← Джавами‘

Джавами‘ · id 7708

دروس الشيخ عائض القرني

عائض القرني

Полный текст (10 391 стр.). Показаны 5006–5045 · переход к 5011.

стр. 5006

شرح حديث وفد عبد القيس قال ﵊: ﴿آمُرُكم بأربع، وأنهاكم عن أربع. آمركم بالإيمان بالله وحده، أتدرون ما الإيمان بالله وحده؟ شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصيام رمضان، وأن تؤدوا خُمُس ما غنمتم. وأنهاكم عن الدُّبَّاء، والنقِير، والحَنْتَم، والمُزَفَّت، احفظوهن، وأخبروا بهن من وراءكم﴾ رواه البخاري ومسلم وأبو داوُد والترمذي والنسائي عن ابن عباس، وهو حديث صحيح. سبب الحديث: وفَدَ قوم من عبدُ قيس من الأحساء، وهذه من أعظم الوفود عند العرب، وفَدوا عليه ﵊ من الأحساء وكانت تسمى البحرين، فإذا أطلقت البحرين في الحديث، فالمقصود بها الأحساء لا البحرين هذه التي عاصمتها المنامة. فوصلوا إليه ﵊ وفيهم أشج عبد القيس، فلَبِس أشجٌّ هذا وهو أحدهم لباساً طيباً، وتطيَّب، فقال له ﵊: ﴿إن فيك خصلتين يحبهما الله: الحِلْمَ، والأناة قال: أَتَخَلَّقْتُ بهما يا رسول الله؟ أم اللهُ جَبَلَنِي عليهما؟ قال: الله جَبَلَك عليهما. قال: الحمد لله الذي جَبَلَني على خُلُقَين، أو صِفَتَين، يحبهما الله ورسوله ﷺ . فقال لهم: مَن القوم؟ قالوا: عبد قيس. قال: مرحباً بالقوم، غير خزايا ولا ندامى﴾: خزايا: جمع خَزْيان، وندامى: جمع ندمان، يقول: لا تخزون في الدنيا ولا تندمون في الآخرة. معاني المفردات: قالوا: مُرْنا بأمر. قال: ﴿آمركم بأربع، وأنهاكم عن أربع﴾ اسمع الجمال والأسلوب، واسمع الكلمات الحية التي أحيت شعوباً وأجيالاً. قال: ﴿آمركم بالإيمانُ بالله وحده﴾ هذا يسمى لَفّ ونَشْر عند أهل البلاغة، لا يستطيع اللَّفِّ والنَّشْر إلا محمد ﵊ يلُفُّ العبارة ويجملها، ويقول: ﴿أوتيتُ جوامع الكَلِم﴾ اخْتُصِر لي الكلام اختصاراً وأوتيتُ فواتحه وخواتمه، فهو أفصح من نطق بالضاد، الآن يلُفُّ، ويقول: ﴿آمركم بالإيمان بالله وحده﴾ هذا لَف ونشر. ﴿أتدرون ما الإيمانُ بالله وحده؟﴾ ويسمي هذا أهلُ الصحافة: الموجز والتفصيل، فإذا قرأ مذيع الأخبار قال: كان هذا هو الموجز، وإليكم تفصيل الأنباء، وأهلُ العربية من السلف يقولون: اللَّف والنشر، فالرسول ﷺ يلُف، ويقول: هذا هو الموجز، وإليكم التفصيل. قال: ﴿أتدرون ما الإيمانُ بالله وحده؟ شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصيام رمضان﴾ ولم يذكر الحج، لماذا؟ قيل: لأن الوفد أتى قبل أن يُفْرض الحجُ من السماء. ﴿وأن تؤدوا خُمُس ما غنمتم﴾ من المغانم، تؤدوها لبيت المال. ﴿وأنهاكم عن الدُّبَّاء﴾ الدُّبَّاء: القَرْع، إذا جُوِّفَ القَرْعُ، وأُخِذَ ما بداخله، فقد كانوا يأخذون أسطُل القَرْع، وبيوت القَرْع، وآنية القَرْع، فيجعلون فيها زبيباً وشعيراً وبراً فتتحول إلى خمر وتتخمَّر فيها. ﴿والنَّقِير﴾ كانوا ينْقُرون عضو الشجرة فيجعلون فيها الخمر. ﴿والحَنْتَم﴾ وكذلك الحَنْتَم، قالوا: القارّ، أو الزِّفْت، يصبغونه فيصبح أدوات فخار. ﴿والمُزَفَّت﴾ يطلونه بالقارّ، ولكن الصحيح عند الإمام أحمد وغيره من المحدثين أن هذا منسوخ بقوله ﵊ في صحيح مسلم: ﴿اشربوا في كل شيء، ولا تشربوا مسكراً﴾. فلك أن تشرب في هذه دون أن تشرب مسكراً، فإن المسكر محرم. قال: ﴿احفظوهن، وأخبروا بهن من وراءكم﴾. وصلى الله على محمد، وآله وصحبه، وسلم تسليماً كثيراً. والله الموفق.

стр. 5007

شرح حديث: (آمركم بثلاث: أن تعبدوا الله) بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الدرس الثالث: الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه وسلم تسليماًَ كثيراً. هذا هو الدرس الثالث من كتاب (دستور الصحوة الإسلامية). ويُقْصَد من هذه الدروس: تعميق التربية النبوية، وترسيخ تعاليم الإسلام في قلوب الناشئة؛ ليكون العلم الموروث عن معلم الخير ﵊ هو العلم المطلوب والمرغوب فيه، ولينشأ جيل الإسلام على كتاب الله وعلى سنة رسوله ﷺ . وهذا الكتاب كله صحيح، أحاديثه صحيحة، ما بين أحاديث في العقائد، وأحاديث في الأحكام، وأحاديث في التربية والأخلاق والسلوك. وهو لم يُرتَّب على باب، بل هو منثور كالروضة، مرة وأنت تعيش في عقيدة، ثم تنتقل إلى خلق، ثم تعود إلى سلوك، وهكذا. من هذه الأحاديث: قوله ﵊: ﴿آمركم بثلاث، وأنهاكم عن ثلاث: آمركم أن تعبدوا الله ولا تشركوا به شيئاً، وأن تعتصموا بحبل الله جميعاً ولا تفرقوا، وتسمعوا وتطيعوا لمن ولاه الله أمركم. وأنهاكم عن قيل وقال، وكثرة السؤال، وإضاعة المال﴾ هذا الحديث بهذا اللفظ رواه أبو نُعيم في الحلية، وسنده صحيح. وشرط ما يتلى في هذا الكتاب أن تكون أحاديثه صحيحة كلها ليس فيها ضعيف أبداً, ولا موضوع، بل هي صحيحة إن شاء الله.

стр. 5008

معاني المفردات أما قوله ﷺ : ﴿آمركم بثلاث﴾ فالأمر إذا أُطْلِقَ يقتضي الوجوب. ﴿وأنهاكم عن ثلاث﴾ النهي إذا أُطْلِقَ يقتضي التحريم. والتحليل والتحريم ليس إلا للشارع الحكيم، ليس لأحد من الناس: ﴿وَلا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لا يُفْلِحُونَ﴾ [النحل:١١٦] فليس لأحد أن يحلل أو يحرم ألا الله ورسوله ﵊. والله يقول في وصف رسوله ﷺ : ﴿وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ﴾ [الأعراف:١٥٧].

стр. 5009

فضل التوحيد والنهي عن الشرك ثم قال ﷺ : ﴿آمركم أن تعبدوا الله ولا تشركوا به شيئاً﴾ هذه كلمة التوحيد، وهذه ملخص رسالته ﵊ فقد جاء بهذه الكلمة، ودعا لتوحيد الألوهية، أما توحيد الربوبية فمقرر في الفِطَر، ما أنكر الصانع في الظاهر إلا فرعون، وإلاَّ فإن الكفار يشهدون أن الذي خلق السماوات هو الله، والذي خلق الأرض هو الله، والذي أبدع هو الله؛ لكنهم يدعون معه إلهاً آخر، فكل نبي أتى معه بدعوة توحيد الألوهية: ﴿أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ [المؤمنون:٣٢] والتوحيد ثلاثة أقسام: الأول: توحيد ربوبية. الثاني: توحيد ألوهية. الثالث: أسماء وصفات. فالربوبية: مقرر، وجاء به ﷺ . والألوهية: أنكره الكفار، وهو عمدة رسالته ﷺ . والأسماء والصفات: أتى به ﵊ على أكمل وجه، وليس هذا محل بحثها؛ ولكن المبحث: ﴿آمركم أن تعبدوا الله ولا تشركوا به شيئاً﴾ إذ قال الله: ﴿وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [الزمر:٦٥] وفي الصحيحين: أن معاذاً كان رديف الرسول ﵊ فقال له ﵊: ﴿يا معاذ، أتدري ما حق الله على عباده؟﴾ قال: الله ورسوله أعلم، قال: أتدري ما حق العباد على الله؟ قال: الله ورسوله أعلم، قال: فإن حق الله على عباده: أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئاً، وحق العباد على الله: ألا يعذب من لا يشرك به شيئاً﴾.

стр. 5010

أهمية وحدة المسلمين على كتاب الله ثم قال ﵊: ﴿وأن تعتصموا بحبل الله جميعاً ولا تفرقوا﴾ حبل الله قيل: الرسالة، وقيل: القرآن، وقيل: الرسول، وقيل: محمد ﵊ وقيل: (لا إله إلا الله) ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَاناً﴾ [آل عمران:١٠٣]. وحبل الله يشمل الجميع، فهو: الإسلام، والدين، والرسول ﵊ والقرآن. وقوله: ﴿وأن تعتصموا﴾ الاعتصام: الالتجاء والتمسك. ﴿ولا تفرقوا﴾ التفرق مذموم، قال : ﴿وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [آل عمران:١٠٥].

