← Джавами‘

Джавами‘ · id 7708

دروس الشيخ عائض القرني

عائض القرني

Полный текст (10 391 стр.). Показаны 5111–5150 · переход к 5116.

стр. 5111

الإيمان والحب بين المؤمنين يقول ﵊: ﴿والله لا تؤمنوا -وفي لفظ آخر- والله لا تدخلوا الجنة حتى تؤمنوا ولا تؤمنوا حتى تحابوا، أفلا أدلكم على شيء إذا فعلتموه تحاببتم؟ أفشوا السلام بينكم﴾. تريدون أن تدخلوا الجنة بالإيمان، لكن من أين يأتي الإيمان؟ أصلاة وزكاة وحج وعمرة لكن ضغينة وقلب يتوقد على عباد الله؟! إنسان يريد لكثير من الناس السوء والمحق والخسار والدمار أين مفهوم الإسلام؟ ﴿والله لا تدخلوا الجنة حتى تؤمنوا، ولا تؤمنوا حتى تحابوا، أفلا أدلكم على شيء إذا فعلتموه تحاببتم؟ أفشوا السلام بينكم﴾ ما أحسن هذا الكلام! أتى أبو بكر ﵁ وأرضاه، فسمع أن الأنصار بعد وفاة المصطفى ﷺ اجتمعوا في سقيفة بني ساعدة لأخذ زمام المبادرة في الحكومة الجديدة الإسلامية، وقالوا: منا الخليفة. أبو بكر تعلم في مدرسة الإسلام أن الأمور تؤخذ بالشورى وبالنصيحة لعباد الله وباللين. فذهب إلى عمر فقال عمر: إنا نخاف على أنفسنا سبحان الله! أمن الأنصار؟! ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّأُوا الدَّارَ وَالْأِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾ [الحشر:٩]. قال أبو بكر: لا والله، هم الأنصار. يكفي أنهم الأنصار، فدخلوا عليهم ليسمعوا الكلام، ويتثبتوا من الحديث، ويدلوا بالآراء، فالأمر شورى والحقوق قضاء، فجلس أبو بكر وسمع أنهم يريدون الخلافة فيهم، قال عمر: وقد زورت كلاماً في صدري (أي أنه حضر محاضرة رنانة طنانة في صدره) ولكن أبا بكر لم يسمح له وقال: على رسلك يـ ابن الخطاب! وابتدأ الصديق شيخ الخلافة يتكلم بكلام كالدر، أترون الدر كيف ينسكب؟! الكلمة الطيبة يحيى الله بها القلوب، وتأسر الأرواح وتسل الضغينة: بالله لفظك هذا سال من عسل أم قد صببت على أفواهنا العسلا أم المعاني اللواتي قد أتيت بها أرى بها الدر والياقوت متصلا لو ذاقها مدنف قامت حشاشته ولو رآها غريب داره لسلا ﴿وَقُلْ لِعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [الإسراء:٥٣] فإن التي هي أسوأ تشتت، الكلمة غير المسئولة تهدم أكثر مما تبني، الكلمة المدمرة تهدم الصفوف، تضيع الجهود، تحرق الأوراق في الساحة. فقال أبو بكر: يا معشر الأنصار! جزاكم الله عن الإسلام وعنا خير الجزاء، واسيتمونا بالدار والمال، والله ما مثلنا ومثلكم يا معشر الأنصار إلا كما قال طفيل الغنوي -وهو شاعر جاهلي يمدح قبيلة: جزى الله عنا جعفراً حيث أشرفت بنا نعلنا في الشارفين فزلتِ همُ خلطونا بالنفوس وألجئوا إلى غرفات أدفأت وأظلتِ أبوا أن يَمَلُّونا ولو أن أُمَّنا تلاقي الذي يلقون منا لملَّتِ ثم قال: نحن الأمراء وأنتم الوزراء، نحن الشعار وأنتم الدثار، والخلافة فينا، فقاموا وصافحوه وبايعوه. هذا الحديث رواه الشافعي في كتاب السير بسنده إلى الشعبي. لما بايعوه لأن كلمته طيبة، منتجة، مثمرة، فرضي الله عنه وأرضاه.

стр. 5112

صفات الحب المطلوب الرسول ﷺ يذكرنا بحق المؤمن على المؤمن: ﴿لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه﴾ هل سأل أحدنا نفسه وهو على الفراش قبل أن يداعب أجفانه النوم: ألا أحب للمسلمين وللدعاة والعلماء مثلما أحب لنفسي؟ ليعلم أنه إن لم يصل إلى هذه المرتبة فإنه ضعيف الإيمان، وأن في إيمانه عوجاً ومرضاً؛ كيف نتوضأ بالماء البارد، ونزيل القشور والغبار عن أيادينا، وقلوبنا حارة ملتهبة على عباد الله؟!

стр. 5113

صفاء السريرة طريق الجنة دخل رجل على رسول الله ﷺ ولحيته تتقاطر بالماء البارد الذي يشبه قلبه في برودته، جميل المحيا جمال مبدئه وعقيدته، فقال ﵊ قبل أن يدخل: سوف يطلع عليكم رجل من أهل الجنة من هذا الباب، وأتى الرجل الذي هو من أهل الجنة وجلس، وفي اليوم الثاني يأتي الرجل ويتوضأ، ويأخذ حذاءه بشماله فيقول ﷺ : يطلع عليكم الآن رجل من أهل الجنة فيخرج الأول، وفي اليوم الثالث يخبر ﷺ فيأتي ذاك الرجل؛ فيقوم ابن عمر فيذهب معه. ما هي مواصفات هذا الرجل الذي هو من أهل الجنة؟ ألصيامه؟ ألقيامه؟ ألدروسه ومحاضراته؟ ألمخيماته ومراكزه؟. وصل معه إلى بيته ونام، لكن هذا الرجل نام ولم يقم ليصلي من الليل، وصلاة الليل لها طعم عند العباد والأخيار قلت لليل: هل بجوفك سر عامر بالحديث والأسرار قال: لم ألقَ في حياتي حديثاً كحديثِ الأحبابِ في الأسمارِ لم يقم الليل، وحين أذن المؤذن لصلاة الفجر انبعث الرجل من فراشه يقول: لا إله إلا الله، قال ابن عمر: لعل الرجل خادعني أول ليلة حتى لا يظهر عمله. وفي الليلة الثانية جلس معه، ولكن ما تغير في برنامج عمله شيء، وفي الليلة الثالثة كذلك؛ فانطلق إليه وقال له: ما جئتك إلا لأنني سمعت الرسول ﷺ يخبرنا أنك من أهل الجنة ثلاث مرات، فما هو عملك؟! قال: عملي هذا الذي رأيت. فولى، وتوادعا، فلما مشى قال له: تعال! أما إن سألتني عن عملي، فوالله الذي لا إله إلا هو إني أبيت وليس في صدري لأحد من الناس غش ولا غل.

стр. 5114

لزوم جماعة المسلمين في مسند الإمام أحمد بسند صحيح: ﴿ثلاث لا يغل عليهن قلب امرئ مسلم: إخلاص العمل لوجه الله، ومناصحة ولاة الأمور، ولزوم جماعة المسلمين﴾ هذه الثلاث إذا وجدها العبد في نفسه فليحمد الله تعالى على ذلك. فإن الرسول ﷺ يقول: ﴿من أحب لله وأبغض لله وأعطى لله ومنع لله، فقد استكمل عرى الإيمان -أو فقد استكمل الإيمان- وأوثق عرى الإيمان الحب في الله، والبغض في الله﴾ كما ورد في حديث أبي داود بسند صحيح. يا أخوتي في الله، يا عباد الله! هذا الكتاب والسنة يخبرنا بأدب الإخاء، بأدب الحب والحوار، بأدب تقارب وجهات النظر، ولننظر إلى الصحابة.

стр. 5115

الأخوة عند السلف الصالح الرسول ﷺ يأتي إلى عمر -كما عند الترمذي وبعض المحدثين يضعف هذا الحديث والصحيح أنه حسن- ودع عمر ﵁ الرسول ﷺ لأخذ العمرة فقال ﷺ لـ عمر وهو يعانقه: ﴿لا تنسنا من دعائك يا أُخَيَّ. يقول عمر: فقال كلمة ما أريد أن لي بها الدنيا وما فيها﴾. إن قد عز في الدنيا اللقاء ففي مواقف الحشر نلقاكم ويكفينا آخيتمونا على حب الإله وما كان الحطام شريكاً في تآخينا هذا هو الحب يا أخي. عمر تلميذ لمحمد ﵊، وهو ورقة من شجرته المباركة، وقطرة من بحره ﷺ ، ومع ذلك يقول: لا تنسنا من دعائك يا أخي. يقول عمر: [[والله إنها لتطول علي الليلة إذا تذكرت أخاً لي أريد الصباح أن يصبح لأعانقه]]. وورد عنه في السيرة أنه لما صلى الفجر قال: أين معاذ؟ قال: هأنذا يا أمير المؤمنين. قال: تعال، لقد تذكرتك البارحة فبقيت أتقلب على فراشي حباً وشوقاً إليك، فتعال، فتعانقا وتباكيا.

стр. 5116

الإخاء الصادق: عمر وأبو عبيدة عند ابن كثير وابن جرير أن عمر عندما سافر إلى الشام قال: أين أخي؟ قالوا: كلنا إخوانك. قال: أخي أبو عبيدة. قالوا: يأتيك الآن. فهو له أخ من نوع آخر، أخ قريب وحميم. يقول عمر للناس: تمنوا. فكلهم يتمنى أمنيته؛ فيقول عمر: أتمنى أن لي ملء هذا البيت رجالاً من أمثال أبي عبيدة ﵁ وأرضاه. فقال: أين أخي؟ قالوا: أخوك يأتيك الآن. فأتى أبو عبيدة على ناقة ليس عليها قتب، وخطامها من ليف، فتعانقا وجلسا على الطريق يبكيان. يقول أحدهما: تخلفنا عن الرسول ﷺ وفعلنا وفعلنا. قال عمر: يـ أبا عبيدة أريد أن أبيت عندك الليلة. قال: تريد أن تعصر عيونك عندي بالبكاء؟ قال: أريد أن أبيت الليلة عندك؛ فأتى، وأبو عبيدة آنذاك أمير الأمراء، ودخل معه وقدم له خبز الشعير على الملح، يأكلون خبز شعير ولكن قلوبهم ترتحل إلى الله، إخاءً وحباً وصفاءً. إن الدنيا ليس لها طعم مع الفرقة، إن الإمكانيات التي تطرح وتقدم من خدمات ليس لها مذاق مع الشتات؛ فجلس معه فلما أراد أن ينام قدم له شملة، افترش نصفها والتحف نصفها، فأخذ عمر الشملة يبكي داخلها، ويقول: أمير الأمراء على شعير، أمير الأمراء على ملح، أمير الأمراء على شملة!!؟ قال أبو عبيدة وهو يسمع بكاء الخليفة: أما قلت: إنك سوف تعصر عيونك عندي في البيت. ؟ سبحان الله! ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾ [الأنعام:٩٠].

