباب، وفي موادعتهم ومفارقتهم، وفي مدارسة الحديث النبوي، وعند تذكره ﷺ ، وعند ذكر أصحابه، وعند ذكر شيء من مآثره، وعند دخول المدينة، وعند المرور على قبره ﷺ إلى تلك المواضع العظيمة، التي من حفظها وحافظ عليها أجزل الله مثوبته، ورفع درجته، وكثر أجره، فإن الله يعطي العطاء الجم، خاصة إذا كان المحب عظيماً عنده وهو الذي أوصل لنا الهداية، وعرفنا بربه ﵎، ونصحنا أجل النصيحة، وأرشدنا أعظم الإرشاد، وهدانا أكمل الهداية فعليه أفضل الصلاة والسلام، دائماً وأبداً ما ذكره الذاكرون وغفل عنه الغافلون.
стр. 4832
توقيره وتقديره ﵊
أما اللازم الثالث من لوازم حبه ﷺ هو: توقيره وتقديره، فأهل السبق في ذلك وأهل القدح المعلى هم أصحاب محمد ﷺ ، بل بلغوا من الروعة والتقدير والإجلال، ما لم يبلغه أصحاب نبي من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام ورضي الله عنهم مما يؤثر عن أبي بكر أنه لما تولى الخلافة، كان يسمى خليفة رسول الله ﷺ ، [[فكان كلما سمع رجلاً يقول: يا خليفة رسول الله ﷺ ! بكى؛ لأنه يتذكر الرسول ﷺ ]] وأُثر: [[أنه لما حج مر بامرأة من أهل يحمس في منى، وكانت في خيمة فلما رأته قالت: من أنت؟ قال: أنا أبو بكر، فقالت: السلام عليك يا خليفة رسول الله! فبكى ﵁ بين الصحابة]] والسبب في البكاء، قالوا: لأنها ذكرته بالرسول ﷺ .
ويؤثر عنه كما في كتاب المسند للإمام أحمد: ﴿أنه كان إذا رقى المنبر يوم الجمعة، وذكر الرسول ﷺ يبكي ﵁، وربما يكاد يغشى عليه، حتى قال يوم تكلم: سمعت رسول الله العام الأول فبكى، ثم جعل وجهه على المنبر ﵁، ثم رفع رأسه فقال: سمعت رسول الله ﷺ العام الأول فبكى، ثم رفع رأسه، ثم قال: سمعت الرسول ﷺ العام الأول يقول: أيها الناس! اسألوا الله العفو والعافية، فما أوتي مسلم بعد اليقين أحب من العفو والعافية -أو خير من العفو والعافية-﴾.
стр. 4833
نماذج من محبة الرسول وطاعته
فـ أبو بكر من أكثر الناس إجلالاً للرسول ﷺ وهذا لازم الحب، وبعد عرض هذه النماذج، أذكر ماذا ينبغي، وما يجب علينا أن نفعله في هذا الباب، ومن أحسن ما ألف في ذلك الجانب، دلائل النبوة للعلامة البيهقي، وكتاب الشفاء للقاضي عياض، وسوف أذكر منه نماذج إن شاء الله، أما عمر ﵁ فقد ورد عنه في السيرة وفي التراجم: أنه خرج يوم الجمعة ﵁ وأرضاه يصلي بالناس فلبس بردته البيضاء، فلما مر بميزاب العباس بن عبد المطلب؛ وذاك الميزاب كان يقطر بماء فيه دم؛ لأن العباس ذبح دجاجاً فوق السطح فأخذ هذا الميزاب يقطر الدم والماء، فوقع على بردة عمر وهو يريد الصلاة، فاقتلع الميزاب بدرته ﵁، فأوقعه في الأرض، ثم عاد فغير ثيابه، فصلى بالناس فلما خرج العباس قال: من أزال الميزاب؟ فقال عمر: أنا أزلته، لماذا تؤذي الناس بهذا؟ قال العباس: والله الذي لا إله إلا هو ما وضعه في ذاك المكان إلا رسول الله ﷺ بيده، فبكى عمر وهو واقف مع الصحابة وقال: والله لا يعيده إلا أنت، والله لا تعيده إلا بعد أن تصعد على ظهري، فجلس ﵁ والناس وقوف بعد صلاة الجمعة فجلس عمر على الأرض كالمحتبي ثم قام على أكتافه العباس فرد الميزاب إلى مكانه؛ إجلالاً لأمر رسول الله ﷺ ؛ لأنه هو الذي وضع ذلك الميزاب مكانه.
