Полный текст (10 391 стр.). Показаны 561–600 · переход к 566.
стр. 561
أثر الإخلاص
إن مما رفع علماءنا وسلفنا الصالح إخلاصهم وصدقهم مع الله, وكل شيء ينتهي إلا الصدق, فإنه ثابت مع صاحبه, مؤنس له في قبره.
стр. 562
قصة عبد الغني المقدسي
روى صاحب طبقات الحنابلة: أن عبد الغني المقدسي المحدث الشهير النحرير, كان مسجوناً في بـ بيت المقدس في فلسطين , فقام من الليل صادقاً مع الله مخلصاً, فأخذ يصلي, ومعه في السجن قوم من اليهود والنصارى, فأخذ يبكي حتى الصباح, فلما أصبح الصباح, ورأى أولئك النفر هذا الصادق العابد المخلص, ذهبوا إلى السجان, وقالوا: أطلقنا فإنا قد أسلمنا, ودخلنا في دين هذا الرجل, قال: ولِمَ؟ أدعاكم للإسلام؟ قالوا: ما دعانا للإسلام, ولكن بتنا معه في ليلة ذكرنا بيوم القيامة! كانت دَعْوَتُهم بإخلاصهم وبعبادتهم وبنسكهم.
стр. 563
رؤية أيوب السختياني تذكرِّ بالله
قال أهل العلم في ترجمة أيوب بن أبي تميمة السختياني: كان إذا خرج إلى السوق ورأى الناس وجهه, قالوا: لا إله إلا الله.
لأنهم يُذكرون برؤيتهم الحي القيوم, ما كان يتحدث ولا يدعو, وإنما كان يخرج على الناس, فإذا رآه الناس قالوا: لا إله إلا الله, وكان يحفظ الله عباده بالصدق والإخلاص.
стр. 564
إخلاص الإمام أحمد وصدقه
وما حفظ الإمام أحمد في المحنة إلا بالصدق والإخلاص، وهو القائل:
الإخلاص سيف إذا وضع على جرح برئ بإذن الله؛ لأنه دواء وعلاج.
دخل الإمام أحمد السجن، وعلم الله أنه صادق، ومكث في السجن ثمانية وعشرين شهراً, صائماً نهاره, قائماً ليله, صادقاً مع مولاه, ما أكل للسلطان لقمة, ولا شرب للمعتصم شربة, وإنما بقي صادقاً مع لا إله إلا الله, فجعل الله الرفعة لأهل لا إله إلا الله, وجعل الخزي لأهل البدع الذين حاربوا لا إله إلا الله.
أتي به فعرض على السيف خمس مرات, فأبى أن يلين, وأبى أن يهادن, وأبى أن يستسلم لأنه صادق, والصادق لم يكن له أن يستسلم, يقولون: أَلِن في الكلام اقرب في الخطاب! فيأبى ويصبح بقوة الله أسداً هصوراً.
ولما حضرته الوفاة قال: اللهم سامح من شتمني, اللهم سامح من سجنني وضربني إلا صاحب البدعة -يعني ابن أبي دؤاد - فعذبه واحبسه في جسده, فكان جزاء الصدق مع الله أن ينكل الله بعدو هذا الصادق, فيحبس أحمد بن أبي دؤاد في جسده، ويصاب بمرض الفالج, نصفه يابس ميت, والنصف الآخر حي, قال له زواره وعواده: كيف تجدك؟ قال: دعوة أحمد بن حنبل وصلتني في هذه الحياة الدنيا, قالوا: وكيف؟ قال: دعا عليّ أن أحبس في جسمي, فأما نصفه فقد مات منذ زمن, والله ما أحس به ولو قطع بالمناشير, وأما نصفي الآخر فوالله لو وقع ذباب لآلمني ألماً أشد من ألم القتل.
أو كما قال.
ودعا الإمام أحمد على عدوه الآخر ابن زيات فنكل الله به, وقطعت يده وحبس, لأن الصادق لا بد أن يخرجه الله, ولا بد أن ينجيه الله .
стр. 565
أصبع محمد بن واسع خير من ألف سيف
وهذا محمد بن واسع الأزدي، العابد الذي يقول له تلاميذه: لماذا لا تتكئ؟ فقال: أنا خائف والخائف لا يتكئ, إنما يتكئ من أمن عذاب الله! قالوا: فمتى تأمن؟ قال: لا آمن حتى أدخل الجنة.
حضر فتح كابول، التي فقدت من أيدينا يوم أن نقص صدقنا وإخلاصنا مع الله, التي ذهبت من أيدينا يوم لم نرفع لا إله إلا الله كما ينبغي كابول التي فتحها العباد الزهاد, والتي وقف على شرفاتها وعلى روابيها محمد بن واسع مع جيش قتيبة بن مسلم.
وكان في برنامج محمد بن واسع أن يصوم كل يوم, وأن يصلي لله ما يقارب أربعين ركعة, وأن يستغفر كذا من المئات التي يفتح الله بها عليه, ثم هو في تذكر لقاء الله حضر المعركة مجاهداً مستبشراً بفتح الله ونصره, ولما التقى أهل الإسلام وأهل الأصنام؛ أهل لا إله إلا الله وأعداء لا إله إلا الله؛ التقى أهل الحق وأهل الباطل, قال قتيبة بن مسلم: يا معشر الناس! أين محمد بن واسع الأزدي؟ قالوا: لا ندري.
فقال: أسألكم بالله أن تبحثوا لي عنه -ذكر هذا ابن كثير - فذهبوا يبحثون عنه, فوجدوه قد صلَّى صلاة الضحى, ووقف على رمحه رافعاً أصبعه يقول: يا حي يا قيوم! يا حي يا قيوم! يا حي يا قيوم!
فعادوا إلى قتيبة بن مسلم فأخبروه, فقال: الحمد لله أبشروا بالنصر!
والله الذي لا إله إلا هو لأصبع محمد بن واسع خير عندي من ألف سيف شهير وألف شاب طرير.
وانتصر المسلمون, وتقدم قتيبة بن مسلم يوم أن كان صادقاً مع الله, فرأى أصنام داهر , وأتباعه الكفرة في كابول , وهي بالذهب محلاة, فقالوا: خذها كنوزاً لك في بيت مال المسلمين, فقال: لا والله! لا يدخل بيت مال المسلمين كنز عُبد من دون الله ولو كان ذهباً, حرقوها بالنار فنسفوها بالنار ولذلك يقول إقبال:
كنا نرى الأصنام من ذهب فنهدمها ونهدم فوقها الكفارا
لو كان غير المسلمين لصاغها حلياً وحاز الكنز والدينارا
فهؤلاء الصادقون مع الله, والمخلصون لله, نصرهم الله, وحفظهم ووقاهم لصدقهم معه .
يا واهب الآمال أنت حفظتني ورعيتني
وعدا الظلوم عليّ كي يجتاحني فمنعتني
فانقاد لي متخشعاً لما رآك نصرتني
إنه حفظه لأوليائه؛ حِفظهم كما يقول ابن رجب: من العدو الظاهر والعدو الباطن من المعاصي والمخالفات.
стр. 566
صلة بن أشيم والأسد
روى أهل التاريخ والسير والرقائق والتراجم بأسانيد صحيحة كالنجوم: أن صلة بن أشيم ﵁ وأرضاه حضر معركة في الشمال مع جيش الإسلام, فلما أظلم الليل عليه خلا بالله في ليلة عامرة بالذكر والمناجاة ولذلك يقول في الحديث القدسي: ﴿أنا جليس من ذكرني﴾ فقام يصلي ويدعو, ويناجي ربه ومولاه حتى أظلم عليه الليل, قال أحد أصحابه: فرقيت شجرة من حيث أراه ولا يراني, وإذا بالأسد يخترق الغابة إلى صلة بن أشيم , فيقف بجانبه وهو يصلي لله الواحد الأحد, جعل بينه وبين الله صلات يوم أن تقطعت صلات الذين لا يريدون وجه الله, يوم أن تقطعت وشائجهم وأعراقهم؛ لأنهم أرادوها لغير الله فلما انتهى من صلاته نظر إلى الأسد وقال: يا حيدرة! -وحيدرة من أسماء الأسد- إن كنت أمرت بقتلي أو بأكلي فتقدم, وإن كنت لم تؤمر بذلك فاذهب في أرض الله, واتركني أناجي الله.
قال: فزأر الأسد زئيراً كاد يخلع قلبي، ثم انطلق, واستمر صلة في صلاته، فلما أصبحنا رأيت من الفتور والكسل ما الله به عليم, ورأيت صلة وجهه كفلقة القمر ليلة أربعة عشر.
стр. 567
الحسن البصري يصف الصادقين
قيل للحسن البصري: ما للصادقين المخلصين وجوههم مضيئة نيرة؟ قال: خلوا بنور الله في الظلام فأكسبهم نوراً من نوره.
وبالمقابل الذين لا يصدقون مع الله ولا يريدون وجهه تتساقط أعمالهم أحوج ما يكونون إليها, وتذهب سدى، قال الله تعالى: ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُوراً﴾ [الفرقان:٢٣].
стр. 568
معاوية بن أبي سفيان يتأثر لسماع حديث الثلاثة الذين تسعر بهم النار
قال شفي الأصبحي: دخلت على معاوية بن أبي سفيان ﵁ وأرضاه فقال: حدثني حديثاً يا شفي سمعته من أبي هريرة.