стр. 5011

السماع والطاعة لولاة الأمر ثم قال ﵊: ﴿وتسمعوا وتطيعوا لمن ولاهم الله أمركم﴾ في هذا ضوابط، منها: أن يكون هذا المولَّى طائعاً لله، غير معلن للكفر؛ فإنه واجب على المسلم أن يسمع ويطيع ما لم يرَ كفراً بواحاً، عنده فيه من الله برهان. ومعتقد أهل السنة والجماعة: أنه يُصَلَّى وراء أئمة الجور، ويُجاهَد معهم، ما لم يُرَ كفرٌ بواحٌ عند الرَّعِيَّة فيه من الله برهان. هذا هو الصحيح. وقد صح عنه ﵊ أنه قال: ﴿من أتاكم وأمركم جميعٌ، يريد أن يفرق كلمتكم فاضربوه بالسيف كائناً من كان. وقال ﷺ : ﴿من فارق الجماعة فمات، مات ميتةً جاهلية﴾. والجماعةُ إذا كان لهم إمام، ففارقه أحدٌ وخرج بدون مكفِّر لهذا الإمام، فقد أثم وابتدع في دين الله.

стр. 5012

القيل والقال ثم قال ﵊: ﴿وأنهاكم عن قيل وقال﴾ قال العلماء: معنى ﴿قيل وقال﴾ كثرة نقل الكلام، والمسائل التي لا فائدة فيها، مثل: قال فلان ورَدَّ عليه فلان، ونقل أقوال الناس، والتشاغل بأحاديثهم، وما يبثه الناس، والدعايات، ونشر الشائعات في الناس. هذا هو قيل وقال. وقيل: هي الغِيبة، مثل: قال فلان في فلان، وقال فلان في فلان. وقيل: هي النميمة، مثل: قال فيك فلان، ثم ينتقل إلى الآخر: وقال فيك فلان.

стр. 5013

كثرة السؤال ﴿وكثرة السؤال﴾: قال الإمام مالك: "كثرة السؤال عن المعضلات" وهي أن يأتي أحدٌ إلى طلبة العلم والعلماء فيسألهم عن المعضلات؛ ليعجزهم فقط، دون إرادة الفائدة، فهذا يعتبر من هذا القبيل، وهو آثم، ويدل على فساد قلبه، حيث يأتي إلى العالم، ويحبك له سؤالاً صعباً، ومسألة صعبة؛ ليعجز هذا العالم، فهذا منهي عنه. وقيل: كثرة السؤال هو الذي يسأل أموال الناس تعففاً، وعنده مال وعنده ما يغنيه؛ لكنه يسأل، فهو شَحَّاذٌ دائماً، أغناه الله؛ ولكن فيه حب المسألة، وكما في الصحيح: ﴿يأتي يوم القيامة وليس في وجهه مُزْعَة لحم﴾ ويعذبه الله بأن يتساقط وجهه يوم القيامة، ويبقى العظم؛ لأنه سأل الناس تكثراً، وقد صح عنه ﵊ أنه قال: ﴿من سأل الناس تكثراً فإنما يسأل جمراً؛ فلْيَسْتَقِلّ أو لِيَسْتَكْثِر﴾. وقيل: كثرة السؤال في عهده ﵊ قبل أن يُنَزَّل الوحي: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَسْأَلوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ وَإِنْ تَسْأَلوا عَنْهَا حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْآنُ تُبْدَ لَكُمْ عَفَا اللَّهُ عَنْهَا وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ﴾ [المائدة:١٠١].

стр. 5014

إضاعة المال ثم قال ﵊: ﴿وإضاعة المال﴾ إضاعة المال منهي عنه، قالوا: إضاعته في المعاصي، كمن يُضَيِّعُه في الأغاني، أو في شراء أدوات الغناء، أو الدخان، أو المخدرات والخمر، أو في استئجار محلات للمعصية، كما يُشْهد اليوم في بلاد كثيرة وأماكن كثيرة، كصوالين الحلاقة التي يُزاوَل فيها امتهانُ سنةِ الرسول ﷺ في اللحى، أو استئجار المحلات التي يباع فيها اللباس المحرم للنساء القصير منه والشفاف، أو استئجار المحلات على الفيديوهات، وعلى الأشرطة الغنائية، كلها تدخل في ﴿وإضاعة المال﴾. وإضاعتُه: الإسرافُ في إنفاقه، كالتكثير في الملابس، والمطاعم، والمشارب، والبيوت، وهذا من إضاعة المال؛ فإنا أُمِرنا بحفظ المال؛ لنتقرب به إلى الله . هذا الحديث رواه: أبو نعيم في الحلية بسند صحيح، عن أبي هريرة.

стр. 5015

نكاح الثيب والبكر وقال ﵊: ﴿آمِروا النساء في أنفسهن، فإن الثيِّب تُعْرِب عن نفسها، وإذْنُ البِكْر صِماتُها﴾. ننتقل من هذه الآداب إلى مسألة النكاح وباب النكاح. ﴿آمِروا النساء في أنفسهن، فإن الثيِّب تُعْرِب عن نفسها، وإذْنُ البِكْر صِماتُها﴾. رواه الطبراني والبيهقي عن العرس بن عميرة وهو حديث صحيح. معنى الحديث: يعني ﵊: فَوِّضُوا الثيِّب، فإن الثيِّب إذا أرادت الزواج أو إذا رضيَت الرجل المتقدم أو الخاطب فهي تتكلم بنفسها. ﴿آمِروا النساء﴾ معناه: فوِّضُوا النساء واجعلوا أمرَ النساء إليهن، أي: شاوروا النساء في هذه المسألة. ويظهر أن الثيِّب تُعْرِب عن نفسها؛ لأنها ليست كالبكر في الحياء ولا في الخجل، فهي تتكلم بلسانها إن أرادت أو رفضت. ﴿وإذْنُ البِكْر صِماتُها﴾ إذا سكتت البكر فهذا إذن ورضى، وهو يكفي، ولا يُطلَب منها الكلام؛ لكن إذا اعترضت فلا يجوز لوالدها ولا لقريبها ووليها أن يجبرها؛ أما إذا سكتت جاز النكاح وسرى وأصبح صحيحاً.

стр. 5016

نكاح اليتيمة وقال ﵊: ﴿آمروا اليتيمة في نفسها، وإذنُها صِماتها﴾ حديث صحيح، رواه الطبراني عن أبي موسى. ومعنى (اليتيمة): البِكْر، فإذنُها إذا صمتت وسكتت فهو إذنها، وجاز النكاح، وأما إذا اعترضت فقد تعطَّل نكاحها.

стр. 5017

حب الأنصار من الإيمان وقال ﵊: ﴿آية الإيمان حب الأنصار، وآية النفاق بغض الأنصار﴾ حديث صحيح، رواه أحمد والبخاري ومسلم والنسائي عن أنس. ومعنى ﴿آية الإيمان﴾ علامة الإيمان، أي: أن علامة إيمان المسلم، وعلامة حبه لله ، وحبه لرسول الله ﵊ حب الأنصار. الأنصار: اسم شرعي سماهم الله وإلاَّ فهم قبيلتان مشهورتان من الأَزْد، أتتا من اليمن، اسمهما: الأوس، والخزرج. سمى الله القبيلتين الأنصار؛ لأنهم نصروا الرسول ﵊. فآية إيمان المؤمن أن يحبهم، ومن أبغضهم فقد نافق، ولا يبغضهم إلا منافق عدو لله ولرسول الله ﷺ . والأنصار: كل من ناصر الرسول ﷺ وبالأخص: الأوس والخزرج، أو من ناصره في المدينة يوم انتقل بعد الهجرة. ﴿وآية النفاق -أي: علامة النفاق- بغض الأنصار﴾ والأنصار لا يبغضهم إلا منافق، ولا يحبهم إلا مؤمن، ونشهد الله على محبتهم في الله من أجل أنهم ناصروا الرسول ﵊ ورفعوا دين الله، واستشهدوا في المعارك، يقال: قتل من الأنصار (٨٠%) في المعارك، وأكثر من يُقتل في المعارك إذا التقى المسلمون مع الكفار هم الأنصار. يقول حسان: فنحكم بالقوافي مَن هجانا ونضرب حين تختلط الدماءُ إلى آخر ما قال، وهو أنصاري، والأنصار منهم العلماء والشهداء والعباد والزهاد والشعراء ﵃ وجزاهم خير الجزاء بما قدموا للإسلام. صح عنه ﵊ أنه قال: ﴿جزى الله الأنصار عني خيراً، سيما عبد الله بن عمرو بن حرام وسعد بن عبادة﴾.

стр. 5018

علامات النفاق وقال ﵊: ﴿آية المنافق ثلاث: إذا حدَّث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا أؤتمن خان﴾ متفق عليه، رواه الترمذي والنسائي عن أبي هريرة، وهو صحيح. معنى الحديث: ﴿آية المنافق﴾ أي: علامة المنافق، والمقصود به النفاق العملي؛ لأن النفاق عند المسلمين قسمان: نفاق اعتقادي. نفاق عملي. المنافق نفاقاً اعتقادياً: خالدٌ في الدرك الأسفل من النار، وهو الذي -مثلاً- يكفر بالرسالة، أو يكفر بالرسول ﵊ أو يستهزئ بشيء أتى به ﷺ أو يستهزئ بآيات القرآن؛ فهذا منافق نفاقاً اعتقادياً. أما المنافق نفاقاً عملياً: فقد يكون مسلماً، لكن فيه شُعَبٌ من النفاق، مثل: إذا حدَّث كذب، لكن يجوز للإنسان أن يكذب في ثلاث حالات فقط: المرأة على زوجها، والزوج على امرأته في أمور الحب والعشرة. يجوز للإنسان أن يكذب في الصلح بين الشخصين الاثنين. ويجوز للإنسان المسلم أن يكذب في الحرب مع الكفار؛ لأن الحرب خُدعة. وقوله ﷺ : ﴿وإذا وعد أخلف﴾ أي: إذا ضرب ميعاداً بينه وبين الناس أخلف في الميعاد، وهذه من علامة المنافق، وعَدَ ﵊ رجلاً، فانتظره ثلاثة أيام، فلم يأتِ الرجل، ثم تذكر الرجل، فأتى، فقال ﵊: ﴿لقد شققت عليَّ﴾ ثلاثة أيام ينتظره في المكان. ﴿وإذا أؤتمن خان﴾ أي: إذا حمَّلتَه أمانة خانها، وهي علامة النفاق، قال سبحانه: ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْأِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُوماً جَهُولاً﴾ [الأحزاب:٧٢]. فمن كان فيه خَصلة من هذه كان فيه خصلة من النفاق حتى يَدَعَها، ومن كان فيه ثلاث خصال اجتمعت فيه خصال النفاق، وقد يكون مسلماً مع هذا النفاق، والنفاق يتجزأ، وقد يوجد شخص منافق بخصلة، ومنافق بخصلتين، ومنافق بثلاث خصال، إلى آخرها.

