← Джавами‘

Джавами‘ · id 7708

دروس الشيخ عائض القرني

عائض القرني

Полный текст (10 391 стр.). Показаны 526–565 · переход к 531.

стр. 526

الأنبياء والابتلاء الابتلاء تاريخ وقصة طويلة منذ أن نزلت لا إله إلا الله في الأرض، ابتلي نوح وإبراهيم وموسى وعيسى ومحمد عليهم الصلاة والسلام، كلٌ مبتلى، وتعال إلى بعض قصصهم وإلى تلك الدروس العظيمة التي نستفيدها من حياتهم عليهم الصلاة والسلام.

стр. 527

ابتلاء موسى ﵇ أما موسى فذاق الأمرين، رسول التوحيد أنقى وأوضح من الشمس في رابعة النهار، الذي أتى إلى الطاغية فرعون في القصر يقول له لما قال: ﴿فَمَنْ رَبُّكُمَا يَا مُوسَى * قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى﴾ [طه:٤٩ - ٥٠] ولكن على صدقه ونصحه وعصمته ماذا فعل به؟ قال أهل التفسير وأهل التاريخ: أتى قارون بكنز عظيم -جرةً مملوءةً ذهباً- إلى امرأةٍ زانيةٍ من بني إسرائيل فقال: خذي هذه الجرة، فإذا اجتمع الناس وقام موسى فينا خطيباً، فقومي وابكي ومزقي شعرك، وأقسمي أن موسى زنا بك، واجتمع الناس وموسى يتكلم عن التوحيد والإيمان، وقارون يريد أن يمرغ دعوة التوحيد والإيمان، يريد أن يمرغ دعوة موسى ﵇ في التراب، وأن يمرغ منهجه لئلا يثق به الناس مرة ثانية، ولئلا يصدقه الناس مرة ثانية، ولكن يأبى الله إلا أن يتم نوره، فالنور نوره، والرسالة رسالته، والرسول رسوله، والمنهج منهجه، فبينما موسى يتكلم، وإذا بالبكاء يرتفع من تلك المرأة تلطم وجهها؛ إنها الخطط البائسة؛ إنها الأكاذيب والتلصيقات، إنها أنواع من المسارح يقدمها بعض المغرضين الحاقدين على الإسلام وعلى علمائه ودعاته. سكت موسى والتفت إلى المرأة، قالت: أنت فعلت الفاحشة بي، فتلعثم وبكى، ليس في الأرض إلا موسى الذي أرسله الله بالرسالة يفعل هذه الفعلة، فوقف يبكي، ولكنه صمد وعرف أنه ابتلاء؛ فرفع عصاه ووقف أمام المرأة وقال: أسألك بالذي شق البحر لي أفعلت ذلك؟ قالت: لا. ثم بينت أمرها، قال سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسَى فَبَرَّأَهُ اللَّهُ مِمَّا قَالُوا وَكَانَ عِنْدَ اللَّهِ وَجِيهاً﴾ [الأحزاب:٦٩] فزاد وجاهةً وقوةً، وإثباتاً لمنهجه أنه صادق.

стр. 528

ابتلاء يوسف ﵇ ومن يشك في يوسف! ومن نحن مع يوسف وموسى ومحمد عليهم الصلاة والسلام، نحن لا نساوي غبار أقدامهم، نحن لا نساوي الشعرات التي تتساقط من رءوسهم، نحن لا نصلح خدماً لهم. هم أصفى الخلق، وأخلص الناس، وأبر الناس، وأوفى الناس، رموا به في السجن: ﴿قَالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ﴾ [يوسف:٣٣] ومكث في السجن، وعلم الله أنه صادق ومخلص. أيزني يوسف؟ أيمكن أن يلطخ دعوته؟ أينسى ربه؟ أين رقابة الله؟ وإذا خلوت بريبة في ظلمة والنفس داعية إلى الطغيان فاستحي من نظر الإله وقل لها إن الذي خلق الظلام يراني ولكن الصبح قريب وأتى الفرج من الله، ولا يأتي الفرج إلا منه سبحانه وحده، حسبنا الله ونعم الوكيل، فانقلب بنعمة من الله وفضل لم يمسسه سوء أبداً لأن الله معه.

стр. 529

ابتلاء محمد ﷺ أما رسولنا ﵊ فعاش مع ريبةٍ وشائعةٍ استهلكت شهراً من حياته كما يقول سيد قطب ﵀: "شهراً كاملاً وقف على أعصابه" ماذا حدث؟ أتى المغرضون، وخصماء الإسلام، وأذناب اليهود، فقالوا: عائشة زنت، لا والله والله لا تزني وهي الصادقة بنت الصادق، والمبرأة من فوق سبع سماوات، ولكن هكذا يُلطخ الحق، ولكن مهما قالوا فالعاقبة للمتقين: ﴿إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ﴾ [غافر:٥١] ﴿وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ وَلا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلا تَكُ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ * إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ﴾ [النحل:١٢٧ - ١٢٨]. أتى الخبر رسول الله ﵊ فلم تكتحل عينه بنوم ولكن يوم يعرف المسلم أن أمامه جيلاً وتاريخاً من الأنبياء والرسل والدعاة والصالحين ابتلوا، وصبروا، وعلموا أنه لابد من هذه المرحلة مرحلة الابتلاء. يقول الشافعي ﵀ لـ مالك: "أيبتلى العبد أم يُمكَّن" أي: هل يُمكَّن في الإمامة في الدين أم يبتلى؟ قال: "لا يُمكّن حتى يبتلى" ﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآياتِنَا يُوقِنُونَ﴾ [السجدة:٢٤] الرسول عليه الصلاة السلام أصيب في أعز شيء في حياته، المال يسهل، وكل شيء يهون سواء كان البيت أو الأطفال أو الزوجة، أو المنصب أو الوظيفة، إلا العرض والدعوة والرسالة. إن أعداء الإسلام يريدون أن يُفقدوا هذا الصوت وهذه الكلمة وهذه الرسالة ثقتها؛ فإذا فقد الإنسان ثقته، ولُطخت سمعته، وفُضحت كلمته، فمن يثق به ومن يصدقه، ومن يستمع إليه ومن يسمع كلامه، ومن يستفيد منه؟ أصيب ﵊ في أعز شيء عنده وهي امرأته، قال المنافقون والمغرضون والحاقدون: امرأته زانية، ياألله وهل تزني الحصان الرزان؟ ياألله وهل تزني الصديقة بنت الصديق؟! وتعطل ﵊، وقف ليخطب فإذا العيون تنظر إليه؛ لأن الشيطان أوحى إلى بعض الناس بالخبر، يتكلم إلى الناس، وإذا عرضه قد فضح أمام الناس، فمن يعيد عرضه؟! بل يسهر الليل: نامت الأعين إلا مقلة تذرف الدمع وترعى مضجعك فانتظر ﵊ أن يأتيه خبر من السماء، لعل جبريل ﵇ أن ينزل بآيات، لكن انقطع الوحي شهراً كاملاً ثم أنزل الله تعالى هذه الآيات: ﴿إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْأِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ لا تَحْسَبُوهُ شَرّاً لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ مَا اكْتَسَبَ مِنَ الْأِثْمِ وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ * لَوْلا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْراً وَقَالُوا هَذَا إِفْكٌ مُبِينٌ﴾ [النور:١١ - ١٢] لكن كثيراً من الناس لم يقل هذا الكلام. إن الشائعة إذا ظهرت في الناس من يقنع الناس، ويقول للناس: إنها خطأ، صح عنه ﵊ أنه قال: ﴿كيف وقد قيل﴾. قد قيل ما قيل إن صدقاً وإن كذباً فما اعتذارك من قول إذا قيلا أما الرسول ﵊ فعاشها شهراً كاملاً، لأنه أصبر الصابرين، وأصدق الصادقين، وأخلص المخلصين، ولكن أراد الله أن يرفع منزلته أكثر وأكثر، ويجعل منهجه باقياً، وأن يعلم تلاميذه وأتباعه وحُفاظ رسالته أن هذا هو الطريق، ففيه تقديم الرءوس، وتقديم الدماء والأموال ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْداً عَلَيْهِ حَقّاً فِي التَّوْرَاةِ وَالْأِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ [التوبة:١١١] وحملها ﵊، وسمعت عائشة بالخبر ﵂ قالت: فما رقى لي دمع شهراً كاملاً؛ ويدخل عليها ﷺ ويقول لها: يا عائشة! إن كنت قد ألممت بذنبٍ؛ فتوبي إلى الله، وإن كنت بريئةً، فسوف يبرئك الله، فقالت لأبيها: رد، فوقف أبو بكر حائراً يبكي ماذا يقول؟! إنها معضلة أودت بسرور وبسعادة أبي بكر ﵁ وأرضاه، قال: والله لا أجد ما أقول، ثم قالت لأمها: ردي، قالت: والله لا أدري ما أقول، فقامت هي لتقول: والله ما أجد لي كلاماً إلا كما قال أبو يوسف: ﴿فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ﴾ [يوسف:١٨]﴾. الصبر الجميل الذي لا شكوى فيه؛ الصبر الجميل الذي يصلك برضوان الله، والحياة والابتلاء تمحيص ليخرج الرجال، وليعلمهم أن دعوتهم ينبغي أن تكون لله، وأن النصر من عند الله، وأنه لا يزكيهم إلا الله، وأنه لا ينبغي أن ينصرفوا بدعوتهم رياءً ولا سمعةً ولا شهرةً ولا ظهوراً، وجلس ﵊ وإذا بالوحي ينزل، وإذا بالبراءة تنزل من السماء، بَّرأها الله من فوق سبع سماوات، وكذب المنافقين والحاقدين، وكذب عملاء الخيانة واليهود، وأشياع المنافقين في كل زمن. كم تطلبون لنا عيباً فيعجزكم ويكره الله ما تأتون والكرم ﴿بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ وَلَكُمُ الْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ﴾ [الأنبياء:١٨].