стр. 5117

ابن المبارك يشعل لهيب الشوق بين الإخوة يقول ابن المبارك إذا ودع أصحابه وأحبابه وإخوانه وهو يبكي: وخفف وجدي أن فرقة واحد فراق حياة لا فراق ممات فمتى نشعر بهذه الأخوة تحت مظلة لا إله إلا الله محمد رسول الله؟ وسوف أتكلم إن شاء الله عن إعطاء الناس حقوقهم بنسب إضافية؛ فإن الرجل يذكر بما فيه من كمال، ويحب بما فيه من طاعة ويبغض بما فيه من معصية؛ لأننا شهداء ولأننا قائمون بالقسط كما أمرنا الله بذلك، ولأن الإنسان لا ينبغي إلا أن يكون عادلاً، والظلم لا ينبغي في الحكم على الناس في الجرح والتعديل، في الحب والبغض، في الولاء والبراء.

стр. 5118

أبو الدرداء والدعاء للإخوان يقول أبو الدرداء: [[إن من إخواني من أدعو لهم في السحر وأسميهم]] منهم زملاؤه من الصحابة. أرأيتم أن أحداً منا يقوم في السحر فيقول: اللهم اغفر لفلان بن فلان وفلان بن فلان وفلان بن فلان، فيورد قائمة طولها سبعون اسماً؟! هذا أبو الدرداء يفعل ذلك، وهذه مدرسة أبي الدرداء التي تحبب الود وتزرع الحب. لوحوا بالكنوز راموا محالاً وأروني تلك الدنانير ملسا لا أريد المتاع فكوا عناني أطلقوا مهجتي فرأسي أقسى واتركوني أذوب في كل قلب أغرس الحب في حناياه غرسا هو أبو الدرداء يدعو لسبعين من الصحابة في السحر.

стр. 5119

الشافعي وأحمد على الطريق يقول الإمام أحمد لابن الشافعي: "أبوك من الذين أدعو الله لهم في السحر" هما زميلان ومن الأقران، والأقران بينهم حرب شعواء بالجملة، ولذلك يقول الذهبي: كلام الأقران بعضهم في بعض يطوى ولا يروى وقاعدة الجرح والتعديل التي عليها الجمهور أن كلام الأقران في الغالب لا يقبل في بعضهم. وورد عن ابن عباس أنه قال: [[لَلْعلماء -أو الأقران- أشد تغايراً أو تعايراً من التيوس في زريبتها]]. قد تجد داعية إذا ذكر داعية، هون من شأنه، وقلل من قيمته، وترك حسناته التي كأنها الجبال، وأتى إلى سيئاته التي كأنها العصافير والذباب، فضخمها وشخصها للناس سبحان الله ألا تنغمر ذرات سيئاته في بحار حسناته عند الله ؟! فلماذا تغمر جبال حسناته في ذرات سيئاته؟! أين العدل؟ ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً﴾ [البقرة:١٤٣]. أحمد أرسل له الشافعي قصيدة مبكية، إذا لم يفهم النثر أهل النثر فالشعر يفهمهم، وقد تكرر هذا ولكن كرر العلم يا جميل المحيا وتدبره فالمكرر أحلى قالوا: تكرر قلت أحلى علماً من الأرواح أغلى فإذا ذكرت محمداً قال الملا أهلاً وسهلا هذه بضاعة أولئك الملأ الذين نصروا الإسلام، كان الإسلام في عهدهم مرتفع الهامة، قوي البنية، لكن لما أتى الاختلاف والشقاق، حوصرنا وحاصرنا الأعداء من كل جانب، يختلف الأعداء لكن في حربنا يتفقون. كتب الشافعي إلى أحمد يقول: أحب الصالحين ولست منهم لعلي أن أنال بهم شفاعة يـ ابن إدريس لست من الصالحين؟! إذاً من الذي سيكون من الصالحين إذا لم تكن أنت منهم؟! أحب الصالحين ولست منهم لعلي أن أنال بهم شفاعة وأكره من تجارته المعاصي ولو كنا سواء في البضاعة ثم يذكر الإمام أحمد بمنهج دعوي طيب لا يغيب عنه: تعمدني بنصحك في انفراد وجنبني النصيحة في الجماعة فإن النصح بين الناس نوع من التوبيخ لا أرضى استماعه

стр. 5120

الحسن وابن سيرين في التعامل مع المغتاب إن من سبك لم يهد لك إلا حسناته، ومن ذمك لم يقدم لك إلا درجاته في الجنة، ومن جرحك ما أعطاك إلا أجره، ومن اغتابك ما أعطاك جائزة إلا ثوابه عند الله. أتوا إلى الحسن البصري فقالوا: اغتابك فلان اليوم. هؤلاء قوم متبرعون لا هم لهم إلا نقل الكلام، إذا أصبحوا في الصباح قالوا: أصبحنا وأصبح الملك لله، وأصبحنا عباداً لله، ننقل النميمة بين عباد الله. فينقلون الكلام بين الناس، ويجلس مع هذا وينقل الكلام لهذا، ثم يحول إلى هذا متبرعون وأجرهم على الله! فأتوا إليه قالوا: سبك فلان اليوم. قال: ماذا قال في؟ قالوا: قال فيك كيت وكيت. فأخذ الحسن رطباً في طبق وقال: اذهب به إليه، وقل له: أهديت لنا حسناتك وأهديناك رطباً. والحسنات أغلى من الرطب، ما سمعنا أن البلح يوماً من الأيام حتى في الغلاء أغلى من الحسنات. وجاء رجل إلى ابن سيرين قال: اغتبتك اليوم فسامحني. قال: والله لا أحل لك ما حرم الله. وهذا منهج آخر. وابن سيرين فقيه عاقل، لو قال له: سامحك الله لرجع هذا الرجل يأخذ الناس في قوائم، كلما أصبح وكلما أمسى يجرح ويعدل، ويمدح ويذم، فأوقفه عند حده حتى يكون درساً له لا يغيب عنه. يا إخوتي في الله إن مدرسة الصحابة رضوان الله عليهم يوم أتت أتت بالحب والصفاء والود، كان الواحد منهم إذا غاب ثم أتى، استقبل استقبالاً حافياً بعناق وأخوة وحب في الله.

стр. 5121

قاعدة في الولاء والبراء صاحب الإحياء - الغزالي - ينسب أثراً إلى ابن عمر وهو صحيح قال ابن عمر: [[والله لو أنفقت أموالي غلقاً غلقاً في سبيل الله وصمت النهار لا أفطره، وقمت الليل لا أنامه، ثم لقيت الله لا أحب أهل الطاعة، ولا أبغض أهل المعصية، لخشيت أن يكبني الله على وجهي في النار]]. أي إسلام بلا حب في الله ولا بغض في الله؟! ما هي موازيننا أيها الأحبة لنحب الناس. أو لنكره الناس؟ هذا أمر لا أظنه يغيب عنكم أبداً.

стр. 5122

قواعد في التعامل مع المخالف

стр. 5123

الخلاف الفرعي لا يوجب الفرقة والأمر الذي أريد أن أنبه عليه كذلك: أن الخلاف الفرعي لا يوجب الفرقة. إننا لابد أن نميز ما يشتت الناس وما يخالف بينهم من أصول وفروع، وإنه والحمد لله أكثر خلافات المسلمين في الغالب خلاف تنوع لا خلاف تضاد. فهو خلاف في الكيفيات، أو في الأساليب، أو في الفرعيات، وهو لا يوجب الفرقة، بل يوجب الحب والسعة في دائرة العمل. إنسان رأى أن من الصالح له أن يدعو الناس بواسطة مركز صيفي يقيم فيه الكتاب والسنة ثم أقول له حرام؟! وإنسان آخر يقول: أنا لا أستطيع إلا أن أخطب الناس وأوجه الناس، ثم أقول له: لا، هناك أسلوب آخر وأسلوبك خطأ؟! وإنسان يريد أن يفتي ويدرس أقول له: أسلوبك خطأ؟! لا. ما دامت المظلة هي الكتاب والسنة، وأما الأساليب فاعمل: ﴿قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَشْرَبَهُمْ﴾ [الأعراف:١٦٠] ﴿أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَداً رَابِياً﴾ [الرعد:١٧]. اعمل ولكن ليكن مقصدك الله ﵎، اعمل ولكن ليكن منهجك الكتاب والسنة، اعمل ولكن لا تحمل ضغينة على إخوانك وأحبابك وأصحابك، فإنهم يعملون كما تعمل، ويريدون ما تريد، فالأساليب لا تفرق، والفرعيات لا تخالف، والبدائل التي توجد لظرف وزمان ومكان، نجعلها تحت مظلة الكتاب والسنة.

стр. 5124

الفرقة شؤم وفشل الأمر الذي أريد أن أنبه عليه: الفرقة شؤم وفشل وضعف للحق، أرأيت أشأم من الفرقة؟ لا أشأم من الفرقة ﴿وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [آل عمران:١٠٥] إذا سمعت الإنسان يشجع الفرقة، ويشجع الاختلاف بمظلة من الكلام باطنه فيه الرحمة وظاهره من قبله العذاب، ويقول: الاختلاف رحمة وقد قال ﷺ : ﴿اختلاف أمتي رحمة﴾. فقل له: لا يصح أن يكون حديثاً، مع أن ابن تيمية في مختصر الفتاوى يقول: الإجماع حجة قاطعة، والاختلاف رحمة واسعة. لكن هذه الكلمة ليست على إطلاقها الاختلاف رحمة واسعة في فرعيات العبادة التي توسع على الأمة، ولكنها شؤم إذا أتت بنتيجتين: النتيجة الأولى: أن تعلي خصومنا وأعداءنا علينا، فهذا شؤم ولا شك. النتيجة الثانية: إذا أتت ببغضاء وأحقاد بيننا، فلا حياها الله من فرقة واختلاف! فإنها عند ذلك شؤم وضعف لنا، ضعف لساعدنا وقوتنا وعلمنا ودعوتنا يا عباد الله.

