Полный текст (10 391 стр.). Показаны 5496–5535 · переход к 5501.
стр. 5496
مجالات الدعوة عند المرأة
وتتمثل دعوة المرأة في بيت أهلها وزوجها، وبيوت جيرانها، وشكرًا لتلك المرأة التي هدت زوجها إلى صراط الله المستقيم, وقد ذكرت في كثير من القصص، وهناك عشرات النساء سبب البركة في البيت والهداية فيه أنها دخلت بيت زوجها، فقلبت البيت رأساً على عقب إلى صراط الله المستقيم، ولما دخلت البيت دخلت معها السكينة والرحمة والنور والبركة, وأصبحت تأمر وتنهى وتعلم السنن؛ بسبب استقامتها على منهج الله .
المرأة داعية في مجالسها عند جاراتها, وفي فصل دراستها وتدريسها, وفي لقائها مع أخواتها, تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر، فلا ترتع مع النساء في الغيبة -وفواكه النساء الغيبة والنميمة إلا من عصم الله- ولا تذكر معهن الفحش, بل تتدارس معهن كتاب الله ، وكتب أهل العلم وفتاوى العلماء, وتستغفر معهن وتسبح، وتدعوهن إلى ما ينفعهن في الدنيا والآخرة.
إنها مهمة عظيمة, وإن مما يؤسفنا أن يكون المكان ضيقاً على النساء في هذا المسجد أو في غيره, ولكن ماذا نفعل؟ ونحن نعتذر كثيراً في كل لقاء, لكن عسى الله أن يأجر من أتى, ولعل في الشريط وفي سماعه عوضاً لمن لم تحضر في هذا اللقاء المبارك، ومن نوى وجه الله وقصد الخير كتب له الأجر, ورب قتيل بين الصفين الله أعلم بنيته، ورب من مات على فراشه وهو شهيد، وقال ﷺ : ﴿من سأل الله الشهادة بصدق بلَّغه الله منازل الشهداء, وإن مات على فراشه﴾ رواه مسلم، وهي النية الصادقة التي يفعلها كثير من المؤمنين ثم لا يدركون الأعمال؛ فيكتب الله لهم بنياتهم.
وكما في الخبر: ﴿نية المؤمن خير من عمله﴾.
стр. 5497
قلة الاطلاع عند الشباب
من قضايا الشباب: ضحالة المعرفة وقلة الاطلاع.
لم يطلب من الرسول ﷺ أن يتزود من شيء إلا من العلم النافع، قال له الله : ﴿وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْماً﴾ [طه:١١٤] والعلم إنما يزيد -يا أيها الشباب- بكثرة الاطلاع, وبمنافسة أهل العلم, والمناقشة, والاستفادة, والمساءلة, يعجب طالب العلم إذا سأل إخوانه في جلسة من الجلسات: هل عندكم أسئلة في أي مجال؟ فيقولون: لا.
وذلك ينبي أنهم لا يقرءون.
قيل لـ ابن عباس ﵄: [[بم نلت هذا العلم؟ قال: بقلب عقول ولسان سئول]].
وسل الفقيه تكن فقيهاً مثله من يمضِ في علم بحق يمهر
فعليك أن تسأل كثيراً, وأن تكون ملحاحاً في الأسئلة.
стр. 5498
السؤال ممقوت إلا في حالتين
والسؤال كله ممقوت إلا في بابين:
الأول: سؤال الواحد الأحد، فإنه يرضى كلما سألته، قال تعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾ [البقرة:١٨٦].
الثاني: سؤال أهل العلم, فإنهم يفرحون, وتزيد أنت من معلوماتك ومن ثقتك وفقهك.
أيها الإخوة! إن كثيراً من كتب أهل العلم التي ألفوها -وهي كنوز في مكتباتنا- لا يعرفها الكثير, ولم يقرءوا فيها, ولم يفتحوها, وهذا خطأ كبير إن أوقات الفراغ عندنا جعلتنا ننفصل عن تراثنا الخالد وتقل معلوماتنا ومعرفتنا, لماذا لا يكون عندنا كتب جيب؟ كل واحد لا يخرج من بيته إلا وهو يحمل كتاب الجيب مع المصحف.
إن بعض الناس ختم كتباً بسبب هذه الأوقات الضائعة؛ الانتظار في مكان الرحلة في الطائرة, الانتظار في المطار, ركوب السيارة ونحو ذلك؛ هذه تختم فيها كتباً، أما تضييع الأوقات في غير طائل، أو الانتظار حتى تتهيأ أمورك ويجتمع شملك، فإن الدنيا لا تجمع شمل أحد.
فوصيتي لإخواني: أن يكثروا من القراءة والمطالعة الجادة, وأن يكون لأحدنا مكتبة هائلة فيها من كتب أهل العلم, ولا يشترط أن تكون كثيرة الكتب؛ فإن القليل المبارك نفعه عظيم، تكون هناك قائمة مباركة, والعبرة ليست بالكتب, بل العبرة بالقراءة، العبرة أن تكرر وتقرأ وتبحث وتسأل.
стр. 5499
اطلع على واقعك
أيضاً: يا أيها الإخوة! ينقص كثيراً من الشباب الاطلاع على واقع المسلمين, وما يعيشه المسلم في واقعهم, فتجده ينعزل حتى ولو كان مع علم السلف، العلم المبارك، لكن لا يعفيه هذا أن يطلع على الأطروحات التي في الساحة, وعلى الكتب المؤلفة في هذه المرحلة، والمجلات الإسلامية, والصحف وما يكتب فيها؛ حتى يكون على بصيرة بواقعه وببيئته يعرف كيف يتكلم, وكيف يدعو، ويعرف ماذا يخطط لدينه، أما أن يقف في عزلة عن عالمه وعن واقعه فليس بصحيح, وقد قال الله لرسوله ﵊: ﴿وَكَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآياتِ وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ﴾ [الأنعام:٥٥] فعلى الأقل لا بد أن تقرأ ولو صحيفة في اليوم، ومجلة إسلامية في الأسبوع, وأن تعرف أن هناك خططاً, ووسائل, وأسراراً, وهناك ما يحاك ضد هذا الإسلام, فتكون على بصيرة حتى تعلم أين تضع قدمك.
هذا مما يطلب من شباب الإسلام, ومن أهل الحق الذين يحملونه, ويطلب منهم أن يبلغوه للناس.
إخوتي في الله! بقيت قضايا كثيرة كثيرة لا تنتهي, ولكني أسأل الله أن يعين على إتمامها، وكما وعدتكم سوف يستقبل هذا المنبر دعاة وعلماء يتحدثون لكم في هذه المسائل مسألة مسألة، ويوم تحضرون ويحضر أصحاب الفضيلة العلماء؛ يكون هناك مجلس مبارك، واجتماع على الحق، والله قد نهى عن التفرق: ﴿وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [آل عمران:١٠٥] ويقول : ﴿وَالْعَصْرِ * إِنَّ الْأِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ * إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ [العصر:١ - ٣].
وهذه المحاضرة مبنية على محاضرة سابقة بعنوان: "فن الدعوة"، وهاتان المحاضرتان متلازمتان تماماً، تفهم هذه بتلك, وتلك كالمقدمة والديباجة لهذه المحاضرة.
وشكراً لمن حضر، وكم فرحت، وقد كدت أن أبكي قبل صلاة المغرب, وأنا أرى الشباب في زحمة الليل وزحمة السيارات, وفي وهج البرودة, وفي قطرات الرذاذ, وهي تتقاطر من السماء, وهم يزدحمون يأتون إلى المسجد، تركوا دراستهم وأشغالهم وأهلهم وارتباطهم وضيوفهم ليحضروا في هذا المكان.
فيا رب يا أحد يا صمد يا من لم يلد ولم يولد, حضرنا لوجهك ولمرضاتك، أسألك ألا تعيدنا من هذا المكان إلا مقبولين, مغفورة ذنوبنا, مستورة عيوبنا, قد رضيت عنا ورضينا عنك، وقد أسعدتنا بتوبة تجلو عنا الذنوب والهموم والغموم، أسألك أن تحفظنا بالإسلام وأن تحفظ الإسلام بنا، وأسألك أن تجمعنا بحبيبنا في مقعد صدق عند مليك مقتدر، وأسألك أن تنصر هذا الدين، وأن تعلي كلمة المسلمين، وأسألك أن تحفظ العلماء والدعاة، وأن ترفع كلمتهم وأن تؤيدهم بالحق، وتؤيد الحق بهم، وأسألك أن ترد شباب الإسلام إليك رداً جميلاً يا عظيم، وأن تأتي بإخواننا وفلذات أكبادنا من الشباب الذين جلسوا على الأرصفة وفي المقاهي وفي أماكن اللغو أن تأتي بهم لنراهم، فإننا -والله- نحبهم حب الإسلام، ولا نريد يا رب أن تعذبهم بالنار, ونريد يا رب أن تخرجهم من الظلمات إلى النور، هذه مسألتنا ولهذا اجتمعنا.
وأما كلامي فأسأل الله أن ينفع به، فإن أصبت فمن الواحد الأحد، فهو منزل الصواب على عباده، وإن أخطأت فمن نفسي ومن الشيطان والله ورسوله بريئان، أسأل الله أن يجمعني بكم مرات كثيرة في مناسبات كثيرة، وأنا أعتبر أن من يدعو لهذا الدرس ولغيره، ويدعو إخوانه وجيرانه والمسلمين؛ أنه داعية إلى منهج الله, وأنه أمين على دعوة الله, وأنه رجل صالح يدعو إلى خير.
شكراً لكم، ومرضاةً وقبولاً زائداً من الله .
وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.
стр. 5500
حتى لا نتخلف عن الركب
التخلف عن ركب محمد ﷺ خسارة كبيرة جداً، فعلى كل من تخلف عن ركبه ﷺ أن يتوب ويستغفر وينيب إلى الله ، وينضم إلى ذلك الركب الجليل، ولا يتخلف عنهم فيصبح من المنافقين، أو يلتفت إلى المغريات فيتأخر عن اللحاق بهم.
стр. 5501
غزوة تبوك
اللهم لك الحمد خيراً مما نقول، وفوق ما نقول، ومثل ما نقول، لك الحمد بالإيمان، ولك الحمد بالإسلام، ولك الحمد بالقرآن.
من أطاعك أحببته، ومن تذلل إليك قرِّبته، ومن حاربك أدَّبته، ومن ناوأك خذلته.
لك الحمد حتى ترضى، ولك الحمد إذا رضيت، ولك الحمد بعد الرضا.
أشهد أنك الملك الحق وأن ما سواك باطل، وأشهد أنك الباقي وأن ما سواك فان، وأشهد أنك قوي وما سواك ضعيف، وأشهد أنك الغني وما سواك فقير، وأشهد أنك الدائم وما سواك زائل.
