Полный текст (10 391 стр.). Показаны 5146–5185 · переход к 5151.
стр. 5146
الاختلاف بين الجماعات الاسلامية
السؤال
إني كنت في تحفيظ القرآن، ثم انفصلت من التحفيظ لبعض الظروف العائلية، ثم التزمت مع شباب طيبين والحمد لله، ثم قالوا لي: إن أستاذ هذا التحفيظ من جماعة الإخوان المسلمين وأنا لا أدري من هم الإخوان المسلمون، فما رأيك في هذا الأمر؟
الجواب
أولاً: لا يخفى عليكم أن هذه الجماعة الخيرة الطيبة التي نفع الله بها الإسلام والمسلمين، الإخوان المسلمون من ضمن أهل الاجتهادات في مجال الدعوة والأساليب، وهي من الانتماءات الموجودة في الساحة، أنشأها الأستاذ حسن البنا ﵀ رحمة واسعة، ونسأل الله أن يجمعنا به في دار كرامته.
الإخوان المسلمون يحاسبهم الله مع السلفيين مع أهل جماعة التبليغ فرداً فرداً، ولا يحاسبهم جماعات، فما عليهم من أخطاء فأخطاؤهم بينهم وبين الله، وما لهم من حسنات أثابهم الله بحسناتهم: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَنَتَجَاوَزُ عَنْ سَيِّئَاتِهِمْ فِي أَصْحَابِ الْجَنَّةِ وَعْدَ الصِّدْقِ الَّذِي كَانُوا يُوعَدُونَ﴾ [الأحقاف:١٦].
هم بشر يخطئون ويصيبون، وللجميع اجتهادات قد تصيب في بعض النواحي وقد تخطئ، لكنهم جميعاً يريدون الخير، هذا يريد الإمساك على منهج السلف في المعتقد؛ فمأجور ومشكور، واعمل لكن لا تثرب على الآخرين، كفاك الله شر التثريب!
وهذا يقول: أريد أن أربط الواقع والفكر بالإسلام، وأن أجمع كلمة المسلمين، وأن نرد على الكافر، وأن يكون خصمنا الكافر.
نقول له: أثابك الله! أحسنت، وأنت مأجور ومشكور، لكن لا تثرب على أحد إلا من يقبل التثريب.
ذاك الثالث يقول: أنا أريد أن أخرج العصاة من البارات والخمارات وأهديهم.
نقول له: أحسنت وأثابك الله! وهذه مهمتك.
والمجموع كلهم خيرون إن شاء الله، وأنت ليس عليك هذا، إنما عليك أن تعمل لوجه الله، وتوالي في الله، وتبغض في الله، وأن تحاسب الناس أفراداً، لا لأنه هنا فتكرهه؛ لكره ما تسمع، ولا لأنه هنا؛ فتحبه لحب ما تسمع، فإنه يوجد هنا أفراد أتقى وأزهد من بعض الأفراد أو من كثير من الأفراد هناك، وهناك يوجد أفراد أتقى وأزهد من بعض الأفراد هنا، فأنت كن على منهج القرآن في المحاسبة في الآخرة فرداً فرداً هذا هو الأمر الواقع.
الأمر الذي أحب أن أقوله: إن كلامي هو في الائتلاف، وليس هناك أمور إن شاء الله توجب الفرقة، لكننا إذا أتينا بالكتاب والسنة، واشتغلنا بالعلم الشرعي، وسمحنا لأهل الأساليب في أساليبهم واقتراحاتهم التي لا تعارض الإسلام، نجحنا وأفلحنا بإذنه ، لكن الصفاء! الصفاء! والود الود! والحب الحب! وكل مأجور مشكور، على أن في هذه الطوائف والانتماءات بعض من المتحمسين للإسلام، عقيدته عقيدة السلف يحب الخير، يشتعل حماساً لخدمة هذا الدين فجزاه الله خيراً، وفي هذه الانتماءات جميعاً عصاة مذنبون مجرمون، وحسابهم عند الله ، وفيهم من تلبس ببدعة فحسابه عند الله ، ولكن المقصد أن تعمل عمل رجل يريد الخير لهذه الأمة ونصرة لا إله إلا الله ثم من أي طريق أتيت:
خذا جنب هرشى أو قفاها فإنه كلا جانبي هرشى لهن طريق
стр. 5147
عفو الشيخ عمن اغتابه
السؤال
إني أحبك في الله! وقد اغتبتك مرة من المرات، فأرجو أن تسامحني وألا تقول مثلما قال ابن سيرين؟
الجواب
أما أنا فأقول: عفا الله عنك ملء هذا المسجد، وعفا الله عن كل من جلس معنا وكل من غاب عنا من المسلمين؛ لأن هذا مجلس معافاة ومسامحة، أما أن نأتي نتحاسب في آخر المحاضرة بالدينار والدرهم فليس بصحيح.
يقول صاحب المنطلق والعوائق جزاه الله خيراً: قال قائل لأخيه: تعال نتعاتب هذا اليوم، قال: بل تعال نتغافر.
فهذا ليس مجال عتاب، نزيد الأمة نكاية وتشتيتاً وفرقة بأن أقول: والله لا أسامحك، وتقول: والله لتسامحني.
стр. 5148
حرمة دخول الحائض إلى المسجد
السؤال
هل يجوز للحائض أن تدخل الحرم دون أن تصلي؟
الجواب
الصلاة -كما هو معروف- محرمة عليها، والحائض لا تدخل الحرم ولا أي مسجد، إلا عابرة سبيل كما قال الله تعالى في الجنب: ﴿إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ﴾ [النساء:٤٣] وفي سنن أبي داود بسند جيد عن علي ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ﴿إني لا أحل المسجد لحائض ولا جنب﴾ وفي صحيح البخاري عن عائشة ﵂ وأرضاها قالت: ﴿كان رسول الله ﷺ يخرج لي رأسه فأرجله وأنا حائض من خارج المسجد﴾ فلو كان يجوز لدخلت معه.
وهناك مسألة نذكرها للتنبيه والفائدة تعرض لها ابن تيمية والأحناف، وهي مسألة الحائض إذا حاضت قبل أن تطوف طواف الإفاضة؛ فماذا تفعل؟
هناك حديث: ﴿أحابستنا﴾ وهو حديث صفية فإنها لو كانت طاهرة لكانت طافت، وإذا كانت حائضاً فإنها كانت تحبسه ﷺ .
ابن تيمية والأحناف قالوا: إذا كان بلدها بعيداً ويخشى عليها ويخاف عليها من الرفقة، فلها أن تطوف بالبيت بلا صلاة.
وهذه المسألة للفائدة، يقولون من باب الضرورة: ﴿إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم، وإذا نهيتكم عن شيء فاجتبوه﴾ لكن -للعلم- الحائض لا تدخل المسجد جالسة أو عابدة أو معتكفة، وإنما لها أن تمر مروراً عابراً كما قال تعالى: ﴿إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ﴾ [النساء:٤٣].
стр. 5149
أهل الذمة المحاربون
السؤال
حدثت مشاجرة بين المسلمين والنصارى في إحدى البلاد، واعتدى نصراني على مسلم، فأحدث به عاهة مستديمة، ونظراً لأنه لا تقام الحدود في تلك البلدة، هل يجوز للمسلم أن يتحين الفرصة للقصاص من هذا النصراني؟ وهل يجوز قتل النصراني لأنه محارب ومجاهر بنصرانيته؟
الجواب
أقول: عليك أن تعتدي بمثل ما اعتدى عليك، وأن تقتص بيمينك؛ سلم الله يمينك، فإن أتلف يدك فأتلف يده، وإن استطعت فالاثنتين، وعينه فعينه، وأذنه فأذنه، فهذا منهج، لكن العدل أولى وأقرب.
وأما قضية أن نحارب النصارى لأنهم كفار فلا! فإن الله جعل الناس ثلاثة: صاحب عهد إلى مدته، ومحارب نحاربه، وصاحب ذمة؛ فأما أهل الذمة فإنا نقرهم بشروط، إذا كنا منتصرين أقررناهم ببنود أو شروط لا نقرهم على كفر، لكن على الاستيطان، أو على المعايشة السلمية بشرط أن يدفع لنا الجزية عن يد وهو صاغر، لكننا الآن نحن نخاف أن ندفع لهم الجزية!
ومحارب: فهذا أضربه وما عليك، سيفك بسيفه، ورمحك برمحه.
وأما صاحب عهد: عاهدته شهراً أو سنة أو سنتين فأتم له عهده إلى مدته.
وأحسن من تكلم عن هذا في كتاب الجهاد أبو الأعلى وقد نقلها عن ابن القيم وذكرها سيد قطب في الظلال في سورة الأنفال عن ابن القيم، وأحسن من فصلها ابن القيم في كلامه عن الجهاد.
стр. 5150
القصيدة البازية
السؤال
هل يتفضل الشيخ بإعطائنا القصيدة البازية؟
الجواب
القصيدة قد ذكرت أكثر من مرة، ولكن سأعيدها كي تثبت وترسخ؛ لأنه إذا لم تكرر فسوف تُنسى.
الشيخ عبد العزيز بن باز نحبه لا لشيء إلا لأنه يحب الله، وكل من أحب الله وعمل لله فواجب علينا أن نحبه وليس بنافلة، هذا الرجل وضع الله له القبول في الأرض، نسأل الله أن يثبتنا وإياه وأن يحسن لنا وله الخاتمة، يقول عنه المجذوب في قصيدة مقطوعة مليحة:
روى عنك أهل الفضل كل فضيلة فقلنا حديث الحب ضرب من الوهمِ
فلما تلاقينا وجدناك فوق ما سمعنا به في العلم والأدب الجمِّ
فلا غرو أن تسبي المكارم كابراً فتأسرها بالمكرمات وبالعلمِ
فلم أر بازاً قط من قبل شيخنا يصيد فلا يؤذي المصيد ولا يدمي
وتقي الدين الهلالي وهو محدث مغربي وقد توفي يقول:
خليلي عوجا بي لنغتنم الأجرا على آل بازٍ إنهم بالثنا أحرى
وزهدك في الدنيا لو ان ابن أدهم رآه رأى فيه المشقة والعسرا
والبازية فيها:
قاسمتك الحب من ينبوعه الصافي فقمت أنشد أشواقي وألطافي
لا أبتغي الأجر إلا من كريم عطا فهو الغفور لزلاتي وإسرافي
عفواً لك الله قد أحببت طلعتكم لأنها ذكرتني سير أسلافي
يا شيخ يكفيك أن الناس قد شغلوا بالمغريات وأنت الثابت الوافي
يا دمع حسبك بخلاً لا تجود لمن أجرى الدموع كمثل الوابل الصافي
يا شيخ يكفيك أن الناس قد شغلوا بالمغريات وأنت الثابت الوافي
أغراهم المال والدنيا تجاذبهم ما بين منتعل منهم ومن حافي
مجالس اللغو ذكراهم وروضتهم أكل اللحوم كأكل الأغطف العافي
وأنت جالست أهل العلم فانتظمت لك المعاني ولم تولع بإرجاف
بين الصحيحين تغدو في خمائلها كما غدا الطل في إشراقه الضافي
تشفي بفتياك جهلاً مطبقاً وترى من دقة الفهم دراً غير أصدافِ
يكفي محياك أن القلب يعمره من حبكم والدي أضعاف أضعافي
يفديك من جعل الدنيا رسالته من كل أشكاله تفدى بآلاف
أراك كالضوء تجري في محاجرنا فلا تراك عيون الأغلف الجافي
كالشدو تملك أشواقي وتأسرها بنغمة الوحي من طه ومن قافِ
ما أنصفتك القوافي وهي عاجزة وعذرها أنها في عصر أنصافِ
стр. 5151
الشيعة الإثنى عشرية
السؤال
هل فرقة الشيعة الإثني عشرية تنطبق عليهم هذه الأخوة، وهل نبدؤهم بالسلام والدعوة والمزاح والمخالطة؟
الجواب
فرقة الشيعة الإثني عشرية لا تنطبق عليهم هذه الأحاديث، وهم في واد، وهذه الأحاديث في واد آخر، وهم مستدبرو القبلة، ونحن مستقبلو القبلة، فهؤلاء لا ينطبق عليهم الحديث لا من قريب ولا بعيد لأن هذا فيه بعد، ومن قرأ منهاج السنة لـ ابن تيمية عرف البعد الشاسع، ومن قرأ كتاب الوشيعة ذاك الكتاب الفذ لـ موسى الجار الله عرف أموراً عجيبة، فلا يمكن! فنحن في أماكننا ونحن هنا حتى يأتي من أراد أن يأتي لنعرفه ولينضم إلى الكتاب والسنة، أما أنا فأتكلم عن أناس تحت مظلة لا إله إلا الله محمد رسول الله، عن أناس يعتقدون في الجملة ما نعتقد، وأصولنا وأصولهم واحدة، إن اختلفنا معهم فإنما هو في فرعيات، خلاف تنوع لا خلاف تضاد، أما الخلاف مع الذي ذكر الأخ فهو خلاف تضاد، وليس بخلاف تنوع.
أساليب الدعوة هي من خلاف التنوع؛ أما العقائد والأصول فمن اختلاف التضاد فليعلم ذلك.
وصلى الله وسلم على رسول الله وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 5152
نشرة الأخبار
يتناول هذا الدرس بعض الأحداث العظيمة التي تهم الإسلام بشكل عام وتهم الصحوة بشكل خاص, ومن هذه الأخبار:
صحوة في كل مكان.
توبة المغنين.
انهيار الشيوعية وانتصار الإسلام.
ثم ختم الأخبار بلقاءات مع فضيلة الشيخ: ابن باز , والشيخ: الألباني, والشيخ: ابن عثيمين , ولم تخل هذه اللقاءات من الدروس والعبر المفيدة لطلاب العلم خصوصاً وللمسلمين عموماً.
стр. 5153
سبب طرح موضوع نشرة الأخبار
الحمد لله رب العالمين، ولي الصالحين، ولا عدوان إلا على الظالمين، والصلاة والسلام على إمام المتقين، وقدوة الناس أجمعين، وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثراً.
أمَّا بَعْد: عنوان هذا اللقاء (نشرة الأخبار) وهو عنوان عصري، والسلف لهم عناوين أخرى، وهي أنه كان من منهج القرآن أن يُسأل القادم عن خبره، وكان ﵊ إذا نزل به نازل سأله عن اسمه ونسبه وعن قبيلته، فآثرت هذا العنوان، وسوف أذكر الموجز، ثم التفصيل إن شاء الله، ولعله أن يكون هناك فائدة، ولعل من قوالب الحق التي يعرض فيها ما ينفع، كلما تعددت الأساليب.
دخلت الملائكة على إبراهيم ﵇، وكان من أكرم الناس، وله روغتان في القرآن: روغة كرم، وروغة شجاعة ﴿فَرَاغَ عَلَيْهِمْ ضَرْباً بِالْيَمِينِ﴾ [الصافات:٩٣] هذا في الأصنام ﴿فَرَاغَ إِلَى أَهْلِهِ فَجَاءَ بِعِجْلٍ سَمِينٍ﴾ [الذاريات:٢٦] وراغ هنا، أي: ذهب بخفية، مثلما يذهب الكريم، فإنه إذا دخل الضيف بيت الكريم، يقوم الكريم فيروغ بخفية ويأخذ السكين بخفية، ويذبح الخروف بخفية.
وأما البخيل: فيتحنحن ويتمنمن، ويلقي محاضرات، ويستعيذ بالله من الشيطان، ويَسنُّ شفرته أمام الضيف، ويصلي ركعتي الاستخارة، ويسأل الضيف هل أنت مقيم فنجعله عشاء، أو أنت مسافر فنجعله غداء، وما تأتي هذه الوجبة حتى يمل الضيف المجلس، ويسأل الله أن يفرج عليه هذه الكربة.
إبراهيم لما دخلت عليه الملائكة قام سريعاً -وانظر إلى الكرم- وذهب ﵇ إلى عجل -ولم يقل خروفاً- كان العجل سميناً وهذا لا يفعله إلا كرماء الناس، وأيضاً مع أن الضيوف كانوا ملكين أو ثلاثة ومع ذلك يذبح عجلاً سميناً، قال أهل العلم: إذا وجد من يأكل الطعام فلا عليك ولو كثرت.
ولفظ القرآن، قال: (سمين) وليس بهزيل، وفي سورة هود: (حنيذ) وقد جمع بينهما أهل العلم، قالوا: عجل سمين وحنذه؛ لأن الحنيذ يأكل منه الضيف أكثر ومن جرب عرف، والتجربة أكبر برهان ﴿فَقَرَّبَهُ إِلَيْهِمْ﴾ [الذاريات:٢٧] ومن حكمة الله وقدرته أن خلق الملائكة من نور لا يأكلون الطعام، فلما قدمه إليهم, قال ابن القيم: فيه أدب، فمن الأدب أن تقدم الطعام إلى الضيف، لا تقدم الضيف إلى الطعام، ولذلك نحن ابتعدنا عن الأدب الإسلامي الأصيل، يوم جعلنا الضيف يقوم إلى السفرة، وما نجعل السفرة تقدم إلى الضيف، هذا هو الأقرب لكن لا غضاضة، والمسألة فيها سعة.
(فقربه) ولم يقل: قربهم إليه، وإنما قرب الطعام إليهم, وفي ذلك راحة للضيف لأنه جالس والطعام يأتي إليه، وقد كان الأولون يفعلون ذلك، حتى أتت المدنية فجعلوا سفرة الطعام في مكان، والمجلس في مكان, والغسالة في مكان، والنشافة في مكان، فلما قربه إليهم نظر إليهم، قال: ﴿أَلا تَأْكُلُونَ﴾ [الذاريات:٢٧] وهذا من الأدب، فإنه لم يقل ما لكم لم تأكلوا! نحن تعبنا وسلخنا وذبحنا، وإنما قال: ﴿أَلا تَأْكُلُونَ﴾ [الذاريات:٢٧] فقالوا: نحن لا نأكل، قال: ﴿قَالَ فَمَا خَطْبُكُمْ أَيُّهَا الْمُرْسَلُونَ﴾ [الحجر:٥٧] سألهم: ما هو الخبر؟ وهذا هدي الإسلام, وهو أدب عربي قح، والعربي كان إذا نزل به الضيف سأله عن أحواله وأخباره.
وعند الترمذي بسند فيه ضعف: ﴿إذا عرف أحدكم أخاه فليسأله عن اسمه وعن نسبه، فإنه واصل المودة﴾ وقال : ﴿وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا﴾ [الحجرات:١٣] فالأصل أن تسأل الضيف الذي نزل عندك، ممن أنت؟ ومن أي قبيلة؟ -وليس هذا من العنصرية- هل جاءكم مطر؟ كيف أهلكم؟ لأنك إذا سكرت شفتيك خاف منك الضيف، والبخيل لا يتحدث مع الضيف، وإنما يسارقه النظر، ويعد لقمات الضيف، وينظر هل كبر أم صغر، ويكاد يبتلعه، حتى ينطوي الضيف وينقبض.
قال العربي الأزدي والأزد جدكم:
أحادث ضيفي قبل إنزال رحله ويخصب عندي والمكان جديب
وما الخصب للأضياف أن يُكْثَر القِرى ولكنما وجه الكريم خصيب
فقبلما يضع السرج من على الحمار، أو القتم من على الجمل، فيبدأ صاحب البيت بالترحيب بالضيف وهو لا يزال في الحوش والجرين وهذا من الكرم، قال ﵊ -كما في صحيح مسلم - لوفد عبد القيس لما سألهم: ﴿من القوم؟ قالوا: من ربيعة، قال: مرحباً بالقوم غير خزايا ولا نداما﴾.
فالسنة إذا قدم إنسان بعد أيام أو أسابيع أن يتحدث لإخوانه وأحبابه بأخباره، وأنا لا أعلم أحباباً أحب إلينا منكم -يشهد الله تعالى- في الله ؛ لأنا نعلم أنكم صفوة المجتمع، وأنتم جلستم في بيت الله وتركتم أعمالكم وأتيتم تسمعون ذكر الله، فحفت بكم الملائكة، وتنزلت عليكم الرحمة، وغشيتكم السكينة، وذكركم الله فيمن عنده، والله يقول لكم في آخر المجلس: ﴿انصرفوا مغفوراً لكم؛ فقد أرضيتموني ورضيت عنكم -فنسأل الله الكريم من فضله- فتقول الملائكة: يا رب! عبدك فلان فيهم ما جلس إلا هكذا -أي: ليس له غرض في الجلوس- قال: وله غفرت، هم القوم لا يشقى بهم جليسهم﴾.
ولذلك كان علماء السلف لا يدعون مجالس الذكر مع أنهم كانوا أعلم من المتكلم وأفقه، ومع ذلك يريدون دعوة مستجابة، أو مغفرة من الحي القيوم.
