← Джавами‘

Джавами‘ · id 7708

دروس الشيخ عائض القرني

عائض القرني

Полный текст (10 391 стр.). Показаны 5461–5500 · переход к 5466.

стр. 5461

ليلة البركة السؤال ليلة الغد توافق الخامس عشر من شهر شوال, والبعض يسمونها بليلة البركة ويصومون ذلك اليوم والذي يليه. فهل ورد في ذلك عن الرسول ﷺ شيء؟ الجواب لا، وردت عن عجائز أبها , أما الرسول ﷺ فلم يرد عنه شيئاً، وعلى كل حال فلا يجوز إفراد هذه الليلة بشيء من العبادة, ولا يومها بشيء من الصوم غير الأيام؛ لأنه يدخل في البدع والعياذ بالله.

стр. 5462

لقاء مع الشباب الشباب هم الثروة الثمينة التي لا تعوض, وهم تاج وعز الأمة، بصلاحهم تنهض الأمة، لذلك كان لزاماً من تلمس حاجاتهم، والسؤال عن أحوالهم، ووضع حلول لمشاكلهم وهمومهم، وقد تعرض الشيخ لبعض القضايا التي تهمهم، كضعف الإيمان وكيفية معالجة هذا المرض, وتعرض لقضية فتور الشباب عن الدعوة إلى الله, وتكلم عن قضية مهمة أخرى وهي: تذبذب الشاب, أسبابها، وعلاجها، وألمح إلى قضية سلبية عند الشباب وهي قلة الاطلاع في الدين والواقع.

стр. 5463

ضعف الإيمان وفساد التوبة إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. عنوان هذا الدرس: لقاء مع الشباب. حييت يا هذا الشباب لك التحية والسلام أثلجت قلبي بالحضور وزاح عن عيني المنام يا بسمة الفجر الجديد إلى الأمام إلى الأمام بشر بنا دنيا الورى نحن المشاعل في الزحام وإمامنا المعصوم أنعم خير من وطئ الرغام ﷺ ، اجتمعنا على حبه وعلى مبادئه وسنته. أولاً: إني أحبكم في الله ﵎ حباً لا يعلمه إلا هو، أسأله أن ينفعني وإياكم بهذا الحب, فما جمعنا هنا رغبة ولا رهبة إلا حب فيه ﵎. ثانياً: أسأل الله ﵎ بأسمائه الحسنى وصفاته العلى، كما جمعنا هنا أن يجمعنا: ﴿فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ﴾ [القمر:٥٥]. اللهم إن أهل الدنيا اجتمعوا لدنياهم، وقد اجتمعنا الليلة لديننا، اللهم فلنا عليك حق الضيافة وأنت أكرم الأكرمين. اللهم إن ضيافتنا مغفرة من عندك، فنسألك أن تغفر لنا ذنوبنا, وأن تستر عيوبنا, وأن تحفظنا من كل مكروه, وأن تنصرنا بالإسلام, وأن تنصر الإسلام بنا. اللهم إن من سلَّ علينا سيفاً فاقتله بسيفه, واكفنا شره, واجعل تدبيره في تدميره يا رب العالمين. أيها الفضلاء: أعدكم -إن شاء الله- أن يرتقي هذا المنبر في القريب العاجل كثير من العلماء والدعاة، كالشيخ: العمر والعودة والحوالي والطريري وابن مسفر، والقحطاني والبريك وابن زعير والجلالي وغيرهم من العلماء، أعدكم -إن شاء الله- بهذا؛ لتسمعوا منهم ويسمعوا منكم مباشرة, وما نحن إلا إخوة يسعى بذمتنا أدنانا. وأحببت هذه الليلة أن أجعل القضايا قضايا الشباب, فأنا شاب أعيش مشكلات الشباب وطموحاتهم ومعاناتهم, وكثير من القضايا استفدتها من الشباب، وكم فرحت -ويعلم الله- هذه الليلة وأنا أرى الشباب من كل حدب ينسلون, يأتون إلى المسجد حاملين في قلوبهم حب الله وحب رسوله ﵊، فأبشروا ثم أبشروا ثم أبشروا. وأشكر شكراً جزيلاً أصحاب الفضيلة العلماء الذين حضروا والأساتذة والأدباء, وأشكركم يا زملائي ويا إخواني من الشباب. هذا اللقاء -كما قلت- للشباب فحسب، وسوف يكون هناك لقاء -إن شاء الله- للشابات ومشاكلهن وقاضاياهن، والقضايا كثيرة ومزدحمة, وقضايانا ومشكلاتنا ومسائلنا لا تحل إلا من المسجد ومن المحراب, من منبر محمد ﵊ وأنا أعلم أن فيكم من هو أعلم مني وأصلح وأكرم وأتقى، ولكن كما قال الأول: لعمر الله ما نسب المعلى بذي كرم وفي الدنيا كريم ولكن البلاد إذا استعرت وصوح نبتها رعي الهشيم فأنا هذه الليلة الهشيم الذي يرعى لما ذهب النبت الأخضر، أسأل الله أن يعيده للمسلمين.

стр. 5464

ظاهرة ضعف الإيمان أول قضايانا يا معشر الشباب: ضعف الإيمان. ونشكو أحوالنا فيه إلى الله, ولكن أبشركم أن من علم أن إيمانه ضعيف، وشكا حاله إلى الله، وانطرح بين يدي رب العزة, وبقي عند عتبات الباب؛ يوشك أن يدخل -بإذن الله- كلما أكثر الطرق وقرع الباب. إن أهل السنة يقولون: إن الإيمان يزيد وينقص، قال البخاري: باب زيادة الإيمان ونقصانه, قال الله : ﴿وَزِدْنَاهُمْ هُدىً﴾ [الكهف:١٣] فتدرجوا في الهداية فأعطاهم الله الهدى, كتدرجكم في طلب العلم، وفي كثرة النوافل، وفي مصاحبة الصالحين، وفي حضور المحاضرات والدروس العلمية. واعلموا أن الله لا يذهب علمكم سدى، قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [العنكبوت:٦٩] وقال تعالى: ﴿وَيَزْدَادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيمَاناً﴾ [المدثر:٣١] وقال الله ﵎: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي﴾ [المائدة:٣] فإذا ترك شيء من الكمال فهو نقص. يا أيها الفضلاء! إن إيماننا يضعف كثيراً, ونحن نُحارب بالشهوات والأطروحات والأفكار الهدامة صباح مساء, المتمثلة في الوسائل الإعلامية وفي الأفلام، والأندية, والجامعات, والكتبة, فمالنا حيلة إلا أن نلتجئ إلى الله, لكن في المسجد: ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ * رِجَالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْماً تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ﴾ [النور:٣٦ - ٣٧]. واعلموا -رحمكم الله- أن كثيراً من أهل العلم نص على ضرورة العمل في الإيمان، قال الحسن البصري ﵀: [[ليس الإيمان بالتحلي ولا بالتمني, ولكنه ما وقر في القلب وصدقه العمل]] رواه مالك في الموطأ، وليس من كلامه ﵊. فليس الإيمان دعاوى وكلاماً يقال: والدعاوى مالم يقيموا عليها بينات أصحابها أدعياء الإيمان عمل, ولعلك تفاجأ بشاب من الشباب يدَّعي حب الله وحب رسوله ﵊، ولكنه: ينام عن صلاة الفجر, ويهجر القرآن, ويعق والديه, ويسيء الجيرة مع جيرانه, ولا يقوم بحقوق المسلمين, ولا يتمعر وجهه عند المنكرات, ولا يغضب إذا انتهكت حقوق الله ومحارمه، فأين الإيمان؟! أين الإيمان؟! قال الربيع بن خثيم: [[أتدرون ما الداء, وما الدواء, وما الشفاء؟ قالوا: لا. قال: الداء: الذنوب، والدواء: الاستغفار, والشفاء: أن تتوب ثم لا تعود]] فنحن بحاجة إلى أن نتوب توبة صادقة, قال تعالى: ﴿وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعاً أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [النور:٣١]. قال الحسن: [[القلوب تحيا وتموت، فتحيا بالفرائض والنوافل، وتموت بالمعاصي]] ونحن في زمن قل الناصح, وذهبت القدوة إلا القليل, وانطوى العلم الشرعي, ووجدت أطروحات أهل الباطل, وملكوا الوسائل, وليس لنا إلا المنبر والمحراب، ولكن معنا الله, قال تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر:٩].