أشهد أن محمداً خاتم، وصادق، وناصح، بلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وجاهد في الله حتى أتاه اليقين، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.
أشكر لأهل الفضل فضلهم، وعلى رأسهم القائمون على هذه القاعدة، أسأل الله أن يثبتهم على الحق، وأن يرزقهم القبول، وأن يسددهم إلى طريق الطاعة.
عنوان المحاضرة: حتى لا نتخلف عن الركب.
ركب من؟!
ركب محمد ﵊.
ومسيرة من؟! مسيرة محمد ﷺ .
طريق من؟! طريق محمد ﷺ .
لكن قبل ذلك من واجبي التحية إلى أحباب أحببتهم في الله، وهم أحبوني فيه، فأشهد الله في هذه الليلة -وهو يسمع ويرى- أني أحبكم فيه، وأسأله سبحانه بأسمائه الحسنى وصفاته العلا أن يجمعني بكم في دار الكرامة: ﴿فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ﴾ [القمر:٥٥] يوم يجمع الأشقياء الخونة العملاء في دار الضلال والشقاء، جهنم وبئس المصير:
سلامٌ على الأحباب ما بارقٌ سرى أرصعه مسكاً وأرويه عنبرا
لمن سكن الدمام من كل ماجدٍ بنفسي تلك الدار ما أحسن القرى
أتيتك من أرض الجنوب مسلماً على ملة التوحيد لا نهج قيصرا
إذا نحن سرنا فالرسول إمامنا دم الجيل من أجل المبادئ قد جرى
رضينا بك اللهم رباً وخالقاًَ وبالمصطفى المختار شهماً وهاديا
أيها الأخيار: يا حملة المبادئ! يا من باعوا أنفسهم من الله! حتى لا نتخلف عن الركب أرويها قصة وأربطها بواقعنا، ونعيشها كلمة نسأل عنها عند الله يوم القيامة.
стр. 5502
تجهيز جيش تبوك
تخلف بعض الناس عن ركبه ﵊ في غزوة تبوك، فلامهم ﵊، وعاتبهم كثيراً، وما كان لهم أن يتخلفوا أبداً، بل قال الله : ﴿مَا كَانَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُمْ مِنَ الْأَعْرَابِ أَنْ يَتَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ﴾ [التوبة:١٢٠] وما كان لمؤمن ولا مؤمنة ولا مسلمٍ ولا مسلمة أبداً أن يتخلف عن رسول الله ﵊، لا في الصلاة ولا في الزكاة، ولا في الصيام، ولا في السنة ولا في اتباع الظاهر والباطن؛ فإن فعل ذلك فقد خان الرسالة.
وقف ﵊ بعاصمته المقدسة المدينة المنورة يعلن الحرب على الروم، ويخبر أنه سوف يرتحل إلى تبوك فمن شاء فليذهب معه، ليقطع هذه الجزيرة التي تصهرها الشمس في سبيل الله، والتعب في سبيله راحة، والظمأ في سبيله رواء، والجوع في سبيله شبع:
جزى الله الطريق إليك خيراً وإن كنا تعبنا في الطريق
فكم بالجهد بتنا قد نراعي نجوم الليل من أجل الصديق
وقف على المنبر فقال: من يجهز جيش تبوك وله الجنة؟ وهو الذي يضمن وغيره لا يضمن، وهو الصادق وغيره قد لا يصدق في هذه المواقف، وهو المتكلم عن الله بشرعه، على المنبر؟ فقال عثمان: أنا يا رسول الله! -الجيش بجماله وبأحلاسه وبدراهمه وبدنانيره- فدمعت عيناه ﵊، الدموع الصادقة الحارة التي لا تعرف الكذب وقال: ما ضر عثمان ما فعل بعد اليوم، اللهم ارض عن عثمان فإني عنه راضٍ، ثم نزل من المنبر ﵊، ومشى الجيش.
стр. 5503
تخاذل المنافقين
وأتى المنافقون الخونة -ثمانون منافقاً أو أكثر- الذين تعطلهم شهواتهم وأراضيهم وبطونهم وقدورهم عن الجهاد في سبيل الله، والتضحية لمنهج الله، وعن الحضور لصلاة الفجر، والتخلف عن صلاة الجماعة، والدعوة، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، قال تعالى عنهم: ﴿شَغَلَتْنَا أَمْوَالُنَا وَأَهْلُونَا﴾ [الفتح:١١].
جاءوا يستأذنون، يقول أحدهم: يا رسول الله! زوجتي مريضة.
قال: معذور! وهذه أعذار تافهة، لكن عذرهم ﷺ على الظاهر.
وقال الثاني: طفلي مريض! قال: معذور.
وقال الثالث: رأسي يؤلمني! قال: معذور.
وقال الرابع: أنا لا أستطيع الحرب، قال: معذور.
قال الخامس: أنا رجل إذا رأيت بنات الروم أفتتن، قال: معذور.
قال الله من فوق سبع سموات: ﴿عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ﴾ [التوبة:٤٣] أما تعلم أنهم خونة؟
أما تعلم أنهم ما صدقوا في ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة:٥]؟
أما تعلم أنهم ما صدقوا في لا إله إلا الله؟
الآن يزعم أن عدد العالم الإسلامي مليار، لكن أين المليار أمام إسرائيل؟!
عدد الحصى والرمل في تعدادهم فإذا حسبت وجدهم أصفارا
من كل مفتونٍ على قيثارةٍ كلٌ رأيت بفنه بيطارا
أو كاذبٍ خدع الشعوب بدجله عاش السنين بعمره ثرثارا
أو عالم لو مالقوه بدرهمٍ رد النصوص وكذَّب الأخبارا
أذن لهم ﷺ إلا ثلاثة:
منهم كعب بن مالك؛ يروي معاناته، وأنا أرويها لكم هذه الليلة، وهي رواية أبكت أهل العلم، وأبكت الفضلاء على مر التاريخ.
إنها حسرة، وإنها دمعة أن يتخلف الإنسان عن الصلاة، أو عن الجهاد، أو عن فعل الخير.
تخلف ﵁ ولم يكن له عذر، فقد ارتحل ﷺ ، وقال كعب بن مالك الشاعر -وهو من الأنصار الصادقين لكن أراد الله أن يتخلف لحكمة أرادها- والله ما كان لي من عذر، وقد قلت: سوف أرتحل غداً وألحق بالرسول ﵊، وقد ارتحل ﵊ حين طابت الثمار في المدينة، وحين أصبح البلح يتدلى من نخل المدينة، وكان حر الجزيرة يلتهب، فالصحراء تخرج قذائف كالبراكين، والشمس تصهر الناس، ولكن يقول الله عزوجل لهؤلاء الخونة، المارقين المنافقين: ﴿وَقَالُوا لا تَنْفِرُوا فِي الْحَرِّ﴾ [التوبة:٨١] يقول بعضهم لبعض: انتظروا لا تخرجوا في الحر، الحر مؤذي، قال الله عزوجل: ﴿قُلْ نَارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرّاً لَوْ كَانُوا يَفْقَهُونَ﴾ [التوبة:٨١] بالله يا مسلمون! يا أخيار! يا أحفاد محمد ﵊! أي حر أشد الجزيرة العربية في الظهيرة أم حر جهنم:
تفر من الهجير وتتقيه فهلاَّ من جهنم قد فررت
وتشفق للمصِّر على الخطايا وترحمه ونفسك ما رحمت
مشيت القهقرى وخبطت عشوى لعمرك لو وصلت لما رجعت
стр. 5504
حر الجزيرة أثناء غزوة تبوك
خرج ﵊، والحر يلتهب، والشمس المضنية تسحق ذرات الرمل، ومع ذلك أراد الله والدار الآخرة، وذكر الله أنهم لا يطئون موطئاً يغيظ الكفار، ولا يصعدون جبلاً، ولا يهبطون وادياً، أو يجوعون أو يظمئون إلا كان في سجل حسناتهم.
مشى ﷺ بجيش عداده عشرة آلاف يخترق وسط الجزيرة العربية إلى شمالها في اتجاه تبوك، ليطرد المستعمرين والمحتلين والخونة عن حدود الجزيرة؛ لأنه يريد أن يطهرها لتبقى جزيرة لا إله إلا الله، جزيرة (إياك نعبد وإياك نستعين) جزيرة محمد رسول الله:
أنا الجزيرة في عيني عباقرة المجد والفجر والتاريخ والشرف
أنا الجزيرة بيت الله قبلتها وفي ربى عرفات دهرنا يقف
ومشى ﵊ ولما اقترب من تبوك تخلف أبو ذر الغفاري، فقال: أين أبو ذر؟
قالوا: تخلف يا رسول الله! قال: إن يرد الله به خيراً يلحقه معنا، وإن لم يرد الله به خيراً لا يلحقه بنا.
كان أبو ذر له جملاً، فضربه وأراده أن يرتحل ولكن الجمل ما فعل، فأخذ متاعه على ظهره وترك الجمل، وأتى يقتلع خطاه في الصحراء، ليلحق بالرسول ﵊، فلما اقترب قال ﷺ : ﴿كن أبا ذر﴾ فكان أبا ذر.
وكان ﷺ ودموعه تهراق من عينيه يقول: ﴿رحمك الله يا أبا ذر!
تعيش وحدك، وتموت وحدك، وتبعث وحدك﴾
يقول: أحد الفضلاء المعاصرين: " تعيش وحدك؛ لأن مبادئك وحسناتك لا تترك لك من يزاحكمك، وتموت وحدك؛ لأن ميثاقك واحد، وتبعث وحدك؛ لأنك صادق أمة واحدة ".
ونزل ﷺ في تبوك، وتمر به ﷺ قصص هائلة يجدها من يتدبر السيرة.
стр. 5505
دور المنافقين في غزوة تبوك
يأتي المنافقون وهم في كل زمان موجودون، إن سكنت قرية فمعك الأعداء، وإن سكنت مدينة جعل الله لك أعداء:
ليس يخلو المرء من ضد ولو حاول العزلة في رأس الجبل
والله يقول: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوّاً مِنَ الْمُجْرِمِينَ وَكَفَى بِرَبِّكَ هَادِياً وَنَصِيراً﴾ [الفرقان:٣١] وهو الصراع العالمي: ﴿وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ﴾ [البقرة:٢٥١].
في النادي مصارعة بين الحق والباطل، وفي الملعب حرب بين الحق والباطل، وفي الحارة، والحديقة، والشاطئ، والساحة، والجامعة، والمدرسة، وحول المسجد، وفي كل مكان صراع بين الحق والباطل، فقد أراد الله أن يتصارع الحق والباطل، وأراد الله معتركاً عالمياً بين (لا إله إلا الله) (ولا إله والحياة مادة) مثل عراك النور والظلمة، والحلو والحامض، والحار والبارد.