стр. 5154
موجز عناوين الأخبار
نشرة الأخبار هذه فيها مسائل:
الخبر الأول: صحوة في كل مكان: ففي هذين الأسبوعين -في الربيع- أتيت بأخبار.
الصحوة في كل مكان.
الجزء الثاني: توبة المغنيين في بلادنا، بل جمعٌ من المغنيين, سوف أخبركم بأسمائهم تابوا في أشهر معدودة من الغناء والفن، وكسروا الأعواد، وأقبلوا يتوضئون ويسجدون ويبكون في المساجد.
الخبر الثالث: انهيار الشيوعية وانتصار الإسلام.
الخبر الرابع: سلام على سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز، وشيء من سيرته؛ لأني لقيته في مكة في هذا الربيع.
الخبر الخامس: لقاء حار بفضيلة المحدث الكبير محمد ناصر الدين الألباني، فقد جلست معه مع بعض طلبة العلم ما يقارب ثلاث ساعات في أسئلة سوف أعرضها لكم وأعرض جوابه.
الخبر السادس: جلسة مع الشيخ الفاضل العلامة محمد الصالح بن عثيمين، وسوف أقص عليكم من خبره: ﴿لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ﴾ [يوسف:١١١].
ثم ننتهي ببعض الأمور، والله الذي يفتح ويهدي سواء السبيل، وعسى الله أن يجعل أعمالنا وأعمالكم خالصة لوجهه الكريم.
كان هذا هو الموجز وإليكم تفاصيل الأنباء.
стр. 5155
تفاصيل الأخبار
стр. 5156
صحوة في كل مكان
الخبر الأول: أما صحوة في كل مكان فحدث ولا حرج: (في كل أرض بنو سعد) والله يريد لهذه الأمة أن تتجه إليه، ويريد أن يكون المستقبل لها ﴿فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ﴾ [الرعد:١٧] محاضرات في مكة وفي جدة وفي الباحة وبـ الجرشي والمخواة، لكن تمتلئ المساجد والأرصفة والطرقات من الشباب والنساء والكبار، يريدون ما عند الله، شباب أعلنوا توجههم إلى الله.
والله إن الإنسان يقف أحياناً فتدمع عيناه مما يرى من هذا الإقبال العظيم، سبحانك يا رب! قبل سنوات امتلأت المقاهي، وأعرض الناس عن المساجد، واليوم لا يجد كثيرٌ من الناس أماكن للجلوس لحضور المحاضرات أو لرؤية المحاضر، أو لسماع المحاضرة، زحام رهيب، وإقبال على الطاعة، وصحوة في كل مكان، لقيت طلبة بعضهم جاء من فلسطين وقد جاءوا من سنغافورة، وقالوا: هناك صحوة، وبعضهم في البرازيل، وأتت رسالة من أستراليا قالوا: الأشرطة التي تلقى هنا تصل إلينا بعض ثلاثة أشهر.
اتجهت الدنيا إلى الواحد الأحد؛ لأن الله يريد أن يسعد الدنيا؛ ولأنه لطيف بالخليقة، ومن لطفه أن يرد الخليقة للإسلام، ولذلك يقول سيد قطب قبل ثلاثين أو أربعين سنة: المستقبل لهذا الدين، ونقول له: يا أستاذ رحمك الله! لو رأيت الصحوة والعودة، لعلمت أن المستقبل لهذا الدين، ولي عودة على هذه القضية.
стр. 5157
توبة المغنين
أما توبة المغنيين في بلادنا، فقبل أسبوع كانت محاضرة وهي موجودة في تسجيلات أبها بعنوان: "رسالة إلى المغنيين والمغنيات" وقد حضرها جمع هائل من المسلمين، وحضرها أيضاً اثنان من المغنين الذين تابوا، وأتيت بقصاصات من جريدة الجزيرة وعكاظ، وبعض الصحف التي تحدثت عن سبعة تابوا إلى الله وعادوا في أشهر معدودة.
حضر المحاضرة المغني الشهير، والذي أصبح عابداً داعية (مسفر القثامي) و (يحيى أبو الكرم) صاحب الصوت الجميل، وسوف تسمعون صوته في آخر الشريط الثاني من المحاضرة.
ثم قام بعد المحاضرة ليتكلم عن مرحلتين ويومين وليلتين في حياته، مرحلة ما قبل الهداية، ومرحلة ما بعد الهداية، مرحلة يوم كان يأخذ العود، ويعزف على الموسيقى، وكان عنده فرقة، وكان عنده ناي وطبل ودف، ووتر وسهر، وضياع وكأس وسيجارة، وجمهور ولغو ولهو: ﴿وَذَرِ الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَعِباً وَلَهْواً وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا﴾ [الأنعام:٧٠].
ومرحلة يوم هداه الله، قام ووجهه قد أشرق بالنور, وعليه لحية جميلة من لحى أهل السنة والجماعة، وثيابه من ثياب أهل السنة، وعنده سواك، وقام أمام الألوف من الناس، يقول: أنا أبو الكرم، قد كنت مغنياً وأصبحت عابداً لله، ثم اندفع يبكي، وتحدث عن روعة الإيمان ونوره، وعن إشراق القرآن، وسوف تسمعون كلامه، فسأله الناس أن يقرأ بصوته الجميل الذي كان يغني به ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ﴾ [هود:١١٤] فقام واندفع واختار بصوته الجميل سورة (ق) ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْأِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ﴾ [ق:١٦] ما كأني سمعت في حياتي صوتاً أجمل من صوته، فماذا فعل الجمهور؟ انفجر الناس يبكون، حتى تراد المسجد بالبكاء، ولعلكم تسمعونه في الشريط، حتى صوروا لنا يوم القيامة، وكان هو يؤدي القرآن تأدية بالغة مؤثرة، وتنسكب دموعه مع القرآن؛ لأنه عاش القرآن.
وفي المحاضرة تاب سبعة منهم: (محمد البيتي) غفر الله ذنبه، وحمد سعيه، أعلن أنه كسر العود، وعاد وترك الربابة والموسيقى، وأصبح من حَمَامات المسجد، وأنه لا يريد أن ينشأ ابنه على الغناء ولا على الوتر، ولا على الموسيقى، وقال: تفكرت في الغناء فإذا هو شهرة، ثم ماذا؟ ﴿ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلاهُمُ الْحَقِّ أَلا لَهُ الْحُكْمُ وَهُوَ أَسْرَعُ الْحَاسِبِينَ﴾ [الأنعام:٦٢].
و (مشاري) شرى نفسه من الله، كان مغنياً ثم عاد إلى الواحد الأحد، وهو مشهور، وله أكثر من خمسين أغنية، قد نفضت العالم العربي، وعاد وتركها وطلب من القائمين على الإعلام أن يمسحوها وأن يدمروها؛ لأنه أسس بنيانه على تقوى من الله ﴿أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى تَقْوَى مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٍ خَيْرٌ أَمْ مَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى شَفَا جُرُفٍ هَارٍ فَانْهَارَ بِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ [التوبة:١٠٩] عاد إلى الله، اسمه مشاري اشترى نفسه من الله ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْداً عَلَيْهِ حَقّاً فِي التَّوْرَاةِ وَالْأِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ﴾ [التوبة:١١١].
ومن العائدين -أيضاً- عودة العودة عاد إلى الله، وليس بغريب ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [آل عمران:١٣٥] كان له جمهور، ولكنه طلب أن تمحى أشرطته المرئية والمسموعة، وقال: تبت إلى الله، وحياتي لا يمكن أن تكون حياة غناء، حياتي أغلى وأرفع, وسوف أكون من اليوم عبداً للواحد الأحد.
و (بالخياط) تاب، وغيرهم كثير ولعلكم تسمعون بأسمائهم، والعجيب أننا سمعنا أن (مايكل جاكسون) قد تاب أيضاً وسواء تاب أو لم يتب المهم أن قوافل وأفواجاً أعلنوا توبتهم, وسوف تسمعون الإعلانات قريباً في الصحف عن الذين تركوا الغناء وأقبلوا إلى المساجد واهتدوا بهدى الله.
لأن الغناء يحطم الإرادات، ويمحق العزائم، ويطفئ نور الإيمان، ويطارد القرآن، ويحارب الفضيلة، وينشر الرذيلة، ويبني للفحشاء صروحاً، ونقل في نفس الشريط الذي لعلكم سوف تسمعونه فتوى لما يقارب عشرة من أهل العلم، من المتقدمين والمتأخرين كـ ابن تيمية وابن القيم وابن باز والألباني، وهي مقروءة وسوف تسمعون فقرة عن بعض الأغاني التي أخذتها من بعض القصاصات والصحف، والتي بعضها كفر، وبعضها فسق, وبعضها معصية.
فبعضها يعارض القضاء والقدر، وبعضها يستهزئ بالإسلام، وبعضها يقسم بغير الله، وبعضها يدعو إلى الفاحشة ونبذ الرذيلة، وإدخال الرذيلة -والعياذ بالله- على كل حال هذا من الأخبار وهم أبناؤكم، وأقاربكم، وإخوانكم، دفعنا إلى إخراج ذاك الشريط النصح ثم البيان ثم الرحمة بهم، وقاد عادوا إلى الله.
شباب الحق للإسلام عودوا فأنتم فجره وبكم يسود
وأنتم سر نهضته قديماً وأنتم فجره الباهي الجديد
الخطوط السعودية تشهد صحوة، جلسنا معهم في كل مطار، فإذا هم يهتدون، وإذا الوجوه التي تراها قبل أسبوع تغيرت وأصبح النور يتلألأ فيها: ﴿نُورٌ عَلَى نُورٍ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [النور:٣٥] ﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا﴾ [الأنعام:١٢٢].
ودخلنا الجيش فرأينا على مستوى القيادات والضباط والجنود عودة صادقة، وأصبحوا يسألون عن مسائل وجزئيات في سنة محمد ﵊، والأمن العام، والدوريات، والمرور، والتجار، والفلاحين فلله الحمد أولاً وأخيراً, اللهم لا تخذل محمداً في أمته.
بشرى لنا معشر الإسلام إن لنا من العناية ركناً غير منهدم
لما دعا الله داعينا لطاعته بأكرم الرسل كنا أكرم الأمم
تجلس مع رجل مصري فتسأله فيخبرك أن عندهم صحوة وعودة ورجوع، واليمني يخبرك ماذا يفعل الدعاة؟ وماذا يفعل الشباب؟ وكيف ينتشر الإسلام، وهكذا الإماراتي والكويتي والسوداني والعراقي وكل شعب يعلن أن المستقبل لهذا الدين, فلله الحمد والشكر.
стр. 5158
انهيار الشيوعية وانتصار الإسلام
الخبر الثالث: انهيار الشيوعية في العالم وانتصار الإسلام، اقرءوا الصحف، أول ما يفاجئك في الصباح أن ولاية انقسمت من روسيا وأعلنت التمرد، وخرجت بمظاهرات عارمة تحطم دبابات الملاعين الملاحدة، أليس في ذلك انتصار للإسلام، ومن هذه الدول: رومانيا وتشيكوسلوفاكيا وأذربيجان وأوزباكستان وبخارى، أراضينا تعود إلينا، تعلن الإسلام، بخارى قطعة منا، عشنا معها وعاشت معنا، كتبنا بدمائنا في بخارى، وفتحناها بلا إله إلا الله، وخطبنا على منابرها، ثم تركنا فيها شهداءنا ودماءنا، ودموعنا وأشلاءنا ثم عدنا.
البخاري صاحب الصحيح من هناك، وقبره هناك، فلماذا تصبح بخارى شيوعية لا بد أن تعود إلى الإسلام، فها هي الآن تعود إلى الإسلام K موسكو وهي العاصمة افتتح فيها مركز إسلامي والمؤذنون يؤذنون كل يوم خمس مرات في وسطها، كلما حان الوقت سمعت المكرفون كما قال الثقة: يدوي وسط العاصمة الملحدة، عاصمة الأنذال الأرذال الملاحدة، يقول: الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر.
بلادي كل أرض ضج فيها دعاء الحق يدعوها حنينا
وأينما ذكر اسم الله في بلد عددت ذاك الحمى من صلب أوطاني
أيضاً (سمرقند) تعود إلى الله، ومنها السمرقندي، و (طشقند) منها الطاشقندي، و (ترمذ) التي منها الترمذي، وهي أرض سيبويه تعود إلى الإسلام، وأرض الكسائي وأرض النسائي، وأرض المؤرخين ابن قتيبة، وأرض الأئمة وأرض الزعماء تعود إلى الواحد الأحد، وليس بعجيب فهي بشرى.
وأما الشيوعية فقد كتبت عليها اللعنة كل يوم تنسحق دولة ويتحطم كيان.
لما رأت أختها بالأمس قد خربت كان الخراب لها أعدى من الجرب
هنا تضعضع العالم الغربي, واهتز وشعر بالخطر فعلاً، وبدأت التحليلات الغربية تختلف، فطائفة من الغربيين أبدوا الارتياح الكامل لهذه الخطوات الديمقراطية وتفاءلوا بمستقبل زاهٍ للإنسانية، كما نسمع الآن ويردد كثيراً، وأن الإنسانية والعالم الإنساني مقبل على مرحلة انفراج، وأن النظم الشمولية ستنتهي، وأن الديكتاتوريات ستسقط، وأن وأن وغير ذلك.
وقالوا: إن هذا هو نتيجة ثورة الإنسانية، وتفاعل الحرية في قلوب العالم أجمع، هذه كانت تحليلات، وتحليلات أخرى تقول: لا.
الاتحاد السوفييتي دائماً يلدغ، الشيوعية لم يتنازل عنها، وإنما هذه حركة التفاف، وهي عملية مخادعة، واختلفت التحليلات، والذي يتتبع العملية يقول: لا يمكن أن تكون هذه إلا عملية مقصودة، كيف السقوط بهذه الدقة، ثم لماذا يبرز في كل دولة يسقط فيها الشيوعيون، يبرز في محله الشيوعيون الناقمون، (الشيوعيون الإصلاحيون) كما يسمون؟!
فكأن تروتسكي الذي قتله استالين عام (١٩٤٠م) كأنه أعيد من جديد، أو غيره الدولية الثانية والدولية الثالثة والدولية الرابعة مجموعات الأحزاب الشيوعية خارج الاتحاد السوفييتي، يرون -أيضاً- الارتياح الذي تُقابل به الأحزاب الشيوعية في بلادها هذا الحدث فيقول: لا بد أن هذا أمرٌ مدبر بليل، ووراءه ما وراءه من خطر على أوروبا.
على كل حال وصلت بعض التحليلات إلى القول: إن جرباتشوف دسيسة أمريكية، أي رُبي على عين أمريكا، ووضع ليهدم الشيوعية، وليأتي في مؤتمر مالطا ويقول لـ بوش: نحن لن نتقاسم العالم معكم، والبعض الآخر يقول: بالعكس, إن جرباتشوف هو الذي سيحتوي العالم ويريد أن يحتوي العالم عن طريق هذا الخداع.
هذه تحليلات مختلفة، لكن أقول: نحن نقتصر على الأمور الظاهرة، ثم لنا الحق جميعاً أن نستنتج منها ما يمكن أن نستنتجه.
стр. 5159
لقاء مع فضيلة الشيخ: ابن باز
لقاءات مع أهل العلم: السلام على سماحة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز: ربما قال بعضكم: الخبر ليس بجديد؛ لأننا كلنا نعرف الشيخ عبد العزيز بن باز، وماذا سوف تخبرنا بالعَلَم؟ والعَلَم لا يُعَرَّف.
بينما يذكرنني أبصرنني عند قيد الميل يسعى بي الأغر
قال تعرفن الفتى قلن نعم قد عرفناه وهل يخفى القمر
الشيخ عبد العزيز مشهور، لكن في سيرته جزئيات لا يعرفها الناس.
- ترجمة ذاتية للشيخ عبد العزيز بن باز:
المقابل: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه، أيها الإخوة! نحن الآن في حضرة سماحة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز، في لقاء نستطيع أن نسميه: لقاء السيرة الذاتية للشيخ عبد العزيز بن باز مع عرض بعض الأسئلة حول قضية العلم والعلماء والدعوة والدعاء.
وفي البداية: نرحب بسماحة الشيخ عبد العزيز بن باز، ونشكر له هذا الوقت الذي اقتطعه من وقته الثمين، فمرحباً بك شيخنا عبد العزيز.
الشيخ: حياكم الله وبارك فيكم.
المقابل: نحن -شيخنا الفاضل- سنبدأ هذه الأسئلة بما يشبه الترجمة عن حياة سماحة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز، فنرجو من الشيخ أن يقدم نفسه للأخ المستمع.
الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله وصلى الله وسلم على رسول الله وعلى آله وأصحابه ومن اهتدى بهداه، أمَّا بَعْد:
فقد كتبت في هذا شيئاً ليعرف القراء حقيقة ترجمتي مُوَصَّلَةً, وهي موجودة عند كثير من الإخوان، وهي أيضاً موجودة في مجلدي الأول من الفتاوى والمقالات التي تم جمعها وطبعها أخيراً، وقد صدر الجزء الأول منها والحمد لله، ومن ذلك أولاً: أني ولدت في الثاني عشر من ذي الحجة عام ١٣٣٠هـ، ونشأت والحمد لله يتيماً في حضانة والدتي رحمة الله عليها، وكان والدي قد توفي في ذي القعدة من عام ٣٣هـ، وأنا في آواخر السنة الثالثة من عمري، ودرست القرآن وحفظته قبل البلوغ، وكانت دراستي على الشيخ الكريم رحمة الله عليه عبد الله بن فريد، وكانت له مدرسة في شمال مسجد الشيخ عبد الله ﵀، المسمى أخيراً مسجد الشيخ محمد بن إبراهيم رحمة الله عليه في بلد الرياض.
ثم شغلت بطلب العلم على المشايخ في الرياض، وأول من قرأت عليه شيخنا العلامة قاضي الرياض الشيخ صالح بن عبد العزيز بن عبد الرحمن بن حسين بن محمد بن عبد الوهاب رحمة الله عليهم جميعاً، وكان ذلك في حدود السنة الرابعة والأربعين والخامسة والأربعين إلى أن تعينت قاضياً في الخرج في عام ١٣٥٧هـ.
والشيخ وضع له القبول في الأرض، والقبول ليس بيد أحد من الناس بل هو بيد الواحد الأحد، فإنه إذا أحب عبداً جعل الناس يحبونه، وإذا أبغض عبداً جعل القلوب تبغضه، فالحب هذا لا يصطنع، ولا يأتي بالحديد والسكاكين ولا بالهراوات، بل الحب موهبة وعطية من الله .
وفي الصحيح يقول البخاري: باب المقة من الله، أي: الحب من الله، ﴿إن الله إذا أحب عبداً قال لجبريل: إني أحب فلاناً فيحبه جبريل، ثم ينادي جبريل في أهل السماء: إن الله يحب فلاناً فأحبوه، فيحبه أهل السماء ثم يوضع له القبول في الأرض, وإذا أبغض الله عبداً قال لجبريل: إني أبغض فلاناً فيبغضه جبريل، ثم ينادي في أهل السماء: إن الله يبغض فلاناً فأبغضوه فيبغضه أهل السماء، ثم يوضع له البغض في الأرض﴾ وفي بعض الروايات: ﴿حتى يشربون للمحبوب مع الماء البارد حبه، ويشربون للمبغوض مع الماء البارد بغضه﴾.
ولذلك تجد بعض الناس بغضتهم القلوب بأعمالهم في الخفاء، وبعض الناس أحبتهم القلوب ولو أنهم لم يقدموا للناس شيئاً، ولكن بأعمالهم في الخفاء.
الشيخ عبد العزيز جمع الله له أموراً منها: التقوى، رجل أول ما فيه أنه طلب العلم لوجه الله، هذا ما نحسبه والله حسيبه، ثم فقد البصر، ولكن لم يفقد البصيرة، عمي وعمره تسع عشرة سنة.
ثم يقول: وقرأت على الشيخ صالح ما جرت العادة أن يقرأه الطالب في ذاك الزمان من كتب الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمة الله عليه: كـ الثلاثة الأصول، وكتاب التوحيد وكشف الشبهات، وقرأت عليه أيضاً في عمدة الحديث للشيخ عبد الغني المقدسي، ولا أذكر الآن هل قرأت عليه العقيدة الواسطية أم لا.
