← Джавами‘

Джавами‘ · id 7708

دروس الشيخ عائض القرني

عائض القرني

Полный текст (10 391 стр.). Показаны 4971–5010 · переход к 4976.

стр. 4971

بشرى بانتصار الجهاد الأفغاني الحمد لله الذي كان بعباده خبيراً بصيراً، وتبارك الذي جعل في السماء بروجاً وجعل فيها سراجاً وقمراً منيراً، وهو الذي جعل الليل والنهار خلفة لمن أراد أن يذَّكر أو أراد شكوراً، وتبارك الذي نزل الفرقان على عبده ليكون للعالمين نذيراً، الذي له ملك السماوات والأرض ولم يتخذ ولداً، ولم يكن له شريك في الملك وخلق كل شيء فقدره تقديراً، وأشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، بعثه الله هادياً ومبشراً ونذيراً، وداعياً إلى الله بإذنه وسراجاً منيراً، صلى الله وسلم على حامل لواء العز في بني لؤي، وصاحب الطود المنيف في بني عبد مناف بن قصي، صاحب الغرة والتحجيل، المذكور في التوراة والإنجيل، المعلم الجليل، والمؤيد بجبريل، صلى الله وسلم عليه كلما تضوع مسكٌ وفاح، وكلما غرد حمامٌ وناح، وكلما شدا بلبلٌ وصاح، وعلى آله وسلم تسليماً كثيراً. أمَّا بَعْد: سلام الله عليكم ورحمته وبركاته قبل أن أبدأ في الدرس هنا حدثٌ عالميٌ مهمٌ وخطيرٌ في حياة المسلمين، ولا بد للمسلم أن يعيش واقعه، وأن يعرف أخبار أمته، وأن يعيش الأحداث على الساحة، والحدث المهم في هذه الأيام هو انتصار المجاهدين الأفغان على عدوهم من أهل الكفر والطغيان، وهو انتصار ساحق، يوم قالوا: ﴿حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ * فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللَّهِ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ﴾ [آل عمران:١٧٣ - ١٧٤] موسى ﵇ رأى البحر أمامه والبحر مغرق، وفرعون خلفه فقال الناس: الهلاك الهلاك، فقال: حسبنا الله ونعم الوكيل؛ فنجاه الله. إبراهيم ﵇ رأى النار وهي تلتهب أمامه وهم يريدون دهدهته في النار، فأتاه ملك يقول: ما هي حاجتك؟ قال: حسبنا الله ونعم الوكيل، فانقلب بنعمة من الله وفضل لم يمسسه سوء. محمد ﵊ في بدر وأحد والأحزاب، وفي كل معركة تجتمع عليه الجاهلية وقوى الأرض فيها، فيقول: حسبي الله ونعم الوكيل ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَاناً وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ * فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللَّهِ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ﴾ [آل عمران:١٧٣ - ١٧٤]. قالوا للمجاهدين الأفغان: تعالوا إلى هيئة الأمم المتحدة، قالوا: آمنا بالله وحده وكفرنا بـ هيئة الأمم المتحدة، قالوا: تعالوا إلى مجلس الأمن، قالوا: آمنا بالله وحده وكفرنا بـ مجلس الأمن إلى جنيف، قالوا: آمنوا بالله وحده وكفرنا بـ جنيف، وخرجوا يهللون ويكبرون وقالوا: حسبنا الله ونعم الوكيل، واقترب فتح كابل ﴿فَإِذَا هِيَ شَاخِصَةٌ أَبْصَارُ الَّذِينَ كَفَرُوا يَا وَيْلَنَا قَدْ كُنَّا فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا بَلْ كُنَّا ظَالِمِينَ﴾ [الأنبياء:٩٧]. خرجوا بالكلاشنكوف وروسيا بالصواريخ، والطائرات، والدبابات، والسيارات، والمصفحات، والمدرعات، ولكن: يا غارة الله جدي السير مسرعة في سحق أعدائنا يا غارة الله أخذ المجاهدون المتوضئون الصائمون المصلون يَذْبَحونهم على الطريقة الإسلامية في فتية من بني الأفغان ما تركت كراتهم للعدى صوتاً ولا صيتا قومٌ إذا قابلوا كانوا ملائكة حسناً وإن قاتلوا كانوا عفاريتا هذه من أعظم الأحداث في الساحة، وأنتم تشاهدون وتسمعون، فانظر ماذا تفعل لا إله إلا الله محمد رسول الله مع لا إله والحياة مادة، وانظر ماذا تفعل كلمة: حسبنا الله ونعم الوكيل مع قوى الأرض وجاهليتها وكفرها. وأما الحديث الخطير المهم، فهو حديث أبي القاسم ﷺ بالله لفظك هذا سال من عسلٍ أم قد صببت على أفواهنا العسلا

стр. 4972

شرح حديث: (أريت النار فإذا أكثر أهلها النساء) يقول البخاري ﵀ رحمة واسعة في الحديث السابع والعشرين: باب كفران العشير وكفرٌ دون كفر، وفيه عن أبي سعيد الخدري، ثم قال: حدثنا عبد الله بن مسلمة عن مالك عن زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار عن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : ﴿أُريت النار فإذا أكثرُ أهلها النساء يكفرن، قيل: يا رسول الله! يكفرن بالله؟ قال: يكفرن العشير ويكفرن الإحسان، لو أحسنت إلى إحداهن الدهر ثم رأت منك شيئاً قالت: ما رأيت منك معروفاً قط﴾ هذا هو حديث ابن عباس عند البخاري. وفي الحديث ثمان مسائل: المسألة الأولى: الصدقة وفضلها؛ فإنه أتى في حديث أبي سعيد: ﴿تصدقن فإني رأيتكن أكثر أهل النار﴾. المسألة الثانية: كفران العشير، وكيف يكون، وما هو العشير؟ المسألة الثالثة: مخاطبة النساء، والتكلم والحديث معهن. المسألة الرابعة: الرسول ﷺ مع النساء. المسألة الخامسة: أسئلة النساء. المسألة السادسة: كفران الإحسان. المسألة السابعة: حضور المرأة مجالس الخير. والمسألة الثامنة: أجر المرأة المؤمنة.

стр. 4973

قصة الحديث أما حديث ابن عباس فقد ورد من حديث أبي سعيد وقصته عند أبي سعيد أن الرسول ﵊ خرج يصلي بالناس العيد، وقد كان يخرج ﷺ إلى الجبانة -إلى الصحراء- فيصلي بالناس هناك صلاة العيد، وكان إذا خرج الناس انتظر قليلاً حتى ترتفع الشمس ما يقارب قيد رمح، ثم لبس لباسه ﷺ ، لباس الجمال، والعظمة، والتواضع. البس لكل حالة لبوسها إما نعيمها وإما بؤسها فكان يمضي فينتظره الناس، فإذا أطل عليهم أطل بمقدمه المبارك الباهي الذي يملأ العين جلالة، والقلب مهابة، فيتكلم مع الناس بما آتاه الله، وحيٌ من السماء يفيض عليهم بالنور والخير والبركة، فلما انتهى من كلامه للناس إذا بالنساء في طرف المصلى، هن لم يصلين مع الرجال بل كُنَّ في جهة واحدة من المصلى، وهذا فيه درس على أن الاختلاط ليس بوارد، لا في الأماكن التعبدية، ولا في الفصول الدراسية أو الاجتماعات العامة؛ لأن المرأة لها مكانٌ والرجل له مكان. وفيه درسٌ أيضاً أن على المرأة المسلمة أن تحضر مجالس الخير، واجتماعات البر، وأن تستمع إلى الكلمة النافعة، وأن تستمع إلى الدروس الإسلامية والمحاضرات القيمة، فإن هذا من أعظم الأمور، لكن شريطة أن تغض بصرها، وتتقي ربها، وتحفظ زوجها في غيابه، وفي حديث أم عطية عند البخاري: ﴿أن الرسول ﷺ أمر الحيض والعواتق وذوات الخدور أن يخرجن يوم العيد﴾ فأما الحائض تعتزل المصلى، وتحضر دعاء المسلمين، وتستمع إلى الموعظة والخطبة، ففيه فائدة تدل على أن الحائض لا تدخل المسجد، ولا المصلى الذي يصلي فيه الناس، لكن بإمكانها أن تحضر في مكان محجوز من وراء حجاب فتسمع الكلمة الطيبة التي تصل إلى قلبها. ثم اعلموا أن الرسول ﷺ قال: ﴿لا تمنعوا إماء الله مساجد الله﴾ والحديث صحيح، إي للصلاة، وهذا الحديث من رواية ابن عمر، وعند مسلم: ﴿فقال له ابنه بلال: والله لنمنعهن يتخذنه دغلاً يقول: والله لنمنعهن؛ لأنهن يتخذن المسجد تحريشاً وفساداً -فقال ابن عمر: ﴿أكلمك عن الرسول ﵊، وتكلمني عن رأيك وتعارضه، والله لا أكلمك أبداً حتى الموت﴾ انظر إلى عظمة السنة في قلب ابن عمر يقول لابنه: والله لا أكلمك أبداً حتى الموت، كيف تعارض أمر الرسول ﵊؟ قالوا: فما كلمه أبداً، فلما حضرته سكرات الموت اقترب ابنه يبكي ويقول: سامحني، كلمني ولو كلمة واحدة، فمات ولم يكلمه، وهذا في اعتراضٍ بسيط، فكيف بمن يرضى بأفعال المحاربين للسنة والشريعة، والمحاربين لِقال الله وقال رسوله ﷺ !! ونعود للحديث ولكن جاء عند أبي داود: ﴿أن صلاة المرأة في دارها خيرٌ من صلاتها في مسجدها﴾ وتقول عائشة كما في صحيح البخاري من حديث عطاء: [[لو رأى الرسول ﷺ ما فعلت النساء بعده لمنعهن كما مُنعت نساء بني إسرائيل، قال عطاء: أمنعت نساء بني إسرائيل؟ قالت: نعم]] وعائشة تنظر في الحرم في وقتها، تنظر إلى الهيئة، وبعض الاختلاط، وبعض الأمور، فتقول: لو رأى ﷺ هذا المشهد لمنع النساء، فكيف لو رأت عائشة المنظر اليوم! وكيف لو رأت التبرج والاختلاط! وكيف لو رأت ضعف الإيمان وقلته، وقلة العلم بالسنة والشريعة! نسأل الله العافية والسلامة. فخرج ﷺ وتكلم للناس، فلما انتهى التفت إلى بلال بن رباح مؤذنه داعي السماء لأهل الأرض، الذي يقول فيه الشاعر وهو يتكلم عن المدينة: فاستفاقت على صباحٍ جديدٍ ملء آذانها أذان بلال بلال المتوضئ، الذي ما توضأ إلا صلى ركعتين، قصره كالربابة البيضاء في الجنة، لا نسب إلا التقوى، ولا سبب إلا لا إله إلا الله، ولا أسرة إلا لا حول ولا قوة إلا بالله وزاده في الآخرة، فأخذه ﷺ ليذهب به إلى النساء، فأتى إليهن متكئاً على بلال، وهذا فيه دلالة على يسره ﷺ وتواضعه. فلما دلف بطلعته البهية على النساء وكلهن متحجبات، فتكلم معهن وقال: ﴿تصدقن فإني رأيتكن أكثر أهل النار، ثم توقف فقامت امرأة داهية من الدواهي ذكية وقالت: ما بالنا نحن أكثر أهل النار؟﴾. أي: ما هو السبب والعلة؟ وهنا فائدة وهي: أن الطالب له أن يناقش، وعلى المرأة المسلمة إذا لم تفهم قضية فيجب عليها أن تبعث للعالم فتسأله وتستفتيه. تقول: ما بالنا أكثر أهل النار؟ وما هو السر؟ قال ﵊ وهذا في حديث أبي سعيد: ﴿لأنكن تكثرن اللعن وتكفرن العشير، ما رأيت من ناقصات عقلٍ ودين أذهب للب الرجل الحازم من إحداكن، لو أحسن إلى إحداكن الدهر ثم رأت منه شيئاً؛ قالت: ما رأيت منك خيراً قط﴾. فسكتن وأتين يتصدقن، فكن يلقين بما معهن من سخاب، وذهب، وحلي، وأخذ بلال يعرض ثوبه لأنها لبيت مال المسلمين، ويقول: [[فداكن أبي وأمي! فداكن أبي وأمي!]] فأخذ التبرعات. وهنا فائدة وهي: أن المرأة المسلمة لابد أن تشارك بكلمتها ومالها وحليها، وأنها لا يبقى لها إلا ما قدمت عند الله، وأن الحلي والكنز هو الأدب والزهد والعفاف يا عامراً لخراب الدار مجتهداً بالله هل لخراب الدار عمرانُ ويا حريصاً على الأموال يجمعها أقصر فإن سرور المال أحزانُ من يتق الله يحمد في عواقبه ويكفه شر من عزوا ومن هانوا فالزم يديك بحبل الله معتصماً فإنه الركن إن خانتك أركانُ وفي هذا الحديث قضايا سوف أتعرض لها. وهنا قوله ﷺ في حديث أبي سعيد الخدري ﴿ما رأيت ناقصات عقلٍ ودين﴾ وللمرأة المسلمة أن تتساءل: ما بالنا ننقص في عقولنا وفي ديننا؟ فنقول: قد فسر ذلك ﷺ : بأن المرأة تحيض فتمكث أياماً لا تصوم ولا تصلي، وأما عقلها فشهادة الاثنتين من النساء بشهادة رجلٍ واحد، وليس عليهن ذنوبٌ في نقص العقل، لكن ينتبه لهذا، وإلا فإن فيهن رشيدات، وشديدات، وعالمات، ومتقيات، لهن مكانة في الجنة، وموقف عند الله محمود ﴿فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ﴾ [آل عمران:١٩٥]. منا الفواطم ربات العلا ولنا كل الزيانب هم أهل وعمات والله لو أنصف التاريخ أمتنا لسجل المدح عذباً وهو سهران ثم الرسول ﵊ عاش مع المرأة أباً، فقد كان له بنات، وعاش مع المرأة أخاً فله أخوات، وعاش مع المرأة زوجاً فله زوجات، ثم عاش قريباً فله عمات وخالات. وسوف نعرف في هذا الدرس كيف كان تعامل النبي ﷺ مع الجميع، لأنه هو القدوة، وما أتاك من سواه ومن غير بضاعته فاعلم أن فيها غشاً إذا لم توافق سنته وشريعته ﵊، قال تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيراً﴾ [الأحزاب:٢١].

стр. 4974

فضل الصدقة أما القضية الأولى: فقوله ﷺ في الحديث الآخر: (تصدقن) فيا معاشر المسلمات! الخطاب لكن أولاً، ثم أنتم يا رجال الإسلام! ويا أبناء لا إله إلا الله! ويا أحفاد محمد ﷺ ! تصدقوا. ما هي الصدقة؟ الصدقة لا حد لأدناها أو لأعلاها، أما أدناها فالبسمة، والكلمة الطيبة، وإماطة الأذى عن الطريق صدقة، وأما أعلاها فاسمع إلى الله وهو يقول: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة:٢٦١]. وصح عنه ﷺ أنه قال: ﴿والصدقة تطفئ الخطيئة﴾ وصح عنه ﷺ أنه قال: ﴿إذا تصدق المرء المسلم من كسبٍ طيبٍ ولا يقبل الله إلا طيباً، فإن الله يتقبله بيمينه ثم يربيه لأحدكم كما يربي أحدكم فلوه حتى يكون كـ جبل أحد﴾. وصح عنه ﷺ أنه قال: ﴿كل منكم في ظل صدقته يوم القيامة حتى يُقضى بين الناس﴾ إلى غير ذلك من الأحاديث، ومنها ما في الصحيحين كقوله ﷺ : ﴿ما أصبح الصباح إلا وملكان يناديان يقول أحدهما: اللهم أعط منفقاً خلفاً، ويقول الآخر: اللهم أعط ممسكاً تلفاً﴾. وهي أنواع: أعظمها وأجلها الصدقة بالعلم، كما قال ابن القيم، ثم الصدقة بالنفس، بأن تسكب دمك في سبيل الله، وتبيع روحك من الله. يجود بالنفس إن ضن البخيل بها والجود بالنفس أقصى غاية الجودِ ومن الجود: الجود والصدقة بالوقت، تجد بعض المحسنين الصالحين صرف وقته للمسلمين، ليله ونهاره، لا راحة ولا نوم، كله للمسلمين حتى يقول ابن القيم مستشهداً: بعض العرب من كرمه يكرم ضيفه، فإذا تعشى الضيف قال له: أتريد أن تسمر سمرنا معك، أو تريد أن تنام نمنا، فإن قال الضيف: نسمر سمر معه وبذل وقته له، ثم قال: متيمٌ بالندى لو قال صاحبه هب لي فُديت كَرَى عينيك لم ينمِ يقول: لو طلب نومه من عينيه ما نام من كرمه أبداً، ويقول الأول: أحادث ضيفي وهو يقظان ساهر وعلمي به أن سوف يهجع بعدها يقول: أحادثه وهو سهران وأنا متعب، لكنني لا أريد أن أنام حتى ينام هو، وهذه صفة أهل الشيم والمروءة: الجود بالأوقات. ومنها: الجود بالأموال، فلا ترى حاجة إلا تفعل ذلك فيه، وإنما خص ﵊ المرأة بالملاحظة عليها في كثرة الصدقة؛ لأن من النساء بذيئات، يكثرن اللعن والسب والشتم، وهي خطايا ولا يطفئ الخطايا إلا الصدقات، فنبه ﵊ المرأة على أن تتصدق من جلبابها أو ثيابها، أو ذهبها، أو مالها، أو معروفها، وسوف تلقى ذلك كله عند الله ﵎. دخلت امرأة معها ابنتان -والحديث في صحيح مسلم - على عائشة ﵂ وأرضاها فسألتها حاجة، فبحثت عائشة فلم تجد في البيت شيئاً غير ثلاث تمرات، -في بيت النبي ﷺ وهو معلم البشر، وهادي الإنسانية، وماذا تفعل ثلاث تمرات مع امرأة وابنتين؟ لكن: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَهُ﴾ [الزلزلة:٧ - ٨] فقامت فسلمتها التمرات، فأعطت كل واحدة من ابنتيها تمرة، وأرادت أن تأكل الثالثة ثم قسمتها بين ابنتيها، فتعجبت عائشة من رحمتها! ثم خرجت المرأة، فأتى ﷺ فأخبرته عائشة بالقصة، فقال ﵊: ﴿من ابتلي بابنتين من هذه البنات فأحسن تربيتهن وأدبهن وزوجهن فهو رفيقي في الجنة﴾ رفيق محمد ﵊ في الجنة، فمن شاء أن يفعل فليفعل، ومن شاء طريق الجنة فعليه أن يربي بناته في الإسلام تربية إسلامية، هذا شأن الصدقة الذي نص عليها الرسول ﷺ .