جلس المنافقون يتشفون في محمد ﷺ ، يسبون ويسخرون مثل من يسخر الآن بالأخيار؛ يصفونهم بالتطرف وبالفضوليين وبالأصوليين وبالمتزمتين، وغيرها من التهم التي لا توجه إلا لليهود والنصارى.
فقالوا: ما رأينا كقرائنا هؤلاء أرغب بطوناً، ولا أكذب ألسنة ولا أجبن عند اللقاء؛ يقصدون الصحابة أنهم جبناء ويأكلون كثيراً.
وكان المنافقون مندسين في الصف، والرسول ﷺ لا يعلم الغيب، وإنما يعلمه الله الذي يعلم السر وأخفى.
نزل جبريل ﵇ يقول: في الصف دخلاء وعملاء وخونة، استدعهم الآن واسألهم ماذا قالوا البارحة، فاستدعاهم ﷺ فكانوا يتعلقون بناقته، ويقولون: يا رسول الله! إنما كنا نمزح البارحة، ونخوض ونلعب، ونقطع الطريق، ما أردنا الإساءة: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أبلله وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ * لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾ [التوبة:٦٥ - ٦٦] فالمسألة ليست مسألة استهزاء باللحى والثياب القصيرة والخطب والوعاظ والعلماء، المسألة مسألة هجوم ساحق على الإسلام وعلى الدين، وعلى شباب الصحوة.
إذاً: الحرب شعواء منذ القدم، فالذي يحاربني ويحاربك الآن قد حارب محمداً ﵊، فوالله لقد نجح محمد ﵊ في حرب الإغراء والابتلاء؛ والوسائل التي يجربها دائماً أهل الباطل هي نفسها، جربوا معه الدراهم والدنانير فأبى عليهم، قالوا له: نزوجك أجمل فتاة؟ قال: لا.
قالوا: نملكك على العرب؟ قال: لا.
قالوا: نجمع لك مالاً حتى تكون أغنى الناس؟ قال: لا.
قالوا: أتترك مبادئك وعقيدتك؟ قال: ﴿والذي نفسي بيده! لو وضعتم الشمس في يميني والقمر في يساري على أن أترك هذا الأمر ما تركته حتى يظهره الله أو أهلك دونه﴾ فلله درك، هكذا فلتكن التضحيات والشجاعة، وجربوا معه الإيذاء.
سجد عند الكعبة فأتوا بسلى الناقة فوضعوه على رأسه، فقام يبعد الدم عنه، ويقول: ﴿اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون﴾.
أخذوا بناته يضربونهن في وجوههن أمامه، فقال: ﴿اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون﴾.
أخرجوه من مكة وحاصروه، فقال: ﴿اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون﴾.
طردوه إلى الطائف فطرده أهل الطائف وأدموا قدميه، فقال: ﴿اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون﴾.
يقول له ملك الجبال، أتريد أن أطبق عليهم الأخشبين؟ -جبلي مكة -فيقول: ﴿إني أسأل من الله أن يخرج من أصلابهم من يعبد الله لا يشرك به شيئاً﴾ هذا الذي نجح فيه ﷺ .
هؤلاء استهزءوا فكفرهم الله: ﴿قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ * لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾ [التوبة:٦٥ - ٦٦].
стр. 5506
كعب بن مالك وتخلفه عن الركب
وانتهت الغزوة في مواصفات كثيرة، وفي أحداث مبكية مضنية، ورجع ﵊.
أما كعب بن مالك فهو في المدينة يعيش أياماً سوداء في حياته، قال: [[كنت أخرج بعد ذهاب الرسول ﵊، وبعد ذهاب الصحابة فلا أرى إلا شيخاً كبيراً في السن، أو عجوزاً، أو امرأة، أو رجلاً مغموساً عليه في النفاق، فلما اقترب ﵊ من المدينة قال: حضرني بثي وحزني]] وكان كعب بن مالك شاعراً بليغاً، يجهز المعاذير لكنها سوف تتساقط، ويأتي بحجج يتحفظها في صدره لكنها سوف تهوي.
واقترب ﷺ من المدينة، وكان إذا اقترب من المدينة يدخلها وقت الضحى فيستقبله أهل المدينة كأعظم ما يستقبل الأخيار إمامهم وعظيمهم وفاتحهم.
والصحيح عند أهل السير أن الأطفال خرجوا يحيونه بـ (طلع البدر علينا) يوم أتى من تبوك، خرج الأطفال من المدينة والجواري -البنات الصغار- خرجن على أسقفة المنازل يحيون أعظم قائد عرفه تاريخ الإنسان، فقد أخرج الناس من عبودية الإنسان للإنسان لعبودية الإنسان لرب الإنسان، وأخذوا يهتفون:
طلع البدر علينا من ثنيات الوداع
وجب الشكر علينا ما دعا لله داع
أيها المبعوث فينا جئت بالأمر المطاع
جئت شرفت المدينة مرحباً يا خير داع
стр. 5507
استقبال كعب بن مالك للنبي ﷺ
أخذ ﷺ يوزع البسمات على هؤلاء، ويحمل أحياناً الأطفال ويقبلهم وينزلهم من على راحلته، ومرة يردف أحدهم ومرة يجعله وراءه؛ لأنه أبو الأطفال، واليتامى، والمساكين، ومحرر المرأة، ورافع حق الإنسان، وموجد حق الحوار.
فوصل ﷺ ودخل المسجد فصلى ركعتين، فأما المنافقون فاعتذروا فعذرهم ﷺ وخرج، وأما كعب بن مالك فجلس أمام الرسول ﷺ والحسرة تملأ قلبه.
وانظر إلى عِظَم الحسرة! وهي أن يتخلف تلميذٌ عن شيخه في إحدى مقامات التضحية، لم يكن هناك تحضير للأسماء، لكن الله يعلم الغيب وأخفى، سجل عشرة آلاف الله يعلمهم واحداً واحداً، وأخبر رسوله أن ثلاثة تخلفوا، لكن هؤلاء الثلاثة لهم مكانة في الإسلام.
أتى كعب بن مالك فجلس أمام الرسول ﵊، وقال: [[يا رسول الله! والله لو جلست أمام أحدٍ من أهل الدنيا غيرك لظننت أني سوف أخرج بحجة، فإن الله آتاني بياناً وجدلاً، ولكن يا رسول الله! والله إن اعتذرت لك اليوم بعذر كاذب وترضى عني، فإني أخشى أن يسخطك الله عليَّ ويسخط الله عليَّ، وإن اعتذرت لك بعذر صادق وتغضب عليَّ أسأل الله أن يرضيك ويرضى عني، أما أنا فلا عذر لي.
قال: قم ويقضي الله في شأنك ما شاء، فقام فتلقته قبيلة بني سلمة، قالوا: ما رأيناك فعلت فعلاً أقبح من فعلك إلا عذرك، عد إليه واعتذر ولو كنت كاذباً.
قال: فأردت أن أعود فأكذب نفسي، فذكروا لي رجلين من أهل بدر تخلفا معي واعتذرا بمثل عذري.
فقلت: لا ولم ألتفت إليهم]].
стр. 5508
إعلان المقاطعة على كعب بن مالك
عاد كعب إلى بيته وأعلن ﵊ في الناس مقاطعة هؤلاء الثلاثة، لا يزارون ولا يكلمون ولا يسلم عليهم ولا ينكحون، ولا يُباع منهم ولا يُشترى، ولا يلقون أبداً ولا يحيون.
وسمع كعب بن مالك فضاقت عليه الدنيا بما رحبت، لا إله إلا الله! وهذا تأديب من الله لهم.
لعل عتبك محمود عواقبه وربما صحت الأجسام بالعلل
وهذا تأديب يفعله الزعماء الأخيار، والفاتحون العظماء -الذين هم على بصيرة من الله لكي يكون دواءً.
وهكذا يفعل بأهل المعاصي، فمن وعظته ونصحته ولنت له وبينت له الحق ثم لم يستجب لك فاهجره، حتى يرى أنك على دين الله .
أما أن تُآكل أهل المعاصي، وتشاربهم، وتستقبلهم في بيتك، فهذا معناه: أنك تتضامن وتتكاتف معهم، ومعناها: أنك تتوحد معهم ضد الله : ﴿لا تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ [المجادلة:٢٢].
يقول ﵊ فيما يروى عنه: ﴿إنما أهلك بني إسرائيل أنهم كان أحدهم يلقى أخاه على المنكر فيقول له: اتق الله لا تفعل، ثم لا يمنعه ذلك أن يكون أكيله وشريبه من آخر النهار﴾ أي: تمييع الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وتضييعه، يسمونه الآن جرح للمشاعر، ويسمونه التدخل في شئون الغير، ويسمونه بتسميات حتى يصفونه بأنه فتنة وهو الحق الصُرَاح.
مقاطعة أعداء الله عزوجل أو من فيه معصية أو انحراف لا بد أن يكون لكي يكون هناك بيان واضح للناس.
وبقي كعب لا يكلمه أحد، فاسمع الآن لمعاناته، يقول: أنزل إلى السوق فأسلم على الناس فلا يردون عليَّ السلام.
وفيه درس امتثال المسلمين لرسولهم ﵊، وإلا ليس هناك مراقبة لهم بتجسس، أو بطريقة بوليسية تخبر الرسول ﷺ من الذي يرد على كعب أو يسلم عليه، السوق لا تنقل أخباره إلى الرسول ﵊.
بل يقول ﷺ : لا تكلموهم، فينزل كعب فيقول: السلام عليكم ورحمة الله، فلا يرد عليه أحد من أهل السوق؛ لأن الرسول ﷺ أعلن مقاطعته، وحضر السلام عليه واستقباله ومبايعته ومشاراته.
يأتي بسمن يريد أن يبيعه في السوق، فيقولون: لا نشتري منك.
قال: أريد سمناً، قالوا: لا نبيعك.
فقال: أريد ثوباً؟ قالوا: لا نبيعك أبداً، منع الرسول ﵊.
стр. 5509
صور من معاناة كعب بن مالك
يعود إلى بيته فيسلم على أهله، فلا يردون ﵇.
يطرق الباب على جيرانه فيقول: السلام عليكم فلا يردون.
قال: فلما ضاقت عليَّ الأرض بما رحبت تسورت -أي: تسلقت- حائط ابن عمي أبي قتادة.