стр. 5125

الموازنة بين المحاسن والمساوئ القضية التي أريد أن أنبه عليه ولعلها الثالثة هي قاعدة: أن نزن الناس بحسناتهم وسيئاتهم. يقول الله في كتابه: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَنَتَجَاوَزُ عَنْ سَيِّئَاتِهِمْ فِي أَصْحَابِ الْجَنَّةِ وَعْدَ الصِّدْقِ الَّذِي كَانُوا يُوعَدُونَ﴾ [الأحقاف:١٦] وقديماً قال أحد الشعراء: ومن ذا الذي ترضى سجاياه كلها كفى المرء نبلاً أن تعد معايبه وقال آخر: تريد مهذباً لا عيب فيه وهل نار تكون بلا دخان إن الذي يقوِّم الناس ولا يقوِّم نفسه ضال، إن الذي يريد أن يجعل الناس في مستوى الخيال في الكمال، ولا يقوِّم نفسه في هذا المستوى ضال، وذنبنا وخطيئتنا وتقصيرنا أنا نرى الأذى والقذى والذرة في عيون إخواننا ولا نرى جذع النخلة في عيوننا! إن جبالنا من الأخطاء نجعلها ذرات، وإن ذرات الآخرين من الأخطاء نجعلها جبالا. ترجم الذهبي لـ قتادة بن دعامة السدوسي أحد رواة الصحيحين فقال عنه: رمي بالقدر، ومع ذلك فهو بحر في العلم، رأس في القرآن، حافظ في الحديث، فنسأل الله العافية، ولكن نقدره بهذه الأمور، ومع ذلك لا نسكت عن بدعته. إن من يبتدع لا نسكت عنه، ولا نقول له: أصبت، ولا نقول: بيننا وبينك إخاء إلا في الجانب أن تتنازل عن هذه البدعة. إن من يخطئ في مسألة نقول له: أخطأت، لكن بالنصيحة، ومن تكتم على شيء فلا نصور له فوق ما تكتم عليه، بل نتركه وما تكتم، لكن إذا علمنا فيه شيئاً تكتمنا، لكن من شهر بدعته وخطأه على الناس، فواجبنا الرد عليه وأن نشهر الخطأ لرد الناس عن هذا الخطأ. من سكت سكتنا، ومن تكلم أمام الناس ودعاهم إلى مذهب ضال تحاكمنا معه إلى الكتاب والسنة: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ [النساء:٥٩] الرد إلى الله أي: إلى الكتاب، والرد إلى الرسول أي: إلى السنة، نحن لا نعمل في فراغ، كل واحد ربما يقول: الكتاب والسنة. لكن يا أيها الإخوة! الأمة مسيرة بمنهج منذ القرن الأول إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، والكتاب موجود، والسنة موجودة، ولسنا بحاجة إلى من يتكلم أو يقنن أو يحدد أو ينظر، صحيح أن له أن يتكلم في الأساليب وفي الأمور التي تنفع الدعوة، لكن ليس له أن يتكلم في صلب المنهج والتشريع، نقول له: كثر الله خيرك! عندنا ما يكفينا، ونوزع على الناس، نحن نصدِّر ولا نستورد، عندنا الطاقة الكاملة. أنت إن فهمت من النص فافهم، وإذا لم تفهم فاذهب وعليك السلام ورحمة الله وبركاته. هذه مسألة هذا الأمر.

стр. 5126

أقسام الأخطاء التي يقع فيها الناس الأمر الرابع: أن الخطأ يقع من الناس -أعني المسلمين- والخطأ على قسمين: خطأ بدعة، وخطأ معصية. فخطأ البدعة مرض شبهات، وخطأ المعصية مرض شهوات. فصاحب البدعة موقفنا منه أن نبصره بالكتاب والسنة والآيات البينات، ولكن ما هي قضية التبصير، نحن مجمعون على أن المبتدع لا يوافق، فالخرافي لا يمشى في طريقه، لكن ما هي الوسيلة التي بها نبين له النصيحة؟ حديث تميم الداري ﴿الدين النصيحة، الدين النصيحة، الدين النصيحة﴾ فالنصيحة هي اللين في إبلاغ هذه الدعوة إليه، فإن أصر واستكبر كان ذلك التشهير ليحذر من الأخذ عنه والتعلم على يديه وأخذ الراية منه؛ لأنه سوف يضل الناس. أما صاحب المعصية فإننا ندعوه بالصبر، وبالوعد والوعيد وبالآيات البينات، وندعوه للتوبة إلى الله . المسألة الخامسة: ينبغي علينا ألا نهدر حقوق المسلمين بأسباب، فإن بعض الناس -كما يقول ابن تيمية - أكثر من مرة يحمله الهوى على أن يعتدي في حكمه، وهو يقصد الحمية لدين الله والغضب لشرع الله. لكن يعتدي في حكمه، والله طلب أن نكون قائمين بالقسط، نتكلم بعدل وأمانة؛ لأن الإنسان ظلوم جهول، جهول يتكلم بلا علم، وظلوم يعتدي حتى ولو كان عالماً.

стр. 5127

الولاء على قدر الحسنات والبراء على قدر الزلات أقول: إن الحكم على الناس ينبغي أن يؤخذ على درجات في الولاء والبراء والحب والبغض، ولذلك يقول ابن تيمية في كتاب الجهاد المجلد الثامن والعشرين: عن الولاء والبراء: يوالى الإنسان ويعادى على قدر ما فيه من طاعة، وعلى قدر ما فيه من معصية. فأما أن تجعل الناس طرازاً واحداً وتجعلهم جملة وتقول: كل من دخل في هذه الطائفة فهو ضال. فهذا خطأ، إن الله يحاسب العباد فرداً فرداً: ﴿إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْداً * لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدّاً * وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْداً﴾ [مريم:٩٣ - ٩٥] وأنت تقول: كل من دخل هذه الطائفة مصيب ومهدي ومسدد وناج من النار؟! هذا خطأ؛ لأنه قد يوجد في الجملة من هو مركوس في الخطأ، ولذلك يقول ﵊ في حديث عمران الصحيح: ﴿خير القرون قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم﴾. لكن هنا تساؤل: وجد في القرن الثاني من هو أفضل من بعض الأفراد الذين في القرن الأول، ووجد في القرن الثالث من هو أفضل من بعض الأفراد الذين وجدوا في القرن الثاني ولكن جملة هؤلاء أفضل من جملة هؤلاء، ولا يمنع أن يكون فرد من هؤلاء أفضل من فرد من هؤلاء، لكن الخيرية تبقى للأول فالثاني فالثالث.

стр. 5128

الاشتغال بالكتاب والسنة الأمر السادس الذي ينبغي أن نتنبه إليه كذلك: أنه ينبغي علينا أن نأتي إلى أمر سواء بيننا وهو الكتاب والسنة، وأن نجعل كل ما نشتغل به ونفكر فيه من العلم ومن الدعوة هو الكتاب والسنة، وأن نشغل أوقاتنا بالكتاب والسنة، ففيها الخير والعطاء واليمن والبركة، فإذا فعلنا ذلك صلح الأمر بإذن الله، صاحب الخطأ يكتشف خطأه من القراءة في الكتاب والسنة، من عنده شك أو ارتياب داوى نفسه من الكتاب والسنة، من عنده زيغ أو رأى انحرافه أو زيغه فعليه بالكتاب والسنة.

стр. 5129

التعصب مرفوض القضية السابعة: أن الولاء لله ﵎ ولكتابه ولرسوله: ﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ﴾ [المائدة:٥٥] والخطأ كل الخطأ أن نتخذ أشياء أو أموراً أو مسائل أو مناهج نوالي ونعادي عليها، ونحب ونبغض فيها، ونقاطع ونواصل عليها، فهذه عبادة لهذه المناهج من دون الله ﵎، ولو قال أصحابها: نحن لا نعبدها؛ لكنهم يعبدونها. أسألكم بالله أن تعودوا إلى اقتضاء الصراط المستقيم لـ ابن تيمية واقرءوا هذا الموضوع فيه، فإنه ذكر قوله ﷺ : ﴿لتتبعن سنن من كان قبلكم حذو القذة بالقذة حتى لو دخلوا جحر ضب لدخلتموه، قالوا: اليهود والنصارى؟ قال: فمن القوم إلا هم!﴾ والله تعالى يقول: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصَارَى عَلَى شَيْءٍ وَقَالَتِ النَّصَارَى لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلَى شَيْءٍ وَهُمْ يَتْلُونَ الْكِتَابَ﴾ [البقرة:١١٣]. قال ابن تيمية في كلام ما معناه: سوف يأتي من هذه الأمة طوائف لا تقبل الحق إلا من طائفتها، ولا تقرأ إلا كتب طائفتها، ولا تستفيد إلا من مشايخ طائفتها، حتى أنه يوجد من هو أعلم من علماء طائفتها، وأحسن كتباً من كتب طائفتها، لكن تتركه، وهذا هو الهوى والعمى، والعياذ بالله! فالولاء والبراء شيء، والعمل شيء آخر، الولاء والبراء لا يكون إلا لله نوالي على شرعته ونعادي عليها، وهو الحب والبغض، وإذا صرف ذلك إلى شيء غير هذا، فقد خسرنا وخذلنا وعصينا الله.

стр. 5130

لا عصمة لأحد غير الأنبياء القضية الثامنة: أنه لا معصوم إلا رسول الله ﷺ ، ومن جعل بعض الدعاة وبعض العلماء وبعض المنظرين معصومين فقد أخطأ سواء السبيل: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ﴾ [الأحزاب:٢١] فالعصمة له ﷺ . فائدة: لا يصح أن تقول: العصمة لله. لأن المعصوم لابد له من عاصم، والله لا عاصم له، لكن لك أن تقول: إن الكمال له والصفات الحسنى والقدرة والجلال والجمال، أما العصمة لله فخطأ. فالعصمة لرسول الله ﷺ ، فقضية أن يحسن محسن فنتولى كل ما قال، ونأخذ كل ما قال، ونعمل على كل ما قال، فهذا خطأ. فقضية العصمة لا تكون إلا للرسول ﵊، وهو الذي يتحاكم إلى شرعته مع القرآن ﵊، وأما هؤلاء فيترحم عليهم، ويعلم أنهم أجادوا وأنهم أحسنوا: أقلوا عليهم لا أباً لأبيكم من اللوم أو سُدوا المكان الذي سَدوا نأتي إلى إنسان خدم الإسلام، وقدم دمه في رفع لا إلا الله، ونحن جالسون على الكراسي والكنبات نشرب الشاي البارد، ونقول: أخطأ في مسألة!! فعليه من الله ما يستحقه، سبحان الله، أله حسنات كالجبال؟ وذبح في سبيل لا إله إلا الله وتأتي بمسألة ركبتها عليه ثم كفرته بها! ينبغي علينا أن نكون شهداء بالقسط، كما وصفنا الله بذلك ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً﴾ [البقرة:١٤٣].