стр. 4975

حكم صرف الزكاة إلى الزوج ولما أمر ﷺ بالصدقة في المصلى -والحديث في الصحيحين - كان من ضمن الجلوس زينب امرأة عبد الله بن مسعود الهذلي ﵁ وأرضاه، فقامت فدخلت بيتها بعد سماع الموعظة، فأخذت حليها وذهبها وفضتها وخرجت من البيت فلقيها ابن مسعود وقال: إلى أين؟ قالت: أتصدق به، قال: أنا وولدك أحق من تصدقت عليه، فقالت: لا. حتى أسأل الرسول ﷺ . تقول أنا لن أصرف مالي فيك، وفي أولادك، يمكن أنك أردت إغرائي بهذا حتى تأخذ مالي، فلابد من فتوى، فقال: اذهبي أنت واسأليه، فذهبت ﵂ وأرضاها، والرسول ﷺ في البيت جالس وعند الباب حارسٌ هو بلال، فأتت متحجبة وقالت لـ بلال: أريد الرسول ﵊، قال: من أنت؟ قالت: أنا زينب امرأة ابن مسعود وفيه دليلٌ على أنه لا بأس بمعرفة الأسماء في الإسلام، إذا كانت المرأة عاقلة، ومحتشمة، ورشيدة؛ فذهب بلال فقال: يا رسول الله! زينب تستأذن عليك -وفي المدينة ما يقارب سبع أو ثمان زيانب- قال ﷺ وهو يتبسم: أي الزيانب؟ -فسر لنا من هي زينب هذه-: تضوع مسكاً بطن نعمان إن مشت به زينبٌ في نسوة عطرات تهادين ما بين المحصب من منى وأقبلن لا شعثاً ولا غبراتِ قال: زينب امرأة ابن مسعود، قال: ماذا تريد؟ أدخلها. وفي لفظٍ أنها سألت مباشرة، وفي لفظٍ عند مسلم أن بلالاً قام بنقل الفتيا من الرسول ﷺ إليها ومنها إلى الرسول، فدخلت فقالت: يا رسول الله! زعم ابن مسعود﴾ وزعم هنا لمن لم يُتأكد من لفظه، وزعم للصدق، قال سيبويه: وزعم الخليل، يعني: وقال الخليل، يعني بصدق، ولكن استخدمت في القرآن بمعنى القول المموه الذي لا حقيقة له، قال : ﴿زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِمَا عَمِلْتُمْ وَذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ [التغابن:٧]. وقال جرير للفرزدق يستهزئ به: زعم الفرزدق أن سيقتل مربعاً ومربع هذا رجلٌ آخر. والفرزدق كان عدواً لـ جرير: زعم الفرزدق أن سيقتل مربعاً أبشر بطولِ سلامة يا مربع يقول له: أنا أعرف الرجل فلا تخف منه، فإنه لن يذبحك أبداً، زعم الفرزدق أي: من قول مموه كذباً ودجلاً. فتقول: ﴿يا رسول الله! زعم ابن مسعود أنه هو وأولاده أحق من تصدقت بمالي عليهم، قال: صدق ابن مسعود﴾ فعادت فسلمت حليها ومالها لزوجها الفقير، وفيه دليل على أن المرأة تدفع زكاتها لزوجها، وهو ما أفتى به أهل العلم حتى الزكاة المفروضة يجوز دفعها للزوج إذا كان فقيراً، وفيه دليلٌ على أنها تتصدق على زوجها قبل الآخرين، وتدفع مالها لزوجها فهو أحق الناس ببرها ومالها، وكرمها وجودها، هذه هي فتواه ﷺ في مسألة الصدقة ومصارفها.

стр. 4976

معنى: كفران العشير وكيف يكون المسألة الثانية: كفران العشير. ما هو الكفران؟ الكفران: مصدر كفر، وكفر: غطى، يقال: كفرت البذرة في الأرض إذا غطيتها، وكفر المعروف إذا غطاه، وإنما سمي الكافر كافراً لأنه جحد معروف الله وآياته، قال : ﴿يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ﴾ [الفتح:٢٩]. قال بعض المفسرين: الكفار: الزراع؛ لأنهم يكفرون البذرة في الأرض، وقال غيرهم: بل الكفار هنا هم الكفار المعروفون الذين كفروا بالله ورسوله واليوم الآخر. قوله: العشير هو الزوج، وإنما سمي عشيراً من المعاشرة وهي المصاحبة، قال : ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [النساء:١٩]. فكفران العشير من أسباب دخول المرأة في النار، فهي تجحد المعروف، وتنسى الكرم، لو يبدأ معها حياته في شغف ويبذل كل ما يملك ثم تسمع كلمة نابية منه فإنها تنسى المعروف كله، وتنزل عليه بكلام مثل القذائف، وتكفر بمعروفه وجوده وكرمه، فهذا هو معنى كفران العشير. فيقول ﷺ : ﴿تكفرن العشير﴾ والرسول ﷺ يعلم ما يتكلم به لسانه، فقد عاش في البيت زوجاً، ولو لم يتزوج لقال الناس: إنه ﵊ ما عاشر المرأة، ولا صاحبها ولا عرف أخلاقها، لكن من نعمة الله أن أرسله بشراً، ولم يرسله ملكاً، فلو كان رسولنا ملكاً وقلنا للناس: انظروا إلى صبر الرسول وكرمه وزهده، لقالوا: إنه ملك، لكن جعله بشراً ليكون لنا قدوة، ولذلك عاش مع المرأة ﷺ ، والله يقول: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلاً مِنْ قَبْلِكَ وَجَعَلْنَا لَهُمْ أَزْوَاجاً وَذُرِّيَّةً﴾ [الرعد:٣٨]. وذلك ليعيشوا الحياة آلامها وآمالاها، وطموحاتها ومشاقها، والإنسان المعزول في رأس جبل كيف يصلح أمة، وهو لا يعرف ذنوب الناس وحسدهم وأمراضهم؟! الطبيب الذي يبدأ في غرفة مغلقة مع عقاقيره، ومعمله، وصيدليته، كيف سيداوي المرضى؟ ولذلك الرسل عليهم الصلاة والسلام تزوجوا، حتى إن الإمام أحمد جلس في مجلسٍ مصغر ومعه تلاميذه وحثهم على الزواج، فقال أحدهم: أما أنا فلا أتزوج، قال: ولم؟ قال: ترك الزواج أفضل، قال: من قال لك ذلك؟ قال: حُدثنا عن إبراهيم بن أدهم أنه لم يتزوج، وإبراهيم هذا أحد الزهاد العباد، فقال الإمام أحمد: أوه! وقعنا في بنيات الطريق، يقول الله : ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلاً مِنْ قَبْلِكَ وَجَعَلْنَا لَهُمْ أَزْوَاجاً وَذُرِّيَّةً﴾ [الرعد:٣٨] فهل إبراهيم بن أدهم قدوتنا أو محمد ﷺ ؟ فلذلك استدل الإمام أحمد بسيرته ﵊.

стр. 4977

كيفية تعامل النبي ﷺ مع مشاكل زوجاته حتى النبي ﷺ عايش مشاكل نسائه، تصوروا أن الرسول ﵊ معه تسع نساء، وفي الصحيح: ﴿أن إحدى نسائه أرسلت صحفة فيها طعام إلى الرسول ﵊ وهو في بيت عائشة، وعائشة جارة لتلك وضرة لها، ومن إدخال الغيرة عليها أن ترى صحفة لامرأة أخرى من ضرائرها مملوءة طعاماً تقدم في بيتها للرسول ﵊، والرسول ﷺ جالس فدخل الخادم بالصحفة مليئة بالطعام، فرأت عائشة الصحفة فما تمالكت نفسها، فقامت فضربت الخادم بالصحفة والطعام، فانكسرت الصحفة ووقع الطعام في الأرض، فغضب ﷺ ، فلما غضب سكت، وكان إذا غضب سكت، ونكس رأسه في الأرض، فلما رأت ذلك عائشة عاد إليها شعورها وعقلها ووعيها فقالت: يا رسول الله! ما هي كفارة ذلك؟ قال: صحفة كصحفتها، وطعامٌ كطعامها﴾ والحديث صحيح، أي: ردي إليها مثلما أتلفتيها، وهذا من الغيرة التي لا تخلو منها امرأة، لكن الواجب ألا تتعدى المرأة، فإذا وصلت إلى الغيرة أن تتقي الله ولا تتعدى في الأشياء، ولا تبخس الناس أشياءهم، ولا تظلم الآخرين، فانظر كيف عاش ﵊ هذا الأمر. أتى ﷺ إلى المدينة وهو لا يملك كسرة الخبز، ولا يملك حفنة التمر، ولا يملك إلا كوزاً من ماء، فأخذ نساؤه يطالبن بالنفقة والحلي، أن يشتري لهن ذهباً وفضة وحلياً، فسكت وتأخر عن صلاة العشاء، وسبب تأخره عن صلاة العشاء وهو في الحديث الصحيح عند البخاري: ﴿أن حفصة وعائشة كانتا ترفعان أصواتهما عليه ﷺ يطالبان بالنفقة، فانتظر ومر أبو بكر فسمع الصوت، ففتح الباب على الرسول ﵊، وقال: يا رسول الله! اخرج إلى الصلاة واحث في وجوههن التراب﴾ لكنه أعظم الخلق خلقاً، يقول الله عنه: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم:٤] ويقول: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾ [آل عمران:١٥٩].

стр. 4978

مواقف السلف في التعامل مع أهليهم والصحابة مع أنهم عاشوا معه لم يساووه في الحلم، وسعة الصدر والخلق، ولكن ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن:١٦]. الزبير بن العوام أحد العشرة المبشرين بالجنة، أتت امرأة تستفتي عمر، وتقول: [[يا أمير المؤمنين! خطبني الزبير، فهل أتزوجه؟ قال: لا -وهو من العشرة- قالت: ولم؟ قال الزبير: من أخشانا لله وأتقانا لكن يدٌ بالعصا ويدٌ بالقرط]] أي اليد اليمنى العصا أو الهراوة أو بالمشعاب وفي لفظ: بالكرباج، واليسرى بجدائل المرأة، أي: أنه ضراب، فـ عمر أرشدها لأنه لا يستطاع أن يعايش ﵁، ولذلك تزوج كثيراً، فأنى نبلغ مستواه ﷺ ! لكن التسديد والمقاربة. وكفران العشير ورد في صور: أتى رجلٌ -كما في المسند للإمام أحمد - إلى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله! أشكو إليك ذربة من الذرب وهن شر غالب لمن غلب قصيدة طويلة، يقول: أشكو إليك مصيبة من المصائب، قال: ما هي؟ قال: زوجتي! أرته النجوم في النهار، وبعض الناس يفتح الله عليه بزوجة صالحة خاشعة منيبة عابدة تريه النجوم في النهار، فأتى هذا الرجل فقال: ﴿يا رسول الله! أشكو إليك زوجتي -أطلقني أطلقك الله، وأعتقني أعتقك الله- قال ﵊ وهو يتبسم: وهن شرُ غالبٍ لمن غلب، وهن شرُ غالبٍ لمن غلب﴾ يقول: مهما كان الرجل قوياً صارماً فإن المرأة تغلبه في كثير من الأمور. دخل أبو أيوب الأنصاري على ابن عمر فوجد الستور -وجد الجدران مسترة بالقماش- فقال أبو أيوب: [[حتى أنت تستر الجدران وقد نهى الرسول ﷺ عن ذلك! قال: غلبنا عليهن النساء]] أي: غلبنا النساء على هذا الأمر ففعلنا، فرجع أبو أيوب ولم يحضر الوليمة ﵃ جميعاً. فالرسول ﵊ عاش مصلحاً بين الناس، ويعرف أن المرأة لا تزال تكفر الإحسان حتى ولو كانت عابدة تصلي الضحى، وتصوم ثلاثة أيام من كل شهر، وتقوم الليل، فلا يزال في طبيعتها أنها تكفر الإحسان. جاء رجل من الصحابة إلى عمر ﵁ فطرق عليه الباب، وأراد أن يشكو إلى عمر زوجته أنها آذته -وعمر أمير المؤمنين- فسمع صوت عمر يرتفع على صوت زوجته وصوتها يرتفع على صوته، فولى الرجل، ففتح عمر الباب فإذا بالرجل قد ولى، فناداه وسأله: أين تذهب؟ قال: يا أمير المؤمنين! أتيت في أمرٍ فسمعت صوت زوجتك وصوتك فذهبت، قال: ولم؟ قال: امرأتي آذتني وسبتني وشتمتني، فأتيت أشكوها إليك، فلما سمعت امرأتك تسبك وتشتمك ذهبت، فتبسم عمر ﵁ وأرضاه، وقال: [[إنما العيش بالمعروف، إنها امرأتي تصنع لي خبزي وتغسل ثوبي وتخدمني، فإذا لم نتلطف بهن ما عشنا معهن]] أو كما قال ﵁ وأرضاه. ولذلك لا بد في البيوت أن يحصل هذا الأمر لكنه على مستويات، وهذا الأمر من المصائب التي يسأل الله العبدُ أن يكفر بها من الخطايا والذنوب، ففي صحيح البخاري وعند مسلم بلفظ آخر عن حذيفة قال: ﴿كنا جلوساً مع عمر ﵁ وأرضاه، قال: أيكم سمع ما قال ﷺ في الفتنة؟ قال حذيفة: أنا، قال: إنك عليها لجريء قل، قال: فتنة الرجل في أهله تكفرها الصلاة والصوم والصدقة. قال: دعني من هذه لست أسألك عن هذه -لأن يعرف عمر هذه- أسألك عن التي تموج موج البحر -أي: فتنة الدم والسيف- قال: إن بينك وبينها باباً، قال: أيفتح أم يكسر؟ قال: بل يكسر، قال عمر: ذلك أولى ألا يغلق أبداً﴾ وعمر هو الباب ولذلك قتل وبدأ السيف والدم في الأمة إلى قيام الساعة، فكان عمر سداً دون الفتن ﵁ وأرضاه. ولا يخلو بيت من المشاكل الزوجية، وقد جاء في صحيح البخاري أن الرسول ﵊ أتى إلى ابنته فاطمة فقال: ﴿أين ابن عمك؟ -يقصد علي بن أبي طالب - قالت: غاضبته فخرج إلى المسجد﴾ أي: تغضابت هي وعلي فاطمة بنت رسول الله ﷺ ، البتول الطاهرة المطهرة، أم الحسن والحسين هي بنت من هي أم من هي زوج من من ذا يباري في الأنام علاها أما أبوها فهو أشرف مرسل جبريل بالتوحيد قد رباها وعلي زوجٌ لا تسل عنه سوى سيفاً غدا بيمينه تياها ﴿فخرج، فلحقه ﷺ فوجده نائماً على البطحاء -أمير المؤمنين! أبو الحسن الأسد في براثنه، الذي قطع الله به رءوس الملاحدة وأهل البدعة، والزنادقة، والخوارج - فأخذ يضربه ﷺ برجله، ويقول: قم أبا تراب! قم أبا تراب! قم أبا تراب!﴾. فأخذ بنو أمية هذه الكنية ليسبوا علياً بها، يقولون: أبو تراب أبو تراب! يقول سعد بن أبي وقاص: والله إنها أحب الكنى إلى علي، أي: لا يرتاح علي بن أبي طالب ﵁ إلا إذا قيل له: أبو تراب، وأعداؤه يقولون أبو تراب تصغيراً لشأنه ﵁، فسمع علي ﵁ وأرضاه قولهم أبو تراب فتبسم وقال: [[هي أحب الكنى إلي]]. وعيرني الواشون أني أحبها وتلك شكاة ظاهرٌ عنك عارها يقول: لا علي من هذا العار. والبيت لـ أبي ذؤيب الهذلي في قصيدته الرنانة الطويلة التي يقول فيها: فلا تجزعن من سيرة أنت سرتها فأول راضٍ سيرة من يسيرها وعيرني الواشون أني أحبها وتلك شكاة ظاهرٌ عنك عارها واستدل بهذا البيت كذلك عبد الله بن الزبير، فإن بني أميه لا يعرفون معنى لقب ذات النطاقين، فكانوا يعيرون ابن الزبير به، يقولون: يـ ابن ذات النطاقين، وذات النطاقين هي أسماء بنت أبي بكر أخذت نطاقها ﵂ وأرضاها فقسمته قسمين: قسمٌ تمنطقت به، وقسمٌ ربطت به الطعام للرسول ﵊ ولـ أبي بكر في الغار، فقال ﷺ : ﴿ذات النطاقين في الجنة﴾. والوصية للمرأة أن تتقي الله في زوجها، فقد صح من حديث أبي أمامة عنه ﷺ أنه قال: ﴿إذا صلت المرأة خمسها، وصامت شهرها، وأطاعت زوجها؛ دخلت جنة ربها﴾ أو كما قال ﵊ ولا تجحد المعروف، فإن ألأم الناس وأشأمهم من جحد المعروف، ولذلك يسميه العرب لئيماً إذا أنت أكرمت الكريم ملكته وإن أنت أكرمت اللئيم تمردا فأبغض الناس إلى قلوب الناس هو الذي يجحد معروفهم، وينسى إحسانهم، ويتغافل عما قدموه من مكرمات، فكيف بالزوج الذي قدم لزوجته من المكرمات ما الله به عليم!