ثم قرأت على فضيلة شيخنا العلامة الكبير الشيخ محمد بن إبراهيم رحمة الله عليه، ولازمته كثيراً نحواً من عشر سنين أو أكثر، وقرأت عليه جميع العلوم الدينية التي يقرأها الطلبة في زماني في ذلك الوقت في الفقه والحديث والنحو, وسمعت عليه كتباً كثيرة من الكتب الستة ومن غيرها رحمة الله عليه، وكانت مجالسه في المسجد وفي بيته عامرة بالعلم ﵀ وكان يجلس بعد صلاة الفجر في المسجد إلى طلوع الشمس يقرأ عليه الإخوان في بلوغ المرام، وفي النحو، وفي زاد المستقنع مختصر المقنع وفي كتاب التوحيد بعض الأحيان، ثم يذهب رحمة الله عليه ويجلس في بيته إلى قرب الضحى، فيقرأ عليه في المختصرات والمطولات، إلى أن يشتد الضحى، ثم يجلس بعد الظهر فُيقرأ عليه في المختصرات والمطولات وأنا من جملة من يحضر ويقرأ ويشارك في استماع الدروس، وهكذا من بعد العصر إلى قرب الغروب، وكان يجلس بعد المغرب ويقرأ عليه الطلبة في الرحبية في علم الفرائض، وكنت ممن درس عليه الرحبية مرات ﵀، وأخذت عنه علم المواريث أنا وجملة من المشايخ الذين تولوا القضاء وغيرهم رحمة الله عليهم، وبارك الله في الأحياء منهم.
وكانت مجالسه عامرة بالعلم، والتوجيه إلى الخير، والنصح لله ولعباده، والإجابة عن أسئلة الطلبة، مع العناية بالدليل والترجيح، فجزاه الله عنا وعن العلم وأهله وعن جميع المسلمين أفضل الجزاء، وبارك في ذريته وجعلهم صالحين موفقين.
وقرأت عليه أيضاً في أصول الفقه، وفي مصطلح الحديث، وقرأت عليه جملة من كتب الشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀ من كتاب التوحيد وثلاثة الأصول والعقيدة الواسطية وكشف الشبهات وأصول الإيمان وفضل الإسلام، ﵀، وسمعت عليه كثيراً، ومن مؤلفات الشيخ أيضاً ﵀ مثل مختصر السيرة النبوية، وسمعت عليه أيضاً الكتب الستة بقراءات كثير من الطلبة، وسمعت عليه جملة من مدارج السالكين للعلامة ابن القيم ﵀.
العجيب أنهم يقولون: إن الشيخ لا يعرف يكتب اسمه، مع هذا العلم الهائل من القرآن وكتب الحديث وكتب العلم التي في رأسه، كلها مناولة، ﴿فَإِنَّهَا لا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾ [الحج:٤٦] ﴿أَفَمَنْ يَعْلَمُ أَنَّمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمَى إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ [الرعد:١٩].
بعض الناس عيونه كالكشافات ولكن قلبه مظلم لا يبصر شيئاً، له عيون يرى ويبصر لكن يبصر الفاحشة والمعصية والجريمة، وأما النور فلا يبصره، وبعض الناس لا يملك بصراً ولكن يملك بصيرة.
فالشيخ عبد العزيز يملك بصيرة وقلباً ﴿لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ﴾ [ق:٣٧].
ابن أم مكتوم أعمى، والله يسميه أعمى في القرآن، يقول: ﴿عَبَسَ وَتَوَلَّى * أَنْ جَاءَهُ الْأَعْمَى﴾ [عبس:١ - ٢] فيقول سيد قطب: لماذا يعبس في وجهه؟ لعل هذا الأعمى أن يكون منارة من منارات الأرض تستقبل نور السماء -الوحي- وبالفعل كان ابن أم مكتوم الفقير المسكين أعمى، ولكن استقبل نور السماء.
يأتي إلى الرسول ﵊، فيقول: ﴿يا رسول الله! أنا نائي الدار (بعيد الدار) وليس قائدٌ يلائمني، فهل تجد لي رخصة في الصلاة في البيت؟ فرخص له، فلما ولى دعاه -والحديث صحيح- قال: أتسمع (حي على الصلاة) (حي على الفلاح) قال: نعم.
قال: فأجب، فإني لا أجد لك رخصة﴾ فكان يأتي الأعمى إلى المسجد في البرد أو في السيل أو في الحر أو في الظلام بلا قائد -يتلمس في الظلمات ليجعل الله له نوراً يوم ينقطع النور من المجرمين- حتى يصل إلى المسجد.
فقل لي بالله: أين الشباب الذين فقدوا المساجد مع أن بيته بجوار المسجد ولا يعرف طريق المسجد، ولا يهتدي إليه؟! منحه الله قوة، وشباباً، ومالاً، وصحة، وسيارة، وكل ما تمنى، ثم يعرض عن منهج الله.
من خان حي على الفلاح خان حي على الكفاح
فهذا ابن أم مكتوم الأعمى لما سمع الجهاد.
قال: [[لبسوني السلاح، قالوا: أعذرك الله أنت أعمى، قال: والله لا أقعد, والله يقول: ﴿انْفِرُوا خِفَافاً وَثِقَالاً﴾ [التوبة:٤١]]] فنفر وركز الراية في القادسية وهو أعمى فقتل مكانه فأصبح شهيداً، أليس هذا نور؟ أليس هو منارة تتلقى نور السماء.
الشيخ عبد العزيز عمي مبكراً، لكن بدأ يلتمس النور من الواحد الأحد، ابن عباس عمي في السبعين من عمره، عالم الأمة هذا العجيب الفطحل الذي يمور علمه مثل البحر بل أكثر, فالبحر الذي إذا طم وعم أقل من علم ابن عباس , كانت العلوم تتفجر منه، يجلس بعد الفجر وهو أعمى في آخر عمره، فيسأله أهل القرآن إلى ارتفاع الشمس، ثم يأتي أهل الحديث فيسألونه حتى يقرب الضحى، ثم يأتي أهل التفسير فيسألون إلى منتصف الضحى، ثم يأتي أهل اللغة، ثم يأتي أهل الشعر، يتفجر كالبحر، عمي فقال بيتين جميلين، يقول:
إن يأخذ الله من عيني نورهما ففي فؤادي وقلبي منهما نور
قلبي ذكي وعقلي غير ذي عوجٍ وفي فمي صارم كالسيف مشهور
القلب حي، والعقل حي، ومعه نور المسجد ونور القرآن، وإذا ذهبت العيون فعلى العيون السلام، يقول الله في صحيح البخاري وهو حديث قدسي: ﴿إذا ابتليت عبدي بحبيبتيه فصبر عوضته عنهما الجنة﴾ والحبيبتان: العينان، لكن بعض الناس عنده حبيبتان ولكن ليس عنده نور: ﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيراً مِنَ الْجِنِّ وَالْأِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ﴾ [الأعراف:١٧٩].
الشيخ عبد العزيز بن باز متواضع، تأخذه الطفلة فيقف معها، وهذه هي أخلاق محمد ﷺ ، يوقفه الرجل في الشمس على متاعب الشيخ وعمره الآن ثمانون عاماً, ويقف وهو في باب السيارة رجل في السيارة ورجل في الأرض ويمسكه الرجل ويقص عليه قصته، والشيخ يصغي، وهو مرهق جداًَ من الأعمال والأشغال، أمور الأمة الإسلامية تدار عليه، فيصغي حتى يكون الرجل هو الذي يترك الشيخ فيركب الشيخ.
بعض الشباب يقصون على الشيخ قصصاً فما يرد الشيخ إلا بالدموع، يتأثر بأحوال العالم، يخبرونه عن أخبار أفغانستان والفلبين فيبكي.
وقته معمور بذكر الله ، في الصباح يتنفل ثم يلقي دروساً في الغالب، ثم يذهب إلى عمله فيعود في الثانية ظهراً، وهو مضياف، هو حاتمي العصر، ولن تجد بيته يخلو من الضيوف، وهذه شهادة أقولها للتاريخ، فهو من أكرم الناس، فإفطاره وغداؤه وعشاؤه مضيف وعلمه وماله وجاهه مبذول، وشفاعته للمسلمين فهو كما قال الأول:
هو البحر من أي النواحي أتيته فدرته المعروف والجود ساحله
ومما يميز الشيخ عبد العزيز بن باز: الصبر، فإنه مثل الجمل وقد رأيته كثيراً في المحاضرة، لا يتحرك في الدرس أبداً، يبقى كأنه صخرة في مكانه، فإذا رد بشته أو تنحنح عرف الطلاب أنه قد انتهى الدرس.
ويجلس متأدباً لا يقاطع المتكلم مهما تكلم، فإذا انتهى المتكلم ولو من ساعتين، قام فعقب بأدب، ولذلك أحبته الطوائف والجماعات، والناس والمشارق، لا يجرح أبداً ولا يعرف الجرح، لسانه كالعسل، وهذه مواهب يجمعها الله لمن يشاء، وهذا تسديد من الله ، ومن ميزات الشيخ عبد العزيز بن باز: أنه محدث يعرف الأثر.
العلم قال الله قال رسوله قال الصحابة هم أولوا العرفان
دائماً قال الله وقال رسوله، واستمع إليه في الفتوى، استمع إليه في (نور على الدرب) إذا أتى يفتي يقول: رواه أبو داود بسند جيد رواه مسلم رواه البخاري الحديث في الترمذي رواه الحاكم حفظ ونور، وهو يقيد المسائل بالدليل من محمد ﵊، وإذا عارض كلام رجل الدليل ترك كلام أي رجل مهما كان لكلام محمد ﵊، ولذلك فتواه كما قال الأول:
إذا قالت حذامِ فصدقوها فإن القول ما قالت حذامِ
الآن العجوز تقول لابنها: لو تتعلم حتى تصبح مثل ابن باز.
رجال في أفريقيا أخبرنا بعض الشباب عنهم، بل حتى في أمريكا، إذا قلت لبعض الشباب: أفتى فيها ابن باز بكذا وكذا سكت، انتهى! بل بعض الجمعيات الإسلامية والمؤتمرات تُعقد فإذا عرضت فتوى الشيخ صوتوا عليها بالأغلبية، وهذا القبول من الواحد الأحد.
ومما يميز الشيخ عبد العزيز بن باز: سلامة الصدر، يقول من يقرب منه ومن يعرفه من طلابه والمشايخ والعلماء: ما رأينا أسلم صدراً للمسلمين منه، لا يحمل حقداً ولا حسداً ولا غشاً، ولا غلاً لأحد، وهذه هي أخلاق العلماء، ينام وليس في قلبه شيء، يخبره بعض الناس ببعض ما يقال عنه، فيقول: غفر الله لهم، اللهم اعف عنهم، سامحهم الله، وهل هذه إلا الحياة.
يقول أحد الصحابة: كنا جلوساً مع رسول الله ﵊، فخرج علينا رجل، فقال ﵊: ﴿ذاك من أهل الجنة ثلاثة أيام، قال بعض الصحابة: فذهبت معه إلى بيته فلما نمت عنده ثلاث ليال، وإذا صلاته كصلاتنا, وصيامه كصيامنا, وذكره كذكرنا، فسألته: ما بالك؟ فلقد أخبر النبي ﷺ أنك من أهل الجنة ثلاثاً، قال: لست بكثير صيام ولا صلاة ولا صدقة، ولكن والله ما بت ليلة من الليالي وفي قلبي غشٌ أو حقد أو غل أو حسد على مسلم, قال ذاك الصحابي: تلك التي ما استطعنا لها، أو ما نطيقها﴾ فهذه من مميزات هذا العالم.
وأنا أذكر بعض أبيات قيلت فيه، منها ما قاله عالم المغرب تقي الدين الهلالي الذي توفي قبل سنة ﵀ وهو محدث كبير، يقول:
خليلي عوجا بي لنغتنم الأجرا على آل باز إنهم بالثناء وأحرى
وزهدك في الدنيا لو أن ابن أدهم رآه رأى فيه المشقة والعسرى
وهذا صحيح فإن الشيخ لا يأتي عليه آخر الشهر إلا وهو مديون، هذا معلوم من سيرته واسألوا الكتب التي تكلمت عنه، مثل: (علماء ومفكرين عرفتهم) وقال المجذوب في قصيدة للشيخ عبد العزيز بن باز، يقول:
روى عنك أهل الفضل كل فضيلة فقلنا حديث الحب ضرب من الوهم
فلما تلاقينا وجدناك فوق ما سمعنا به في العلم والأدب الجم
فلم أرَ بازاً قط من قبل شيخنا يصيد فلا يؤذي المصيد ولا يدمي
اسم الشيخ ابن باز، والباز هو الصقر، يقول: الباز إذا صاد أدمى لكن أنت تصيد القلوب ولا تدميها.
وقلت في قصيدة بعض الأبيات اسمها البازية، لأنها مذكورة ولكن أذكر بعضها:
قاسمتك الحب من ينبوعه الصافي فقمت أنشد أشواقي وألطافي
لا أبتغي الأجر إلا من كريم عطا فهو الغفور لزلاتي وإسرافي
عفواً لك الله قد أحببت طلعتكم لأنها ذكرتني سير أسلافي
يا دمع حسبك بخلاً لا تجود لمن أجرى الدموع كمثل الوابل السافي
وفي آخرها:
يا شيخ يكفيك أن الناس قد شُغلوا بالمغريات وأنت الثابت الوافي
أغراهم المال والدنيا تجاذبهم ما بين منتعل منهم ومن حافي
وفيها:
سر يا أبي واترك الدنيا لعاشقها في ذمة الله فهو الحافظ الكافي
من ميزة الشيخ عبد العزيز بن باز: كثرة الذكر، يكلمك بالهاتف -وجرب أنت معه- وهو يسبح، يستمع المكالمة وهو يذكر الواحد الأحد.
ودعا داعٍ إذ نحن بـ الخيف من منى فهيَّج أشواق الفؤاد وما يدري
دعا باسم ليلى غيرها فكأنما أطار بليلى طائراً كان في صدري
الشيخ له وردان في اليوم، بعد صلاة الفجر -أقول لكم من باب الاقتداء لعل الله أن ينفع بذلك- فبعد الفجر بعد أن ينتهي من التسبيحات، يقول: لا إله إلا الله وحده لا شريك له, له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير مائة مرة، لا يتركها مهما كان، وبعد العصر كذلك, ولا يتكلم حتى ينهيها، والشيخ يقوم قبل الفجر ليستأنف جلسته التي تعودها مع السحر مع الواحد الأحد يوم يتنزل في الثلث الأخير إلى السماء الدنيا، فيقول: ﴿هل من داع فأستجيب له؟ هل من مستغفرٍ فأغفر له؟ هل من تائب فأتوب عليه؟﴾.
ولذلك أنا رأيت ولاحظت إذا خرج الشيخ لصلاة الفجر يصلي بالناس عليه هالة من النور، وقد قالوا للحسن البصري: ما بال قوَّام الليل عليهم نور؟ قال: خلوا بالله فأكسبهم نوراً من نوره.
والشيخ عبد العزيز بن باز حِفظه عجيب في القرآن، يقول بعض الناس: ما أظنه يخطئ خطأ، يحفظ القرآن مثل الفاتحة، يبدأ بسورة الفاتحة، وبعد أيام وإذا هو في سورة الناس يسرده سرداً، ثم إذا جاء يستشهد ينتزع الآية من موضعها، ويستنبط لك استنباطاً عجيباً سهلاً ما سمع الناس بمثله.
والشيخ قريب من الطلاب ينشر علمه في كل مكان، ينشره في الطريق والشارع، وفي الهاتف والمكتب، وهذا هدي علماء السلف؛ لأن العالم في الإسلام لا يغلق على نفسه البيت ويقطر على المسلمين بالقطارة، ولا يجلس أحدهم تحت المكيف وينتظر أن يطرق عليه الناس، لا.
بل علماء أهل السنة في المساجد والشوارع والسكك والمكاتب يسألهم الناس، هذه بعض ذكرى لما التقينا بسماحة الشيخ عبد العزيز بن باز.
стр. 5160
لقاء حار بفضيلة المحدث الكبير محمد ناصر الدين الألباني
الخبر الخامس: وصل إلى مكة وجدة قبل ثلاثة أسابيع أو أربعة العلامة الألباني وكانت من فرص الحياة أن أرى ذاك الرجل، كنت أتمنى من الله الواحد الأحد أن أراه، وهو رجلٌ عجيب أفنى عمره في العلم, وهو الآن يقارب التسعين من عمره، ما يقارب ستين سنة منها في خدمة الحديث النبوي، حتى كأنه ما مر بحديث إلا خرجه أو تكلم فيه.
أتدرون ما هي بداية حياته؟ من أراد منكم أن يعرف ذلك فليعد إلى علماء ومفكرون عرفتهم والشيخ ليس له شيخ، ولم يتعلم في مدرسة، ولم يدخلها بل تعلم من أبيه بعض الفقه الحنفي، ثم جلس يصلح الساعات في دمشق في الشارع العام، وإذا كان عندك ساعة معطلة فإنك تعطيها الألباني ليصلحها، وكان دقيقاً في علم الساعات، يركب الساعات الخراشة البيتية والساعات الصغيرة، ولا زال إلى الآن يجيد تصليحها إذا خربت.
فأكسبته هذه الدقة والصبر, حتى مر به بعض الناس بكتاب إحياء علوم الدين للغزالي، فرأى تخريج العراقي له في الحاشية، فأعجبه التخريج، فأخذ هذا التخريج فكتبه في أوراق أخرى، ثم قال في نفسه -حكمة بالغة من الله-: لماذا لا أخرج مثل هذا التخريج، فأخذ يخرج من الكتب، ثم فتح الله عليه ، فجمع الصحيحين ثم السنن، ثم المسانيد، ثم المعاجم، ثم كتب الرجال، ثم كتب الأطراف، ثم دخل مكتبة الظاهرية، ففتح الله عليه فتحاً عظيماً، والرجل من أجلد الناس وأصبرهم يجلس في المكتبة عشر ساعات، يقولون: لا يرفع رأسه، ويقولون: عنده سلم في مكتبة الظاهرية يصعد في السلم ليبحث عن حديث، فيبقى على رأس السلم ما يقارب الساعتين أو الثلاث وهو واقف، يبحث عن المخطوطة ويردها، ويناقش الحديث.
أما بالنسبة لمصدر دخله وكسبه أثناء ما كان يشتغل بالحديث، فإنه كان عنده (تاكسي) يشتغل فيه يومين لأهله، ثم يعود بقية الأيام يبحث في الحديث، كان فيما قيل: يوضع له الإفطار في الصباح فلا يدري أن الإفطار وضع له حتى يؤذن للظهر فيتنبه، فإذا الإفطار قد برد وقد رزقه الله جلداً وحباً في قراءة كتب الحديث, والله إذا أراد بعبد خيراً حببه إلى هذا المسلك، فأخرج كتباً لم يسمع الناس بمثلها، وفيها تخريجات عجيبة.
رأيته وهو طويل البنية، إذا رأيته تعرف أن هذا بخاري، ليس في رأسه ولا في لحيته شعرة سوداء، بل قلنسوته بيضاء، ووجه أبيض مشوبٌ بحمرة، ولحيته بيضاء، وثوبه أبيض ﴿نُورٌ عَلَى نُورٍ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشَاءُ﴾ [النور:٣٥].
والشيخ مصاب -شافاه الله- وذات مرة قال للطلاب في جدة في اجتماع ما: ادعوا لي بالشفاء علِّي أن أكمل كتب الحديث؛ فانهار المسجد بالبكاء ودعوا له بالشفاء، أسأل الله أن يشافيه، فإنه مريض في أرجله، ومع ذلك يقود السيارة هو بنفسه، وقد أتى بالبر ولم يأت بالطائرة من الأردن، وبعض الشباب يمزح يقول: إن الشيخ يتجاوز السرعة وقد أساء إلى المرور فإنه أسرع مائة وستين الله أعلم، لكن على كل حال هو يقود السيارة حتى في جدة ومكة ومعه الشباب، ومرضه في أقدامه كان يُدَلَّك وهو جالس.
ظفرنا به في مكة:
أيا ليلة من أنسها وعطائها على أنها في ساعة الوجد حلت
ليلة مع الألباني، كانت ما يقارب ثلاث ساعات، وكانت الأسئلة كما يلي:
أولاً: رحبت به بقصيدة وسوف تنشر -إن شاء الله- لكن ليست بطويلة ما أمكنني الوقت، قلت في بعض الأبيات:
هاكم سلام الله يا إخواني قولوا رعاك الله يا ألباني
يا حافظاً سنن الرسول بعصرنا كـ الترمذي أو أحمد الشيباني
يا دارقطني الشريعة إنني أشكو إليك وحبكم أشجاني
إلى آخر ما قيل، ثم سئل الشيخ في تلك الجلسة ما يقارب عشرين سؤالاً، وهي مسجلة في أشرطة وقد سألته خمسة أسئلة للفائدة.
السؤال الأول: أيها المحدث الكبير! سمعنا أنك أفتيت، وقد كتبت في آداب الزفاف بهذا، بأن الذهب المحلق لا تلبسه النساء؟
-هذا فتوى الشيخ وهي مشهورة، حيث إنه حرم الذهب المحلق للنساء، وقد رد عليه سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز رداً عجيباً وهو قول مخالف للإجماع- فما رأيكم خاصة أنه كتب بعض الفضلاء كتاباً يرد على فضيلتكم وفي شريف علمكم أن الأدلة واردة في ذلك، وهو كتاب (المأنق في إباحة الذهب المحلق وغير المحلق للنساء) للأستاذ مصطفى العدوي جزاه الله خيراً.