стр. 5019

حقوق العشرة الزوجية قال ﵊: ﴿ائت حرثك أنَّى شئتَ، وأطعمها إذا طعمتَ، واكسُها إذا اكتسيتَ، ولا تقبِّح الوجه، ولا تضرب﴾ رواه: أبو داوُد عن بَهْز بن حكيم عن أبيه عن جده، بسند حسن. ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾ [البقرة:٢٢٣]. معنى ﴿أنَّى شئتَ﴾ أي: مُقابِلَة ومُدابِرَة، أما الدُّبُر فمحرم، وملعون من فعل ذلك. ومعنى ﴿وأطعمها إذا طعمتَ﴾ أي: من طعامك، فالنفقة واجبة على الزوج، وكذلك الكسوة، بمقابل ما استمتع منها. وقوله: ﴿ولا تقبِّح الوجه، ولا تضرب﴾ يقال: قبَّح الوجه أي: لا تدعو لها بالقُبْح في الوجه. وقيل: لا تضرب الوجه. وليجتنب الإنسان الوجه؛ فإنه محرم ضربُه، ومن فعل ذلك فقد تعدى وظلم؛ لكن إذا نَشَزَت فيضرب ضرباً غير مبرح في غير الوجه.

стр. 5020

فوائد زيت الزيتون قال ﵊: ﴿ائتَدِموا بالزيت، وادَّهِنوا به، فإنه يخرج من شجرة مباركة﴾ رواه ابن ماجة والحاكم والبيهقي في الشُّعَب عن ابن عمر، وسنده حسن. ﴿ائتَدِموا بالزيت﴾ أي: اجعلوا الزيت إداماً، والزيت -كما تعرفون- يخرج من شجرة مباركة، وهو زيت الزيتون؛ فإنه مبارك، وهو يُذهب مرض البرص والبَهَق، وفيه تليين للأعضاء، وفيه قوة وحرارة، وصفها ابن القيم وغيره من أهل الطب. ﴿ائتَدمِوا بالزيت﴾: أي: اجعلوه إداماً لخبزكم ولطعامكم. ﴿وادَّهِنوا به﴾ أي: دَهْن الرأس والوجه، والرسول ﷺ هو طبيب البشرية: طبيبها في القلوب، وطبيبها في الأجسام ﷺ . ﴿فإنه يخرج من شجرة مباركة﴾ شجرة الزيتون، ﴿وَشَجَرَةً تَخْرُجُ مِنْ طُورِ سَيْنَاءَ تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ وَصِبْغٍ لِلْآكِلِينَ﴾ [المؤمنون:٢٠] وهو الزيت.

стр. 5021

حكم إجابة وليمة العرس وقال ﵊: ﴿ائتوا الدعوة إذا دُعِيْتُم﴾ رواه مسلم، وسنده صحيح - كما ترون - عن ابن عمر. معنى ﴿ائتوا الدعوة إذا دُعِيْتُم﴾ على الوجوب في الزواج، من دُعِي إلى زواج فواجب عليه أن يحضر؛ لكن بشرط ألا يكون في الزواج منكر، مثل: أن يكون في الزواج غناء، أو يُدارُ فيه خمر، أو اختلاطٌ بين الرجال والنساء، أو فيه استهزاء بالكتاب والسنة فلا يَحْضُر. أما إذا خلا من المنكرات: فواجب عليك، إذا دعاك صاحب الزواج أن تحضر؛ فإن دعوة الزواج واجبة. أما غيرها؛ كدعوة وليمة، أو غيرها من الولائم، فإنها على الاستحباب؛ لكن من حق المسلم عليك إذا دعاك أن تجيبه، وتجيب دعوته؛ لأن الرسول ﵊ قال في (الصحيح): ﴿حق المسلم على المسلم خمس﴾ وذَكَر منها: ﴿وإذا دعاك فأجبه﴾؛ لأن في هذا ترقيق للقلوب، وفيه صلة، ومودة، وتعاون بين المسلمين.

стр. 5022

حكم صلاة النساء في المسجد وقال ﵊: ﴿ائذنوا للنساء أن يصلين بالليل في المسجد﴾ رواه الطيالسي وأبو داوُد عن ابن عمر، وسنده صحيح. شرح الحديث: قال: ﴿بالليل﴾ لأنه مظنة ألا يؤذن للنساء، ولأنه مظنة الفتنة والاختلاط، وهذا الأمر على الاستحباب والندب؛ لأنه ورد عنه ﷺ أنه ما أوجب صلاة الجماعة للنساء، وقال: ﴿وصلاتها في بيتها خير لها﴾ لكن لو طلبَتِ المرأة من زوجها بدون فتنة، وقد عرف أنها لا تتعرض للفتن؛ فله أن يأذن لها لتصلي في المسجد، بشرط ألا يكون هناك فتنة، فإذا صلت في المسجد كانت محتجبة عن الرجال في مكان خاص، دون أن تتطيب، ودون أن تأتي مع أجنبي، كسائق أجنبي يخلو بها، فإن هذا محرم، بل تأتي مع ولِيٍّ لها؛ لتسمع القرآن، والمحاضرات، والدروس. قال ﵊: ﴿ائذنوا للنساء أن يصلين بالليل في المسجد﴾ جاء عند مسلم في صحيحه: لما قال ابن عمر هذا الحديث، قال ابنه بلال: " والله لا نأذن لهنَّ، يتخذن المسجد دَخَلاً أو دَغَلاً "، قال ابن عمر: [[أُحَدِّثُك عن الرسول ﵊ وتعارضه؟! والله لا أكلمك حتى أموت]] فما كلمه حتى مات، هَجَرَه؛ لأنه عارض الحديث.

стр. 5023

هل للقاتل توبة ؟ وقال ﵊: ﴿أبى الله أن يجعل لِقاتِلِ المؤمن توبة﴾ حديث صحيح، رواه الطبراني والضياء في المختارة عن أنس، وسنده صحيح. قوله: ﴿أبى اللهُ﴾ أي: منع اللهُ صاحبَ القتل من التوبة. ومعناه عند أهل السنة: أنه قد يُحْرَم القاتلُ فعل التوبة، لا أن يَحْرِمَه الله إذا تاب التوبة. لا، ليس هذا؛ فلو تاب وصدق مع الله جعل الله له توبة؛ فإن رجلاً من بني إسرائيل قتل مائة نفس، فتاب الله عليه؛ لكن من قتل نفساً عسر الله عليه أمور التوبة، حتى أنه لا يتوب إلا بكل مشقة. وصح عنه ﵊ أنه قال: ﴿ولو اجتمع أهل السماوات والأرض على قتل امرئ مسلم لَكَبَّهُم الله على وجوههم في النار﴾. وصح عنه ﵊ أنه قال: ﴿لَزوال الدنيا بأسرها أهون عند الله من قتل امرئ مسلم﴾. ومعنى ﴿لِقاتِِلِ المؤمن﴾ أي المعصوم دمُه، ففي الصحيحين: ﴿لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث: الثيب الزاني﴾ وهو الثيب الذي يزني فإنه يُرْجم ﴿والنفس بالنفس، والتارك لدينه المفارق للجماعة﴾ فهؤلاء الثلاثة يُقْتَلون، أما غيرهم فدماؤهم معصومة من المسلمين.

стр. 5024

إجماع الصحابة على تولية أبي بكر ﵁ قال ﵊: ﴿أبى اللهُ وأبى المؤمنون يُخْتَلَفَ عليك يا أبا بكر﴾ رواه الإمام أحمد عن عائشة، وسنده صحيح. معنى الحديث: ﴿أبى اللهُ﴾ أي: قدَّر اللهُ. ﴿وأبى المؤمنون﴾ أي: رفض المؤمنون. ﴿أن يُخْتَلَفَ عليك يا أبا بكر﴾ أي: كتب اللهُ ألا تختلف عليك الأمة يا أبا بكر، في أن تجعلك للناس إماماً في الصلاة. ومنها: جُعِل خليفةً بعد الرسول ﵊. فلم يختلف الصحابةُ لما قُدِّم أبو بكر الصديق في الصلاة، لم يختلفوا، وهذا قضاء من الله وقدر، فأبى الله والمؤمنون أن يختلف الناس على أبي بكر، بل كلهم أجمعوا على إمامته في الصلاة، فلما مات ﵊ جعلوه خليفة من بعده، حتى قال له بعض الصحابة: [[رضيَك رسول الله ﷺ لديننا، أفلا نرضاك لدنيانا؟]]. فكان هو الخليفة الذي لم يُخْتَلف عليه، بل أُجْمِع على قبوله ﵁ وأرضاه- وهذا هو معنى الحديث.