стр. 5131

التأصيل العلمي عصمة للفكر المسألة التاسعة التي ينبغي أن تلاحظ: إن من أعظم ما يمكن أن يؤلف بيننا -ونحن مؤتلفون متآخون- مسألة الاهتمام بالعلم الشرعي، مسألة قضاء الوقت في التحصيل، لأن الفكر ليس له ضابط الفكر يتجدد كل يوم كدرجات الحرارة، يزيد وينقص، فإذا تماسكنا بالفكر أخذنا خيوطاً من بيت العنكبوت يتقطع في أيدينا؛ لأن هذا يقول فكراً، وهذا يقول فكراً، وذاك يعارضه بفكر، فإذا أصبحت المسألة مسألة فكر، أصبحت المسألة لا معنى لها. تكاثرت الظباء على خراش فما يدري خراش ما يصيد هذا يأتينا في الظهر بفكرة ويقول: أؤيدها وأبني عليها، وفي العصر يعود ويتوب منها، وفي المغرب يعود إلى فكرة ثانية وفي العشاء يتوب منها إلى متى؟ لا ضابط للفكر، إنما الضابط للتأصيل قال الله وقال رسول الله ﷺ وهو حصيلة العلم الشرعي.

стр. 5132

تذكر حقوق المسلم على المسلم الأمر العاشر: أنه ينبغي أن نتذكر حقوق المسلم على المسلم كإخوة وأحباء. أليس من حقوق المسلم على المسلم أن ندعو له بظهر الغيب؟ هل دعا بعضنا لبعض بكثرة في ظهر الغيب حتى يصلح الله أحوالنا؟ لكن إذا سمعنا إنساناً قد يخطئ قمنا عليه وخطأناه، لكن لو أننا في جنح ظلام الليل وفي ساعة السحر قلنا: يا رب، يا أحد، يا صمد، يا من لم يلد ولم يولد اهده سبيل السلام، سدده، وفقه! قال الشافعي: "ما جادلت أحداً من المسلمين إلا أحببت أن يعلو علي بحجته -سبحان الله! إلى هذا المستوى؟! - لئلا يجد علي في نفسه. لأن المغلوب دائماً يجد في نفسه. فالمسألة العاشرة: هل حفظ أحدنا هذه الحقوق؟ هل دعونا لإخواننا بظهر الغيب؟ هل دعونا لهم بالهداية والسداد؟ لو فعلنا ذلك لصلح الأمر، ثم هل ناصحناهم؟ هل كتبت رسالة رقيقة، تقطر دمعاً ورقةً ووداً: يا أخي في الله أخطأت في هذه المسألة، فما هو وجه خطئك؟ ولماذا قلت هذا؟ ونسب إليك أنك قلت هذا والله يقول كذا وكذا، والرسول ﷺ يقول كذا وكذا، فما هي حجتك؟ هنا يبدأ الحوار. هل زرنا المخطئ في بيته فبينا له خطأه، ونسمع بأنفسنا وبآذاننا؟ إنني أسمع وإنكم تسمعون بعض الكلمات التي ما صحت، والله لقد سمعنا كلمات نسبت إلى العلماء، شوهت الصورة وشتتت كثيراً من القلوب وأوجدت أحقاداً، فلما ذهبنا إلى ذلك العالم وقلنا له: اتق الله! كيف تقول كذا وكذا؟ قال: والذي لا إله إلا هو ما قلت هذا ولا فكرت به!! فمن المسئول عن هذا؟ المسئول هو تعطيل مجالس الحوار والنقاش والسماع من الناس، وقد قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْماً بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ﴾ [الحجرات:٦] تندمون وتخسرون حين لا ينفع الندم. والحقوق كثيرة منها الصفاء والود، إذا لقيت أخاً لك هل عانقته بحرارة؟ هل تبسمت في وجهه؟ يقول ﵊: ﴿تبسمك في وجه أخيك صدقة﴾ قال جرير بن عبد الله والحديث صحيح: ﴿والله ما رآني رسول الله ﷺ إلا تبسم في وجهي﴾. قيل لأحد العلماء: ما هو السحر الحلال؟ قال: تبسمك في وجوه الرجال. لكن لماذا انقبض هنا وانبسط هنا؟! لأمر في القلوب الله أعلم به، فالتبسم أمره عجيب! وهو يحبه الله ورسوله خاصة للمؤمنين، وهو المطلوب أن يتبسم لهم، الذين يريدون الخير للإسلام والمسلمين. أحد الشعراء يصف المتكبرين، يقول: وجوههم من سواد الكبر عابسة كأنما أوردوا غصباً إلى النار هانوا على الله فاستاءت مناظرهم يا ويحهم من مناكيد وفجار ليسوا كقوم إذا لاقيتهم عرضاً أهدوك من نورهم ما يتحف الساري تروى وتشبع من سيماء طلعتهم بوصفهم ذكروك الواحد الباري من تلق منهم تقل: لاقيت سيدهم مثل النجوم التي يسري بها الساري شيخ الإسلام ابن تيمية لما تولى الناصر بن قلاوون، أحضره من السجن مكتفاً بالحديد، وكان أعداؤه جالسين أمامه. أعداؤه الجالسون أمامه. قال الناصر بن قلاوون: يـ ابن تيمية أفتني بسفك دماء هؤلاء، فوالله لأسفكن دماءهم اليوم. الناصر بن قلاوون لا يريد الغضب لـ ابن تيمية بل يريد الانتقام لنفسه، لأن هؤلاء العلماء أفتوا أن بيعته باطلة، فيريد أدنى فرصة يدخل بها من طريق ابن تيمية حتى يقطع رءوسهم. قال ابن تيمية: لا. إن الله أمرنا أن نكون قائمين بالقسط، وهؤلاء أدخلوني السجن. إي والله الذي سجن ابن تيمية هم هؤلاء الجلوس، ابن مخلوف، وآل السبكي وأمثالهم، وأضرابهم، ﵏ جميعاً وغفر الله لمن أساء من المسلمين إن أراد الخير. فقال ابن تيمية: هؤلاء الذين أدخلوني السجن، ولكن هم علماء الأمة، وخيرهم أكثر من شرهم. ليس كمن يُقَوِّم الناس بما فيهم من سوء ولو كان أقل من حسناتهم فعجب الناس لـ ابن تيمية!! قال ابن مخلوف: غفر الله لـ ابن تيمية، قدرنا عليه فحبسناه في الحديد، وقدر علينا وأخذ السيف بيده فعفا عنا. الرسول ﵊ دخل يوم الفتح، فأتي بـ أبي سفيان بن الحارث ابن عمه الذي قاتله في كل معركة، سبه بالقصائد النارية الحارة، فلما ظفر به أتى فوقف فوق رأسه بعد أن أخذ أطفاله يريد أن يخرج إلى الصحراء يموت هو وأطفاله جوعاً وعرياً وعطشاً، قال علي بن أبي طالب: يا أبا سفيان أخطأت، الرسول ﷺ أرحم الناس، وأبرهم وأوصلهم، فعد إليه وسلم عليه بالنبوة، وقل له: تالله لقد آثرك الله علينا وإن كنا لخاطئين، كما قال إخوة يوسف ليوسف. فأتى إلى الرسول ﵊ فسلم عليه، وقال له: يا رسول الله، تالله لقد آثرك الله علينا وإن كنا لخاطئين؛ فسالت دموعه ﷺ -هذه دموع الصدق والحرارة- وقال: ﴿لا تثريب عليكم اليوم، يغفر الله لكم وهو أرحم الراحمين﴾. فصلى الله عليه وسلم تسليماً كثيراً إلى يوم الدين. هذه حقوق المسلم في المسألة العاشرة لابد أن يتنبه إليها كثيراً، فإنه كثيراً ما يُخْطَأ فيها، فإن من حقوق المسلم إذا استنصحك أن تنصحه، وإذا مرض أن تعوده، وإذا مات أن تتبع جنازته في الحقوق الستة التي ذكرت، وهذا ليس مجال بسطها.

стр. 5133

التزام منهج الرحمة المسألة الحادية عشرة: أنه من حق بعضنا على بعض العفو والرحمة، فالرحمة منهج، ولا يرحم الله من عباده إلا الرحماء، وهناك حديث في سنده نظر، وهو ضعيف لا يصح رفعه إلى الرسول ﷺ ، ولو أن العجلوني تساهل فأراد أن يرفعه، لكن لا يرتفع، فيه: ﴿الناس عيال الله! أقربهم إلى الله أنفعهم إلى عياله﴾ ولكن في الصحيح ما هو غنية عن هذا. لماذا لا نرحم المؤمنين؟ لماذا لا نحب لهم من الخير ما نحب لأنفسنا؟ هل نزعت الرحمة؟ ﴿لا تنزع الرحمة إلا من شقي﴾ ولذلك قال الله : ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء:١٠٧]. يقول أحد العلماء: سبحان الله! الدعوة الخالدة تعلن عالميتها من مكة!!. ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء:١٠٧] قال العلماء: لم يقل: وما أرسلناك إلا رحمة للمؤمنين فيخرج الكفار، ولم يقل للرجال فيخرج الإناث، ولم يقل للإنسان فيخرج الحيوان فكان رحمة للناس، أما للمؤمنين فهو أعظم رحمة، رحمة الهداية، رحمة الاستقامة، رحمة التوفيق، رحمة النجاة من النار. وأما الكافر فالله يقول: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾ [الأنفال:٣٣]. وأما رحمة الحيوان فورد في ذلك أحاديث، منها حديث الجمل، والحديث يقبل التحسين: ﴿ذهب ﷺ إلى حديقة من حدائق الأنصار، فأتى جمل فوضع جرانه في الأرض ودمعت، فقال ﷺ : إن هذا الجمل شكا إلي ما يفعل به صاحبه﴾ فأنقذه بإذن الله وبفضل الله ثم بفضل رسول الله ﷺ من هذا الرجل. حديث الحُمَّرَة وهو حديث يقبل التحسين، حمرة أُخذ فراخها، فأتت ترفرف على رأس الرسول ﵊، تشكو لكن لا تتكلم، يقول أحد الشعراء: جاءت إليك حمامة مشتاقة تشكو إليك بقلب صبٍّ واجفِ من أخبر الورقاء أن مكانكم حرم وأنك ملجأ للخائفِ فقال ﷺ : ﴿من فجع هذه بفراخها؟ قال أنصاري: أنا. قال: رد عليها فراخها﴾. ورحمته ﷺ تتعدى حتى يرحم الذين أساءوا إليه، وقد مر نماذج من هذا.