هذا وارد عن عمر ﵁، وهذا شيء بسيط في جانب التوقير والتقدير من الصحابة والتابعين للرسول ﷺ .
وهذا عبد الله بن رواحة ﵁ لما سمع النبي ﷺ قال: ﴿اجلسوا -وهو في الشمس في الطريق- فجلس مكانه، فمر به صحابي فقال: مالك يا ابن رواحة؟ قال: سمعت الرسول ﷺ يقول: اجلسوا، فما كان لي أن أخطو خطوة فجلست مكاني، فجلس في الطريق وفي الشمس امتثالاً لأمره ﵊﴾ وهذا هو المطلوب منا، هذه العقيدة، وأي عقيدة وإيمان وإسلام ليس فيه هذا الامتثال ولا هذا التوقير، ولا هذا التقدير فليست بعقيدة وليس بمقبول أبداً.
والمذكور عن سعيد بن المسيب وهو الرجل الذي مر معنا ﵁ وأرضاه أنه كان في مرض الموت، فلما حضر الموت، سأله سائل عن معنى حديث، فقال: اسندوني، فقالوا يشق عليك ذلك، فقال: والله لا يسأل عن حديث من حديث رسول الله ﷺ وأنا مضطجع والله لا بد من إسنادي فأسندوه، ثم قال: أضجعوني فأضجعوه فتوفي ﵁.
كل ذلك احتراماً للرسول ﷺ أن يذكر حديثه وهو مضطجع، بل أسندوه توقيراً لحديث الرسول ﷺ .
وكان ابن المبارك يمشي فسئل عن حديث، فقال: [[لا أجيب على الحديث؛ لأن من توقير الرسول ﷺ وتقديره وتعظيمه وتبجليه، ألا نجيب عن حديثه ونحن نمشي]] هذا كله في جانب الإجلال.
وأورد ابن تيمية في فتاويه لما تعرض لجانب الرسول ﷺ نماذج كثيرة من إجلال التابعين والسلف الصالح للرسول ﷺ .
وذكر لـ جعفر بن محمد الصادق من ذرية علي ﵁: أنه كان إذا ذكر الرسول ﷺ تغير وجهه واحمر حتى يشق على أصحابه، فيقولون مالك؟ قال: أيذكر عندي رسول الله ﷺ ولا أتغير.
كل ذلك إجلالاً له ﷺ ، والإمام مالك من أكثر الناس توقيراً له ﷺ وتقديراً، حتى أنه حلف وأقسم بالله لا يركب دابة في المدينة أبداً، يقول: مدينة فيها رسول الله ﷺ مدفون، لا أركب دابة أبداً، وكان إذا قرب من المسجد يرفع حذاءه ويمشي حافياً، وكثير من العلماء إذا هبطوا في المدينة أو نزلوا المدينة، رفعوا الأحذية من أقدامهم ومشوا حفاة ومنهم بعض المحدثين: كـ ابن إدريس العراقي كان يبكي إذا نزل المدينة ويقول:
أمر على الديار ديار ليلى أقبل ذا الجدار وذا الجدارا
وما حب الديار شغفن قلبي ولكن حب من سكن الديارا
كله من أجل الرسول ﷺ .