стр. 5025

أنواع بيعة النبي ﷺ وقال ﵊: ﴿أبايعك على أن تعبد الله لا تشرك به شيئاً، وتقيم الصلاة المكتوبة، وتؤتي الزكاة، وتنصح لكل مسلم، وتبرأ من الشرك﴾ رواه الإمام أحمد والنسائي عن جرير بن عبد الله البَجَلي، وسنده صحيح. في الحديث قضايا: بايع ﷺ الصحابة أو المسلمين بيعات عدة: منها: البيعة على الإسلام. ومنها: البيعة على الهجرة. ومنها: البيعة على الجهاد. ومنها: البيعة على الموت، في حديث البراء تحت الشجرة. ومنها: البيعة على ألا يسألوا أحداً من الناس. وقد بايع سبعة: عوف بن مالك، ومن معه؛ فهي بيعات كثيرة. وقوله هنا: ﴿أبايعك على أن تعبد الله﴾ هذه أكبر بيعة بايعها رسول الهدى ﵊. ﴿لا تشرك به شيئاً﴾ هذه هي التخلية، يقولون: جمع في الحديث بين التَّحْلِيَة والتَّخْلِيَة، أي: يتخلى من الشرك ويعبد الله، فإن الذي لا يتخلى من الأضداد والأنداد، أو يوالي الكفار علىحساب المؤمنين، أو لا يتبرأ منهم، أو لا يرى أن دينهم باطل، أو أنهم منحرفون، أو يشايعهم، أو يوادهم، أو يقدمهم على المسلمين، أو يحبهم أكثر من المسلمين، أو يعاونهم في حروبهم ضد المسلمين؛ فليس بمسلم؛ لأن مفهوم الولاء والبراء عند أهل السنة والجماعة: أن تتبرأ من عدو الله، وأن توالي حبيب الله، وعند أبي داود بسند صحيح: ﴿من أحب لله، وأبغض في الله، وأعطى في الله، ومنع في الله؛ فقد استكمل الإيمان﴾. قال: ﴿وتقيم الصلاة المكتوبة﴾ هي التي بُوْيِع عليها، وهي الخمس الصلوات، وما زاد فنافلة. ﴿وتؤتي الزكاة﴾ أي: المفروضة، أما الصدقة فنافلة. ﴿وتنصح لكل مسلم﴾ قيل: إنه خصه بالنصيحة لكل مسلم؛ لأن جريراً سيد بجيلة، سيد قومه، فأمره أن ينصح لكل مسلم، و ﴿الدين النصيحة﴾ فكان ناصحاً حتى مات، وكان يقسم على المنبر في الكوفة: " أني لكم ناصح"، وكان إذا بايع الرجل في سلعة أو في تجارة خَيَّره بين الثمن وبين السلعة، وأخذ بهذا؛ لأن الرسول ﵊ خصه بهذا الأمر. ﴿وتبرأ من الشرك﴾ ثم عاد ﵊ الكلام عن البراء من الشرك، ومن الأضداد والأنداد والهيئات التي تعلن كفرها وإلحادها، أن يبرأ من جميعها.

стр. 5026

نظرية الولاء والبراء في الواقع نظرية الولاء والبراء في الساحة ليست واضحة، حتى أنهم يقولون إن الذي يدعو إلى الحروب أو يدعو إلى التفرقة بين المسلم والنصراني متخلف ورجعي، ودَعُوْنا من القرون المظلمة التي مرت، أصل الإنسانية سواء، والناس كلهم في اتحاد وتعايش سلمي، ودَعُوْنا من التفرقة العنصرية. وقد أنشئوا عصبة الأمم ثم انهارت، ثم هيئة الأمم، وحقوق الإنسان التي تجمع حقوق الإنسان المسلم واليهودي والنصراني، لأنهم -عندهم- كلهم سواء. نقول: التفرقة العنصرية ليست في الإسلام؛ لكن الديانة موجودة في الإسلام، لا يتساوى مسلم وغيره، ولذلك من خطط العلمانية ألا تبرأ من الشرك، وتبدأ العلمانية بـ أتاتورك، وتنتهي بأصنام أهلك الله الكثير منهم.

стр. 5027

أسس العلمانية وهي تقوم على ثلاثة أسس: أولاً: لا دين: أول مبادئ العلمانية: لا دين في العالم، أتاتورك أزال اليهودية والنصرانية والإسلام في تركيا. ثانياً: الناس سواسية: والإسلام يقول: المسلمون سواسية؛ لكنهم يقولون: الناس سواسية. ثالثاً: السعي بالعلم: ومعنى ذلك: أنه طاغوت يُعبد من دون الله ، والعلم إذا عُبد من دون الله أصبح طاغوتاً وكفراً، ولذلك ذكر الله العلم في القرآن وقال: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَالْأِيمَانَ﴾ [الروم:٥٦] لأن علماً بلا إيمان زنذقة وكفر، وإلاَّ فقد وصلوا في العلم الكثير، قال سبحانه: ﴿يَعْلَمُونَ ظَاهِراً مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ﴾ [الروم:٧] فعلم بلا إيمان كفر وزندقة. وقوله ﷺ : ﴿وتبرأ من الشرك﴾ أي: من الشرك بأنواعه الموجودة؛ لأن أطروحات الساحة يأتي منها الكثير. فمن أطروحات العلمانية في الساحة، وهي التي أتكلم عنها؛ لكثرتها ولغزوها، أنها تعارض توبة من تاب، وتقول: لم يكن مذنباً؛ لأنه (لا دين) عندهم؛ ولذلك يغضبون إذا تاب المغنون، ويقولون: كيف يتوبون؟! كأنهم كانوا مجرمين، وإذا قلتَ لهم في شيء من الدين، قالوا: الصلاة لك، ولك أن تصلي لكن دَعِ الناسَ أحراراً، لا تأمر ولا تنهى، ما علاقتك بالناس؟ أنتَ عِشْ مسالماًَ، ولا تتدخل في الناس. ومنها كذلك: أنهم يرون أن الدعوات التصحيحية لا أثر لها، ولذلك إذا ذكرتَ لهم دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب السلفية الصحيحة، قالوا: هذه تناسب العوام، وهي في القبور، وقد انتهت، وإذا ذكرتَ لهم مسائل المعتقدات، قالوا: لا، هذه قد عفا عليها الزمن، وما لله لله، وما لقيصر لقيصر، إلى غير ذلك من أخبارهم وأعلامهم.

стр. 5028

البيعة على الإسلام يقول ﵊: ﴿أبايعكم على ألا تشركوا بالله شيئاً، ولا تسرقوا، ولا تزنوا، ولا تقتلوا أولادكم، ولا تأتوا ببهتان تفترونه بين أيديكم وأرجلكم، ولا تعصوني في معروف، فمن وفَّى منكم؛ فأجره على الله، ومن أصاب من ذلك شيئاً فأُخِذَ به في الدنيا؛ فهو كفارة وطهور، ومن ستره الله؛ فذلك إلى الله إن شاء عذَّبه وإن شاء غفر له﴾ متفق عليه، ورواه: أحمد والترمذي والنسائي عن عبادة بن الصامت، وسنده صحيح. وفيه مسائل: البيعة على الإسلام التي بايعها الرسول ﵊ أصحابه. وقوله ﴿ولا تسرقوا﴾ النهي عن كبائر الذنوب، ومنها: السرقة. والخوارج يكفرون بكبائر الذنوب، وأهل السنة يقولون: من ارتكب كبيرة فهو فاسق بكبيرته لا زال مسلماً، فشارب الخمر مسلم، وكذلك السارق، والزاني؛ لكنه خرج من دائرة الإيمان وأصبح فاسقاً، فيسمى فاسقاً عند المسلمين، ويسمى عند الخوارج كافراً. والخوارج يخلِّدونه في النار خالداً مخلداً لا يخرج منها، وأهل السنة يقولون: قد يدخل النار ويعذب، ثم يخرجه الله؛ لأنه موحد، وهو تحت رحمة الله إن شاء عذبه وإن شاء غفر له. هذه من مسائل الخوارج. قال ﷺ : ﴿ولا تقتلوا أولادكم﴾ لأن العرب قبل الإسلام كانوا يقتلون الأولاد خشية أن يطعموا معهم: ﴿وَإِذَا الْمَوْؤُودَةُ سُئِلَتْ * بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ﴾ [التكوير:٨ - ٩] وكان أبو بكر يقرأ ﴿وَإِذَا الْمَوْؤُودَةُ سُئِلَتْ * بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ﴾ [التكوير:٨ - ٩] قُتِلْتِ: أي: يسألها الله. وأول من وأد جارية في العرب هو: قيس بن عاصم المُنْقَرِي سيد العرب، وأحلمهم وأكرمهم قبل الإسلام. وأول من أحيا الجواري، ومنعهن من القتل أبو الفرزدق أو جدُّه. ومنا الذي منع الوائدات وأحـ ـيا الوئيد فلم توءد وقوله: ﴿ولا تأتوا ببهتان تفترونه بين أيديكم وأرجلكم﴾ قيل: الزنا، وقيل: هي أن تحمل المرأة من غير زوجها. وقوله: ﴿ولا تعصوني في معروف﴾ أي بشرط: لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق؛ لكن الطاعة في المعروف، فمن أمرك بمعروف فأطعه، ومن أمرك بمعصية فلا طاعة لمخلوق في معصية الخالق، هذه قاعدة. ﴿فمن وفَّى منكم فأجره على الله، ومن أصاب من ذلك شيئاً فأُخِذ به في الدنيا، فهو كفارة وطهور﴾ والحدود كفارات على الصحيح من أُخِذ وتاب وجلد في خمر، أو قُطِع في سرقة ثم تاب كانت كفارة له، لا يكرر الله عليه العقوبة، أما من لم يتب وأُخِذ عليه الحد، فلا يزال العقاب ينتظره، وإن شاء الله عذبه، وإن شاء غفر له. ﴿ومن ستره الله، فهو إلى الله إن شاء عذبه وإن شاء غفر له﴾ والدرس المهم هنا -أيها الإخوة الأبرار- أن على المسلم إذا ألَمَّ بذنب أن يستغفر الله، ويتوب، وأن يستر نفسه؛ فإن الله يغفر إلاَّ للمجاهرين بالخطايا، والمجاهرون هم الذين يبيتون يسترهم الله فيخرج أحدهم في الصباح يقول: فعلتُ كذا وكذا البارحة، فيفضحه الله في الدنيا ولا يغفر له في الآخرة ﴿كل أمتي معافىً إلاَّ المجاهرون﴾ الذين يجاهرون بالذنوب والخطايا. فلنتب ولنستغفر، ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [آل عمران:١٣٥] اللهم تب علينا يا رب العالمين.