стр. 5465

التوبة النصوح وشروطها إخوتي في الله! إنَّ مما يرفع هذا النقص في الإيمان -يا شباب الإسلام- التوبة النصوح إلى الواحد الأحد من الذي يقبل التوبة ويعفو عن السيئات ويعلم ما تصنعون؟! إنه الله، والله تعالى تحدَّى أعداءه, وتحدَّى محاربيه أنه لا يغفر الذنب إلا هو، قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [آل عمران:١٣٥]. قال ابن القيم ﵀: شرائط التوبة ثلاثة: ١ - الندم. ٢ - الإقلاع. ٣ - الاعتذار. قال: أما الندم فأوله تعظيم الجناية؛ أن تعلم أنك أخطأت خطأً عظيماً مع الله ﵎، الذي أنعم عليك, وكساك ثوب الشباب, وأسدى لك الجميل, ثم قلبت ظهراً لجنب وأخطأت معه؛ ولذلك يغضب من ثلاثة- لأنهم احتقروا الجناية, وعلموا أنهم ما أساءوا, واعتقدوا في أنفسهم أنّ ما عملوه حقير أو قليل- ﴿ثلاثة لا ينظر الله إليهم, ولا يكلمهم, ولا يزكيهم, ولهم عذاب أليم: أشيمط زانٍ- شيخ كبير دنا من القبر ويزني- وملك كذاب- وما الداعي له أن يكذب وقد ملك الدنيا- وعائل مستكبر- وهو الفقير الذي يتكبر على عباد الله ﴾. واتهام التوبة بألا تثق من توبتك ,فأنا أعرف من نفسي ومن إخواني أنهم يتوبون كثيراً، ويظن الواحد منهم أنه صدق في التوبة, لكن سرعان ما يعود إلى الذنب، فعليه أن يحذر، وأن يعلم أن السقوط قريب, وأن النفس أمَّارة بالسوء فليحاذر، وعليه بالتوبة دائماً ولا يثق بنفسه، فإن بعض الشباب تاب من معصية ثم عاد لها بعد سبع سنوات، ومنهم من عاد لها بعد عشر سنوات، والقلب يحن للذنب حتى يقع فيه فلا ينجو إلا بتوبة نصوح.

стр. 5466

علامة فساد التوبة واعلموا أن من علامة فساد التوبة أمور: منها: ضعف العزيمة, فلا يعزم على فعل الخير, يتوب من المعصية لكن تراه متخلفاً عن الفرائض, ووالله لو صدق في توبته ما تخلف عن أذان الفجر، ولو تقطع جسمه من الماء البارد، والحب ليس بالدعوى, قال تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [آل عمران:٣١]. ومن علامات فساد التوبة وضعف التوبة: إلتفات القلب إلى الذنب الفينة بعد الفينة, فيحن إلى الذنب, كذنب الزنا أو النظر, أو استماع الغناء, أو ذنب تناول المخدرات، أو شرب الخمر, فتجده دائماً بعد شهر وبعد سنة يحن إلى ذاك، ويحاول أن يرتكبه، فإذا حيل بينه وبين الذنب، قال: أشهدك يا رب أني تبت، وهذه ليست بتوبة. ومنها: أن يثق بنفسه, فإن الله قال: ﴿وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ [يوسف:٢١] فبعضهم يثق بنفسه, فإذا نهيته أن يسافر إلى الخارج وتنذره بالخطر أن يقع في فتنة من الفتن، قال: أنا واثق من نفسي، أنا قوي الإيمان، لا يمكن أن أقع في الخطأ؛ فيقع في الخطأ، فإن العزيز الحكيم هو الله، والغالب على أمره هو الله، فحذارِ حذارِ من هذا. ومن علامات ضعف التوبة: جمود العين, فلا تدمع ولا تبكي أبداً, وهذا من علامة فساد القلب. ومنها: استمرار الغفلة, فتجده مع الغافلين, وقد أنذره الله بالنذر, فرأى أحبابه, ورأى زملاءه يصرعون في حوادث السيارات, ويحملون على النعوش, ويدفنون أمامه, ويبعثرون في التراب؛ ومع ذلك لا يرتدع ولا يعود, ويسمع الإنذار من الخطباء والعلماء والدعاة ومع ذلك لا يرتدع. ومنها: أنه لا يستحدث بعد التوبة أعمالاً صالحة، فتجده بعد الخطيئة مثله قبلها لا يزيد من عمله الصالح, ولا يحاول أن يستدرك ما فرط فيه في أيامه, أو أن يجمع ما مزق، وهذا من ضعف التوبة.