стр. 4979

مخاطبة النساء وضوابط في الحديث معهن المسألة الثالثة: مخاطبة النساء وفيه أنه ﷺ خاطب النساء، وكان يتكلم إليهن في مجالس خاصة وعامة، وقد أتت أسماء بنت يزيد فقالت: ﴿يا رسول الله! -وهي متحجبة- غلبنا عليك الرجال، يحجون معك، ويعتمرون معك، ويجاهدون معك، فاجعل لنا يوماً من نفسك. فالتفت ﵊ وقال للصحابة: هل سمعتم بأجمل منها خطاباً﴾ فوعدهن ﷺ يوم الإثنين، قال البخاري: باب من جعل للنساء يوماً من نفسه فهل يجوز هذا؟ وهل من حدد يوماً في الأسبوع هو مبتدع أم لا؟ فبعض الناس قد يقول: لماذا تحددون في مساء الثلاثاء في هذا المسجد درساً ويمكن أن يكون بدعة؟ نقول: يقول البخاري: باب من جعل للنساء يوماً من نفسه، فلا بأس بجعل بعض الأيام موعداً لطلبة العلم والاجتماع بهم أو لغيرهم؛ لتكون مواعيد المسلمين منظمة، ومضبوطة مسيرة، وهذا ليس من البدعة، بل من السنة والحمد لله. فأتى ﷺ إليهن وليس معه ولا معهن غيره من الرجال، فأخذ يتكلم معهن بطلاقة في شئونهن، قال ﷺ : ﴿ما منكن امرأة تقدم ثلاثة أولاد إلا كانوا حجاباً لها من النار، قالت امرأة: واثنين، قال: واثنين فقالت المرأة: فنسيت أن أسأله عن الواحد: وفي بعض الألفاظ: وواحد﴾ من قدمت واحداً فهو حجاب لها من النار، ﴿وكان ﷺ في مجلس مع النساء فأخذن يتمازحن وهو جالسٌ ساكت، فترافعت أصواتهن بالمزح والضحك وهو ساكت، فدخل عمر فلما سمعن جلبة عمر اندفعن إلى الحجاب وفررن من مجلسه ﷺ ، فدخل عمر ثم أشرف وهن متحجبات وراء الحجاب، فقال: يا عدوات أنفسكن! الرسول ﷺ معكن وهو أولى أن تهبنه وفررتن مني. فقامت امرأة عاقلة -انظر إلى الجواب المسدد- وقالت: الرسول ﷺ رحيم رؤوف سهل لين وأنت فظٌ غليظ القلب﴾ ﴿وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾ [آل عمران:١٥٩]. فلما قالت: الرسول رحيم رؤوف سهلٌ لين وأنت فظٌ غليظ القلب، تبسم ﵇ ونظر إلى عمر وقال: ﴿مهلاً يـ ابن الخطاب! والله ما رآك الشيطان سالكاً فجاً إلا سلك فجاً غير فجك﴾ أي: ما تسلك من طريقاً إلا ويسلك الشيطان من الطريق الآخر؛ لأنه صادق مخلص، وهو قوي الشخصية إلى درجة من الهيبة ما يستطاع أن يُتكلم معه، ملوك العرب إذا أتوا إلى عمر وأراد الواحد منهم أن يتكلم خلط بين الكلام، ولا يستطيع أن يتكلم. عيينة بن حصن قال للحر بن قيس: [[استأذن لي إلى هذا الأمير يعني: إلى عمر، وعيينة عنده كلام يريد أن يتكلم به مع عمر، استأذن لي عليه، فأذن له وعيينة من سادات العرب، فدخل عيينة وقال: أما عرفتني يا عمر! قال: من أنت؟ قال: أنا الكريم ابن الكريم ابن الكريم؛ لأنه عيينة بن حصن بن حمل بن بدر، وبنو بدر أسرة من الأربع الأسر الكبرى في العرب، التي يقول فيها حاتم الطائي: إن كنت كارهة معيشتنا هاتي فحلي في بني بدرِ الضاربون بكل معتركٍ والطاعنون وخيلهم تجري قال: أنا الكريم ابن الكريم ابن الكريم، قال عمر: بل أنت الخسيس ابن الخسيس ابن الخسيس، الكريم ابن الكريم ابن الكريم هو: يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم]] هذا نسبٌ مؤمن وذلك نسب مظلم، وهذا نسبٌ يتصل إلى الجنة، وذلك نسب وثني، فقال عيينة: مهلاً يا عمر! إنك لا تعدل في القضية، ولا تقسم بالسوية. فقام عمر يريد الدرة ليداوي بها رأسه، هذا علاج يجيده عمر يخرج به الوساوس من الرءوس، فعنده درة لا يضرب بها أحداً إلا ويخرج الوسواس من رأسه، يضربه حتى يغمى عليه ثم يرش بالماء ثم يقول: أصبحنا وأصبح الملك لله، فقام عمر فوقف الحر بن قيس وهو من حفظه القرآن فقال: يا أمير المؤمنين! يقول الله : ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾ [الأعراف:١٩٩] وهذا من الجاهلين، وكان عمر وقافاً عند القرآن فجلس، وقال: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم. فـ عمر وأمثاله قصم الله بهم الشياطين الإنسية والجنية، فلا تستطيع النساء أن يتكلمن مع عمر، بل قد صح في روايات عند كثير من أهل المصنفات: [[أن عمر أرسل إلى امرأة وهي حامل في قضية، يريد أن يتثبت منها، فخافت فألقت حملها، وهذه يصححها أهل العلم، فأتي بالمرأة، فقال عمر ﵁ وأرضاه للصحابة: ماذا ترون في جنينها، هل عليَّ من ديته أم لا؟ فقالوا كلهم: ما نرى عليك شيئاً، أنت أمير المؤمنين وقد أرسلت لها، ولست مضنة التخويف فألقت حملها وكان عمر يقول: معضلة ولا أبو الحسن لها، وكان إذا أنقذه بعد إنقاذ الله قام وقبل رأسه وقال: فديتك يا أبا الحسن! فتكلم الناس فقال: وأنت يا أبا الحسن! ماذا عندك؟ قال: تكلم الناس وقد سمعت منهم، قال: أريدك أنت، ماذا تقول؟ قال: يا أمير المؤمنين! لا تجعل يقينك شكاً. وهذا الحديث في المصنف لـ ابن أبي شيبة - قال: فسِّر. قال: يا أمير المؤمنين! أنت الذي خوفتها حتى أسقطت جنينها فعليك ديته -من تسبب في إسقاط جنينها إلا أنت- فوداه عمر ﵁ وأرضاه]]. الشاهد: أن كثيراً من الناس يبلغون من قوة الشخصية حتى لا يستطاع المعايشة معهم، أو القرب والاستفادة منهم، لكن الله هو الذي خلقه، وله مصالح في العباد ﵎، فمقصودي هنا هو: مخاطبة النساء.

стр. 4980

كيفية مبايعة النبي ﷺ للنساء كان ﷺ يتكلم مباشرة مع النساء، وفي البيعة لما قام يبايع النساء نصب حجاباً بينه وبينهن، فطلب البيعة من النساء كما قال : ﴿لا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئاً وَلا يَسْرِقْنَ وَلا يَزْنِينَ﴾ [الممتحنة:١٢]. فظنت هند بنت عتبة امرأة أبي سفيان أنه ﷺ يريد مبايعة باليد كالرجال، فأخرجت يدها من وراء الستار، ويدها غير مخضوبة ليس فيها حناء وغير مقلمة الأظافر، وهذا منظرٌ لا يرضاه الإسلام، وقد حسَّن ابن الأثير في جامع الأصول حديثاً وهو في السنن، وهو قوله ﷺ : ﴿إني أكره المرأة أن تكون سلتاء مرهاء﴾ والسلتاء هي: التي لا تختضب، والمرهاء: هي التي لا تكتحل، فهذه قد أصبحت رجلاً، والرجل لا يريد المرأة أن تكون مثله، بل جاء عند النسائي ﴿أن الرسول ﷺ لعن الرَّجلَة من النساء﴾ وصح عنه ﷺ أنه قال: ﴿لعن الله المتشبهين من الرجال بالنساء، والمتشبهات من النساء بالرجال﴾. الرجل رجل والمرأة امرأة، ولذلك هنا لابد من وقفة وهي: أنه قد تجد بعض الناس يترك رجولته بعد أن يترك دينه، فهو لا يترك الرجولة إلا بعد ترك الدين، فيأتي يقلد المرأة في كل شيء، فيلبس ثوباً شفافاً رهيفاً، طويلاً مائعاً مائساً، ويحمل كعباً، ويطيل جمته ويحلق لحيته، ويطيل أظفاره، ويلبس من دبل الذهب، ويركب باروكة على رأسه، فهذا يشمله اللعن. وتجد امرأة بالعكس، تأتي فتتشبه بالرجال، صوتها خشن، ولا تختضب، وتبارز الرجال في المنتديات، وتظهر نفسها في أماكن لا يرضاها الله ، وتريد أن تظهر للجماهير على الشاشات والمسارح والمنتديات، فهذه ملعونة لأنها ظهرت، والله لم يرض ظهورها. وللفائدة: لعن ﷺ أصنافاً وقد جمعها السيوطي في فصل: الذين لعنهم الرسول ﷺ . فقد لعن النامصات والمتنمصات، والواشمات والمستوشمات، والواصلات والمستوصلات، والواشرات والمغيرات خلق الله وغيرهن. والنامصة هي التي تنتف شعر حاجبها، فالتي تنتفه ملعونة إلا إذا زاد عن الحاجة أو وصل إلى الجبهة، أو دخل إلى العين، فهذا أمرٌ آخر، والمتنمصة هي التي تطلب ذلك. والوشم: كالحبر والمداد بأنواعه، فتجعله في خد المرأة أو في يدها كالحبر ثم تغرزه، ثم تركبه فيبقى في الجسم كالخط مكتوباً، والمستوشمة: التي تطلب ذلك. والواصلة هي التي تصل شعرها بشعر آخر، فلا يجوز أن تصل المرأة شعرها بل لا بد أن يكون شعرها أصلي ولا تزيد فيه، والمستوصلة هي التي تطلب ذلك. والواشرة هي التي تحد أسنانها، أو تفرق بين أسنانها بشيء بين ثناياها، فهذه ملعونة هذا للفائدة. فأخرجت هند يدها لتبايع الرسول ﵊، فالتفت فرأى اليد، لأن العرب في الجاهلية لم يكونوا أهل رفاهية، بل كانوا أهل تعبٍ وكد وشغل، فقال ﵊: ﴿ما هذه اليد التي كأنها يد سبع؟! -أي: كأنها يد الذئب أو الأسد- إني أكره المرأة أن تكون سلتاء مرهاء﴾ أو كما قال ﵊، فأعادت هند يدها، فقال لها ﷺ : ﴿بايعي. قالت: ماذا أقول؟ قال: ألا تشركي بالله شيئاً، قالت: لا أشرك بالله شيئاً، أشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله، قال: ولا تزني، قالت: وهل تزني الحرة؟!﴾ -انظر إليها وهي جاهلية لم تعرف القرآن والسنة، وتقول: وهل تزني الحرة؟! لذلك كان من العار عند العرب أن تزني الحرائر، مع أنه لم يكن عندهم شريعة حورٌ حرائر ما هممن بريبة كظياء مكة صيدهن حرام يحسبن من لين الكلام روانياً ويصدهن عن الخنا الإسلامُ قال: ﴿ولا تزنين، قالت: وهل تزني الحرة؟! قال: ولا تقتلين ولدك، قالت: ربيتهم صغاراً وقتلتهم أنت في بدر كباراً. فضحك عمر حتى استلقى﴾ وهذا صحيح، فالرسول ﷺ تقرب بدمائهم إلى الله ؛ لأنهم كفرة مشركون منافقون، ملاحدة زنادقة، عارضوا لا إله إلا الله فذبحهم ﷺ . إذاً: يجوز للعالم وطالب العلم للحاجة بلا ريبة أن يخاطب المرأة، ولكن هناك أمر وجد الآن كالاتصال بالهاتف، وما في حكمه، وطرق الأبواب، فللمسلم أن يسأل سؤالاً ولها أن ترد رداً ولا تزيد على الرد، له أن يقول: السلام عليكم، ولها أن تقول: عليكم السلام في الهاتف، ولكن يقول : ﴿فَلا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ﴾ [الأحزاب:٣٢].

стр. 4981

آداب الخطاب مع المرأة ما معنى يخضعن بالقول؟ أي تطيل الجواب. مثلاً: يسألها: أين زوجك؟ فتقول: خرج بعد صلاة الظهر، وسوف يصلي في المسجد، ويأتي إن شاء الله بعد الصلاة، لماذا تريده؟ هل تريد أن أكلمه في شيء؟ وتلقي محاضرة، والذي في قلبه فساد سوف يطمع، وهذا لا يجوز؛ بل تجيب جواباً سديداً معروفاً ليس فيه اعوجاج. كذلك لا ترخي صوتها، وتتغنج فيه، فيطمع لأن قلبه مريض، وفيه شهوة وزيغ والعياذ بالله، وكذلك لا تذهب المرأة فتغلظ صوتها للمسلمين، فيحملها قوله تعالى: ﴿فَلا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ﴾ [الأحزاب:٣٢] أن تشدد صوتها فتنبزه نبزاً. فإذا قال لها: أين زوجك؟ قالت: لا حياك الله ولا بياك خرج إلى المسجد، متى يعود؟ قالت: لا حياك الله ولا بياك يعود في الغروب، أو ترفع صوتها وتقول: من أنت؟ ولماذا تريده؟ فهذا خطأ، فقد قال : ﴿وَقُلْنَ قَوْلاً مَعْرُوفاً﴾ [الأحزاب:٣٢]. وبعض الناس يقول في بعض الأمكنة: على المرأة أن تضع إصبعها في فمها ليتغير صوتها، وهذا ليس صحيحاً، ولم تأت به شريعته ﷺ ، وهذه تكلفات وتنطعات، وبعضهم يقول: عليها أن تضم فمها، وبعضهم يقول: عليها أن تقوي صوتها وتصلبه كصوت الرجل، لا. يقول تعالى: ﴿فَلا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلاً مَعْرُوفاً﴾ [الأحزاب:٣٢]. أي: قولٌ فيه خير، فهذا هو المقصد من الخطاب، وعلى المسلم أن يتقي الله ، وألا يكون اتصاله إلا لغرضٍ محمود، وإذا علم أنه سوف يكون ريبة والشيطان يؤز فيه فليتق الله ، فإن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسئولاً.