فأجاب الشيخ بإجابة طويلة في الشريط ولم يرجع عن رأيه, والرأي الصحيح هو خلاف ما رأى الشيخ، لأن الله يريد أن يتفرد بالكمال، لأنه لو كان العالم لا يخطئ في مسألة لتصور الناس فيه بعض التصور، لكن مهما أتيت من عالم فلا بد أن يخطئ، قال مالك: كل يؤخذ من كلامه ويرد إلا صاحب ذاك القبر، أي: محمد ﷺ , بأبي هو وأمي، فالعالم له خطأ، ولكنه إذا اجتهد فأصاب فله أجران، وإذا اجتهد فأخطأ فله أجرٌ واحد.
ثم سألت الشيخ عن رواية أبي الزبير في صحيح مسلم فأجاب إجابة يعرفها المتخصصون في الحديث، وذكر أن هناك اصطلاحات لـ مسلم يعرف الروايات التي يرويها أبو الزبير عن جابر؛ لأن أبا الزبير يعنعن وهو مدلس، ثم سألته عن رواية المبتدع، وعن بعض الأحاديث الضعيفة التي نسبت إلى مسلم، وعن بعض المسائل، ثم سأله بعض المحبين.
إنما الطريف في الجلسة تواضع الشيخ الجم، حتى تشعر أنك أمام رجل عادي بسيط، وهو عالم يتسابق الطلبة عند حذائه، إذا أراد أن يخرج حاولوا أن يركبوا حذاءه في رجله فيرفض؛ لأنه ليس بالسهل، رجل عالم، أفنى ستين سنة من عمره في كتابة الحديث، وتقديم الحديث للمسلمين، والعجيب الذي أعجبني فيه صبره، لا إله إلا الله ما أصبره! يجلس الجلسة الواحدة أربع ساعات يتحدث لا يمل، حتى تقول أنت: قف.
سألته عن الحديث الضعيف هل يستدل به في فضائل الأعمال أم لا؟ فبقي يجيب ويجيب ويجيب! حتى قلت له: يا فضيلة الشيخ! لا نريد أن تلقي محاضرات بل نريد أن تجيب على الأسئلة حتى نستفيد منك أكثر وأكثر، فيقف، لكنه في هذا الفن مثل البحر.
يقول الألباني: هنا نصل إلى نتيجة أن كون حديث ما ضعيفاً لسبب أن إسناده ضعيفٌ أو حسن أو صحيح عند البعض بسبب أنه تتبع طرقه، هذه قضية نسبية، ولذلك فلا ينبغي لطالب العلم أن يشكل عليه أمر اختلاف المحدثين القدامى فضلاً عن المشتغلين بالحديث اليوم، أن هذا يحسن وهذا يضعف؛ لأن هذه قضية لها أسباب توجب الاختلاف أكثر من الأسباب التي توجب اختلاف الفقهاء في الأحكام الشرعية؛ لأن الحكم الواحد قد يكون مرجعه إلى نص واحد من الكتاب أو السنة، ومع ذلك تختلف الآراء وتختلف الاجتهادات.
أما الاختلاف في تصحيح حديث أو تضعيفه فهو أشكل بكثير من ذاك الاختلاف الفقهي؛ لأن مرجعه إلى ما ذكرته آنفاً، إلى أن بعضهم وقف في نقده للحديث على الإسناد الواحد؛ فضعف الحديث، والآخر وقف لهذا الحديث على أسانيد أخرى فحكم بمجموعها على تحسين الحديث، وقد قلت لكم فيما أظن في الأمس القريب: إن علماء الحديث قد نصوا في المصطلح أن طالب العلم إذا رأى حديثاً بإسناد ضعيف فلا يصح له أن يقول: هذا حديث ضعيف، وإنما يعبر عن واقعه بأن يقول: إسناده ضعيف، وهذا من دقتهم في نقدهم، وفي اصطلاحهم؛ لأن ثمة فرقاً واضحاً جداً بين أن يقول القائل: هذا حديث ضعيف؛ لأنه يعطي حكمه حول الحديث، وبين أن يقول: إسناده ضعيف؛ لأنه يقتصر في حكمه على الإسناد.
هذا الحكم لا ينافي قول من قد يقول: حديث إسناده حسنٌ، أو إسناده صحيحٌ؛ لأنه لا يعني الإسناد الذي ضعفه الأول، وبالأولى والأحرى إذا قال: حديث حسنٌ أو حديث صحيح، فلا ينافي قول من قال: إسناده ضعيف؛ لأنه: يعني أنه حسن أو صحيح بمجموع طرقه.
إذا عرف هذا التفصيل، حين ذاك يجب على طالب العلم أن يتذكر الحقيقة التالية، وهي:
إنه ليس من نشأ في هذا العلم يجب أن يعتمد على بحثه؛ لأنه يكفي أنه ناشئ وسائر في هذا الدرب من أوله، فما ينبغي أن تتشوش أفكار الطلاب لمجرد أن ظهر إنسان له بحث ما في حديث ما، فيقول: بعض الباحثين ضعف هذا الحديث؛ لأن الأمر أقل ما يقال فيه: لماذا ضعفه؟
ولما أتت وجبة العشاء، قال لنا الشيخ: أستأذنكم، أنا لا أريد العشاء، أنا لا أتعشى، يقولون: تمر به أيام لا يأخذ إلا كأس ليمون، ومع ذلك هو من أجلد الناس، يبقى ينحت في الكتب من الصباح إلى الظهر، ومن الظهر إلى العصر، ومن العصر إلى المغرب، ومن المغرب إلى العشاء، ومن العشاء حتى ينام.
فقولوا لي يا طلبة العلم: ماذا نريد أن نحصل عليه من العلم إذا كان أحدنا إذا أتى الصيف قال: حرٌ، إذا أتى إن شاء الله البرد، فإذا أتى الشتاء, قال: إذا أتى الصيف، رحلة الشتاء والصيف، وإذا مسح الدكتور بعض المقررات قالوا: غفر الله لك، ورفع الله ميزانك يا شيخ! أحسنت فينا، فأصبحت المواد محذوفة من أولها إلى آخرها.
وبادره وخذ بالجد فيه فإن أعطاكه الله انتفعتا
وإن أوتيت فيه طويل باع وقال الناس إنك قد رأستا
فلا تأمن سؤال الله عنه بتوبيخ علمت فهل عملتا
الشيخ الألباني كان يطيل في الإجابة علينا, قلنا: لا تطيل، قال: تطيلون في الأسئلة، وتقولون: لا أطيل في الإجابة، مثلي ومثلكم كما قال الأول:
غيري جنى وأنا المعاقب فيكم فكأنني سبَّابة المتندم
هو يحفظ من الشعر العربي الجميل، سبابة المتندم يعضها وليس لها ذنب.
على كل حال ودعناه وذهب في حفظ الله، وسمعت من بعض الأحبة أنه سوف يذهب إلى الدمام ثم الطائف ثم أبها؛ لأنه سوف يبقى فترة هنا، فإذا جاء فسوف تسعدون بالجلوس معه ورؤيته أطال الله عمره على طاعته، حتى يخرج من هذه الكنوز والدرر للأئمة الإسلامية, وأنا مقصودي من هذه اللقاءات هو استطرادات في حال هؤلاء الأعلام لأنها تربية لنا ولكم ولشبابنا.
стр. 5161
لقاء وجلست طيبة مع الشيخ العلامة محمد الصالح بن عثيمين
الخبر السادس: وهذا الشيخ لا يخفى على أحد من المسلمين وهو علم ومنارة، أهل عنيزة وغير أهل عنيزة، وهذا الرجل يميزه أمور: زهده في الدنيا، وشيخه من أذكى الناس، عبد الرحمن بن ناصر السعدي، تتلمذ على كتب شيخ الإسلام ابن تيمية، وبقي عليها فترة من الفترات حتى أخرج كنوزاً من العلوم.
الشيخ محمد الصالح بن عثيمين يميزه دقته وذكاؤه العجيب، استدلاله بالنصوص، وإخراجه الدرر والكنوز، ويميزه: أنه مربٍ، ليس واعظاً فحسب، بل يربي وعنده ما يقارب ثلاثمائة شاب من طلاب العلم وأنا رأيتهم في القصيم في عنيزة يربيهم، وعنده صبر مع الطلاب، وله درس في الصباح وبعد العصر وبعد المغرب في أغلب الأيام، فيجتمع الشباب عليه، ولذلك يرفض السفر فقد دعوناه إلى أبها، ودعاه أهل تبوك، وغيرها من المناطق لكنه يرفض أن يرتحل من أجل طلابه لأنه يربيهم، فهو مربٍ، وفقيه، ثم صابر محتسب.
وشروحه من أعجب ما يكون، ويميز الشيخ اعتصامه كذلك بالدليل، فهو علامة في معرفة استنباط أخذ الحكم من الدليل، وهو علامة في أصول الفقه، وفي النحو.
- ترجمة ذاتية للشيخ ابن عثيمين:
يقول ابن عثيمين: ولدت في رمضان عام (١٣٤٧هـ) ونشأت في عنيزة، وتلقيت العلم على عدة علماء، وانتقلت إلى الرياض للدراسة في المعاهد العلمية أول ما أنشئت، ثم في كلية الشريعة، ثم عدت إلى عنيزة بعد مضي سنتين من الدراسة في الرياض، ثم أكملت الدراسة في الكلية منتسباً، وصرت مدرساً في معهد عنيزة، ثم انتقلت إلى الجامعة.
القابل: شيخ محمد! بالنسبة لطريقة الدراسة، أنت درست في السابق وترى الآن أساليب الدراسة في الحاضر، هل هناك من فرق؟ وهل ترى أن الأساليب القديمة أفضل من الحديثة؟
الشيخ: في السنوات الأخيرة أصبح الناس يجمعون بين الأساليب الحديثة والأساليب القديمة، وهي حضور الدروس في المساجد، فقد انتشر ولله الحمد في السنوات الأخيرة الدرس في المسجد انتشاراً كثيراً، وصار الناس يستفيدون منه استفادة كبيرة، ولا ريب أن دروس المساجد فيها خير كثير وبركة، ويجد الإنسان فيها لذة في تحصيل العلم والاستفادة منه، ويجد ثباتاً واستقراراً فيما تعلمه أكثر من المدارس النظامية.
المقابل: شيخ محمد! بالنسبة لدروسك التي تقدمها في المسجد، ماذا تدرس فيها من العلوم؟
الشيخ: أدرس فيها علوماً شتى: التفسير، والحديث، والفقه، والتوحيد، والعقيدة، والنحو، والمصطلح.
المقابل: الملاحظ بشكل عام، وإن كنت ذكرت أنت يا شيخ/ محمد! أنك تدرس التفسير، لكن يرى كثير من الشباب أن هناك تقصيراً في الاهتمام بالتفسير من كثير من العلماء، فما رأيكم في هذا القول؟
الظاهر بأن الأمر كذلك، وأن كثيراً من الشباب أصبحوا يهتمون بالسنة أكثر مما يهتمون في تفسير القرآن، وهذا لا شك أنه نقص؛ لأن الاهتمام بالقرآن أولى من الاهتمام بالسنة، فإن القرآن قال الله تعالى فيه أنه تبيان لكل شيء، وهو الحجة التي لا يمكن لأحد أن يجادل فيها، وأما السنة فتأتي في الدرجة الثانية وفي المرحلة الثانية بعد القرآن، ولا شك أن الاهتمام بها من الاهتمام بالقرآن أيضاً؛ لأن السنة تفصل القرآن، وتبينه، وتدل عليه, وتعبر عنه، لكن الشيء الذي فيه نقص هو الاعتناء الكامل، وصرف الهمة كلها إلى السنة دون الاعتناء بالقرآن وما يشتمل عليه من المعاني العظيمة.
فالذي أرى أن يبدأ الطالب أولاً بتفسير القرآن قبل كل شيء، ثم بالسنة، ثم بما كتبه أهل العلم من مسائل العقيدة وغيرها.
والشيخ خفيف الظل، أي: دعوب، لطيف المزاج، ولذلك يقرب منه الطلاب؛ لأن الطلاب لا يريدون الإنسان المكشر المنفر، الرسول ﷺ ، يقول: ﴿يسرا ولا تعسرا، وبشرا ولا تنفرا﴾ والرسول ﷺ سهل الخلق، وكان يمزح، وقرأت في صحيح الجامع للألباني حديثاً صح عند أحمد وغيره، قالت عائشة: ذهبت أنا ورسول الله ﷺ في غزوة، فقال للصحابة: تقدموا تقدموا، قالت: فتقدموا، فقال لـ عائشة: سابقيني سبحان الله! تصوروا هذا الخلق العظيم من محمد ﷺ ! نحن لما نتحدث عن هؤلاء العلماء الأفاضل والمشايخ فإننا نعظمهم, لكن إذا ذكر النبي ﷺ كان كالشمس إذا ظهرت غاب كل كوكب ونجم, وإذا جاء سيل الله بطل سيل معقل.
المصلحون أصابع جُمعت يداً هي أنت بل أنت اليد البيضاء
ألم تر أن السيف ينقص قدره إذا قيل إن السيف أمضى من العصا
قال: تقدموا، فتقدموا، قال: سابقيني فسابقته ﵂ فسبقته؛ لأنها خفيفة كانت شابة فتية، وهو ﷺ قائد يتحمل ويتعب، ومفتٍ وخطيب، وواعظ وموجه، وإداري وسياسي، وزعيم واقتصادي، وعلَّامة ويتلقى الوحي، ويربي وينهى -سبحان الله- فسبقته، فأخذها ﷺ أي: حفظها لـ عائشة.
قالت: وبعد سنوات أتى الصحابة في غزوة، فقال لهم: تقدموا، فتقدموا، فقال: سابقيني، قالت: فكثر علي الشحم، وثقل بدني، فسبقني، فتبسم ﷺ وقال: ﴿هذه بتلك﴾ سبحان الله! بعض الناس يقول: هذا فضول، أي: هل وجد في حياته ﷺ من الفراغ أن يسابق أهله؟ نقول: نعم.
لأنه مربٍ، حتى مع الأطفال فإنه يداعبهم.
تجد بعض الناس إذا قيل له: لماذا لا تمازح أطفالك؟ قال: أنا مشغول، اشتغلنا عنهم بهذه الدنيا، يا أيها الذي أنهى عمره، وفتن نفسه! هذا معلم الخير أكثر شغلاً منك، ومعلم الخير وقته مزحوم بقضايا وأحداث الأمة، بل جاء في الصحيحين ﴿أنه ﷺ أخذ أمامة وصلى بها العصر، فكان إذا سجد وضعها، وإذا قام رفعها﴾.
يا أيها الرجل! محمدٌ ﷺ صعد على ظهره الحسن في صلاة العصر أو الظهر، وهو يصلي بالناس -والحديث صحيح- فمكث في السجود حتى نزل هذا الطفل، ثم قال: ﴿إن ابني ارتحلني وخشيت أن أقوم فأوذيه﴾ سبحان الله! شريعة وإسلام، لكن عيبنا نحن أنا لا نطالع السيرة، ولا نطالع الأحاديث، وقليل من الناس من يطالع كيف كان تعامله وتربيته لأصحابه فلذلك علينا أن نهتم بذلك.
والشاهد: يوم تعرضنا للشيخ العلامة محمد الصالح بن عثيمين -أثابه الله- وتواضعه مع الطلاب، وأنه أخذ ذلك من رسول الله ﵊ واستفاده منه.
والشيخ يميزه بعد نظره في أمور الدعوة فهو رجل يعطيك درراً إذا تكلم، ورجل ذو خبرة طويلة فهو في الرابعة والستين من عمره أو ما يقاربها، يخبرك كيف يكون فن الدعوة؛ لأن بعض الشباب الآن يريد الدعوة، لكن يتخذ من الأساليب ما يؤدي إلى نتائج عكسية للدعوة, فإذا أراد أن ينكر أغلظ في الإنكار، وإن أراد أن ينهى أغلظ في النهي، فلا يقبل الناس منه شيئاً ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾ [آل عمران:١٥٩].
ولذلك تجد بعض الشباب يأتي متحمساً، يقول للعالم: لماذا لا تفعل كذا وكذا؟ لماذا لا تقول: كذا وكذا؟ وكأنه أعلم من العالم، لا.
العالم يعرف المصالح وهو ذكي، وأنت يا أيها الطالب! إذا عرفت جزئية أو حديثاً لا يعلمه العالم لكنك عرفت أنت مسألة وهو يعرف مليون مسألة، يعرف المصالح والمفاسد، بعيد النظر، ويعرف الواقع، ومجريات الأمور، فلذلك يجب أن تستفيد من هؤلاء القمم من العلماء، ولا بد أن تقلدهم في الخير وتقتدي بهم، وتنظر كيف يتعاملون في الواقع.
جرح المشاعر في الدعوة ليس بصحيح، فمن الأخطاء أن يأتي شاب يجرح مشاعري ثم يقول: أدعوك إلى سبيل الله!
أحد الناس مر بجزار وبيده ساطورة يقطع اللحم، فقال للجزار: صلّ يا حمار! -والحمار لا يصلي- فقال الجزار: انتظر يا عدو الله، وأتى عليه بالساطورة يريد أن يقسمه نصفين، فولى هارباً وعلم أنه أخطأ؛ فهذا اللفظ ليس له داعٍ.
بعض الناس إذا أنكر، أنكر بفضاضة فيقول: حسبنا الله عليك سلط الله عليك الله يدمرك، ونقول لهذا: لماذا يدمره الله؟ أنت ما بلغت حق البلاغ، الله يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ﴾ [المائدة:٦٧] أنت ما بلَّغت حق البلاغ؛ لأن حق البلاغ أن تقدم الإسلام طرياً ناضجاً مقبولاً، أما أن تأتيني بالعصا، وتكسر ظهري، وتنفرني، وتجرح مشاعري، وكياني، ثم تقول: أدعوك! لا أقبل أبداًَ.
للإنسان كرامة: ﴿فَقُولا لَهُ قَوْلاً لَيِّناً لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى﴾ [طه:٤٤] أنا أستطرد متعمداً؛ لأنه ينبغي علينا أن نعرف كيف نوصل الكلمة إلى أهلها، وكيف نكون حكماء مع الناس، عل الله أن يهدي بأيدينا؛ لأن الرفق ما كان في شيء إلا زانه، وما نزع من شيء إلا شانه.
ذكرت في محاضرة ماضية اسمها (ففروا إلى الله) في مسجد الرحمة في جدة، قصة رجل صالح عنده من العلم أشبه شيء بالعوام، لكن عنده حكمه ﴿وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً﴾ [البقرة:٢٦٩] وكان في هذه المنطقة يوجد رجل مروج للمخدرات شاب مشهور بهذا، وترك المسجد والصلاة، وعق والديه، وقاطع أرحامه، وأخذ يطارده رجال الأمن، وهو يطاردهم، هم بالرشاش وهو بالرشاش، حتى يئس منه أبوه وأمه، وبكوا عليه ودعوا عليه، فأتى هذا الرجل الصالح وقال: لماذا لا أجرب أن أهديه إلى طريق الله المستقيم، ليكون في ميزان حسناتي يوم القيامة ﴿لئن يهدي الله بك رجلاً واحداً خير لك من حمر النعم﴾ لكن ماذا فعل؟
قال: أول ما أفعل أن أدعو الله أن يصلحه فإن الصلاح والهداية من عند الواحد الأحد ﴿إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾ [القصص:٥٦] قال: فكنت أقوم في آخر الليل فأصلي ركعتين في السحر - ولعلنا نقتدي به- وأبكي، وأقول: يا رب! افتح على نفس ذاك الشاب وقلبه وأن تعيده إلى الدين، قال: واستمريت على هذا أياماً، قال: ثم أخذت هدية، والهدية طيبة، و (اللُّهى تفتح اللَّهى) يقول ابن تيمية: إذا حرم الله حراماً، جعل من الحلال ما يكافئه.
أنت لا بد أن يكون لك أسلوب جميل في الدعوة: بسمة، أو زيارة، أو عزومة، وإذا رأيت أن العاصي هذا يمكن أن تصلحه كبسة فاذبح له كبشاً واطبخه، وأكرمه حتى يهتدي؛ لأنك قد تدخل الجنة بكبسة، وإذا رأيت أنه يعجبه هدية ما فاهدها له لعله يهتدي، قال: فأخذت هدية ووصلت إليه، وقلت: أرى عليك آثار الخير فاستنار قلبه وهذا من الكلام الطيب, فإنه لا توجد آثار الخير على مروج مخدرات، لكن هذا الأسلوب من باب: ﴿فَقُولا لَهُ قَوْلاً لَيِّناً﴾ [طه:٤٤] ولو قال له: أرى عليك آثار المعصية والفجور، فإنه لن يهتدي أبداً.