стр. 530

ثمار وفوائد الابتلاء في الابتلاء قضايا:

стр. 531

من ثمار الابتلاء: معرفة حقيقة الناس ومصداقيتهم أولها: أن الله جعل الابتلاء سنة؛ ليعلم الصادق من الكاذب، وليعلم المؤمن من المنافق، ولو كان الأمر للرخاء والسهولة واليسر؛ لادعى كل مدعٍ أنه صادق، ولكن ليظهر الله الصادقين أهل الصلوات الخمس؛ ولا يخزيهم أبداً. والنبي ﵊ وهو في غار حراء يوم نزل عليه الوحي، خاف لما رأى عظم الملك، فذهب إلى خديجة ﵂ ترتعد فرائصه، ووجِلَ قلبه وخاف وقال: ﴿خفت على نفسي، قالت: كلا والله لا يخزيك الله أبداً؛ إنك لتصل الرحم، وتُقرئ الضيف، وتُكسب المعدوم، وتعين على نوائب الحق﴾ أتظن أن الله يخزي أهل الصلوات الخمس؛ أهل القرآن؛ وأهل السنة؛ وأهل التسبيحات؛ والصيام؛ وقيام الليل، والصدق مع الله؟! لا والله. إنما يجعل الله الرجس على الذين لا يؤمنون، إنما يخزي أعداءه ومحاربي دينه الذين لا يعرفون الصلاة، ولا القرآن، ولا المسجد، ولا السنة، ولا الصدق مع الله، ولا يعرفون موعود الله، ولا يقدمون دقيقة من أوقاتهم، ولا يعرفون إلاَّ الكأس والعهر، والفحش والخيانة، وانتهاك حرمات الله، يقول أبو بكر الصديق ﵁ وأرضاه: [[صنائع المعروف تقي مصارع السوء]] فمن فعل معروفاً وقاه الله سبحانه منازل الخاسرين: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [العنكبوت:٦٩] وقال سبحانه: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ﴾ [محمد:٣١].

стр. 532

من ثمار الابتلاء: تمحيص الصف الإسلامي من المنافقين ومن دروس الابتلاء أيضاً: تمحيص الصف الإسلامي، ليعرف الله من الذي يحب أن يُوصم الأخيار بالوصمات والتهم. إن هذا الدين مستهدف بأساليب الله أعلم بها، حينها يعرف من الذين يحبون أن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا، قال سبحانه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ [النور:١٩] والله يعلم من الذي يسر بإخفاق الصالحين، إن المنافق يضحك بملء فيه يوم يمرغ الإسلام في التراب؛ حينها ينتصر الباطل ويخطب الدجال كما قال الذهبي قال: "إذا علقت الشائعة وانتشرت وصُدقت؛ حينها يخطب الدجال من على المنبر، وتتعطل المساجد، وتكذب الدعوة الصادقة، ويخرج المناوئون الحقراء الذين لا يتكلمون إلا في الظلام، وليس معنا شيء، ما معنا إلا رسالة محمد ﵊. خذوا كل دنياكم واتركوا فؤادي حراً طليقاً غريباً فإني أعظمكم ثروة وإن خلتموني وحيداً سليبا وابن القيم ﵀ يتكلم عن أولياء الله، وقد ذكر كثير منهم الدكتور بكر أبو زيد في حلية طالب العلم، فقال: "بيوتهم المساجد، وإمامهم رسول الله ﵊ اسمهم أهل السنة، لا يريدون إلا وجه الله" دعها فإن معها سقاءها وحذاءها ترد الماء وترعى الشجر. فيريد الله بهذه الابتلاءات وهذه الفتن أن يمحص الصفوف، وأن يعرف من هو الصادق الذي يغتاظ ويتلمظ ويغار على دينه ورسالته يوم تمرغ في التراب، أو الآخر: المعربد السكير الذي يضحك ويفرح ويرقص على موت الإسلام وذبحه، ولكن الإسلام -والله- لا يموت. يقول أحد علماء الإسلام واسمه إسماعيل صبري: "الإسلام والدعاة يمرضون ولا يموتون" ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر:٩].

стр. 533

من ثمار الابتلاء: تكفير الخطايا والذنوب المسألة الثالثة: من أسرار الابتلاء التي ينزلها في الأرض: تمحيص الخطايا والذنوب التي تعلق بالأخيار، والتي لا يسلم منها الأبرار، فيحتها حتاً، فنسأله سبحانه أن نكون ممن إذا أذنب استغفر وإذا أُنعم عليه شكر، وإذا اُبتلي صبر، إن منازل الصادقين ثلاث منازل، إذا ابتلي العبد صبر، وقال: إنا لله وإنا إليه راجعون، قالوا لـ عثمان: ادخل على الرسول ﵊ يبشرك بالجنة على بلوى تصيبك، قال: الله المستعان! وما هي البلوى؟ ضرج في التراب وذبح في بيته على المصحف. جرحان في كبد الإسلام ما التأما جرح الشهيد وجرح بالكتاب دمي وتقدم المغرضون في الصف وقالوا: ظالم، وطعنوه بالخنجر؛ فوقع وهو يقول: حسبي الله لا إله إلا هو عليه توكلت وهو رب العرش العظيم، وهذه سنة ماضية. لما أدخل ابن تيمية السجن -رحم الله ابن تيمية، ورفع الله قدر أبي العباس على ما فعل وبذل من دمعه ودمه، وعروقه وسمعته، وعلمه ووقته- أدخله السجان وأغلق عليه الباب، فقال ابن تيمية: ﴿فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ لَهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذَابُ﴾ [الحديد:١٣] يقول له أحباؤه: ماذا أصابك؟ فدمعت عيناه وقال: تموت النفوس بأوصابها ولم يدر عوادها ما بها وما أنصفت مهجة تشتكي أذاها إلى غير أحبابها الابتلاء تمحيص، قال ﵊: ﴿ونقني من الذنوب والخطايا كما ينقى الثوب الأبيض من الدنس﴾ الابتلاء غسل للقلب وللمنهج، وغسل للطريق من القاذورات التي تعلق به، إما شهرة وإما سمعة وإما رياء لا يسلم منها العبد، يقول ﵊ في الصحيح: ﴿عجباً لأمر المسلم إن أمره كله خير وليس ذلك إلا للمؤمن، إن أصابته نعماء شكر فكان خيراً له، وإن أصابته ضراء صبر فكان خيراً له، وليس ذلك إلا للمؤمن﴾.

стр. 534

دروس في الابتلاء والابتلاءات فيها دروس.

стр. 535

من دروس الابتلاء: التوكل والاعتماد على الله ومنها: أن هذا الإسلام مهما قيل: إنه انتصر، فلا زال في الطريق عقبات، ولو قالوا: صحوة عارمة، فأمام الصحوة ألف عقبة، أعداء الله كثير، يعملون الكثير من العراقيل والمخططات المعقدة التي يحار العبد أمامها، مخططات يعجز الشيطان أن يكتشفها، تأتي من كل باب ومن كل جهة، ونحن ليس لنا حيلة كما يقول ابن القيم: "العبد الصالح يفوض أمره إلى الله، ولا يعتمد على حيلته" ويقول: حالنا كما قال نوح ﵇: رب ﴿أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانْتَصِرْ﴾ [لقمر:١٠] فاترك الحيلة فيها واتكل إنما الحيلة في ترك الحيل فليس لنا حيلة ولا ذكاء ولا دهاء ولا قوة، وليس معنا إلا حسبنا الله ونعم الوكيل. وكم كالوا عليه من التهم الباطلة عليه الصلاة السلام، فقالوا: شاعر، كذاب، ساحر، كاهن، امرأته فعلت؛ رسالته ليست صادقة؛ يأخذ أجراً على الدعوة؛ إنما يعلمه بشر؛ مفترٍ على الله؛ وهو يقول: حسبنا الله ونعم الوكيل. ولما دخل غار حراء ومعه أبو بكر ﵁، فطوقه الكفار، فقال أبو بكر: ﴿يا رسول الله! والله لو نظر أحدهم إلى قدميه﴾ أرادوا أن يدخلوا الغار؛ فأعمى الله بصائرهم وأبصارهم عن الغار. ظنوا الحمام وظنوا العنكبوت على خير البرية لم تنسج ولم تحم عناية الله أغنت عن مضاعفة من الدروع وعن عال من الأطم لم يدخلوا الغار يقول أبو بكر ﵁: يا رسول الله! والله لو نظر أحدهم إلى قدميه لأبصرنا، فتبسم ﵊ تبسم الواثق، من الذي يتبسم وحوله خمسون شاباً كل شاب معه سيف يريد أن يذبحه؟ من الذي يتبسم وهو في غار صغير وحوله الكفر من كل جهة ولا حرس معه إلا حرس الله؟ لا رمح ولا سيف ولا خنجر ولا سكين ولا شيء. والفيافي حالمات بالمنى تتلقاك بتصفيق مثير فقال النبي ﷺ : ﴿لا تحزن إن الله معنا ونصره الله﴾. الخطيب البغدادي صاحب التاريخ ابتُلي بفرية أستحي أن أقولها في هذا المجلس، ورأى في المنام قائلاً يقول: أتريد يا خطيب! أن تصل مبلغ الإمامة بلا ابتلاء، أتريد أن تصل إلى تلك المكانة بلا ابتلاء، فعرف أنه ابتلاء من الله.