وهو أحد الأبطال، وفارس الرسول ﷺ ، وهو جار كعب وابن عمه ومن أحب الناس إليه، وقد تسور عليه كعب؛ لأنه لا يفتح له الباب أبداً، فصعد عليه من الجدار وسقط في حوش بيته، فخرج أبو قتادة، وقال كعب: السلام عليك ورحمة الله وبركاته، فما رد أبو قتادة ﵇، قال يا أبا قتادة: أنشدك الله عزوجل هل تعلم أني أحب الله ورسوله؟
فسكت أبو قتادة، فأعاد عليه ثانية، فسكت، فأعاد عليه ثالثة، فقال كلمة في منتهى البرودة والجفاء -ولو أنه قريبه ومع أن الرسول ﷺ لا يدري إلا أن يخبره الله- قال: الله ورسوله أعلم، ففاضت دموع كعب وبكى.
فهذا موقف مؤثر، لكن إن دل على شيء فإنما يدل على مدى النفس الإيمانية التي عاشها السلف، ومدى اتباعهم للرسول ﵊ وصدقهم معه.
فالرسول ﷺ يقول للناس: اجلسوا؛ فيجلس ابن رواحة خارج المسجد في الشمس.
قالوا: لماذا تجلس في الشمس؟ قال: لأن الرسول ﷺ قال: اجلسوا.
ويستمر بـ كعب وبقية الثلاثة الحال وقد ضاقت عليهم الأرض بما رحبت كما ذكر الله في محكم التنزيل.
فتغيرت الأرض، فما هي بالأرض التي يعرفونها، وتغير لون الشجر، وهذا كما قال ابن القيم: "المعصية تغير البصائر والأبصار"، والله تعالى يقول: ﴿وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُون﴾ [الأنعام:١١٠] وفيه دليل عند الفضلاء المتأخرين من أهل التفسير: أن الشيوعية سوف تسقط، قالوا هذا: قبل خمس وعشرين سنة، وسقط قبل أيام الحزب الشيوعي، وخرجوا عراة الأجساد أمام الدبابات يطرحونها، فهم يريدون أن تعود لهم حرية التنفس والرأي، ويقولون: الموت والخزي والعار للشيوعية.
والله يقول: ﴿فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ [الروم:٣٠] فهم خالفوا الفطرة، فقال سبحانه: ﴿وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ [الأنعام:١١٠].
стр. 5510
رسالة ملك غسان إلى كعب بن مالك
اسمع إلى حدث وقع: خرج كعب بن مالك إلى السوق يريد أن ينظر إلى الناس فقط، وبينما هو في السوق إذا برجل من النصارى العرب.
فقومية العرب بلا إسلام، فالذين حاربوا الرسول ﷺ في بدر وفي أحد وفي الأحزاب وأهل صبرا وشاتيلا، وأيلول الأسود، واحتلال الكويت، هم بلا إله إلا الله محمد رسول الله.
فأتى الرجل برسالة من ملك الغساسنة لـ كعب بن مالك، قال: فأخذت الرسالة فإذا هو يقول: من ملك الغساسنة إلى كعب بن مالك أمَّا بَعْد: فسمعنا أن صاحبك قد جفاك -أي: الرسول ﷺ ، وانظر إلى تلهف أهل الباطل- ولم يجعلك الله بدار هوان، فالحق بنا نواسك.
فتعال نكرمك، ونحترمك، وننزلك منزلتك، لا إله إلا الله، والله لو كان كعب بن مالك من أهل الدنيا، والذين يبحثون عن المناصب، والذين ضيعوا حياتهم في الوظائف والسيارات الفخمة والقصور بلا مبادئ لركب راحلته وذهب إلى ملك الغساسنة، ولقال: ماذا أفعل بالرسول ﷺ ؟ فقد قاطعني في المدينة، وحجبني عن أهلي وأصحابي وزملائي؛ ولذلك نرى بعض الناس ينضم إلى معسكرات الكفر بمجرد كلمة، وهذا من ضعف الولاء والبراء، وضعف الانقياد لله عزوجل، فماذا فعل ابن مالك؟
كان بإمكانه أن يشقق الرسالة، لكن أراد أن يصهرها بالنار ليعلم الله أنه صادق.
قال: [[فتيممت بها التنور فسجرته بها]] إلى حيث ألقت رحلها أم قشعم.
وهذه مبادئ أهل الباطل دائماً تحرق، وأعلامهم دائماً تمزق: ﴿بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ وَلَكُمُ الْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ﴾ [الأنبياء:١٨].
стр. 5511
تعزيز المقاطعة باعتزال النساء
وعاد كعب بن مالك وأتى الإعلان الثاني، قال ﷺ : اذهبوا إلى الثلاثة الذين تخلفوا وقولوا لهم: اعتزلوا نساءكم.
الله أكبر! فذهبوا إلى الثلاثة فأخبروهم، فقال: كعب بن مالك: ماذا نفعل: أنخرجهنَّ من بيوتنا؟ قال: لا.
بل لا تقربوهن، فهي تبقى عندك في البيت ولكن لا تقربها أبداً؛ جزاءً ونكالاً حتى يتحرر هذا الإنسان ويكون عبداً لله ؛ لئلا يكون للشيطان فيه حظ وللرحمن حظ، لأننا نجد كثيراً من الناس أن للمجلة الخليعة وللمصحف منه حظ، وللمقهى وللمسجد منه حظ، وللموسيقى وللتلاوة منه حظ، ولأولياء الله وللشيطان والشريرين في العالم منه حظ، لا.
بل لا تكون عبداً لله حتى لا يكون لأحدٍ سوى الله منك حظ.
كان عمر يسجد، ويقول: [[اللهم اجعلني عبداً لك وحدك]] لله درك فما أحسن هذا الكلام.
فإنك ترى من الناس من هو عبد للسيارة، وعبد للوظيفة، وللمنصب، وللأغنية، وللكرة، وللمجلة، وللفيديو، وللمسلسل، وللهواية: ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً﴾ [الجاثية:٢٣] ويقول ﵊ في الصحيح: ﴿تعس عبد الدينار -بعض الناس يعبد المال، وهو أحب إليه من الله- تعس عبد الخميصة، تعس عبد الخميلة، تعس وانتكس وإذا شيك فلا انتقش﴾ وبعضهم يعبد العمارة والتخطيط والصبة والخلطة والحديد ولبن البناء.
وبعضهم يعبد السيارة، فتجد اعتناءه بشخصيته وسيارته أكثر من اعتنائه بصلاته، وهؤلاء يسمون الهامشيون في الحياة، أو الذين هم خارج الخارطة.
يقول كعب بن مالك عن المعاناة: [[فنزلت إلى المسجد، فكنت أسارق الرسول ﷺ النظر، فإذا أتيت إليه، قلت: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، فألتفت إليه هل يحرك شفتيه بالسلام عليَّ فلا أسمعه يقول شيئاً، فإذا أقبلت على صلاتي أقبل عليَّ، وإذا سلمت انحرف عني]] تصور معلم البشر ﵊ أفضل من خلق الله، وأصدقهم وأخلصهم يعامل هذه المعاملة.
يأتي يسلم عليه فلا يرد، فيقبل كعب بن مالك على صلاته فينظر إليه الرسول ﷺ ، فينظر في قامته وفي وجهه ويتأمل فيه ﷺ ، وذاك يشعر في الصلاة أن الرسول ﷺ ينظر إليه، فإذا نظر إليه كعب رجع ﷺ ونكس ببصره الشريف إلى الأرض.
واستمرت الليالي تلو الليالي، واستمرت المعاناة:
أيها المحرقون في كفى دار فالدموع التي تركت غزار
كلها ومضة إلى المصطفى الهادي وفي كفنا العظيم انتصار
стр. 5512
الفرج بعد الكرب ينزل على كعب بن مالك
أتى الفرج من الله والفرج دائماً يأتي من عنده، ولذلك يقول تعالى: ﴿أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ﴾ [الملك:١٦] والذي في السماء هو الله.
يعرفها الأعرابي البسيط الذي علمه محمد ﷺ ، أعرابي يصلي مع الناقة لكنه مثقف ثقافة إيمانية أوصلته إلى أن يعرف الله ، فيصلي ركعتين في الصحراء للواحد الأحد.
قال له أحد الوثنيين الملحدين: "لمن تصلي؟ قال: لله.
قال: هل رأيته حتى تصلي له.
قال: البعرة تدل على البعير، والأثر يدل على المسير، فسماء ذات أبراج، وليل داج، ونجوم تزهر، وبحر يزخر، ألا يدل على السميع البصير" بلى، هذه عقيدة التوحيد التي أخرجها ﷺ إلى الناس.
إنها ثقافة الإنسان يحملها الأعرابي في الصحراء.
أعرابي بدوي صلى مع عمر بن الخطاب في آخر الصفوف، ومعه سيف بتار، فخطب عمر، وعلى عادته يفتح مجال الشورى، وسماع الحوار، والنصيحة، والرأي الآخر.
قال عمر: [[أيها الناس! كيف أنتم لو رأيتموني ملت عن الطريق هكذا -يشير بيده على المنبر- يعني: ما رأيكم لو اعوججت عن الطريق، أي: ملت، أو خنت، أو تركت شرع الله، أو حكمت بغير ما أنزل الله.
فسكت الصحابة، وقام الأعرابي من آخر المسجد -أقلهم ثقافة، أو يعرف بمستوى عصرنا الإسلام، لا من أعرفهم- وسل سيفه، وأشاح به في آخر المسجد، وقال: والله يا أمير المؤمنين! لو رأيناك ملت عن الطريق هكذا، لقلنا بالسيوف هكذا، فتبسم عمر، وقال: الحمد لله الذي جعل في رعيتي من لو ملت عن الطريق هكذا لقال بالسيف هكذا]] لم يقل: خذوه فغلوه، ثم الجحيم صلوه، ثم في سلسلة ذرعها سبعون ذراعاً فاسلكوه، اغمطوه، ورشوه، واسحقوه، هذه مسيرة ميشيل عفلق "أمة واحدة ذات رسالة خالدة" حتى يقول فيهم الشاعر:
وحدويون: هم هذا العرب بدون إسلام.
وحدويون والبلاد شظايا كل جزء من لحمها أجزاء
ماركسيون والجماهير جوعى فلماذا لا يشبع الفقراء
لو قرأنا التاريخ ما ضاعت القدس وضاعت من قبلها الحمراء
ماركسيون في عدن يقولون: أتينا نحرر الإنسان، أتى رجل عدني مسلم يحج ويعتمر فقال له أحد العلماء في المسجد الحرام: "كيف حالكم مع الماركسية والشيوعية؟ قال: القائم سدحوه، والقادح قدحوه".
هذه هي شيوعية الغاز، وشيوعية السكر، وشيوعية الخطوط المزفلتة، يقف الواحد عندهم طابوراً بالبطاقة يأخذ كيلو سكر في ساعتين؛ ولذلك خرجوا ثائرين في موسكو ضد هذه الخيانة والظلم والتعسف وكسروا الحديد.