قال: فأعطيته الهدية، فقبلها، فقلت في نفسي: الحمد لله، لن أكلمه بكلمة مادام قد قبل الهدية، قال: ثم عدت إلى بيتي، قلت: هذه ثاني خطوة، الخطوة الأولى: الدعاء في السحر، والخطوة الثانية: الهدية، ثم تركه أياماً ثم ذهب إليه، وقال: أريد أن تأتي؛ لأنك أكرمتني بقبول الهدية، وسبق بيني وبينك زيارة، أن تزورني لوجبة خفيفة، قال: نعم سوف أزورك، الناس على الفطرة: ﴿فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا﴾ [الروم:٣٠].
الآن المجرم الفاسق في الشارع، الذي لا يصلي إذا قلت له: يا كافر! وهو كافر في الشرع لأنه ترك الصلاة، إذا قلت له: يا كافر! فإنه يخرج السكين ويؤذيك، والفاسق إذا قلت له: يا فاسق! قال: أنا فاسق؟! فيقاتلك؛ لأنهم لا يرضون الكفر ولا الفسوق، لكن الشيطان ركبهم، قال: فأتاني وتغدى فما كلمته بكلمة، وبعد أيام ذهبت إليه, وقلت: أريد أن أخرج أنا وأنت في نزهة، قال: فركب معي في السيارة، فذكرت الله معه وأسمعته بعض المحاضرات التي فيها بعض الكلمات الحارة التي تصل إلى القلب، قال: فما رد علي إلا بالدموع، وقال: أشهد الله وملائكته وحملة عرشه، ثم أشهدك أني تبت إلى الله، أسألك بالله أن تمر لي في كل صلاة وتنبهني قبل صلاة الفجر لأصلي.
وفي أيام تحول إلى الهداية، ودخل على والديه فإذا هم يبكون من الفرح.
طفح السرور علي حتى إنني من عِظْمِ ما قد سرني أبكاني
فهل يعجزنا هذا الأسلوب؟ وهل جرب أهل الأساليب الغليظة والشديدة هذه الأساليب الطيبة في الدعوة إلى الله.
هذا من ضمن ما استطردت به في سيرة الشيخ، وإنما مقصودي بالعلماء الثلاثة أن يكونوا قدوة لنا, لأن الصحوة عندنا عظيمة، لكنها هائجة مائجة، مثل الجمل الهائج تحتاج إلى خطام وزمام، فهناك شباب وهناك عودة، لكن الشباب عندهم حماس، ويريدون علماء، لأن العلماء مثل إشارات المرور, تنبه السائرين في الطريق عن الوقوع في الأخطاء, فهذه: هدئ السرعة, وتلك: أمامك منحنى، ممنوع التجاوز، ممنوع الوقوف فالعلماء مثل هذه الإشارات، فيقولون للشاب: اطلب العلم، لا تتكلم عن هذا الشيء، اترك هذه القضية، أو لا تتحدث اليوم، أو لا تتحدث في هذه القضية على المنبر، اكتبها كتابة، هذه المسألة لا تذكرها في المجلس، لا ترافق فلاناً، فهذه مسئولية طلبة العلم والعلماء والدعاة.
لأنا نعرف أن في الناس حماساً، لكن يحتاجون إلى علماء ويحتاجون إلى دعاة، ويحتاجون إلى حكماء.
من أخبار عطلة الربيع: تزوج أحد المحبين في مكة، في مهبط الوحي، وقد أقيم في أثنائه حفل جميل تم تسجيله، وهو شريط موجود في التسجيلات، اسمه: (زواج في مهبط الوحي) وأخوه معنا هنا، الشيخ حامد المصلح القحطاني الداعية المعروف، أخو الشيخ سعد تزوج زواجاً عجيباً، والزواج هذا كان فيه ذكر الواحد الأحد، وفقرات، واستبدلوا الغناء واللهو والعبث والشرود عن منهج الله، بأساس من كلام طيب دخلت فيه الآية العجيبة التي هزت الكيان، والحديث الطيب، والقصة العجيبة، والفكاهة، والطرفة، وبيت الشعر، والمواقف المحرجة من الشيخ سعيد ومني، وهي مضحكة في الحقيقة، لكن على كل حال، أقول: هي بديل عن فقرات اللهو والغناء.
شيخ سعيد معذرة هل لديك طرفة عاجلة، وإن كان لا بد فطرفة قديمة؟
هناك طرفة محفوظة مثل ما قال الشيخ، ليست من طرائفي أنا، وإنما طرفة قرأتها، ولها مناسبة زواج، وهو أنه في حفل زواج سمع به أشعب وأشعب يضرب به المثل في الطمع وفي حب الولائم، وكان صبيان الحي يتبعونه حتى تأذى منهم فأراد أن يصرفهم عنه فقال لهم: إن في بيت آل فلان عرساً، فإن أردتم الطعام فاذهبوا، فصدقوه ومضوا، فلما مضوا جلس يفكر، وقال: يمكن أنني صادق، فلحق بهم، ولم يكن هناك زواج فعلاً، لماذا لم تضحكوا؟ أظنها باردة.
أعطيكم طرفة حارة تجعلكم تضحكون منها غصباً، هذه النكتة على النساء والرجال، يقال: إن جحا مرضت امرأته، فجاء إلى التنور ليشعل النار، فحاول وانتهت علبة الكبريت قبل أن تشعل النار، وكلما حاول أن يشعلها لا تشتعل، أخيراً فكر، وذهب إلى غرفة امرأته وهي مريضة، وأخذ شيلتها من على رأسها، ولبس شيلتها وأوقد النار فاشتعلت من أول لحظة، فقال: حتى النار تخاف من زوجتي.
ويعلم الله أن الإنسان لا يذكر هذه إلا ليزداد الخير وينتشر، وإلا لا بأس أن يتحدث الإنسان، ولا بأس كما يقول ابن القيم في أحد كتبه في مقدمته.
هذا الكتاب من أحسن ما كتب، وما سمعت كتاباً كتب مثله، لكي يجعلك تقرأه، نحن نعرف أن بضاعتنا لا تصلح، وأنها مزجاة، لكن نقول كما قال الأول: ﴿وَجِئْنَا بِبِضَاعَةٍ مُزْجَاةٍ فَأَوْفِ لَنَا الْكَيْلَ وَتَصَدَّقْ عَلَيْنَا إِنَّ اللَّهَ يَجْزِي الْمُتَصَدِّقِينَ﴾ [يوسف:٨٨].
فعل الله أن ينفع بها, ولا بأس أن يتحدث الإنسان عما يكتب أو يقول من أجل نشر العلم، والاستفادة منه ومن أجل أن يعم الخير، وأن يزيد الله من حسناته وأجوره لا رياء ولا سمعة، والله أعلم بالنيات ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لا يُبْخَسُونَ * أُولَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ إِلَّا النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [هود:١٥ - ١٦].
هذه من أخبار هذه الرحلة وعسى الله أن ينفعنا وإياكم، وأن يتقبل منا ومنكم صالح الأعمال، وأن يتجاوز عنا وعنكم سيئها.
стр. 5162
نصائح وتوجيهات
بقي لدي بعض المسائل، وهي وصايا سهلة، ومكررة، لكن لا بد من التكرار، فأهل الإعلانات الآن يجعلون إعلاناً على الشارع عند إشارة المرور -مثلاً- وهو يعمل على الكمبيوتر، يؤشر وينطفئ ويعيد نفس العبارة، قالوا: إذا لم تجدها في اليوم مائة مرة، فلن تشتري هذا الغرض.
ولذلك أهل الصحف دائماً في عكاظ -مثلاً- تجد إعلاناً عن الأطياب، مع أنك أنت تعرف أنها قارورة كذا، وأنها فرنسية، وأنها موجودة في السوق، لكن لكثرة رؤيتك لها وكثرة تعاودها على ذهنك تجعلك تذهب تشتريها، فوجب على أهل الحق أن يستغلوا هذه الأساليب؛ وأهل الحق الآن ينقصهم الأساليب المتنوعة، فأهل الباطل غلبونا في الأساليب، فعندهم الشاشة، وعندهم أقمار صناعية، وصحف، وإعلام، وكلماتهم رنانة.
بينما أهل الخير إذا أعلنوا فإنهم يعلنون بإعلانات ميته، وإذا تكلموا أتوا في الغالب بأساليب ميتة، فوجب على الداعية أن يكرر العبارة، لا يقول: كررت، بعض الإخوة كتب لي رسائل هنا أنه نجد بعض الأحاديث والقصص في الأشرطة مكررة، أقول: لسنا مغنيين ولا فنانين حتى نأتي كل يوم بأغنية جديدة، بل نحن نتعامل مع الكتاب والسنة، فقصة موسى أعيدت في القرآن ما يقارب ثلاثاً وعشرين مرة، تأتيك قصة موسى في البقرة، ثم في الأعراف، ثم في يونس، ثم في طه، ثم في الشعراء، ثم في القصص، وهكذا كتابنا يتجدد لكن بأساليب، إذا أتيت بالقصة فاعرضها بأسلوب، ثم ردها بأسلوب آخر، ثم اقلبها في أسلوب ثالث حتى يتقبلها الناس، فالتكرار منقبة، وليس مثلبة.
قالوا تكرر قلت أحلى علماً من الأرواح أغلى
فإذا ذكرت محمداً قال الملا أهلا وسهلا
كرر العلم يا كريم المحيا وتدبره فالمكررة أحلى
فأنت لا تيأس من المكرر، أقول: من المكررات في الوصايا: أوصيكم بطلب العلم وتحصيله، سواء كنا كباراً وصغاراً، لا يوجد عندنا في الإسلام سن لطلب العلم، وسن للحفظ، وسن للفهم، لا.
هذا عند ديكارت وكانت، أما محمد ﵊، فالعلم حتى تدخل في القبر، من المهد إلى اللحد.
يقول البخاري: (وتعلم أصحاب محمد ﵊ كباراً) فأنت تحرص على العلم في الستين والسبعين والثمانين، والعلم مبذول الآن وله وسائل عجيبة، منها الحلقات في المسجد، ومنها الكتب، والشريط الإسلامي، والكتيبات، ومنها سؤال أهل العلم بالهاتف، وغيرها وغيرها كثير، فطلب العلم أوصيكم به، لن يضل طالب العلم؛ لأنه يكون على بصيرة، ويسلمه الله من الشهوات والشبهات، ويكون مسدداً في أقواله وأعماله، يزداد إيماناً كل يوم، وطالب العلم ينفي الله عنه النفاق، وله من الفضائل كما صح في الحديث: ﴿تستغفر له حيتان البحر، وطيور السماء، وحتى النملة في جحرها﴾.
فطلب العلم احرصوا عليه يا إخوتي! أي تخصص سواءً كنت في الكهرباء، أو في شركة، أو كنت تدرس في الطب أو الهندسة، أو المعهد الصناعي، أو التكنولوجيا، في أي مكان، سواء كنت تاجراً أو فلاحاً عليك أن تطلب العلم, والعلم سهل ميسر، فولاة العلم في بلادنا يشجعون، مساجد واسعة، وكتب محققة، والعلماء متواجدون، والوسائل سهلة، ما عليك إلا أن تطلب العلم.
والآن أبشركم أن أكثر مدن المملكة سوف يفتح فيها دروس، وقد اطلعت على خطاب من سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز موجهاً لسماحة الشيخ إبراهيم بن راشد الحذيفي، رئيس محاكم عسير يشجعه فيه على إقامة الدروس وعلى الإشراف على الدروس التي في المنطقة، وأطلعني سماحة الشيخ الحذيفي على هذا الخطاب فشكرته له.
وأبشركم أن الدروس سوف يكون لها مستقبل, فوصيتي بالحضور، وأن يجتهد العبد في تحصيل ما ينفعه، في أبها دروس كثيرة ومحاضرات، وكل صباح في هذا المسجد بعد كل فجر درس في مسند أحمد، غداً نأخذ الحلقة الثالثة والثلاثين والله الموفق، والذي نرجوه من الواحد الأحد أن يجعلها في ميزان الحسنات، ولا نسأل من الله إلا أن يكفر بها السيئات، فإنا نفتقر إلى عفوه ورحمته، ولا يؤاخذنا بذنوبنا، ونحتاج إلى دعاء منكم أنتم، وأنتم تحتاجون إلى دعاء منا، فهو مبذول ومطلوب، مبذول منا أن ندعو لكم، ومطلوب منكم أن تدعوا لنا بظهر الغيب, ولعلنا أن نسدد نحن وإياكم ونجتمع بكم في الجنة مثلما اجتمعنا هنا، حتى نتذاكر إن شاء الله، نقول: كنا في أبها نجتمع في ذاك المسجد ﴿فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا وَوَقَانَا عَذَابَ السَّمُومِ * إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلُ نَدْعُوهُ إِنَّهُ هُوَ الْبَرُّ الرَّحِيمُ﴾ [الطور:٢٧ - ٢٨].
وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.
стр. 5163
قاصمة الظهر
تحدث الشيخ - حفظه الله تعالى- عن قواصم تقصم ظهر دين الإنسان في دنياه وآخرته، ومن هذه القواصم النفاق بنوعيه الاعتقادي والعملي، ومنها المعاصي وخاصة الكبائر.
وذكر أنها سبب كل بلية يبتلى بها الإنسان، والنجاة منها يكمن في الرجوع إلى الله وإلى دينه، وإلى إخلاص القول والعمل.
стр. 5164
أنواع قواصم الظهر
إن الحمد لله، نحمده ونستغفره ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أَنْ لا إِلَهَ إِلَّا الله، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢] ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً﴾ [النساء:١] ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١]
أمَّا بَعْد:
إن السلام وإن أهداه مرسله وزاده رونقاً منه وتحسينا
لم يبلغ العشر من قول يبلغه أذن الأحبة أفواه المحبينا
آخيتمونا على حب الإله وما كان الحطام شريكاً في تآخينا
فسلام الله عليكم ورحمته وبركاته، سلام الله عليكم يا أهل القلوب الحية التي ملئت بحب لا إله إلا الله، محمد رسول الله! وسلام الله عليكم يا أصحاب الطلعات المجيدة، والوجوه المشرقة، الذين حضروا لإعلان تفوق الإسلام، وعظمته، وعمقه، وأصالته!
إنه نصر للإسلام أن يحضر شباب الإسلام، وأن يجلس الصف بالصف، وأن نقول للجاهلية وللوثنية وللصهيونية: ها نحن عدنا من جديد، لننقذ البشرية من براثن الوثنية.
فحيا الله كل من أحب الله، وأحب رسوله ﷺ .
(قاصمة الظهر) هو عنوان لقائنا هذا، وقاصمة الظهر لا أعني بها القصم الحسي، ولكن القصم المعنوي؛ قصم التاريخ والخُلق، والدين والمستقبل التي هي مصيبة ليس بعدها مصيبة.
وهي تدور على نواح ثلاث: الكفر أعظم قاصمة، ومعه النفاق ابن عمه، ثم المعاصي الكبار، ثم المعاصي الصغار.
ولكنني لا أتكلم عن صغائر المعاصي والذنوب لأنه لا يسلم منها أحد، وباب التوبة لها وللكبائر مفتوح، ولكنني أتكلم عن النفاق فالكفر فالكبائر، أعاذنا الله وإياكم من القاصمة.
القاصمة هي: القاطعة للشيء، وقاصمة الظهر هي التي تقطعه وتبته نصفين، يقول أحد الأعراب يوم منع زكاته لـ أبي بكر الصديق، ورفض أن يؤديها للخليفة الراشد بعد موت الرسول ﵊:
رضينا رسول الله إذ كان بيننا فما بالنا نرضى بحكم أبي بكر
أيملكها بكر إذا مات بعده فتلك لعمر الله قاصمة الظهر
والعواصم من القواصم لـ ابن العربي المالكي والعواصم والقواصم لـ ابن الوزير اليمني كلهم يذكر قواصم وردت في التاريخ، لكن قاصمتي هذه الليلة التي أتحدث عنها لم يتحدثوا عنها، إنها أعظم مصيبة مُنيَ بها الإنسان يوم أنكر الله، وسوف أخصص قطاعاً كبيراً لـ (مرض قاصمة النفاق) يوم ينافق المصلي وهو لا يدري، يوم يحج المصلي وهو منافق ولا يدري، يوم ينافق المعتمر والداعية وهو لا يدري.
ولذلك كان أهل السنة والجماعة يخافون النفاق، قال الحسن البصري كما في صحيح البخاري تعليقاً: [[ما خافه إلا مؤمن، وما أمنه إلا منافق]] ما خاف النفاق إلا مؤمن يخاف على إيمانه، وما أمن النفاق إلا منافق.
تجد المؤمن فيه حاسة وقشعريرة وخوف وحرج، أما المنافق فيمشي مسرعاً متردياً على رأسه لا يخاف النفاق، كلكم يعرف عمر بن الخطاب، ومن يُعرّف عمر للمسلمين؟! رضي الله عن عمر، وسقى الله تلك العظام شآبيب الرحمة والبركة.
أتى إلى حذيفة ﵁ وأرضاه والحديث للبخاري، في كتاب الصلاة، باب الصلاة كفارة، وانظر إلى إشراق البخاري يوم أتى، وانتزع هذا الحديث وهو في التكلم عن النفاق، ورسمه في كتاب الصلاة، ولا يكون اللموع والإبداع والإشراق إلا هكذا:
ألا لا أحب السير إلا مصعداً ولا البرق إلا أن يكون يمانيا
قال عمر ﵁ وأرضاه لـ حذيفة: يا حذيفة!
لماذا اختص حذيفة بالسؤال؟
لأنه ﵁ وأرضاه أمين سر رسول الله ﷺ في أسماء المنافقين، والصحابة أهل تخصص.
فهذا مهمته: إقراء القرآن وتعليمه، وهذا مهمته: الفرائض كـ زيد بن ثابت، وهذا مهمته: القضاء كـ علي بن أبي طالب، وذاك مهمته: الإدارة والسياسة كـ أبي بكر وعمر، وخالد مهمته أن يفصل الرءوس عن الأجساد لمن حادَّ الله، وحسان مهمته: أن يطلق الأبيات المؤمنة يوم يدخل الإيمان في الأدب والشعر، فيناصر بها الدعوة، وحذيفة مهمته: أن يحفظ الأسرار التي يحملها ﷺ في أسماء المنافقين، فإن أبا بكر لا يعلم أسماء المنافقين، ولا عمر إلا في النادر، فـ عمر يتواضع ويجلس منكسراً بعد جهاده وزهده وعبادته وعدله وعبقريته وبذله للإسلام، فقد أعطى الإسلام دمه وعرقه ووقته وجهده ﵁ وأرضاه.
يقول لـ حذيفة: [[يا حذيفة! أسألك بالله أسماني رسول الله ﷺ من المنافقين؟ -لا إله إلا الله! إذا كان عمر من المنافقين فمن هو الذي من المؤمنين؟ - قال حذيفة وعيناه تدمع: لا والله ما سماك الرسول ﷺ من المنافقين، ولا أزكي أحداً بعدك]].
وفي كتاب الصلاة: باب الصلاة كفارة يقول عمر للناس وحذيفة معهم: ﴿أيكم يحفظ قول رسول الله ﷺ في الفتنة؟ قال حذيفة: أنا، قال: أتحفظ الحديث؟ قال: نعم، قال: إنك عليها لجريء﴾ كيف تستطيع أن تتكلم في هذه الموضوعات الخطيرة؟! وهذا لأن حذيفة كان يسأل الرسول ﷺ عن الشر والناس كانوا يسألون الرسول ﷺ عن الخير:
عرفت الشر لا للشر لكن لتوقيه
ومن لا يعرف الشر جدير أن يقع فيه
ولذلك لا يكفي إسلام الدروشة أو أن يعرف الإنسان طريق المسجد وهو لا يعرف أن في المجتمع ضلالات وجهالات، وطامات وفواحش وكبريات من الذنوب والخطيئات، قال للرسول ﵊: ﴿وَكَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآياتِ وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ﴾ [الأنعام:٥٥] نخبرك بالجاهلية وبـ الوثنية وبالضلال حتى تكون على بصيرة.
ولذلك يا دعاة الإسلام! يا أساتذة الإسلام! يا أبناء الإسلام! جدير أن نعرف المخططات التي تحاك لنا صباح مساء، حتى نرد عليها بقوة، قال عمر ﵁ وأرضاه: [[إنما تنقض عرى الإسلام عروةً عروة من أناس عاشوا في الإسلام لا يعرفون الجاهلية.