стр. 4982

كيفية معاملة النبي ﷺ ومعايشته للنساء ومن معايشته ﷺ للنساء: ما ذكرت سالفاً أن الرسول ﷺ عاش أباً كان له بنات، بل رزق من البنات أكثر من البنين، فرباهن ﵊، وأحسن تربيتهن، وكان من عطفه أنه لا يسافر إلا ويمر ببناته، ولا يأتي من السفر إلا ويمر ببناته ﵊، وكان من حنانه ورقته أنه لا يمر يوم وهو في المدينة إلا ويصل فاطمة، وكانت مجاورة لبيته، حتى في قيام الليل، فكان إذا قام ﷺ للصلاة يتوضأ، ثم يطرق على باب علي وفاطمة، وهو بيتٌ صغيرٌ من طينٍ لكنه مملوء بالنور والعظمة، أخرج زعماء العالم وقادته، وعند البخاري: ﴿أن الرسول ﵊ قام من الليل، وأتى إلى علي وفاطمة فقال: ألا تصليان؟ فاستيقظ علي وهو يعرك النوم من عينيه، وقال: يا رسول الله! إنما أنفسنا بيد الله، إن شاء أرسلها وإن شاء أمسكها. فذهب ﷺ وصلى ركعتين، ثم استمع هل سيسمع دفيف الباب، هل يسمع علياً أو فاطمة يتوضأ أحد منهما، فلم يسمع شيئاً، فعاد فطرق الباب ودخل وقال: ألا تصليان؟ قال علي: يا رسول الله! أنفسنا بيد الله إن شاء أمسكها. وإن شاء أرسلها، فولى ﵊ يضرب فخذه ويقول: وكان الإنسان أكثر شيء جدلاً﴾. وعند الترمذي أن فاطمة أرسلت إلى الرسول ﵊ تريد خادمة (جارية تخدمها، تكنس البيت وتقمه، وتنظف الثياب) والرسول ﵊ قد وزع الجواري -السبي- في الجيش وترك فاطمة ابنته، فأتى في المساء إليها، فوجد علياً في البيت، فقال ﷺ : ﴿ألا أدلكما على خير لكما من خادم؟ قالوا: بلى يا رسول الله! قال: إذا أخذتما مضجعكما فسبحا ثلاثاً وثلاثين، واحمدا ثلاثاً وثلاثين، وكبرا أربعاً وثلاثين، فهذا خيرٌ لكما من خادم﴾. يقول ابن تيمية: هذا الحديث فيه دليل على أنه من قاله رزق قوة بإذن الله، واستطاع أن يقوم بأعماله، فإن الذكر فيه قوة، فمن قال هذه الثلاث والثلاثين تسبيحة، والثلاث والثلاثين تحميدة، والأربع والثلاثين تكبيرة، كن له عوناً وقوة بإذن الله، وتسديداً وهداية على أعماله وأشغاله في الحياة، ومنها: صلاة الفجر، وقيام الليل، فأوصاهم ﷺ بذلك، فهذا من تربيته ﷺ . وكان ﵊ لا يريد أن يجرح شعور أحد من بناته، بل كان يقف بجانبهن ويتفاعل معهن، ففي الصحيح من حديث أنس قال: ﴿توفي ابنٌ لـ زينب بنت رسول الله ﷺ فقالت زينب: اذهب يا فلان فقل لرسول الله ﷺ يحضرنا -ابنها في سكرات الموت- فذهب الرجل وقال: يا رسول الله! ابنتك زينب تقول: احضر، ابنها في سكرات الموت- وكان الرسول ﷺ مشغولاً بوفود العرب، ومعه في المجلس وفود العرب يتحدث معهم في مسائل مهمة؛ عقيدة وتوحيد، إيمان وكفر ونفاق، هداية وضلال، يريد أن يدلهم على الله -فقال ﷺ : اذهب وقل لها: تصبر وتحتسب، إن لله ما أخذ وله ما أعطى وكل شيء عنده بأجلٍ مسمى فذهب إليها الرجل وقال: يقول ﷺ : إن لله ما أخذ وله ما أعطى، قالت: والله الذي لا إله إلا هو ليأتين الآن -لأنها تقول على أبيها ﷺ فذهب فقال: حلفت يا رسول الله أن تأتي، فقام ﵊ وقام معه ابن عوف ومعاذ وأبي وجماعة﴾ كوكبة مشرقة من صحابة الرسول ﵊ من تلق منهم تقل لاقيت سيدهم مثل النجوم التي يسري بها الساري فقال ﷺ : ﴿علي بالطفل، فقدموا الطفل، فإذا نفسه تقعقع بين يدي الرسول ﵊، فأخذ يبكي ﵊، فقال ابن عوف: ما هذا يا رسول الله؟! قال: رحمة يضعها الله في قلب من يشاء من عباده، وإنما يرحم الله من عباده الرحماء﴾ ثم أتى ﵊ وقبَّل الطفل وأخذت دموعه تنحدر على خد الطفل، ثم سلم زينب طفلها ودعا لها، وبعد أيام وإذا الناعي بـ زينب: حضر الموت زينباً، فحضر ﷺ بنفسه، ودخل البيت مع النساء وقال: ﴿اغسلنها ثلاثاً -قام بنفسه على مراسيم الغسل، وهذا من رحمته بابنته - أو خمساً أو سبعاً إذا رأيتن ذلك، واجعلن في الماء شيئاً من كافور وسدر، وقال: إذا انتهيتن من الغسل فآذنني﴾. ثم جلس في البيت وحده، والصحابة ينتظرون عند الباب، فمن شفقته ورحمته وعطفه لم يستطع أن يبقى مع الناس، ولكن دخل بين النساء ﵊، فلما انتهى الغسل أتت أم عطية، وقالت: يا رسول الله! انتهينا، فخلع الثوب الذي يلي بدنه الطاهر، وهذا من الحب والعطف والحنان إن كان قد عز في الدنيا اللقاء ففي مواقف الحشر نلقاكم ويكفينا بنتم وبنا فما ابتلت جوانحنا شوقاً إليكم وما جفت مآقينا فأخذ الشعار الذي يلي جسمه -كالفنيلة- فخلعه وقال: ﴿أشعرنها في هذا﴾ وأعطاهن حِقْوه ﷺ ، فلفوا ابنته في ذلك، ثم قام في أول الجنازة ودموعه تنحدر على لحيته ﷺ ، قال علي وأنس: ﴿جلسنا حوله في جنازة زينب فأخذ مخصرة -عوداً صغيراً- وأخذ ينكت به على شفير القبر، ثم رفع طرفه، وقال: والذي نفسي بيده، لو تعلمون ما أعلم لبكيتم كثيراً ولضحكتم قليلاً﴾. ثم دعا ﷺ ، فهذا من شفقته ومعايشته لبناته ﷺ ، ولا تنزع الرحمة إلا من شقي. فصلى الله عليه وسلم تسليماً كثيراً، وجمعنا به في دار الكرامة، وأرانا وجهه، ودلنا على خُلُقه وشريعته في الحياة الدنيا ويوم يقوم الأشهاد. هذا شيء من معايشتة ﷺ للنساء، وقد عاش ﷺ كذلك أخاً، فإن أخته من الرضاعة، وقد قيل أن اسمها الشيماء بنت الحارث، أرضعته وإياها حليمة السعدية من بني سعد من الطائف، ﵃، وسلام عليهم في أماكنهم في الطائف، فإنا نحبهم لأنهم أخوال الرسول ﵊ من الرضاعة، فلما فتح النبي ﷺ الطائف، أتت فشقت الصفوف وهي كبيرة في السن، ولا يعرفها ﷺ لأن بينها وبينه مدة. فقال الصحابة: من تريدين؟ قالت: أريد الرسول ﵊ قالوا: من أنت؟ قالت: أنا أخته من الرضاعة، فأخبروا الرسول ﷺ فقام إليها وعانقها وبكى وحياها وأجلسها مكانه، وقام يظللها من الشمس، فلما انتهى قال: ﴿تريدين الحياة معي أو تريدين أهلك. قالت: أريد أهلي وأطفالي، فأعطاها مائة ناقة، ثم ودعها ﵊﴾ ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾ [آل عمران:١٥٩]. وقد سلف أنه عاش ﷺ مع النساء كذلك، وهن عمات وخالات، فقد دخل يوم الفتح ﵊ عندما فتح الله عليه مكة، فلما انتهى من الفتح دخل بيت أم هانئ وأم هانئ هذه هي ابنة أبي طالب، أخت علي بن أبي طالب، وقد كانت كبيرة في السن كانت في الحرم، والرسول ﷺ دخل بيتها لأنها ابنة عمه، وقد ارتاح لبيتها، فدخل يغتسل بعد الفتح الذي فتحه الله عليه: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحاً مُبِيناً﴾ [الفتح:١]. فأخذت فاطمة تستره وهو يغتسل ﵊، لم تكن أم هانئ في البيت بل كانت في الحرم، تشهد الفتح العظيم، وارتفاع لا إله إلا الله محمد رسول الله، وأخوها علي بن أبي طالب أتى إلى الحرم يتلفت بسيفه على ابن هبيرة أحد المشركين الكفرة، يريد أن يسقي سيفه من دمه، فأخذ ابن هبيرة هذا يختبئ وراء الناس، وأخذ علي يتلفت عليه بالسيف، والسيف مسلول في يد علي، ويحلف بمن رفع البيت بالحجب ليقتلنه ذلك اليوم، وكلما مسكوا علياً ظهر له ذلك فيعمد إليه بالسيف، فأتت أم هانئ تولول وتدخل على الرسول ﷺ وهو يغتسل، فلما علمت أنه يغتسل تركته، فخرج من اغتساله ﵊ ومعه ملحفة، فصلى ثمان ركعات خفيفة، حتى تقول: لا أدري أقرأ الفاتحة أم لا، فلما سلم، قال: مرحباً بـ أم هانئ. ثم قالت: ﴿يا رسول الله! ابن عمك يريد أن يقتل ابن هبيرة وقد أجرته. فقال ﷺ : قد أجرنا من أجرت يا أم هانئ - مادام أنك أجرتيه فقد أجرناه- اذهب يا فلان! إلى ابن أبي طالب فكلمه﴾. فأتى الرجل إلى علي بن أبي طالب وقال: أجاره الرسول ﵊، فتركه فهذه من قريباته. وورد عنه ﷺ أنه قال: ﴿أنا ابن العواتك من سليم﴾ وسُليم هي القبيلة التي منها عباس بن مرداس السلمي، وخالاته وعماته أكثر ما رضعن في سليم، فلما أتت المعركة وأتى مالك بن عوف من هوازن من عتيبة، فأتى بجيش جرار كالجبال، فلما رآه ﷺ وقد فر كثيرٌ من الصحابة بعد المفاجأة من قبل جيش هوازن، نزع ﷺ نفسه ووثب كالأسد من على البغلة، وأخذ السيف مسلولاً وأخذ حفنة من التراب ثم رمى بها الرءوس وقال: ﴿شاهت الوجوه﴾ فما بقيت عينٌ إلا دخل فيها تراب، وأخذ يقول: أنا النبي لا كذب أنا ابن عبد المطلب ويضرب بسيفه ويقول: ﴿أنا ابن العواتك من سليم﴾. يقول: من عنده عواتك فليخرج لنا هذا اليوم.

стр. 4983

أسئلة من النساء المسألة الخامسة في هذا الدرس: أسئلة من النساء، وفتيا النساء نعرض لبعضها ولنماذج منها لتكون المرأة المسلمة على بصيرة، ولتعرف أن شئونها الخاصة لا يمنعها الحياء ولا يعفيها الإسلام أن تسكت على شيء من الجهل، بل ترسل للعلماء وللدعاة ولطلبة العلم أسئلتها واستفساراتها لتكون على بينة.

стр. 4984

سؤال أم سليم جلس ﵊ مع نسائه في البيت، فطرقت أم سليم وأم سليم لها سجلٌ حافلٌ بالبطولات، وهي أم أنس، وتسمى أم سليم قال ﵊: ﴿دخلت الجنة البارحة فرأيت الرميصاء في الجنة﴾ وقد أهدت أنساً للنبي ﷺ . فدخلت أم سليم ونساؤه ﷺ جالسات، فقالت: ﴿يا رسول الله! إن الله لا يستحيي من الحق -وهذه مقدمة ما أحسنها! وراءها كلام لكنها عاقلة- فقال ﷺ : نعم. إن الله لا يستحيي من الحق -تريد أن تمهد للموضوع، من عقلها فمهدت له- قالت: هل على المرأة غسلٌ إذا رأت الماء، وفي لفظٍ إذا احتلمت؟ فغطت عائشة وأم سلمة وجهيهما وقالت أم سلمة: تربت يمينك يا أم سليم! فضحتي النساء، فقال عليه الصلاة السلام: بل تربت يمينك أنت يا أم سلمة! نعم يا أم سليم! على المرأة غسلٌ إذا هي رأت الماء﴾ أو كما قال ﵊ قالت عائشة ﵂ وأرضاها: [[نعم النساء نساء الأنصار، لم يمنعهن الحياء أن يتفقهن في الدين]]. فمن يفتي المرأة ويخبرها بأمور دينها إلا أهل العلم والعلماء، لتكون على بصيرة من دينها، وأنا أوصي الإخوة المسلمين أن يدخلوا الكتيب والشريط الإسلامي، خاصة ما يتعلق بالنساء، والإيمانيات والغيبيات، ولقاء الله ، أن يدخلوها البيت، وليعلموا أن شريط الغِناء يزيد نساءهم من الله بعداً ومن النار قرباً، وأن شريط الغِناء يملأ البيت حسرة وندامة، وخيبة ونفاقاً، وأن بيتاً يتربى على الغِناء بيتٌ فاسد مهدوم: ﴿أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى تَقْوَى مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٍ خَيْرٌ أَمْ مَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى شَفَا جُرُفٍ هَارٍ فَانْهَارَ بِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ [التوبة:١٠٩]. أفمن أسس بيته على القرآن والسنة، وعلى قال الله وقال رسوله ﷺ خيرٌ أم من أسس بيته على الأغنية، والمجلة الخليعة، والفحش والبعد عن الله، لا يستوون، والله لا يهدي القوم الظالمين، فهذه لفتة والرسول ﵊ قد تعرض لأسئلة كثيرة، منها: أن حمنة بنت جحش سألته في الحيض فأفتاها، وسألته فاطمة أختها فأفتاها، وغيرهن، كلهن يسألن في الحيض، فلا حياء في الدين، فعلى المرأة أن تسأل وتتفقه في دينها. بقي من قضايا الحديث أجر المرأة المؤمنة التي تحتسب أجرها على الله وتطيع زوجها في المعروف، والخلاصة أن للزوج حقاً على زوجته، ومن هذه الحقوق:

стр. 4985

حقوق الزوج أولاً: طاعة الله ﵎ فهو أعظم الحقوق. ثانياً: طاعة الزوج في طاعة الله. ثالثاً: أن تحسن العشرة بالخلق والطاعة في المعروف، وأن تحفظ نفسها وما له، فلا تجلس أحداً لا يرضاه ولا يرضى دخوله على فراشه أبداً، ولا تتبرج ولا تتكشف، ولا تخنه بالغيب، فإذا فعلت ذلك فقد أساءت له كل الإساءة، وقد قطعت ما بينها وبينه من الرحم والصلة والحقوق الزوجية، ونعوذ بالله من امرأة تفعل ذلك، وتخون زوجها بالغيب فإن الله يقول: ﴿حَافِظَاتٌ لِلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللَّهُ﴾ [النساء:٣٤]. والمرأة التي تحفظ الله بالغيب هي التي تحفظ زوجها في نفسها وماله.

стр. 4986

حقوق الزوجة أما الزوجة فمن حقوقها: الرحمة بها واللطف، والكسوة والنفقة، وإعانتها على طاعة الله ، وإعطاؤها حقوقها في الوقت وفي غيره، والصبر على ما يأتي ويبدر منهن؛ لأن المرأة كالضلع الأعوج، يصبر على أذاها، وكما في الحديث: ﴿لا يفرك مؤمن مؤمنة -أي لا يطلق مؤمنٌ مؤمنة- إن كره منها خلقاً رضي آخر﴾ أو كما قال ﵊. وأعيد الحديث وعنوانه، وهو السابع والعشرون من مختصر الزبيدي للبخاري: كفران العشير وكفرٌ دون كفر وعن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : ﴿أريت النار، فإذا أكثر أهلها النساء يكفرن، قيل: يكفرن بالله؟ قال: يكفرن العشير ويكفرن الإحسان، لو أحسنت لإحداهن الدهر ثم رأت منك شيئاً، قالت: ما رأيت منك خيراً قط أو معروفاً قط﴾.