قال: فحدثنه بالنفر الثلاثة -العالم والجواد والشجاع- الذين تسعر بهم النار, لأنهم ما أرادوا وجه الله, قال: فلما انتهيت من حديثي بكى بكاءً طويلاً, ثم مرغ وجهه في التراب, وقال: صدق الله: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لا يُبْخَسُونَ * أُولَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ إِلَّا النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [هود:١٥ - ١٦] فنسأل الله ألا يحبط أعمالنا وأعمالكم, وأن يحفظها عنده.
стр. 569
ذكر الموت وأثره في الإخلاص
إن المخلص يتذكر إخلاصه يوم أن تأتيه الوفاة, ويراجع حسابه, وكثير من الناس ينام حتى تأتيه سكرة الموت, وكثير من الناس في سكار, وفي خُمار, فلا يستفيق إلا على رنة الموت وضربته, فيراجع حسابه, ويندم ولات ساعة مندم! ساعة الموت التي يذعن فيها الجبار, ويلين فيها المتكبر, ويسلم فيها الكافر, ولكن أنى له ذلك؟! ﴿آلْآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ﴾ [يونس:٩١].
стр. 570
عمرو بن العاص في ساعة الاحتضار
جاء في صحيح مسلم عن شفي المهري قال: [[حضرنا عمرو بن العاص ﵁ وأرضاه وهو في سكرات الموت وهو في مصر , فاشتدت عليه سكرات الموت وجاء في غير الصحيح: قال له ابنه عبد الله: يا أبتاه! إنك كنت تسألني ما هو شدة الموت وأنت في الحياة, فأنت اليوم أحسن من يصف الموت, فصف لي الموت؟ قال: يا بني! والله الذي لا إله إلا هو لكأن جبال الدنيا على صدري, وكأني أتنفس من ثقب إبرة قال شفي فحضرناه وهو في سكرات الموت, وقبل أن تفيض روحه حول وجهه إلى الحائط, وأخذ يبكي بكاءً طويلاً, وينتحب انتحاباً شديداً, ثم التفت إلينا, وابنه عبد الله يحسِّن ظنه بالله, ويقول: يا أبتاه! أما أسلمت؟ أما هاجرت؟ أما جاهدت؟ وكل ذلك لا يزيد p=١٠٠٠٢٠٢>> عمرو بن العاص إلا بكاءً, فيقول ﵁ وأرضاه وقد قلص الدمع من عينيه: يا بني! إني عشت حياتي على طباقٍ ثلاث: أما الطبق الأول فكنت في الجاهلية, لا أعرف الإسلام, وكان أبغض الناس إليّ رسول الله ﷺ , ولو تمكنت منه على تلك الحال لقتلته, ولو مت على تلك الحال لكنت من جثي جهنم, ثم أسلمت, وقدمت على رسول الله ﷺ في المدينة فلما رآني هش وبش في وجهي]]
ما أحسن هذه الكلمات! ما أحسن (هش وبش) للدعاة وللصالحين وللأخيار! قال تعالى: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾ [آل عمران:١٥٩] ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم:٤] وقال: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة:١٢٨].
قال عمرو: ﴿فلما جلست قلت: يا رسول الله! مد يدك لأبايعك, فمد ﵊ يده الشريفة, فلما بسط يده قبضت يدي, قال: ما لك يا عمرو؟ قلت: أشترط, فتبسم ﷺ وقال: تشترط ماذا؟ قلت: أشترط أن يغفر لي ربي ذنبي قال: يا عمرو أما تدري أن الإسلام يهدم ما قبله, وأن التوبة تجب ما قبلها﴾ قال: فأسلمت, فوالله ما كان من أحد أحب إليّ من رسول الله ﷺ , ووالله ما ملأت عيني منه, ووالله لو سألتموني الآن أن أصفه ما استطعت أن أصفه, فلو مت على تلك الحالة لكنت أرجو أن أكون من أهل الجنة, ثم لعبت بي الدنيا ظهراً لبطن, فوالله لا أدري أيؤمر بي إلى الجنة أم يؤمر بي إلى النار, ولكن إذا مت فشدوا عليّ أزراري فإني مخاصم, وفي رواية في الصحيح: فامكثوا على قبري قدر ما تنحر جزور وتقسم, ثم ما عندي من عمل ألقى به الله إلا (لا إله إلا الله محمد رسول الله) ثم قبض يده عدا أصبعه السبابة ليلقى الله بيده وهي تحمل لا إله إلا الله للصادقين.
فيا بشرى من صدق مع الله! ويا بشرى من أخلص لله! لأن كل عمل لا يراد به الله يذهب وينتهي وينقضي, ويبقى ما لله ﵎، ويوفى الصادقون بصدقهم عنده ﵎.
стр. 571
عبد الله بن المبارك يتذكر ظلمة القبر
ومن الصادقين في السلف الصالح عبد الله بن المبارك، الذي يقول عنه الذهبي في سير أعلام النبلاء: أمير الأتقياء في عهده.
كان صادقاً مخلصاً منيباً علم الله صدقه, فبلغه الله ما تمنى من القبول, ومن الخير ومن الثبات والسداد, وبقدر ما يصدق العبد مع الله يرزقه الله الصدق.
يقول أحد تلاميذه وهو يروي صدقه وخشوعه وخشيته: سافرنا مع ابن المبارك , فقلت في نفسي: يا عجباً! هذا ابن المبارك يصلي كصلاتنا ويصوم كصيامنا ويتلو القرآن كتلاوتنا؛ فماهو الذي رفعه؟ -رفعه الإخلاص والصدق والخبيئة، وحسن السريرة مع الواحد الأحد- قال: فكنا في ليلة مظلمة, وقد انطفأ علينا السراج, فذهبنا نلتمس سراجاً ونوراً, فأتينا إليه وهو جالس في البيت, وإذا دموعه تنزل من رأس لحيته, فقلنا: ما لك يا أبا عبد الرحمن؟ قال: تذكرت والله بهذه الغرفة المظلمة القبر وما أدراك ما القبر؟! وما أدراك ما ظلمة القبر؟! وما أدراك ما تلك الحفرة؟!
أبني أبينا نحن أهل منازل أبداً غراب البين فيها ينعقُ
نبكي على الدنيا وما من معشر جمعتهم الدنيا فلم يتفرقوا
أين الأكاسرة الجبابرة الألى كنزوا الكنوز فلا بقين ولا بقوا
من كل من ضاق الفضاء بجيشه حتى ثوى فحواه لحد ضيقُ
خرس إذا نودوا كأن لم يعلموا أن الكلام لهم حلال مطلقُ
فالموت آتٍ والنفوس نفائس والمستعز بما لديه الأحمقُ
قال: ذكرت والله بهذه الظلمة ظلمة القبر فبكيت, قال التلميذ: هذا الذي رفعك عنا.
إنها خبيئة الصدق وسريرة الإخلاص للحي القيوم, ولذلك لما سافر ابن المبارك لقتال الكفار ترك الحرم والفتوى؛ فقال له الناس: أتترك الإفتاء وتذهب إلى الجهاد؟ فقال: خلوا عني, ثم قال:
بغض الحياة وخوف الله أخرجني وبيع نفسي بما ليست له ثمنا
إني وزنت الذي يبقى ليعدله ما ليس يبقى فلا والله ما اتزنا
وكان في ليلة واحدة يردد: ﴿أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ * حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ﴾ [التكاثر:١ - ٢] إلى الصباح, ويأتي الصباح وإذا هو من أشجع الفرسان.
كن كالصحابة في زهد وفي ورع القوم هم ما لهم في الناس أشباهُ
عباد ليل إذا جن الظلام بهم كم عابد دمعه في الخد أجراهُ
وأسد غاب إذا نادى الجهاد بهم هبوا إلى الموت يستجدون رؤياهُ
يارب فابعث لنا من مثلهم نفراً يشيدون لنا مجداً أضعناهُ
يشيدون لنا إسلاماً فرطنا فيه, وقرآناًَ ضيعناه ونسيناه, ومعالم من الهداية تركناها وجفوناها, ومساجد هجرناها, وحلقات علم قاطعناها, فابعث من أمثالهم نفراً يشيدون لنا مجداً أضعناه, وجنينا عليه، وخناه، وصارمناه, وما كان هذا ينبغي لنا, لأننا من سلالة الأخيار, من الذين وزعوا على المعمورة لا إله إلا الله، وأنتجوا للبشرية أروع مثل, وأحسن تاريخ, وأنبل عقيدة, فمالنا ننزوي الآن خجلاً؟ أصابنا خجل وحياء, لئلا نبلغ لا إله إلا الله, أصبحنا في آخر الركب متأخرين يوم فاتنا الصدق والإخلاص مع الله، وأصبحنا نستذل يوم لم نصدق مع الحي القيوم.