يقول أحد العلماء: سافرت إلى موسكو في عهد برجنيف في مهمة في جمع مخطوطات ومعلومات، قال: "مررت بالحدائق ذات الأسلاك، وقد وضع فيها الناس كالحيوانات، عندهم ماء وخبز وصناديق تظللهم من الشمس؛ لأنهم خرجوا على الحزب الشيوعي "مثل معاملة الحمير، كأنها حظيرة حمير.
فالرسول ﷺ أوقفهم أمام الأمر الواقع حتى يأتي العفو من الله، لأنه إذا عفا عنك البشر ولم يعفُ عنك الله فلن ينفعك، والله يقول: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ﴾ [آل عمران:١٣٥] ثم قال: ﴿وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ﴾ [آل عمران:١٣٥].
هل سمعتم أن أحداً من الناس يملك أن يغفر ذنبك إلا الله؟
هل سمعت أن باستطاعة أي إنسان أن يمحو خطيئتك إلا الله؟
لا.
﴿وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ﴾ [آل عمران:١٣٥].
ثم ذكر أنه يجيب المضطر، وهذه من الأمور التي تقصم ظهور الشيوعية، أنه لا يجيب المضطر إلا الله، وفي حالة من اضطرار الإنسان يعرف أن هناك إلهاً واحداً مدبراً رازقاً خالقاً متصرفاً في الكون.
يركب الوثني العربي سفينته في البحر الأحمر، فإذا هزته الريح -وهذا قبل مبعث الرسول ﵊ يقول: يا الله! يا الله! يا الله! فالله يذكرهم، يقول: ﴿فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [العنكبوت:٦٥].
ولذلك مجموعة الأمريكان الذين ألفوا كتاب: الله يتجلَّى في عصر العلم، إنما أسلموا بسبب رسو سفينة في المحيط الأطلنطي وأخرجهم الله؛ لأنهم نادوا الله.
لأن الإنسان على الفطرة، إذا ضاقت به الحيل التفت إلى الله ودعا الله ، قال تعالى: ﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ﴾ [النمل:٦٢].
стр. 5513
بعد خمسين ليلة
وقف كعب بن مالك في هذه المرارة بعد أن مرت به خمسون ليلة، وهو في كل ليلة لا ينام، تزوره كل ليلة، حملة هائلة من الهموم:
وزائرتي كأن بها حياء فليس تزور إلا في الظلام
بذلت لها المطارف والحشايا فعافتها وباتت في عظام
أبنت الدهر عندي كل بنتٍ فكيف نجوتِ أنت من الزحام
وبعد ذلك أتى الفرج من الله، ونزل جبريل على الرسول ﷺ بقوله تعال: ﴿وَعَلَى الثَّلاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ وَظَنُّوا أَنْ لا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا﴾ [التوبة:١١٨] وعاد برحمته ليعودوا، وهداهم إلى التوبة ليهتدوا إلى صراط الله المستقيم.
أيها الفضلاء: يا أبناء الأمة! يا أمة التوحيد: من أراد الله وجده، يعرف ذلك من جرب الدعاء في الضوائق والشدائد أن الله قريب، وأنه يكشف الكرب، وأنه أقوى قوة تنصر الإنسان حين يلتجئ إليه: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [العنكبوت:٦٩] والله يقول: ﴿إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ * يَوْمَ لا يَنْفَعُ الظَّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ وَلَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ﴾ [غافر:٥١ - ٥٢] والله يقول: ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ وَيُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِنْ دُونِهِ﴾ [الزمر:٣٦] ويقول: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأنفال:٦٤] أي: يكفيك الله، ومن ركن إلى الله فلا يخاف.
стр. 5514
نزول التوبة من السماء
نزلت توبة الثلاثة من السماء قبل صلاة الفجر، ولماذا نزلت قبل صلاة الفجر ولم تنزل قبل صلاة العشاء، أو بعد المغرب، أو قبل العصر أو بعده، أو في الظهر؟
قال بعض الفضلاء: نزلت قبل صلاة الفجر؛ لأن هذا الوقت وقت نزول الرحمات، ولأن الله في كل ليلة -كما هو معتقد أهل السنة والجماعة - يتنزل إلى سماء الدنيا، فيقول:
هل من سائل فأعطيه؟
هل من مستغفر فأغفر له؟
هل من داعٍ فأجيبه؟
وأنا أقول: إن على الإنسان أن يعرض نفسه أمام هذا الفيض الإلهي، وأمام الرحمة المباركة التي لا تنقطع، وأن يعرض نفسه على ربه، وإن وقع في زنا أو مخدرات أو ترك الصلاة، أو ارتكاب فواحش ومنكرات، أو تخلف عن الصلوات، أو قطيعة لميثاق الله، أو غير ذلك، ليقول: أخطأت وعدت.
فالله عزوجل في الثلث الأخير من الليل -يوم لا يقوم إلا الخواص من أوليائه- يبارك في تلك الدقائق وفي تلك الساعات.
نزلت توبتهم على الرسول ﵊، فتسابق الناس من يخبرهم أولاً؛ فأتاه فارس على فرس، ورجل يسعى وآخر يمشي.
صلى كعب بن مالك الفجر ثم جلس على سقف بيته -وبيته وبين الرسول ﷺ جبل سلع - يسبح الله في حالة من الضنك والأسى واللوعة والهم والغم كما وصفه الله، وإذا برجل على جبل سلع، يقول: يا كعب بن مالك! أبشر بتوبة الله عليك، فيسجد على التراب سجدة الشكر لله:
وحسان الكون لما أن بدت أقبلت نحوي وقالت لي إلي
فتعاميت كأن لم أرها حينما أبصرت مقصودي لديّ
وإذا الحسن همى فاسجد له فسجود الشكر فرض يا أخي
سجد لله عزوجل، ثم رفع رأسه ودعا الله وانهلت ودموع الفرح تنهل من عينيه:
طفح السرور عليَّ حتى إنني من عظم ما قد سرني أبكاني
وهي دموع باردة ليست دموعاً حارة كدموع الأسى واللوعة والحزن، لكن دموع باردة هي دموع الفرح، ودموع التائبين، ودموع تحصل على أعظم جائزة يطمح إليها البشر وهي جائزة رضوان الله، لا جائزة نوبل ولا غيره، جائزة رضوان الواحد الأحد أن يرضى عنك.
يقول أحد الناس: ليتني كنت مع الصحابة تحت الشجرة؛ لأعيش مشاعرهم يوم بايعوا الرسول ﷺ على الموت، ثم أنزل الله جبريل من السماء، يقول: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ﴾ [الفتح:١٨] حتى تدري أنت باسمك واسم أبيك أنك من الذين بايعوا تحت الشجرة وأن الله رضي عنك، لا إله إلا الله.
قال: وأتى الفارس على الفرس لكن صاحب الصوت الذي في الجبل سبقه، قال: فأردت أن أكرمه -هذا المبشر الذي يبشرك بشيء لا بد أن تكرمه، وأعظم ما يبشرك أن الله تاب عليك- فخلعت ثوبي له وبقيت في إزار وأعطيته، لم يكونوا يملكون من الدنيا شيئاً، حكموا ثلاثة أرباع الكرة الأرضية بالرماح الممشوقة، والسيوف المثلمة، ودخلوا يصلون ويكبرون في قرطبة، وخطبوا في الحمراء، وسجدوا لله في أسبانيا وسيبيريا والأندلس والسند والهند وطاشقند وغيرها.
هذه الجمهوريات الروسية التي تنفصل عن الاتحاد السوفيتي فتحها أجدادنا بالرمح والسيف والبغال، جمهوريات كازخستان جمهورية البخاري، وجمهورية أزبيكان جمهورية الترمذي وسيبويه والكسائي وعلماء الإسلام، نعم!
قال: وذهبت إلى ابن جاري فاستعرت ثوباً لأقابل الرسول ﵊، لم يجد ثوباً آخر ليحمله أو ليرتديه، فأخذ ثوباً آخر من ابن جاره.
стр. 5515
لقاء الأحبة بعد فرقة
مشى إلى الرسول ﷺ بعد صلاة الفجر، وكان ﷺ إذا صلى الفجر جلس للصحابة يؤول الرؤيا التي تعرض عليه، ويسمع ما وقع في الأمة من وقائع، ويجيب ﷺ .
قال فدخلت المسجد، فقام لي طلحة بن عبيد الله، والله ما قام لي إلا هو ولا أنساها لـ طلحة؛ يعني: من التبجيل أنه قام له وعانقه.
أحد العلماء يمشي وأحد الأدباء جالس، فقام الأديب فقال العالم لا تقم، قال:
قيامي والإله إليك حقٌ وترك الحق ما لا يستقيمُ
وهل رجلٌ له لبٌ وعقلٌ يراك تجي إليه ولا يقوم
عانقه طلحة، فأما الرسول ﷺ فهش وبش، عاش السرور كله ﵊ كأن الفيض له وحده، وكأن الفرح له وحده، قال: فتهلل وجهه ﵊ حتى استنار، والذي نفسي بيده إني أرى أباريق وأسارير وجهه ﵊، وكان إذا استنار وجهه أصبح كالقمر ليلة أربعة عشر، فرحاً بأن أحد محبيه تاب الله عليه، والله يقول له: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة:١٢٨].
стр. 5516
باب التوبة مفتوح
والله لو تركت الرحمات للبشر ما رحم أحدٌ أحداً، الآن بعض الناس يحجر على الناس طريق التوبة، وتجد بعض الناس يريد أن يغلق باب التوبة على الناس.
رجل من بني إسرائيل قال لأحد الفسقة: ﴿تب إلى الله، قال: اتركني وربي -يقول الفاسق للعابد: اتركني وربي، أنا أصطلح مع الله- قال: والله لا يغفر الله لك -أصدر حكماً من الأرض، والذي في السماء يرفض هذا الحكم- فأوحى الله إلى موسى: من الذي يتألى عليَّ -من الذي يحلف علي: ﴿وَاللَّهُ يَحْكُمُ لا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ﴾ [الرعد:٤١] ويقول: ﴿وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ﴾ [يوسف:٢١]- أشهدكم يا ملائكتي أني قد أحبطت عمل هذا العابد، وغفرت لهذا الفاسق، فليستأنف العمل﴾.
صلى ﵊ إحدى الصلوات -إما الظهر أو العصر- فصلى معه أعرابي أتى من البادية وكان يتحملهم ﷺ كثيراً وقبل أن يسلم الأعرابي من التحيات قال: " اللهم ارحمني ومحمداً ولا ترحم معنا أحداً " انظر العبارة ما أحسنها.
ضاقت عليه الأدعية إلا هذا الدعاء، فسلم ﵊ ولم يكن ينادي بالأسماء -قال: من القائل، وهو يعرف أنه هذا؛ لأن أبا بكر لا يقول هذا، ولا عمر، ولا أُبي، قال من القائل آنفاً: اللهم ارحمني ومحمداً ولا ترحم معنا أحداً، فسكتوا، وقال الأعرابي: أنا يا رسول الله! قال: ﴿لقد تحجرت واسعاً﴾ والله رحمت الله وسعت كل شيء، يقول: ﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ﴾ [الأعراف:١٥٦].