قال ابن المبارك ﵀: دخلت المدينة، فوجدت مالكاً مكثور عليه، قال: فأتيت فجلست في حلقته وهو يقرأ في الموطأ، قال: فتغير وجهه ثلاث عشرة مرة، يحمر ثم يعود ثم يحمر ثم يعود، فلما انتهى من درسه قلت: ما لك يا أبا عبد الله؟ قال: انظر لدغتني عقرب ثلاث عشرة مرة، ثم رفع ثوبه فرأيت اللدغة في رجله ﵁، قلت: مالك ما قطعت الحديث؟ قال: أقطع حديث حبيبي رسول الله ﷺ من أجل نفسي لا والله!! قال: ثم تفل في يده وقرأ الفاتحة ومسح رجله فكأن ما به شيء رضي عنه وأرضاه.
ويؤثر عن الإمام مالك أنه كان يرى الرسول ﷺ كل ليلة إلا ليلة واحدة؛ لكثرة توقير الإمام مالك لرسول الله ﷺ وتبجيله له ﷺ .
ومن حسنات معاوية بن أبي سفيان، وهو كما تعرفون خال المؤمنين، وكاتب وحي الرسول ﷺ ، أنه لما حضرته الوفاة، قال: [[أيها الناس! ما عندي من العمل والله ما أعتد به عند الله، إلا شهادة لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، فإذا أنا مت فخذوا أظفار رسول الله ﷺ ، وشيء من شعره في ديواني -مكان الخليفة- واجعلوها في أنفي واجعلوها في عيني علَّ الله أن يرحمني بها، ففعلوا ذلك]].
فنسأل الله أن يرحمه بذلك وأن يرضى عنه، وهذه من حسناته العظيمة التي يعتد بها عند الله .
وعمر ﵁ كان في الحج يطوف، فلما انتهى من طوافه أتاه أعرابي فقال: يا أبا حفص! هل لي أن أسعى قبل أن أطوف؟ قال: لا.
طف ثم اسع، وكان في عهد الرسول ﷺ ، قال الأعرابي -وهو لا يعرف شيئاً يقول الله عنهم: ﴿الْأَعْرَابُ أَشَدُّ كُفْراً وَنِفَاقاً وَأَجْدَرُ أَلّا يَعْلَمُوا حُدُودَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ﴾ [التوبة:٩٧]- قال: والله لقد سألت رسول الله ﷺ فأجاب بمثل ما أجبتني، قال عمر: خررت من يديك قاتلك الله، تستفتني وقد أفتاك الرسول ﷺ .
ولذلك في هذا الجانب قد يعذر الجاهل، لكن العالم، أو طالب العلم، أو من عنده شيء من فهم وإيمان فإنه لا يعذر أبداً، لمصادمة حديث الرسول ﷺ مع آراء غيره من الناس مهما بلغوا أبداً، فإنه لا ينبغي ولا يجوز، وليس بوارد أن تعارض بين رأي رسول الله ﷺ ، أو بين قوله، وبين حكم أحد من الناس، مهما كان، ولذلك يقول العالم الأول المحدث:
العلم قال الله قال رسوله قال الصحابة هم أولو العرفان
ما العلم نصبك للخلاف سفاهة بين الرسول وبين رأي فلان
وهذا من كلام ابن القيم.
وقال غيره:
العلم ما قيل فيه قال حدثنا وما سوى ذاك وسواس الشياطين
فالعلم هو المأخوذ والمستفاد والمستنبط من كتاب الله ، ومن سنة الرسول ﷺ ، وهذا يأتي في الفقرة الثانية، ولكن قدمته لقصة عمر ولا غرو أن يفعله الأعراب فإنهم فعلوا أعجب من ذلك مع الرسول ﷺ : ﴿أتى أعرابي إلى الرسول ﷺ ، فقال: يا رسول الله! ماذا في الجنة؟ قال: فيها ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، قال: يا رسول الله! إني أحب النوق -الإبل- فهل يجعل الله لي نوقاً في الجنة؟ قال: نعم.
ما بذلت ناقة في سبيل الله إلا بسبعمائة ناقة في الجنة، فالتفت إلى الأنصار فقال: يا رسول الله! إن الأنصار يحبون زراعة النخل، أينبت الله لهم نخلاً وزراعة في الجنة؟ فتبسم الرسول ﷺ ، وقال: أي نعم.