стр. 5029

الطريق إلى الجنة إن الله خلق الجنة، وجعلها منزلاً للمؤمنين، ودار حبور وقرار، فالوصول إليها سهل على المؤمن ومتعسر على المفرط، فهي غالية على الكسلان، رخيصة لمن اشتاق إليها وعمل لها، ومفتاحها سنة المصطفى ﷺ ، ولا دخول للجنة إلا من طريقه ﷺ . وفي هذا الدرس بيان الطرق التي توصل كل عبد مؤمن إلى جنة رب العالمين، وذكر الأوصاف التي ينبغي للمسلم أن يتحلى بها حتى ينال هذه الجائزة العظيمة.

стр. 5030

طرق دخول الجنة الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ. الْحَمْدُ لِلَّهِ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ جَاعِلِ الْمَلائِكَةِ رُسُلاً أُولِي أَجْنِحَةٍ مَثْنَى وَثُلاثَ وَرُبَاعَ يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ مَا يَشَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ. الحمد لله رب العالمين، الحمد لله الذي أرسل محمداً ﵊ فكسر بدعوته ظهور الأكاسرة، وقصر بمبادئه آمال القياصرة الذين طغوا وبغوا حتى أرداهم ظلمهم في الحافرة، والصلاة والسلام على حامل لواء العز في بني لؤي، وصاحب الطود المنيف في بني عبد مناف بن قصي، صاحب الغرة والتحجيل، المذكور في التوراة والإنجيل ﷺ من معلم نبيل ومن هادي جليل، ﷺ على صاحب الحوض المورود، واللواء المعقود، والصراط الممدود، وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. سلام من الله عليكم ورحمته وبركاته. يا مجمع الخير حيوا لي محياه نداء حق من الفصحى سمعناه وفي الجبيل لقاءات وأمنية مع الشباب الذي قد طاب مسعاه يا رب عفوك لا تأخذ بزلتنا وارحم أيا رب ذنباً قد جنيناه كم نطلب الله في ضر يحل بنا فإن تولت بلايانا نسيناه ندعوه في البحر أن ينجي سفينتنا فإن رجعنا إلى الشاطي عصيناه ونركب الجو في أمن وفي دعة فما سقطنا لأن الحافظ الله أليس من انتصار الإسلام أن تجتمع هذه الشبيبة لترفع راية الإسلام؟ أليس الإسلام يعلن تفوقه يوم يأتي شباب مخلصون يعيشون رمزاً للصحوة الإسلامية التي أعلنت أن لا إله إلا الله، وأن لا بقاء إلا للا إله إلا الله، ولا عمق ولا أصالة إلا للا إله إلا الله؟

стр. 5031

حب الله ورسوله وكثرة السجود طريق إلى الجنة فهذا لقاء مفتوح لكنه تحت مظلة وعنوان (الطريق إلى الجنة) والطريق إلى الجنة سلكه محمد ﵊، وبينه رسول الهدى ﷺ يوم قال له الأعرابي قبل أحد: ﴿يا رسول الله! لا تمنعني دخول الجنة -يقول: لا تمنعني دخول الجنة- فوالله الذي لا إله إلا هو، لأدخلن الجنة، فيتبسم ﵊ ويقول: بما تدخل الجنة؟ -أي: ما هي مؤهلاتك لدخول الجنة؟ - قال: بخصلتين: بأني أحب الله ورسوله ولا أفر يوم الزحف، فدمعت عيناه ﷺ وقال: إن تصدق الله، وورد المعركة وقتل شهيداً فرآه النبي ﷺ فقال: صدقت الله فصدقك الله﴾ وأصبح من أهل الجنة إن شاء الله؛ لأنه صدق الله، وفي صحيح مسلم من حديث ربيعة بن كعب الأسلمي ذاك الشاب المتوقد إيماناً، الذي يريد الجنة، يقول: ﴿يا رسول الله! أريد مرافقتك في الجنة، فيقول ﵊: أو غير ذلك؟ قال: هو ذاك يا رسول الله! قال: فأعني على نفسك بكثرة السجود﴾. فمن طرق الجنة كثرة السجود. ومما زادني شرفاً وفخراًً وكدت بأخمصي أطأ الثريا دخولي تحت قولك يا عبادي وأن صيرت أحمد لي نبياً ويوم يأتي ثوبان -كما في صحيح مسلم - يروي لنا حديثاً لكنه حديث راقٍ، يقول ﵊: ﴿من سجد لله سجدة رفعه الله بها درجة﴾. الطريق إلى الجنة لا يعرفه إلا الخواص من أصحاب الرسول ﷺ وأتباعه، وقد أغلق الله طريق الجنة فلا تفتح بعد رسالته ﷺ إلا من طريقه، فمن ظن أو وسوست له نفسه أو اعتقد أنه سوف يدخل من طريق غير هذه الطريق، أو يهتدي بغير هدى الله الذي أرسل به محمداً ﷺ فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين، لا يقبل الله منه صرفاً ولا عدلاً ولا كلاماً ولا ينظر إليه ولا يزكيه وله عذاب عظيم، يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: كل أرض لم تشرق عليها شمس الرسالة فهي أرض ملعونة، وكل قلب لم يهتد بهذا الدين فهو قلب مغضوب عليه. ولذلك يقول معاذ وكلكم يعرف معاذاً، ذاك الذي عاش العلم والسمو والحب والإيمان والطموح، وكان معاذ أمة وسجلٌ تاريخه حافلٌ بالمكرمات ورفع لا إله إلا الله، رباه رسول الله ﷺ وعلمه، ثم بعثه داعياً بعلم قليل، ولكن علمه طيب مبارك، ذهب إلى أهل اليمن ورفع لا إله إلا الله محمداً رسول الله وترك هناك إسلاماً وإيماناً، وترك مؤمنين ومسلمين وشهداء، جاء في حديث حسن عنه ﷺ : ﴿معاذ يأتي يوم القيامة برتوة﴾ أي يتقدم العلماء إلى الجنة برمية حجر.