كان ابن المبارك عالم يفتي على المنبر, ومتحدث يعظ, ومربٍ يربي, ومدرس يدرس, ولكنه مجاهد يضرب رءوس الأعداء بسيف الله, تأتيه رسالة من الفضيل يلومه فيها على الخروج وترك الحرم, فيرد عليه بقصيدة حارة, لقد كان يجيد القصائد القوية الصادقة المخلصة, ويقول للفضيل:
يا عابد الحرمين لو أبصرتنا لعلمت أنك بالعبادة تلعبُ
ليست العبادة فقط الجلوس في الروضة وترك شئون الأمة وأخلاقها ومعاملاتها وما تحتاجونه، وليست العبادة أن نرفع رءوسنا بالتكبير وبالحمدلة فحسب:
يا عابد الحرمين لو أبصرتنا لعلمت أنك بالعبادة تلعبُ
من كان يخضب خده بدموعه فنحورنا بدمائنا تتخضبُ
ألا إن الدم الصادق المخلص أغلى عند كل مسلم من الدمع, ألا إن الذي يبكي مهما بكى, فإن دم المجاهد ودم من صدق مع الله، وأراد الله أغلى من الدموع, فليعلم ذلك.
هؤلاء قوم رفعهم الله بالصدق والإخلاص، يقول ابن مسعود ﵁ وأرضاه للتابعين: [[والله لقد كان أصحاب محمد ﷺ أقل منكم صلاة وصياماً, ولكنهم أكثر صدقاً وإخلاصاً لله]] قال الله جل شأنه: ﴿لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً﴾ [الملك:٢] فأصدق مع الله وأخلص لله، وأطلب ثواب الله.
стр. 572
تعريفات للإخلاص والصدق من كلام السلف
قيل للفضيل: ما هو الإخلاص؟ قال: أن يكون العمل خالصاً لوجه الله، وأن يكون تابعاً لسنة الرسول ﷺ .
وقالوا في الصدق: هو أن تطلب ثوابك من الله, وقالوا فيه: أن تستوي سريرتك وعلانيتك.
وقالوا فيه: ألاَّ ترى محاسباً إلا الله، ولا ترى مثيباً على عملك إلا الله.
وقالوا فيه: أن يكون بينك وبين الله رقابة.
كأن رقيباً منك يرعى خواطري وآخر يرعى مسمعي وجناني
وقالوا في الصدق أيضاً: هو أن تقطع في سبيل الله وأن تتبسم بفتح الله.
وقالوا فيه: هو أن تبذل من نفسك ما تبذله صادقاً وأن تخجل من عملك.
وقالوا فيه: هو أن تفعل العبادة, ثم تستغفر من تقصيرك ونقصك وعيبك في عبادتك لله.
وقالوا فيه: هو أن إذا وقفت أمام الله في عبادة نسيت كل من دون الله فالله الله في الصدق!
أسأل الله أن يوفقني وإياكم إلى الصدق والإخلاص في سبيله , وإلى طلب مرضاته, اللهم إنا وقفنا على أبوابك, ورفعنا أيدينا إليك, يا من لا يسدل حجابه, ولا يرد طلابه, اللهم فارزقنا إخلاصاً من عندك يا رب العالمين! وصدقاً من لدنك, تفيض به على قلوبنا, وتغيث به أرواحنا, اللهم فاجعلنا من الصادقين المخلصين المنيبين.
اللهم بعلمك الغيب, وبقدرتك على الخلق, أحينا ما كانت الحياة خيراً لنا, وتوفنا إذا كانت الوفاة خيراً لنا, اللهم إنا نسألك خشيتك في الغيب والشهادة, ونسألك كلمة الحق في الغضب والرضا, ونسألك القصد في الغنى والفقر, ونسألك لذة النظر إلى وجهك, والشوق إلى لقائك, في غير ضراء مضرة, ولا فتنة مضلة, برحمتك يا أرحم الرحمين.
سبحان ربك رب العزة عما يصفون, وسلام على المرسلين, والحمد لله رب العالمين, وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.
стр. 573
الأسئلة
стр. 574
الرياء وعلاجه
السؤال
فضيلة الشيخ! إنني أشتكي من مرض -أعاذنا الله منه- وهو الرياء, فأقوم أحياناً بأعمال حسنة, فإذا رأيت بعض الإخوة الصالحين المهتدين أشعر أني عملت هذا العمل رياءً وليس لله, وإني أخشى الله كثيراً, ولكن كلما أقدمت على عمل صالح شعرت بالرياء, فماذا أفعل جزاكم الله خيراً؟
الجواب
كما سمعتم شكوى الأخ من الرياء، وكلنا ذاك الرجل, ومن لوازم إسلامك -أيها المسلم- أن تخاف من الرياء, فإنه لا يخاف النفاق والرياء إلا مؤمن ولا يأمنه إلا منافق, وهذه المقولة أوردها البخاري في صحيحه في كتاب الإيمان عن الحسن موقوفة عليه ﵁ وأرضاه, قال: [[ما خافه إلا مؤمن وما أمنه إلا منافق]].
فمن لوازم إسلامك وإيمانك أن تكون حريصاً متحذراً خائفاً دائماً من الرياء, فإن من أمن الرياء وقع فيه, فإن من الأدلة على خيريتك وعلى إقبالك وحسن صدقك مع الله أنك تخاف الرياء, ولكن هذا لا يعني أن العلاج والدواء أن ينتظر العبد ويقول: أخاف الرياء، وهو واقع فيه! بل عليه أن يتوب ويستغفر، وأن تثبت في ذهنه قضايا:
١ - أن الذي ينفع ويضر هو الواحد الأحد, وأن غيره لا يملك له نفعاً ولا ضراً ولا موتاً ولا حياةً ولا نشوراً ولا تصريفاً ولا تدبيراً, فهو الذي بيده مقاليد الأمور, فاطلب أجرك وثوابك منه, ولا تطلب من غيره .
٢ - أن تنظر إلى الناس على أنهم بشر كما سلف, وأنه ليس بأيديهم من مقاليد الأمور شيء, وأن الله استأثر بالنفع والضر, وكل ما يجلب لك من خير فمن الله, وما يصيبك فمن الله, وهذه هي العقيدة التي أملاها ﷺ لـ ابن عباس كما في الترمذي: ﴿وإذا سألت فاسأل الله, وإذا استعنت فاستعن بالله, واعلم أن الأمة لو اجتمعوا على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك, وإن اجتمعوا على أن يضروك بشيء لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك، رفعت الأقلام وجفت الصحف﴾.
٣ - عليك أن تدعو دائماً بكفارة الشرك والرياء، وهو ما صح عنه ﷺ من قوله: ﴿اللهم إني أعوذ بك أن أشرك بك شيئاً أعلمه, وأستغفرك لما لا أعلم﴾.
٤ - أن تكون في خلوتك محاسباً لنفسك، وترفع كفيك داعياً الله أن يرزقك الصدق والإخلاص والإنابة، فإذا أخذت على هذا، وتدربت عليه، وسألت الله في أدبار الصلوات والسجود، فتح الله عليك، ورزقك الصدق، نسأل الله لنا ولك ولكل مسلم الصدق والإخلاص.
стр. 575
التجمل متى يكون رياءً؟ ومتى لا يكون ؟
السؤال
أحياناً نعمل الأعمال الطيبة خوفاً من العيب وليس لله, ولولا العيب لما فعلنا, فهل هذا من الرياء؟
الجواب
كلمة الأعمال في السؤال عامة, فإن كان يقصد الأعمال الصالحة التي يتعبد بها والتي هي من الشريعة ومن النسك, ويخاف من العيب, فهذا شرك ورياء, ونعوذ بالله من ذلك, كأن يصلي خوفاً من العيب ومن المثلبة ومن التنقص من الناس , أو يصوم خوفاً من ذلك, فهذا في العبادات رياء وشرك.
وإن كان في الأمور العامة والآداب العامة في هيئات الجلوس أو غيرها مما لم يرد فيه نص, فله أن يتجمل أمام الناس, وله أن يظهر التجمل والتحسن؛ وقد ورد في ذلك أحاديث، كقوله ﷺ في حديث ابن الحنظلية مع أبي الدرداء عند أبي داود بسند حسن: ﴿تجملوا حتى تكونوا كأنكم شامة في عيون الناس﴾ فلا بأس أن تدرأ العيب عن نفسك لا في العبادات, ولا بأس أن تذهب عن نفسك مذمة تنقص الناس لا في النسك, فإنها في النسك والعبادة شرك ورياء إذا قصدت بها غير الله ؛ فليعلم ذلك.
стр. 576
التحدث بالأعمال الصالحة
السؤال
أصوم بعض الأيام وأحدث الزملاء بذلك لأرغبهم في الصيام, فهل هذا ينقص الإخلاص؟
الجواب
أما صيامك وإخبار زملائك بهذا فإن الأعمال بالنيات, وهذا الحديث يدخل في سبعين باباً, فإن كنت قصدت من إخبار زملائك بهذا الخبر تشجيعهم وترغيبهم على الخير, ولتكون سانّاً لهم سنة حسنة يقتدون بك, فلك الأجر مضاعفاً بإذن الله, ولك الأجر موفوراً عند الله, ولا يلت الله من عملك شيئاً, ولا يُنقِص منه شيئاً إن شاء الله.
وإن كان قصدك ليعلموا ويثنوا عليك, فإنه يذهب بقدره, وقد أشركتهم هذا العمل, فانتبه لنفسك.