قال: يا رسول! ماذا تخاف عليَّ؟ قال: أخاف عليك من فتنة المسيح الدجال، قال: وما هذا المسيح الدجال؟ قال ﷺ : رجل أعور يضلل الناس، يعطيهم طعاماً ويوكلهم، وله جنة ونار، فناره جنة، وجنته نار، قال: ما طعامه يا رسول الله؟ قال: طعامه الثريد؛ -الخبز باللحم- قال الأعرابي: والله لآكلن حتى أتضلع من طعامه، ثم لأكفرن به وأصدق بالله ، فتبسم ﷺ ، والتفت إلى أصحابه من جرأة هذا الأعرابي﴾ ولذلك كانوا مباشرة يردون على الرسول ﷺ وهو جالس، فيقول الله تعالى: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾ [آل عمران:١٥٩].
أتاه أعرابي فقال ﷺ : ﴿ماذا تقول في الصلاة بعد التحيات؟ قال: أقول اللهم اغفر لي وارحمني وأسأل الله الجنة وأستعيذ من النار، أما دندنتك ودندنة معاذ فما أحسنها﴾.
لأن معاذاً كان إماماً في ناحية من نواحي المدينة، وكان ﷺ إماماً في المدينة، فيقول: كثرة الدعاء الذي تأتي به أنت ومعاذ أنا لا أعرفه، ولا أعرف إلا هذا، فقال ﷺ : ﴿ما تركت شيئاً من الخير﴾ أو كما قال عليه أفضل الصلاة والسلام.
فهؤلاء يعذرون في جانب الجهل، ولذلك كما قال ﷺ في سنن أبي داود: ﴿من بدا جفا﴾ أي: من ظهر ومن لم يساكن الناس ويخالط الأخيار والأبرار ويزورهم أتاه الجفاء، ولذلك في كتاب الإمام البخاري كتاب الأدب المفرد وسنده حسن يقول ﷺ : ﴿يا ثوبان! لا تسكن الكفور، فساكن الكفور كساكن القبور﴾ قال الإمام أحمد: "الكفور: القرى والبوادي".
ولذلك تجدهم من أقل الناس علماً، وفهماً، واستنباطاً، فالمقصود: أن من سكن في قرية فعليه أن يوجههم، وأن يعلمهم، وأن يرشدهم فإنهم من أقل الناس علماً، ومن أقلهم هداية ونوراً وبصيرةً، بخلاف أهل المدن، فإن فيهم الأخيار والأبرار وطلبة العلم، والدعاة المؤمنين، فنسأل الله أن يحشرنا في زمرة الصالحين.
стр. 4834
تقديم قوله ﷺ على قول غيره
الأمر الرابع من لوازم الحب: تقديم قوله ﷺ على قول غيره، ثبت في صحيح مسلم وفي غيره من كتب الحديث: ﴿أن ابن عمر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : لا تمنعوا إماء الله مساجد الله -وفي لفظ: لا تمنعوا النساء المساجد، وفي لفظ وهو لفظ الصحيح: إذا استأذنت امرأة أحدكم لتصلي في المسجد فلا يمنعها- فقام ولده بلال وكان عنده زوجة وقال: والله لنمنعهن أن يتخذن المساجد دخلاً -الدخل أي: المفسدة، أو كما قال- فغضب ابن عمر فسبه وجدعه وشتمه وقال: والله لا أكلمك فترة الحياة، أو قال: لا أكلمك حتى ألقى الله، فاستمر ابن عمر هكذا حتى تدخل كثير من الصحابة، ومن أولاد الصحابة عله يراضي ابنه، أو يعود إلى ابنه، فرفض أبداً، حتى أنه في مرض الموت ﵁، أتاه ابنه بلال وهو صالح، وفيه خير لكن زلت منه تلك البادرة السيئة فكان يسترضي أباه، فكلما أتى أباه من جانب، حول أبوه وجهه إلى الجانب الآخر، ثم مات ولم يكلمه أبداً﴾؛ لأنه عارض أمر الرسول ﷺ ، يقول الرسول ﷺ : ﴿إذا استأذنت امرأة أحدكم إلى المسجد للصلاة فلا يمنعها﴾ أو: ﴿لا تمنعوا إماء الله مساجد الله﴾ فأعرض عن ذلك وهو مجتهد مخطئ، متأول في ذلك الباب؛ لأنه رأى المفسدة في إجابة طلبهن والمصلحة في منعهن، فأراد من هذا الجانب، أن يمنع، وقصده صحيح لكنه أخطأ في رد الحديث، فمنعه أبوه من الكلام وهجره حتى مات، ولذلك يقول الإمام مالك: "كل يؤخذ من كلامه ويرد إلا صاحب هذا القبر ﷺ ويشير إلى قبر الرسول ﷺ ".