стр. 5467

علامات التوبة الصحيحة إخوتي في الله! للتوبة الصحيحة علامات، وهي التي ترفع ضعف الإيمان: منها: أن يكون العبد بعد التوبة خيراً منه قبل التوبة، فقد سئل شيخ الإسلام العلامة ابن تيمية ﵀: هل يكون العبد بعد التوبة مثله قبل الذنب؟ قال: قد يكون مثله أو أعلى أو دون ذلك، وهذه بحسب الأمور، وقد يكون -يا أيها الشاب- ذنب من الذنوب تلم به, سبباً لسعادتك في الدنيا والآخرة، ولا تعجبوا من هذا، قال الحسن ﵀: "إن المؤمن ليذنب الذنب فما يزال كئيباً باكياً حتى يدخل الجنة". وقال سعيد بن جبير: [[رب عاملٍ عمل ذنباً ما زال الذنب بين عينيه حتى دخل الجنة]] فهذا شأن بعض الصالحين؛ أنهم أذنبوا وأخطئوا, فبكوا وتقطعت قلوبهم، حتى دخلوا بتوبتهم جنة عرضها السموات والأرض. ومنها: ألا يزال الخوف من الله مصاحباً لك ليلاً ونهاراً. قرأت في ترجمة سفيان الثوري: أنه كان إذا أراد أن ينام تقلب على فراشه يبكي خائفاً وجلاً، قال: أتذكر القبر بالفراش. كلما أتى إلى فراشه ولحافه, تذكر ظلمات القبر وهول ذاك المكان الذي لا بد أن ننزله جميعاً. والقبر فاذكره وما وراءه فمنه ما لأحد براءة وإنه للفيصل الذي به ينكشف الحال فلا يشتبه والقبر روضة من الجنان أو حفرة من حفر النيران إن يك خيراً فالذي من بعده أفضل عند ربنا لعبده وإن يكن شراً فما بعد أشدّْ ويلٌ لعبدٍ عن سبيل الله صدّْ ومن علامات التوبة الصحيحة: انخلاع القلب؛ أن يكون قلبك منخلعاً من خوف الله متقطعاً, قال الله تعالى: ﴿لا يَزَالُ بُنْيَانُهُمُ الَّذِي بَنَوْا رِيبَةً فِي قُلُوبِهِمْ إِلّا أَنْ تَقَطَّعَ قُلُوبُهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ [التوبة:١١٠] قال الثوري: تقطع بالتوبة، لا يمكن أن يخرجوا من هذا الذنب إلا أن تقطع قلوبهم بالتوبة. ومن علامات التوبة: أن ينكسر قلبك تواضعاً لله, فإن أنين المذنبين عند الله خير من إجلال العابدين, وبعض الناس يتكبر بفعل الخير، وبالحسنات والأعمال الصالحة حتى تلحقه في درجة الجبروت على الله، وبعضهم ينكسر بالذنب ويبكي ويتقطع ويخشع لربه حتى يكون هذا الذنب سبب سعادته عند الله , وفي الحديث الصحيح: ﴿أن رجلاً -من بني إسرائيل- قال لأحد المذنبين: تب إلى الله. قال: اتركني وربي. قال: والله لا يغفر الله لك. قال الله : من الذي يتألى علي، أشهدكم أني غفرت لهذا وأحبطت عمل هذا﴾. ومن علامات التوبة: أن تلزم ما يرضي ربك من قراءة القرآن، وأن تلزم الطاعة حتى يأتيك اليقين, كما قال : ﴿وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ﴾ [الحجر:٩٩] فلم يجعل الله أجلاً في العبادة إلا بمسألة واحدة حتى يأتيه الموت, فليست العبادة شهراً ولا شهرين ولا ثلاثة ولا أربعة ولا سنة ولا سنتين, إنما هو عمر مستمر حتى نلقى الله بذلك.

стр. 5468

أسباب زيادة الإيمان اعلم أن هناك أسباباً ترفع ضعف الإيمان، ذكرها أهل العلم، وقد وصلتني عشرات الأسئلة، ولا أبالغ إن قلت: مئات الأسئلة من الشباب، كلٌ يشكو ضعف إيمانه, وجمود عينه, وقسوة قلبه, وأنا من ذلك الصنف, نشكو حالنا إلى الله، ولعل الله أن ينظر لنا في هذا الجمع المبارك بنظرة رحمة فيقول لنا: انصرفوا مغفوراً لكم فقد رضيت عنكم وأرضيتموني: إن الملوك إذا شابت عبيدهم في رقهم عتقوهم عتق أبرارِ وأنت يا خالقي أولى بذا كرماً قد شبت في الرق فاعتقني من النار السبب الأول في زيادة الإيمان: أن تناجي ربك وأن تكثر من دعائه ورجائه وتذكره كثيراً. السبب الثاني: أن تتدبر كتابه, فلا يلم شعث القلب إلا كتاب الله ووجد أن كثيراً من الشباب تشاغلوا حتى بالعلم الشرعي عن قراءة القرآن, فتجد أحدهم في المسائل وفي الترجيحات والتنقيحات والتحقيقات وتخريج الأحاديث -وهو في طاعة ولكنه- تشاغل عن القرآن حتى قسا قلبه، فكيف بمن قسا قلبه بالمعاصي والمخالفات والجلوس مع البطالين؟! ومنها وهو من أعظمها: أن تحافظ على الفرائض جماعة، فإن الله ضمن لمن حافظ على الفرائض جماعة ألا يخذله ولا يذله، وأن يحفظه في الدنيا والآخرة. ومنها: أن تحافظ على السنن الرواتب, وأن تكثر منها, فإنك كلما سجدت لله سجدة رفعك بها درجة. ومنها: أن تصاحب الصالحين وأن تحبهم ﴿المرء يحشر مع من أحب﴾ وقال ﵊ كما في الحديث الصحيح: ﴿والمرء على دين خليله فلينظر أحدكم من يخالل﴾ رواه مسلم وغيره، وقال ﵊ كما عند الترمذي: ﴿لا تصاحب إلا مؤمناً, ولا يأكل طعامك إلا تقي﴾ وأرى لزاماً على الشباب أن يجددوا إيمانهم بحضور الندوات والمحاضرات والدروس, وألا يقولوا: الملقي أقل منا علماً, فإن الله قد يكسبك بالحضور أموراً لا تحصل عليها في غير هذا المكان، منها: أن يذكرك الله في الملأ الأعلى. ومنها: أن الملائكة تحفك بأجنحتها. ومنها: أن السكينة تتنزل عليك. ومنها: أن الرحمة تغشاك. هذه بعض الأمور التي ترفع من درجة الإيمان، وزاد النووي وغيره أموراً: منها: المراقبة؛ أن تعلم أن الله معك: ﴿أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ [الملك:١٤] وأنه يعلم سرك وعلانيتك، قال : ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [المجادلة:٧]. يا شباب الإسلام! يا فتية محمد ﵊! يا رواد الحق! إنه ينقصنا في عالم الإيمان مسائل. ينقصنا محاسبة النفس كما كان يفعل السلف، كانوا يحاسبون أنفسهم عند النوم محاسبة عظيمة ماذا قدمنا من الخير، وماذا فعلنا من الشر. ينقصنا أيضاً: استرشاد أهل العلم والدعاة وطلبة العلم, وطلب النصح منهم. وينقصنا أيضاًً: زيارة المقابر، حتى ألهينا وشغلنا بالحياة الدنيا. وينقصنا قراءة تراجم السلف , التراجم الحية المتمثلة في سيرة الصحابة والتابعين, والأئمة كـ أحمد , والشافعي ومالك والثوري والأوزاعي، وغيرهم كثير. أيضاً ينقصنا الدعاء والمناجاة في الثلث الأخير من الليل، والجلسات الروحية بعد الشمس إلى طلوع الفجر وقبل الغروب: ﴿فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ * وَلَهُ الْحَمْدُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَعَشِيّاً وَحِينَ تُظْهِرُونَ﴾ [الروم:١٦ - ١٧].