تهلل وجهه ﷺ وارتاح عند رؤية كعب، وهذا واجب إيماني أن ترتاح إذا تاب الله على أخيك، أو عاد ضالٌ من ضلاله، أو رجع علماني، أو تاب حداثي، أو كان هناك متخلفاً عن المسجد ثم صلى وسلك الهدى، أو كان هناك من يتناول المخدرات فتاب الله عليه، أما أن تكون مصدر إزعاج وتشهير عليه، وتقول: أنت الذي كنت تفعل وتفعل، هذا خطأ ولا يقره الإسلام، بل تفرح وتحمد الله على هذا الفضل، وتشاركه السرور.
стр. 5517
من ثمار التوبة
قال ﷺ : ﴿يا كعب بن مالك! -هذا بيانه ﷺ بالتوبة- أبشر بخير يومٍ مر عليك منذ ولدتك أمك﴾ خير يوم منذ ولدته أمه هو ذاك اليوم، قال شيخ الإسلام: "وفيه أن يوم التوبة هو أفضل يوم يمر على الإنسان، وفيه أن العبد يكون بعد التوبة أرفع منه قبل التوبة"؛ فإن كعب بن مالك قبل هذا الذنب لم يكن كدرجته بعد الذنب والعودة إلى الله عزوجل، بل كان أرفع وأرفع كثيراً.
وفيه: أن الخطايا يكفرها الله لمن تاب.
وفيه: أن الله لا يتعاظمه ذنب.
وفيه: أن العبد عليه أن يصلح حاله بعد الذنب ليدرأ بالحسنة السيئة إلى غير ذلك من القضايا.
قال كعب: [[يا رسول الله! أمن عندك أم من عند الله؟]] يريد أن يتأكد من الخبر، يقول: التوبة من عندك يا رسول الله! أو من عند الله ؟ قال: ﴿بل من عند الله﴾ لأنه هو الذي يتوب على من تاب، وهو الرحمن الرحيم.
قال: يا رسول الله! فإن من توبتي أن أنسلخ من مالي.
يقول: مالي أدفعه يا رسول الله! مزارعه وأملاكه وماله ودراهمه ودنانيره، يدفعه للرسول ﵊ في سبيل الله، لا إله إلا الله! أي قدرات تلك القدرات، أي تضحيات أن يبلغ بالإنسان أن يتخلى في لحظة واحدة عن كل ما يملك، تصور وأنت جالس تتوب أمام الله، وتقول: لا أعود بشيء وأتوب إلى الله وأنسلخ من مالي.
قال ﷺ : ﴿أمسك عليك بعض مالك فهو خيرٌ لك﴾ وهذه حكمته ﵊ ألا يتخلى الإنسان ويضيع أمواله، أو ينفقها مرة واحدة ويبقى متكففاً للناس، لأن الحياة تحتاج والأسرة والأطفال محتاجون إليه، ولا بد أن يبقى معه شيء من قوام عيش ومن عصب حياة.
стр. 5518
ما يستفاد من قصة كعب بن مالك
تلكم هي قصة كعب وتوبته وإنابته، وعودته إلى الله.
فما هي الدروس المستفادة إذن، من الدروس أيها المسلمون:
стр. 5519
التخلف عن مجال الخير خسارة
لا ينبغي للعبد أن يتخلف عن مجال الخير، ولا يثبطه الشيطان فإن الله يقول: ﴿وَلَوْ أَرَادُوا الْخُرُوجَ لَأَعَدُّوا لَهُ عُدَّةً وَلَكِنْ كَرِهَ اللَّهُ انْبِعَاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ وَقِيلَ اقْعُدُوا مَعَ الْقَاعِدِينَ﴾ [التوبة:٤٦] فقد تسمع النداء فتتخلف وتقول: أنتظر دقائق حتى تقرب الإقامة، بل قم إلى المسجد، واذهب إليه من أول الوقت؛ لأن الشيطان يثبطك حتى يضيعك من الصلاة.
إذا سمعت عن المحاضرة والدرس واللقاء العلمي والفائدة وكل عمل فيه خير فلا تتوقف بل بادر فإن الشيطان سوف يثبطك، وهذا درس من هذه القصة لأن الله لام من تخلف.
стр. 5520
البذل في سبيل الله والصبر من أجل الله
وفيه أيضاً من الدروس: أجر من بذل في سبيل الله ، وأن ما يأكله العبد، أو يلبسه، أو يبنيه؛ إنما هو في قسم الضياع، أما من ادخره عند الله عزوجل فلن يضيع:
يا عامراً لخراب الدار مجتهداً بالله هل لخراب الدار عمران
ويا حريصاً على الأموال تجمعها أقصر فإن سرور المال أحزان
ومن الدروس أيضاً: أن على المسلم أن يجاهد بنفسه، وأنه مهما تعرض له من ألم أو أذى أو مشقة أو تشهير أو تبكيت أو تعنيف في جانب الله وفي سبيل الله فهو سهلٌ ميسر، وعذب وزلال.
حتى يقول ابن القيم: "يا ضعيف العزم! ناح في هذا الطريق نوح، وذبح فيه يحيى، وقتل زكرياء وضرج عمر بدمه في المحراب، وذبح عثمان، وقطع رأس علي -لماذا؟ لأنهم حملة المبادئ- وسجن الأئمة، وجلدت ظهور العلماء، وأودعوا السجون؛ لماذا؟ لقوله تعالى: ﴿أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ * وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ﴾ [العنكبوت:٢ - ٣] لا يظن مسلم ولا مسلمة، ولا يظن صالح أو داعية، أو من يحمل هموم هذا الدين أن الطريق سوف تفرش له بالياسمين والورد بل هي بالشوك مفروشة؛ لأن الله أراد أن يمحص أولياءه الذين يريدون طريق الجنة:
قد حفت الجنة بالمكاره والنار بالذي النفوس تشتهي
مع كون كل منهما أدنى إلينا من الشراك في نعلينا
стр. 5521
فضل أبي ذر
ومن الدروس أيضاً: فضل أبي ذر؛ والشيوعية تعتقد أن أبا ذر في صفها، وقد ألف في موسكو كتاباً اسمه أبو ذر قائد الثورات ومدبر الانقلابات، رسموه على الغلاف مع لينين، ومعه عكاز ولحية طويلة وعليه قبعة.
وكذبوا لعمر الله؛ لأنه كان دخل في مسألة في الدين يقول: ممنوع الاكتناز؛ لأنه فهم الآية على غير ما فهمها الصحابة، يقول الله : ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [التوبة:٣٤] وقد أخطأ الكاتب الأستاذ: خالد محمد خالد في كتابه رجال حول الرسول في ترجمة أبي ذر، وهو يقول أنه مدبر الثورات، وعدو الثروات، فهذا ليس بصحيح، بل أبو ذر أخطأ في هذه المسألة، ولكن رعى الله أبا ذر وحماه، لم يكن في المعسكر الشيوعي أبداً بل كان مسلماً حنيفاً صادقاً ولم يكن من المشركين.
стр. 5522
لا يسكت على المستهزئين بالدين
ومن الدروس أيضاً: أنه لا يجوز للإنسان بحال أن يحضر أو يسكت في مجلس تهان فيه القيم، ويلعب بالمبادئ، ويشهر بأهل العلم والدعاة وطلبة العلم والعلماء والدين، فلا يجوز له بحال أن يسكت، فإن هذا من الخطأ الكبير، فالحذر كل الحذر.
وسمعت والعياذ بالله أن بعض الناس يقلد أصوات العلماء ويستهزئ بفتاويهم، ويقلد نغمات صوتهم، وهيكلهم بالمشي وبالجلوس، ويستهزئ ببعض أصوات المؤذنين والأئمة وخطباء المساجد؛ فحسيبه الله ونسأل الله أن يهديه، لكن الإنسان لا يمكن بحال أن يجلس في مجلس يطعن فيه بالدين، وقد نسمع ويأتينا من الأخبار العجيبة التي يندى لها الجبين، ويتمعض لها القلب، ويقذف الإنسان دم، ومع ذلك يصبر والله تعالى يقول: ﴿لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذىً كَثِيراً وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾ [آل عمران:١٨٦].
ولكن المطلوب منا أن نرد، فمن حمى عرض أخيه المسلم حمى الله عرضه في مكانٍ ينتهك فيه الأعراض، ومن أسلم عرض أخيه المسلم أسلم الله عرضه للطامعين والحاقدين: ﴿ومن تتبع عورة مسلم تتبع الله عورته، ومن تتبع الله عورته فضحه ولو في عقر داره﴾.
يؤخذ ذلك من قوله تعالى: ﴿قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ) * لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمَْ﴾ [التوبة:٦٥ - ٦٦] حتى إن بعض الفضلاء من أهل العلم يرون أنه من استهزأ بمجرد اللحية لأنها سنة؛ فقد كفر وخرج من الملة؛ لأنها لحية وسنة؛ ولأن محمداً ﷺ هو من أتى بها ولم يأتِ بها موشي ديان ولا هتلر، وإنما أتى بها محمد ﵊، والله يقول للأمة ويقول لكل تابع على وجه الأرض: ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ [النساء:٦٥].
стр. 5523
إنتظار الفرج وهجر العصاة
ومن الدروس أيضاً: أن على العبد أن ينتظر الفرج، وفي الترمذي: ﴿خير العبادة انتظار الفرج﴾ ولا ييأس العبد من روح الله، فإنه لا ييئس من روح الله إلا القوم الكافرون، يعني جرب التوبة وربما تسقط أول مرة لكن جرب مرة وأخرى وعاشرة ومائة وألف وسوف يجتبيك الله، وسوف يوفقك لطريق التوبة.
ومن الدروس أيضاً: أن العبد لا يطمع إلا في رحمة الله عزوجل، كما قال إبراهيم ﵇: ﴿وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ﴾ [الشعراء:٨٢] فيطمع في فضل الله تعالى وفي رحمته.
ومن الدروس أيضاً: أن على الأمة أن تهجر العصاة الذين بلغتهم الدعوة واستمروا على فجورهم ومعصيتهم لتأدبهم، وهذا مثل العزل الصحي حتى لا يختلطوا بالمجتمع فيؤثروا فيه؛ لأن الجرباء تعدي الصحيحة، والصحيحة لا تعدي الجرباء، هكذا قال أهل فن الطب.
стр. 5524
امتثال أمر الله والفرح بتوبته
ومنها أيضاً: أن على الناس أن يمتثلوا أمر الله وأمر رسوله ﷺ : ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ [الأحزاب:٣٦] بل عليهم أن يذعنوا ويسلموا ويؤمنوا ويتبعوا نهج الله الذي أرسل به رسوله ﵊.