стр. 577
الإخلاص في ابتداء العمل يكفي
السؤال
إن أحدنا ليعمل العمل الصالح يريد به وجه الله, ولكن إبليس ما يلبث أن يداخل إخلاصه بعدة نوايا, ومنها السمعة، حتى يخشى على عمله ونفسه, فما العلاج لهذا الداء؟
الجواب
كل مسلم في الغالب يجد هذا الأمر الذي سأل عنه الأخ, فإنه قد يقصد وجه الله والإخلاص, فترد عليه واردات, وتتداعى عليه أمور حتى يذهب ما به من إخلاص, ويقصد أموراً أخرى, فواجبه أن يكون من أول الطريق صادقاً مع الله ومخلصاً له, وقد قال أهل العلم: لا يضره العارضات والواردات, وممن اختار ذلك: ابن تيمية وابن جرير الطبري، كما ذكر ابن حجر في فتح الباري في كتاب الجهاد, فقد عقد البخاري باب: (إنما ترزقون وتنصرون بضعفائكم) ثم أتى بحديث أبي موسى: ﴿قالوا: يا رسول الله! الرجل يقاتل ليرى مكانه, والرجل يقاتل ليسمع, والرجل ليحمد فأي ذلك في سبيل الله؟ قال: من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله﴾ فأتى بهذا الوارد, ونقل عن ابن جرير أن كلام أهل العلم ينص على أن من سلك الطريق في أولها مخلصاً لله, فلا تضره الواردات وتلبيسات إبليس التي لا بد أن ترد على كل عبد.
فأنا أوصيك أن تقصد وجه الله في أول الطريق, ولن تضرك هذه الوساوس والخطرات؛ فإن الشيطان بالمرصاد, يأتي للمصلي الخاشع, فيقول: إنما تصلي رياءً, ويأتي للداعية المتكلم, فيقول: إنما تتكلم رياءً وشهرةً, ولو صدقه كل أحد لتعطلت المنابر والحلقات, وتعطل النسك، وتعطلت النوافل والطاعات, فنعوذ بالله من تلبيسه, ونعوذ بالله من مداخله.
فعليك أن تصدق مع الله وعليك بكثرة الدعاء, والله يوفقنا وإياك لما يحب ويرضى.
стр. 578
الخلاص من التأثر بمدح الناس
السؤال
أحياناً أعمل أعمالاً صالحة أبتغي بها وجه الله , ولكن يتسرب إليّ الرياء بدون سبب، أو بسبب المديح الذي ينصب عليّ من الناس؛ فكيف الخلاص؟
الجواب
هذا وارد, وهو أشبه بالأسئلة التي قبله, وعلاج هذا: أن تعلم -وهو العنصر الذي أوردته في علاج الرياء- أن تعلم أن الناس لا ينفعون ولا يضرون, وأنهم لا يعرفون بنقصك وتقصيرك وذنوبك التي هي بينك وبين الله , فإنك قد تظهر لهم الجميل والخشوع والخضوع والزهد, ولكنك تظاهر وتكاشف الله بالمعاصي والذنوب والخطايا, فعليك أن تعلم أنهم لا يدرون إلا ما ظهر, والظاهر فيك الجميل والستر, فهم يمدحونك على ظاهرك, ولكن يوم تبعثر ما في القبور, وتحصل ما في الصدور, ينتج لك إخلاصك وصدقك ومعاملتك مع الله .
فهذا علاجه ألا تركن إلى الناس, وأن تعلم أنهم لا ينفعون ولا يضرون, وأن تعرف أن الله هو الذي يعلم السر وأخفى, وهو الذي يثيب ويعاقب, فهو ولي كل أمر؛ فعد إليه والتجئ إليه، وادعه .
стр. 579
ما سطره الصحابة والتابعون يمكن تكراره في كل زمان
السؤال
ما رأي فضيلتكم فيمن يقول: إن قصص الإخلاص التي سطرها الصحابة والتابعون لا يستطيع أحد أن يحققها في هذا الزمن؟
الجواب
إن كان الأخ السائل يقصد أن الفضل الذي حصلوا عليه من هذه القصص التي سطروها فهذا صحيح, فلهم فضل الصحبة, ولهم القدح المعلى والقدم السابقة عند الله .
وإن كان قصده ألا تقع كهذه الحوادث بعينها؛ فليس بصحيح, بل هذه تتكرر في أمة محمد ﷺ ؛ فهي كالسيل لا يدرى الخير في أوله أو في آخره, بل قد يفتح الله على يد بعض الناس, ويرزقهم من الإخلاص والصدق إلى قيام الساعة, فيقتل كثير من الناس في سبيل الله, ويصدق كثير من الناس في قيام الليل لمناجاة الله, ويصدق كثير من الناس في الدعوة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر, وكثير يصدقون في البذل والعطاء لوجه الله, إذاً فقصص الصحابة, وقد وقع لها شبيه في غيرهم, لكن الفضل ادخره الله درجة للصحابة لا يبلغها أحد.
стр. 580
كيف نصدق مع الله
السؤال
كيف نصدق مع الله؟ أوليس من صلّى وصام وحج وزكى وأطاع الله وترك المعاصي يكون صادقاً مع الله؟
الجواب
من صلّى وزكى وصام وجاهد وحج هو علامة الصدق بإذن الله, لكن إذا علم الله من نيته أنه لا يريد إلا وجهه؛ لأنه ليس كل من صلّى وزكّى وصَام وحج يريد الله لا! منهم من يريد الدنيا, ومنهم من يريد الشهرة, ومنهم من يريد أن يعصم دمه في الحياة, ويعصم عرضه وماله وأولاده, فهذا له ما حصل له من الأجر العاجل, لكن ليس له عند الله حظ ولا نصيب, بل له النار ونعوذ بالله من النار! فمن صلّى وصام فعليه أن يعتبر أن هذا العمل لوجه الله, وأنه لا يصلي من أجل فلان وفلان.
وهناك ضابط يستفاد منه في الصدق والإخلاص, وهو أن تفعل العمل في الجلوة كما تفعله في الخلوة, أي: تفعل العمل مع الناس كما تفعله وحدك, في خشوعك, وفي ركوعك, وفي ذكرك, وفي عبادتك؛ كأن الناس لا يرونك ولا تراهم، ولا يصح أن تخشع أمام الناس لتطلب مديحاً, ثم إذا خلوت نقرت الصلاة! هذا هو أول النفاق والرياء.
стр. 581
استحضار النية في أول العمل يكفي
السؤال
هل يشترط استحضار النية الخالصة قبل كل عمل أو يكفي أن يكون ذلك الأمر في قلب المسلم ومن ديدنه؟
الجواب
هذه القضية من أعوص القضايا على الإطلاق, قضية استحضار النية عند الأعمال, وقد ناقشها ابن رجب ﵀ في كتاب جامع العلوم والحكم عند حديث ﴿إنما الأعمال بالنيات﴾ , وناقشها ابن حزم في المحلى , ونتيجة هذا النقاش: أن العبد عليه أن يستحضر أنه يريد بالعبادة وجه الله, لكن لو فاتته في بعض لحظات العبادة فلا يهمه ذلك إذا كان المقصد والمبدأ وجه الله, كأن يقول: أنا أريد الصلاة لله , ثم ينسى أنه يريد الصلاة لله, وتذهب عنه هذه النية فلا يهمه؛ لأنه ما قام إلا مصلياً لله .
والنية عجيبة، حتى قيل للإمام أحمد كما في جامع العلوم والحكم: يا أبا عبد الله! كيف نحصل على نية؟ قال: ليفكر العبد لعل الله أن يرزقه النية.
وقال الذهبي في سير أعلام النبلاء: والله لا أدري ما هي هذه النية, وكيف تحصل, وإنما نسأل الله أن يرزقنا النية.
لأنه لا يُدْرى كيف تمسك هذه النية, ولا كيف تقيد وتضبط, لكن على العبد أن يصدق ويدعو، وأن يحاول وأن يرجو الله أن يمنحه النية الخالصة.
стр. 582
حكم ترك العبادة من أجل الناس
السؤال
هل ترك العبادة من أجل الناس رياء؟
الجواب
هذه المسألة وردت عن السلف , والذي تكلم فيها بكلمة جيدة هو الفضيل بن عياض كما نقل عنه, فقد قال: "العمل من أجل الناس رياء, وترك العمل من أجلهم شرك, والإخلاص أن يعافيك الله منهما".
فأنت إذا عملت من أجل الناس لتحمد فقد راءيت مع الله في العبادة, وإذا تركت العمل من أجلهم فقد أشركت, مثلاً: إنسان يصلي الضحى دائماً، فخرج معه أناس فرأى من الحكمة ألا يصلي لئلا يمدح؛ فهذا قد أشرك في العبادة, لأنه ترك شيئاً من العبادة من أجل الناس, وإنسان آخر ما كان من هديه ولا من عادته أن يصلي الضحى, فلما خرج مع أناس صلى الضحى من أجلهم فهذا قد راءى.
فالمقصود أن تعمل العمل الذي لله بدون أن تنظر إلى الناس, لا تعمل من أجلهم عملاً ولا تترك من أجلهم عملاً, فإنك إذا عملت من أجلهم فقد راءيت, وإذا تركت من أجلهم فقد أشركت, والسلامة أن يعافيك الله من هذين الأمرين, وذلك بأن تعمل العمل مخلصاً صادقاً, تطلب أجره وثوابه من عند الله .