стр. 5469

عدم الجدية أيها الإخوة الأبرار ومن مسائل الشباب ولعلها المسألة الثانية: عدم الجدية. إن قطاعاً هائلاً من الشباب الملتزم لا يأخذ الأمر بجد. قال : ﴿خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ﴾ [الأعراف:١٧١] قال قتادة: [[قوة الجد، وقال مجاهد: [[بقوة: بعمل ما فيه]] وقال الله : ﴿يَا يَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيّاً﴾ [مريم:١٢] وأجمع كثير من الفضلاء على أن القوة هي العمل وهو أن تأخذ كتاب الله , وسنة الرسول ﵊ على أنهما نذير بين يدي عذاب شديد, وأنهما سر نجاتك في الحياة الدنيا فتأخذ الكتاب بقوة.

стр. 5470

هدي السلف في الجد في العبادة كان الأسود بن يزيد يجهد نفسه في العبادة, فقد صام حتى اصفر جسمه. على أنني لا أطلب منكم أن تقتدوا بأحد إلا بمحمد ﷺ ، وأقول لكم: إن سيرة العلماء والدعاة والعباد والزهاد تعرض على سيرة محمد ﷺ ، فإن وافقت فبها ونعمت، وإن لم توافق لم نقبلها ولم نأخذ بها، وهؤلاء ليس المقصود الاقتدء بهم فإنا أضعف من ذلك، ولكن انظر إليهم في الجد، فإن بعضهم صام أربعين سنة سرداً، وبضعهم كان يصلي في اليوم ثلاثمائة ركعة، وبعضهم بكى حتى أخذت الدموع خطين أسودين في خده, فهنا درس عظيم نأخذه أنهم كانوا أهل جد. إذا علم هذا, فإن الرسول ﵊ قال: ﴿لكل عمل شرة ولكل شرة فترة, فمن كانت فترته إلى سنتي فقد اهتدى﴾ وهو حديث صحيح, والمعنى: أن العامل يعمل أولاً بجد, تأخذه حدة في العبادة ولكنه يفتر بعدها. فوصيتي للشباب: أن يلاحظوا أنفسهم، فلا يزيدوا في العبادة على السنة، فتلقي بهم إلى العطل والخمول والبطالة، لكن عليهم بالتسديد والمقاربة، وعليهم بالمداومة على منهج النبوة منهج محمد ﷺ , قال ابن القيم: تخلل الفترات أمر لازم للعبد, فمن كانت فترته إلى مقاربة وتسديد, لم تخرجه من فرض ولم تدخله في محرم رجي له أن يعود خيراً مما كان. وقال عمر ﵁ وأرضاه: [[إن لهذه القلوب إقبالاً وإدباراً, فإذا أقبلت فخذوها بالنوافل، وإذا أدبرت فألزموها الفرائض]]. إخوتي في الله! كلٌ منا يسأل نفسه: أما يمر بك يوم وأنت نشيط في العبادة تحب صلاة الجماعة, وتحافظ على النوافل, وتقرأ في اليوم الجزءين والثلاثة, ثم يمر بك يوم وأنت خامل لا تستطيع أن تؤدي الفريضة, ولا تقرأ في اليوم إلا ربع حزب أو أقل من ذلك؟ هذه مسيرة من قديم، وشنشنة نعرفها من أخزم! ومن يشابه أبه فما ظلم!! لكن أوصي نفسي وإياكم أنّ من تشجعت نفسه وطابت عزيمته؛ أن يكثر من النوافل، ومن خمدت نفسه أن يلزم نفسه الفرائض، فلا يترك فريضة ولا يرتكب محرماً، ففي الصحيحين عنه ﵊ أنه قال: ﴿إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم، وإذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه﴾.

стр. 5471

الجدية في العقيدة إن من صور الجدية التي يجب على الشباب أن يعيشوها: الجدية في العقيدة. فالمؤمن يحمل رسالة ومبادئ، والمؤمن يعلم أنه بحمل عقيدته هذه مطالب أمام الله ماذا قدم لها؟ فيا إخوتي في الله! معنى أخذ عقيدة التوحيد بجدية أن تعيش لها, وأن تكون عندك أغلى من أمك وأبيك وزوجتك وولدك, وأن تعلم أن جمجمتك التي فوق كتفيك ثمن للعقيدة: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْداً عَلَيْهِ حَقّاً فِي التَّوْرَاةِ وَالْأِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ [التوبة:١١١] فتحيا بالعقيدة, وتموت للعقيدة, وترضى من أجلها, وتغضب من أجلها ثم لا تساوم على عقيدتك بثمن من الأثمان, ولا تبعها بشيء من الأشياء إني أعلم أن قطاعاً من الشباب لضعف عقيدته قد يتخلى عن شيء من مبادئه بسبب خوف, أو رغبة في شيء من الدنيا, أو مجاملة أو أمر آخر، ومعنى ذلك أنه ناقص الإيمان. يا عجباً! يسجن الكافر ويعذب من أجل عقيدته! يقال له: عد عن عقيدتك وكفرك, فيقول: لا. والمؤمن -أحياناً- قد يتخلى عن بعض عقيدته أو شيء من صلب عقيدته خوفاً من البشر, أو رغبة فيما عند البشر, وهذا خطأ كبير. انظر إلى حبيب بن زيد ﵁ ذاكم الشاب الطموح، الذي يقدَّم إلى مسيلمة الكذاب، فيطلب منه مسيلمة أن يعود عن دينه فيأبى, فيقطع منه قطعة من لحمه وتسقط على الأرض، فيأبى، فيقطع قطعة ثانية، فيأبى، وثالثة، فيأبى، حتى يقطع جسمه كله. ودخل عبد الله بن حذافة السهمي على ملك فارس وقيل ملك الروم؛ فرأى أجسام المؤمنين وهي تغلي في القدور, فقال: تعود عن دينك وأعطيك نصف ملكي. قال: والذي لا إله إلا هو, لو أعطيتني ملكك وملك آبائك وأجدادك على أن أعود عن ديني طرفة عين ما فعلت ذلك. وغيرهم كثير، بل بعض المؤمنين حرق بالنار وبقي على لا إله إلا الله حتى مات. رفع خبيب بن عدي على المشنقة وأخذ ينشد ويقول: ولست أبالي حين أقتل مسلماً على أي جنب كان في الله مصرعي وذلك في ذات الإله وإن يشأ يبارك على أوصال شلوٍ ممزع حتى مات ولم يعد عن دينه. يقول له أبو سفيان وهو على المشنقة: أتريد يا خُبيب أن محمداً مكانك؟ قال: والذي نفسي بيده, ما أريد أني في أهلي وفي مالي وأن محمداً يصاب بشوكة. لله درك! وبارك الله في أشلائك, وجمعنا بك في دار الكرامة.

стр. 5472

الجدية في الشخصية من الجدية أيضاً: جدية الشخصية. أن تكون علماً في قولك, واثقاً من نفسك, متحرراً من الرق إلا لله قال النبي ﷺ في الحديث الصحيح عند مسلم: ﴿المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف﴾ وأن تمثل شخصية عمر بن الخطاب في نفسك وطموحاتك وكلامك وفي مشيك، وألَّا تأخذ الإسلام بتهازل. [[رأت عائشة ﵂ وأرضاها شباباً يمشون -وهم نساك عباد- مشية هينة سهلة لينة تنبي عن الضعف والخور، قالت: ما لهؤلاء؟ قالوا: هؤلاء عُبَّاد نساك زهاد. قالت: والذي نفسي بيده, أن عمر كان أعبد منهم, وأخشى لله منهم, وكان إذا ضرب أوجع, وإذا قال أسمع، وإذا مشى أسرع]] فخذ الكتاب بقوة، قوة الشخصية في الكلام، وفي الحركة، وفي المشي.