فكل أحد لك أن ترد عليه، ولك أن تستدرك وتحتج عليه، ولك أن تؤول كلامه، إلا الرسول ﷺ فليس لك ذلك أبداً، ولا يجوز ولا ينبغي وليس بوارد.
ويقول الإمام الشافعي: "إذا وافق كلامي كلام رسول الله ﷺ فخذوه، وإن عارض فخذوا كلام رسول الله ﷺ واضربوا بكلامي عرض الحائط".
والأوزاعي يقول: "ما أتاك من الرسول ﷺ فهو العلم، وما أتاك من غيره فألقه في الحش".
الحش: بيت الخلاء، وهذه مقولة مأثورة عن الإمام الأوزاعي، وصحيحة السند إليه.
وهذه مسألة ينبغي أن يتنبه إليها خاصة من يطلب العلم، أو من يريد عبادة الله على بصيرة، أو من يريد مطالعة كتب السنة، خاصة الفقه الإسلامي، فإنه ينبغي أن يعول على الدليل، فعلم بلا دليل إنما هو إنشاء وتعبير، وإنما هو مجرد كلام، لكن المطلوب أن تقرن كل مسألة بدليل، يقول ابن تيمية في الفتاوى: "على طالب العلم أن يسند كلامه إلى دليل، من المعصوم ﷺ وأن يعتصم به، فإذا استقر في ذهنه أن هذا كلام الرسول ﷺ ، وأن هذا هو المراد من كلامه ﷺ "، فلا ينبغي أبداً أن يعول على كلام غيره مهما كان.
ولذلك فالفقهاء رضوان الله عليهم، إنما استنبطوا وأرادوا توضيح بعض المسائل، والشرح والبسط، وما أرادوا أن يشرعوا، الذي يشرع هو محمد ﷺ ، والفقهاء كلهم ينادون - أبو حنيفة والشافعي وأحمد ومالك رضوان الله عليهم- ينادون، باتباع السنة، لكن كذلك نستضيء بأقوالهم ونستفيد من استنباطاتهم في بعض المسائل الشائكة، أما أن نأخذ كلامهم بدون دليل، أو بدون مستند من آية أو حديث، فهذا ليس بصحيح وليس بعلم وهذا منهج خاطئ وغلط، فليتنبه الإنسان وليقرن بين الحديث والفقه في استنباط المسائل وفي عبادة الله ، وفي استخراج الفوائد.
ومن أحسن مناهج العلماء في ذلك، منهج ابن تيمية المجدد الكبير شيخ الإسلام، فإنه قرن بين الدليل وبين الفقه، ومنهج ابن القيم، ومنهج النووي وغيرهم من العلماء وابن كثير رضوان الله عليهم وأرضاهم، أما الذين يريدون أن يجعلوا هناك تقيداً بمذهب دون النظر إلى الأقوال الراجحة، أو الأدلة، أو الأقوال المعارضة، أو الناسخ والمنسوخ فهذا ليس بصحيح، فليتنبه له.
هذه لوازم حبه ﷺ .
стр. 4835
أسباب زيادة حبه ﷺ
أما أسباب حبه عليه أفضل الصلاة والسلام: فإنها تأتي بأمور قد تجمع في أربع كما قال بعض أهل العلم، أربعة أمور تتسبب في زيادة حبه ﷺ في القلوب، وتجعل المسلم كثير الحب له ﷺ .
следующие страницы →