стр. 583
نصيحة لمن لم يخلص
السؤال
أنا شاب لا أجد الإخلاص في قلبي وفي أعمالي, فبماذا تنصحني؟
الجواب
كل ما سلف من الكلام نصيحة لي ولك ولكل مسلم, وعليك بكثرة الدعاء والصدق مع الله, قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [العنكبوت:٦٩] فالله لا يضيع سعيك ولا سجودك ولا ركوعك ولا دعاءك, بل سوف ينفح عليك من نفحاته, ويلطف بلطفه, لكن عليك أن تستعيذ بالله من الشيطان, وتستعيذ من الهوى, وتستعيذ من قرناء السوء, وأن تجدد نيتك دائماً وأبداً.
وأنصحك بما ذكره ابن الجوزي في صيد الخاطر: أن تطالع موضوعات الإخلاص كثيراً في كتب الإخلاص, مثل: موضوع الإخلاص في الترغيب والترهيب للمنذري , وموضوع الإخلاص في رياض الصالحين , ومواضيع الإخلاص عند الحفاظ مثل: مجمع الزوائد وجامع الأصول , وفي غيرها من الكتب الجامعة, فعليك أن تطالعها كثيراً, ثم طالع تراجم الصالحين وسير الأخيار, مثل سير الصحابة, وسيرة سعيد بن المسيب , والحسن البصري , ومالك , وسيرة أبي حنيفة , والشافعي , وأحمد بن حنبل , وابن المبارك , قال الله : ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾ [الأنعام:٩٠].
стр. 584
ما أعد الله للنساء في الجنة من النعيم
السؤال
تقول بعض النساء: نسمع عن الجنة وما فيها من النعيم؛ من القصور والأنهار والحور العين, مما يعطى الرجال, ولكن نحن النساء ما هو دورنا في الجنة, وما لنا فيها من النعيم؟ وكيف حال من كان لها أكثر من زوج في الدنيا, كيف حالها بعد الموت وفي الجنة؟
الجواب
أبشر هذه الأخت المسلمة السائلة وكل مسلمة أن الله أعد للمؤمنات ما أعد للمؤمنين, وهذا السؤال قد ورد على النبي ﷺ من أم سلمة، كما في تفسير قوله : ﴿فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ فَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَأُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأُوذُوا فِي سَبِيلِي وَقَاتَلُوا وَقُتِلُوا لَأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلَأُدْخِلَنَّهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ ثَوَاباً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الثَّوَابِ﴾ [آل عمران:١٩٥].
فقد جاء في الحديث: ﴿قالت النساء: يا رسول الله! الرجال ذكروا في القرآن كثيراً, ووعدهم الله ثواباً, ووعدهم مبرة في الجنة؛ فما لنا نحن؟ فأنزل الله في كتابه, ما اكتفى بجواب رسوله ﷺ بل أفتاهم الله فقال: ﴿فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى﴾ [آل عمران:١٩٥]﴾ فأبشري وأملي في ربك ما يسرك, فإن الله قد أعد النعيم لكل مسلم من ذكر وأنثى, لأن بعضنا من بعض, فالأم هي أم البيت, وهي العمة والخالة والأخت, وهي القريبة, وهي الحميمة, وهي المدرسة التي تعد الأجيال, والتي تربي البيت؛ فلها عند الله جزاؤها وثوابها موفوراً.
وأما مسألة: من كان لها أكثر من زوج, فبمن تزوج في الجنة؟ فقد ناقشها بعض أهل العلم, وخرج بعضهم بأنها تزوج أحبهم إليها وأصلحهم وخيرهم, فهي زوجته عند الله , فأحسن الأزواج وخيرة الأزواج وأحبهم إلى قلبك هو زوجكِ إن كنتِ من أهل الجنة نسأل الله أن يدخلنا وإياكن الجنة.
стр. 585
نصيحة لأولياء الأمور في تزويج بناتهم
السؤال
أخت سائلة تقول: لي أخ هو ولي أمري, ولكنه للأسف يرفض من يتقدم لي من الشباب الطيب, بحجة أنه ليس من القرابة أو بحجة الدراسة, فما نصيحتكم لأولياء الأمور الذين يرفضون الشباب الطيب لأسباب ليست من الإسلام في شيء؟
الجواب
نصيحتي لكل مسلم عنده مؤمنة في بيته يريد أن يصون عرضها ودينها وشرفها أن يبحث لها عن رجل, وإذا أتاه من يرضى دينه وأمانته أن يزوجه, وألا يرد طلبه فيبتليه الله بفساد وفتنة, ففي الترمذي عنه ﷺ أنه قال: ﴿إذا أتاكم من ترضون دينه وأمانته فزوجوه؛ إلا تفعلوا تكن فتنة في الأرض وفساد كبير﴾ فالله الله! وأي طلب أكبر من رجل صالح يصلي لله الصلوات الخمس, ويتوضأ بماء التوبة والصدق والإخلاص, ويريد ما عند الله، حَسن الخلق قائم بكتاب الله فأين يُذهب بنا؟ وأين يذهب بعقولنا؟ وأين يذهب بأخلاقنا؟
أن نعرض بناتنا وأخواتنا على الفجرة وعلى المردة أعداء الله, لتعيش حياة الضنك, الحياة الجهنمية, حياة المعصية, وترك الصلاة, وهجر كتاب الله ومقاطعة ذكره سبحانه، لتستمع الغناء والهراء, وترى المعصية بعينها, فتعذب في الدنيا, ثم لا تجد طريقاً لأن تعبد الله .
فلنتق الله في أنفسنا، ولنتق الله في بيوتنا، ولنتق الله في بناتنا وأخواتنا, ولنطلب لهن بيوتاً صالحة, ولنعنهن على ما يقربهن من الله , ولنكن من مفاتيح الخير؛ لأننا لا نرضى ونحن الرجال أن تدخل علينا امرأة فاجرة؛ فكيف ترضى وأنت رجل ألا تزوجها رجلاً صالحاً محسناً قريباً من الله , لينقذها الله به من النار, وليصلح لها شأنها وظاهرها وباطنها.
فأسأل الله أن يصلح شأننا وشأنكم، وأن يصلح بيوتنا ويصلح قلوبنا, إنه على ذلك قدير وبالإجابة جدير.
стр. 586
رفع الصوت بالبكاء في الصلاة
السؤال
هل الأفضل رفع الصوت بالبكاء والخشوع أثناء الصلاة خلف الإمام أو كتم الصوت؟
الجواب
المسألة ليس فيها فاضل ولا مفضول, بل لا يرفع صوته, وليكتم ما استطاع لأنها صلاة, ولأن للصلاة خشوعاً وآداباً, وإن كان تكلف هذا الصوت, وتكلف الشهيق والزفير في البكاء, فهو مذموم, وقد خالف الأوْلى, وعليه أن يتقي الله, وليخفِ بكاءه ودموعه، وليكن بكاؤه لله .
وإن غلبه ذلك فإنه يعذر؛ لأن بعض الناس يغلبه البكاء, فلا يستطيع أن يكتم صوته ولا أنفاسه لما في قلبه من حرارة وكثرة البكاء, فهو مأجور ومشكور, فقد كان أبو بكر ﵁ يسمع نشيجه من آخر الصفوف, وسمع بكاء عمر من الصفوف المؤخرة في المسجد, وفي سنن أبي داود عن مطرف بن عبد الله بن الشخير عن أبيه قال: ﴿دخلت على رسول الله ﷺ فسمعت لصدره أزيزاً كأزيز المرجل من البكاء﴾ والمرجل: هو القدر الذي يغلي إذا استجمع غلياناً على النار.
والبكاء فضيلة ولا شك: ﴿عينان لا تمسهما النار: عين بكت من خشية الله, وعين باتت تحرس في سبيل الله﴾ قال تعالى: ﴿أَفَمِنْ هَذَا الْحَدِيثِ تَعْجَبُونَ * وَتَضْحَكُونَ وَلا تَبْكُونَ﴾ [النجم:٥٩ - ٦٠].
فلذلك مدح الله من يبكي من خشيته, وأعد الله له ثواباً عنده.
стр. 587
الشباب الصالح ومشكلة التأخر عن الصلاة
السؤال
يلاحظ أن الكثير من الإخوة لا يبكرون للصلاة بعد الأذان مباشرة, بل يتأخرون إلى قرب موعد الإقامة, فهل من نصيحة؟
الجواب
النصيحة التي يمكن أن أقدمها إلى نفسي وإلى إخواني من المسلمين أن يتقدموا ليقدمهم الله عنده, يقول ﵊: ﴿لا يزال قوم يتقدمون حتى يقدمهم الله فيمن عنده, ولا يزال قوم يتأخرون حتى يؤخرهم الله فيمن عنده﴾ وصح عنه ﷺ أنه قال: ﴿خير صفوف الرجال أولها, وشرها آخرها, وخير صفوف النساء آخرها, وشرها أولها﴾.
والصف الأول يصلي عليه لله وملائكته، كما في حديث جابر بن سمرة: ﴿إن الله وملائكته يصلون على ميامن الصفوف والصفوف الأول﴾ فاغتنم أن تكون وراء الإمام لتحظى بقربه , ولتكون من المبكرين لطاعته.
جاء في كتاب الزهد للإمام أحمد في ترجمة عدي بن حاتم أنه قال لما أتته الوفاة: [[ما أتتني صلاة إلا وقد توضأت وأنا لها بالأشواق]].
وذكروا أن أحد الصالحين كان يشتغل بالنجارة, فكان إذا سمع (الله أكبر) وقد رفع المطرقة أسقطها وراء ظهره وقام إلى الصلاة.