стр. 5473

جدية الهيئة أيضاً من الجدية: جدية الهيئة أن تلبس جميلاً طيباً مباركاً؛ حتى تظهر أمام الناس بمظهر الدين، قال ﵊ كما عند مسلم: ﴿إن الله جميل يحب الجمال﴾ وقال ﵊ للصحابة: ﴿تجملوا حتى تكونوا كأنكم شامة في عيون الناس﴾ فأطالب نفسي وإخواني من الشباب أن يتطيبوا, وأن يظهروا باللباس الجميل؛ الذي ينبي عن نظام, وعن دين عظيم؛ حتى يقبل منهم الناس دعواتهم, ولا يصدقوا أهل الخرق من الصوفية المتهالكة الذين شوهوا سمعة الدين ووجهه.

стр. 5474

علو الهمة ومنها: علو الهمة. فلا ترضى من الصلاة إلا بأحسنها وأخشعها, ولا ترضى من العلم إلا أن تأتي على أطرافه وتجيد فيه، ولا ترضى في تخصصاتك إلا وأنت المبرز الأول: من لي بمثل سيرك المدلل تمشي رويداً وتجي في الأول وكما قال أبو فراس، وهمته في الدنيا لكن همتنا نحن في الدين، قال: ونحن أناس لا توسط بيننا لنا الصدر دون العالمين أو القبر فخذ الصدر دائماً وإنني أطالب إخوتي في كلية الشريعة، أن يكونوا أئمة, وأن يجعلوا في أذهانهم أن يكونوا هم مفتو المستقبل, وأئمة مجتهدين في القريب العاجل, يقودون الأمة بالفتوى, وقال الله, وقال الرسول ﷺ . وأطالب أخي في كلية الطب أن يكون طبيباً ماهراً متفوقاً على الطبيب الكافر؛ حتى نستغني بأطبائنا البررة المصلين الساجدين عن الأطباء الكفرة الملاحدة الزنادقة شكراً للأطباء الذين حملوا سنة محمد ﷺ وكذلك المهندس نراه مصلياً، ولكنه بارع في علمه مقبول عند الله ومأجور على ما فعل وكذلك التاجر الأمين عند الله من أوليائه , وقد مدح ﷺ التجار الأمناء وكذلك الفلاح الذي يُؤدي مهمته بإتقان وعمل، فعند البيهقي بسند حسن، أن الرسول ﵊ قال: ﴿إن الله يحب من أحدكم إذا عمل عملاً أن يتقنه﴾. وهناك صنف من الشباب يعيش بطالة تركوا العمل, وتركوا الوظيفة, والدراسة هربوا من الحياة بحجة أن الدنيا فانية، وأنها تؤثر على القلب, وأنها تهدم الدين، وقد افتروا فيما قالوا -سامحهم الله وردهم إلى الصواب- فإن الدين عمل، ولمن تتركون الحياة والله استخلفكم واستعملكم فيها؟ الدين إنتاج الدين أن تكون عاملاً في الورشة, أو طبيباً في العيادة، أو مهندساً منتجاً متحضراً ومقدماً حضارة للإنسان. دخل عمر ﵁ وأرضاه- المسجد، فوجد شباباً في الزوايا يصلون ويتعبدون فقال: [[من أنتم؟ قالوا: عباد. قال: من يطعمكم؟ قالوا: الله. وهل شك عمر أن المطعم هو الله؟ قال عمر: أنا أعلم أن الله يطعمكم, لكن السماء لا تنزل ذهباً ولا فضةً من يطعمكم؟ قالوا: جيران لنا. قال: جيرانكم خير منكم, انتظروني قليلاً. فأغلق عليهم الباب وذهب وأتى بدرته التي تخرج الشياطين من الرءوس، وضربهم ضرباً مبرحاً حتى سالت دماؤهم، وقال: اخرجوا اعملوا، إن السماء لا تمطر ذهباً ولا فضة]]. فيا إخوتي! لا بد من الجدية وترك الخمول والنوم الطويل والتكاسل؛ بحجة أن الحياة للكفرة وأن لنا الآخرة, فلا يصل العبد إلى الجنة إلا من طريق الدنيا، وعمر كان كاسباً يبيع ويشتري، وكان من أغنى الناس أبو بكر وعبد الرحمن بن عوف وعثمان بن عفان، ولا بد أن نراجع السيرة مراجعةً تامةً قويةً.

стр. 5475

الجدية في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أيضاً أطالب إخواني بالجدية في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فقد يصل الشاب إلى درجة أن يموت قلبه, وعلامة ذلك ألا يأمر ولا ينهى؛ لا يأمر بمعروف ولا ينهى عن منكر, وقد حذَّر شيخ الإسلام من ذلك، وقال: لا بد للعبد أن يأمر وينهى ومن لم يفعل ذلك فلن يصبح في قلبه من الإيمان حبة خردل؛ فليشكُ حاله إلى الله, وليطرح نفسه على عتبات العبودية، وليعلم أنه أخطأ كثيراً.

стр. 5476

الجدية في طلب العلم ومن الجدية أيضاً: الجدية في طلب العلم -كما قلت- فيحافظ على الدروس العلمية التي تقام في المساجد، وليأت إليها ولو لم يكن الحضور إلا هو لكفاه أجراً وفخراً وشرفاً أنه حضر واجتمع وطلب العلم. إن الشاب يندفع أولاً اندفاعاً هائلاً ثم يتلاشى ويتلاشى فأنا أعرف دروساً قامت على خمسين أو ستين شاباًً ثم تلاشت إلى ثلاثة أو أربعة, والخطأ من الشباب أنهم ما واصلوا المسيرة، وما علموا أن هذه فرصة سانحة, فتح الله لك درساً فاحضره. كذلك بعضهم لا يجدُّ في بحثه، فإذا كُلِّف ببحث مسألة توانى عنها وتكاسل حتى تذهب عليه الأيام، ثم يأتي ببحث ميت أو بحث لا جدوى فيه ولا تحقيق، وكذلك التواني عن حضور المحاضرات العامة، وأنا أعتبر أن من يحضر هنا يشد من أزر المؤمنين, وأنه ينصر عباد الله الموحدين، وأنه يرغم الشيطان. قال ابن القيم -رحمه الله تعالى-: الدين مبني على المراغمة؛ ولا يرى الشيطان أحقر منه في مثل هذه الليالي؛ أن يرى العباد بالمئات بل بالألوف يجتمعون على محاضرة، يريدون (قال الله وقال رسوله ﵊ فالشيطان وأولياؤه من المرتدين والمنافقين يندحرون ويذوقونها غصصاً إذا رأوا هذا التجمع الإيماني المبارك العاطر. يا رب أحي ضميره وليذوقها غصصاً وتتلف نفسه الآلام هذه بعض الصور التي تفوتنا كثيراً في عالم الجدية، ومنها أيضاً: عدم أخذ الجدية في أخذ سنن محمد ﷺ ، وقد تفاجأ بمن يحمل العلم الشرعي وهو لا يطبق سنة محمد ﵊ في لحيته أو في تقصير ثوبه، أو تراه يلبس الذهب، أو الحرير، أو يستمع الغناء، أو يفوت صلاة الجماعة, فتظن أنه لا يصدق ما يحمل, أو تتهمه في دينه, وهذا أمر واضح، فإن الله جعل على الإيمان دلائل وعلامات، قال سبحانه: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [آل عمران:٣١]. فالحذر الحذر من عدم الجدية في تطبيق السنن, والذين يهونون من شأن السنن؛ كاللحية والثوب والسواك, وخصال الفطرة؛ لا يعقلون ولا يفقهون في دين الله إن محمداً ﵊ أتى بلا إله إلا الله وأتى بإعفاء اللحية، وأتى بلا إله إلا الله وبقص الشارب، وأتى بلا إله إلا الله وبتقصير الثوب، وأتى بلا إله إلا الله وبتحريم الغناء.