стр. 5032

عبادة الله وإقامة أركان الإسلام طريق إلى الجنة جاء في الترمذي بسند حسن، أن معاذاً سرى مع الرسول ﷺ في الليل الدامس في آخر الليل، والرسول ﷺ كان له ورد من القيام في آخر الليل يناجي فيه ربه، يشكو على ربه ذنوبه وخطاياه وتقصيره وهو سيد الخلق وأعرف الناس بربه ومولاه، والليل عجيب! الليل يحب القرآن والقرآن يحب الليل. قلت لليل هل بجوفك سر عامر بالحديث والأسرار قال لم ألق في حياتي حديثاً كحديث الأحباب في الأسحار قال معاذ: ﴿يا رسول الله! دلني على عمل إذا عملته دخلت الجنة؟ -وفي لفظ صحيح-: دلني على عمل يدخلني الجنة ويباعدني من النار﴾ ما أحسن السؤال! دل على اختيارك سؤالك؛ لأن هذا من انبعاث الإيمان وحرارته وشوقه حين يسأل عن طريق الجنة، دلني على عمل إذا عملته، يقربني من الجنة: ويباعدني من النار، هذا سؤال من أعظم الأسئلة والأطروحات التي وردت في كل العالم، ومن أعظم الأسئلة التي وردت في تاريخ البشرية، ومن هو المجيب؟ إنه سيد الخلق ﵊، الدليل الماهر الذي عرف الطريق وما عرف العالم مصلحاً كمثل محمد ﷺ ، عرف ذلك الأعداء قبل الأصدقاء، عرف ذلك الفلاسفة الذين هم أذناب الصابئة المجوس كـ ابن سينا يوم يقول في كتابه الإشارات: ما طرق العالم مصلح كمحمد ﵊، ولفظه يقول: ما طرق العالم ناموس كناموس هذه الرسالة. وهذا أمر معروف، فيجيب ﷺ على معاذ، هل قال: تدخل الجنة بالمؤهل، أو بالمنصب، أو بالشهادة والمرتقى، أو بالمال والولد؟ لا والله كلها لا تساوي في ميزان الحق ذرة، ويوم يتخلى المال عن الإيمان يصبح تبعةً ولعنةً وغضباً، ويوم يتخلى المنصب عن الإيمان يصبح فرعونياً دكتاتورياً طاغية، ويوم يتخلى الولد عن الإيمان يصبح عذاباً وشقوةً وندامةً، ويوم تتخلى الشهرة عن الإيمان تصبح ملعنةً ومسبةً على رءوس الأشهاد يوم القيامة، ثم إذا تخلى الحب عن الإيمان أصبح حب المعشوقين والمعشوقات، والمغنيين والمغنيات، والفنانين والفنانات، ويوم يتخلى الشعر عن الإيمان يصبح كلاماً مصففاً مزجياً كبضاعة الأخسة الذين طفروا بها وهي في ميزان باطلهم تتردى معهم في جهنم، يوم يحاسب الله المجرمين على كلماتهم، والخبيثين على تصرفاتهم، يحاسب الله هؤلاء وأولئك لأنهم جردوا الحب والمنصب والمال والولد عن الإيمان، قال ﵊ وهو يجيب معاذاً: ﴿لقد سألت عن عظيم﴾ هذا السؤال عظيم، إن بعض الناس يسأل عن تكبيرة الإحرام، أو وضع اليدين، أو سجود السهو، أو المسح على الخفين أو التيمم، لكن العلامة الجهبذ معاذاً سأل عن سؤالٍ خطيرٍ محتواه أمر صعب وهائل وكبير، ﴿لقد سألت عن عظيم، وإنه ليسير على من يسره الله عليه﴾ فيا من يسر للصالحين طريقهم! يسر لنا طريقنا، العون والسداد والهداية منك وحدك وما جلسنا -إن شاء الله، ويعلم الله- إلا نريد نوراً وتوفيقاً وهداية من الله سبحانه. وإذا كان عاقبة مجالسنا واجتماعاتنا هذه غير محمودة فالشكوى إلى الله، والله المستعان. إذا لم يكن عون من الله للفتى فأول ما يجني عليه اجتهاده إنها تنعكس عليه المقاصد، ﴿لقد سألت عن عظيم وإنه ليسير على من يسره الله عليه﴾ وهذا يسمى (الإجمال في الجواب قبل التفصيل) وهو أسلوب قرآني، ويسمى عند أهل البلاغة: اللف ثم النشر، فالرسول ﷺ يقول: ﴿لقد سألت عن عظيم وإنه ليسير على من يسره الله عليه﴾ فما هو اليسير؟ وما هو هذا الجواب؟ وما هو طريق الجنة؟ قال: ﴿تعبد الله ولا تشرك به شيئاً، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان، وتحج البيت إن استطعت إليه سبيلاً -ثم قال له ﷺ وهو يواصل حديثه الشائق الرائق إلى القلوب الوالهة- يقول: ألا أدلك على رأس الأمر وعموده وذروة سنامه؟ رأس الأمر الإسلام وعموده الصلاة، وذروة سنامه الجهاد في سبيل الله﴾ ثم يواصل ﷺ في طريق الجنة وفي وصفها، قال: ﴿ألا أدلك على أبواب الخير؟ الصوم جنة﴾ أي وقاء لك، تجتن به، وتتحصن به من النار، لذلك يقول عمر بن أبي ربيعة: وكان مجني دون ما كنت أتقي ثلاث شخوص كاعبان ومعصر فيقول: إن كنت تريد الجنة والغطاء والساتر عن النار فالصوم، ﴿الصوم جنة، والصدقة تطفئ الخطيئة كما يطفئ الماء النار، وصلاة الرجل بجوف الليل ثم تلا ﵊ ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفاً وَطَمَعاً وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ [السجدة:١٦]﴾ ثم يقول ﵊ ليختتم باللف بعد النشر، وبالإجمال بعد التفصيل فيقول: ﴿ألا أدلك على ملاك ذلك كله﴾ أي على ما يجمع لك شتات هذا الموضوع، ﴿قال: بلى يا رسول الله! قال: كف عليك هذا، وأخذ ﵊ بلسان نفسه، قال معاذ: وإنا لمؤاخذون بما نتكلم به يا رسول الله؟﴾ إلى اليوم سيد العلماء لا يعرف أن الكلام يسجل في عالم الخطيئات، وأن له حسنات ومثوبات وسيئات وعقوبات، قال: ﴿ثكلتك أمك يا معاذ! -أيخفى عليك هذا والخطايا أكثرها من اللسان- وهل يكب الناس في النار على مناخرهم أو على وجوههم إلا حصائد ألسنتهم﴾ صلى الله وسلم على صاحب ذاك الجواب. بالله لفظك هذا سال من عسل أم قد صببت على أفواهنا العسلا

стр. 5033

لا يدخل أحد الجنة إلا من طريقه ﷺ يا من يريد الجنة! هذا طريق الجنة، الذي وصفه ﷺ ، فإن الجنة مغلقة بعد مبعثه، ولا يدخل إلى الجنة إلا من طريقه ﷺ ، والرسول ﷺ فتح للناس المستويات ليدخلوا الجنة من أبوابها الثمانية. وقل لـ بلال العزم من قلب صادق أرحنا بها إن كنت حقاً مصليا توضأ بماء التوبة اليوم مخلصاً به ترق أبواب الجنان الثمانيا

стр. 5034

أبواب الجنة الثمانية جاء في صحيح البخاري في كتاب الجهاد عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ﴿إن للجنة أبواباً ثمانية، فمن كان من أهل الصلاة دعي من باب الصلاة، ومن كان من أهل الصدقة دعي من باب الصدقة، ومن كان من أهل الصيام دعي من باب الصيام، ومن كان من أهل الجهاد دعي من باب الجهاد إلى آخر تلك الأبواب، فيأتي أبو بكر ويقول: يا رسول الله! هل يدعى أحد من كل الأبواب الثمانية؟﴾ يريد أبو بكر أن يدعى من الأبواب جميعاً. من لي بمثل سيرك المدلل تمشي رويداً وتجي في الأول هو يريد المركز الأول في الطاعات، إن كان من الذاكرين فهو الأول، ومن المجاهدين فمحل الصدارة، ومن العابدين فهو الجبين، ومن القادة والفاتحين فهو الموجه والسيف الشهير على أعداء الله، فيتبسم ﷺ ويقول: ﴿نعم. وأرجو أن تكون منهم﴾.

стр. 5035

المسارعة إلى أبواب الجنة ومنها الجهاد فمن الناس من يدعى من باب واحد على حسب طاعته وتقواه، وعلى حسب سلوكه إلى طريق الجنة، ﴿فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ﴾ [آل عمران:١٨٥] بعض أهل التفوق يعلن تفوقه في عالم الإيمان ويدخل الجنة، تأتيه الشهادة ليدخل من باب الجنة، ولذلك قال غلاة التصوف وأهل التصوف: نحن لا نعبد الله طمعاً في جنته ولا خوفاً من ناره! فلماذا تعبدونه ثكلتكم أمهاتكم؟! أتعبدونه زندقةً؟! أم انزواءً؟! أم تلهياً وتلاعباً؟! قالوا: هكذا نعبده حباً، والله وصف أولياءه بأنهم يبتغون فضلاً من الله ورضواناً، والله يقول لأوليائه: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ﴾ [آل عمران:١٣٣] والله يقول لأصفيائه: ﴿وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتاً بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ * فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [آل عمران:١٦٩ - ١٧٠] عمير بن الحمام في بدر يأكل التمر ويظن أن هناك وقتاً بين دخول الجنة وبين أكل التمر، لكن الرسول ﷺ كان يغرس شجراً من الإيمان لا تذبل أبداً، خرج على أهل بدر قبل المعركة فقال: ﴿يا أهل بدر! اعملوا ما شئتم فقد غفر الله لكم، والله يا أهل بدر! ما بينكم وبين الجنة إلا أن يقتلكم هؤلاء فتدخلون الجنة، فيقول عمير بن الحمام الأنصاري: يا رسول الله! ما بيني وبين الجنة إلا أن يقتلني هؤلاء فأدخل الجنة؟! قال: إي والذي نفسي بيده، فيلقي التمرات من يده، ويخلع الدرع من على جنبيه، ويأخذ غمد سيفه ويكسره على ركبته فيقاتل حتى يقتل﴾. وليس على الأعقاب تدمى كلومنا ولكن على أعقابنا تقطر الدما تأخرت استبقي الحياة فلم أجد لنفسي حياة مثل أن أتقدما يأتي جعفر بن أبي طالب فيقف في مؤتة، وقد ترك زوجته وماله وأهله وشهرته ومنصبه وباع كل شيء وأتى بروحه إلى الواحد الأحد، والذي يهدي روحه ليس كالذي يهدي عشرة ريالات، الذي يهدي روحه أجود الناس، والذي يسكب دمه أكرم الناس، والذي يقدم نفسه أبذل الناس، فلما رأى الرومَ ونظر إليهم ولكنه تطلع إلى ما بعد الروم وهي الجنة، أخذ الغمد وكسره على ركبته وأخذ يقول في زمجرة المسلم وصولة المؤمن، يوم يمتلئ إيماناً ويقيناً، ويوم يرتفع على الشهوات والملهيات وعلى المعاصي والمخالفات. يا حبذا الجنة واقترابها طيبة وبارد شرابها والروم روم قد دنا عذابها كافرة بعيدة أنسابها علي إن لاقيتها ضرابها وصدق مع الله، وضارب وقطعت يداه، واحتضن الراية وهو لا يزال قوياً ما دام أن فيه ذرة من حياة؛ لأن وقوده من مشكاة محمد ﵊، وسقط في الأخير شهيداً ولكنه حي عند الله ﴿وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتاً بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ * فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [آل عمران:١٦٩ - ١٧٠].