стр. 4987

الأسئلة

стр. 4988

حكم اعتقاد الكرامة والنفع في تيس السؤال وجد في مدينة بحرة تيسٌ له ثديٌ ويُحلب كالماعز، وبإرادة الله أن المريض الذي يشرب من حليب هذا التيس يشفى. ولي ثلاثة أسئلة في هذا الموضوع: أولاً: هل تكون هذه كرامة للناس _ كرامة التيوس - وماذا نسميها؟ ثانياً: ما حكم الإسلام فيه؟ ثالثاً: ما حكم من اعتقد بأنه لا يشفى إلا بإذن الله وإنما هو وسيلة أو سبب، علماً بأنه قد شرب رجل أعمى من هذا الحليب ووضع منه على عينيه فشفي، وكذلك امرأة مريضة بداء السكر وعندما شربت منه شافاها الله من هذا الداء، وهذا الرجل كذلك، أرجو الإفادة والتوضيح، والله أعلم؟ الجواب أولاً: حديث التيس طويل، وقد أُخبرت قبل أن أدخل هذا الدرس أن من قضايا الساعة المطروحة الآن أن تيساً يقابل المحكمة للمحاكمة، والحمد لله تُوصل إلى الحكم بالإعدام على هذا التيس. وهذا التيس شبهة على كثير من الناس الذين ضعف إيمانهم واتصالهم بالله، وفتنة يمتحن الله بها من يشاء، ويرى عقول وإيمان من يشاء: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَاناً وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ * وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْساً إِلَى رِجْسِهِمْ وَمَاتُوا وَهُمْ كَافِرُونَ﴾ [التوبة:١٢٤ - ١٢٥]. والفتن والأحداث التي تقع في الأرض والنزاعات والأطروحات والمسائل كلها ليمتحن الله خلقه: ﴿أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ * وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ﴾ [العنكبوت:٢ - ٣] فهذا التيس استخدمه بعض الناس المنحرفون، ثم نصبه للناس، والحليب الذي فيه فتنة، وأظنه خنثى مشكلاً وليس معزاً تيساً، ثم أخذ الناس من الجهلة وممن قل إيمانهم ومعتقدهم، أو عندهم ثقافة لكن ليست ثقافة نيرة، ليست ثقافة شرعية، ليست ثقافة قال الله وقال رسوله ﷺ ، فانخدعوا بهذا، وسمعت أنهم أخذوا طوابير يحبسون ويأخذون لهم أسماء ويعرضون على هذا التيس هل يجد لهم شفاءً أو علاجاً أم لا؟ وهذا فيه قضايا: الأولى: كيف تبلغ العقيدة الإيمانية بهذا المجتمع وهذا الشعب المسلم إلى هذا الحضيض، تيسٌ يضحك على ألوف مؤلفة من الناس! تيسٌ يعرض علاجه على العقول التي ما عرفت الله ! وإنا نشكو حالنا إلى الله ، سبع جامعات ومؤسسات، ومحاضرات، ودروس، ومكاتب دعوة، وتوعية ثم تأتي القلوب تنتكس إلى هذه الدرجة وإلى هذا الحضيض! الثانية: لا يسمع الخواجات بما وصلنا إليه من هذا الأمر، أننا أخذنا طوابير على تيس وأننا نطلب منه الشفاء والعافية ونعرض عليه أمراضنا، فإنهم سوف يضحكون علينا، وهم قد ضحكوا علينا مرات كثيرة، لكن هذه المرة لا نريد أن يضحكوا علينا مرة ثانية. الثالثة: ليته في غير مكة مهبط الوحي، التي سطع منها إشعاع لا إله إلا الله والفتوحات الإسلامية، والتوحيد الخالد، فمحمد من مكة ﷺ ، وأبو بكر وعمر وعثمان وعلي وخالد وسعد من مكة، ثم تأتي الخرافة ووراءها أناس من البشر، لا يعرفون دينهم ولا معتقدهم فيلبسون على عقول الناس، هذه مسألة -والله- مخزية. وأما قول السائل: كرامة الحمير والتيوس، فالأمة يكرمها الله بأن تكون على منهجه، يقول ابن تيمية: الكرامة لا بد فيها من شرطين اثنين، فإذا فقد شرط فليست بكرامة: الشرط الأول: أن تكون هذه الكرامة على يد رجلٍ صالح يعمل بالكتاب والسنة، قال الشافعي: لا تغتروا بالرجل ولو طار في الهواء، وسار على الماء حتى ترى هل يعمل بالكتاب والسنة. فهذا شرط، فإنسان مخرف يأتي لنا بخزعبلات؛ يحول الفناجين إلى بيض والبيض إلى فناجين؛ ننظر إليه فنجده يصلي بلا طهارة، ويحلق لحيته، ويلبس الذهب، ويتعامل بالربا، ويزني، فنقول: لعن الله البعيد، هذه شعوذة وليست بكرامة، فالكرامة أن تكون أنت في نفسك تعمل بالكتاب والسنة، كما أجرى الله الكرامات للبراء بن مالك، ولـ العلاء بن الحضرمي يدعو الله فتأتي السحابة للتو وتمطر، وأجراها لـ خالد بن الوليد عندما أخذ قارورة السم، سم زعاف وقال: بسم الله توكلت على الله، وشربها ولم يصبه شيء، وسعد يقول للجيش: بسم الله اركبوا النهر، فيجمد الله النهر لـ سعد، ويمر الخيل، فهذه كرامة لأن سعداً يعمل بالكتاب والسنة. والشرط الثاني: أن تكون هذه الكرامة لرفع لا إله إلا الله، ولنصرة الدين، فإذا لم يتم هذان الشرطان فليست بكرامة، وإنما هي خزعبلات وخرافات، وتخلف والعياذ بالله. ابن عربي هذا الملحد الزنديق، الذي يقول عنه ابن تيمية: إن كان صح عنه ما يقول فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين، كان يأتي بجبته ويخرج منها دجاجاً وخرفاناً أهذه كرامة؟! بعض الملاحدة يأتي إلى السيخ من الحديد فيقسمه أقساماً ثم يركب منه إنساناً ثم يرده على هيئته الأولى، فهذا ابتلاء وسحر: ﴿يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى﴾ [طه:٦٦]. إذاً فليست هذه بكرامة، بل لا بد من الشرطين الذين ذكرهما ابن تيمية، ومن شك فليعد إلى كتابه المجلد الحادي عشر، فقد تكلم عن الكرامة وغيرها في المجلد الحادي عشر من فتاويه، وقد تعرض لها في المجلد العاشر، فهذا هو العلم المؤصل، أما أن تظل تدخل الأمة وهي ساذجة ضائعة، إن أتاهم ساحر أو بهلواني أو كروي أو مغنٍ أو رقاص صدقوه، فهذا ليس بصحيح، ولذلك هذه الثقافات -ثقافات الصحف والجرائد- لم تنفع أصحابها في الساحة، ولم ينفعهم إلا قال الله وقال رسوله ﷺ ، وأنا لا أقول أن طالب العلم يحرم عليه أن يقرأ في الصحف والمجلات، بل لا بد أن يقرأ لكن بعد أن يتزود من ثقافة قال الله وقال رسوله ﷺ ، ويعرف الواقع من الصحف والمجلات العلم قال الله قال رسوله قال الصحابة هم أولو العرفانِ ما العلم نصبك للخلاف سفاهة بين الرسول وبين رأي فلانِ فيا أهل مكة! الخرافة تجول فيكم وأنتم دعاة التوحيد من أول العهد! ويا أهل مكة! أنتم أبناء أبي بكر وعمر وعثمان وعلي ويا أهل مكة! نزل جبريل في غاركم في حراء بالتوحيد ويا أهل مكة! من يعرف وينشر التوحيد إذا أصبحت هذه الخزعبلات والخرافات والمضحكات في مكة، وليتها في غير مكة! فالعودة العودة إلى كتاب الله وسنة رسول الله ﷺ ، أسأل الله لي ولكم الثبات والقبول.

стр. 4989

حكم الهجر بسبب الاختلافات في المسائل الاجتهادية السؤال ذكرت في معرض الدرس أن ابن عمر لما غاضبه ابنه لأنه عارض الرسول ﵊ قال: [[والله لا أكلمك أبداً]] فهل كلما اختلف رجل وآخر في مسألة علمية فيها دليل وعارضه الآخر هل يهجره ويقاطعه؟ الجواب أنا لا أقصد هذا؛ لأن ابن عمر توهم من ابنه ﵁ أنه يعارض الحديث بلا دليل، وبلا تأويل، أما الاختلاف بالتأويل فلا يوجب الضغينة بين المسلمين في الفرعيات والجزئيات، ولـ ابن تيمية كلام في رفع الملام عن الأئمة الأعلام، ذكر فيه أن العالم يعذر، وطالب العلم إذا كان متأولاً في الدليل الفرعي، فإذا قلت لطالب علم: ضم اليد يكون على الصدر، فقال لك: بل تحت السرة، فتقول أنت: فيه حديث، ويقول هو: فيه حديث، فهل تقول: والله لا أكلمك حتى أموت؟! هذا خطأ، لأن له دليلاً وهو متأول في الدليل، بل ترضى عنه وتعذره، ولو كان دليله ضعيفاً، فـ ابن تيمية يعذر العلماء، ويقول: إما أن يكون الحديث بلغ أحدهما ضعيفاً والآخر صحيحاً، أو أن الحديث وصل إلى هذا العالم ولم يصل هذا، أو أن الحديث منسوخٌ عند هذا العالم وثابتٌ عند هذا، أو أن الحديث فهم منه هذا شيئاً وذاك فهم منه شيئاً آخر. إذاً أنا لا أقصد هذا، إنما أقصد الذي يعارض السنة جهاراً نهاراً، تقول: تربية اللحى سنة فيقول: لا. ليست بسنة، فهذا يستحق الهجر، فتقول له: الرسول ﵊ كان يأكل بثلاثة أصابع، ويقول: بسم الله، فيقول: دعنا، نحن في القرن الخامس عشر، أتريد أن تردنا إلى المدينة والعصر الأول؟! فهذا منافق، وتقول: الرسول ﷺ كان يقصر ثوبه، فيقول: وما لنا حتى بالثوب تأتي لنا بالرسول دائماً! فهذا تهجره وتقاطعه ﴿قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ * لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾ [التوبة:٦٥ - ٦٦]. نسأل الله أن يجمع بيننا وبينكم في مستقر رحمته، وأن يوفقنا وإياكم للاجتماع فيه، والعمل لما يرضيه، والحب فيه. سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلامٌ على المرسلين، والحمد لله رب العالمين.

стр. 4990

دستور الصحوة الإسلامية تحت هذا العنوان سرد الشيخ أكثر من عشرين موضوعاً تنبثق كلها من كلام المصطفى ﷺ ، فذكر من أبواب الجنة، وعرَّج على آداب الاستئذان، وعلى أسماء الرسول ﷺ . مروراً بمواضيع: الحياء، وعلامات الساعة، والربا، والعبودية، والفقر، والشريعة البيضاء. وهي تمثل واحة رائعة غناء من الأخلاق، والمواعظ، والفقه، والفكر، والعقائد. وقد ختم كلامه بالحديث عن البيعة (البيعة علىالولاء والبراء، ثم البيعة على الإسلام).

стр. 4991

أبواب الجنة الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه، وسلم تسليماً كثيراً. أيها الإخوة الفضلاء! كنتُ قد أردتُ أن أترجم لبعض علماء الأمة؛ ولكن رأيتُ أن العيش مع متون الحديث ومع كلامه ﵊ أفيد. وسوف يكون هناك - إن شاء الله - دروس عن تراجم العلماء وسير الصالحين. وهذا الكتاب الذي بين يديَّ سوف يكون سلسلة - إن شاء الله - مستمرة في رمضان وغير رمضان، لطلبة العلم والأخيار والدعاة من أمثالكم. وهذا الكتاب يحمل عنوان: (دستور الصحوة الإسلامية)؛ لأنك تحتاج إلى علم شرعي صحيح، على منهج أهل السنة الجماعة في العقائد والأصول والأخلاق والسير والسلوك. فأول درس نبدأ فيه: هو من كلام محمد ﵊ وهذا هو مجموع الأحاديث الصحيحة التي وردت عنه ﷺ . وسوف ترون في هذه الأحاديث أموراً، منها: الأمر الأول: صحتها: فلا يكون فيها حديث ضعيف أبداً. الأمر الثاني: أني أذكر الصحابي والمخرج، ودرجة الحديث. الأمر الثالث: المسائل المهمة في الحديث. الأمر الرابع: أنه لا يتقيد بباب ولا بكتاب؛ إذ سوف يأتي الحديث مرة في العقيدة، ومرة في السلوك، ومرة في العبادة، ومرة في الأخلاق؛ ليكون أسعد وأروح، والله الموفق.

стр. 4992

الكلام عن أبواب الجنة يقول ﵊: ﴿آتي باب الجنة فأستفتح، فيقول الخازن: من أنت؟ فأقول: محمد، فيقول: بك أُمِرْتُ ألا أفتح لأحد قبلك﴾ حديث صحيح، رواه الإمام أحمد ومسلم، عن أنس بن مالك ﵁ وأرضاه. في الحديث مسائل: أولاًَ: قوله ﷺ : ﴿آتي باب الجنة﴾ معناه: في يوم القيامة، يوم يجمع الله الأولين والآخرين، فيفصل بينهم في القضاء، يأتي ﷺ في ذاك اليوم، وذلك من عقيدة أهل السنة. ثانياً: وفيه: أن أول من يدخل الجنة محمد رسول الله ﷺ . ثالثاً: وفي الحديث: أن للجنة أبواباً، وقد صح عند البخاري وغيره: أن للجنة أبواباً ثمانية، وأبواب النار سبعة، نسأل الله أن يدخلنا من أبواب الجنة. وكما في الحديث الصحيح: ﴿بين المصراعين -من مصاريع الجنة- كما بين صنعاء وأَيْلَة -وصنعاء عاصمة اليمن , وأَيْلَة هي بيت المقدس - وإنه ليأتي عليه يوم وهو كَضِيْضٌ من الزحام﴾. وتساءل العلماء: هل هناك أبواب داخلية في الجنة غير الأبواب العامة الكبرى. والصحيح: أن هناك أبواباً داخل ملك العبد في الجنة. قوله ﷺ : ﴿آتي باب الجنة﴾ قلتُ: أول داخل الجنة هو الرسول ﵊، ولو أنه متأخر في البعثة؛ ولكن الله شرفه، فجعله أول من يدخل، ثم يدخل الأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام على مراتبهم. وتساءل الإمام ابن القيم في الجمع بين قوله : ﴿وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الزخرف:٧٢] وبين قوله ﷺ : ﴿لن يدخل الجنة أحد منكم بعمله؛ إلا برحمة الله﴾. فالجواب الصحيح باختصار: أن دخول الجنة أولياً لا يحصل بالعمل، وإنما هو برحمة أرحم الراحمين، ومن لا تدركه رحمة الله لا يدخل الجنة، وأما النزول في منازل الدرجات في الجنة فبالأعمال، وهذا على قوله : ﴿وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الزخرف:٧٢]. ويقول عن أبواب الجنة: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا﴾ [الزمر:٧٣] ويقول في أبواب النار: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا فُتِحَتْ أَبْوَابُهَا﴾ [الزمر:٧١] زاد الواو في أبواب الجنة؛ لأنها هيئت فتحاً قبل أن يصلوا إليها، وهذا من تكريم الله لأهل الجنة، ففتحت الأبواب قبل أن يصلوا إلى الجنة، وأهان أهل النار، فتركهم ينتظرون عند الباب، فلا تفتح حتى يصلوان، وهذا من الإهانة. ولله المثل الأعلى، يقولون: الكريم يفتح أبوابه للضيافة من قبل أن يأتي الضيف، واللئيم لا يفتح الباب حتى يُطْرَق عليه طرقاً مخيفاً مزعجاً. ولله المثل الأعلى. فأبواب الجنة من ذي قبل مفتوحة، وهذه يسمونها: الواو التي تزيد المعنى، فإنهم يقولون: الزيادة في المبنى تدل على زيادة في المعنى، مثل قوله : ﴿وَهُمْ يَصْطَرِخُونَ فِيهَا﴾ [فاطر:٣٧] الأصل في العربية: وهم يصرخون فيها، فزاد ﴿يَصْطَرِخُونَ﴾ من باب زيادة المبنى لزيادة المعنى. وكقوله : ﴿وَغَلَّقَتِ الْأَبْوَابَ﴾ [يوسف:٢٣] والعربية تقول في التخفيف: وأغلقت الأبواب؛ لكن زيادة في المعنى. وأنا لا أقصد من هذه الدروس الأحكام؛ لكن أن تكون مساراً إن شاء الله للصحوة الإسلامية المباركة في المعتقد، وفي العبادة، والسلوك، والأخلاق، والعمل، والدعوة؛ حتى يكون الإنسان على بينة وعلى ضوابط من الكتاب والسنة. والله الموفق.