стр. 5477

(وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا) المسألة الثالثة: عدم العدل في القول عند كثير من الشباب. وأقصد من الملتزمين, فكلامي مع الغير سوف يكون في حلقات مقبلة إن شاء الله. مما يعاب على الشباب التعامل بالعاطفة المحضة, والتي قد تجنح بصاحبها فتخرجه عن جادة الصواب، ومن ذلك: أن تمنعه من العدل في القول، فإذا أحب شخصاً نسي معايبه، وإذا أحب فئة نسي معايبها، وأثنى عليها بالمديح، وأعطاها أكثر من حقها, وإذا أبغض شخصاً نسي محاسنه، وإذا أبغض فئةً نسي محاسنها وأعمالها الصالحة, وظلمها وجحدها وأخذ ينكث عليها بالنكث في كل مجلس.

стр. 5478

الأمر بالعدل في القرآن الكريم قال : ﴿وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى﴾ [الأنعام:١٥٢] وقال : ﴿وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ [المائدة:٨] وقال : ﴿وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ﴾ [النساء:٥٨] وقال سبحانه: ﴿فَلا تَتَّبِعُوا الْهَوَى أَنْ تَعْدِلُوا﴾ [النساء:١٣٥] ويقول الله على لسان نبيه ﵊: ﴿وَأُمِرْتُ لِأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ﴾ [الشورى:١٥] فهو عادل ﵊، وقال : ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْأِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى﴾ [النحل:٩٠].

стр. 5479

العدل في الحب والاتباع فالحذر الحذر يا شباب الإسلام من أن تغلب علينا أهواؤنا، فإذا أحببنا الشيء مِلْنَا بالكلية إليه, وقد جاء في الأدب المفرد للبخاري، والألباني يجعله من كلام الرسول ﵊, وأظن كما قال كثير من العلماء أنه من كلام علي ﵁: [[أحبب حبيبك هوناً ما فعسى أن يكون بغيضك يوماً ما، وأبغض بغيضك هوناً ما فعسى أن يكون حبيبك يوماً ما]]. إن حب الناس بالعاطفة لا يجدي, والانسياق وراء العاطفة ليس بصحيح، وبعض الشباب إذا أحب شخصاً -ولو كان عالماً أو داعية أو فاضلاً- كساه من المحاسن كأنه معصوم أو كأنه نبي مرسل، فيقول: لا يخطئ، ولا يمكن أن تأتي منه نادرة, ومثله يقول الحق ولا يقول الخطأ, فيتقمص شخصية ذاك ولا يراجعه ولا ينقده, أو لا يعرض كلامه على الكتاب والسنة، قال مالك ﵀: [[ما من امرئ إلا راد ومردود عليه، إلا صاحب ذاك القبر ﵊]]. فالرسول ﵊ هو وحده المعصوم، قال شيخ الإسلام ابن تيمية: ما من أحد إلا يحتاج لأن يحتج لقوله، إلا الرسول ﵊ فإنه يحتج بقوله. وقد سبق معنا في دروس أنه لا بد للعبد من معصوم -وهو الرسول ﵊ يأخذ بأقواله, ولا بد أن يعرض أقوال غيره على أقواله ﷺ . قال ابن عباس ﵄: [[يوشك أن تنزل عليكم حجارة من السماء، أقول: قال الله ورسوله، وتقولون: قال أبو بكر وعمر]] هذا وهو أبو بكر وعمر، فما بالك بغيرهما ﵄؟! من الشباب أيضاً: من إذا رأى خصلة واحدة مذمومة في شاب؛ سابّه وهجره وقطعه، وأخذ منه موقفاً حاداً، ولا ينظر لبقية المحاسن فيه، والولاء والبراء، والحب والبغض عندنا نسبي, وقد يجتمع في الشخص الواحد حب وبغض تحبه لطاعة؛ لأنه يحافظ على الصلوات الخمس، وتبغضه لأنه يشرب الدخان تحبه لأنه يبر والديه، وتبغضه لأنه يستمع الغناء، فعلى العبد أن يكون عادلاً وأن يكون ميزاناً، ولا يميل بالكلية إلى جهة من الجهات. كذلك بعض الفئات وبعض الجماعات فيها خير وفيها نقص؛ فعليك أن تحبها للخير الذي فيها، وتنصحها وتنبهها على النقص الذي يكمن فيها؛ لأن أفرادها ليسوا معصومين وليسوا بأنبياء، لكن التنبيه والنصيحة لابد منها؛ حتى لا يقع الناس في هذه الأخطاء المتكررة.

стр. 5480

النبي ﷺ وميزان العدل انظر إليه ﵊، ﴿يؤتى بشارب الخمر قد شربها عدة مرات، فيقول بعض الصحابة: أخزاه الله، ما أكثر ما يؤتى به من شرب الخمر، قال ﵊: لا تقولوا ذلك، والله ما علمت إلا أنه يحب الله ورسوله﴾ فانظر كيف علم أنه يحب الله ورسوله، وأثنى عليه بتلك الخصلة, مع العلم أنه شرب الخمر مرات كثيرة. ومن ذا الذي ترضى سجاياه كلها كفى المرء نبلاً أن تعد معايبه أتي بـ حاطب بن أبي بلتعه إلى الرسول ﵊، وقد أخبر الكفار بمسير الرسول ﵊ إليهم, فأتي به، فقال عمر ﵁ وأرضاه: ﴿يا رسول الله, دعني أضرب عنقه فقد نافق. فقال: يا عمر , أما تعلم أنه من أهل بدر , وأن الله اطلع على أهل بدر فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم﴾. فعلينا أن نكون موازين في أحكامنا وأقوالنا, ولا نتبع العواطف، وإني أعلم كثيراً من أمثالي من الشباب تسوقهم العاطفة والميل الكلي؛ حتى يضخموا المحاسن فيجعلونها كالجبال وهي صغيرة، ويجعلون المساويء لا شيء، وبالعكس؛ يجعلون المساوئ كالجبال -وهي لا شيء- وينسون المحاسن، فعلى العبد أن يكون متأملاً لما يقول, وينظر بعينية؛ فإن المحب إذا أحب نسي العيوب، والمبغض إذا أبغض نسي الحسنات: فعين الرضا عن كل عيب كليلة كما أن عين السخط تبدي المساويا