]
قال حذيفة: ﴿أنا أعرف، قال: ماذا قال في الفتنة؟ قال حذيفة ﵁ وأرضاه: سمعته ﷺ يقول: فتنة الرجل في أهله وماله تكفرها الصلاة والصوم والصدقة والأمر والنهي -وهذه سهلة- قال عمر: لست عن هذه أسألك﴾ ففتنة الشجار مع الأهل ليست بقاصمة، واختلافك مع زميلك ليس بقاصمة، فهذا ذنب صغير تتوب منه وليس بقاصمة، شرود في عقلك وفي فهمك وقت الخشوع ليس بقاصمة، قال عمر: ما أسألك عن هذه ما دام لها علاج وكفارة: ﴿قال عمر: وإنما أسألك عن التي تموج موج البحر -فتنة تموج موج البحر، تقصف قصفاً، تأخذ الأخضر واليابس- قال حذيفة: ليس عليك منها بأس يا أمير المؤمنين! -يقول: لا تخف وأبشر- إن دونك ودونها باباً﴾ والباب هو: عمر، ولذلك لما قتل عمر انهد حصن الإسلام، وبكى علماء الإسلام موت عمر، وقالوا: كفنت سعادة الإسلام في أكفانه:
قد كنت أعدى أعاديها فصرت لها بفضل ربك حصناً من أعاديها
كلما وقعت قذيفة على الإسلام تلقاها عمر وردها على قاذفيها، ولما قتل بدأ السيف يمزق الأمة، وبدأت الفرقة، وبدأت القواصم تلو القواصم، يقول علي: [[لقد كفنت سعادة الإسلام في أكفانك يا عمر!]] ويقول: [[والذي نفسي بيده! ما أريد أن ألقى الله بعمل رجل، إلا بعمل رجل كعملك]] وعمر مطعون مكفن قد فارق الحياة.
قال حذيفة: ﴿إن دونك ودونها باباً، قال عمر: -وكان ذكياً لماعاً عبقرياً-أيكسر أم يفتح؟ -وأكثر الجالسين لا يعرفون من الباب، ولا معنى الكسر أو الفتح- فقال حذيفة: بل يكسر، فعرف عمر أنه الباب، وأنه سوف يقتل -فقال عمر ذلك أولى وأحرى ألا يغلق أبداً﴾ وبدأت القواصم تلو القواصم بعد موت عمر ﵁ وأرضاه.
ومن أعظمها، بل قد عاشها ﷺ : قاصمة النفاق، قاصمة النفاق يوم تنتشر في الأمة يصلي المصلي ولكن إذا خلا نسي الله، يجلس مع الأخيار خيِّراً، فإذا خلا إلى شياطينه وإخوانه هتك عرض الأخيار، يجلس مع أهل العبادة عابداً، فإذا خلا مع قرنائه في الظلام أتت لسانه تشحذ وتشن وتذبح في أعراض الذين يرفعون لا إله إلا الله محمد رسول الله.
стр. 5165
أقسام النفاق
والله ذكر النفاق، والنفاق على قسمين: اعتقادي وعملي.
стр. 5166
النفاق الاعتقادي
أما الاعتقادي فهو: الكفر الباطن، كثير من الناس يكفر بالرسالة الخالدة، ويجحد رسالته ﵊، يعتقد أن القيامة كذب، وأن الحشر والبعث والنشور كذب، وأن ما يُلقى في القرآن خداع ودجل، فهذا منافق (١٠٠%) نفاقاً أكبر، وقاصمته من القواصم الكبرى والمصائب العظمى، فهذا جزاؤه الدرك الأسفل من النار، يحجز مقعداً هناك، وله امتياز في الحجز من أول لحظة يصل فيها إلى النار، نعوذ بالله من النار والعار والضلال والعمى.
فهذا أعمى، وليس الأعمى أعمى العينين، ولكن الأعمى أعمى القلب: ﴿أَفَمَنْ يَعْلَمُ أَنَّمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمَى﴾ [الرعد:١٩].
ابن أم مكتوم أعمى العينين، ولكن قلبه ليس بأعمى، أبو جهل عيناه تبصران وترى في الظلام كما ترى القطة في الظلام الإبرة، ولكن قلبه أعمى، وابن أم مكتوم قلبه يبصر ويرى، ولكن عينيه عمياوان.
ولذلك حضر الرسول ﷺ واستجاب له، فأنزل الله يوم جفاه قليلاً على الرسول ﵊ قوله: ﴿عَبَسَ وَتَوَلَّى * أَنْ جَاءَهُ الْأَعْمَى * وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى﴾ [عبس:١ - ٣] يا محمد! ما يدريك أن هذا الأعمى سوف يتزكى ويصبح منارة من منارات الأرض تستقبل نور السماء، وبالفعل أصبح مؤذناً وداعية ومجاهداً، أين مات؟ قتل في القادسية -كما قال أهل التاريخ- قتلاً، عذره الله عن الجهاد، لكنه قال: [[لا.
كيف أسمع النداء للجهاد وأبقى والله يقول: ﴿انْفِرُوا خِفَافاً وَثِقَالاً﴾ [التوبة:٤١] والله لأنفرن]] فأخذ الراية وهو أعمى، وبقي يقاتل وهو أعمى حتى قتل ﵁ وأرضاه، أما أبو جهل فمات وقتل كما تقتل البهيمة لا مصير ولا مستقبل ولا أصالة ولا عمق.
стр. 5167
النفاق العملي
والنفاق العملي: نفاق الكلام والحديث والمعاصي، ذكره ﷺ كما في الصحيحين: ﴿علامة المنافق ثلاث -أو كما قال ﷺ في حديث ابن عمرو، وحديث أبي هريرة - ثلاث من كن فيه كان منافقاً خالصاً، ومن كانت فيه واحدة منهن كانت فيه خصلة من النفاق حتى يدعها: إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا اؤتمن خان -وهناك- وإذا خاصم فجر، وإذا عاهد غدر﴾.
стр. 5168
علامات المنافقين
النفاق الاعتقادي والعملي لأصحابه علامات، ما هي علامات هؤلاء الدجاجلة؟
стр. 5169
قولهم بألسنتهم ما ليس في قلوبهم
أكبر علاماتهم: ﴿يَقُولُونَ بِأَلْسِنَتِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ﴾ [الفتح:١١] يتكلمون بحرارة عن الإسلام وهم يحبون للإسلام الهدم والفشل والانهزامية، يشكون أمامك واقع المرأة المسلمة في المجتمع المسلم، وكيف تسفر! وكيف تتبرج! وهم -والله العظيم- يريدون أن تسفر وتتبرج وتنتشر الفاحشة: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ [النور:١٩] ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ * ٦٠٠٠٠١٤>يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ﴾ [البقرة:٨ - ٩] يضحكون على التاريخ، وعلى الإسلام، وعلى المبادئ الأصيلة التي أعلنت عمقها وأصالتها خمسة عشر قرناً! وسوف تستمر إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها.
ومن الناس من يقول: آمنا بالله أمام الناس، فتجدهم يصلون ويصومون، ويحجون ويعتمرون، لكنهم يخربون بألسنتهم وأقلامهم ومخططاتهم ومكرهم وخداعهم، وهذا أعدى العدو، فالعدو الظاهر تحذر منه، فإسرائيل تعرف أنها إسرائيل، وروسيا تعرف أنها عدوة للإسلام، لكن هذا الذي دب في الصف لا ندري من هو، يكتب فإذا هو ليس الإنسان الذي معنا في المسجد، يقول أبو سريح العدوي، وقيل السحيم بن أُثيل الرياحي:
فإما أن تكون أخي بصدق فأعرف منك غثي من سميني
وإلا فاطرحني واتخذني عدواً أتقيك وتتقيني
فإني لو تخالفني شمالي ببغض ما وصلت بها يميني
إذاً لقطعتها ولقلت بِيْنِي كذلك أجتوي من يجتويني
من علامات المنافق الذي لبس قاصمة الظهر: أنه جسد بلا روح، يهتم بالمظهر، لا يريد أن يمرض ولا يريد أن يتعكر صفوه في الشخصية، لباسه من أرقى اللباس، طعامه من أحسن الطعام، سكنه من أحسن السكنى، ولا يعني ذلك أن يتدروش المؤمن ليرفع الله درجته، لا.
قد تجد الفاجر فقيراً لا يجد كسرة خبز، ينام على الرصيف، وتجد المؤمن يسكن في أحسن القصور، لكن المنافق بالعكس ليس له اهتمام بالدين ولا بالإسلام، ولا بالفرائض ولا بالنوافل، تفوته صلاة الفجر فلا يحزن ولا يتأثر، ولكنه لو ثلم شيء من عرضه أو ماله لأقام الدنيا وأقعدها.
стр. 5170
اهتمامهم بأجسادهم دون قلوبهم
يقول : ﴿وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ وَإِنْ يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ﴾ [المنافقون:٤] يقول حسان:
لا بأس بالقوم من طول ومن قصر جسم البغال وأحلام العصافير
يهتمون بالجسم أكثر من القلب، ولذلك كيف لا ينافق من لا يصلي في الجماعة في الفجر دائماً وأبداً؟! كيف يمكن أن يخدم الإسلام؟! كيف يرفع لا إله إلا الله؟!
إذا كتب في الصحافة عادى الإسلام، إذا أتى إلى المسرح جعل المسرح عداءً للإسلام، إذا شارك في كلمة ظهر أثره وبغضه للإسلام، لأنه من تهاون بحي على الفلاح تهاون بحي على الكفاح: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ وَإِنْ يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ﴾ [المنافقون:٤] فهذا من علاماتهم، حتى ذكر عن ابن مسعود أنه قال: [[ترى المنافق بديناً سميناً وترى المؤمن نحيفاً هزيلاً]] ولذلك يقول أبو الفتح البستي وهو ينكر على هذا الإنسان الدابة الذي يعيش عيشة البهيمة:
يا متعب الجسم كم تسعى لراحته أتعبت جسمك فيما فيه خسران
أقبل على الروح واستكمل فضائلها فأنت بالروح لا بالجسم إنسان
فيا من بهَّى جسمه ودلله أما علمت أنك تطرح في حفرة بلا عمل؟! أما علمت أن الدود يعتور على وجهك بلا مانع؟! أما علمت أن الظلمة سوف تصاحبك؟! فما هو عملك؟
стр. 5171
الخوف من الأحداث
ومن علامات المنافقين: أنهم يخافون الأحداث، يخافُون الوقائع في الدنيا ويظنون أنها على رءوسهم، أما المؤمن فهو لا يخاف، فهي إحدى الحسنين: إما الحياة، فحياة السعداء الأبرار، الأتقياء الشرفاء، وإما الموت؛ فموت الشهداء الخيرة الأتقياء.
أرواحنا يا رب فوق أكفنا نرجو ثوابك مغنماً وجوارا
قال أحد السلاطين لـ بن تيمية! يزعم الناس يا ابن تيمية! أنك تريد ملكنا وملك آبائنا وأجدادنا، فضحك ابن تيمية وقال: ملكك، وملك آبائك وأجدادك؟ قال: يقولون ذلك! فأخذ شقصاً من الأرض ونفلها في وجهه وقال: والله ما ملكك وملك آبائك وأجدادك يساوي عندي هذه؛ لأن الذي يطلب رضا الله لا يطلب رضا الناس.
والعجيب أنك تجد بعض الناس يسعى للشهرة أو للمكانة على حساب الدين، لا بأس أن يفجر، وأن يطعن في الإسلام! لكن على حساب الدين.
فمن علامات المنافق وهي قاصمة الظهر: أنه يخاف: ﴿يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ﴾ [المنافقون:٤] إذا سمع بالحدث قال: أنا المتهم؛ لأنه (كاد المريب أن يقول خذوني):
سُرقت دجاجة، فذهبت صاحبة الدجاجة إلى السلطان، فقالت: سرقت دجاجتي، قال: ابحثوا عن دجاجتها، والعجوز هذه تظن أن الحدث والكون كله في هذه الدجاجة، وبعض الناس إذا عاش في شيء أو في مستوى قاس الأحداث والوقائع على هذا الشيء.
يقول ابن كثير: أحد الناس الحمقى ذهب إلى خليفة من بني العباس، فذبح له دجاجة وطبخها وقدمها له ليأكلها، فأخذها هدية وأكلها، فكان هذا الأحمق يظن أنه فعل فعلاً في التاريخ لم يفعله أحد، كان كلما أتى الخليفة يسأل عن حدث أو معركة قال: هذه المعركة وقعت قبل أن أهدي لك الدجاجة بشهر، وسفركم بعد أن أهديت لك الدجاجة بأسبوع، فأصبحت هذه الدجاجة من المسارات الكبرى في التاريخ.
ذهبت هذه العجوز إلى السلطان فقالت له: دجاجتي، فعجز السلطان عن إمساك السارق فقام على المنبر فقال: يا صاحب الدجاجة! يا من سرق الدجاجة! عرفناك، فلا تمسح رأسك، فمسح سارقها رأسه: (كاد المريب أن يقول خذوني) ولذلك يقول : ﴿يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ﴾ [المنافقون:٤] إذا ذَكَرْتَ -في خطبة جمعة عامة- الناس الذين يشوهون الإسلام خرج هو يسب الخطيب، لأنه (لا تحتك إلا الجرباء) أما الصحيحة فلا تحتك.
стр. 5172
تضجرهم من انتشار الخير
إذا رأى انتشار الخير، والدعوة والوعي، والدروس والمحاضرات، والنشاط الإسلامي تضجر، وقال: هذا تطرف، سبحان الله! أما الخمارون والسكارى، والمغنون والمغنيات، والماجنون والماجنات، فليس عندهم تطرف، ونحن عندنا تطرف.
هل التطرف أن يحافظ على الصلوات الخمس؟! أو أن يقرأ في المصحف، وأن يشرح صحيح البخاري وصحيح مسلم، وأن يأتي جيل صادق من أحفاد أبي بكر وعمر وعثمان وعلي؛ يعلنون أن التفوق والنصر للإسلام؟
-وسوف أعرض لكم نموذجاً من الفن الراقي الذي يورد في الساحة، فن لكن ما عرف الفن، وصاحبه فنان على مصطلح العرب لا على مصطلحهم هم، فالعرب تقول للحمار الوحشي المخطط: فنان، فهو فنان على هذا المصطلح.
لكنه كما قال أحد علماء الإسلام: والله ما عرفوا الحب والفن والجمال، لأنهم يعتقدون بأن الحب أن تحب معشوقة فتكون عاشقاً ولهاناً.
رجل خلقه الله ليعبده: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْأِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات:٥٦] فأتى هذا الرجل يقول لمحبوبته:
يا من هواه أعزه وأذلني كيف الوصول إلى سبيلك دلني
الوصول من طريق النار، خذ يسارك على النار وتصل، قال غلاة الصوفية: قد وصلنا إلى مرتبة أنا لا نصلي ولا نصوم، قلنا لهم: لماذا؟ قالوا: لأن الله يقول: ﴿وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ﴾ [الحجر:٩٩] فنحن أتانا اليقين فانتهينا، يعني: إذا أتاك اليقين فلا تصلِّ ولا تعبد ربك، وهذا خلاف تفسير أهل السنة، فإنهم قالوا: ﴿وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ﴾ [الحجر:٩٩] يعني: الموت، قلنا: لماذا لا تصلون؟ قالوا: وصلنا إلى درجة اليقين.
قيل لـ أبي علي الروذباري: يقول غلاة الصوفية: إنهم وصلوا، قال: صدقوا، وصلوا ولكن إلى سقر.
أما الطريق فوصلوا ولكن أخطئوا المكان، أخذوا على اليسرى.
فهذا يتكلم في حياته ومستقبله ولا يُعدم آلافَ الجماهير أن يصفقوا له، وأن يشيدوا باسمه، ويقول:
يا من هواه أعزه وأذلني
والله لقد أذلك في الدنيا والآخرة، لأنك لو عرفت الله، ومن يستحق الحب وهو الله، وعرفت الطريق إلى الله، وحملت لا إله إلا الله ما استذلك هذا المعشوق الذي سفه عقلك وأخذ قلبك وحكم روحك.
وسوف أورد نماذجاً ثم آتي إلى الحب ومعناه الفن والجمال؛ لأن قاصمة الظهر أتت من هنا، تقول إحداهن، وهي كوكب الشرق، هذه التي خدعت الجماهير في الشرق الأوسط وطائرات الميراج الإسرائيلية تحجب الشمس عن الأرض، يقول البردوني وهو أعمى القلب والبصر لكنه أخذته الحمية القومية فقال:
فأطفأت شهب الميراج أنجمنا وشمسنا وتحدت نارها الخطبُ
يقول: الخطب تسقط الطائرات:
شجباً ونكراً وتنديداً بغارتها الله كم نددوا يوماً وكم شجبوا
فتقول هذه:
هل رأى الحب سكارى مثلنا
لا.
لم ير العالم سكارى مثلكم، ولا ضالين ولا فاسقين مثلكم؛ لأن الذي لا يهتدي يفعل هذا الفعل، ويقصم إيمانه ودينه وعرضه.
بشارة الخوري اللبناني دخل دمشق، فحمل من المطار على الأكتاف، لماذا؟ هل هو صلاح الدين؟!! لا.
والله ما يساوي الغبار الذي على حذاء صلاح الدين! هل أتى بمفتاح بيت المقدس؟! أهو عمر؟! والله ما يساوي البصاق الذي أرسله عمر على الصحراء، فلما أتى ونزل حمل على الأكتاف، فكان أول قصيدة يقولها وشباب الإسلام أمامه:
بلادك قدمها على كل ملة ومن أجلها أفطر ومن أجلها صم
هبوا لي دينا يجعل العرب أمة وسيروا بجثماني على دين برهم
سبحان الله! برهم المجرم الهندوكي، السفاك الخبيث، ويقول هذا: تعالوا بأي دين في الدنيا نتألف جميعاً عليه، واتركوا الإسلام:
هبوا لي دينا يجعل العرب أمة وسيروا بجثماني على دين برهم
وكان يقاطع بالتصفيق، لأن الأمة ما عرفت قاصمة الظهر، مثل هذا يوم تُرك له الميكرفون والقلم والصحيفة تكلم بما أراد، لأنه هدم الإسلام من أساسه.
إيليا أبو ماضي، يتكلم في الشبيبة ويرسل دواوينه في الشرق الأوسط، فيقول في أول قصيدته طلاسم:
جئت لا أعلم من أين ولكني أتيت
!!
يقول: لا أدري من أين أتيت أتيتَ من حظيرة البقر.
ولقد أبصرت قدامي طريقاً فمشيت!!
وسأبقى سائراً إن شئت هذا أم أبيت!!
كيف جئت كيف أبصرت طريقي لست أدري!!
ولماذا لست أدري؟!! لست أدري!!
أنت لا تدري، خلقت لا تدري، وعشت لا تدري، ومت لا تدري، لكنك سوف تدري يوم يبعثر ما في القبور، ويحصل ما في الصدور؛ لأن الذي لا يدخل الإيمان في قلبه لن يفلح، ولا ينجح في الدنيا ولا في الآخرة، فهذه قاصمة الظهر.
أحد الناس الذي قصم إيمانه ويقينه دخل على سلطان من سلاطين الدنيا، فنسي الله ونسي موعوده ولقاءه، نسي الله الذي كل شيء بحكمته وقدرته: ﴿وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً لا يَخْلُقُونَ شَيْئاً وَهُمْ يُخْلَقُونَ وَلا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ ضَرّاً وَلا نَفْعاً وَلا يَمْلِكُونَ مَوْتاً وَلا حَيَاةً وَلا نُشُوراً﴾ [الفرقان:٣] نسي هذا المجرم أن الله الذي يملك الضر والنفع، والموت والحياة والنشور، فقدم على السلطان وقال له:
ما شئتَ لا ما شاءت الأقدار فاحكم فأنت الواحد القهار
من هو الواحد القهار؟ هو الله: ﴿إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْداً * لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدّاً * وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْداً﴾ [مريم:٩٣ - ٩٥] فنسي هذا وقال:
ما شئت لا ما شاءت الأقدار فاحكم فأنت الواحد القهار
فعلمه الله أنه الواحد القهار، أخذه فأجلسه بمرض مزمن مقعد، فأخذ ينبح كما ينبح الكلب على فراشه، مرض عضال، اجتمع عليه الأطباء فما نفعوه، قدمت له العلاجات فما أفادت، فأخذ يبكي على فراشه، ويقول وهو يعاتب نفسه ويندم في ساعة لات مندم:
أبعين مفتقر إليك نظرت لي فأهنتني وقذفتني من حالقِ
لست الملوم أنا الملوم لأنني علقت آمالي بغير الخالق
الذي لا يَعرفُ الله، ولا يعرف الواحد الأحد يعرفه في وقت الأزمات، من لا يعرف الله في الرخاء عرفه الله بنفسه وقت الشدة، وهذه معان قد ذُكرت في مناسبات لكن لا بأس بإيرادها وترسيخها في الأذهان، فإن فرعون في الظاهر أنكر الصانع، ولكنه في الباطن يعلم، يقول له موسى: ﴿قَالَ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنْزَلَ هَؤُلاءِ إِلَّا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ بَصَائِرَ وَإِنِّي لَأَظُنُّكَ يَا فِرْعَوْنُ مَثْبُوراً﴾ [الإسراء:١٠٢] ففرعون يعلم، لكن وقف على المنبر وقال: ﴿مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي﴾ [القصص:٣٨] ويقول: ﴿أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الْأَنْهَارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي أَفَلا تُبْصِرُونَ﴾ [الزخرف:٥١] فأجرى الله الأنهار من فوق رأسه، فلما غرق، وأصبح في الطين كضفدعة مسيلمة: نقنقي ما تنقنقين، أعلاك في الماء وأسفلك في الطين: ﴿قَالَ آمَنْتُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرائيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [يونس:٩٠] ما أحسن هذا الموحد الخبيث! هذا موحد من نوع التوحيد المعكوس، وهو يسمى شيخ الضلالة والإلحاد في العالم.