стр. 4993

هل الجنة والنار مخلوقتان الآن ؟ قال ﵊: ﴿آتي باب الجنة فأستفتح﴾ هنا مسألتان لـ أهل السنة: المسألة الأولى: هل الجنة موجودة الآن أم لا؟:- والصحيح عندهم: أنها موجودة ومخلوقة، وخالف في ذلك المعتزلة، فقالوا: تُخْلَقُ فيما بعد، وقد كذبوا على الله، بل هي موجودة الآن. قال الشيخ حافظ بن أحمد الحكمي: والنار والجنة حقٌ وهما موجودتان، لا فناءَ لهما المسألة الثانية: هل تفنى الجنة والنار؟: والصحيح: أن الجنة والنار لا تفنيان. والنار والجنة حقٌ وهما موجودتان لا فناءََ لهما وقال بفنائها بعض المعتزلة، كـ العَلاَّف وأبي إسحاق النَظَّام وغيرهما، ورد عليهم أهل السنة. والصحيح: أن أهل الجنة خالدون في الجنة، فلا موت، وأهل النار خالدون في النار، فلا موت، والله المستعان!

стр. 4994

آداب الاستئذان ثم يقول ﵊: ﴿فأستفتح، فيقول الخازن: مَنْ أنتَ؟﴾ قال أهل العلم: فيه إشارة إلى أدب الاستئذان في الإسلام، وهو أنك إذا طرقت الباب، أن يسأل صاحب البيت: مَنْ؟ وهذا من الحكمة، فإن على الناس أن يتقيدوا بهذه الآداب النبوية التربوية التي هي من أحسن ما يكون. وقد أُشِيرَ لكم في بعض الدروس والمحاضرات: أن هناك سلسلة من الآداب النبوية التربوية، وقد وصلت هذه المجموعة إلى أبها هذه الليلة لمن أراد أن يستفيد من آدابه ﵊. كان ﵊ إذا استأذن فسُئِل يقول: ﴿أنا فلان﴾ وطلب من الصحابة أن يخبر الإنسانُ باسمه. واستأذن عليه أبو ذر، قال: (مَنْ؟) قال: أبو ذر. وطرق جبريل السماء -في الحديث الصحيح- ﴿قال أهل السماء: مَنْ؟ قال: جبريل، قالوا: مَن معك؟ قال: محمد، قالوا: مرحباً بك وبمن معك﴾. واستأذن جابر - كما في صحيح البخاري - ﴿: فطرق باب المصطفى ﵊ قال: مَن؟ قال: أنا، ففتح ﷺ الباب، وقال: أنا أنا!! كأنه كرهها﴾؛ لأن فيها إيهام، لا بد أن تخبر باسمك، هذا من أدب الاستئذان. ﴿فيقول الخازن: مَنْ أنتَ؟ فأقول: محمد﴾ وهذا هو الأصل: أن يخبر باسمه، قال أهل العلم: ولو أخبر بكنيته لصح، ولو أخبر باسمه لصح، ولو أخبر بلقبه لصح، الشرط أن يكن مشهوراً عند الناس فيُعْرف به.

стр. 4995

أسماء الرسول ﷺ قال: ﴿فأقول: محمد﴾ أسماؤه ﵊ في السنة خمسة، صح بها الحديث، اسمه: (محمد، وأحمد، والعاقب، والحاشر، والماحي) العاقبٌ: أي الذي يحشر الله الناس على عقبه، والماحي: أي الذي محى الله به ما قبله، والحاشر: أي الذي يحشر الله الناس على قدمه ﵊. قال حسان: وشق له من اسمه ليُجِلَّه فذي العرش محمودٌ وهذا محمدُ يقول: الله شق لمحمد من اسمه؛ لأن الله محمود سبحانه. وقال ﷺ : ﴿أما ترون كيف يصرف الله عني سب المشركين، إنهم يسبون مُذَمَّمَاً، وأنا محمد﴾ -يسمونه: (مُذَمَّم) ويسبونه- محمد، وأحمد، وهو أبو القاسم ﵊، والذي سماه محمداً عند أهل السيرة أنه عبد المطلب جده ﵊. فيقول: ﴿بك أمرت ألا أفتح لأحد قبلك﴾ وفيه مسألة: الله يقول: ﴿وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا﴾ [الزمر:٧٣] دليلٌ على أنها مفتوحة قبل أن يأتي الناس. وهنا يقول: ﴿آتي أبواب الجنة فأستفتح﴾ وأستفتح: فعل للتدرج، يعني: أطلب أن يُفْتَح لي؛ ولكن لم يفتح له ﵊ في هذا، فكيف نجمع بين القولين؟ بين هذا وبين ذاك؟ الجواب أن يقال: يأتي ﵊ قبل أن تُفْتَح، فيستفْتِح، فتُفْتَح، فيأتي الناس وقد فُتِح لهم.

стр. 4996

الحياء وَرَدَ عنه ﵊ أنه قال: ﴿آخِر ما أدرك الناسُ من كلام النبوة الأولى: إذا لم تستحِ فاصنع ما شئت﴾ حديث صحيح، رواه ابن عساكر في تاريخه عن أبي مسعود البدري. وفي هذا الحديث مسائل: أولاًَ: ما هو الحياء؟ الحياء الصحيح: ما صدك عن المحارم، وهذا حياء واجب. وما صَدَّكَ عن المكروهات فهو حياء مستحب، وبعضهم يوجبه. أما الذي يصدك عن طلب العلم وعن الأمور النافعة، والتحصيل، والسؤال الذي فيه النفع، فليس بحياء، لكنه خجل، وهو حياء مذموم. ولذلك يقول مجاهد في صحيح البخاري، موقوفاً عليه: [[لا يطلب العلم مستحٍ ولا مستكبر]]. ومَرَّ ﵊ على رجل من الأنصار - كما في صحيح البخاري - وهو يَعِظُ أخاه في الحياء، قال: ﴿دَعْهُ، فإن الحياء لا يأتي إلا بخير﴾. ثانياً: الحياء خير كله: وخاصة إذا كان في شرف الأمور، يَصُدُّ عن خوارم المروءة والمعاصي. وصح عنه ﵊ عند الترمذي أنه قال: ﴿البَذاء، والبيان شُعْبَتان من النفاق، والعَيُّ والحياء شعبتان من الإيمان﴾ وقد شرح هذا الحديث ابن رجب في كتاب مستقل. وقوله ﷺ : ﴿آخِر ما أدرك الناسُ من كلام النبوة الأولى﴾ أي: آخر ما حُفِظ من كلام الأنبياء عليهم الصلاة والسلام وميراثهم هذه الجملة: ﴿إذا لم تستحِ فاصنع ما شئتَ﴾ وفي هذه العبارة معنيان لـ أهل السنة: المعنى الأول: يقول: ﴿إذا لم تستحِ فاصنع ما شئتَ﴾: أي: إذا خلعت جلباب الحياء؛ فلك أن تفعل ما شئت من المعاصي وخوارم المروءة، بمعنى: إذا لم تستحِ من الناس ولا من الله قبل الناس؛ فاصنع ما بدا لك فقد ذهب الحياء عنك. والمعنى الثاني: يقول: ﴿إذا لم تستحِ فاصنع ما شئتَ﴾ أي: إذا كان هذا الأمر لا يدعو إلى الحياء منه فاصنعه؛ فإنه مباح لك. أي: إذا كان هذا الأمر ما عليك حرجٌ منه، ولا تستحي أن تصنعه، وليس عليك لائم ولا حرج من الناس ولا عَتَب فافعله. والمعنى الأول هو الصحيح. قال الشافعي: فلا والله ما في العيش خيرٌ ولا الدنيا إذا ذهب الحياءُ إذا لم تخشَ عاقبة الليالي ولم تستحي فاصنع ما تشاءُ وقيل لـ سهل: ما هو الحياء؟ قال: أن تستحي من الرقيب. وقال بعضهم: أن تجعل بينك وبين الله رقيباً، وهي درجة الإحسان التي وصفها ﷺ في الحديث الصحيح، قال: ﴿أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك﴾. وقد بلغ ببعض الصالحين أنه ما كان يتعرى وحده حياءً من الله. وعند أحمد في (المسند) بسند صحيح: أن معاوية بن حَيْدَة قال: ﴿يا رسول الله! إذا كان أحدنا وحده، هل يكشف عن عورته؟ قال: الله أحق أن يُسْتَحْيَا منه﴾. وصح عند الترمذي عن ابن مسعود: أنه ﷺ قال: ﴿يا أيها الناس! استحيوا من الله حق الحياء؛ فإن حق الحياء أن تحفظ الرأس وما وعى، والبطن وما حوى، ومن تذكر البِلى ترك زينة الحياة الدنيا﴾. والحياء خير كله، وقد رد عمران بن حصين على عبد الله بن سلام، أو كعب الأحبار لما عارضه في ذلك، وقال: [[إني قرأت في التوراة أنَّ مِنْه جُبْناً وأنَّ مِنْه خيراً]] قال: [[أحدثك عن الرسول ﵊ وتحدثني عن صحفك؟]] ﴿الحياء خيرٌ كله﴾. والمعنى: الحياء المطلوب النافع، أما الخَجَل والخَوَر والجُبْن، فهذا ليس من الحياء، بل هو يصد عن طلب العلم وعن المسألة لأهل العلم، والاستفادة. قوله ﵊: ﴿آخِر ما أدرك الناسُ من كلام النبوة الأولى: إذا لم تستحِ فاصنع ما شئتَ﴾: ما معنى النبوة الأولى؟ النبوة الأولى: هي ما قبل نبوته ﵊ فإن قبله أنبياء، وكان يُوْرِد ﷺ بعض الكلمات منهم، وكان يأخذ بعض الآداب من شرائعهم.

стр. 4997

علامات الساعة قال ﵊: ﴿آخِر مَن يُحْشَرُ: راعيانِ مِن مُزَيْنَة، يريدان المدينة ينعقان بغنمهما؛ فيجدانها وحوشاً، حتى إذا بلغا ثنية الوداع خَرَّا على وجوههما﴾ حديث صحيح، رواه الحاكم عن أبي هريرة. ولعلكم تلحظون أن الحديث الأول: في أبواب الجنة، والثاني: في الحياء، والثالث: في علامات الساعة. وأنا أقول: سوف تكون الحلقات من كتاب دستور الصحوة الإسلامية على هذا المنوال، مرة في الفرائض، ومرة في النكاح، ومرة في الصلاة، ومرة في الرضاع، ومرة في التوحيد؛ ليكون كالروضة. مرة زهرةً، ومرة وردةً، لئلا يَمَلَّ السامع.

стр. 4998

آخر من يحشر أما قوله ﷺ : ﴿آخِر مَن يُحْشَرْ: راعيان مِن مُزَيْنة﴾ فمعنى الحشر هنا: إلى الله، قيل: لقيام الساعة، وقيل: الحشر هو من المشرق إلى المغرب؛ فإن من علامات الساعة الكبرى: نار تحشر الناس من المشرق، تَهُبُّ مِن عَدَن، فتحشر الناس وتجمعهم. والحشر: هو الاجتماع، حشرتُ الناسَ: أي جمعتهم، محشورون: مجموعون، يوم الحشر: يوم الجمع. قال ﵊: ﴿آخِر مَن يُحْشَرْ -أي: آخِر مَن يُدْفَعْ من الناس- راعيانِِ مِن مُزَيْنَة﴾ وهي قبيلة من قبائل العرب، ومنها: زهير بن أبي سُلْمَى، وغيره من الشعراء، وهي قبيلة ذكرها ﷺ بالخير، وهي ما بين المدينة ونجد. ﴿يريدان المدينة ينعقان بغنمهما؛ فيجدانها وحوشاً﴾: يجدان المدينة وحوشاً، وقد انتهى الناس، وماتوا في المدن والقرى قبل قيام الساعة، وهبَّت عليهم ريح باردة، فأفناهم الله، ﴿ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلاهُمُ الْحَقِّ أَلا لَهُ الْحُكْمُ وَهُوَ أَسْرَعُ الْحَاسِبِينَ﴾ [الأنعام:٦٢].

стр. 4999

أهمية الإيمان بيوم القيامة إن يوم القيامة هو المدرسة الكبرى التي تهذب أخلاق الناس، والتي تردهم إلى الله ، والتي تجعلهم عباداً صالحين. هذه القضية الكبرى هي الفارق بيننا وبين العلمانية والشيوعية والماسونية واليهودية، وهي الخيط الرفيع، وهي الفيصل بيننا وبين المذاهب الترابية الأرضية والقومية التي ينادونها بشعارات، هذه هي الفارق بيننا وبين كل من يدعي الأرض والتراب والوطن. نحن نعمل للآخرة، غيباً وشهادة، حياة وموتاً، نتصل مع الله، وإلاَّ فحياتنا هذه قليلة قليلة، والله يجمع بين الحبيب وأحبابه في جنة عرضها السماوات والأرض، وهذه مقررة في الكتاب والسنة: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَمَا أَلَتْنَاهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ﴾ [الطور:٢١]. والقرآن والسنة فيها الكثير من الحديث عن يوم القيامة والنشور، والجنة، والنار؛ وذلك لأن الرسول ﷺ مُتَوَقِّعٌ أنه سوف يُطْغَى على الجيل ويُظَلَّل بوسائل وبأُطْرُوحات وبدعوات وبغزوٍ فكري. العلمانية الآن هي السائدة في الساحة، وهي تبث أدواتها بزخرفة من الإعلام، وبكلام يعجب الناظرين، ومقصوده الإلحاد، لا الدين. ولذلك لا يكتبون في كتبهم عن اليوم الآخر، ولا في خطبهم، وكلماتهم، يقولون: الحياة، ويقولون: تطور وازدهار؛ لكن إذا أعَدْتَهم إلى اليوم الآخر، فلا. وكذلك لا يذكرون الولاء والبراء؛ ولذلك يقولون: إن من العنصرية أن تقول: أنا مسلم، وهذا نصراني، وتحاربون النصرانية واليهودية. العالم كله الآن -يقولون عنه-: مدينة واحدة، ولم تعد هناك حروب، وانتهى عصر التخلف، وأصبحنا في عصر ننهي التمييز العنصري حتى في الأديان. نقول: نحن نحارب التمييز العنصري؛ لكن الدين يبقى ولاء وبراء وحباً وبغضاً، ولذلك يأتون بشعارات الوحدوية بين العالم، وهذه كلمة ماسونية، ويقولون: ما ينبغي أن تدعوا للتفرقة بين البشر: هذا يهودي، وهذا نصراني، لا، لا يصلُح لا دين، ولا لغة، ولا جِنْس؛ إنما إنسانية. وفي الساحة توجد كتب الوحدة الإنسانية، والوحدة التراثية، ووحدة بني آدم، والفوارق الطبيعية، ويؤسسون اجتماعاتهم على هذا، فيُلْغون قضية الدين، فيقولون: إن قضية الدين قضية فردية؛ حتى يقول أكرم البستاني في مذكراته: "الدين للأفراد فقط، فاللبناني إذا كان مسيحياً يجوز له، واليهودي إذا سكن في اليمن له ذلك، والشيوعي إذا كان في الجزيرة له ذلك، ومن أراد أن يصلي فليصلِّ، وصُمْ رمضانَ لنفسك، أما أن تأتي وتدخل الحياة والدين في شعور الناس ومعتقداتهم وأخلاقهم فهذا خطأ"، وهذا هو الإلحاد بعينه. لكن تربية الصحوة على اليوم الآخر والإيمان والقيامة هو المطلوب، ولذلك كان لزاماً علينا - وأنا أمامي عشرات الدعاة - أن نعيد الشباب للكتاب والسنة، العلم الصحيح، بلا مذكرات وبلا أطروحات تخالف الكتاب والسنة. قال ﵊: ﴿ينعقان بغنمهما فيجدانها وحوشاً﴾ تصبح المدينة خاوية، وانتهى كل من عليها: ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ * وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالْأِكْرَامِ﴾ [الرحمن:٢٦ - ٢٧]. الأطروحات، الهيئات، الكيانات، الزخارف، القصور، الدنيا، كل ذلك يذهب، ويبقى الواحد الأحد، وهذا الذي تفرد به الله، لا إله إلا الله. سمعتُ شريطاً قبل أسبوع للشيخ عبد المجيد الزنداني وفيه كلمة جيدة، يقابله شيوعي من شيوعي العرب، فيقول له: يا فلان، نحن إذا متنا حاسبنا الله الذي لا يموت ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لا يَمُوتُ﴾ [الفرقان:٥٨] وأنت فإنك تخاف من إلهك، وقد مات إلهك استالين ولينين وماركس، أصبحوا تراباً ورماداً، أما ربنا فهو الله الباقي، ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالْأِكْرَامِ﴾ [الرحمن:٢٧] ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [القصص:٨٨]. ثم يقول: ﴿حتى إذا بلغا ثنية الوداع خَرَّا على وجوههما﴾ انظر إلى هذا المشهد، لا إله إلا الله، لا يستطيعون دخول المدينة فتأتي الساعة فجأة، فيجمع الله الأولين والآخرين، ويقوم الفجرة من قبورهم، ويقولون -كما في القرآن الكريم-: ﴿يَا حَسْرَتَنَا عَلَى مَا فَرَّطْنَا فِيهَا﴾ [الأنعام:٣١] يا حسرتنا على الساعات الغالية! يا حسرتنا على الأيام والليالي! يا حسرتنا على الدقائق التي صرفناها! يا حسرتنا على القصور والبساتين والمتاع والمناصب! ﴿يَا حَسْرَتَنَا عَلَى مَا فَرَّطْنَا فِيهَا﴾ [الأنعام:٣١]. فيقول: ﴿فيجدانها وحوشاً؛ حتى إذا بلغا ثنية الوداع﴾ وثنية الوداع في المدينة، يقولون: يقابل مكة، وقيل: يقابل تبوك. أشرفَ من ثنية الوداع المصطفى ﵊، قيل: يوم الهجرة، وقيل: يوم عاد من تبوك، فخرج له أطفال المدينة فقد كان أباً، وأخاً، وحميماً، وكان قريباً من القلوب، وكان يحبه الناس كل الناس، عطف الله عليه القلوب، ولم يخلق الله أروع ولا أنبل منه، كان يربي ببسمته الأجيال والأطفال. فلما أقبل ﵊ خرج أطفال وجواري، وبنات المدينة، في طرف السِّكَّة يستقبلون البدر، ويقولون: طلع البدر علينا من ثنيات الوداعِ وجب الشكر علينا ما دعا لله داعِ أيها المبعوث فينا جئت بالأمر المطاعِ جئتَ شرَّفتَ المدينة مرحباً يا خير داعِ هذه أبيات رائعة، جميلة جداً، يُحَيَّا بها محرر العالم، فقد كانت الأمة عبيداً قبل أن يُبْعَث، وكانت ضائعة ضالة، فلما بُعِث أتى بهذا الوحي فحرر الأمة حتى جعلها أمة إسلامية تملك الدنيا ﵊.