стр. 5481

ضياع الأوقات عند الشباب من قضايا الشباب: صرف الوقت فيما لا ينفع ولا يفيد. وهذه مأساة لا زلنا نعيشها، حتى في صفوف الدعاة، فالوقت رخيص عند المسلمين، قال : ﴿وَالْعَصْرِ * إِنَّ الْأِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ * إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ [العصر:١ - ٣] وكم تكرر على الأسماع قوله : ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لا تُرْجَعُونَ * فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ﴾ [المؤمنون:١١٥ - ١١٦]. وبادر شبابك أن يهرما وصحة جسمك أن يسقما وأيام عيشك قبل الممات فما دهر من عاش أن يسلما ووقت فراغك بادر به ليالي شغلك في بعض ما وقدم فكل امرئ قادم على بعض ما كان قد قدما وسوف يعلم الشباب إذا لقوا الله غداً, أي أوقات أذهبوها, وأي أوقات أضاعوها, ويا حسرتنا على ما فرطنا في جنب الله, وهي الأيام والدقائق والساعات الغالية، وإنني أعلم أنّ من الشباب من يقف مع زميله خارج المسجد يتكلم معه ساعة كاملة, فإذا طلبته أن تدرس معه مسألة, اعتذر بقوة.

стр. 5482

قضايا في الدعوة إلى الله

стр. 5483

احذروا العجلة قال : ﴿وَلا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضَى إِلَيْكَ وَحْيُهُ وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْماً﴾ [طه:١١٤]. وكان النبي ﵊ ينبه أصحابه إلى عدم العجلة، فإن دين الله لا يقبل العجلة، والله جعل العبد حكيماً: ﴿بَلِ الْإِنْسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ﴾ [القيامة:١٤] استعجل بعض الصحابة النتائج، فقال لهم ﵊: ﴿والذي نفسي بيده, ليتمن الله هذا الأمر حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت لا يخشى إلا الله والذئب على غنمه، ولكنكم قوم تستعجلون﴾ وحدث ما قاله ﵊، فأتم الله الدين، ونصره نصراً مؤزراً لكن بعد ثلاثٍ وعشرين سنة, ولا بد -كما قال ابن الجوزي في صيد الخاطر - لا بد من عقبات، ولا بد من عراقيل وعوائق، ولا بد من أن تسقط تارة وتقوم تارة، وأن تكسب تارة, وتخسر تارة, ولا بد أن يواجهك بعض الناس بسب وشتم، وبعضهم لا يستجيب لك، وبعضهم يكسحك أمام الناس، وبعضهم يستهزئ بك، ولكن تلقى من الصنف الآخر من يحييك ويرحب بك ويهش ويبش, فالحذر كل الحذر من استعجال النتائج. ووصيتي للشاب خاصة من يدعو أهله: أن يمكث معهم طويلاً, وألا يستعجل بهم النتيجة, وأن يأخذ مسائل العقيدة مسألة مسألة, ويبدأ بكبار المسائل بيت لا يصلي أهله، ما هي حيلة الشاب المهتدي في البيت؟ أتذهب إليهم وتقول لهم: اتركوا سماع الغناء وتقف معهم ليل نهار في سماع الغناء؟ إن ترك الصلاة أعظم, إن ترك الصلاة كفر, وأنا أطالبك بقضية الصلاة فقط, لا تتحدث عن الغناء, ولا تتحدث عن إسبال الثوب، ولا تتحدث عن مسألة شرب الدخان، ولا تتحدث عن الغيبة، ابق معه ليل نهار في مسألة الصلاة, فتأتي لهم بفتاوى أهل العلم, والأشرطة وماذا قال الدعاة في الصلاة, كل هذا بالتي هي أحسن؛ فإذا صلوا فابدأ بالمسألة التالية، فلا بد من التدرج حتى تصل معهم إلى قضايا محددة, ولا تبدأ بصغار المسائل. إن الرسول ﵊ أتى إلى العرب ومنهم من يسمع الغناء, ومنهم من يزني, ومنهم من يأكل الربا, ومنهم من يشرب الخمر, فأتى بلا إله إلا الله محمد رسول الله، فلما استجابوا أمرهم بالصلاة، ثم الزكاة، ثم الصيام، ثم الحج، ثم ذكر المحرمات حتى وقف في عرفة في آخر أيامه فأنزل الله: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْأِسْلامَ دِيناً﴾ [المائدة:٣] فلا نريد العجلة، وإن العجول يخطئ دائماً. قد يدرك المتأني بعض حاجته وقد يكون مع المستعجل الزلل

стр. 5484

الغلظة والعنف في الدعوة أيضاً من قضايا الشباب: الغلظة والعنف في الدعوة. وهذا ليس عند الشباب جميعاً, ولكنه عند بعضهم، فتجده إذا تكلم أغلظ في الكلام, وجرح المشاعر, وقد يأخذ كلاماً نابياً تنبو عنه السهام، وعلى العبد أن يكون رقيقاً في تعامله: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾ [آل عمران:١٥٩]. يقول أحد السلف: كن باش الوجه لين الكلمة؛ تكن عند الناس أحب ممن يعطيهم الذهب والفضة. وفي الحديث: ﴿إنكم لا تسعو الناس بأموالكم ولكن تسعوهم بأخلاقكم﴾ وقد قسَّم الله الأخلاق بين الناس كما قسم الأرزاق. فأنت تريد مني أن أستجيب لك وقد جرحت مشاعري, وقد نصحتني وفضحتني أمام الناس, وأمام الجماهير، كيف أستجيب لك؟! قال الشافعي: تعمدني بنصحك في انفراد وجنبني النصيحة في الجماعة فإن النصح بين الناس نوع من التوبيخ لا أرضى استماعه فإن خالفتني وعصيت قولي فلا تجزع إذا لم تعط طاعة لا نريد غلظة في الخطاب: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم:٤] إن الكلمات النابية ليست في سنته ﵊. أسألكم بالله -يا شباب الإسلام- هل سمعتم في الكتب الستة والمسند والمعاجم، وكتب سنة الرسول ﷺ ، ودواوين الإسلام كلمات نابية قالها الرسول ﷺ للمدعوين؟ هل أغلظ في القول؟ لا والله, إنما كان يأتي بالخطاب المحبب العجيب اللين السهل؛ حتى يصل إلى القلوب بالبسمة وباللين. فالحذر الحذر فإن بعض الناس يأمر بمعروف وينهى عن منكر، فيفوت من المعروف ما هو أعظم بسبب أمره, ويأتي من المنكر بأعظم بسبب نهيه، قال ابن تيمية ﵀: ليكن أمرك بالمعروف بالمعروف, ونهيك عن المنكر بلا منكر.