стр. 5134

ترك ما لا طائل تحته من المسائل المسألة الثانية عشر: إن بعض الخلافيات ليس لها أساس وليس وراءها طائل، وهو خلاف يودي بأصحابه إلى أن يسيئوا أكثر مما يحسنوا، خلاف ليس له أساس، مثل خلاف الجدل البيزنطي: هل تدور الأرض حول الشمس أم الشمس تدور حول الأرض؟ لن يسألهم الله يوم القيامة عن هذا: هل تدور الأرض حول الشمس أم تدور الشمس حول الأرض؟ وينقسم المجلس، ويأتي بعض الناس فيجادل في المسألة ويعتبر هذا أسلوباً من أساليب الدعاة، ويقول: خطأ، فيقول الآخر: بل أنت أخطأت. فيقول: أنت خطأتني، ومنهجي منهج الإسلام؛ إذاً أنت فاسق، وما دمت فاسقاً؛ فقد اقتربت من الكفر، وما دمت قد كفرت فنبرأ إلى الله منك!!! يقول ابن تيمية عن أبي حامد إنه يركب الفتوى تركيباً، مثل بعضهم يقول: من فعل كذا فعلامة أنه يريد كذا، ومن فعل كذا فهو يريد كذا وكذا، إذاً هو كذا وكذا، وهذه مقدمات فلسفية، وهو المطلوب إثباته في الهندسة، فيقول مثلاً: ما دام قد طول إزاره فهو مستهزئ بدين الله وبسنة الرسول ﷺ ، ومادام أنه استهزأ بسنة الرسول ﷺ فهو كافر، والذي يستهزئ كافر لقوله : ﴿قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ * لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾ [التوبة:٦٥ - ٦٦] تصل هذه الفتوى عند كثير من الناس.

стр. 5135

التسرع في الفتوى مذموم ما شاء الله! أما المفتون فالساحة مليئة بالفتاوى! كل يتربع في المجلس، ويقول: الذي تطمئن نفسي إليه كيت وكيت. من أنت يا إمام؟! هل كنت أبا عبد الله الإمام مالك بن أنس حتى تطمئن نفسك، هل كنت ابن تيمية حتى تطمئن نفسك إلى هذه الفتوى؟ فيعارضه الآخر. والتسرع في الفتوى يدل على أحد أمرين: إما الجهل، والجاهل يتكلم بلا علم؛ لأنه ليس لديه أصول مضبوطة، أو يدل على الهوى وحب الترؤس، فإنه يريد أن يظهر بين أصحابه أنه مفتٍ. يقول أحد التابعين: والله الذي لا إله إلا هو، إنكم تفتون في مسائل لو عرضت على عمر بن الخطاب لجمع لها أهل بدر. أتى رجل إلى علي بن أبي طالب -وهذا في أعلام الموقعين - فقال: ما حكم كذا وكذا؟ قال: لا أدري. ثم تبسم أبو الحسن أمير المؤمنين فهو علامة جهبذ، قال: [[ما أبردها على قلبي! سئلت عما لا أدري! فقلت: لا أدري]]. هذا الخليل بن أحمد وكلامه من أحسن ما قيل، يقول: الناس أربعة: رجل يدري ويدري أنه يدري فذاك عالم فاسألوه، ورجل يدري ولا يدري أنه يدري فذاك غافل فنبهوه (أي عنده علم لكن يقول: ليس عندي علم!. يقولون له: يا شيخ حدثنا بارك الله فيك، اشرح لنا، وجه الأمة فيقول: أنا من أنا، أنا ليس عندي شيء) ورجل لا يدري ويدري أنه لا يدري فذاك جاهل فعلموه (أي رجل ليس عنده شيء فنقول له: أنت لا تدري، وليس عندك علم؛ فيقول: صدقتم، أنا أريد العلم، أفيدوني، فذاك علموه) والطامة الكبرى والداهية الدهياء والمصيبة، الذي لا يدري ولا يدري أنه لا يدري! هذا ليس له حل إلا أن يتوفاه الله ويصلى عليه، أو أن يصيبه غرق في البحر أو أن يأتيه زلزال ويموت شهيداً، فهذا-الذي لا يدري وهو لا يدري أنه لا يدري وهو الاحتمال الرابع- هذا مصيبة! نقول له: أنت لا تدري يقول: لا! أنا أدري. قلنا: هل تفتي في هذه المسألة؟ قال: نعم، أفتي. قلنا: ما الدليل؟ قال: ما عليكم من الدليل، أنا أعرفه هكذا. قلنا: مَنْ عَلَّمك؟ قال: علمني علام الغيوب!! هذه علامة غلاة أهل التصوف والابتداعيون، الذين يقولون: علمنا من الخلاق لا من عبد الرزاق. قال ابن القيم: والله لولا عبد الرزاق وأمثال عبد الرزاق ما عرفتم الخلاق. قالوا: علمنا علم الخرق وليس علم الورق. ويقصدون بالورق التحصيل العلمي، وإنما العلم بالتعلم، فمسألة التسرع في الفتوى هي التي تورث كذلك بعض هذه الأمور. إخوتي في الله! الشاهد من هذا الحديث أن نسأل الله تعالى لهذه الأمة المسكينة المضطهدة المظلومة، التي اجتمع عليها الأعداء من كل جانب، أما جوها فميراج إسرائيل تقصف الأرض، وأما أرضها فأهل فسق وأهل شرود عن طاعة الله إلا من رحم الله ، وأما هواؤها فمسموم باختلافات وأمور لا توجب الخلاف؛ فنسأل الله أن يجمع الشمل، وأن يوحد الكلمة، وأن يوفقنا وإياكم إلى ما يحبه ويرضاه، ولعل الحديث واضح: إن كيد مطرف الإخاء فإننا نسري ونغدو في إخاء تالدِ أو يختلف ماء الغمام فماؤنا عذب تحدر من غمام واحدِ أو يفترق نسب يؤلف بيننا دين أقمناه مقام الوالدِ يا دعاة الإسلام! يا علماء الإسلام! يا أبطال الإسلام! إلى الكتاب والسنة، وقد أقولها وأنا أعرف أن من تقصيري وعجزي أنني قد لا أبلغ هذا المستوى ولكن بجهدي وطاقتي، لأن في الناس من يقول: أنا أدعو إلى الكتاب والسنة، الخوارج يقولون: نحن ندعو إلى الكتاب والسنة، ويقولون: نحن الطائفة المنصورة، ونحن أهل السنة والجماعة، ونحن الناجون. حتى يقول الزمخشري المعتزلي وهو يسب أهل السنة فيقول: لجماعة سموا هواهم سنة لجماعة حمر لعين موكفة كذب البعيد، نسأل الله أن يتولاه، ولا ندعو عليه لأن له حسنات، ولو أنه مبتدع. أنا أقول: إن هذه الكلمة تقبل، لكن المقصد أن نطبق بالفعال والمقال، وأن نعمل شيئاً ليدل على أننا نريد الكتاب والسنة، ما كل من قال مقالاً صدق. أيها الناس! إن على كل لسان قائل ما قال شاهد من عمله، فالله الله لا يظهر عمله مكذباً لقوله: ﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلا تَعْقِلُونَ﴾ [البقرة:٤٤]. سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين، وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.

стр. 5136

الأسئلة

стр. 5137

التبسم وإفشاء السلام السؤال نرى من بعض الشباب الملتزمين بالدين عدم الابتسامة والضحك إلا لأصحابهم، وإذا سلم عليهم أحد من العامة، ردوا ووجوههم عابسة. ما نصيحتكم لهؤلاء الشباب؟ الجواب هؤلاء أولاً يذكرون بالسنة، فإن رسول الله ﷺ لما سئل عن أفضل الإسلام قال: ﴿إطعام الطعام، وإفشاء السلام على من عرفت وعلى من لم تعرف﴾ فالسنة أن تفشي السلام على من عرفت وعلى من لم تعرف من المسلمين، ومن حصر السلام أو اللقاء أو شيئاً من الود وحقوق المسلمين على طائفة فِلهوىً في نفسه، وهذه الأمور الدقيقة يتساهل فيها بعض الناس، وهي تحدث أموراً من التشتت والتمزق كالجبال، إنه ليس من السهل أن تلاقي شاباً مسلماً أو داعية أو رجلاً خيراً صالحاً، ثم ينقبض وجهك إذا رأيته، إنها سوف تورث عنده ردة فعل، ويحملها إلى أصحابه وإخوانه ويوزعها، فيأتي الشقاق! إن البسمة ليست برخيصة بل هي غالية، تبني من قصور المحبة ما لا تبنيه وسائل أخرى، فأنا أدعو إخواني على أخذ هذا الحديث: أن تفشي السلام على من عرفت وعلى من لم تعرف، وأن تعطي الناس من برك وصلتك، بل قال أهل العلم: حتى الكافر يدخل في قوله لبني إسرائيل: ﴿وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْناً﴾ [البقرة:٨٣] وهو كافر، فكيف بالمسلم الذي يصلي الصلوات الخمس؟!! الانقباض يكون لليهودي والنصراني، ويكون للبدعي الذي يريد النكاية بهذا الدين، ويريد الإضرار بالسنة المطهرة، أما رجل أخطأ في مسألة، أو خالفك في أسلوب، أو رأى هذا الطريق، ورأيت هذا الطريق والمقصد واحد، فلماذا الانقباض؟ إنه الهوى.