وورد عن عائشة ﵂ أنها قالت: ﴿كان رسول الله ﷺ يكون في مهنة أهله, فإذا سمع (الله أكبر الله أكبر) قام كأنه لا يعرفنا ولا نعرفه﴾.
والذي يلاحظ على كثير من الشباب التأخر عن أوقات الصلاة وهم من أهل الاستقامة ومن أهل الخير, بل إن بعضهم لا يأتي إلا بعد أن يكبر الإمام تكبيرة الإحرام, فأين الصف الأول؟ وأين استغفار الملائكة؟ يقول ﵊ في الحديث الصحيح: ﴿لا تزال الملائكة تصلي على أحدكم ما دام في مصلاه الذي صلى فيه أو ما دام ينتظر الصلاة -في رواية البخاري - تقول: اللهم اغفر له, اللهم ارحمه ما لم يحدث﴾ أفلا تريد أن تتقدم قبل الإمام مع الأذان, فتردد الملائكة بأصواتها: اللهم اغفر له, اللهم ارحمه, فنسأل الله أن يغفر لنا ولكم ويرحمنا برحمته.
стр. 588
حكم دخول المسجد وقراءة القرآن للحائض
السؤال
امرأة في حلقة علم وهي حائض, فهل يجوز أن تقرأ القرآن؟
الجواب
أولاً: قبل أن نخبرها بجواز قراءة القرآن أو عدمه, إن كانت حلقة العلم في المسجد فلا ينبغي أن تأتي إلى المسجد, وعليها أن تجتنب المسجد, فإن الرسول ﷺ ﴿نهى أن يدخل المسجد حائض أو جنب﴾ كما في رواية أبي داود من حديث علي.
وأما إذا كانت حلقة العلم في غير المسجد فلها أن تحضرها, وأما قراءة القرآن عن ظهر قلب للحائض فليس بها بأس, وبعض أهل العلم يقولون: يجوز لها أن تمس المصحف لأنهم يضعفون حديث علي الذي عند أبي داود: ﴿أن الرسول ﷺ نهى أن يمس القرآن حائض أو جنب﴾ ضعفوه وجوزوا لها أن تمس المصحف.
ولكن الأحوط والأوْلى أن تقرأ القرآن عن ظهر قلب، أما أن تمس المصحف فليس لها ذلك إذا كانت حائضاً.
стр. 589
الأحوط للحائض ألا تمس المصحف
السؤال
ألا يتعارض مع ذلك قول النبي ﷺ لـ عائشة: ﴿إن حيضتك ليست في يدك﴾؟
الجواب
نعم.
الحديث الذي ذكر الأخ حديث صحيح، قال لها ﷺ : ﴿ناوليني الخمرة, قالت: إني حائض, قال: إن حيضتك ليست في يدك﴾ والخمرة كالسجادة يصلي عليها ﷺ .
لكن هذا الحديث -بارك الله فيك- فيه احتمال, وإذا وجد الاحتمال بطل الاستدلال؛ فإن مسألة طهارة اليد ومس المصحف من عموم هذا الحديث ليست بواردة, وليست بأكيدة من النص, فعلينا أولاً أن نعود للنصوص لنجمعها, وهناك حديث عند أبي داود عن علي ﵁, وعلى فرض ضعف الحديث؛ فالأحوط ألا تقرب المصحف, أما أن نأخذ طهارة الحائض وطهارة يد الحائض من هذا؛ فلو كان الأمر كما قلت لترك الرسول ﷺ لها المجال, ونقول: ما دامت يدك طاهرة, وجسمك طاهراً, فادخلي المسجد, وقد قال ﷺ لـ أم سلمة لما توضأ معها واغتسل: ﴿إن الماء لا يجنب﴾ مع العلم أن الماء كاليد في وصول الجنابة إليه أو وصول حدث الحائض إليه, ولكم أن تعودوا إلى أهل العلم كسماحة الشيخ الوالد عبد العزيز بن باز وغيره من العلماء.
ولكن الذي أعرفه في المسألة أنه لا ينبغي لها أن تمس المصحف, احتياطاً لهذه الأحاديث، ولما ورد من آثار, ولها أن تقرأ القرآن غيباً.
стр. 590
للحائض أن تعبر المسجد ولا تلبث فيه
السؤال
لكن ألا يكون ذلك إذناً من الرسول ﷺ لها بدخول المسجد؟
الجواب
الداخل إلى المسجد غير الجالس اللابث في المسجد, لأن الله قال للجنب: ﴿إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ﴾ [النساء:٤٣] فالعابر غير الجالس, فأنا أقول: لا تجلس في المسجد, لا الحائض ولا الجنب, ولها أن تعبر المسجد من طرفه إلى طرفه, ولها أن تمر لتأخذ حاجة كما فعلت عائشة , وإلا ففي الصحيحين عن عائشة ذلك أنها قالت: ﴿كان ﷺ يدني لي رأسه وأنا في بيتي وهو في المسجد, أرجل رأسه﴾ فلماذا لم تدخل عليه في المسجد لترجله؟ لأنها لو رجلت رأسه للبثت معه, واللبث للحائض ليس بجائز.
стр. 591
قصائد شعرية
السؤال
يود كثير من الإخوان من فضيلتكم سماع القصيدة البازية, وقصيدة مجاهدي الأفغان!
الجواب
قصيدة الشيخ الوالد تكررت مرتين, وقصيدة مجاهدي الأفغان قد سمعت في مناسبة, ولكن لا بأس بإعادتها، فالمكرر أحلى, هذه القصيدة اسمها "مع المجاهدين الأفغان":
مروا بقلبي فقد أصغى له البانُ لي في حمى الحب إخوان وجيرانُ
نعم لك الله ما قد تبت من ولهٍ أما لكم صاحبي صبر وسلوانُ
أنا يراعتك اللاتي كتبت بها رسالة الحب ما في ذاك نكرانُ
دع ذا وهات قوافٍ منك صادقة لأمة مجدها بالأمس فينانُ
كم ملحد ماجنٍ ظن الحقوق له زفوا له الموت مراً وهو مجانُ
وبلشفي أتى كالعير منتخياً رأى المنايا فأضحى وهو جعلانُ
ردوه كالقرد لو بيعت سلامته بشعبه لشراها وهو جذلانُ
فروا على نغم البازوك في غسق فقهقهت بالكلاشنكوف نيرانُ
يسعى فيعثر في سروال خيبته في أذنه من رصاص الحق خرصانُ
وهناك قصيدة أرسلتها للشيخ سياف وهي بعنوان "المدوية":
سياف في ناظريك النصر يبتسم وفي محياك نور الحق مرتسم
وفيك ثورة إسلام مقدسة بها جراح بني الإسلام تلتئم
حطمت بالدم أصناماً محجلة وصافحت كفك العلياء وهي دم
ثأرت لله والدين الحنيف فلم يقم لثأرك طاغوت ولا صنم
على جبينك من سعد توقده وخالد في رؤى عينيك يقتحم
حلِّق إذا شئت فالأرواح طائرة فعن يمينك من عاهدت كلهم
وصغ من المهج البيضاء ملحمة يظل يقرؤها التاريخ والأمم
موتاً على صهوات البيد يعشقه أهل البسالة في عليائهم شمم
لا موت من تسكر اللذات فطنته حياته في الورى سيان والعدم
سياف خذ من فؤادي كل قافية تجري إليك على شوق وتستلم
بها حياء إذا سارت لحضرتكم ماذا تقول ويكفي أنك العلم
كادت معاليك أن ترويك معجزة لكن تواضعك الأسمى لها كتم
كأنما أنت كررت الأُلى ذهبوا هذا صلاح ومحمود ومعتصم
السائرون وعين الله ترقبهم السابحون وماء البحر مضطرم
أكفانهم نسجوها من دمائهم على مطارفها النصر الذي رسموا
ماتوا ولكنهم أحياء في غرف من الجنان وذابوا لا فقد سلموا
يكبرون فتهتز الربى فرقاً ويهتفون فيسعى النصر نحوهم
والطائرات على صيحاتهم سقطت صرعى وربانها فوق الربى فحم
إلى آخرها.
نسأل الله تعالى أن يجعل أعمالنا خالصة لوجهه الكريم, إنه على كل شيء قدير, وبالإجابة جدير, وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 592
الأمير العباسي الفقير
من أهم ما جاء من أجله الإسلام تصحيح الميزان الذي يوزن به الناس، فبدلاً من المعايير الجاهلية من الحسب والنسب والمال وضع الإسلام قاعدة أساسية، وهي التفاضل بالتقوى، وتلك هي إحدى مقتضيات (لا إله إلا الله).
وقد عرض الشيخ حفظه الله قصتين: الأولى: قصة ذلك الأمير الذي ترك القصر والخدم والحشم وتوجه إلى العبادة نتيجة موازنة طويلة بين الحياتين، حياته هو وحياة العابد الفقير الذي كان يتأمله طيلة تلك المدة.
والقصة الثانية: توضح حالة إنسان فقير في إطار المجتمع المسلم وهو قصة الصحابي الجليل: جليبيب ﵁.
وكلا القصتين تصب في بند تصحيح المعايير والموازين، وضبطها بمعيار التقوى والصلاح.