ومنها أيضاً: تبشير التائبين بتوبة الله عليهم، وتبشير أهل الالتزام أنهم على خير، وتشد من عضدهم، وتَحْبوهم، وتقف بجانبهم، وتدلهم على الخير: ﴿من دل على خير فله مثل أجر فاعله﴾.
ومنها أيضاً: أن على العبد أن يفرح برحمة الله ويستبشر: ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾ [يونس:٥٨] فأنت ترى حملة المبادئ يفرحون بنصر الدين، ولا يفرحون بشيء آخر، وإنا نعلم من الصادقين لله عزوجل أنهم إذا سمعوا انتشار الإسلام في بقعة من بقاع الأرض والله يتهلل وجه أحدهم مثل ما يتهلل وجه أحدكم إذا سمع أنه زاد راتبه، أو نجح ابنه، أو حصل على أرض، أو على سيارة، أو على قصر، يقول القاضي الزبيري:
خذوا كل دنياكم واتركوا فؤادي حراً طليقاً غريبا
فإني أعظمكم ثروة وإن خلتموني وحيداً سليبا
قرأت في أحد الجرائد قصيدة لرجل نبطي موحد مؤمن داعية، يتحدى الأشرار في أنه سوف يعلن مبادئه مهما كان الثمن، هذه الشجاعة الإيمانية، يقول:
أنا يا كرى مثلك أحب العلا شجعان يراهن براسه ما يخاف الشماليه
أنا بعت راسي من محمد ولد عدنان قبضت الثمن والله يشهد على النيه
هذا بطل، فهذه تصلح في عقيدة الطحاوية معتقد أهل السنة والجماعة تكتب في الأخير، وتدرس في الجامعات.
يقول: أنا يا كرى؛ أي: يا صاحب الباطل، يا أيها اليهودي، أو النصراني، أو البعثي، أو الوثني، أو العلماني، أنا أشجع منك، أنت تموت تحت الدبابة من أجل مبادئ ميشيل عفلق، وأنا من أجل مبادئ محمد ﷺ ، فلماذا لا أضحي؟ أنا يا كرى مثلك أحب العلا شجعان، يراهن برأسه -هذا ما عند الإنسان إلا رأس واحد- ما يخاف الشمالية أي: دار أبى سفيان.
أنا بعت رأسي من محمد ولد عدنان قبضت الثمن والله يشهد على النيه
قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْداً عَلَيْهِ حَقّاً فِي التَّوْرَاةِ وَالْأِنْجِيلِ﴾ [التوبة:١١١] والله تعالى يقول: ﴿إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لا يَرْجُونَ﴾ [النساء:١٠٤] ويقول تعالى: ﴿إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ﴾ [آل عمران:١٤٠].
حدثنا الشيخ عبد الله عزام ﵀ قبل أن يستشهد بقليل: "أن امرأة فرنسية كانت في جبال أفغانستان تبشر بالدين النصراني وهي بملابسها وبمتاعها في الجبال والثلوج، وتهبط وتنام على البعوض وفي المستنقعات من أجل أن تبشر بالدين المسيحي المحرف" ثم إذا جئت تقارن بين أهل الإسلام وأهل الدعوة حتى شباب الصحوة، أين البذل، وأين التضحيات؟ وأين تقديم الدين للناس؟ وأين التأثير في البشر؟ وأين كسر الحواجز؟ حتى نصل إلى الناس في نواديهم، وفي ملاعبهم، وفي مقاهيهم، وعلى الشواطئ، ونبلغ دين الله عزوجل، أين التضحيات؟!
بل إنك تجد من الفجرة والخونة على مر التاريخ من يضحى لمبادئه الفاجرة أكثر من تضحية أهل الإيمان لمبادئهم، فنشكو الحال إلى الله.
стр. 5525
من قضايا الساعة
وفي ختام هذه المحاضرة هناك قضايا وهي من قضايا الساعة:
стр. 5526
الإخاء والاعتصام
أولاً: على المسلم أن يسعى إلى الإخاء الذي أنزله الله لرسوله مع إخوانه: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً﴾ [آل عمران:١٠٣] ولا يكون مصدر إزعاج لإخوانه، أو تشتيت لصفوفهم، بل يتألف من تألف معهم على سنة الرسول ﵊، وهو منهج أهل السنة والجماعة؛ المنهج الجميل البديع، المنهج الصافي الواضح، فمنهج أهل السنة والجماعة هو المستقرأ والذي ينظره مثل شيخ الإسلام ابن تيمية وابن القيم، فلا يكون مصدر إزعاج، ولا اختلاف، بل يكون مصدر إسعاد ونَصَيحة فإن المؤمنين نصحة والمنافقين غششة.
ثانياً: أن على الإنسان أن لا يتشاغل بعيوب إخوانه المسلمين، يقول شيخ الإسلام: "بعض الناس مثل الذبابة لا يقع إلا على الجرح" وهذا مثل بعض الناس يشهر بالذنوب والخطايا، وينسى الحسنات ولم يراجع نفسه، ولم يشتغل بعيوبه، فيجازيه الله أن يشغل الناس بعيوبه فيتحدثون فيه:
ومن دعا الناس إلى ذمه ذموه بالحق وبالباطل
стр. 5527
الدعوة إلى الله والصبر عليها
ثالثاً: أننا في مرحلة تستوجب منا المشاركة، والمفاعلة، وبذل الدعوة بأي وسيلة، فنقرأ مواهبنا واستعداداتنا التي جعلها الله فينا، فما هي موهبتك؟ هل أنت خطيب، أو مفتي، أو متحدث، أو منظر، أو إداري، أو موظف، أو تاجر، أو فلاح، أو مهندس، أو غير ذلك، أو جندي؟ فابذل دعوتك من طريقك، كلكم على ثغور الإسلام فالله الله أن يؤتى الإسلام من قبلك، الله الله لا يهدم دين محمد ﷺ وأنت حاضر، الله الله لا يتلاعب بالدين وأنت موجود، فاحمِ مبدأ محمد ﷺ ، بل انصر الدين، وحاول أن تكون صابراً متجلداً.
رابعاً: أن تصبر أمام العواصف، مثل السخرية والاستهزاء والسب والشتم، واعلم أنها في درجات حسناتك، وأنها من ذخيرتك عند الله وتكفير سيئاتك.
خامساً: على المرأة المسلمة أن تعيش دورها الذي جعلها الإسلام فيه، وهي مسئوليتها أمام الله وأمام رسوله ﵊ وأمام المسلمين، فعلى المرأة أن تكون داعية في بنات جنسها، داعية إلى منهج الله، وإلى جنة عرضها السموات والأرض، ملتزمة بشرعه، عاملة بالكتاب والسنة، مؤثرة تحمل هموم الدعوة؛ لأننا قصرنا كثيراً في جانب تعليم النساء، وتثقيفهن وتفقيههن ومدارسة العلم معهنَّ، هذا تقصيرٌ حاصل، وهو كثير ومستقرأ ومستفيض.
فأنا أوصي المرأة الآن أن تقوم بدورها في الحياة فهي مستهدفة، ويريد أهل الباطل أن يدخلوا من طريقها لهدم هذا الدين الذي بعث به محمد ﷺ .
стр. 5528
التثبت من الأخبار
سادساً: أن على المسلمين عامة في وقت الفتن أن يثبتوا، وأن يتأكدوا من مصادر الأخبار، وأن لا يتعجلوا، يقول : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْماً بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ﴾ [الحجرات:٦] وليحذر الخطيب والواعظ والداعية والمتحدث أن يقدم على شيء قبل أن يستقرأ خبره، ويتأكد منه؛ قلت هذا بمناسبة قتل المجاهد الشيخ جميل الرحمن ﵀ وأسكنه الله في فردوس رحمته، وجمعنا به في دار الكرامة، والحقيقة أنه سعى لشيء وقد أدركه.
ولسنا على الأعقاب تدمى كلومنا ولكن على أقدامنا تقطر الدما
تأخرت أستبقي الحياة فلم أجد لنفسي حياة مثل أن أتقدما
فقدم على ما قدم، ولقي الذي يطمح إليه، فنسأل الله أن يجمعنا بالصالحين في دار الكرامة.
فعلى الإخوة ألا يتحدثوا في مثل هذه المسائل حتى تتضح ويصدر فيها شيء من أهل العلم بعد التبين، وبعد أخذ الحيطة، وبعد معرفة الأخبار، ومصدر الأخبار: ﴿وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولاً﴾ [الإسراء:٣٦] لأني سمعت أن بعض الناس تعجل في بعض كلماته، واتهم بعض الناس، ونحن نبرأ إلى الله عزوجل من اتهام المسلمين أنهم يريدون دماء المسلمين؛ لأن دم المسلم ليس بالرخيص، في حديث صحيح قدسي، يقول الله : ﴿وعزتي وجلالي لو اجتمع أهل السموات والأرض على قتل امرئٍ مسلمٍ لكببتهم على وجوههم في النار﴾ ويقول ﵊: ﴿ولزوال الدنيا بأسرها أهون عند الله من قتل امرئٍ مسلم﴾.
يقال ابن تيمية استقبل القبلة قبل أن يموت وقال: "تبت عن كل من كفرت من أهل القبلة" مع ذلك يُنسب أن فلاناً سفك دم فلان.
ثم أقول لكم إن الفتنة وقعت بين طائفتين من المسلمين في عهد علي ومعاوية ﵃ أجمعين، والله تعالى يقول: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا﴾ [الحجرات:٩] فأثبت أنهم يقتتلون، وقال: ﴿فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ﴾ [الحجرات:١٠] فسماهم إخوان ولم يخرجهم من الإسلام، وقد اقتتل الصحابة في الجمل وصفين فلم يكفروا بالقتال، وما خرجوا من الملة، وما خرجوا من الدين.
ثم إني أطالب من الإخوة ألا يسافروا في هذه الفترة إلى أفغانستان، وقد رأى كثير من أهل العلم وأهل الفضل أن السفر في هذه الأيام ليس بسديد، وينتظر العبد حتى تصفوا الأمور وتظهر، وأرى أن يسددوا من جهود إخوانهم، وأن يدعوا للمجاهدين بأن يجمع الله شملهم وينصرهم على الباطل، ثم لا يشهرون بأحد، ثم لا يكونون مصدر إزعاج، ثم لا يكونون دخيلاً ومعيناً للمنافقين والحاسدين والحاقدين في ضرب الجهاد.