стр. 536

من دروس الابتلاء: معرفة مخططات ومكائد أعداء الإسلام ومن دروس الابتلاء: أن نعرف أعداء الإسلام، ومخططات اليهود، وقد نشرت مجلة المجتمع في آخر عدد لها في أول صفحة أن أول مخطط -الآن- لليهود وأعدائهم تلصيق وتفضيح الدعاة وتلطيخ سمعتهم، فإذا لُطخت بالتراب انصرفت الأجيال عنهم، وعن المساجد والحلقات والمحاضرات، ونظرت الجماهير إلى طلبة العلم والعلماء أنهم ليسوا مصدر ثقة، فلا يوثق بهم، وقد فُعل في كل قطر هذا الفعل، فُعل في فلسطين في رواد الانتفاضة والصحوة وسجلوها في تقارير، ولكن مع معرفتنا بأن الابتلاء حاصل لابد أن نعرف مع من نتعامل، ومع من نجلس، ومع من نتكلم، ونعرف ما حولنا، وأنه يراد بالبلاد الإسلامية والمقدسات وعلماء الإسلام ودعاته وعباده أعظم المكائد. إن من خطط العلمانية وأنتم تجدونها في بعض الأشرطة أو الكتب التي تتحدث عنهم مثل الشيخ سفر الحوالي وغيره، ومثل كتاب التنصير، إن من خططهم تلطيخ سمعة الدعاة، فإذا لُطخت لا يثق بهم أحد ولا يُقبل عليهم أحد، ولا يتعلم عندهم أحد، فإذا حصل هذا انتصر الباطل. أعظم ما يصاب به الناس التشكيك في الرسالة، وأعظم ما يصاب به الناس التشكيك في العلماء والدعاة وطلبة العلم؛ فينفض عنهم الجموع، ويأخذون رموز الباطل، وأدعياء الضلالة وأهل الشهوات، وعباد الأغنية الماجنة، والسهرة الخليعة، والعربدة والكأس، وحينها لا يحقق لهم انتصار، واجهوا الإسلام بالسلاح؛ فانتصر الإسلام عليهم، واجهوهم في فلسطين وفي أفغانستان وفي كل مكان فما استطاعوا أن يحققوا شيئاً، فأخذوا وسيلة أخرى أشد مكراً وخبثاً، ولكن: ﴿وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾ [الأنفال:٣٠].

стр. 537

من دروس الابتلاء: الابتلاء علامة لمحبة الله للعبد ومن دروس الابتلاء: أن الله إذا أحب قوماً ابتلاهم، فمن رضي فله الرضا ومن سخط فله السخط، وبعض الابتلاءات تجعل ضعاف النفوس يتحول عن الإسلام تماماً، وبعضهم يصاب بمصيبة فيترك المسجد ويكفر بالدين ويعرض عن لا إله إلا الله، ويترك منهج الله! خسر الدنيا والآخرة، انقلب على وجهه، قال تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ﴾ [الحج:١١] لكن يأبى الله أن ينقلب العبد على وجهه بعد أن ذاق حلاوة الإيمان، وبعد أن أحب محمداً ﵊ أكثر من أمه وأبيه. ﴿فَلا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى﴾ [النجم:٣٢] ولكن يقول ابن تيمية لأنه قد افُتري عليه افتراءات وهو في الإسكندرية يقول: "يحق للعبد أن يدافع عن نفسه في وقت البلاء". فأقول: والله الذي لا إله إلا هو إن العبد يتمنى صباح مساء أن يصب دمه خدمة للا إله إلا الله، والله إن أعظم ما يمكن أن أتمناه وأنتم -إن شاء الله- أن تسفك دماؤنا في الأرض لتنتصر لا إله إلا الله، اللهم إنا نسألك أن تصدق قولنا بشهادةٍ في سبيلك، اللهم اسفك دماءنا لترتفع لا إله إلا الله، اللهم قطّع رءوسنا ليبقى الحق حقاً في الأرض وتبقى الرسالة. فداً لك من يقصر في فداك فلا ملك إذاً إلا فداكا أروح وقد ختمت على فؤادي بحبك أن يحل به سواكا لا يحل به إلا لا إله إلا الله، وإلا الرسالة والرسول عليه الصلاة السلام؛ حينها يعرف أنا نريد أن ينتصر هذا الدين على جماجمنا، ولحومنا ودمائنا، ولا أبقى الله باقية لمن يريد أن يسفل الدين ليرتفع هو، أو يهزم أو يخسر أو ينال شهرة على حساب الدين حاشا وكلا! ﴿رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِياً يُنَادِي لِلْإِيمَانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ الْأَبْرَارِ﴾ [آل عمران:١٩٣] ربنا إننا أتينا نريد ما عندك. وليس على الأعقاب تدمى كلومنا ولكن على أعقابنا تقطر الدما تأخرت أستبقي الحياة فلم أجد لنفسي حياة مثل أن أتقدما

стр. 538

من دروس الابتلاء: حقارة الدنيا عند الابتلاء ومن دروس الابتلاء: أن الحياة تصبح بشهواتها وملاذها ووظائفها وأموالها وبهارجها ودعاياتها، تصبح ضعيفةً ضئيلةً: ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالْأِكْرَامِ﴾ [الرحمن:٢٧] ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [القصص:٨٨].

стр. 539

الابتلاء ببعث الهمة في النفوس ومن دروس الابتلاء: أن العبد عليه أن يواصل بهمة أعظم وأعلى، وبقوةٍ وصرامةٍ، ويستمر ويؤدي لأنه قد باع نفسه من الله. ومن الذي باع الحياة رخيصة ورأى رضاك أعز شيء فاشترى حينها يجب على المسلم أمور: أولها: أن يخلص لله وأن يصدق في دعوته، وأن يؤدي دعوته على أكمل وجه، وألا يتوقف، وأما هذه الابتلاءات فإنها عواصف: ﴿فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ﴾ [الرعد:١٧] الحق سوف يبقى وسوف ينتصر، وسوف تبقى المساجد، وسوف يهيمن الإسلام، وتعود لنا مقدساتنا، ويعود القدس إن شاء الله، وتعود أفغانستان، وينتصر الإسلام، وترتفع لا إله إلا الله وتنتصر هذه الصحوة، ويعم الأرض -إن شاء الله- انتصار خالد، ولكن هذه التقلبات والأعاصير إنما هي في الطريق، ولكن العاقبة سوف تتم اليوم أو غداً -إن شاء الله- وليس رهناً أن نرى انتصار الإسلام في هذه الفترة فما علينا إلا أن نقدم أموالنا وأوقاتنا ودماءنا وجماجمنا ليعلم الله أننا صدقنا؛ وأننا جاهدنا، وليعلم الله أننا ثبتنا، ثم يأتي جيل بعد جيل حتى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ * لا يَسْمَعُونَ حَسِيسَهَا وَهُمْ فِي مَا اشْتَهَتْ أَنْفُسُهُمْ خَالِدُونَ * لا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الْأَكْبَرُ وَتَتَلَقَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ هَذَا يَوْمُكُمُ الَّذِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ﴾ [الأنبياء:١٠١ - ١٠٣]. دخل الإمام أحمد إمام أهل السنة والجماعة الحبس واقفاً في القيد فأراد بعضهم أن يتنازل عن عقيدته؛ ولكنه أبى وصبر حتى انتصرت لا إله إلا الله، وانتصر وعلم الله أنه صادق، وبقي مذهب أهل السنة والجماعة يسود، وسوف يبقى ويكتسح العالم. والبخاري ابتلاه أمير بخارى بفرية، فما كان من البخاري إلا أن التفت إلى القبلة وهو راكب وقال: "اللهم اكفنيه بما شئت" فما رفع يديه وما وضعها إلا وقد خنق السلطان مكانه ﴿إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ * يَوْمَ لا يَنْفَعُ الظَّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ وَلَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ﴾ [غافر:٥١ - ٥٢]. وابتُلي مالك وجُلد، وسعيد بن المسيب شُهِّر في قميصٍ شفاف، وهو عابد في الستين من عمره؛ ذرفت عينه اليمنى من كثرة البكاء، يقول: [[ما أذن المؤذن من أربعين سنة إلا وأنا في المسجد]] ولكن أُخذ ورُكب على جمل، وهو سيد التابعين، وعلاّمة الدنيا، وزاهد المعمورة، وعالم الحديث الذي حديثه كالذهب، ركب على جمل فأخذ أطفال المدينة، ومواليها وعبيدها يضحكون عليه يطاف به وقد قلبوا وجهه إلى ظهر أو دبر البعير، ويجلدونه بالسياط وهو يقول: حسبنا الله ونعم الوكيل. هذا هو الطريق، والذي لا يعرف هذه سوف يصاب بصدمات يوم يأتيه الخبر في دينه أو عرضه أو أهله أو أطفاله، ولذلك أكثر الناس انهزاماً الذين لا يعرفون أخبار القرآن والسيرة والتاريخ الإسلامي، إنهم ينهارون تماماً، ولكن ليعد العبد إلى التاريخ، وقبل ذلك إلى القرآن والسنة. اقرأ التاريخ إذ فيه العبر ضل قوم ليس يدرون الخبر أيها المسلمون: إن من أفضل المعالم التي نعلمها يقيناً أن العاقبة للحق، وأن الله لن ينصرك إلا بأعمالك، وأن الواسطات والشفاعات والدنيا إذا اجتمعت وأنت على باطل فلن تنتصر أبداً، ولكن. فالزم يديك بحبل الله معتصماً فإنه الركن إن خانتك أركان وقل دائماً: حسبنا الله ونعم الوكيل، وتوكل على الحي الذي لا يموت، حينها ينصرك الله. ويقول ﵊ لـ ابن عباس: ﴿احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده تجاهك، تعرف على الله في الرخاء يعرفك في الشدة، إذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله، واعلم أن الأمة لو اجتمعوا على أن ينفعوك بشيء لن ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك، وإن اجتمعوا على أن يضروك بشيء لن يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك، رفعت الأقلام، وجفت الصحف﴾ والله الذي لا إله إلا هو، لو اجتمع أهل الأرض جميعاً على أن يكيدوك والله معك لن يكيدوك شيئاً، وإن اجتمعوا على أن ينصروك والله ضدك لما فعلوا شيئاً في نصرك، فالقوة التي لا تغلب قوة الله، وهذه أعظم الدروس: أن العبد يتخلى عن الاعتماد على الناس أو على الكيانات أو على الجهات ولا يعتمد إلا على الله.