стр. 5138

التشهير بالبدعة والضلال السؤال هل يجوز إذا كان هناك شيخ ضال أن أشهر به؟ الجواب أنا قلت في غضون حديثي: الضلال الذي يطرح في الساحة، أو يكتب أو يسمع، لابد أن نتثبت منه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْماً بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ﴾ [الحجرات:٦] فلابد من التثبت، بسماع الكلام، والتحقق من مصدره؛ لأن الشائعات كثرت بين الشباب وبين الدعاة، تنقل الكلمات وليس لها أي أساس من الصحة، وتنقل العبارات الجافة فيزاد فيها حتى تبلغ عدلين، ثم تصل فتسحق الود، فموقفنا أولاً التثبت والتبين من مصدر الخبر، فإذا ظهر لنا الخطأ فعلينا واجب النصيحة، نذهب إلى هذا الذي أخطأ فنعلمه الكتاب والسنة، ونقول له: دعنا نتحاكم في النزاع إلى الكتاب والسنة، قال الله وقال رسول الله ﷺ ، إن أصر على ذلك حذرنا الناس منه للأمانة، فإن الجرح والتعديل ليس من باب الغيبة، يقول البخاري في ترجمته وقد ورد هذا في سير أعلام النبلاء: منذ عقلت رشدي ما اغتبت أحداً أبداً. قالوا: فما لك ألفت في الجرح والتعديل؟ قال: هذا ليس من هذا. الرسول ﷺ يقول لـ عيينة بن حصن: ﴿ائذنوا له، بئس أخو العشيرة!﴾ تحذيراً وإخباراً به، فنحذر الناس خاصة من يطلب العلم عنده؛ لأنه يأخذ علماً مغشوشاً مسموماً، بهرجاً لا خير فيه. رجل آخر ما سمعنا عنه شيئاً، نحمله على أحسن محمل، يصلي لكنه متكتم على شيء الله أعلم. فنحذر ونأخذ حيطتنا، لكن لا نأتي على المنابر وفي المجالس والمجامع نقول مبتدع، فإن قيل لكم ما ظهر لكم من بدعته؟ قالوا: إن شاء الله يكون مبتدعاً! نسأل الله أن يكون مبتدعاً!! وما يدريكم لعله مبتدع؟ من يدري؟ لكن، نأخذ للاحتياط أنه مبتدع! فنحن نقول: التوقف عن رميه بالابتداع أولى من رميه بالابتداع. رجل آخر رفض، أتى يقول للناس: هذا هو الطريق الصحيح، هذا هو منهج أهل السنة والجماعة، هذا الذي كان عليه الرسول ﷺ وأصحابه ونشر وتكلم. بالتالي نحن نقوم ونتكلم، ونقول: أخطأت، لو أنك تكتمت تكتمنا، ولكن مادمت نشرت نشرنا: إن بني عمك فيهم رماح .

стр. 5139

شرح حديث: احفظ الله يحفظك السؤال أطلب منك شرح حديث المصطفى ﷺ : ﴿يا غلام احفظ الله يحفظك﴾. الجواب بسم الله الرحمن الرحيم هذه محاضرة جديدة! هذا حديث ابن عباس من أروع وألمع وأبدع الأحاديث في السنة، وهو حديث رواه الترمذي وسنده صحيح عن ابن عباس ﵄. قوله ﷺ : ﴿احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده تجاهك، تعرف إلى الله في الرخاء يعرفك في الشدة، إذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله، واعلم أن الأمة لو اجتمعوا على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك، وإن اجتمعوا على أن يضروك لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك، رفعت الأقلام وجفت الصحف﴾ وعند أحمد -: ﴿واعلم أن النصر مع الصبر، وأن الفرج مع الكرب، وأن مع العسر يسراً﴾ أو كما قال ﵊. إذا علم هذا أيها الإخوة! فهذا يحتاج إلى كلام طويل، لكن مجمل الحديث أن الرسول ﷺ يُطالب بحفظ الله. فما هو حفظ الله؟ هو حفظ أوامره واجتناب نواهيه، حفظ الله هو العمل بالكتاب والسنة، حفظ الله أن تكون أقوالك وأعمالك وأحوالك موافقة لما في كتاب الله وسنة رسوله ﷺ ، حفظ الله أن تكون في ليلك ونهارك وحياتك وعبادتك وسلوكك لله هذا مجمل الحديث، والتفصيل بابه آخر. وأما حفظ الله لك فهو أن يهديك ويسددك ويوفقك ويرعاك، وهو الذي دل عليه الحديث الذي في الصحيحين: ﴿ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها، ولئن سألني لأعطينه، ولئن استعاذني لأعيذنه﴾ ولينتبه لأنني سمعت من بعض الإخوة أنهم سمعوا قائلاً يقول في آخر الحديث: ﴿وأجعل عبدي يقول للشيء: كن؛ فيكون﴾ فهذا خطأ، وهذه زيادة باطلة، لا يصح إيرادها على الناس، وتشويش أذهانهم بهذه الزيادة.

стр. 5140

الماسونية كفر السؤال ما مدى خطر المسلم الماسوني على بلاده، وهل من صار ماسونياً يكفر؟ الجواب ماسوني مسلم! هذا لفظ خاطئ، مثل قولنا: مسلم يهودي، مسلم صهيوني هذا ليس بصحيح وهذه نسبة خاطئة، المسلم مسلم، والماسوني ماسوني، إذا كان ماسونياً فليس مسلماً، ولو كان أبوه وجده على الإسلام، وكتب في التابعية وعنده جوازه بأنه مسلم، فلا ينفعه عند الله، لأن الماسوني عدو للإسلام فلا يسمى مسلماً هذا في التسمية. والماسوني رجل متستر بابتداعيات، بل عنده أكبر من ذلك وهو الكفر، وأنتم تعرفون الماسونية وما ظهر منها في الساحة، وهي حلف عالمي لهدم الإسلام، وقد دخلت في الذين اشتهروا بالدعوة في البلاد الإسلامية، ولا أذكر أسماءهم الآن، وهؤلاء منهجهم معروف، وهم يبدءون بأمور: أولها: تعطيل المعتقدات والكفر بالأديان السماوية، فهي أشبه بـ العلمانية لكنها تحت مظلة ما يسمونه الإنسانية. الأمر الثاني: أن الرسل عليهم الصلاة والسلام ليس لهم مجال في هذا المجتمع العالمي، وليس لهم دور ولا دخل في الإصلاح بشيء. الأمر الثالث: أن الأجناس لابد أن تندمج بغض النظر عن دياناتها ومعتقداتها، فاليهودي والنصراني والمسلم كلهم سواء في بوتقة واحدة، ولهم أرقام وأسماء تجدونها في كتب تتحدث عن الماسونية وهذا ما يحضرني من الكلام.

стр. 5141

زيارة الجفاة السؤال لي بعض الإخوة في الله، والمشكلة أنني أقوم بزيارتهم دائماً، وقد أتعرض لكثير من الأذى من أجل زيارتهم وأتحمله، وأنسى كل ألم بعد رؤيتهم، ولكنني كلما طلبت منهم أن يزوروني يتعذرون بأسباب غريبة، وأحس أحياناً تهربهم مني مع أني أحاول كل جهدي ألا يجدوا مني ما يؤذيهم من قول أو فعل؛ فأصبحت وحيداً بلا أنيس ينصحني ولا يواسيني، فأرجو أن تبين مدى أهمية الزيارة في الله وفضل استمرارها. الجواب أنا أقول لك مبدأً: على المسلم ألا يذل نفسه، لا تذل نفسك من أجل أن ترضي أحداً، والذلة لله ، وهو الذي تنبغي له الذلة والعبودية، وأما الذي ذكرت من هؤلاء فهؤلاء قوم جفاة، عليك أن تنفض ثيابك ويديك وتدعو لهم أن الله يصلحهم. أما أن تتعرض للإهانات صباحَ مساءَ وتدخل عليهم لتؤانسهم وتلاطفهم، فترى الانقباض والوحشة والجفاء، فهؤلاء قوم جفاة لئام، وليس عندهم من الخير شيء، ودينهم مهزوز، وقلوبهم مريضة، فإنهم لو أرادوا الخير للإسلام لاستقبلوك وحيوك؛ لأنه زاد رجل من المسلمين الأخيار، وأنت معهم في الصف والطريق، لكنهم خسروك وأنت لم تخسرهم والحمد لله. وأما الذي ذكرت بأنك تجلس بلا مؤنس فلا! بل معك ألف ألف مؤنس، أولاً معك الله ﵎: يا حافظ الآمال أنت حميتني ورعيتني وعدا الظلوم علي كي يجتاحني فمنعتني فانقاد لي متخشعاً لما رآك نصرتني الذي مع الله ليس بوحيد! أنت القوي: فالزم يديك بحبل الله معتصماً فإنه الركن إن خانتك أركان قد يكون صاحب الحق واحداً، وتكون الجماهير على ضلال. والأمر الثاني: أن لك في الساحة ألف صديق وصديق، سوف تجدهم، ما عليك إلا أن تفتش عن يمينك ويسارك، فسوف ترحب بك القلوب والبيوت والعيون والأسماع والأبصار، وبدلاً من هذا الذي جفاك ولم يعانقك؛ سوف يعانقك مئات الشباب، ويرحبون بك، ويفرشون لك مقلهم لو أن المقل تفرش، وبدلاً من هذا الذي كشر في وجهك سوف يبتسم أمامك عشرات الوجوه والحمد لله، هذا الذي خسئ بيده ولم يمدها لك تمد لك الأيادي والحمد لله، فما عليك ممن سار وممن شرق وغرب، وردد مع أبي فراس بينك وبين الواحد الأحد: فليتك تحلو والحياة مريرة وليتك ترضى والأنام غضابُ وليت الذي بيني وبينك عامر وبيني وبين العالمين خرابُ إذا صح منك الود فالكل هين وكل الذي فوق التراب ترابُ

стр. 5142

الكرامة السؤال ذكرتم في يوم أمس شيئاً عن الكرامة، وأقول: إن بعض الإخوان يذهبون إلى أفغانستان ويَقتُلون ويُقتِلون لما يسمعون من الكرامة، وهمهم ذلك فقط، هل هذا أمر شرعي أم لا؟ الجواب أولاً: ينبغي للمسلم ألا يعمل عملاً إلا لوجه الله، ومما يرضي الله ؛ فقد قال تعالى: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لا يُبْخَسُونَ * أُولَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ إِلَّا النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [هود:١٥ - ١٦] ﴿أَلا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ﴾ [الزمر:٣] هذا الأمر -الإخلاص- لابد أن يكون لله، وفي الصحيحين من حديث أبي موسى قال: ﴿قلت: يا رسول الله! الرجل يقاتل رياءً، ويقاتل حمية، ويقاتل شجاعة، أي ذلك في سبيل الله؟ قال: من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله﴾. أما الكرامة، فلها ضابطان اثنان: أولاً: أن يكون صاحبها على العمل بالكتاب والسنة، وعلى منهج الكتاب والسنة. الأمر الثاني: أن تستخدم هذه الكرامة لنصرة دين الله . وهذان الضابطان ذكرهما ابن تيمية. الأمر الثاني: في أفغانستان جهاد مبارك، ونسأل الله أن ينصرهم وينصر دينه الحق وأن يثبت أقدامهم. وأما من خرج لطلب الكرامة فقد أشرك في نيته، فإن أعظم الكرامة أن ترفع كلمة لا إله إلا الله، وأن تنصر الإسلام بنفسك، أما أن تخرج لطلب هذه الأمور أو ليسمع بك أو ليرى مكانك فهذا شرك والعياذ بالله! أما الكرامات ففيها ما يقبل، وأهل السنة والجماعة يقرون الكرامات، ومن أعظم من يكرم الله الشهداء في سبيله؛ لأنهم في موقف ضعف وزلزلة؛ فيؤيدهم الله بالكرامات. النوع الآخر فإدخال بعض العادات في الكرامات له، فهذا ليس بصحيح، بعض الناس يأتي بأمور عادية ويقول: رأيت كذا وكذا كرامة من الله. وقفت بسيارتي عند الإشارة الحمراء، فلما وقفت ولعت الخضراء أكرمني الله بهذا. ! دخلت البيت وإذا بزوجتي قد فرشت السفرة ووضعت الطعام، فمن أخبرها أنني أتيت؟ هذه كرامة من الله! فهذه عادات وليست بكرامات. الأمر الثالث وهو أمر خطير: أن تجعل الزندقة والإلحاد والشركيات والخرافات كرامات، وهذا أمر أشرت إليه. السحرة والكهنة يخبرونك باسمك ولقبك وكنيتك فتقول: صدقتم! هؤلاء مخرفون قد خدمتهم الجن وليس هذا بكرامة، فلا تغتر بمن يطير في الهواء ويمشي على الماء حتى توازن عمله وقوله وفعله بالكتاب والسنة.