هذه مسائل أحببت أن أعرضها على إخواني فإن أصبت فمن الله، وإن أخطأت فمن نفسي، والله هو الحسيب، ونسأله أن يتقبل منا ومنكم صالح الأعمال، وأن يغفر لنا ولكم الخطأ والزلل، وأن يجمعنا بكم في دار الكرامة، وأن يرحمنا وإياكم رحمة عامة وخاصة ظاهرة وباطنة، وأن يهدينا وإياكم سواء السبيل، وأن يوفق كل من في صلاحه صلاح للإسلام والمسلمين، وأن يهدم كل من في هدمه صلاح للإسلام والمسلمين.
سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين.
ولا يفوتني أن أشكر باسمكم جميعاً المقدم سعيد الدخيل وإخوانه وزملاءه والحضور أجمعين.
стр. 5529
الأسئلة
стр. 5530
تمكين المشركين
السؤال
نحن نعلم ما للمشركين فيه من تمكينٍ في الأرض، فهل مُكنوا لأنهم مشركون لكي يضلوا من في الأرض، أم لأنهم أخذوا بأسباب التمكين، فإذا كانت الثانية فما هي نصائحك للمسلمين لكي يمكنوا في الأرض؛ لأن في ذلك قوة للإسلام والمسلمين؟
الجواب
الأمر الأول: مُكن المشركون في الأرض، وأنا لا أسميه تمكين، بل هو شيءٌ من البقاء الوقتي الطارئ الذي سوف يزول، أما التمكين فلأولياء الله: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ﴾ [النور:٥٥] وقال : ﴿الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ﴾ [الحج:٤١] فالتمكين للمؤمنين.
لكن نقول: لماذا الكفار مكنوا؟ تقول: مكنوا أولاً: هذا ابتلاء، فهي سنة المدافعة، أن يدفع بها الله عزوجل أولياءه، ويدفع أولياءه بالكافر، فهم أخذوا وملكوا من الأسباب ما جعلتهم يبقون ردحاً من الدهر، أو يحكمون قطعة من الأرض.
الأمر الثاني: تَخَلى المسلمون عن أسباب التمكين، فحوصروا في أنحاء الدنيا وفي أنحاء الكرة الأرضية، وأخذت عليهم حتى بلادهم التي فتحوها بالإسلام.
стр. 5531
حتى لا يفوتنا الركب
السؤال
ماذا نصنع حتى لا يفوتنا الركب؟ وما الذي تنصح الشباب باتباعه والعمل به في هذا المجال؟
الجواب
اسمع كلمات حتى لا يفوتك الركب، هي تلخيص المحاضرة، ولو أنها وردت فيها:
أولاً: أن تتوب وتعلن توبتك من الليلة، وتركب في ركب محمد ﷺ ، يقول الإمام مالك: "السنة كسفينة نوح من ركب فيها نجا، ومن تركها هلك"، وليس هناك سفينة إلا سفينة محمد ﷺ :
إذا نحن أدلجنا وأنت إمامنا كفى بالمطايا طيب ذكراك حاديا
وإني لأستغشي وما بي غشوة لعل خيالاً منك يلقى خياليا
فإما حياة نظم الوحي سيرها وإلا فموت لا يسر الأعاديا
стр. 5532
جماعة الدعوة والتبليغ
السؤال
إني شاب ملتزم ولله الحمد، وإن هناك جماعة تأتي إلي وهم جماعة الدعوة والخروج، يريدونني أن أخرج معهم إلى الدعوة في بعض الدول، وهناك بعض الناس يقولون: إنهم جماعة أصحاب بدع، فما ردك على هؤلاء؟
الجواب
جماعة الدعوة والتبليغ؛ جماعة في مجموعها تعمل وتريد الخير، ولها جهود تشكر عليها مثل: الصبر، والتحمل في الدعوة، والحلم، وأنهم جابوا الأقاليم ووصلوا إلى كثير من الأمكنة، وأن الله هدى بهم كثيراً من العصاة نعرفهم، حتى إني رأيت كثيراً منهم في بلاد خارجية ورأيت كثيراً منهم هدى به الله ملأ من الناس، عندهم روحانيات، وعندهم أذكار، وعمل صالح، لكن لا بد أن نناصحهم في مسائل:
المسألة الأولى: أن يهتموا بالعلم الشرعي؛ علم محمد ﷺ ، علم الكتاب والسنة.
المسألة الثانية: لا يغتروا بكثير من مذكرات المؤسسين مثل: محمد بن إياس الذي أسس الجماعة، أو غيره من الذين ليسوا في هذه البلد، لأني ما أعرف جماعة الدعوة في هذه البلاد هنا إلا على منهج السلف، لكن هناك قد يوجد شركيات وبدع وخرافات رأيناها وقرأنها فلينتبه لها.
المسألة الثالثة: لا يصح أن الواحد منهم إذا قام أمام الناس أن يذكر ماضيه الأسود، يكفي أنه تاب إلى الله، أما أنه يقول: كنت أفعل وأفعل وأعصي وأترك الصلاة، فليس هذا من منهج الدين، بل المنهج أن تستر نفسك.
أما أن تخرج معهم فإن كنت طالب علم، أو عندك حصيلة من العلم، وبإمكانك أن تعرف البدعة من غيرها، وأن تؤثر فأرى أن تخرج معهم.
لأنك ينفع الله بك ، وتكون داعية، هذا رأيي، وإن كنت لم تبلغ هذا المستوى فأرى أن تقترب من طلبة العلم، ومن المحاضرات، ومن الدعاة الصادقين.
أما إذا أنست بعقيدة أحدهم وبعلمه وبفعله وعرفت أنه يحمل عقيدة أهل السنة والجماعة، فلا بأس أن ترافقه.
هذا ما عندي في المسألة باختصار.
стр. 5533
الغناء والطرب
السؤال
هناك أناس يحلون الغناء والطرب عن طريق هذا الحدث الذي هو: استقبال المصطفى ﷺ بطلع البدر علينا، وهو غناء أهل المدينة عند قدوم الرسول ﷺ ، فما هو ردك على هؤلاء؟
الجواب
لم يكن معهم طبول فيما أعلم ولم ينقل حتى في كتب الحديث، إنما هم شباب وأطفال خرجوا ينشدون، والنشيد جائز لمثل هذا المستوى، والرجز جائز، لكن لا يصاحبه دف ولا طبل للرجال، ولا مزمار ولا زير؛ لأن هذه قد حرمت على الرجال.
أما النساء فلا بأس بالدف لهن في الزواجات، فلا دليل في هذا على ما استدل به هذا الشخص، والذي يستدل بهذا على أنه يجوز استصحاب المعازف وآلات اللهو، كمن يستدل بأن الحبشة لعبوا في مسجده ﷺ بالحراب فيأتي بعد كل صلاة يلعب بالحربة، فبعد الظهر يلعب وبعد العصر يلعب وبعد المغرب وبعد العشاء وبعد الفجر، فإذا سألته قال: الحبشة لعبوا، وهم ما لعبوا إلا مرة في الحياة ثم هم مؤلفة قلوبهم والرسول ﷺ رأى من الحكمة أن يمكن لهم قليلاً حتى يعو الدين، ولم يكن معهم دف ولا طبل ولا مزمار، وهذا مثل هذا.
стр. 5534
المولد النبوي
السؤال
ما حكم إقامة الموالد احتفاءً بمولد الرسول ﷺ ؟ حبذا لو كان جواباً موجزاً غير مخلٍ حفظكم الله ورعاكم.
الجواب
إقامة الموالد للرسول ﷺ بدعة: ﴿من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد﴾ ولم يفعله أحد من السلف الصالح، وإحياءه ﷺ إنما هو بإحياء ذكراه بالعمل، باتباع السنة، وبنشر مبادئه في الناس، وبتعليم سنته في العالمين، وبالمحافظة على سنته، وليس بالموالد الخرافية.
стр. 5535
بعض من يعتدي على الجيل الأول
السؤال
حول بعض الأدباء، حيث إنهم من العلمانيين، ولهم بعض الكتابات في السيرة وفي التاريخ, وقد يشوبها بعض التجني على العصر الأول، نريد توضيح ذلك حيث إنني قرأت لهم وملت إلى هذه القراءات فما رأيكم؟
الجواب
الحق معلوم، وأرى أنه إذا اشتبه في رجل منهم أن تسأل أهل العلم والدعاة عنه بذاته، وإن كان لك بصيرة أنت وأصبحت في مستوى من العلم يمكنك أن تعرف الحق من الباطل، فلا بأس أن تقرأ.
لكن والحمد لله هناك عند أهل الإيمان من البدائل ومن الدعاة والأدباء ومن الشعراء ما يكفيك عن هؤلاء، فإن أولياء الله وأنصاره كثير، في قسم الأدب والعقيدة والفقه والتفسير والفكر والكتابات وكل أطروحة.
فأدلك على أدباء وكتاب الإسلام في الفكر: أبو الأعلى المودودي، أبو الحسن الندوي، سيد قطب، محمد قطب، وأمثال هؤلاء الأخيار، ومن علمائنا الكبار كسماحة الشيخ عبد العزيز بن باز، وفضيلة الشيخ محمد بن الصالح بن عثيمين، والشيخ حمود التويجري، ومن كتب من أمثالهم، وقبلها كتب الشيخ محمد بن عبد الوهاب وأبنائه، وقبلها كتب شيخ الإسلام ابن تيمية وابن القيم، والحمد لله الخير كثير.
ومن الشعراء مثل شعر: إقبال على بعض المآخذ فيه من أنه جعل الإسلام في قسم الفلسفة، أو أنه كان عنده شيء من التصوف لكن أفكاره في الجملة كانت مسددة، وكان نابغةً في الأدب والشعر.
ومن الشعراء العصريين الآن: الدكتور عبد الرحمن العشماوي، والدكتور أحمد بهكلي، والدكتور صالح عون، وكثير من شباب الصحوة وشباب الدعوة.
ومن الكتاب: أحمد التويجري وأمثاله من الأخيار الفضلاء الذين يستفاد بهم.
وأدلكم على الدعاة الفضلاء الذين لهم تواجد في ساحة الإسلام، وأنا ذكرت العلماء وهم علماء أيضاً: كالدكتور ناصر العمر، والدكتور سعيد آل زعير، والشيخ سلمان العودة، والشيخ سفر الحوالي، والشيخ عبد الوهاب الطريري، والدكتور محمد بن سعيد القحطاني، والدكتور عبد الله التويجري، والشيخ عوض القرني، والشيخ سعيد بن ناصر الغامدي، هؤلاء الفضلاء والأخيار أرى أن تسمعوا لهم كثيراً فإني أعرفهم، وأعرف ثقافتهم، وأعرف درايتهم، ومكانتهم ولهم قدم صدق، وقد نفع الله بهم الأمة، فأرى الاطلاع على كتاباتهم والسماع لهم كثيراً.
وأسأل الله أن يوفقنا وإياكم لما يحبه ويرضاه.
следующие страницы →