стр. 540

إظهار التوحيد في الابتلاء ومن دروس الابتلاء العظيمة: صدق التوحيد وألا يعتمد إلا على الله، ويعرف من جرب أن لا إله إلا الله لا تظهر حارةً صادقةً قويةً إلا يوم يبتلى العبد، فيقول: لا إله إلا الله من قلبه. ومن أعظم ميزات التوحيد: أنه يقف معك في الأزمات، يقول محمد بن عبد الوهاب ﵀ المجدد: "عامي موحد يغلب ألف مخلط" وهذا العامي هو الذي يحمل لا إله إلا الله محمد رسول الله بصدق، فالتوحيد يظهر في الأزمات: ﴿مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [البينة:٥] ﴿أَلا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ﴾ [الزمر:٣] والله لا يريد إلا أن يكون الدين له، فيقول لأوليائه: ذوقوا وجربوا واصبروا واعلموا أنه لا ينصر إلا الله، ولا يهدي إلا الله، ولا يكافح ويناضل عن الأبرار والأخيار والصالحين والعلماء والدعاة والعباد والصادقين إلا الله فيقول: ﴿وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً لا يَخْلُقُونَ شَيْئاً وَهُمْ يُخْلَقُونَ وَلا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ ضَرّاً وَلا نَفْعاً وَلا يَمْلِكُونَ مَوْتاً وَلا حَيَاةً وَلا نُشُوراً﴾ [الفرقان:٣] فعلى كل حال لابد أن تأخذوا من الابتلاءات في التاريخ درساً عظيماً في التوحيد والإيمان، وأن تعرفوا أنه لا ينتصر العبد إلا بصدقه مع الله، وأن يكون ظاهره كباطنه، وأن يقول كلمة الحق ولو قدم رأسه ودمه، ليعلم أنه صادق ولينصره الله نصراً مؤكداً، هذه هي من القضايا التي ينبغي أن نعيشها، والله له في خلقه أسرار وحكم .

стр. 541

الابتلاء في الدين أعظم الابتلاءات أما الابتلاءات غير ابتلاءات الدين فكلها سهلة هينة يذوقها الناس جميعاً، والكفار يذوقون ابتلاءت المال والخسائر المالية، وموت الأطفال، والزوجات، والإخوة، واحتراق البيوت، وهذا قدر مشترك بين المؤمن والكافر، ولو كان هذا الابتلاء موت الأطفال أو انهدام واحتراق البيت أو ذهاب المال، فهذا أمر مشترك فية الخواجة الكافر، والفلسفي الأحمر، واليهودي المجرم، وكذلك المسلم لكن أما الابتلاء الصارخ في الدعوة، وتشويه السمعة، وتلطيخ واجهة الدين؛ فهذا لأولياء الله ليحتسبوا دعوتهم، وليخلصوا منهجهم لله؛ وليعلموا أنه لا يكفيهم إلا الله ﴿فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [البقرة:١٣٧] قتل عثمان وسال دمه على هذه الآية ولا زال المصحف موجوداً بشكل موجود على آية: ﴿فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ﴾ [البقرة:١٣٧] طوق المتمردون الثوار على بيت عثمان فقال: [[اللهم لا قوة لي فأنتصر فانصرني]] فدخلوا عليه وهو يقرأ قوله: ﴿فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ﴾ [البقرة:١٣٧] فذبحوه، لكنه ما انتهى فقد بقي ذكره في الآخرين بالذكر الحسن، فسمعته وتاريخه وذكره حسن، بل نحن نترضى عليه في كل جمعة وفي غالب الصلوات، أما أعداء الله الذين سحقوا الدعوات فيلحقون باللعنة، أين فرعون والنمرود وجمال وتيتو وأتاتورك والمغرضون؟ لعنوا ويوم القيامة يوردون إلى النار، ويفضحون ويخزون، ويعرضون على النار؛ جزاءً لما قدموا في محاربة هذه الدعوة. أيها المسلمون: هذا درس في الابتلاء ولعل هناك من التساؤل أو من القصص، أو من التعليق ما سأكمل به هذا الوقت، وأسأل الله لي ولكم السداد والثبات. اللهم انصر دينك وكتابك وسنة نبيك وعلماء رسالة رسولك ﷺ ، والصالحين من عبادك وأوليائك، اللهم انصر من نصر الدين واخذل من خذل الدين، اللهم من أرادنا والإسلام بسوء فأشغله بنفسه واجعل تدبيره في تدميره، واخذله يا رب العالمين، اللهم اكشف أسراره، واهتك أستاره، وأبد عواره، اللهم أخرس لسانه وأذهب عقله، ودمره تدميراً عظيماً، اللهم أرنا فيه عجائب صنيعك يا رب العالمين، اللهم انتقم لأوليائك، وانتصر لأحبابك ودعاتك ولعبادك الصالحين، اللهم ثبتنا على الحق، اللهم من نصر الدين فانصره ومكنه في الأرض، واجعله يا رب العالمين هادياً مهدياً وتوله في الدارين، نسألك يا رب العالمين أن تحمينا وأن تنصرنا وأن تحفظنا، وأن تهدينا سواءاً السبيل، وأن تمنعنا من كل سيئ يريد بنا والإسلام والمسلمين سوءً، اللهم لا تدابير لدينا ولا حيل، وإنما حسبنا الله ونعم الوكيل: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَاناً وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ * فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللَّهِ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ﴾ [آل عمران:١٧٣ - ١٧٤] اللهم ثبت واهد ولاة الأمر لما تحبه وترضاه، اللهم قيض لهم البطانة الصالحة الناصحة التي تهديهم إلى الحق، اللهم انصرهم بالإسلام وانصر بهم الإسلام. سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين.

стр. 542

الأسئلة

стр. 543

وصية لمن ابتلي في دينه السؤال إن الإنسان قد يبتلى في دينه، فبماذا توصي من حصل له مثل هذا؟ الجواب أولاً: الناس يبتلون على قدر إيمانهم، وقد صح عنه ﵊ أنه ذكر أن أكثر الناس بلاءً الأنبياء، ثم الصالحون، ثم الأمثل فالأمثل، وصح عنه ﵊ قوله: ﴿مثل المؤمن كمثل الخامة من الزرع، تفيئها الريح يمنة ويسرة، ومثل المنافق كالأرزة لا تزال قائمة حتى يكون انجعافها مرةً واحدةً﴾ ولذلك لا يبتلى المنافق في الغالب إلا بما يبتلى به الكفار، أو ابتلاءً يشترك معه بقية الناس، فأوصي نفسي وأنفسكم أن نتمنى العفو والعافية، ونسأله أن يعافينا، فإذا وقع الابتلاء عليك بأربعة أمور كما قال ابن القيم: أولها: أن تحمد الله أن أبقى عليك دينك، وأنك ما كفرت بالله، وأنك ما خرجت عن طاعة الرسول ﷺ ، يقولون ولذلك إن عالماً من علماء المسلمين حبس مع نصراني في بيت المقدس -أي: في سجن- فكان هذا النصراني توجعه بطنه وعنده إسهال، فكان كلما أراد أن يقضي حاجته يأخذه معه، فيقول العالم: الحمد لله رب العالمين، فقال الحارس: على ماذا تحمد الله؟! على أن سلسلك في هذا الحبل ويسحبك هذا النصراني إلى الحمام، قال: أحمد الله على أني مسلم ولست نصرانياً، أحمد الله على أن الدين بقي. الثاني: كما يقول ابن القيم: إن الابتلاء سنة من سنن الله، وكما يقال في المثل: في كل واد بنو سعد، وما من واحد إلا ابتلي، والله خلق الخلق ليبتليهم، وليعرف الصادق من الكاذب. الأمر الثالث: أنها أسهل من غيرها، وأنها أهون من أطم وأعم منها؛ فإن بعض الضربات تعمي، وأعمى العمى من يرتد عن دينه. الرابع: أن في الأجر والمثوبة عند الله ما يسلي، فإن الأجور عنده سبحانه كما قال: ﴿وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ * الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ * أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ﴾ [البقرة:١٥٦ - ١٥٧]. يقول عمر: [[والذي نفسي بيده! ما عليَّ على أي حالة أصبحت، إن كان على الفقر لهو الصبر، وإن كان على الغنى لهو الشكر]] وقالوا لـ عمر بن عبد العزيز: ماذا تتمنى؟ قال: [[أتمتع بمنازل القضاء والقدر]] قال تعالى: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ [القمر:٤٩] فما أعظم الأجر والمثوبة؛ فإن ما فات العبد، وما أصيب به من هم وغم وحزن وتعريض وتعنيف كله في جانب أجره عند الله سهل. ومن المنافع العظيمة في الابتلاء، وهي جزيلة: تمحيصهم من الذنوب والخطايا، ويصفيه بهذا الابتلاء. ومنها أيضاً: أن يُمكَّن الإيمان، ويكتب الإيمان في قلبه كما يقول سيد قطب في كلام له يقول: "هذا الدين لا يأتيه كل من يريده" وهو كما يقول أحد الدعاة العصريين: ليس زريبة بقر، فالدين ليس زريبة بقر يدخل فيه من يدخل ويخرج من يخرج، والدين لا يأتيه إلا من هو صادق، لأن الجنة حُفت بالمكارة، وحفت النار بالشهوات، فلا يأتي الدين إلا من هو صادق، أما الشهواني فلا يريد الدين؛ ولذلك لا يبتلى؛ لأنه قد سقط في أول الطريق. على ماذا يُبتلى الذي لا يصلي الفجر جماعة؟! على ماذا يبتلى الذي لا يعرف بيت الله، ولا يعرف القرآن، ولا يتمنى الشهادة، ولا يريد وجه الله؟!: ﴿ذَرْهُمْ يَأْكُلُوا وَيَتَمَتَّعُوا وَيُلْهِهِمُ الْأَمَلُ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ [الحجر:٣] ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الْأَنْعَامُ وَالنَّارُ مَثْوىً لَهُمْ﴾ [محمد:١٢] تماماً كالحيوانات، شهوات، وسهر، وغناء، ومجون، وبطون، وفروج، ولكن لا ابتلاء؛ لأنهم رسبوا في أول الطريق، ولا يزال الابتلاء بالعبد حتى يصل به مثاقيل الذر، وفي أثر: ﴿يتمنى الناس يوم القيامة أنهم قرضوا بالمقاريض يوم يرون المبتلين﴾ وقال أبو الدرداء: [[أول ما يدخل الجنة الحامدون الذين يحمدون الله في السراء والضراء]]. ويقول سبحانه: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ * الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [آل عمران:١٣٣ - ١٣٤]. فهذه من دروس الابتلاء، ومن ابُتلي عليه أن يكثر من قوله حسبنا الله ونعم الوكيل، ومن ترداد: لا حول ولا قوة إلا بالله، يقول ابن تيمية وذكره ابن القيم أيضاً في الوابل الصيب: "قال الله للملائكة: احملوا العرش، قالوا: لا نستطيع يا رب، قال: قولوا: لا حول ولا قوة إلا بالله، فلما قالوها حملوا العرش" ومنها: كثرة الاستغفار: ﴿وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ * فَهَزَمُوهُمْ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [البقرة:٢٥٠ - ٢٥١]. ومنها: التعلق بالقرآن والنوافل والدعاء، يقول ابن تيمية في المجلد الحادي عشر لما جعلوا له المناظرة في الإسكندرية وهو في بيت قال: "فأعددت في الليل من العبادة والدعاء ما ينبغي للمواجهة" ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ﴾ [الأنفال:٦٠] وقوة المؤمن أن يعد من الأذكار والأدعية ما ينبغي للمواجهة.