стр. 5000

قيام الساعة كلمح البصر قال: ﴿خَرَّا على وجوههما﴾ في هذا الحديث دروس، منها: الأول: أن الساعة تأتي فجأة: ﴿يَسْأَلُكَ النَّاسُ عَنِ السَّاعَةِ قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ اللَّهِ﴾ [الأحزاب:٦٣] ويقول : ﴿وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ تَكُونُ قَرِيباً﴾ [الأحزاب:٦٣] فائدة: إذا قال الله في القرآن: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ﴾ فسوف يُخْبِرُه بعدُ، وإذا قال: ﴿وَمَا يُدْرِيْكَ﴾ فلن يخبره. فإذا قال: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ﴾: فسوف يخبره، مثل: ﴿الْقَارِعَةُ * مَا الْقَارِعَةُ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْقَارِعَةُ﴾ [القارعة:١ - ٣] فأخبره بقوله: ﴿يَوْمَ يَكُونُ النَّاسُ﴾ [القارعة:٤]. وإذا قال: ﴿وَمَا يُدْرِيْكَ﴾: فلن يخبره، مثل: ﴿وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ تَكُونُ قَرِيباً﴾ [الأحزاب:٦٣]. قال جبريل: ﴿يا رسول الله! متى الساعة؟ قال: ما المسئول عنها بأعلم من السائل﴾ يقول: أنا وأنت سواء، أنا لا أدري، وأنت لا تدري، تسألني وأنا لا أدري؟! لا يدري بها إلا الله، فقد استأثر بعلمها، ولم يخبر مَلَكَاً ولا نبياً ولا رسولاً ولا إنساناًَ ولم يُؤْتَ أحدٌ علمها حتى يُبْعَث الناسُ مباشرة. فنحن ننتظرها، ونسأل الله ألا يجعل أجورنا ذاهبة في الدنيا، ولا يجعل متاعنا ما قَدَّم لنا هنا، بل يجعل راحتنا وأنسنا هنا وهناك: ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ * لا يَسْمَعُونَ حَسِيسَهَا وَهُمْ فِي مَا اشْتَهَتْ أَنْفُسُهُمْ خَالِدُونَ﴾ [الأنبياء:١٠١ - ١٠٢]. أيها الإخوة، هذه الحلقة الأولى من سلسلة: دستور الصحوة الإسلامية، أسير معكم في رحلة ممتعة مع محمد ﵊ يتكلم لنا في شئون الحياة، والإيمان، والمعتقد، والتوحيد، ويتكلم لنا في الطهارة، والصلاة، والحج، ويتكلم لنا في البيت الإسلامي، مع الطفل، والزوجة، والأخت، ويتكلم لنا في الاقتصاد والسياسة، ويتكلم معنا في كل باب، علَّنا أن نفهم وأن نعي. اللهم انفعنا بما نسمع، اللهم انفعنا بما نقرأ، اللهم انفعنا بما نتعلم، اللهم اجعلنا من هذا الموكب الكريم، الذي يقوده محمد ﵊.

стр. 5001

آخر من يدخل الجنة بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الدرس الثاني الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه، وسلم تسليماً كثيراً. المقصود من هذا الكتاب: تربيةُ الجيل على كتاب الله وسنة رسوله ﷺ ورَدُّ الناس إلى المصدَرَين العظيمين، مصدَرَي التلقي، وهو العلم الصحيح الموروث عن معلم الخير ﷺ . فإن العلم صراحة: هو علم الكتاب والسنة، وما سوى هذين العِلْمَين: إما أن يكون شرحاً لهما، أو أن يكون تذييلاً عليهما، وإن كان معارضاً لهما، فهو علم باطل فاسد لا ينفع في الدنيا ولا في الآخرة. قال ﵊: ﴿آخر من يدخل الجنة: رجل يمشي على الصراط، فهو يمشي مرة، ويكبو مرة، وتصفعه النار مرة، فإذا جاوزها التَفَتَ إليها، فقال: تبارك الذي نجاني منكِ، لقد أعطاني الله شيئاً ما أعطاه أحداً من الأولين والآخرين، فتُرفَع له شجرة، فيقول: أيْ ربِّ! أُدْنُنِي من هذه الشجرة؛ لأستظل بظلها، وأشرب من مائها، فيقول الله: يا بن آدم، لعلِّي إن أعطَيْتُكَها سألتَني غيرَها، فيقول: لا، يا رب! ويعاهده ألا يسأله غيرها، وربه يعذره؛ لأنه يرى ما لا صبر له عليه، فيدنيه منها، فيستظل بظلها، ويشرب من مائها، ثم ترفع له شجرة أخرى، هي أحسن من الأولى، فيقول: أيْ ربِّ! أُدْنُنِي من هذه؛ لأشرب من مائها، وأستظل بظلها، لا أسألك غيرها، فيقول: يا بن آدم! ألم تعاهدني ألا تسألَني غيرَها؟! ويقول: لعلِّي إن أدنيتُك منها تسألني غيرها، فيعاهده ألا يسأله غيرها، وربه يعذره؛ لأنه يرى ما لا صبر له عليه، فيدنيه منها، فيستظل بظلها، ويشرب من مائها، ثم ترفع له شجرة عند باب الجنة، هي أحسن من الأَوْلَيَيْن، فيقول: أيْ ربِّ! أُدْنُنِي من هذه؛ لأستظل بظلها، وأشرب من مائها، لا أسألك غيرها، فيقول: يا بن آدم! ألم تعاهدني أن لا تسألني غيرها؟! قال: بلى، يا ربِّ! أُدْنُنِي من هذه، لا أسألك غيرها، وربه يعذره؛ لأنه يرى ما لا صبر له عليه، فيدنيه منها، فإذا أدناه منها سمع أصوات أهل الجنة، فيقول: أيْ ربِّ، أدخلنيها، فيقول: يا بن آدم! ما يُعْرِيْنِي منك؟﴾ ومعنى يعريني منك: أي: أَيُّ شيءٍ يرضيك؟ ويقطع السؤال بيني وبينك، ﴿أيرضيك أن أعطيك الدنيا ومثلها معها؟ فيقول: أيْ ربِّ! أتستهزئ مني، وأنت رب العالمين؟ فيقول: إني لا أستهزئ منك، ولكني على ما أشاء قادر﴾ رواه الإمام أحمد ومسلم عن ابن مسعود، وهو حديث صحيح. وفيه مسائل: أولها: أن دخول الجنة على درجات. ثانيها: أن الناس يتفاضلون في دخول الجنة بحسب أعمالهم. ثالثها: أن لدخول الجنة أولاً، وآخِراً. فلا يدخلون مرة واحدة؛ وإنَّما أولٌ وآخِرٌ، وأولُ مَن يدخل الجنة محمد رسول الله ﵊ وآخر من يدخل الجنة: هذا الرجل. رابعها: أن عصاة الموحدين يُعَذَّبُون، خلافاً للمرجئة الذين لا يفاضلون بالإيمان. خامسها: أن الخوارج قالوا بتخليد أهل الكبائر في النار، وقد كذبوا على الله، بل لا يُخَلَّد الموحِّد في النار، وقد يخرج بعد أن يبقى مدة في النار. سادسها: أن الله يخاطب الناس يوم القيامة كفاحاً، بلا ترجمان، ويتكلم معهم. سابعها: عِظَمُ ما أعطى الله لأقل المؤمنين في الجنة؛ فإنه ثبت من حديث أبي سعيد وأبي هريرة أن ﴿أدناهم منزلة من يملك مثل ملك الدنيا خمس مرات﴾ وقيل: ﴿عشر مرات﴾. أَقَلُّهُم مُلْكاً من الدنيا مَلَكْ وعشرةٌ أمثالها من دون شكْ لكنَّما موطن سوطٍ فيها خير من الدنيا وما عليها قلت لكم آنفاً: إن الدستور الذي بين يدَيَّ يحمل أحاديث العقائد، والآداب، والأخلاق، والسلوك، بينما أنت تسمع حديثاً في الفرائض، إذا به ينتقل بك إلى اليوم الآخر، ثم يعرج على الجهاد، ثم يصلك بالتربية، ثم يعود بك إلى الأحكام، فأنت بين روضة وأخرى.

стр. 5002

بعض الأصناف الذين لعنهم النبي ﷺ يقول ﵊: ﴿آكل الربا، ومُوْكِلُه، وكاتبه، وشاهداه إذا علموا ذلك، والواشِمَة، والموشومةُ للحُسْن، ولاوِي الصدقة، والمرتد أعرابياً بعد الهجرة، ملعونون على لسان محمد يوم القيامة﴾ رواه النسائي وابن خزيمة والحاكم عن ابن مسعود، وهو حديث صحيح. معنى المفردات: (آكل الربا): الذي يتناوله أكلاً مباشرة، أو لُبساً، أو استخداماً، أو سكنىً، أو مركوباً، أو يمتهنه في تجارة. (ومُوْكِلُه): الذي يُوْكِلُه غيره: كالصراف، والبائع، وحامل العقود، والكاتب عليها، والشاهد، وصاحب الإرشيف، والحارس، والفراش. (وكاتبه): الذي يكتب العقود، ويوقع على المُسَيَّرات والشركات والحوالات. (وشاهداه): اللذان يشهدان على العقد، إذا علموا ذلك؛ لأن الجاهل معذور. (والواشِمَة): هي التي تَشِمُ نفسَها بحبر أو ما يشابهه، وتغرزه في جسمها أو في وجهها، وهي التي تَشِمُ غيرها أيضاً. (والمَوْشُومة): التي تطلبه من غيرها، أو تطلب غيرَها أن يَشِمَها، وهو غرز الحبر أو المداد أو نحوهما في الخدود، وتَرَوْنَ كثيراً من النساء يفعلن ذلك؛ للحسن، بقصد الجمال. (ولاوِي الصدقة): أي: مانع الزكاة والمماطل والمؤخر لها إذا حلَّت عليه، مثل أن يطلبه الإمام أن يدفع الزكاة، فيماطل، ويقول: بعد غد، ويطلبه ثانيةً، فيقول: بعد شهر، بعد شهرين، فيماطله. (والمرتد أعرابياً بعد الهجرة): كيف؟ أي: أنه في عهده ﵊ كان إذا هاجر الرجل من مكة إلى المدينة انتهى، لا يرجع، فإذا ارتد إلى الأعرابية والصحراء وترك الهجرة، فإنه هو المقصود. (ملعونون على لسان محمد يوم القيامة): اللعن-نعوذ بالله منه- الطرد والإبعاد من رحمة الله، وقد لعن ﷺ أصنافاً. وشاهدُنا هنا: أول الحديث. وقد صح عند مسلم من حديث جابر أنه قال: ﴿لعن الله آكل الربا، ومُوْكِلَه، وكاتبه، وشاهديه، وقال: هم سواء﴾. وعند الحاكم وابن ماجة بسند صحيح، يقول ﵊: ﴿الربا ثلاثة وسبعون باباً، أدناها مثل أن ينكح الرجل أمه، وإن أربى الربا عِرض المسلم﴾.

стр. 5003

مكانة الدنيا عند الله ويقول ﵊: ﴿آكُلُ كما يأكل العبد، فوالذي نفسي بيده لو كانت الدنيا تزن عند الله جناح بعوضة، ما سقى منها كافراً كأساً﴾ رواه هَنَّاد في كتاب الزهد، عن عمرو بن مرة مُرْسَلاً، وهو صحيح. والمعنى: مرت امرأة بالرسول ﵊، فرأته يأكل وهو على التراب، وهو أشرف مَن خَلَقَ الله، لم يخلق الله في الناس أشرف منه ﷺ ، فرأته يأكل على التراب، وكانوا يقولون: إذا أكل -أحياناً- يجلس على رُكْبَتَيه كهيئة المصلي في التشهد. وهذه المرأة التي مرت: مشركة متكبرة، قالت للناس على الرسول ﵊: انظروا إليه، يأكل كما يأكل العبد، ويجلس كما يجلس العبد، فَرَدَّ عليها، وقال: ﴿آكُلُ كما يأكل العبد، فوالذي نفسي بيده! لو كانت الدنيا تزن عند الله جناح بعوضة ما سقى منها كافراًَ كأساً﴾. الدنيا سهلة، وليس منزلة الإنسان عند الله بما يعطيه من الدنيا، أفجر الفجرة قد يعطيه الله الملايين المُمَلْيَنَة والقصور والدور والدنيا والذهب والفضة؛ ولكن لا يساوي عند الله جناح بعوضة، وتجد المؤمن التقي البار لا يجد كسرة خبز في اليوم؛ وأحياناً ينام على الرصيف؛ لأن الموازين ليست بالدنيا. وقوله ﵊: ﴿جناح بعوضة﴾ الجناح: هو طرف هذه البعوضة (النامِسَة) بمعنى: أن الله لا يضرب للدنيا وزناً كوزن جناح البعوضة هذه التي ترونها إذا طارت به. فالدنيا سهلة عند الله . وفي حديث صحيح: ﴿إن الله يعطي الدنيا من يحب، ومن لا يحب، ولا يعطي الدين إلا من أحب﴾ فمن أعطاه الله الدين فقد أحبه، والله ينظر إلى القلوب، فيرى من يستحق هذه الرسالة والإيمان والقرآن فيمنحه الدين، ويرى أن بعض الناس لا يستحق الإيمان والصلاح، فلا يمنحه الإيمان: ﴿وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْراً لَأسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ﴾ [الأنفال:٢٣]. ولما كان الإيمان غالياً، أعطاه الله بعض الناس من الفقراء والموالي، وحرمه بعض الأشراف من كفار مكة، ولذلك مات بعض الكفار كافراً، وقُتِلوا في بدر ودخلوا النار، أما الإيمان فعزيز، من أعطاه الله الإيمان فقد أحبه، ومن أدخل الإيمان بيته فقد أحبه. وقوله: ﴿ما سقى منها كافراً كأساً﴾ مع العلم أن الكفار قد يتمتعون من الدنيا أكثر مِمَّا يتمتع المؤمن: ﴿وَلَوْلا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً لَجَعَلْنَا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفاً مِنْ فِضَّةٍ وَمَعَارِجَ عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ * وَلِبُيُوتِهِمْ أَبْوَاباً وَسُرُراً عَلَيْهَا يَتَّكِئُونَ * وَزُخْرُفاً وَإِنْ كُلُّ ذَلِكَ لَمَّا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةُ عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [الزخرف:٣٣ - ٣٥].