стр. 5143

حكم الإيثار بالقرب السؤال ذكرتم أن من علامات الأخوة الإيثار، فهل يجوز الإيثار بالحسنات وبالسنن للإخوان، فمثلاً: إذا جاء إنسان يريد أن يؤذن فيؤثر أخاه في ذلك، وما مدى صحة الحديث الذي ذكرتموه: ﴿سلمان منا آل البيت﴾؟ الجواب أولاً أما حديث: ﴿سلمان منا آل البيت﴾ ففيه ضعف، وأما الإيثار بالحسنات، فهو مبحث تعرض له ابن القيم في كتاب الوابل الصيب من الكلم الطيب، كمن يؤثر أخاه المسلم بالصف الأول ويعود إلى الثاني ويترك مكانه له، فمن يأتي ليؤذن فيرى أخاه المسلم فيقدمه للأذان، وأهل العلم على رأيين: منهم من قال: لا يؤثر بالقرب لأن الله يقول: ﴿وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ﴾ [المطففين:٢٦] ويقول : ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [آل عمران:١٣٣] والمسارعة تقتضي ألا تؤثر، وقوله : ﴿فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ﴾ [البقرة:١٤٨] والاستباق أن تكون الأول في كل شيء. من لي بمثل سيرك المدلل تمشي رويداً وتجي في الأول فكيف تترك الأول لتخرج من هذه النصوص ومن فضلها. وقالت طائفة: الإيثار بالقرب وارد، وقد آثر كثير من الصحابة بقربهم وبأعمالهم، مثلما فعلت عائشة عندما قتل عمر ﵁ فسألها أن يدفن في قبرها الذي أعدته لنفسها بجانب أبي بكر والرسول ﷺ ثم قالت: لأوترن به اليوم على نفسي. وكان بعض السلف يترك الأذان -كما في بعض الغزوات مثل القادسية- ولو أنهم أرادوا أن يقتتلوا عليه، لكنهم يتركونه لبعض الأخيار. وقد آثر عمر أبا بكر في أكثر من موقف: بالكلام والحديث، بالدعوة، بالصدقة، بالنفع، وكثير من ذلك. والصحيح أنه لا بأس بالإيثار في القرب التي تقبل الإيثار، مثل أن ترى من يستحق أن تؤثر له، ترى عالماً جليلاً دخل فلك أن تتأخر من الصف الأول إلى الثاني وتترك له مكانك، فيأجرك الله على ذلك، ترى شيخاً كبيراً مسناً تقدم يريد أن يؤذن وأراد أن يحتسب فتقدمه للأذان. لكن أهل المعاصي والفسقة لا يؤثرون، تجد رجلاً فاجراً فتقول: يا بركة الزمن، يا درة الدهر تعال وأذن بالناس! تتحدث في المجلس وتورد عليهم قال الله وقال رسول الله ﷺ ، فيدخل عليك ضال مضل مخرف فتقول: يا أيها العلامة الجهبذ، يا شيخ الإسلام خذ الميكرفون وتكلم! هذا من الإيثار الخطأ، فلابد أن يكون الإيثار في القربات التي تقبل الإيثار، وأن يكون لمن يستحق الإيثار، وأما الذين هم متلبسون بالمعاصي أو مشتهرون بها، أو ضلال فسقة؛ فلا يؤثرون.

стр. 5144

أشد أنواع الكفر السؤال ما حكم من يسب الله ﷻ ؟ وهل نأكل معه ونسلم عليه؟ وهو أخي شقيقي مع العلم أني دائماً أنصحه، وهل يجوز أن أضحك معه وأعطيه شيئاً من المودة؟ الجواب نعوذ بالله من هذا، وتعالى الله عما يقول هذا علواً كبيراً!! رجل يسب الله !! أهل الإسلام اختلفوا في هذه المسألة، هل له توبة بعد أن يتوب؟ ومنهم من قال: لا توبة له! أما علاقتك معه فعليك أن تتقي الله وتنصحه؛ لأن التوبة ما زالت مفتوحة وهو الصحيح لقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء:٤٨] والله غفر للكافر الذي كان يسبه ويسب رسوله لما أسلم، فالتوبة -إن شاء الله- واردة وهو الأقرب، فعليك أن تنصحه، فإذا استمر فقاطعه، واحمل له البغضاء والضغينة، وإن استطعت أن تودي برأسه وبعنقه قتلاً فافعل؛ فإن هذا عدو من أكبر الأعداء الذين وجدوا على سطح الكرة الأرضية، هذا الذي يسب الله ليس بعد عدائه عداء، وعليك -إذا عجزت منه وحاولت- أن تتسبب في الإضرار به ومعاداته ومناوأته ولو بلغ حد قتله، فقتله من أحسن القربات إلى الله .

стр. 5145

دوران الأرض والصعود إلى الفضاء السؤال هل الأرض تدور أم أنها ثابتة؟ وهل نصدق قول الكفار أنهم صعدوا الفضاء؟ الجواب هذه مسألتان: مسألة هل تدور الأرض أو لا تدور، ومسألة هل صعد الكفار إلى الفضاء. الظاهر أنهم صعدوا الفضاء ووصلوا إلى سطح القمر، وهذا معروف، لكنني قرأت للمالكية والحنابلة والشافعية والأحناف، فما قالوا بدوران الأرض، وأنا أتوقف كما توقفوا، والذي يظهر والله أعلم أنها تدور، وهذا الذي تكلم به أهل العلم، أما أن يأتي طلبة العلم فيدخلون أنفسهم في كل قضية، فكلما أتت نظرية وطرحت في الساحة، قاموا إليها ونشروها ثم تكلموا فيها، وفي بكرة النهار تأتي قضية تعاكسها أو نظرية تنكسها فنقول: عدنا كما عادوا وتبنا كما تابوا! القرآن لا يعرض هكذا للناس رداً وأخذاً وعطاءً ومضادةً، لا! ولذلك سيد قطب ﵀ يقول قاصداً طنطاوي جوهري صاحب كتاب الجواهر في التفسير: حمل القرآن ما لم يتحمل، القرآن نزل كتاب هداية. وأبو الأعلى المودودي له كتاب كيف تقرأ القرآن، وهو كتاب فذ من أحسن ما كتب، يقول: أولاً: أزل من ذهنك كل تصور عن القرآن أنه كتاب تاريخ فليس بكتاب تاريخ، وليس بكتاب جغرافيا، وليس بكتاب هندسة ولا كتاب طب، لكن القرآن كتاب هداية. بعضهم يدعي أنه أخذ من القرآن أن المثلث زواياه ثلاث. قلنا: من أين يا بركة الزمان؟! قال: من قوله : ﴿انْطَلِقُوا إِلَى ظِلٍّ ذِي ثَلاثِ شُعَبٍ * لا ظَلِيلٍ وَلا يُغْنِي مِنَ اللَّهَبِ﴾ [المرسلات:٣٠ - ٣١] أين هذه من هذه؟! ذهبتْ مشرقةً وسرتَ مغرباً شتان بين مشرقٍ ومغربِ قال آخر: الخط المستقيم أقرب موصل بين نقطتين. قلنا من أين؟ قال: من قوله : ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ [الفاتحة:٦] إلى آخر تلك الأقوال فحمل القرآن ما لم يتحمل؛ لأن القرآن والسنة إذا عرضا لهذا، كانا في مهب الهواء. فأما الدوران فهو الأقرب، لكنني لا أعرف أن القرآن يدل عليه إثباتاً أو نفياً، لأن القرآن كتاب هداية، فأهل الطب يبرعون في الطب، والهندسة يبرعون في الهندسة، أي: اسق الناس الإيمان ثم اتركهم، وسوف ترى كيف تؤتي شجرة الإيمان أكلها كل حين بإذن ربها، أدخل في قلبه الإيمان ثم ترى الصحفي يكتب بإيمان، والشاعر يلقي قصيدة بإيمان، والمهندس ينفع المسلمين بالإيمان، والطبيب يخدم الإسلام بالإيمان، أما مسألة الإيمان، فقد أتى القرآن يقول: خذ الإيمان، أما هذه الوسائل فلا، بل تترك للبشر.