стр. 593
الأمير العباسي في الطريق إلى الله
الحمد لله الذي كان بعباده خبيراً بصيراً، وتبارك الذي جعل في السماء بروجاً وجعل فيها سراجاً وقمراً منيراً، وهو الذي جعل الليل والنهار خلفة لمن أراد أن يذكر أو أراد شكوراً، وتبارك الذي نزل الفرقان على عبده ليكون للعالمين نذيراً، الذي له ملك السماوات والأرض ولم يتخذ ولداً ولم يكن له شريك في الملك وخلق كل شيء فقدره تقديراً، واتخذوا من دونه آلهة لا يخلقون شيئاً وهم يخلقون ولا يملكون لأنفسهم ضراً ولا نفعاً ولا يملكون حياة ولا نشوراً.
وأشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، بعثه الله هادياً ومبشراً ونذيراً: ﴿وَدَاعِياً إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجاً مُنِيراً﴾ [الأحزاب:٤٦] أسكت الله به الجاهلية فلم تتكلم، وهدَّم به الوثنية فلم تُبْنَ، وأزال به أوضار الشرك فلم يعد، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.
أمَّا بَعْد:
يا عامراً لخراب الدهر مجتهداً بالله هل لخراب الدار عمرانُ
ويا حريصاً على الأموال يجمعها أقصر فإن سرور المال أحزانُ
من يتق الله يُحمد في عواقبه ويكفه شر من عزوا ومن هانوا
فالزم يديك بحبل الله معتصماً فإنه الركن إن خانتك أركانُ
قال تعالى: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لا يُبْخَسُونَ * أُولَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ إِلَّا النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [هود:١٥ - ١٦]
وقال تعالى: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلاهَا مَذْمُوماً مَدْحُوراً * وَمَنْ أَرَادَ الْآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُوراً * كُلّاً نُمِدُّ هَؤُلاءِ وَهَؤُلاءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُوراً * انْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَلَلْآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلاً﴾ [الإسراء:١٨ - ٢١].
ما الحياة؟! ما هو ذهبها؟! ما هي فضتها؟! ما هي قصورها ومناصبها ووظائفها؟! كلها لا شيء لعب ولهو تفاخر وتكاثر زهوٌ ورياء إعجابٌ وظهور طلاسم ولموع، ولكن الحقائق والثوابت هي الإيمان والعمل الصالح.
стр. 594
الأمير يتتبع حياة العابد الفقير
خرج علي بن المأمون -ابن الخليفة العباسي المأمون - من قصره على شرفة القصر، فأشرف من شرفات القصر -البروج العاجية- ذات يوم ينظر إلى سوق بغداد طعامه شهي، ومركبه وطي، وعيشه هنيء، يلبس ما جمل، ويأكل ما طاب، ما جاع يوماً في حياته، وما ظمئ أبداً، وما مست الشمس جبهته، فأخذ ينظر من القصر إلى الناس في السوق، هذا يذهب وهذا يأتي، ولفت نظر الأمير رجل حمال، يعمل للناس بالأجرة، ويظهر على هذا الجمال الصلاح والنسك، حباله على كتفيه، والحِمْل على ظهره، ينقل الحمولة من دكان إلى دكان، ومن مكان إلى مكان، فأخذ يتابع حركاته في السوق، فكان الحمال إذا انتصف الضحى ترك السوق، وخرج منه إلى ضفاف دجلة، فتوضأ وصلى ركعتين، ورفع يديه إلى الحي القيوم:
سبحان من يعفو ونهفو دائماً ولم يزل مهما هفا العبد عفا
يعطي الذي يخطي ولا يمنعه جلاله عن العطا لذي الخطا
سبحان الذي اتصل به الفقراء والمساكين!
سبحان من التجأ إليه المظلومون والمضطهدون!
سبحان من عرفه البسطاء، وحجب كثير من الأغنياء والوجهاء!
عرفه الذي في الخيمة، وعلى الرصيف وبيده كسرة الخبز، ولم يعرفه الذي في القصر الشاهق، والمنصب العالي، والمنزلة الرفيعة.
فأخذ الأمير ينظر إلى هذا، فإذا صلى الحمَّال الضحى، عاد فعمل إلى قبيل الظهر، ثم اشترى خبزة جافة بدرهم، فيأخذها إلى نهر دجلة، فيأتي إلى النهر، فيبل كسرة الخبز في الماء، ويشرب من الماء، ويأكل الخبزة، فإذا انتهى توضأ لصلاة الظهر وصلى، ثم دعا وابتهل وبكى، ونادى الحي القيوم، ثم ينام ساعة، وبعد النوم يستيقظ وينزل إلى السوق، فيعمل ويجتهد، ثم يشتري خبزاً ويذهب إلى بيته، وفي اليوم الثاني يعود إلى هذا البرنامج والجدول ولا يتغير عنه وكذلك في اليوم الثالث والرابع إلى أيام كثيرة، فأرسل الأمير جندياً من جنوده إلى ذاك الحمال ليستدعيه وليكلمه في القصر، فذهب الجندي واستدعى الحمَّال.
قال للجندي: ومالي وملوك بني العباس؟ مالي وللخلفاء؟ ليس بيني وبين الأمراء من صلة، ليس لي قضية ولا مشكلة ولا مهمة، إن أشكل علي شيء رفعته إلى الحي القيوم، وإن نابني شيء أعدته إلى الله الواحد الأحد، وإن جعت أشبعني الله، وإن ظمئت أرواني الله، ما عندي لا دار ولا عقار ولا أرض، أنا بالله وبالله أنا.
قال الجندي: أمر الأمير أن تحضر إليه اليوم فظن المسكين أن الأمير سوف يحاسبه أو يحاكمه، فقال: حسبنا الله ونعم الوكيل، وهذه الكلمة هي سلاح الفقراء، والمضطهدين والمظلومين، وسلاح المساكين، لكنها تكسِّر رءوس الطغاة، وتحطِّم الحواجز الحديدية، وتسحب القلاع.
أتي بإبراهيم ﵇ والنار محرقة، فزجوا به في النار، فأخرج سلاحه: حسبنا الله ونعم الوكيل، فانقلب بنعمةٍ مِنَ الله وفضل.
موسى ﵇ خرج هو وقومه فإذا البحر أمامه، والموت وراءه، فأخرج سلاحه، وقال: حسبنا الله ونعم الوكيل، فَنَجَّاه الله.
حضر محمد ﷺ حضر بدراً، وأحداً، والأحزاب، وتبوك وأمثالها وأضرابها في قلة، فرأى الكفر يزدحم، فأخرج سلاحه وقال: حسبنا الله ونعم الوكيل؛ فانتصر.
أتى خالد بن الوليد في اليرموك فرأى جيوش الروم كالجبال! والصحابة في فئة قليلة، يقول أحد الصحابة لـ خالد: اليوم نلتجئ إلى سلمى وآجا -أي: يقول: سوف نفر اليوم من هذا الحشد الكبير إلى سلمى وآجا - وهي جبال في حائل، فدمعت عينا خالد، وقال: [[بل إلى الله الملتجأ، حسبنا الله ونعم الوكيل!]] فانتصر.
وسعد رأى فارس ورأى الكفر والعمالة والجهالة، فقال: حسبنا الله ونعم الوكيل، فداس رءوسهم بأقدامه، وقالها صلاح الدين، وقالها المجاهدون الأفغان.
أتت روسيا بقواتها وطائراتها وسلاحها ودباباتها وصواريخها، فخرجوا بسلاحهم من بيوتهم متوضئين مصلين، قال لهم الناس: التجئوا إلى نيويورك إلى واشنطن قالوا: حسبنا الله ونعم الوكيل، قالوا: إلى القوة العالمية، قالوا: حسبنا الله ونعم الوكيل، قالوا: إلى الدول وإلى العواصم، قالوا: حسبنا الله ونعم الوكيل، ﴿فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنْ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللَّهِ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ﴾ [آل عمران:١٧٤].
стр. 595
الحوار بين الفقير والأمير
دخل هذا الفقير على ابن المأمون الأمير وسلم عليه، قال له الأمير: ألا تعرفني؟ قال: ما أتيتك وما رأيتك حتى أعرفك، قال: أنا ابن الخليفة قال: يقولون لي ذلك، قال: ماذا تعمل أنت؟ قال: أعمل مع عباد الله في بلاد الله.
قال: قد رأيتك أياماً ورأيت المشقة التي أصابتك، فأريد أن أخفف عنك المشقة.
قال: بماذا؟ قال: بأن تسكن معي في القصر بأهلك آكلاً شارباً مستريحاً، لا هم ولا غم ولا حزن.
قال: يا بن الخليفة! لا هّمَّ على من لم يذنب، ولا غم على من لم يعص، ولا حزن على من لم يسئ، أما من أمسى في غضب الله، وأصبح في معاصي الله، فهو في الغم والحزن والهم، قال: ماذا تفعل أنت في نهارك؟ فأخبره، قال: هل وراءك أهل؟ قال: نعم.
أمي عجوز كبيرة، وأختي عمياء حسيرة، آتي بإفطاريهما قبل الغروب.
وهما تصومان كل يوم، فنفطر جميعاً ثم ننام، قال: فمتى تستيقظ؟ قال: إذا نزل الحي القيوم إلى سماء الدنيا، قال: هل عليك من دين؟ قال: ذنوب سلفت بيني وبين الحي القيوم، قال: ألا تريد معيشتنا؟ قال: لا والله، قال: ولم؟ قال: أخاف أن يقسو قلبي ويضيع ديني، قال: أتحب أن تكون حمالاً في السوق جائعاً في الشمس والعري والهم والغم والكلفة، ولا تكون معي في قصر الإمارة؟! قال: إي والله، فنزل وتركه، فأخذ الأمير يتأمل وينظر وهو في حيرة، فقد ألقى عليه محاضرات من الإيمان، وطرق قلبه بدروس من التوحيد، وألقى عليه كلمات تنفذ إلى القلب، وأخذ يتابعه بطرفه حتى اختفى.