стр. 5036

عظماء على فراش الموت

стр. 5037

قصة خبيب بن عدي خبيب بن عدي يأخذه الكفار أسيراً، ويدخلونه بيتاً غير مسقوف، وتصهره الشمس ولكن إيمانه يبرده، يأتيه البرد ولكن إيمانه يدفئه، يأتيه الجوع ولكن إيمانه يشبعه، يأتيه الظمأ ولكن إيمانه يرويه، تقول إحدى النساء من اللواتي عشن قريباً من خبيب: رحم الله خبيباً، والله لقد كنت أنظر إليه وقد حصر في مكة في بيت، ما في مكة عنبة واحدة وإن قطاف العنب يأكله خبيب، من أين؟ من عنده ، ﴿أَنَّى لَكِ هَذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [آل عمران:٣٧] وخرج إلى ساحة الإعدام ساعة الصفر في حياة المسلم، يوم يستعلي على كل شيء، ساعة الصدق مع الله، خرج أهل مكة ليقتلوه، وهو ما قتلهم وما سرقهم ﴿أَتَقْتُلُونَ رَجُلاً أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ﴾ [غافر:٢٨] لكنه ذنبه أنه رجل يعلن التوحيد، واجتمعوا في جمع حاشد في ضاحية من ضواحي مكة، فقال لهم: أريد أن تمهلوني لأصلي ركعتين، قالوا: صل ركعتين واستعجل، فقام يتوضأ وهو يعرف أن الموت سوف يأتيه بعد ركعتين، فصلى ركعتين ثم سلم ثم قال: [[والله الذي لا إله إلا هو، لولا أن تقولوا: جزع من الموت لطولت صلاتي، ثم قال: اللهم أخبر رسولك ما نلقى الغداة -يعني: أخبره بما يفعلوا بنا هذا اليوم، وفي سيرة موسى بن عقبة: ﴿كان ﵊ وهو في المدينة وخبيب! في مكة يقول: السلام عليك يا خبيب! السلام عليك يا خبيب! السلام عليك يا خبيب!﴾ -قال: اللهم أبلغ رسولك ما نلقى الغداة، وأخذ يقول للكفار: اللهم أحصهم عدداً، واقتلهم بدداً، ولا تغادر منهم أحداً، فلما رفعوه إلى مشنقة الموت -هل بكى؟ لا. لأن الأبطال لا يبكون في ساعة الصفر، هل جزع؟ لا. لأن الأبطال لا يجزعون ساعة الموت، وهل ندم وتحسر؟ لا. لأنه يريد هذه الساعة، ويعمل لها، إنه يريد الجنة- قال له أبو سفيان في آخر لحظة: هل تريد أن محمداً مكانك وأنك في أهلك ومالك سليماً معافى؟ قال: والله الذي لا إله إلا هو، ما أريد أني في أهلي سليماً معافى وأن رسول الله ﷺ يصاب بشوكة، ثم أخذ ينشد -هل رأيت شاعراً ينشد عند لحظة الموت؟ إن سمعت شاعراً فهذا هو الشاعر العظيم، شاعر الإيمان والحب والطموح، لا شاعر الفن الرخيص العفن المتخلف، الذي يشعر ليهدم الأمم ويزيل الشعوب ويخرب القلوب- أخذ على المنصة يلقي قصيدته الرائعة المدوية على رءوس الأشهاد لتحفظ في ميزان حسناته يوم القيامة، يقول: ولست أبالي حين أقتل مسلماً على أي جنب كان في الله مصرعي وذلك في ذات الإله وإن يشأ يبارك على أشلاء شلوٍ ممزع ثم قتل]] ولكنه ما قتل! إنه حي عنده مع الشهداء إن شاء الله، ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ * نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ﴾ [فصلت:٣٠ - ٣١] لا يكتشف طريق الجنة عند كثير من الناس إلا في سكرات الموت، وكثير من الناس لا يستفيق من سكاره وخماره إلا في ساعة الموت، تلك الساعة التي يضعف فيها القوي، ويفتقر الغني ويعجز الجبار، ساعة الموت يوم لا تنفع المنعة ولا الدفاع، ساعة الموت الواخزة المؤلمة المحيرة المدهشة.

стр. 5038

قصة هارون الرشيد يأتي هارون الرشيد الخليفة العباسي الذي يتحدى السحاب، أرأيت السحاب يتحداها هارون من على شرفات قصره يقول للسحابة: أمطري حيث شئت فإن خراجك سوف يأتيني يصرع في مصرع الموت وينظر إلى جيشه ويبكي وهو يقلب وجهه في التراب ويقول: يا من لا يزول ملكه! ارحم من قد زال ملكه.

стр. 5039

قصةالمعتصم وهذا المعتصم الخليفة العسكري الذي دك عمورية بتسعين ألفاً كما قال أبو تمام: تسعون ألفاً كآساد الشرى نضجت جلودهم قبل نضج التين والعنب فالنصر في شهب الأرماح لامعة بين الخميسين لا بالسبعة الشهب أتاه الموت وهو لا يزال في شبابه، فقال: أموت اليوم؟ قالوا: تموت اليوم، يظن أنه لا يموت الإنسان إلا بعد السبعين، لكن أفتاه أهل العلم أنه ثبت شرعاً أنه يموت اليوم، فنزل من على سريره ومرغ وجهه وبكى، وقال -وقد ذكر ذلك عبد الحق الإشبيلي في بعض كتبه، قال: والله لو كنت أموت اليوم ما فعلت ما فعلت من المعاصي.

стр. 5040

قصة عبد الملك بن مروان وعبد الملك بن مروان المؤسس الحقيقي أو المؤسس الثاني للدولة الأموية حضرته سكرات الموت وأخذ يصارع الموت فتذكر طريق الجنة، ولكن متى؟ في الوقت الضائع، هو مؤمن إن شاء الله، هو مسلم لكن ينبغي على من يكون مثله أن يكون أحسن وأرقى، ليس كفرعون، فرعون تذكر الله في الوقت الضائع، حتى دس في التراب وسحق في الطين وأخذ ينقنق كالضفدع ويقول: ﴿آمَنْتُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرائيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [يونس:٩٠] الآن أنت من المسلمين أيها المجرم؟! في الطين أصبحت مؤمناً موحداً؟ لا. آلآن، بعد صحائفك السوداء وتاريخك الأغبر؟ والله لا تنجو، أنت من أهل النار، لكن عبد الملك كان يترقب منه أن يكون أحسن وأحسن، قال الذهبي في ترجمته: لما تولى الخلافة في أول يوم فتح المصحف وقرأ فيه قليلاً ثم أطبقه، وقال: هذا آخر العهد بك. قال الذهبي: اللهم لا تمكر بنا، فلما حضرته سكرات الموت سمع غسالاً يغسل بوادٍ، والمؤمن قد يكون غسالاً ولكنه لا يكون عبداً ولا رقيقاً إلا لله، وبعض الناس قد يكون سلطاناً ولكنه رقيق وعبد وخادم لبطنه وفرجه وحذائه ووظيفته، وكان الغسال يترنم بقصيدة، فقال عبد الملك وهو في سكرات الموت: يا ليتني كنت غسالاً، يا ليتني ما عرفت الحياة، يا ليتني ما توليت الخلافة، سمع سعيد بن المسيب هذه الكلمة ثم قال: الحمد لله الذي جعلهم يفرون وقت الموت إلينا ولا نفر إليهم؛ لأن من عرف طريق الجنة من أول طريقه لا يندم في سكرات الموت.

стр. 5041

قصة عبد الله بن المبارك عبد الله بن المبارك العالم الجهبذ المحدث الكبير الزاهد ﵁ أتته سكرات الموت فأخذ يتبسم، أرأيت متبسماً يتبسم للموت؟! لا. إلا الأخيار الأبرار، يقول المتنبي لـ سيف الدولة يمدحه بأنه يتبسم لكنه يتبسم لدنياه وشهرته: تمر بك الأبطال كلمى هزيمة ووجهك وضاح وثغرك باسم نثرتهمُ فوق الأحيدب نثرة كما نُثرت فوق العروس الدراهم تبسم عبد الله بن المبارك فقال له الناس: مالك يا أبا عبد الرحمن؟ قال: لمثل هذا فليعمل العاملون، لمثل هذا فليعمل العاملون، وأقف مع عبد الله بن المبارك قليلاً لأنه من الذين رسموا الطرق إلى الجنة، ومن الذين قادوا موكب صحوة الإسلام إلى الجنة، وعرفوا الناس بطريق الجنة إلى الله ﵎. يسمع بداعي الجهاد في خراسان، فيترك الحرم ويترك مكة ويأخذ بغلته ويركبها، فيقول له الناس: ابق في الحرم، الصلاة الواحدة بمائة ألف صلاة فيما سوى الحرم، قال: لا. بغض الحياة وخوف الله أخرجني وبيع نفسي بما ليست له ثمنا إني وزنت الذي يبقى ليعدله ما ليس يبقى فلا والله ما اتزنا خرج وذهب للجهاد وأتته رسالة من الفضيل بن عياض يدعوه أن يعود من الجهاد إلى الحرم المكي فكتب للفضيل على خلف الورقة: يا عابد الحرمين لو أبصرتنا لعلمت أنك بالعبادة تلعب العبادة التي نحن فيها أرقى مما ذقت في الحرم، العبادة يوم يسيل الدم، العبادة يوم نتنفل لله بالركعات في جنح الليل في الظلام البارد الذي يقع كالسكاكين على الجسم، العبادة يوم يقف الإنسان ليحمي حوزة الدين. يا عابد الحرمين لو أبصرتنا لعلمت أنك بالعبادة تلعب من كان يخضب خده بدموعه فنحورنا بدمائنا تتخضب إن كنت تبكي فبكاؤنا من نوع آخر، نحن أجسامنا تسيل دماً وأنت عيناك تسيل دمعاً، والدم أغلى عند العقلاء من الدمع. من كان يخضب خده بدموعه فنحورنا بدمائنا تتخضب أو كان يتعب خيله في باطل فخيولنا يوم الصبيحة تتعب ريح العبير لكم ونحن عبيرنا رهج السنابك والغبار الأطيب عبد الله بن المبارك الذي عرف طريق الجنة بالعلم، ولكنه بالعمل والصدق مع الله، خرج حاجاً إلى مكة ومعه قافلة، فكان يمول كل أهل القافلة وينفق عليهم من مال الله الذي آتاه، وإذا بامرأة تخرج من قرية حول الكوفة إلى المزبلة فتأخذ غراباً ميتاً، فيقول لمولاه: اذهب إلى هذه المرأة وسلها، لماذا أخذت الغراب؟ فسألها المولى، فقالت: والله ما لنا من طعام من ثلاثة أيام إلا ما يُلقى في هذه المزبلة، فدمعت عينا عبد الله بن المبارك وأمر بأمواله أن توزع على أهل القرية جميعاً، ثم عاد إلى بلاده ولم يحج، ورأى في المنام قائلاً يقول: حج مبرور، وسعي مشكور، وذنب مغفور، ﵁ وأرضاه فقد عرف طريق الجنة. وكما تعرفون أنه ألف كتاب الزهد، فكان يأتي ليقرأ كتاب الزهد فكأنه بقرة منحورة من خشية الله ، قال تلميذه الذي يصاحبه في السفر: سرت معه ليلة، فدخلنا إلى غرفة في طريق السفر فانطفأ السراج فذهبنا نبحث عن السراج فلما أتينا بالضوء والسراج وجدناه يبكي، قلنا: مالك؟ قال: تذكرت -والله- القبر بظلمة هذه الغرفة. والقبر فاذكره وما وراءه فمنه ما لأحد براءة وإنه للفيصل الذي به ينكشف الحال فلا يشتبه والقبر روضة من الجنان أو حفرة من حفر النيران إن يك خيراً فالذي من بعده أفضل عند ربنا لعبده وإن يكن شراً فما بعد أشد ويل لعبد عن سبيل الله صد فيا من أراد الجنة إن الجنة وصفها وحقيقتها في القرآن والسنة، ويا من أراد أن ينجو يوم القيامة، يوم العرض الأكبر عند الله ! فاسلك الطريق إلى الجنة، الطريق إلى الجنة التي سلكها الأخيار. قدم للإمام أحمد اللحم والملذات، لكنها ثمن لدينه ومبدئه الأصيل يوم وقف حصناً لـ أهل السنة والجماعة في فتنة القول بخلق القرآن عند المأمون ولكنه لم يره، بل مات في الطريق وعند المعتصم والواثق، وقالوا: نغدق عليك، ونعطيك، ونوليك، فقال: لا والله، طعام دون طعام، ولباس دون لباس وأيام قلائل حتى نلقى الله، وما ذاك إلا لأنه عرف طريق الله.