стр. 5004

العبودية لله يقول ﵊: إنه عبدٌ لله، ولما أطراه ومدحه عامر بن صعصعة أحد وفود العرب، قال الرسول: ﴿يا أيها الناس! قولوا بقولكم، أو ببعض قولكم، ولا يستجرينكم الشيطان، إنما أنا عبد الله ورسوله، فقولوا: عبد الله ورسوله﴾. وقد ذكر الله له العبودية في مقام التشريف، وهي: ذكره في الإسراء، فقال: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى﴾ [الإسراء:١]. وذكره في مقام الدعوة، فقال: ﴿وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ كَادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَداً﴾ [الجن:١٩]. وذكره في مقام الإنزال، فقال: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيراً﴾ [الفرقان:١]. لا تدعُنِي إلا بـ (يا عبدها) فإنه أشرف أسمائي فأشرف أسمائه: العبودية لله، ومن لا يكون عبداً لله، كان عبداً لشيطانه وشهواته وغروره.

стр. 5005

الفقر والشريعة البيضاء وقال ﵊: ﴿آلْفَقْرَ تخافون؟ والذي نفسي بيده لَتُصَبَّنَّ عليكم الدنيا صَبَّاً، حتى لا يزيغَ قلبَ أحدِكم إذا أزاغَهُ إلا هي، وايْمُ الله لقد تركتكم على مثل البيضاء ليلها ونهارها سواء﴾ رواه ابن ماجة عن أبي الدرداء، وسنده حسن. معاني المفردات: ﴿آلْفَقْرَ تخافون؟﴾ معناه: هل تخشون الفقر من بعدي؟! وهذا الاستفهام للإنكار، أي: لا تخشوا الفقر؛ فإنه لا يُخْشَى منه، ولا تموت الأمة بالفقر، بل الذي قَتَل الناس هو الغنى، والذي دمَّر كثيراً من البيوت هو المال والثراء. ﴿والذي نفسي بيده لَتُصَبَّنَّ عليكم الدنيا صَبَّاً﴾ أي: لَتَكْثُرَنَّ عليكم الأموال كثرة هائلة، وقد حدث هذا، حتى أصبح الغنى أمراً عجيباً. ثم يقول: ﴿لا يزيغَ قلبَ أحدِكم إذا أزاغَهُ﴾ أي: لا يَمِيْلُه، كما قال تعالى: ﴿رَبَّنَا لا تُزِغْ قُلُوبَنَا﴾ [آل عمران:٨] والزَّوَغان: الميل، ولا يُمِيْلُ القلوبَ إلا الدنيا، ولذلك نسبة الانحراف في الأثرياء أكثر منها في الفقراء؛ وإلاَّ فعلى مستوى الأفراد قد يأتي الثري أتقى لله، وأصلح من الفقير، وهذا أمر مُشاهَد. ﴿وايْمُ الله﴾ وهذا قسم، كان يقسم به ﵊ وهو مثل: تالله، وبالله، ووالله. ﴿لقد تركتكم على مثل البيضاء﴾ أي أن الشريعة والسنة مثل البيضاء، قيل: البيضاء هي الطريق الواضحة، وقيل: البيضاء الليلة المقمرة، وقيل: البيضاء: هي المسلك الذي لا عوج فيه. وكل المعاني صحيحة. ﴿ليلها ونهارها سواء﴾ تَرَكَنا ﵊ على محجة واضحة، لا لَبْس فيها، وهي ظاهرة للعَيان، وشريعة كاملة، ولذلك قبل سنوات كان في الناس عدم تَمَيُّز، يعيش الناس في العالم في ثلاث معسكرات: معسكر إلحاد. ومعسكر إيمان صريح صحيح. ومعسكر وسط، فهم قوم تأتيهم شُبَهٌ وخطراتٌ؛ لكنه وسط، قد يصلون ويصومون ويحجون ويعتمرون، ولكنهم لم يتميزوا، لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء. ولكن في هذه الصحوة، والعودة إلى الله أصبح اليوم هناك تَمَيُّزٌ، حتى على مستوى العالم، لا تجد العالم الآن إلا يناشد التميز، حتى البلشفي الروسي الملحد أصبح يتميز، إما أن يدخل في دين، وإما أن يتجرد عن دين. وهذا معلوم لديكم، كَمَنْ يقرأ كتاب الانفتاح المترجم والموجود لـ جرباتشوف، الذي أصبح قبل سنتين نصرانياً مسيحياً، أي أنه تَدَيَّن، وأصبحت وُلايَتا أذربيجان وأوزبكان، والولايات الجنوبية في شمال أفغانستان أصبحت تنشد الإسلام. رُفِعَ (لا إله إلا الله) على المآذن، إمَّا دينُ إسلامٍ، وإما تبروء خالص، أما هذا الوسط، فإنه قليل في الناس، وهذا حتى في واقعنا اليوم، إما قوم أقبلوا على الهداية، وأقبلوا على الرب ، وعلى المسجد، وإما قوم ينحرفون تماماً، وهذا هو الصحيح في هذه المسألة وفي أمثالها ولها بحث آخر، وسوف يكون هناك -إن شاء الله- محاضرة عن مسألة (الشيوعية: أصولها ونتائجها) وعن: (أدوار العلمانية) بإذنه بعد شهر أو ما يقارب ذلك. قوله ﷺ : ﴿آلْفَقْرَ تخافون؟ والذي نفسي بيده! لَتُصَبَّنَّ عليكم الدنيا صَبَّاً﴾ كان الصحابة في الغالب فقراء؛ فإذا أتت غنيمة اجتمعوا عند الرسول ﵊ فحذَّرهم، وأخبرهم أن الفقر لا يُخْافُ منه، بل يُخَافُ من الغنى، حتى يقول ابن عوف ﵁ وأرضاه: [[ابتُلِينا بالضراء؛ فصبرنا، وابتُلِينا بالسراء؛ فلم نصبر]] أي: ابتُلِينا بالفقر؛ فصبرنا، فلما ابتُلِينا بالغنى ما صبرنا، ويقول أحد السلف: [[كنا فقراء متآخين، فلما تغانينا واغتنينا حمل بعضُنا السيف على بعض]]. مَرَّ قيسُ بن زهير - وهو شيخ من مشايخ القبائل في الجاهلية - بقومه؛ فوجدهم فقراء، قال: الحمد لله، قالوا: ما لك؟ قال: يتعاونون ويتساعدون، ثم مَرَّ بعد سنة، وإذا هم أغنياء، عندهم خيل وبقر وإبل، فغضب، قالوا: ما لك؟ قال: يتقاتلون، وما مَرَّ على كلامه أشهر إلا وقد وقعت مقتلة بينهم. فالغنى له أسباب وتأثيرات، منها: الحسد، والضغينة، والبغضاء، والتناحر، وترك الطاعة عند كثير من الناس؛ لأنهم يشتغلون بأموالهم من دون الله .

стр. 5006

شرح حديث وفد عبد القيس قال ﵊: ﴿آمُرُكم بأربع، وأنهاكم عن أربع. آمركم بالإيمان بالله وحده، أتدرون ما الإيمان بالله وحده؟ شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصيام رمضان، وأن تؤدوا خُمُس ما غنمتم. وأنهاكم عن الدُّبَّاء، والنقِير، والحَنْتَم، والمُزَفَّت، احفظوهن، وأخبروا بهن من وراءكم﴾ رواه البخاري ومسلم وأبو داوُد والترمذي والنسائي عن ابن عباس، وهو حديث صحيح. سبب الحديث: وفَدَ قوم من عبدُ قيس من الأحساء، وهذه من أعظم الوفود عند العرب، وفَدوا عليه ﵊ من الأحساء وكانت تسمى البحرين، فإذا أطلقت البحرين في الحديث، فالمقصود بها الأحساء لا البحرين هذه التي عاصمتها المنامة. فوصلوا إليه ﵊ وفيهم أشج عبد القيس، فلَبِس أشجٌّ هذا وهو أحدهم لباساً طيباً، وتطيَّب، فقال له ﵊: ﴿إن فيك خصلتين يحبهما الله: الحِلْمَ، والأناة قال: أَتَخَلَّقْتُ بهما يا رسول الله؟ أم اللهُ جَبَلَنِي عليهما؟ قال: الله جَبَلَك عليهما. قال: الحمد لله الذي جَبَلَني على خُلُقَين، أو صِفَتَين، يحبهما الله ورسوله ﷺ . فقال لهم: مَن القوم؟ قالوا: عبد قيس. قال: مرحباً بالقوم، غير خزايا ولا ندامى﴾: خزايا: جمع خَزْيان، وندامى: جمع ندمان، يقول: لا تخزون في الدنيا ولا تندمون في الآخرة. معاني المفردات: قالوا: مُرْنا بأمر. قال: ﴿آمركم بأربع، وأنهاكم عن أربع﴾ اسمع الجمال والأسلوب، واسمع الكلمات الحية التي أحيت شعوباً وأجيالاً. قال: ﴿آمركم بالإيمانُ بالله وحده﴾ هذا يسمى لَفّ ونَشْر عند أهل البلاغة، لا يستطيع اللَّفِّ والنَّشْر إلا محمد ﵊ يلُفُّ العبارة ويجملها، ويقول: ﴿أوتيتُ جوامع الكَلِم﴾ اخْتُصِر لي الكلام اختصاراً وأوتيتُ فواتحه وخواتمه، فهو أفصح من نطق بالضاد، الآن يلُفُّ، ويقول: ﴿آمركم بالإيمان بالله وحده﴾ هذا لَف ونشر. ﴿أتدرون ما الإيمانُ بالله وحده؟﴾ ويسمي هذا أهلُ الصحافة: الموجز والتفصيل، فإذا قرأ مذيع الأخبار قال: كان هذا هو الموجز، وإليكم تفصيل الأنباء، وأهلُ العربية من السلف يقولون: اللَّف والنشر، فالرسول ﷺ يلُف، ويقول: هذا هو الموجز، وإليكم التفصيل. قال: ﴿أتدرون ما الإيمانُ بالله وحده؟ شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصيام رمضان﴾ ولم يذكر الحج، لماذا؟ قيل: لأن الوفد أتى قبل أن يُفْرض الحجُ من السماء. ﴿وأن تؤدوا خُمُس ما غنمتم﴾ من المغانم، تؤدوها لبيت المال. ﴿وأنهاكم عن الدُّبَّاء﴾ الدُّبَّاء: القَرْع، إذا جُوِّفَ القَرْعُ، وأُخِذَ ما بداخله، فقد كانوا يأخذون أسطُل القَرْع، وبيوت القَرْع، وآنية القَرْع، فيجعلون فيها زبيباً وشعيراً وبراً فتتحول إلى خمر وتتخمَّر فيها. ﴿والنَّقِير﴾ كانوا ينْقُرون عضو الشجرة فيجعلون فيها الخمر. ﴿والحَنْتَم﴾ وكذلك الحَنْتَم، قالوا: القارّ، أو الزِّفْت، يصبغونه فيصبح أدوات فخار. ﴿والمُزَفَّت﴾ يطلونه بالقارّ، ولكن الصحيح عند الإمام أحمد وغيره من المحدثين أن هذا منسوخ بقوله ﵊ في صحيح مسلم: ﴿اشربوا في كل شيء، ولا تشربوا مسكراً﴾. فلك أن تشرب في هذه دون أن تشرب مسكراً، فإن المسكر محرم. قال: ﴿احفظوهن، وأخبروا بهن من وراءكم﴾. وصلى الله على محمد، وآله وصحبه، وسلم تسليماً كثيراً. والله الموفق.

стр. 5007

شرح حديث: (آمركم بثلاث: أن تعبدوا الله) بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الدرس الثالث: الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه وسلم تسليماًَ كثيراً. هذا هو الدرس الثالث من كتاب (دستور الصحوة الإسلامية). ويُقْصَد من هذه الدروس: تعميق التربية النبوية، وترسيخ تعاليم الإسلام في قلوب الناشئة؛ ليكون العلم الموروث عن معلم الخير ﵊ هو العلم المطلوب والمرغوب فيه، ولينشأ جيل الإسلام على كتاب الله وعلى سنة رسوله ﷺ . وهذا الكتاب كله صحيح، أحاديثه صحيحة، ما بين أحاديث في العقائد، وأحاديث في الأحكام، وأحاديث في التربية والأخلاق والسلوك. وهو لم يُرتَّب على باب، بل هو منثور كالروضة، مرة وأنت تعيش في عقيدة، ثم تنتقل إلى خلق، ثم تعود إلى سلوك، وهكذا. من هذه الأحاديث: قوله ﵊: ﴿آمركم بثلاث، وأنهاكم عن ثلاث: آمركم أن تعبدوا الله ولا تشركوا به شيئاً، وأن تعتصموا بحبل الله جميعاً ولا تفرقوا، وتسمعوا وتطيعوا لمن ولاه الله أمركم. وأنهاكم عن قيل وقال، وكثرة السؤال، وإضاعة المال﴾ هذا الحديث بهذا اللفظ رواه أبو نُعيم في الحلية، وسنده صحيح. وشرط ما يتلى في هذا الكتاب أن تكون أحاديثه صحيحة كلها ليس فيها ضعيف أبداً, ولا موضوع، بل هي صحيحة إن شاء الله.

стр. 5008

معاني المفردات أما قوله ﷺ : ﴿آمركم بثلاث﴾ فالأمر إذا أُطْلِقَ يقتضي الوجوب. ﴿وأنهاكم عن ثلاث﴾ النهي إذا أُطْلِقَ يقتضي التحريم. والتحليل والتحريم ليس إلا للشارع الحكيم، ليس لأحد من الناس: ﴿وَلا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لا يُفْلِحُونَ﴾ [النحل:١١٦] فليس لأحد أن يحلل أو يحرم ألا الله ورسوله ﵊. والله يقول في وصف رسوله ﷺ : ﴿وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ﴾ [الأعراف:١٥٧].

стр. 5009

فضل التوحيد والنهي عن الشرك ثم قال ﷺ : ﴿آمركم أن تعبدوا الله ولا تشركوا به شيئاً﴾ هذه كلمة التوحيد، وهذه ملخص رسالته ﵊ فقد جاء بهذه الكلمة، ودعا لتوحيد الألوهية، أما توحيد الربوبية فمقرر في الفِطَر، ما أنكر الصانع في الظاهر إلا فرعون، وإلاَّ فإن الكفار يشهدون أن الذي خلق السماوات هو الله، والذي خلق الأرض هو الله، والذي أبدع هو الله؛ لكنهم يدعون معه إلهاً آخر، فكل نبي أتى معه بدعوة توحيد الألوهية: ﴿أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ [المؤمنون:٣٢] والتوحيد ثلاثة أقسام: الأول: توحيد ربوبية. الثاني: توحيد ألوهية. الثالث: أسماء وصفات. فالربوبية: مقرر، وجاء به ﷺ . والألوهية: أنكره الكفار، وهو عمدة رسالته ﷺ . والأسماء والصفات: أتى به ﵊ على أكمل وجه، وليس هذا محل بحثها؛ ولكن المبحث: ﴿آمركم أن تعبدوا الله ولا تشركوا به شيئاً﴾ إذ قال الله: ﴿وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [الزمر:٦٥] وفي الصحيحين: أن معاذاً كان رديف الرسول ﵊ فقال له ﵊: ﴿يا معاذ، أتدري ما حق الله على عباده؟﴾ قال: الله ورسوله أعلم، قال: أتدري ما حق العباد على الله؟ قال: الله ورسوله أعلم، قال: فإن حق الله على عباده: أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئاً، وحق العباد على الله: ألا يعذب من لا يشرك به شيئاً﴾.

стр. 5010

أهمية وحدة المسلمين على كتاب الله ثم قال ﵊: ﴿وأن تعتصموا بحبل الله جميعاً ولا تفرقوا﴾ حبل الله قيل: الرسالة، وقيل: القرآن، وقيل: الرسول، وقيل: محمد ﵊ وقيل: (لا إله إلا الله) ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَاناً﴾ [آل عمران:١٠٣]. وحبل الله يشمل الجميع، فهو: الإسلام، والدين، والرسول ﵊ والقرآن. وقوله: ﴿وأن تعتصموا﴾ الاعتصام: الالتجاء والتمسك. ﴿ولا تفرقوا﴾ التفرق مذموم، قال : ﴿وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [آل عمران:١٠٥].
следующие страницы →