стр. 544

موقف المسلم من الشائعات السؤال كيف يقف المسلم أمام الشائعات المغرضة التي تنتشر؟ الجواب ذكر الله لنا منهجاً في القرآن أمام هذه الأخبار، يقول : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْماً بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ﴾ [الحجرات:٦] فأمرنا أن نتبين الأخبار، ومن حملها وماذا يحف بها، وما هي ملابساتها وما مقاصدها، ومن وراءها حتى نكون على بينة، قال سبحانه: ﴿وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ [الإسراء:٣٦] لا تَقْفُ: أي: لا تتبع ما لا تتأكد منه، وقيل أي: لا تنشر وقيل: أو لا تسأل عن شيء لا أصل له قال تعالى: ﴿إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولاً﴾ [الإسراء:٣٦] وهذا منهج واضح، والله يقول في سورة النور في شأن الصحابة الذين أخطئوا، وليسوا بمعصومين يوم تلقوا خبر الإفك قال سبحانه: ﴿إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ وَتَقُولُونَ بِأَفْوَاهِكُمْ مَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّناً وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ﴾ [النور:١٥] يقول: لماذا تتحدثون عن هذه الأخبار؟ أتشكون في الرسالة! أتشكون في الإسلام! أتشكون في القرآن! أتشكون أن الابتلاء وارد! لماذا تعينون هؤلاء؟ لأنهم يريدون القضاء على الإسلام وقد حققوا آمالهم بما يصبون إليه، وهو لا يريد منك صاحب الباطل وعدو الإسلام أن تموت فقط، ولا يريد منك أن تكون خصماً له تضربه ويضربك، هذا سهلٌ، لكن يريد أن يدمر دعوتك ورسالتك وإسلامك ومنهجك حتى ينتصر، فهذا هو المقصود؛ فلذلك لامهم حتى ذكر بعدها: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ [النور:١٩]. والناس قسمان: من أحب هذا ونشره وأفشاه وأشاعه، وتلذذ بذكره واستعاده في المجالس؛ ففي قلبه مرض وهو عدو للإسلام، وهو يريد أن تشيع الفاحشة، ويريد أن يلطخ الدين والإسلام والقرآن والرسالة، والقسم الآخر من قال: ﴿سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ﴾ [النور:١٦] وذَكَّره قلبه وقال: هذا إفك مبين؛ حينها هو صادق مؤمن إن شاء الله.

стр. 545

أسباب انتشار الشائعات السؤال لماذا انتشرت الشائعة أكثر من الآية والحديث؟ الجواب نعم. الآن كم تلقى من الدروس، وكم تلقى من المحاضرات، هل تنتشر كما تنتشر الشائعات؟ لا. وذلك لأسباب: أولها: أن الحق ثابت والباطل شاذ، والشاذ تنكره العقول، وينكره كل شيء، والناس ينكرون الشاذ، فإذا أتى خبر شاذ كان له شائعة. الأمر الثاني: أن إبليس يوزع أحفاده وأولياءه في الأرض، قال سبحانه: ﴿فَلا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران:١٧٥] وله خدمه من الأنس والجن، وله مراسلون ووكالات أنباء، وصحف، وله مذيعون يأخذون خبره: ﴿يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُوراً﴾ [الأنعام:١١٢] ثم قال سبحانه بعدها: ﴿وَلِتَصْغَى إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَلِيَرْضَوْهُ وَلِيَقْتَرِفُوا مَا هُمْ مُقْتَرِفُونَ﴾ [الأنعام:١١٣] يقول بعض المفكرين عن هذه الآية وهو موجود في شريط: ﴿وَلِتَصْغَى إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَلِيَرْضَوْهُ وَلِيَقْتَرِفُوا مَا هُمْ مُقْتَرِفُونَ﴾ [الأنعام:١١٣] قال: يحبونه، ويتلذذون بسماعه، وينشرونه في المجالس، وبعضهم يقول: يا ليته ما حدث! ويعلم الله أن في قلبه رجس فزاده رجساً إلى رجسه: ﴿وَلِتَصْغَى إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَلِيَرْضَوْهُ وَلِيَقْتَرِفُوا مَا هُمْ مُقْتَرِفُونَ﴾ [الأنعام:١١٣] أي: لينشروه وليرضوه وليقترفوا ما هم مقترفون، ويتحدى -أي: بلسان الحال- فماذا يفعلون، والإسلام باقٍ والحق باقٍ لبث قليلاً يشهد الهيجا حمل لا بأس بالموت إذا حان الأجل ولو أني بليت بهاشمي خئولته بنو عبد المدان لهان علي ما ألقى ولكن تعالوا فانظروا بمن ابتلاني رب من أنضجت حقداً قلبه قد تمنى لي موتاً لم يطع ويراني كالشجى في حلقه جلجلاً في حلقه ما ينتزع حسبنا الله ونعم الوكيل. سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين، وصلى الله على محمد، وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.

стр. 546

الإخلاص لله والصدق مع الله لا يخفى على المتأمل في الكتاب والسنة وكلام السلف الصالح ما خص به الإخلاص من اهتمام عظيم، والصحوة الإسلامية اليوم وهي تتلمس طريقها هي أحوج ما تكون إلى الإخلاص والصدق مع الله، فهو كفيل أن يجمع شملها، ويلم شعثها، ويسدد خطاها. وقد ذكر الشيخ في هذا الدرس ما يوجه القلوب إلى هذا العمل الصالح ويزكيها به، واهتم بالنقل عن السلف الصالح لما في قصصهم من أثر عظيم على القلوب.

стр. 547

منزلة الإخلاص اللهم لك الحمد خيراً مما نقول, وفوق ما نقول, ومثلما نقول, لك الحمد بالإيمان, ولك الحمد بالإسلام, ولك الحمد بمحمد رسول الله ﷺ , عز جاهك, وجل ثناؤك, وتقدست أسماؤك, ولا إله إلا أنت, في السماء ملكك, وفي الأرض سلطانك, وفي البحر عظمتك، وفي الجنة رحمتك, وفي النار سطوتك, وفي كل شيء حكمتك وآيتك. أنت رب الطيبين, لك الحمد حتى ترضى, ولك الحمد إذا رضيت, ولك الحمد بعد الرضا, والصلاة والسلام على من أرسلته معلماً وهادياً وبشيراً, وداعياً إلى الله بإذنه وسراجاً منيراً, بلغ الرسالة, وأدى الأمانة, ونصح الأمة, وجاهد في الله حتى أتاه اليقين, فصلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. أمَّا بَعْد: فسلام الله عليكم ورحمته وبركاته سلام عليكم يوم اجتمعت قلوبكم تطلب الإخلاص لله, وتطلب الصدق مع الله, فلا إله إلا الله مخلصين له الدين ولو كره الكافرون, ولا إله إلا الله نلقى بها ربنا ﵎، ليكفر بها سيئاتنا وخطايانا, ولا إله إلا الله نقف على عتبات رحمته نادمين، خاشعين، مذنبين، معترفين، لسان حالنا يقول: إن الملوك إذا شابت عبيدهم في رقهم عتقوهم عتق أبرار وأنت يا خالقي أولى بذا كرماً قد شِبْتُ في الرق فاعتقني من النار

стр. 548

الإخلاص أكبر قضايا التوحيد إن الإخلاص أكبر قضايا التوحيد, إن الإخلاص هو الباب الكبير الذي يدخل به العبد على الواحد الديان, إن الإخلاص هو الذي يبقي العمل موفوراً سليماً من العيوب والنواقص: ﴿يَوْمَ لا يَنْفَعُ مَالٌ وَلا بَنُونَ * إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ [الشعراء:٨٨ - ٨٩] يوم تتساقط الدعاوى والألقاب الأرضية وأوسمة التراب, وتبقى لا إله إلا الله قوية, وتبقى لا إله إلا الله سليمة, وتبقى لا إله إلا الله منجية لصاحبها. ولذلك كان معنى لا إله إلا الله أن تخلص العبادة لله, وكان معنى لا إله إلا الله أنك إذا سجدت أو ركعت أو سبحت أو دعوت أو تكلمت تكون عبداً لله, ظاهرك وباطنك يحمل العبودية للواحد الديان. جاء في كتاب الزهد للإمام أحمد أن رسول الله ﷺ قال: ﴿قال الله ﵎: عجباً لك يا بن آدم! خلقتك وتعبد غيري, ورزقتك وتشكر سواي, أتحبب إليك بالنعم وأنا غني عنك، وتتبغض إليّ بالمعاصي وأنت فقير إليّ! خيري إليك نازل, وشرك إليّ صاعد!﴾ وهذا مثل العبد الذي لا يتشرف بعبودية الله, ومن الذي لا يتشرف بعبودية الواحد الأحد؟! من الذي لا يتشرف بالإخلاص لله والصدق مع الله؟! ومما زادني شرفاًَ وفخراً وكدت بأخمصي أطأ الثريا دخولي تحت قولك يا عبادي وأن صيرت أحمد لي نبيا إننا نقف أمام موضوع الإخلاص خاشعين؛ لأنه موضوع رهيب وصعب وموضوع مرعب حقاً. يقول : ﴿أَلا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ﴾ [الزمر:٣] إي والله! ألا لله الدين الصافي النقي الذي يريده . ويقول سبحانه: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [البينة:٥] هل أمروا أن يكونوا مرائين؟ أو منافقين؟ أو مشركين؟ وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ * بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ﴾ [الزمر:٦٥ - ٦٦].