وفرعون هو الذي أخذ المرتبة الثانية بعد إبليس، والثالث: أبو جهل، ثم يأتي بعدهم أسراب وأسراب، كل من أراد النار وجد الطريق: ﴿إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِراً وَإِمَّا كَفُوراً﴾ [الإنسان:٣] ﴿أَلَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ * وَلِسَاناً وَشَفَتَيْنِ * وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ﴾ [البلد:٨ - ١٠] ﴿يَا أَيُّهَا الْإنْسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ﴾ [الانفطار:٦] مالك!! يوم خلقك الله وصورك، وأنبتك وهداك تتنكر لله ! أتخجل أن تكون مسلماًَ؟!! وجد في المجتمعات من يخجل أن يتقلد السنة، من يخجل أن يربي لحيته ويقصر ثوبه، لكنه لم يخجل يوم يقلد لينين واستالين وماركس، مالك لا تخجل من هؤلاء وتخجل من اتباع محمد؟!!
هو الله الذي لا إله إلا هو، والله! الذي رفع السماء بلا عمد، وبسط الأرض بأحسن مدد، وخلق الإنسان في كبد!
ما طرق العالم كمحمد ﷺ ، من اعتقد أنه سوف يهتدي بهدى غير هدى الله الذي أرسل به محمداً عليه ﷺ فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين، لا يقبل الله منه صرفاً ولا عدلاً ولا كلاماً، ولا ينظر إليه ولا يزكيه وله عذاب أليم.
بعض الناس تجده في مكان، فإذا أتيته واعظاً قال: إذا أردت أن تعظ وتحاضر فيكون هذا في المسجد، أما هنا فلدينا عمل غير الوعظ سبحان الله!! أأنت مسلم؟! أأنت في رَكْبِ محمد ﵊؟!!
стр. 5173
مراءاة الناس
من علامات النفاق: مراءاة الناس، فعملهم رياء، امدح الرجل وأَبْشِرْ بخير، إذا مدحته وجدت رجلاً كريماً أمامك يقدم ويسعى ويبذل، لكن إذا لم يرك وإذا لم تمدحه أخفق كلما إخفاق.
أما نحن أهل الإيمان فنسأل الله أن يكون عملنا خالصاً لوجهه: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لا يُبْخَسُونَ * أُولَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ إِلَّا النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [هود:١٥ - ١٦] ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُوراً﴾ [الفرقان:٢٣].
القصائد بلا إيمان تأتي يوم القيامة وهي لعنات على أصحابها، الكتب بلا إيمان تأتي يوم القيامة وهي غضب ماحق على رءوس أصحابها، الصحف بلا إيمان تأتي يوم القيامة قذائف ملتهبة في وجوه أصحابها، أمة بلا إيمان ما هي إلا قطيع غنم وضأن وإبل وبقر، عين بلا إيمان مقلة عمياء، قلب بلا إيمان قطعة لحم، كتاب بلا إيمان ورق مصفف، قصيدة بلا إيمان كلام ملفف، دنيا لم تشرق عليها شمس الإيمان دنيا ملعونة، وقلب لم يع أمر الله قلب مغضوب عليه.
يقول في المنافقين: ﴿يُرَاؤُونَ النَّاسَ﴾ [النساء:١٤٢] إن صلوا أمام الناس أحسنوا الصلاة، وإن خلوا تركوا الصلاة أو لعبوا بها، إذا جلسوا مع أولياء الله تكلموا في القضايا الإسلامية بحرارة، وإذا خلوا إلى شياطينهم هتكوا عرض الإسلام ومجده وعظمته: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا كَمَا آمَنَ النَّاسُ﴾ [البقرة:١٣] مالكم لا تستقيمون كما استقام شباب الصحوة؟ قالوا: هؤلاء حمقى متزمتون متطرفون!! ﴿قَالُوا أَنُؤْمِنُ كَمَا آمَنَ السُّفَهَاءُ أَلا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاءُ وَلَكِنْ لا يَعْلَمُونَ﴾ [البقرة:١٣] فهم ما علموا، والذي لا يعلم أحمق.
﴿وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ * اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ [البقرة:١٤ - ١٥]
الرياء مرض من أخطر الأمراض، وهو قاصمة الظهر، وهو يدخل نسبياً في قاصمة الظهر الكبرى (النفاق) الرسول ﵊ يخبرنا بأول من تسعر بهم النار يوم القيامة وهم ثلاثة: عالم، وجواد كريم، وشجاع، يؤتى بهم فيقول الله للعالم: ﴿أما علمتك العلم؟ قال: بلى يا رب! قال: فما عملت﴾ والله يعلم، وهو لا يسأل عن جهل، فهو العليم البصير ، فانظر إلى الوقاحة، أخطأ في الدنيا ويجيب بخطأ في الآخرة.
قال: ﴿علمت الجاهل، وأمرت بالمعروف، ونهيت عن المنكر، فيقول الله: كذبت، وتقول الملائكة: كذبت، ويقول الله: إنما تعلمت ليقال عالم خذوه إلى النار، فيسحب على وجهه حتى يدهده في النار﴾ ثم يؤتى بالجواد فيفعل به كذا، وبالشجاع فيفعل به هكذا، هؤلاء أول من تسعر بهم النار، نعوذ بالله من النار.
هذا هو الرياء.
وأسباب الرياء:
١/ نسيان ثواب الله وأجره.
٢/ تعظيم الناس أكثر من الله.
٣/ طول الأمل ونسيان الموت.
٤/ الخوف والقلق والاضطراب النفسي، فأشجع الناس الصادق، وأجبن الناس المرائي الكاذب.
стр. 5174
لمز المطوعين
من علامات النفاق: أنهم ﴿يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ﴾ [التوبة:٧٩] المطوعين الباذلين أنفسهم في سبيل الله، المتصدقين بأموالهم لرفع لا إله إلا الله، فالمنافق ليس همه إلا أن يلمز، وهذا مرض اجتماعي سرى وهو خطير، وقد بثته هيئة الإذاعة البريطانية في أخبارها دائماً وأبداً، يوم تقول: "التطرف المتطرفون" والتي نكتته وأوحته الصهيونية العالمية، فلذلك يلمزون المطوعين.
الرسول ﷺ كان جالساً في المسجد فقال للناس: تصدقوا في سبيل الله، وهذا كان لغزوة تبوك، لتجهيز غزوة العسرة، فأتى عبد الرحمن بن عوف بمال كثير، فوضعه ذهباً وفضة في المسجد، وهو أحد العشرة المبشرين بالجنة، فقال ﵊: ﴿آجرك الله فيما أعطيت، وبارك الله لك فيما أبقيت﴾ فتغامز المنافقون في المسجد عندما صلوا مع الرسول ﷺ قالوا: والله ما أراد بهذا إلا رياء وسمعة.
ثم أتى فقير من الصحابة ما وجد شيئاً، فأخذ حفنة تمر في كفه ودخل بها، وقال: يا رسول الله! والله ما في بيتي من مال، ولا عرض، ولا درهم، ولا دينار، وإنما هذه الحفنة من التمر فخذها، قال ﵊: ﴿آجرك الله فيما أعطيت، وبارك الله لك فيما أبقيت﴾ فتضاحك المنافقون، قالوا: جيش كامل ماذا تغني عنهم حفنة فلان؟! سبحان الله!! ذاك ما سلم منكم، وهذا لم يسلم، فمن هو المصيب إذن؟!
لكن تولى الله الجواب عليهم فقال: ﴿الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ وَالَّذِينَ لا يَجِدُونَ إِلَّا جُهْدَهُمْ فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ﴾ [التوبة:٧٩] إي والله! والله إذا سخر أكبت العبد وأذله وأخزاه: ﴿سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [التوبة:٧٩] ﴿سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ لَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ﴾ [المنافقون:٦] فلن يغفر الله لهم: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ [المائدة:٥١].
стр. 5175
الاستهزاء بالقيم والمبادئ الإسلامية
من علامات المنافقين: الاستهزاء بالقيم، وأولها مبادئ الإسلام وهي قاصمة الظهر، فهم لا يستهزئون بأهل المعاصي، هل رأيتم منافقاً يستهزئ بامرأة خرجت كاشفة الوجه؟ لا.
أو يستهزئ بامرأة لبست ثياباً شفافة؟ أو يستهزئ بمغن أذهب العقول والقلوب، وضحك على الناس والعباد والشعب؟ لا.
إنما يستهزئ بالأخيار الأبرار، ولكن الله يتولى الدفاع: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ كُلَّ خَوَّانٍ كَفُورٍ﴾ [الحج:٣٨] ويقول : ﴿قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ * لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾ [التوبة:٦٥ - ٦٦].
стр. 5176
الكسل في أداء الطاعة
المنافق كسلان؛ إذا قام إلى الصلاة فهو من أكسل الناس، لكن تعال به في حفلة أو عرض موسيقي، أو ترف أو في شيء فيه تبذل وتبجح فإنك تجده من أقوى الناس، قوة جسم لكن خوار قلب، يقول : ﴿وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلاةِ قَامُوا كُسَالَى﴾ [النساء:١٤٢].
قال بعض أهل العلم: عجباً، إنهم يصلون! ولكن الله ذمهم بالكسل، لأن الذي يؤدي الإسلام وقلبه بارد، فيصلي مع الناس وقلبه بارد، ويسمع الأذان فيتحرى حتى تقرب الإقامة، فإذا دنت الإقامة قام فتوضأ كأن اللعنة معقودة على رأسه، ثم يخرج من الوضوء فيمسح يديه ورجليه وعينيه وأذنيه، ثم يذهب إلى المسجد كأنه يقاد بسوار من نار، ثم يدخل المسجد فيأتي في الصف الأخير، ويركع ويسجد، لا يدري من الإمام وماذا قرأ، وما هي الصلاة، ثم يسلم ويخرج أول الناس، فهو آخر الناس دخولاً وأولهم خروجاً، بارد القلب، جذوته لا جذوة، وتوقده لا توقد، فالله المستعان!
(وإذا قاموا إلى الصلاة) لم يقل لم يصلوا؛ لأنهم إذا لم يصلوا كانوا كفاراً، لكن: ﴿إِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلاةِ قَامُوا كُسَالَى﴾ [النساء:١٤٢] والرسول ﷺ أثبت أن من المنافقين من يصلي، ولذلك لامهم، قال: ﴿بيننا وبينهم صلاة العشاء وصلاة الفجر لا يستطيعونها﴾ فهم يصلون الظهر والعصر والمغرب، لكن صلاة الفجر والعشاء لا يستطيعون، فهذه دونها خرط القتاد، فهذه التي تبين المستويات؛ لأنها في وقت شدة: ﴿وإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلاةِ قَامُوا كُسَالَى﴾ [النساء:١٤٢] مفهوم المخالفة: أن المؤمن يقوم بقوة وحرارة: ﴿يَا يَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ﴾ [مريم:١٢] لأن هذا الدين دين حياة وقوة وصمود.
فـ عمر ﵁ وأرضاه سيد النساك، وهو عابد من أكبر العباد، عيناه تذرفان الدموع صباح مساء، وهو الذي يعرف النسك، وعلى ذكر عمر نذكر عائشة ﵂ وأرضاها، فقد رأت شبيبة من الناس، والشباب في وقت الحدة يأتون بأشياء قد تخرج عن السنة، ففي فترة الهداية يزيدون حتى يخرج بعضهم عن السنة، فأتوا يتكاوسون برءوسهم كأنهم ضأن أصيبت بمطر في ليل شات، يتساوقون جوعاً وضموراً، وأنزلوا رءوسهم على صدورهم، قالت عائشة: [[من هؤلاء؟ قالوا: نساك -يعني عباد- قالت: ما لهم يمشون هكذا؟ قالوا: من النسك -من كثرة العبادة كسروا رءوسهم- قالت: والله لقد كان عمر أخشى لله منهم، وكان إذا مشى أسرع، وإذا تكلم أسمع، وإذا ضرب أوجع]] لأنه دين أصالة وعمق.
عن الأسود بن يزيد في صحيح مسلم ﴿قال: قلت لـ عائشة ﵂ وأرضاها: يا أم المؤمنين! كيف كان ﷺ يقوم من صلاة الليل؟﴾ متى يقوم لصلاة الليل، لم يسأل عن صلاة الفجر، ونحن الآن والحمد لله الذي لا يحمد على مكروه سواه نتمادح بمن يحضر صلاة الفجر منا، حتى من الدعاة، وإذا حضر صلاة الفجر في جماعة فكأنه من العشرة المبشرين بالجنة، أو ممن بايع رسوله تحت الشجرة، وهذا لضعف مستوى الإيمان، أما أولئك فما كانوا يسألون عن صلاة الفجر، فهي من المسلمات، حتى المنافق في عهدهم يعاب عليه عدم حضور الفجر، لكنهم يسألون عن قيام الليل.
طاوس بن كيسان اليمني أحد العلماء الجهابذة المحدثين، طرق على صديقه الباب وقت السحر، فخرج صاحبه من البيت فقال: مالك؟ أحدث شيء؟ قال: أتيت أزورك!! قال: قبل الفجر، أنا كنت نائماً، قال: أتنام في هذه الساعة؟! والله! ما ظننت أن مسلماً ينام في ساعة السحر، لأنه صح في الحديث: ﴿أن الله ينزل في الثلث الأخير إلى الدنيا فيقول: هل من سائل فأعطيه؟ هل من مستغفر فأغفر له؟ هل من داع فأجيبه؟﴾
فـ الأسود بن يزيد يقول لـ عائشة ﵂ وأرضاها: ﴿متى يقوم ﵊ لقيام الليل؟ قالت: كان إذا سمع الصارخ وثب، قال الأسود:
وعلمت ما معنى وثب﴾ لم تقل: ولا جلس، ولا عرك عينيه، وإنما وثب كالأسد، لأن هذا معناه إعلان التحدي على النفس، والقوة على الشهوات، والأخذ لأمر الله .
تقول عائشة عنه ﷺ ، وأحلى ذكريات عائشة مع رسول الله ﷺ ، حياتها، قوامتها، أشرق الذكريات في عمرها مع المصطفى ﷺ ، وهو ﷺ -على سبيل الاستطراد- رجل كمال، في البيت والمجتمع، والفتيا وعلى المنبر، وفي المعركة وفي الإدارة، والأدب والسياسة، فكل شيء أخذ له وقتاً، وأعطى لها وقتاً من حياته ﷺ .
فتقول: ﴿كان يقطع معنا اللحم، ويكون في مهنتنا، فإذا سمع الأذان قام كأننا لا نعرفه، ولا يعرفنا﴾ وهذا هو علامة الإيمان والصدق، فليس عندنا أمور معنوية نتخيل بها الناس، يقول الإنسان: الله أعلم بقلبي أنني أحب الله ورسوله، لكن أعماله وأظفاره ومخالبه في الإسلام.
الضب والحية: دخل الضب للحية في جحرها، فلسعته بسمها فبقي مريضاً عند باب جحرها، فقامت تزوره، وتقول: يا أبا ثعالة! من جرحك؟ قال: أنت أعرف بمن جرحني.
فتجد بعض الناس يقول: الله يعلم أنني أحبه وأحب رسوله، وهو لا يشهد الصلاة مع الناس، ولا يتحمس لقضايا الإسلام، ولا ينكر المنكر، ولا يكثر من الدعاء، ولا يقدم خيراً لدين الله ، فأين الإسلام؟ أإسلام بالقلب؟! إن هذا لا ينفع: ﴿وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ﴾ [التوبة:١٠٥] إذا رآك المؤمنون صالحاً فأنت صالح: ﴿أنتم شهداء الله في أرضه﴾ ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً﴾ [البقرة:١٤٣].
﴿مُرَّ على الرسول ﷺ بجنازتين، فأثنوا على الأولى خيراً -مدحوه بالقيام، والصيام، والصلاة، والصدق، وبر الوالدين، وصلة الرحم، والوفاء -قال: وجبت، وجبت، وجبت- فهذا ختم منه ﵊ يطبع به على أوراق الناس يقول: وجبت له الجنة -وأثنوا على الآخر شراً- فاجر، قاطع للصلوات، عربيد، لا يعرف الله، لاه، قرءانه الغناء، وكتابه وصحيحه المجلة الخليعة، وغيبته وعرضه وفاكهته أعراض المؤمنين -قال ﵊: وجبت، وجبت، وجبت- وهذا خاتم يطبع على أوراقه إلى النار، قالوا: يا رسول الله! ما وجبت؟ وما وجبت؟ قال: الأولى أثنيتم على صاحبها خيراً، فقلت: وجبت له الجنة، والثانية: أثنيتم على صاحبها شراً، فقلت: وجبت له النار، أنتم شهداء الله في أرضه﴾.
وعند الترمذي بسند فيه نظر: ﴿من رأيتموه يعتاد المسجد فاشهدوا له بالإيمان﴾ فنحن شهداء الله على عباده، والله إذا رأى العبد منيباً مخلصاً نشر له القبول، وإذا رآه غير ذلك نشر له السمعة والغضب واللعنة في الناس، فهذه قواصم الظهر.
стр. 5177
المنافقون مرجفون
المنافق مرجف، أي: يخذل عباد الله، إذا ذكرت له انتصار الإسلام في قضايا انتشار العلم والدروس والمحاضرات والندوات هون من شأنها، يقول: لا طائل من ورائها، إلهاء للشباب، وأظنها تفرق بينهم، وتأخذ من أوقاتهم، وأما الأغاني والذهاب والإياب فلا تأخذ أوقات الشباب!!
إذا ذكرت له الجهاد هون من شأنه، إذا ذكرت له قضية الحجاب، قال: لا، الحجاب ليس هو القضية، القضية ليست قضية حجاب، فإذا أتيت في قيام الليل قال: والقضية ليست قيام ليل، وإذا أتيت في المكاييل والموازين، قال: القضية ليست مكاييل وموازين حتى يذهب الإسلام كله، فإذاً القضية ليست قضية إسلام.
فهو مرجف: ﴿لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ مَا زَادُوكُمْ إِلَّا خَبَالاً وَلَأَوْضَعُوا خِلالَكُمْ يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ﴾ [التوبة:٤٧] هذه أيها الإخوة! من علامات المنافقين، وهي قاصمة الظهر الكبري، وهي تجتمع في قاصمة.
стр. 5178
قلة ذكرهم لله
ومن علاماتهم: أنهم لا يذكرون الله إلا قليلاً، لم يقل الله: لا يذكرون الله، لكن يذكرون الله قليلاً، والإنسان علامة حبه للشيء حبه ذكره له:
إذا مرضنا تداوينا بذكركم ونترك الذكر أحياناً فننتكس
إذا أردت أن تعرف إيمان المؤمن، فانظر إلى ذكره لله، وإذا أردت أن تعرف إخلاصه وصدقه؛ فانظر إلى تبتله ودعائه للواحد الأحد: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآياتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ * الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ [آل عمران:١٩٠ - ١٩١] ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ [الرعد:٢٨] ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ﴾ [البقرة:١٥٢].
فمن علامة المنافق أنه لا يذكر الله، تجده سبهللاً في الليل والنهار، يتكلم في معاشه وبيته، وفي وظيفته وأصدقائه، لكن إذا مر ذكر الله انقبض في المجلس، فهو لا يريد شيئاً من الذكر لا من القرآن ولا من الحديث، يصف هذه المجالس بالتأخر، والرجعية، والتخلف، وهو المتخلف الرجعي الوثني المتقهقر، فهذا من علامتهم حتى تنجلي.
وهذه أيها الإخوة! معلومات موجودة وجاهزة، لكنها تحتاج إلى تذكير وتأصيل حتى تعرف عند الجميع؛ لأن من الناس من يقع في النفاق ولا يدري أنه منافق.