стр. 596
الأمير يهرب من القصر إلى العبادة
وفي ليلة من الليالي استفاق الأمير من غيبوبته، وصحا من نومه، وعلم أنه كان في سبات عميق، وفي نوم طويل، وأن داعي الله يدعوه ليتنبه
تنبهوا يا رقودُ إلى متى ذا الجمود ُ
فهذه الدار تبلى وما عليها يبيدُ
الخير فيها قليل والشر فيها عتيدُ
والعمر ينقص فيها والسيئات تزيدُ
فاستكثروا الزاد فيها إن الطريق بعيدُ
فاستيقظ الليل، وقال لحاشيته وخدامه: أنا أذهب إلى مكان، فإذا أتى بعد ثلاثة أيام، فأخبروا أبي الخليفة المأمون أني ذهبت، وسوف ألتقي أنا وإياه يوم العرض الأكبر
إن كان قد عزَّ في الدنيا اللقاء ففي مواقف الحشر نلقاكم ويكفينا
قالوا: ولم؟! قال: نظرت إلى نفسي أنني في غيبوبة وسبات، وفي ضياع وضلال، فأريد أن أهاجر بروحي إلى الله، خرج وسط الليل وخلع لباس الملك، ولبس لباس الفقير، ثم مشى في الطرقات، واختفى عن العيون.
لم يعلم الخليفة ولا أهل بغداد أين ذهب الأمير، وعهد الحشم والخدم به يوم ترك القصر، ركب إلى واسط كما يقول أهل التاريخ، وغيَّر هيئته كهيئة المساكين، وعمل مع تاجر من التجار في صنع الآجر -البلاط والطين والبناء- وأخذ يعمل في ذلك، يصلي الضحى، وله أوراد في الصباح، ويحفظ القرآن، ويصوم الإثنين والخميس، ويقوم الليل، ويتصل بالحي القيوم، ما عنده من المال ما يكفيه ليوم واحد، ذهب غمه وهمه، وحزنه، وذهب العُجْبُ والكِبْرُ والخُيَلاء من قلبه: ﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا﴾ [الأنعام:١٢٢].
стр. 597
وفاة الأمير
ولما أتته الوفاة أعطى التاجر خاتمه، وقال: أنا ابن الخليفة المأمون، إذا مت فغسلني وكفني واقبرني، ثم سلم هذا الخاتم لأبي، فغسله وكفنه وصلى عليه ودفنه، وأتى بالخاتم إلى المأمون، وظن المأمون، أن ابنه قد قُتل أو فقد أو ذهب على وجهه في مكان لا يدرى عنه، فلما رأى الخاتم شهق وبكى حتى ارتفع صوته، فسأل التاجر عنه، قال: أيها التاجر: هذا هو ابني فماذا كان يفعل؟ قال: كان عابداً ناسكاً أواباً ذاكراً لله، يلجأ إلى الله، ما ترك من الدنيا إلا قيمة الكفن، وقد لقي الله وغسلته وكفنته وصليت عليه، فارتفع صوت الخليفة والوزراء بالبكاء، وعرفوا أنه عرف الطريق، لكنهم ما مشوا معه في الطريق ﴿فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلامِ﴾ [الأنعام:١٢٥].
стр. 598
العبرة والموعظة في قصة الأمير
هذه قصة من قصص التاريخ أثبتت وحفظت ونقلت: ﴿لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ﴾ [ق:٣٧].
هل من عاقل؟! هل من متدبر؟! هل من سعيد يعلم أن السعادة في السجود لله، وفي تلاوة كتاب الله، وفي ذكر الله، وفي الالتجاء إلى الله؟! فوالله ليست السعادة في الدور ولا في القصور ولا في الحدائق:
ألارب ذي طمرين في جنة غدت حدائقه ملتفة ونمارقه
قد اطردت أنهاره حول قصره تبهج والتفت عليه حدائقه
فكم من نعيم للمساكين عند الله! وكم من سعادة للعارفين بالله! وكم من شقوة لمن جعل الحياة الدنيا هي حياته، فقدم المعاصي والشهوات، ما كف بصره، ولا رد سمعه، ولا حفظ لسانه ولا فرجه ولا بطنه، فسوف يندم ويبكي يوم لا ندم: ﴿وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَتَرَكْتُمْ مَا خَوَّلْنَاكُمْ وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ وَمَا نَرَى مَعَكُمْ شُفَعَاءَكُمُ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكَاءُ لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ وَضَلَّ عَنْكُمْ مَا كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ﴾ [الأنعام:٩٤].
أقول ما تسمعون، وأستغفر الله العظيم الجليل لي ولكم ولجميع المسلمين، فاستغفره وتوبوا إليه؛ إنه هو التواب الرحيم.
стр. 599
الإسلام ومشكلة الفقر
الحمد لله رب العالمين، ولا عدوان إلا على الظالمين، والصلاة والسلام على سيد المرسلين، وإمام المتقين، وقدوة الناس إلى الله أجمعين، وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.
صور اللجوء إلى الله، والتمسكن إليه، وعبوديته وحده عاشها الأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام، ودعوتهم ورسالتهم تعيش مع الفقراء، وتحب المساكين، وتهدف إلى الضعفاء؛ لأنها انتصار للحق، وعمق للأصالة، وثبات للصدق في الأرض.
стр. 600
زواج جليبيب
هذا جليبيب أحد المساكين من الصحابة، ليست له أسرة معروفة، ولا عنده جسم بهي جميل، وليس عنده مال، ولا يمتلك منصباً يديره، أتى إلى الرسول ﵊ في ثيابٍ ممزقة، وفي هيئة الله أعلم بها.
بطنه جائع، وكبده ظامئة، وأعضاؤه هزيلة، ووجهه شاحب، فقال له ﷺ : ﴿يا جليبيب! ألا تتزوج؟! قال: يا رسول الله! غفر الله لك ومن يزوجني -لا جمال ولا مال- ومرة ثانية يقول له ﷺ : يا جليبيب ألا تتزوج؟! فيقول: يا رسول الله! من يزوجني لا جمال ولا مال؟﴾ لأن كثيراً من الناس لا يزوج إلا على الدراهم والدنانير، يزوج الرجل إذا رأى عنده ممتلكات وسيارات وشاحنات وناقلات وقصوراً، فيبيع ابنته لذاك الرجل كما تباع الناقة والسيارة، في سوق المزاودة، لا ينظر إلى صلاة ذاك الرجل، ولا إلى صدقه، ولا إلى أمانته، قد يكون هذا الرجل فاجراً سكيراً لعيناً طريداً بعيداً ولكن أنساه ذلك كله مال ذاك الرجل، ومنصبه وسيارته وقصره، فيبيع بنته، فيخسر الدنيا والآخرة فيقول له ﷺ في الثالثة: ألا تتزوج؟! قال: يا رسول الله! من يزوجني لا مال ولا جمال؟ فيقول ﷺ : اذهب إلى ذاك البيت من الأنصار، وقل لهم: رسول الله ﷺ يبلغكم السلام، ويقول: زوجوني بنتكم، هذا مرسوم من كلام محمد ﵊:
حتى وضعت يميني ما أنازعها في كف ذي نقمات قوله القيلُ
فذهب فطرق الباب، قال أهل البيت: من؟ قال: جليبيب، قالوا: مالنا ولك يا جليبيب، فخرج صاحب البيت، فقال: ماذا تريد؟ قال: الرسول ﷺ يبلغكم السلام، فارتج البيت بالدعاء والرد: وعليه الصلاة والسلام، قال: ويقول: زوجوني بنتكم، فيقول الوالد: الله المستعان! لأن جليبيباً فقير، وأسرته فقيرة لا مال ولا جاه ولا منصب، يملك ثوبه الممزق، فيقول: أعود إلى زوجتي -لأنها تملك الحق، وتملك هذه المراسيم بما يسمونه حق الفيتو في هذه المواقف- فعاد إليها فقالت: الله المستعان! لو كان غير جليبيب، نزوج ابنتنا جليبيبا! فاجتمعا على أن يردا ويرفضا، فسمعت البنت العابدة الناصحة الصالحة، فقالت: أتردان أمر الرسول ﷺ عليه؟! لا والله فيتوافقان ويتم الزواج، ويدعو له ﷺ بالخير، فينشئ بيتاً في الإسلام، أساسه على الخير ﴿أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى تَقْوَى مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٍ خَيْرٌ أَمْ مَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى شَفَا جُرُفٍ هَارٍ فَانْهَارَ بِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ [التوبة:١٠٩] أفمن أدخل ابنته بيتاً مسلماً تالياً لكتاب الله مستقيماً ذاكراً لله خير أم من أدخل ابنته بيتاً مغنياً فاحشاً ضالاً ظالماً؟! لا يستوون، وعاشت هذه المرأة في سعادة، وأنجبوا أطفالاً مشاعل في التاريخ، علماء ودعاة.
следующие страницы →