стр. 549

موسى وكلمة الإخلاص وقف موسى ﵇، قائد التوحيد في وجه إعصار الطغيان, موسى العقيدة, موسى لا إله إلا الله, موسى الذي حمل عصا التوحيد ليكسر بها رأس الضلالة والعمالة والجهالة فرعون الطاغية, فنادى ربه وكلمه كفاحاً: ﴿فقال: يا رب! علمني كلمة أدعوك بها وأناجيك. فقال الله: يا موسى! قل لا إله إلا الله -فتعجب موسى؛ لأن الكلمة معروفة ومشهورة- قال: يا رب! كل عبادك يقولون: لا إله إلا الله, فقال الله: يا موسى! لو أن السموات السبع وعامرهن غيري والأرضين في كفة, ولا إله إلا الله في كفة, مالت بهن لا إله إلا الله﴾ رواه الحاكم وابن حبان. فإذا علم أن معنى لا إله إلا الله أن تكون عبداً لله, لحمك وشحمك وعظمك وشعرك وعصبك ملئن نوراً من نور الله, لأن الله يريدك أن تكون عبداً له. ولذلك جاء في البخاري: من رواية ابن عباس وخباب قال: قال رسول الله ﷺ وهو ذاهب لصلاة الفجر: ﴿اللهم اجعل في قلبي نوراً, وفي سمعي نوراً, وفي بصري نوراً, وعن يميني نوراً, وعن شمالي نوراً, ومن أمامي نوراً, ومن خلفي نوراً, واجعل لي نوراً﴾ زاد البخاري في رواية: ﴿واجعل في عظمي نوراً, وفي دمي نوراً, وفي مخي نوراً, وفي بشري نوراً, واجعل لي نوراً﴾ فالنور هذا هو نور لا إله إلا الله, وهو قبس وضياء لا إله إلا الله.

стр. 550

أحاديث في فضل الإخلاص إن الأحاديث في الإخلاص كثيرة، منها:

стр. 551

حديث الثلاثة الذين تسعر بهم النار فهذا هو موضوع الإخلاص الذي يهاب الشخص أن يتكلم فيه, يقول شفي الأصبحي ﵀: دخلت المدينة فوجدت أبا هريرة ﵁ وأرضاه قد اجتمع عليه الناس حلقات بعضها دون بعض, فتقدمت إليه فقلت: يا أبا هريرة! أسألك بالله أن تحدثني حديثاً سمعته من رسول الله ﷺ لم تسمعه من غيره. قال: فبكى, ثم رفع رأسه وقال: والله لأحدثنك حديثاً سمعته من رسول الله ﷺ ما سمعته من غيره, ثم بكى حتى نشغ من البكاء, ثم رفع رأسه وقال: والله لأحدثنك حديثاً سمعته من رسول الله ﷺ ما سمعته من غيره, ثم بكى حتى نشغ, ثم رفع رأسه, وقال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ﴿أول من تسعر بهم النار يوم القيامة ثلاثة, قلنا: من هم يا رسول الله! خابوا وخسروا؟ قال: عالم علمه الله -وفي لفظ صحيح-قارئ علمه الله القرآن، يؤتى به يوم القيامة يجرجر حتى يقف أمام الله, فيقول الله: أما علمتك العلم؟ أما أقرأتك القرآن؟ فيقول: بلى يا رب! قال: فماذا فعلت؟ قال: علمت فيك، وأمرت بالمعروف ونهيت عن المنكر -ولكن الذي يعلم السر وأخفى ويطلع على القلوب, ويعلم الخفايا ويدرك الأمور هو الله قال: كذبت, وتقول الملائكة: كذبت, ثم يقول الله: بل تعلمت ليقال عالم فقد قيل؛ خذوه إلى النار فيسحبونه حتى يدهده على وجهه في النار, ويؤتى بالشجاع الذي قاتل في الثغور والجبهات, فيعرفه الله النعمة ويسأله أين بذلها؟ وفيم أنفقها؟ وأين أسداها؟ فيقول: فيك يا رب! قاتلت وقتلت, وهو في ظاهره شهيد -ولكن علم الله أنه لايريده في باطنه- فيقول الله: كذبت, وتقول الملائكة: كذبت, ويقول الله: إنما فعلت ليقال شجاع وقد قيل؛ خذوه إلى النار. فيسحب حتى يلقى على وجهه في النار -نسأل الله العافية- ثم يؤتى بالكريم -وما أدراك ما كريم الرياء والسمعة- فيقول الله: أما سودتك؟ أما خولتك؟ أما أعطيتك الأموال؟ فماذا فعلت فيها؟ فيقول: أطعمت الجائع, وكسوت العاري, وأنفقت على المسكين, وما تركت سبيلاً إلا أنفقت فيه. فيقول الله: كذبت، وتقول الملائكة: كذبت, ثم يقول الله: إنما فعلت ليقال: جواد وقد قيل, خذوه إلى النار﴾ وهذا حديث صحيح. فيا ويل من عمل لغير الله! ويا ويل من صلّى لغير الله يوم يبعثر ما في القبور، ويحصل ما في الصدور، يقول تعالى: ﴿وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَتَرَكْتُمْ مَا خَوَّلْنَاكُمْ وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ وَمَا نَرَى مَعَكُمْ شُفَعَاءَكُمُ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكَاءُ لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ وَضَلَّ عَنْكُمْ مَا كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ﴾ [الأنعام:٩٤] كل شيء عند الله مكشوف الجسد مكشوف, والقلب مكشوف, والتاريخ مكشوف, والسجل من الحسنات والسيئات مكشوف, جئنا إلى الله حفاة عراة غرلاً, كما بدأكم تعودون. فلذلك كان على العبد أن يطلب الثواب من الله, وأن يطلب الدرجات من الحي القيوم, فإنه الذي يبقى والناس يذهبون.

стр. 552

إنما الأعمال بالنيات وعن عمر ﵁ وأرضاه قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ﴿إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى, فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله, ومن كانت هجرته لدنيا يصيبها أو امرأة ينكحها فهجرته إلى ما هاجر إليه﴾ متفق عليه.

стр. 553

يا معاذ: أخلص عملك يكفك القليل وعن معاذ ﵁ وأرضاه قال: كان آخر ما ودعني به رسول الله ﷺ أن قال لي: ﴿يا معاذ! أخلص عملك يكفك القليل﴾ رواه الحاكم , وقَبِلَه المنذري وغيره.

стр. 554

نماذج من إخلاص صحابة النبي ﷺ إذا علم هذا، فتعالوا بنا لنقف أمام نماذج من أصحاب الرسول ﷺ , أخلصوا لله فرفعهم الله بالإخلاص, ورفعهم الله بالصدق معه.