стр. 5042

الجنة ليست خاصة بالرجال وطريق الجنة ليس للرجال فحسب، إن في الجنة قسم للنساء، وإن الله يقول بعد أن ذكر الأولياء والأخيار: ﴿فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ﴾ [آل عمران:١٩٥] والرسول ﷺ في حديث أبي أمامة الصحيح يقول: ﴿المرأة إذا صلت خمسها، وصامت شهرها، وأطاعت زوجها، دخلت جنة ربها﴾ والمرأة المسلمة هي نصف المجتمع يوم أن تتقي الله في رسالتها، وتعرف أن طريق الجنة لا يمكن أن يتحقق إلا بطاعة الله الواحد الأحد ثم بطاعة زوجها في طاعة الله، ويوم تعرف أن سترها وعفافها ستر الإسلام، وأن صيانتها صيانة لهذا الدين، وأن بقاءها في بيتها نصرة لهذه المبادئ الخالدة، ويوم أن تخجل من الواحد الأحد أن تتبرج أمام الأجانب، وتحفظ زوجها بالغيب فهي حافظة وراعية ومحاسبة على ذلك، ويوم تربي العلماء والأدباء والشهداء والصديقين في بيتها. الأم مدرسة إذا أعددتها أعددت شعباً طيب الأعراق الأم نبت إن تعاهده الحياء بالري أورق أيما إيراق فجزى الله الأمهات خير الجزاء يوم يكن حاملات للمبادئ الأصيلة، مصليات عفيفات متقيات للواحد الأحد كـ عائشة وأسماء. منا الفواطم ربات العلا ولنا كل الزيانب هم أهل وعمات أسماء بنت أبي بكر نطاقها في الجنة شاهد بأنها كانت عفيفة ووقورة تقدم للإسلام كل ما تملك. وعائشة أعطاها معاوية بن أبي سفيان مائة ألف درهم فذهبت تتصدق وهي صائمة فتقول لها جاريتها: لماذا لا تبقي لنا درهماً أو درهمين نشتري لك لحماً لتفطرين عليه؟ قالت: نسيت نفسي لو أنك ذكرتيني عائشة ﵁ تبقى في بيته ﷺ محافظة على العهد، أما ليلها فقيام وأما نهارها فصيام، عائشة كانت تعلم الجيل وتربيه وهذه هي قدوتك أيتها الأخت المسلمة، وهي معلمتك في الحياة يوم تريدين الجنة ولقاء الله.

стр. 5043

صفات الداعي إلى الجنة إن من أراد أن يدل على الجنة فعليه بأمور:

стр. 5044

أن يكون دليله الكتاب والسنة أولها: أن يكون دليله في هذا: كتاب الله وسنة رسوله ﷺ .

стр. 5045

أن يصاحبه اللين والرفق الأمر الثاني: أن يكون ليناً في دلالته، ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾ [آل عمران:١٥٩] ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة:١٢٨] يقول الله للداعية الكبير الذي ما طرق الدنيا داعية مثله: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم:٤] ويقول: ﴿وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيم﴾ [الأنفال:٦٣] أرأيت أكبر من فرعون طاغية في الدنيا؟ أسمعت أكبر من فرعون مجرماً في المعمورة؟ لا. أرسل الله له موسى، فأوصى الله موسى وهارون وهما في الطريق ذاهبان إلى ذاك الطاغية، فقال: ﴿فَقُولا لَهُ قَوْلاً لَيِّناً لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى﴾ [طه:٤٤]. إننا يوم ندعو الناس رجالاً وإناثا، كباراً وصغاراً، رؤساء ومرؤوسين إلى طريق الجنة لابد أن ندلهم على طريق الجنة ونحن رحماء ولينين وسهلين كقوله ﷺ في الصحيح لما أرسل أبا موسى ومعاذاً: ﴿بشرا ولا تنفرا، ويسرا ولا تعسرا﴾ إن الدليل الماهر لا ينفر القلوب، والموجه لا يخدش الكرامات، والداعية لا يجرح الشعور، إنه يدل على الجنة لكن بإيمان وحب وطموح، فقال الله لموسى وهارون: ﴿فَقُولا لَهُ قَوْلاً لَيِّناً لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى﴾ [طه:٤٤] احذرا أن تجرحا شعوره، احذرا أن تغضبا هذا المجرم فتأخذه العزة بالإثم فيكفر. وفي تفسير ابن كثير عن سفيان الثوري، العالم الجهبذ يقول: [[أتدرون ما هو القول اللين؟ قالوا: لا. قال: يأمره الله أن يكني فرعون، أن يدعوه بالكنية، أن يقول: يا أبا مرة]] قال أهل التفسير: كنية فرعون أبو مرة -مرر الله وجهه في النار- فدخل موسى يقول: يا أبا مرة! ندعوك إلى طاعة الله، إن الله سوف يبقي عليك شبابك وملكك وصحتك، يا أبا مرة! إننا نعرض عليك الرسالة الخالدة ونحو هذا الكلام، والكنية تكسب المدعو قيمة وحفظاً وجاهاً. أكنيه حين أناديه لأكرمه ولا ألقبه والسوءة اللقب كذاك أدبت حتى صار من خلقي أني وجدت ملاك الشيمة الأدب فالمقصود: أن على من دل على طريق الجنة أن يكون ليناً، ولقد مني الإسلام في بعض جوانبه بشيء من الصلف في الدعوة والعنف في التوجيه، والشدة والغلظة في التربية، يوم يأت الداعية فينظر إلى نفسه أنه طاهر عفيف، وأن الناس مذنبون فيتهكم بهم، ويريد أن يحولهم في نصف ساعة إلى أن يصبحوا في درجة أبي بكر وعمر وعثمان وعلي، يوم يقوِّم الدنيا ويقعدها على مسائل سهلة لا يتدرج فيها، إنه قد أخطأ في ذلك، لأن الرسول ﷺ أمر الداعية أن يتدرج، وقد أرسل معاذاً إلى اليمن فكلمه عن نوعية الناس الذين سيرسل إليهم تمهيداً له فقال: ﴿إنك تأتي قوماً أهل كتاب، فليكن أول ما تدعوهم إليه شهادة أن لا إله إلا الله، وأني رسول الله فإن هم أجابوك لذلك -لم يحشر عليه المسألة الثانية لكن- فإن هم أجابوك لذلك فأخبرهم أن الله افترض عليهم خمس صلوات في اليوم والليلة﴾ والرسول ﵊ حين أتى إلى الأمة العربية، إلى أمة العنف، أمة لا حضارة تربطها، ولا ثقافة تؤسس مبادئها، ولا معرفة تنظر مسيرتها، أمة مبعثرة، قبيلة تطحن قبيلة وأخرى تلعن أخرى، فأتى ﷺ بالحب، فيتبسم ﷺ لعدوه اللدود فيكسب قلبه، وابن عمه الذي أخرجه وحاربه يقول له: عفى الله عنك، وقريش التي أخرجته وحاربته يقول: ﴿اذهبوا فأنتم الطلقاء﴾ قال الله : ﴿وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ﴾ [الأنفال:٦٣] كيف ألفت بين قلوبهم؟ إنه اللين والسهولة، والمودة والقرب ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾ [آل عمران:١٥٩]. أيها الإخوة: إن هذه الجلسة كانت لقاء مفتوحاً، لكن أكتفي بذلك لأدع وقتاً للإجابة على الأسئلة ما يكون فيها إن شاء الله عوضاً على ما بقي من حديث، ولكن هذه كالتقدمة والديباجة أمام هذا الجيل السائر إلى الله الواحد الأحد، السائر إلى الجنة بإذنه تعالى، المتطلع إلى رضوانه تعالى، سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين. شكر الله لكم وأثابكم، وجمعنا بكم في دار الكرامة، يوم يتقبل الله منا -إن شاء الله- أحسن ما عملنا ويتجاوز عن سيئاتنا في أصحاب الجنة وعد الصدق الذي كانوا يوعدون. هينون لينون أيسار بنو يسر صيد بهاليل حفاظون للجار من تلق منهم تقل لاقيت سيدهم مثل النجوم التي يسري بها الساري والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
следующие страницы →