стр. 5146

الاختلاف بين الجماعات الاسلامية السؤال إني كنت في تحفيظ القرآن، ثم انفصلت من التحفيظ لبعض الظروف العائلية، ثم التزمت مع شباب طيبين والحمد لله، ثم قالوا لي: إن أستاذ هذا التحفيظ من جماعة الإخوان المسلمين وأنا لا أدري من هم الإخوان المسلمون، فما رأيك في هذا الأمر؟ الجواب أولاً: لا يخفى عليكم أن هذه الجماعة الخيرة الطيبة التي نفع الله بها الإسلام والمسلمين، الإخوان المسلمون من ضمن أهل الاجتهادات في مجال الدعوة والأساليب، وهي من الانتماءات الموجودة في الساحة، أنشأها الأستاذ حسن البنا ﵀ رحمة واسعة، ونسأل الله أن يجمعنا به في دار كرامته. الإخوان المسلمون يحاسبهم الله مع السلفيين مع أهل جماعة التبليغ فرداً فرداً، ولا يحاسبهم جماعات، فما عليهم من أخطاء فأخطاؤهم بينهم وبين الله، وما لهم من حسنات أثابهم الله بحسناتهم: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَنَتَجَاوَزُ عَنْ سَيِّئَاتِهِمْ فِي أَصْحَابِ الْجَنَّةِ وَعْدَ الصِّدْقِ الَّذِي كَانُوا يُوعَدُونَ﴾ [الأحقاف:١٦]. هم بشر يخطئون ويصيبون، وللجميع اجتهادات قد تصيب في بعض النواحي وقد تخطئ، لكنهم جميعاً يريدون الخير، هذا يريد الإمساك على منهج السلف في المعتقد؛ فمأجور ومشكور، واعمل لكن لا تثرب على الآخرين، كفاك الله شر التثريب! وهذا يقول: أريد أن أربط الواقع والفكر بالإسلام، وأن أجمع كلمة المسلمين، وأن نرد على الكافر، وأن يكون خصمنا الكافر. نقول له: أثابك الله! أحسنت، وأنت مأجور ومشكور، لكن لا تثرب على أحد إلا من يقبل التثريب. ذاك الثالث يقول: أنا أريد أن أخرج العصاة من البارات والخمارات وأهديهم. نقول له: أحسنت وأثابك الله! وهذه مهمتك. والمجموع كلهم خيرون إن شاء الله، وأنت ليس عليك هذا، إنما عليك أن تعمل لوجه الله، وتوالي في الله، وتبغض في الله، وأن تحاسب الناس أفراداً، لا لأنه هنا فتكرهه؛ لكره ما تسمع، ولا لأنه هنا؛ فتحبه لحب ما تسمع، فإنه يوجد هنا أفراد أتقى وأزهد من بعض الأفراد أو من كثير من الأفراد هناك، وهناك يوجد أفراد أتقى وأزهد من بعض الأفراد هنا، فأنت كن على منهج القرآن في المحاسبة في الآخرة فرداً فرداً هذا هو الأمر الواقع. الأمر الذي أحب أن أقوله: إن كلامي هو في الائتلاف، وليس هناك أمور إن شاء الله توجب الفرقة، لكننا إذا أتينا بالكتاب والسنة، واشتغلنا بالعلم الشرعي، وسمحنا لأهل الأساليب في أساليبهم واقتراحاتهم التي لا تعارض الإسلام، نجحنا وأفلحنا بإذنه ، لكن الصفاء! الصفاء! والود الود! والحب الحب! وكل مأجور مشكور، على أن في هذه الطوائف والانتماءات بعض من المتحمسين للإسلام، عقيدته عقيدة السلف يحب الخير، يشتعل حماساً لخدمة هذا الدين فجزاه الله خيراً، وفي هذه الانتماءات جميعاً عصاة مذنبون مجرمون، وحسابهم عند الله ، وفيهم من تلبس ببدعة فحسابه عند الله ، ولكن المقصد أن تعمل عمل رجل يريد الخير لهذه الأمة ونصرة لا إله إلا الله ثم من أي طريق أتيت: خذا جنب هرشى أو قفاها فإنه كلا جانبي هرشى لهن طريق

стр. 5147

عفو الشيخ عمن اغتابه السؤال إني أحبك في الله! وقد اغتبتك مرة من المرات، فأرجو أن تسامحني وألا تقول مثلما قال ابن سيرين؟ الجواب أما أنا فأقول: عفا الله عنك ملء هذا المسجد، وعفا الله عن كل من جلس معنا وكل من غاب عنا من المسلمين؛ لأن هذا مجلس معافاة ومسامحة، أما أن نأتي نتحاسب في آخر المحاضرة بالدينار والدرهم فليس بصحيح. يقول صاحب المنطلق والعوائق جزاه الله خيراً: قال قائل لأخيه: تعال نتعاتب هذا اليوم، قال: بل تعال نتغافر. فهذا ليس مجال عتاب، نزيد الأمة نكاية وتشتيتاً وفرقة بأن أقول: والله لا أسامحك، وتقول: والله لتسامحني.

стр. 5148

حرمة دخول الحائض إلى المسجد السؤال هل يجوز للحائض أن تدخل الحرم دون أن تصلي؟ الجواب الصلاة -كما هو معروف- محرمة عليها، والحائض لا تدخل الحرم ولا أي مسجد، إلا عابرة سبيل كما قال الله تعالى في الجنب: ﴿إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ﴾ [النساء:٤٣] وفي سنن أبي داود بسند جيد عن علي ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ﴿إني لا أحل المسجد لحائض ولا جنب﴾ وفي صحيح البخاري عن عائشة ﵂ وأرضاها قالت: ﴿كان رسول الله ﷺ يخرج لي رأسه فأرجله وأنا حائض من خارج المسجد﴾ فلو كان يجوز لدخلت معه. وهناك مسألة نذكرها للتنبيه والفائدة تعرض لها ابن تيمية والأحناف، وهي مسألة الحائض إذا حاضت قبل أن تطوف طواف الإفاضة؛ فماذا تفعل؟ هناك حديث: ﴿أحابستنا﴾ وهو حديث صفية فإنها لو كانت طاهرة لكانت طافت، وإذا كانت حائضاً فإنها كانت تحبسه ﷺ . ابن تيمية والأحناف قالوا: إذا كان بلدها بعيداً ويخشى عليها ويخاف عليها من الرفقة، فلها أن تطوف بالبيت بلا صلاة. وهذه المسألة للفائدة، يقولون من باب الضرورة: ﴿إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم، وإذا نهيتكم عن شيء فاجتبوه﴾ لكن -للعلم- الحائض لا تدخل المسجد جالسة أو عابدة أو معتكفة، وإنما لها أن تمر مروراً عابراً كما قال تعالى: ﴿إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ﴾ [النساء:٤٣].

стр. 5149

أهل الذمة المحاربون السؤال حدثت مشاجرة بين المسلمين والنصارى في إحدى البلاد، واعتدى نصراني على مسلم، فأحدث به عاهة مستديمة، ونظراً لأنه لا تقام الحدود في تلك البلدة، هل يجوز للمسلم أن يتحين الفرصة للقصاص من هذا النصراني؟ وهل يجوز قتل النصراني لأنه محارب ومجاهر بنصرانيته؟ الجواب أقول: عليك أن تعتدي بمثل ما اعتدى عليك، وأن تقتص بيمينك؛ سلم الله يمينك، فإن أتلف يدك فأتلف يده، وإن استطعت فالاثنتين، وعينه فعينه، وأذنه فأذنه، فهذا منهج، لكن العدل أولى وأقرب. وأما قضية أن نحارب النصارى لأنهم كفار فلا! فإن الله جعل الناس ثلاثة: صاحب عهد إلى مدته، ومحارب نحاربه، وصاحب ذمة؛ فأما أهل الذمة فإنا نقرهم بشروط، إذا كنا منتصرين أقررناهم ببنود أو شروط لا نقرهم على كفر، لكن على الاستيطان، أو على المعايشة السلمية بشرط أن يدفع لنا الجزية عن يد وهو صاغر، لكننا الآن نحن نخاف أن ندفع لهم الجزية! ومحارب: فهذا أضربه وما عليك، سيفك بسيفه، ورمحك برمحه. وأما صاحب عهد: عاهدته شهراً أو سنة أو سنتين فأتم له عهده إلى مدته. وأحسن من تكلم عن هذا في كتاب الجهاد أبو الأعلى وقد نقلها عن ابن القيم وذكرها سيد قطب في الظلال في سورة الأنفال عن ابن القيم، وأحسن من فصلها ابن القيم في كلامه عن الجهاد.

стр. 5150

القصيدة البازية السؤال هل يتفضل الشيخ بإعطائنا القصيدة البازية؟ الجواب القصيدة قد ذكرت أكثر من مرة، ولكن سأعيدها كي تثبت وترسخ؛ لأنه إذا لم تكرر فسوف تُنسى. الشيخ عبد العزيز بن باز نحبه لا لشيء إلا لأنه يحب الله، وكل من أحب الله وعمل لله فواجب علينا أن نحبه وليس بنافلة، هذا الرجل وضع الله له القبول في الأرض، نسأل الله أن يثبتنا وإياه وأن يحسن لنا وله الخاتمة، يقول عنه المجذوب في قصيدة مقطوعة مليحة: روى عنك أهل الفضل كل فضيلة فقلنا حديث الحب ضرب من الوهمِ فلما تلاقينا وجدناك فوق ما سمعنا به في العلم والأدب الجمِّ فلا غرو أن تسبي المكارم كابراً فتأسرها بالمكرمات وبالعلمِ فلم أر بازاً قط من قبل شيخنا يصيد فلا يؤذي المصيد ولا يدمي وتقي الدين الهلالي وهو محدث مغربي وقد توفي يقول: خليلي عوجا بي لنغتنم الأجرا على آل بازٍ إنهم بالثنا أحرى وزهدك في الدنيا لو ان ابن أدهم رآه رأى فيه المشقة والعسرا والبازية فيها: قاسمتك الحب من ينبوعه الصافي فقمت أنشد أشواقي وألطافي لا أبتغي الأجر إلا من كريم عطا فهو الغفور لزلاتي وإسرافي عفواً لك الله قد أحببت طلعتكم لأنها ذكرتني سير أسلافي يا شيخ يكفيك أن الناس قد شغلوا بالمغريات وأنت الثابت الوافي يا دمع حسبك بخلاً لا تجود لمن أجرى الدموع كمثل الوابل الصافي يا شيخ يكفيك أن الناس قد شغلوا بالمغريات وأنت الثابت الوافي أغراهم المال والدنيا تجاذبهم ما بين منتعل منهم ومن حافي مجالس اللغو ذكراهم وروضتهم أكل اللحوم كأكل الأغطف العافي وأنت جالست أهل العلم فانتظمت لك المعاني ولم تولع بإرجاف بين الصحيحين تغدو في خمائلها كما غدا الطل في إشراقه الضافي تشفي بفتياك جهلاً مطبقاً وترى من دقة الفهم دراً غير أصدافِ يكفي محياك أن القلب يعمره من حبكم والدي أضعاف أضعافي يفديك من جعل الدنيا رسالته من كل أشكاله تفدى بآلاف أراك كالضوء تجري في محاجرنا فلا تراك عيون الأغلف الجافي كالشدو تملك أشواقي وتأسرها بنغمة الوحي من طه ومن قافِ ما أنصفتك القوافي وهي عاجزة وعذرها أنها في عصر أنصافِ
следующие страницы →