стр. 555

إخلاص عمر بن الخطاب أكسبه الشهادة منهم: أمير المؤمنين عمر ﵁ وأرضاه, عمر الخليفة الزاهد الصادق المخلص، الذي يقف على المنبر وفي برده أربع عشرة رقعة, وهو يملك ذهب الأمة وفضتها وكنوزها, ويبقى جائعاً ليطلب الثواب والأجر من الله. عمر الذي يقول: [[يا ليتني كنت شجرة تعضد! يا ليت أمي لم تلدني!]]. وإذا كان هذا في سبيل الله, فأنعم وأكرم بمثله من عمر ﵁ وأرضاه! وقد سأل الله تعالى الشهادة في آخر حجة حجها, فإنه لما حج رفع يديه عند الجمرات، وقال دعاءً حاراً صادقاً فيه، طالباً من الله الشهادة، قال: [[اللهم إنها ضاعت رعيتي, ورق عظمي, ودنا أجلي, فاقبضني إليك غير مفرط ولا مفتون, اللهم إني أسألك شهادة في سبيلك، وموتة في بلد رسولك. فقال الصحابة: يا أمير المؤمنين! إن من يطلب الشهادة يخرج إلى الثغور, قال: هكذا سألت! وأسأل الله أن يلبي لي ما سألت]]. وعاد إلى المدينة صادقاً مخلصاً, وعلم الله صدقه وإخلاصه, ففي أول ليلة إذا به يرى في المنام رؤيا مبشرة رأى في منامه كما قال أهل العلم: ديكاً ينقره ثلاث نقرات, فسأل في الصباح أسماء بنت عميس الحثعمية , فقالت: يا أمير المؤمنين! استودع الله في نفسك الذي لا تضيع ودائعه, إنني أرى أنك تقتل بيد رجل من العجم. فأتى عمر في آخر جمعة يخطب, فما كان إلا البكاء على المنبر, يستودع الناس ويستبرئهم, ويطلب المسامحة والعفو, ويطلب منهم أن يتجاوزوا عما أخطأ, ولم يكن منه إلا الجميل. وفي صباح يوم السبت يأتي الصدق لأهل الصدق, والإخلاص لأهل الإخلاص؛ لأنه سأل الشهادة مخلصاً منيباً صادقاً مع الله, فيصلي الفجر ويقرأ سورة يوسف, وما أحسن سورة يوسف يا شباب الإسلام! وما أروعها! وما أقواها! يوم تربي في نفس الشبيبة التقوى, يوم تجعل لهم يوسف ﵇ علماً ومعلماً من معالم الذين ثبتوا على لا إله إلا الله, وأخلصوا للا إله إلا الله, فحفظهم الله في الخفاء بعين رعايته: ﴿فَاللَّهُ خَيْرٌ حَافِظاً وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾ [يوسف:٦٤]. ويركع أمير المؤمنين, وتمتد يد آثمة, ما سجد صاحبها لله سجدة, يد بغيضة ما ركع صاحبها لله ركعة, لتمزق الأديم الطاهر المجاهد العابد الزاهد. ضحوا بأشمط عنوان السجود به يقطع الليل تسبيحاً وقرآنا فيهوي في المحراب، وما أحسن الشهادة! وما أحسن الشهيد! وما أحسن البقعة! وما أحسن الصلاة! ويُرفع ﵁, وجذوة الصدق والإخلاص حية في قلبه, يرفعه الناس على أكتافهم, ودماؤه تسيل على أكتاف الرجال, ويذهب به إلى بيته, فيوضع في البيت, ويوضع تحت رأسه مخدة, فيقول للناس: أزيلوها عن رأسي, وضعوا رأسي على التراب, علّ الله أن يرحمني. رحمك الله يا أبا حفص رحمك الله يا فاروق الإسلام! رحمك الله أيها الصادق المخلص الذي قوى الله به الدين. قد كنت أعدى أعاديها فصرت لها بفضل ربك حصناً من أعاديها يا من يرى عمراً تكسوه بردته والزيت أدم له والكوخ مأواه يهتز كسرى على كرسيه فرقاً من خوفه وملوك الروم تخشاه قال: ضعوا خدي على التراب, لعل الله أن يرحمني, فوضعوه على التراب، ودخل أمير المؤمنين سيف الله المنتضى أبو الحسن علي بن أبي طالب , فقال: يا أمير المؤمنين! هنيئاً لك! والله لطالما سمعت رسول الله ﷺ يقول: ﴿جئت أنا وأبو بكر وعمر! ودخلت أنا وأبو بكر وعمر! وخرجت أنا وأبو بكر وعمر!﴾ فأسأل الله أن يحشرك مع صاحبيك, فدمعت عينا عمر , وقال: [[ليتني نجوت كفافاً لا لي ولا عليَّ]]. هذا وهم المجاهدون الصادقون, فقل لي بالله: ماذا فعلنا للإسلام؟ وقل لي بالله: ماذا قدمنا للا إله إلا الله؟ وقل لي بالله: ماذا ادخرنا عند الله؟ هل هناك جهاد؟ هل سكبنا دماءنا لرفع لا إله إلا الله؟ هل قطعت رءوسنا من أجل نصرة لا إله إلا الله؟ هل سهرنا نناجي من أنزل لا إله إلا الله؟ نحن برحمة الحي القيوم, ذنوب وخطايا وعيوب ونقص, لكن نسأل الله كما سترنا في الدنيا فلم يفضحنا أن يغفر لنا يوم أن نأتيه مذنبين نادمين في يوم لا ريب فيه. هذا هو الصدق, وقصة عمر رواها أصحاب الصحيح, ويأتي الصحابة الواحد تلو الآخر, وذاك بعد هذا, ليسجلوا صحفاً من نور, منحوتة في الصدور، من الصدق مع الله الواحد الأحد.

стр. 556

عبد الله بن جحش وسعد بن أبي وقاص يبايعان الله يقول سعيد بن المسيب ﵁ ورحمه الله رحمة واسعة، وهو الذي ما فاتته تكبيرة الإحرام في المحراب في الروضة ستين سنة، في مسجد رسول الله ﷺ . فقل لأهل المطاعم الشهية والمراكب الوطية والمساكن الرضية: أين تكبيرة الإحرام؟ وقل لأهل الملابس الجميلة, ولكل من له همم في الدنيا: أين تكبيرة الإحرام؟ وسعيد الذي لا يجد كسرة الخبز, يقول: ستين سنة ما فاتتني تكبيرة الإحرام. يقول -وهذا الحديث مرسل-: لما اجتمع أصحاب محمد ﷺ في أحد في معركة أحد الصادقة للصادقين, معركة أحد التي قدمها أصحاب محمد ﷺ قصيدة في جبين الزمن, ونجماً في سماء التاريخ, وقف الصحابة قبل ذاك وهم صفوف, صفوا للمعركة كما صفوا للصلاة. نحن الذين إذا دعوا لصلاتهم والحرب تسقي الأرض جاماً أحمرا جعلوا الوجوه إلى الحجاز فكبروا في مسمع الروح الأمين فكبرا وقبل المعركة قال سعد بن أبي وقاص ﵁ لـ عبد الله بن جحش: [[تعال نبايع الله هذا اليوم]]. إي والله! قال سبحانه: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْداً عَلَيْهِ حَقّاً فِي التَّوْرَاةِ وَالْأِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ﴾ [التوبة:١١١] لا أصدق من الله, ولا أوفى من الله, ولا أحق بالوفاء من الله, فهل تريدون الثواب من غير الله؟ قال سعد: يا عبد الله تعال نبايع الله هذا اليوم, فانزويا وراء أكمة, فرفع سعد يده وقال: اللهم انصرنا في هذا اليوم, اللهم أعل كلمتك, اللهم أيد دعوتك, فلما انتهى من الكلام تقدم عبد الله جحش أول أمير في الإسلام، الصابر على الجوع والعطش كما سماه ﷺ , وهو شاب في السادسة والعشرين, فيا أبناء السادسة والعشرين ويا أبناء الثلاثين أين المستقبل مع هذا الدين؟ أين الخدمة لهذا الدين؟ أين العيش في رحاب هذا الدين؟ فيتقدم ويرفع يديه لا يريد إلا إرضاء الله والجنة, لا يريد إلا تلك الرياض, ملّ من الدنيا, فارق الأحباب والأوطان, سافر إلى الحي القيوم فرفع يديه وقال: اللهم إني أسألك صادقاً مخلصاً هذا اليوم أن تواجه بيني وبين عدو لك من الكفار شديد حرده, قوي بأسه, فيقتلني فيك, فيبقر بطني, ويجدع أنفي, ويفقأ عيني, ويقطع أذني, فألقاك بهذه الصورة, فتقول لي: يا عبد الله لِمَ فُعِل بك هذا؟ فأقول: فيك يا رب! قال سعد بن أبي وقاص: فوالذي نفسي بيده لقد أتيته في آخر المعركة, وإنه لمقتول بين القتلى, مبقور بطنه, مجدوع أنفه, مفقوءة عيناه, مقطوعة أذناه, فقلت: أسأل الله أن يكمل له سؤاله. هذا هو الصدق، ويوم صدقوا مع الله أثابهم الله بالصدق, ولبى لهم ما سألوا.

стр. 557

أعرابي يصدق مع الله يأتي أعرابي من الصحراء، لكنه يفهم حرارة لا إله إلا الله, ويدرك عمق لا إله إلا الله, فما لنا اليوم نكررها, ولكن ليس لها ذلك الطعم؟ لأننا خالطناها بالمعاصي والمخالفات, وما يناقضها ﴿يأتي أعرابي فيقول: يا رسول الله! فيقول ﷺ : نعم. قال: أبايعك على لا إله إلا الله وأنك رسول الله, فيبايعه ﷺ , وتأتي الرسول ﷺ غنائم, فيعطي هذا الأعرابي منها, فيقول: يا رسول الله! ما على هذا بايعتك, قال: على ماذا بايعتني؟ قال: بايعتك على أن يأتيني سهم من عدو كافر, فيقع هنا ويخرج من هنا, فتدمعت عيناه ﷺ -لأنه أحس صدق هذا الأعرابي ووضوحه وإخلاصه- فقال له: إن تصدق الله يصدقك. وما أن انتهت المعركة إلا ويأتي سهم طائش, فيقع في لبة هذا الأعرابي ويخرج من قفاه, فيراه ﷺ مقتولاً, فيمسح التراب من وجهه ويقول: صدقت الله فصدقك الله﴾ إنه الصدق! إنه الإخلاص! إنه طلب ما عند الحي القيوم.

стр. 558

إخلاص عبد الله بن عمرو الأنصاري وإن ننس فلا ننسى قصة عبد الله بن عمرو الأنصاري , الذي أنزل الله فيه وفي إخوانه قوله ﵎: ﴿وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتاً بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ * فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ * يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ وَأَنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران:١٦٩ - ١٧١]. أتى عبد الله بن عمرو فصلَّى صلاة الليل قبل معركة أحد بليلة, قام فتهجد ورفع يديه يوم أن كان السلف الصالح يتهجدون, ويوم أن كانوا يناجون الله في الثلث الأخير في الساعات الحبيبة القريبة من الحي القيوم, يوم أن يتجلى الله, وينزل نزولاً يليق بجلاله إلى سماء الدنيا, فيقول: هل من سائل فأعطيه؟ هل من داعٍ فأجيبه؟ هل من مستغفر فأغفر له؟ فقام هذا الصحابي في هذه الساعة ودعا الله أن يوفقه للشهادة، فعلم الله صدقه وإخلاصه, ثم في الصباح قال لابنه جابر: يا بني! إني رأيت في المنام كأني مقتول غداً في المعركة, فعليك بأخواتك، وأستودعكم الله الذي لا تضيع ودائعه. وذهب إلى المعركة، واغتسل وتحنط وتكفن, ووقف في الصف صادقاً منيباً مخلصاً مع الله . وفي آخر المعركة أتى ابنه جابر فإذا أبوه مقطع أمام رسول الله ﷺ , وتأتي أخته, فتبكي وتقول: ﴿يا رسول الله! أهو في الجنة فأصبر وأحتسب، أم هو في غير ذلك؟ قال: أهبلت؟ أجننت؟ إنها لجنان كثيرة, وإن عبد الله في الفردوس الأعلى﴾. ثم قال رسول الله ﷺ : ﴿يا جابر! أتدري ماذا فعل الله بأبيك وإخوانه من الشهداء؟ قال: قلت لا أدري يا رسول الله! قال: والذي نفسي بيده لقد كلمهم كفاحاً بلا ترجمان، قال: تمنوا عليّ, قالوا: نتمنى أن تعيدنا إلى الدنيا, فنقتل فيك ثانية. فقال: إني كتبت على نفسي أنهم إليها لا يرجعون فتمنوا. قالوا: نتمنى أن ترضى عنا, فإنا قد رضينا عنك. قال: فإني قد أحللت عليكم رضائي فلا أسخط عليكم أبداً. فجعل الله أرواحهم في حواصل طير خضر, تَرِدُ الجنة, وتشرب من ماء الجنة, وتأكل من ثمار الجنة, وتأوي إلى قناديل معلقة بالسماء أو بالعرش حتى يرث الله الأرض ومن عليها﴾ قال ابن كثير ﵀: إسناد هذا الحديث حسن. فقد صدق ﵁ وأحسن, ولما صدق هؤلاء مع الله وفقهم الله.