стр. 5179
المنافقون ذوو ألسنة فصيحة وقلوب جاهلة
من علامات المنافق أنه عليم اللسان، إذا تكلم أصبح خطيباً فصيحاً، لكن قلبه جاهل: ﴿وَإِنْ يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ﴾ [المنافقون:٤] قد تجد المؤمن لا يحسن أن يركب كلمتين، ولذلك في حديث كعب بن مالك عند الترمذي: ﴿البذاء والبيان شعبتان من النفاق، والعي والحياء شعبتان من الإيمان﴾ فالمؤمن تجده خجولاً منكسراً في الغالب، والمنافق تجده بذيئاً غسل وجهه من الحياء، فهو صاحب بيان داهية في الكلام، يتكلم بمحاضرات في ميزان السيئات، إذا تكلم عن قضايا الفجور، عن سفره إلى أوروبا، عن رؤية البنات والكأس وعما رأى من التطور والعمران؛ لأن في منظوره أن التطور والعمران هي ناطحات السحاب، لكنه لا يتكلم عن نهضة المسلمين، وعودة الشباب إلى الله، وتدارس القرآن، ومجالس الذكر والحديث؛ لأن قلبه مشغول بـ واشنطن وباريس، فهو لا يتكلم إلا عنها: ﴿وَإِنْ يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ﴾ [المنافقون:٤] لكنه أعمى القلب والبصر.
стр. 5180
كبائر المعاصي قاصمة للظهر
ومن قواصم الظهر التي تضم مع قاصمة الظهر الكبرى: كبائر المعاصي، والله ندد بالعصاة، والذي يأتيك بأحاديث الرجاء دون أن يذكرك بالخوف، معناه أنه يريد أن يتسامح، وأن يعفيك من عهدته، وأن يقول لك: لا بأس أن تخطئ وتعصي الله، يقول الله عن بني إسرائيل لما عصوا: ﴿فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَنَسُوا حَظّاً مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ وَلا تَزَالُ تَطَّلِعُ عَلَى خَائِنَةٍ مِنْهُمْ﴾ [المائدة:١٣] هذه أربع مصائب بسبب المعصية، ومن يفعل ذلك، ويداوم ويصر على المعصية، يبتليه الله بهذه الأربع: ﴿فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ﴾ [المائدة:١٣] عهدك مع الله، وصلتك به صلاتك صيامك حجك ولاؤك وبراؤك لله؛ لأن كثيراً من الناس يصلون، ولكن ولاءهم وبراءهم لغير الله.
قد تجد إنساناً مستقيماً يصلي الصلوات الخمس، يقرأ صحيح البخاري، يبكي إذا قرأ مدارج السالكين، ولكن ولاءه لنادٍ رياضي من النوادي، يبكي إذا هزم، ويفرح ويسهر الليل إذا انتصر، يعادي كل من يعادي هذا النادي، ولو كان من الصحابة والتابعين، لماذا؟ لأنه جعل ولاءه وحبه لغير الله: ﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ﴾ [المائدة:٥٥].
ووجد كذلك -ليس في هذا المكان العامر الطاهر الذي ما أتاه إلا دعاة وأساتذة وأبطال الإسلام- من يشجع بعض المغنيين، فيؤيده وينشر محاسنه في الناس، ومناقبه وتاريخه في المجالس، وفي الحقيقة لا مناقب ولا محاسن ولا تاريخ، وينوه بأغانيه وهو ينشر الفاحشة والمعصية في المجالس والمنتديات، قال تعالى: ﴿فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ﴾ [المائدة:١٣] نعوذ بالله من اللعنة، هذه من علامة الاستمرار والجمود على المعاصي وعدم التوبة ﴿لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً﴾ [المائدة:١٣] القلوب القاسية أكثر ما يقسيها قواصم الظهر وهي المعاصي، يوم يقترف الإنسان من المعاصي العشرات في اليوم، ثم لا يستغفر ولا يتوضأ ولا يتوب، ولا يبكي ولا يندم، تجتمع عليه المعاصي فيطبع الله على قلبه فيصير ميتاً، فإذا صار ميتاً يرتكب كبائر الذنوب ولا يحس بها، يقول المتنبي:
من يهن يسهل الهوان عليه ما لجرح بميت إيلام
الإنسان إذا مات وأتيت بخنجر تطعنه هل يحس؟! لا.
لأنه ميت.
يقول ابن مسعود ﵁: [[المؤمن يرى كأن ذنوبه جبل يريد أن يسقط عليه، والمنافق يرى كأن ذنوبه ذباب وقع على أنفه فقال به هكذا]] تجده يشرب الخمر ويزني ويفجر ويكذب، فإذا قلت له: اتق الله، قال: إن الله عفور رحيم، ما حفظ من القرآن إلا هذا المقطع، فإذا قلت له: اتق الله، قال: رحمة الله وسعت كل شيء، ونسي: ﴿إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ [المائدة:٢] فهذا وأمثاله يقول الله فيهم: ﴿لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً﴾ [المائدة:١٣] والله لام بني إسرائيل، وقال للمؤمنين: ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ﴾ [الحديد:١٦] ولكن أملنا الله في فضله، ورجانا في خيره وبره، فقال: ﴿اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يُحْيِي الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾ [الحديد:١٧] بالأمطار، فيا من يحيى الأرض بالأمطار، فتنبت أنواع الأزهار والأشجار! نسألك يا واحد يا قهار يا غفار! أن تحيي قلوبنا بالإيمان، وأن تجعلنا من سكان تلك الدار.
هؤلاء هم المؤمنون، ولكنهم يخافون المعاصي.
﴿لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ﴾ [المائدة:١٣] وقد وقع في هذه الأمة هذه الجزاءات، وقعت في أمة الرسول ﷺ ووجد من لعنه الله، عالم لم يعمل بعلمه فاجر كبني إسرائيل، ووجد جاهل أعمى يعبد الله بالجهل فهذا قاسي القلب، ووجد من أهل البدع من يحرف الكلم عن مواضعه، يحرف الألفاظ والمعاني كما ذكر ابن تيمية.
﴿وَنَسُوا حَظّاً مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ﴾ [المائدة:١٣] نسيان العلم، ونسيان الفهم دليل على كثرة المعاصي، ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ﴾ [البقرة:٢٨٢].
شكوت إلى وكيع سوء حفظي فأرشدني إلى ترك المعاصي
وقال اعلم بأن العلم نور ونور الله لا يهدى لعاصي
أكبر ما يحبطك بعد النفاق، ويحبط مسعاك، ويعطل مستقبلك قاصمة الظهر المعاصي، وخاصة الكبائر.
لنعش مع الأنبياء ونسمع موقفهم من الذنوب، لنقول لذلك المترسل في الخطيئة، الذي انهمل في الذنب تلو الذنب، وذكرنا بالرجاء لكنه ما فتح لنا باب الخوف، لنقل: اسمع إلى إبراهيم ﵇، الذي أسس التوحيد، وبنى جداره، ونشر الحنيفية في الأرض، يقول ﵊ في آخر دعائه ﴿وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ﴾ [الشعراء:٨٢] طمعاً، لم يقل: والذي يغفر لي خطيئتي يوم الدين، قال: ﴿وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ﴾ [الشعراء:٨٢] وإنه والله رجاء، وإنها والله لوعة، وإنه أسى يوم يقول ﵇ وقد جاهد وبنى البيت، ورفع علم لا إله إلا الله، ومد هذه الشريعة، وعمق هذا المبدأ، ثم يقول في الأخير، ويرفع كفيه وهو على شفير القبر، وفي سكرات الموت: ﴿وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ﴾ [الشعراء:٨٢].
يونس بن متى ﵇، خرج مغاضباً، وألقي في البحر، فأصبح في ظلمات ثلاث: ظلمة اليم، وظلمة الحوت، وظلمة الليل، فمن يذكر؟ لا زوجة ولا ولد ولا أهل، لا مال ولا منصب:
فاشدد يديك بحبل الله معتصماً فإنه الركن إن خانتك أركان
قال: ﴿لا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ [الأنبياء:٨٧] كلمة والله ما كأنه يوجد أروع منها في الإسلام! يقول ﵊: ﴿ما من مهموم أو مغموم أو مكروب يقول: لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين، إلا فرج الله همه، وأزال غمه وكربه﴾ أو كما قال ﵊، فاستجاب الله له؛ لأنه اعترف بذنبه، ففي هذه السكرات أعلن التوحيد، والله يقرن بين التوحيد والاستغفار، يقول : ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ﴾ [محمد:١٩] فقال: ﴿لا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ [الأنبياء:٨٧] أنا مذنب، فنجاه الله، قال سبحانه: ﴿فَلَوْلا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ * لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ [الصافات:١٤٣ - ١٤٤].
لماذا لم ينج الله فرعون وقد قال: ﴿آمَنْتُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرائيلَ﴾ [يونس:٩٠] وهي: نفس الكلمة أو قريبة منها؟! لأنه أنكر الله في الرخاء.
وأما يونس ﵇ فقد عرف الله في الرخاء، لأن له سجل حسنات وذكريات وأياماً محفوظة، وفرعون له أيام وصحائف سود، داس التاريخ تحت قدميه فلم ينفعه ذلك.
كثير من الناس وبالخصوص أهل الشباب والقوة والغنى لا يعرفون الله إلا إذا أصبحوا على الأسرة البيضاء في المستشفيات، كثير من الناس لا يعرفون الله إلا إذا أصبحوا شيوخاً كباراً، فيأتي الواحد منهم يراجع حسابه وهذا جيد، لكن أين قوتك وصحتك؟ وأين شبابك وفتوتك؟ هل استثمرتها في طاعة الله؟!
سليمان ﵇ شكا المعاصي والخطايا فقال: ﴿قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكاً لا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ﴾ [ص:٣٥].
نوح ﵇ ذكر قومه فقال: ﴿فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّاراً * يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَاراً * وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَاراً﴾ [نوح:١٠ - ١٢].
стр. 5181
الذنوب والخطايا المنتشرة اليوم
الخطايا التي تواردت في الساحة على الناس لا تعد ولا تحصى، ولكن أذكر ثلاثاً من الخطايا، أو ثلاثة مشارب تنضم تحت مظلة قاصمة الظهر:
стр. 5182
الأغنية الماجنة
وللمتسائل أن يتساءل: كيف جعلت هذا الحدث البسيط حدثاً كبيراً وهو ليس بالكبير! لكنه وجد أن هذه الأغنية الماجنة ركب عليها من المعاصي ما لا يعلمه إلا الله، سفور المرأة، التهاون بالحجاب، الخلطة، الاتصالات الهاتفية الغير مسئولة، جريمة الزنا، اختلاط الأنساب، موت الأعراض والضمائر، كله من أسباب الغناء.
قال ابن تيمية وابن القيم: "الغناء بريد الزنا" وهذان المُنَظِّران الكبيران العبقريان قد حذرا من هذه المغبة، وأمة جعلت قرآنها غناءها ووترها وموسيقاها، سوف تصل إلى الهاوية، لأنه يسبب العشق والوله، ويسبب التمرد على شرع الله، فالغناء يبغضك الطاعة والقرآن، ولذلك كان لبعض الناس كغلاة الصوفية غناء آخر، يأكلون قصع العصيد فإذا شبعوا قاموا يتراقصون على غنائهم، ثم يتكاوسون ويتساقطون، قالوا: مالكم؟ قالوا: سكرنا بحب الإله!!
وقالوا سكرنا بحب الإله وما أسكر القوم إلا القصع
فهذا هو غناؤهم، ولذلك من استعاض بالقرآن الغناء وقع في هذه وفي غيرها، ويصاب بمرض التهاون بالعبادات، فلا يأتي الصلاة إلا دباراً، يقول ابن القيم:
قال ابن عباس ويرسل ربنا ريحاً تهز ذوائب الأغصان
فتثير أصواتاً تلذ لمسمع الـ إنسان كالنغمات بالأوزان
يا خيبة الآذان لا تتعوضي بلذاذة الأوتار والعيدان
والرسول ﵊ أخبر وقال: ﴿سيأتي أناس من أمتي يستحلون الحر والحرير والخمر والمعازف﴾ واستحلالها لا يكون إلا بعد التحريم، وأمة لا تعرف إلا الغناء أمة ساقطة من المجد، متدهورة في عالم الحضارة، سبحان الله! كم خدر الشرق بل الشرق الإسلامي بالغناء الماجن، من المغنيين والمغنيات، وأما أعداؤنا من إسرائيل وأمثال إسرائيل فما عرف جيشها الغناء، في بحوث منشورة أن الغناء والموسيقى لا يدخلان الجيش الإسرائيلي، فما للمسلمين يدخلون الغناء ويسمعونه إلا من رحم ربك، وهذه المسألة خطيرة جد خطيرة.
стр. 5183
الصورة الخليعة
من قواصم الظهر التي انتشرت وأفسدت كثيراً من القلوب والأعراض والبيوت: انتشار الصور الخليعة الماجنة، والصور السخيفة المتبذلة، وهي تتمثل إما في منشورات أو في مجلات، وهذه ليست بالأمر السهل، فهي تحتاج إلى كلام طويل، لكنني أردت أن تكون تحت مظلة القاصمة الكبرى من القواصم وهي قاصمة المعاصي لانتشارها، وأخذها وعدم التهيب من الله في تداول هذه المجلة بين الناس والنظر إليها، وهي من الفواحش الكبار، ومرض هواية القلب للصور مرض عجيب فتاك.
ذكر ابن القيم في مدارج السالكين هذا المرض، وهو الوله بالصور والعشق لها، وذكر من الخطورات ما لا يعلمه إلا الله حتى تصل بصاحبها إلى درجة النفاق.
من المسائل التي أريد التنبيه عليها أيضاً في آخر هذه المحاضرة شيئاً أشرت إليه في مقدمة الكلام، وهي مسألة الولاء والبراء.
ولاؤك أيها المصلي وبراؤك لمن يكون؟! الله يقول: ﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ﴾ [المائدة:٥٥] ويقول : ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ [التوبة:٧١] فمن تتولى؟ وممن تتبرأ؟
يقول ﵊ فيما صح عنه: ﴿من أعطى لله ومنع لله وأحب لله وأبغض لله فقد استكمل الإيمان﴾ لا يكمل الإيمان حتى يكون الله ورسوله ﷺ أحب إليك مما سواهما، وهو حديث أنس كما في الصحيحين: ﴿ثلاث من كن فيه وجد بهن حلاوة الإيمان: أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله، وأن يكره أن يعود إلى الكفر كما يكره أن يقذف في النار﴾ أو كما قال ﵊.
عمر بن الخطاب ﵁ وأرضاه يقول: ﴿يا رسول الله! والله إني لأحبك أكثر من أهلي ومن ولدي ومن مالي إلا من نفسي، قال ﷺ : لا يا عمر! -أي ما استكملت الإيمان، ليس هذا هو المطلوب، ليس هذا هو الإيمان - حتى أكون أحب إليك حتى من نفسك، قال: فوالله -لا يعرف المجاملة- الذي لا إله إلا هو إنك أحب إلي حتى من نفسي﴾ ﵁ وأرضاه، وصدق والله.
وفي الترمذي عنه يقول: ﴿ودعت رسول الله ﷺ لأعتمر، فقال وهو يودعني: لا تنسنا يا أخي من صالح دعائك، قال كلمة لا أريد أن لي الدنيا وما فيها﴾ وهذا غاية الحب.
فالولاء والبراء لا يكونان إلا لله، ولا بد أن يفهم هذا حتى عند طلبة العلم والدعاة، وانظر إلى من ضل عن الصراط في الولاء والبراء، وقد سبق أن أشرت إلى أن بعض الناس يجعل ولاءه لبعض الذوات أو الأشخاص أو الهيئات أكثر من ولائه لله، كالأندية وبعض المغنيين وبعض المجلات، فهو يجعل ولاءه لهذه الأمور أكثر من ولائه للواحد الأحد، أحد المجرمين الفسقة الفجار وهو نصيري يقول:
آمنت بـ البعث رباً لا شريك له وبالعروبة ديناً ما له ثاني
والله يتولاه ويحاسبه بالعدل، ويخزيه وأمثاله ممن لم يعرفوا الولاء لمن يكون، والبراء لمن يكون، كل من أحب الله واقترب من الله وجب عليك أن تواليه، فإذا كان تحت مظلة الإسلام مصلياً للخمس، فلا تنظر إلى أي أسلوب ينتهجه في الدعوة، ولا لأي مشرب؛ لأن بعض الناس يجعل اعتباراته اتجاهات وأساليب الدعوة فيوالي قوماً، ويتبرأ من آخرين على حسابها، فهذا أواليه لأنه وافقني في أسلوب الدعوة، وهذا أعاديه لأنه خالفني ولو كان هذا المخالف أتقى وأزهد وأعبد من ذاك، اتق الله في نفسك، أهذا دين يضيع؟ أهذه أوراق تحرق؟ أهذه ألعوبات؟ هذا دين الله .
فيا أيها المسلمون! هذه اثنتان من قواصم الظهر.
والكفر أمره بيِّن لكثرته وانتشاره في القرآن، ولم أشر إليه في العناصر إلا إشارة، أما النفاق والمعاصي فهي أكبر قاصمة من قواصم الظهر، بل هي قاصمة الظهر والدين، والأخلاق والشرف، يصاب الإنسان بمصيبة في ماله فيعدها القاصمة، يموت ولده فيعدها الرزية، لكن بعضهم يصاب بقواصم في اليوم الواحد في دينه وهو كالبهيمة لا يدري أنه أصيب.
أيها الفضلاء! أيها النبلاء!
أشكركم شكراً جزيلاً، ثم أشكر مركز الدعوة هنا بـ الدمام على أن تفضل ودعا وأحسن وأجاد وبذل وأعطى، نسأل الله تعالى أن يجزل المثوبة لكل من قدم شيئاً للإسلام، أو من رفع راية الإسلام، أو من أعطى في سبيل الله لرفع دين الإسلام.
سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين.
стр. 5184
الأسئلة
стр. 5185
الطريق الموصلة إلى العلم
السؤال
إني أحبك في الله يا شيخ وأريد أن أكون شيخاً، وأنا عمري أربعة عشر عاماً فما العمل لأكون شيخاً؟
الجواب
الحمد لله، أحبك الله الذي أحببتنا فيه، أما قولك كيف تكون شيخاً فللشيخ معنيان اثنان: المعنى الأول: الشيخ الكبير في السن:
زعمتني شيخاً ولست بشيخ إنما الشيخ من يدب دبيبا
فإن كنت تريد أن تكون شيخاً كبير السن فتعرض للشمس كثيراً، وحاول أن تتعب، وحاول أن تقلل من الأكل حتى تشيب وتقترب من القبر فتسمى شيخاً، ونسأل الله لنا ولك حسن الخاتمة، والشيب مذمة عند النساء، لكنه مفخرة عند الرجال:
عيرتني بالشيب وهو وقار ليتها عيرت بما هو عار
وهو وقار في الإسلام، وأنت إذا شبت في الإسلام شيبة جعلها الله لك نوراً كما جاء في الأثر، وهذا النور والوقار والعقل سمة المؤمن.
أما مقصودك وهو أنك تريد أن تكون شيخاً في العلم فعليك أن تأتي العلم من بابه، وذلك بأمور:
الأول: أن تتقي الله في نفسك: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ﴾ [البقرة:٢٨٢] فإذا اتقيت الله فتح لك السبل.
الثاني: أن تكثر من الاستغفار والتوبة، فإن الاستغفار يفتح الله به مغاليق القلوب، ويفتح به عليك ما لا يدور بالخيال، ولا يخطر بالبال.
الثالث: أن تنتهج التحصيل العلمي بوسائله الحديثة والقديمة، إن في مسجد في مسجد، أوفي كلية في كلية، أو ثانوية أو معهد، فتجمع بين هذا وذاك.
الرابع: أن تحفظ وقتك في التحصيل، فإنه لا يكفيك أن تأخذ من رءوس الشجر، كالشاردة من الإبل لا تأكل إلا من رأس الشجرة، بل ينبغي عليك أن يكون وقتك جميعاً للعلم، للتحصيل وللمذاكرة، جلاسك طلبة العلم، زيارتك مع طلبة العلم، تثير المسائل ذاهباً وآيباً، مسافراً وحاضراً.
الخامس: عليك بمنهجين، إما الحفظ أو الفهم، فإن كنت من أهل الحفظ وعندك دربة فابدأ ولا تُقدِّم على القرآن شيئاً، فابدأ بحفظه أو حفظ ما تيسر منه، ثم احفظ ما تيسر من الكتب كـ بلوغ المرام ورياض الصالحين وكتاب التوحيد للشيخ محمد بن عبد الوهاب، وأمثالها من المختصرات، وأما الفهم فاقرأ، وأكثر من الاستغفار فسوف يفتح الله عليك، خاصة في كتب الحديث الستة، ومسند أحمد وتفسير ابن كثير، وكتب ابن تيمية، وابن القيم:
إذا أعجبتك خصال امرئ فكن مثله يك ما يعجبك
فليس عن المجد والمكرمات إذا جئتها حاجب يحجبك
سوف تلقى العون والتسديد.
следующие страницы →