стр. 559

أنس بن النضر يجد ريح الجنة ولا ننسى أنس بن النضر , وإنما نورد هذه النماذج لأنها حياة للقلوب, ومدد للأرواح، ومعالم في طريق اليقين يأتي أنس بن النضر ﵁ وأرضاه يوم أحد , فيخترق الصفوف كالسهم ماضياً إلى عاقبته المحمودة، وإلى الشهادة المطلوبة, فيرزقه الله الشهادة, بعد أن قال له سعد بن معاذ: يا أنس بن النضر! أبق على نفسك. قال: إليك عني يا سعد , والله إني لأجد ريح الجنة من دون أحد]] فيرزقه الله الشهادة, قال أنس بن مالك: [[والله ما عرفته إلا أخته ببنانه, ولقد رأينا فيه أكثر من سبعين ضربة، ما بين ضربة سيف أو طعنة برمح أو رمية بسهم]].

стр. 560

ذم الرياء والشهرة هؤلاء صدقوا مع الله , وعلم الله صدقهم وإخلاصهم فوفقهم للصدق, وينافي ذلك الرياء نعوذ بالله من الرياء! روى أهل الحديث بسند حسن عن معاذ ﵁ وأرضاه ﴿أنه وقف عند قبر رسول الله ﷺ فبكى, ومرّ به عمر فقال: ما لك يا معاذ؟ قال: حديث سمعته من رسول الله ﷺ أبكاني. قال: وما هو؟ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: طوبى للأخفياء الأغنياء الذين إذا حضروا لم يعرفوا, وإذا غابوا لم يفتقدوا﴾ فكانوا يذمون الشهرة التي يقصد منها الرياء والسمعة؛ لأنها تنافي الإخلاص, ولأن من يطلب ما عند الله لا يلتفت إلى ما عند الناس. وجاء عند ابن ماجة من حديث أبي هريرة بسند حسن قال: قال رسول الله ﷺ : ﴿ليأتين أقوام يوم القيامة بحسنات أمثال جبال تهامة يجعلها الله هباءً منثوراً. فقلنا: يا رسول الله! أمسلمون هم؟ قال: مسلمون. قلنا: أيصلون؟ قال: يصلون ويحجون ويعتمرون, ولهم من الليل مثلما لكم, لكنهم قوم إذا خلوا بمحارم الله انتهكوها﴾ أمام الناس عباد وزهاد ونساك, ولكنهم ذئاب في الظلام. وإذا خلوت بريبة في ظلمة والنفس داعية إلى الطغيان فاستحي من نظر الإله وقل لها إن الذي خلق الظلام يراني

стр. 561

أثر الإخلاص إن مما رفع علماءنا وسلفنا الصالح إخلاصهم وصدقهم مع الله, وكل شيء ينتهي إلا الصدق, فإنه ثابت مع صاحبه, مؤنس له في قبره.

стр. 562

قصة عبد الغني المقدسي روى صاحب طبقات الحنابلة: أن عبد الغني المقدسي المحدث الشهير النحرير, كان مسجوناً في بـ بيت المقدس في فلسطين , فقام من الليل صادقاً مع الله مخلصاً, فأخذ يصلي, ومعه في السجن قوم من اليهود والنصارى, فأخذ يبكي حتى الصباح, فلما أصبح الصباح, ورأى أولئك النفر هذا الصادق العابد المخلص, ذهبوا إلى السجان, وقالوا: أطلقنا فإنا قد أسلمنا, ودخلنا في دين هذا الرجل, قال: ولِمَ؟ أدعاكم للإسلام؟ قالوا: ما دعانا للإسلام, ولكن بتنا معه في ليلة ذكرنا بيوم القيامة! كانت دَعْوَتُهم بإخلاصهم وبعبادتهم وبنسكهم.

стр. 563

رؤية أيوب السختياني تذكرِّ بالله قال أهل العلم في ترجمة أيوب بن أبي تميمة السختياني: كان إذا خرج إلى السوق ورأى الناس وجهه, قالوا: لا إله إلا الله. لأنهم يُذكرون برؤيتهم الحي القيوم, ما كان يتحدث ولا يدعو, وإنما كان يخرج على الناس, فإذا رآه الناس قالوا: لا إله إلا الله, وكان يحفظ الله عباده بالصدق والإخلاص.

стр. 564

إخلاص الإمام أحمد وصدقه وما حفظ الإمام أحمد في المحنة إلا بالصدق والإخلاص، وهو القائل: الإخلاص سيف إذا وضع على جرح برئ بإذن الله؛ لأنه دواء وعلاج. دخل الإمام أحمد السجن، وعلم الله أنه صادق، ومكث في السجن ثمانية وعشرين شهراً, صائماً نهاره, قائماً ليله, صادقاً مع مولاه, ما أكل للسلطان لقمة, ولا شرب للمعتصم شربة, وإنما بقي صادقاً مع لا إله إلا الله, فجعل الله الرفعة لأهل لا إله إلا الله, وجعل الخزي لأهل البدع الذين حاربوا لا إله إلا الله. أتي به فعرض على السيف خمس مرات, فأبى أن يلين, وأبى أن يهادن, وأبى أن يستسلم لأنه صادق, والصادق لم يكن له أن يستسلم, يقولون: أَلِن في الكلام اقرب في الخطاب! فيأبى ويصبح بقوة الله أسداً هصوراً. ولما حضرته الوفاة قال: اللهم سامح من شتمني, اللهم سامح من سجنني وضربني إلا صاحب البدعة -يعني ابن أبي دؤاد - فعذبه واحبسه في جسده, فكان جزاء الصدق مع الله أن ينكل الله بعدو هذا الصادق, فيحبس أحمد بن أبي دؤاد في جسده، ويصاب بمرض الفالج, نصفه يابس ميت, والنصف الآخر حي, قال له زواره وعواده: كيف تجدك؟ قال: دعوة أحمد بن حنبل وصلتني في هذه الحياة الدنيا, قالوا: وكيف؟ قال: دعا عليّ أن أحبس في جسمي, فأما نصفه فقد مات منذ زمن, والله ما أحس به ولو قطع بالمناشير, وأما نصفي الآخر فوالله لو وقع ذباب لآلمني ألماً أشد من ألم القتل. أو كما قال. ودعا الإمام أحمد على عدوه الآخر ابن زيات فنكل الله به, وقطعت يده وحبس, لأن الصادق لا بد أن يخرجه الله, ولا بد أن ينجيه الله .

стр. 565

أصبع محمد بن واسع خير من ألف سيف وهذا محمد بن واسع الأزدي، العابد الذي يقول له تلاميذه: لماذا لا تتكئ؟ فقال: أنا خائف والخائف لا يتكئ, إنما يتكئ من أمن عذاب الله! قالوا: فمتى تأمن؟ قال: لا آمن حتى أدخل الجنة. حضر فتح كابول، التي فقدت من أيدينا يوم أن نقص صدقنا وإخلاصنا مع الله, التي ذهبت من أيدينا يوم لم نرفع لا إله إلا الله كما ينبغي كابول التي فتحها العباد الزهاد, والتي وقف على شرفاتها وعلى روابيها محمد بن واسع مع جيش قتيبة بن مسلم. وكان في برنامج محمد بن واسع أن يصوم كل يوم, وأن يصلي لله ما يقارب أربعين ركعة, وأن يستغفر كذا من المئات التي يفتح الله بها عليه, ثم هو في تذكر لقاء الله حضر المعركة مجاهداً مستبشراً بفتح الله ونصره, ولما التقى أهل الإسلام وأهل الأصنام؛ أهل لا إله إلا الله وأعداء لا إله إلا الله؛ التقى أهل الحق وأهل الباطل, قال قتيبة بن مسلم: يا معشر الناس! أين محمد بن واسع الأزدي؟ قالوا: لا ندري. فقال: أسألكم بالله أن تبحثوا لي عنه -ذكر هذا ابن كثير - فذهبوا يبحثون عنه, فوجدوه قد صلَّى صلاة الضحى, ووقف على رمحه رافعاً أصبعه يقول: يا حي يا قيوم! يا حي يا قيوم! يا حي يا قيوم! فعادوا إلى قتيبة بن مسلم فأخبروه, فقال: الحمد لله أبشروا بالنصر! والله الذي لا إله إلا هو لأصبع محمد بن واسع خير عندي من ألف سيف شهير وألف شاب طرير. وانتصر المسلمون, وتقدم قتيبة بن مسلم يوم أن كان صادقاً مع الله, فرأى أصنام داهر , وأتباعه الكفرة في كابول , وهي بالذهب محلاة, فقالوا: خذها كنوزاً لك في بيت مال المسلمين, فقال: لا والله! لا يدخل بيت مال المسلمين كنز عُبد من دون الله ولو كان ذهباً, حرقوها بالنار فنسفوها بالنار ولذلك يقول إقبال: كنا نرى الأصنام من ذهب فنهدمها ونهدم فوقها الكفارا لو كان غير المسلمين لصاغها حلياً وحاز الكنز والدينارا فهؤلاء الصادقون مع الله, والمخلصون لله, نصرهم الله, وحفظهم ووقاهم لصدقهم معه . يا واهب الآمال أنت حفظتني ورعيتني وعدا الظلوم عليّ كي يجتاحني فمنعتني فانقاد لي متخشعاً لما رآك نصرتني إنه حفظه لأوليائه؛ حِفظهم كما يقول ابن رجب: من العدو الظاهر والعدو الباطن من المعاصي والمخالفات.
следующие страницы →