стр. 5485

التذبذب من قضايا الشباب أيضاً: التذبذب. وهذا مرض، مرة يكون طائعاً ومرة يكون عاصياً، مرة محافظاً على الصلوات الخمس, ومرة تاركاً لها، مرة مع أولياء الله، ومع أحباب الله, مقبلاً على الله, ومرة مع الأشقياء البعداء في الملاهي والمنتديات وأماكن اللغو هذا تذبذب وسببه أن هؤلاء تربوا على العواطف، ولم يربوا على علم راسخ, أو على إيمانيات, أو على ترسيخ شأن العقيدة في قلوبهم أو على القضايا الكبرى من قضايا الإسلام, فالوصية لهؤلاء أن يثبتوا, وأن يديموا طاعة الله , وأن يعلموا أن الأمر جد, وأنه لا يتحمل هذا التذبذب والتلاعب على الحبال.

стр. 5486

جلساء السوء هم السبب في التذبذب إن سبب التذبذب هم جلساء السوء؛ فتجد الشاب لا يترك جلساءه الأولين, يأتي مع الطائعين فإذا خرج من عندهم ذهب إلى أولئك، والله يقول: ﴿الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ﴾ [الزخرف:٦٧] فاحذر من جليس السوء. عن المرء لا تسأل وسل عن قرينه فكل قرين بالمقارن يقتدي

стр. 5487

التذبذب في الأمور الخاصة ومنها أيضاً: تذبذب الشاب في أموره الخاصة, كتذبذبه في الدراسة، وقد عرض لي شيء من هذا, وقد أضر هذا بكثير من الطلاب، تقول العرب: من ثبت نبت. إذا دخلت قسماً واستخرت الله ورضيت به فاثبت فيه حتى تواصل وتنتهي, لكن بعضهم يدخل سنة في الطب, وسنة في الشريعة, وسنة في أصول الدين, وسنة في علم النفس, وسنة في الإدارة, ثم يخرج في الأخير بسنة واحدة, مكسبه في خمس سنوات سنة واحدة, بسبب تذبذبه. ومشتت العزمات ينفق عمره خفقان لا ظفر ولا إخفاق لا يدري، حيران، لا ظفر ولا إخفاق.

стр. 5488

التذبذب في طلب العلم ومثل هذا: التذبذب في طلب العلم، فليس عنده منهجية -وسوف يأتي الكلام عن ذلك- مرة يقرأ في كتاب أدب, ومرة في التاريخ, ومرة يقرأ في السير، ومرة في الحديث, ومرة في التفسير, فيصبح عنده ثقافة عامة، ولو عرف لرتب نفسه وبدأ بخطى رتيبة في طلب العلم يأخذ المتون -أولاً- المقربة المسهلة المبسطة، فيحفظها أو يقرأها قراءة متأنية حتى يستظهرها, ثم يقرأ شروحها, ثم يراجع المسائل، وأنا أنصح الشباب أن يأتوا إلى الدروس العلمية عند المشايخ، حتى يبدءوا حياتهم لبنة لبنة.

стр. 5489

التذبذب في الأمور العامة التذبذب -أيضاً- في الأمور العامة للشخص، مثلاً: الزيارت، فتجده -أحياناً- يزور باستمرار، فيكثف من الزيارات في شهر حتى يثقل على الناس، ثم يقطع الزيارة في مرحلة من المراحل حتى لا يراه الناس, وهذا ليس بصحيح، بل هو خطأ؛ فإنّ على المسلم أن يكون صاحب جدول, وصاحب خطة مرسومة, كما يفعل أهل الدنيا، فإن لهم في مشاريعهم خططاً ثلاثية ورباعية وخماسية وسداسية يبنون عليها حياتهم.

стр. 5490

التذرع بالذنوب لترك الدعوة إلى الله من قضايا الشباب: التذرع بالذنوب وترك الدعوة بسبب أنهم يحملون ذنوباً, وأن الواحد منهم عاصٍ فتطالبه أن يدعو إلى الله ، وأن يشارك في الخطابة, أو في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر, أو في التعليم, أو في إسداء الكلمة البارة, وفي نصيحة إخوانه، فيقول: أنا رجل مذنب ومثلي لا يدعو الناس، وهذا خطأ نبه عليه أهل العلم, وقد قال الله في محكم كتابه: ﴿وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَى مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَداً﴾ [النور:٢١]. من ذا الذي ما ساء قط ومن له الحسنى فقط وأنا أسأل هؤلاء الشباب: هل ينتظرون إلى درجة أن يصبح الإنسان منهم معصوماً لا يخطئ؟ لا يكون هذا أبداً، والمعصوم هو محمد ﷺ ، فقد قال ﴿كل ابن آدم خطاء, وخير الخطائين التوابون﴾ وقال ﷺ كما في صحيح مسلم: ﴿والذي نفسي بيده, لو لم تذنبوا لذهب الله بكم ولجاء بقوم آخرين يذنبون فيستغفرون الله فيغفر لهم﴾. يقول رجل للإمام أحمد: يا أبا عبد الله , هل يبقى الرجل حتى يكمل ثم يدعو الناس؟ قال الإمام أحمد: ومن يكمل؟ من يبقى حتى يكمل، فادعُ الناس؛ لأن عندك حد أدنى من الطاعة، فأنت تؤدي الفرائض وتجتنب الكبائر, لكنك تقع أحياناً في خدوش وفي زلات وسيئات وخطايا, فاستغفر وتب، لكن لا تسكت عن الدعوة، لا تسكت عن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بحجة أنك مذنب. قال ابن الجوزي في تلبيس إبليس: وقد لبس إبليس على بعض المتعبدين فيرى منكراً فلا يغيره, ويقول: إنما يأمر وينهى من قد صلح، وأنا لست بصالح فكيف آمر غيري. وهذا غلط؛ لأنه يجب عليه أن يأمر وينهى ولو كانت تلك المعصية عنده، وقد سبق معنا قول شيخ الإسلام وأكرره، يقول: وكل بشر على وجه الأرض فلا بد له من أمر ونهي ولا بد أن يؤمر هو وينهى. وقد ذكر شيخ الإسلام في المجلد العاشر من الفتاوى في وصيته لـ أبي القاسم المغربي: أن العبد لا بد له أن يذنب, وأن الذنب حتم على العبد, لكن عليه أن يستغفر. فوصيتي للشباب ألا يعتذر أحدهم بالذنب، وأنا أعرف شباباً تركوا خطبة الجمعة بسبب أنهم يقولون: نحن أهل معاصي، تطلب من الواحد منهم أن يلقي كلمة وأن يعظ الناس، فيقول: أنا عاصي. ولو كان يشترط في الواعظ والداعية والآمر بالمعروف والناهي عن المنكر العصمة ما كان دعا ولا وعظ أحد بعد محمد ﷺ . فيا إخوتي! نسدد ونقارب، ونأمر وننهى, فلعل الله أن يكفر بسبب دعوتك خطاياك ومعاصيك التي وقعت فيها.

стр. 5491

الانعزال عن المجتمع من قضايا الشباب التي يعيشها: الانعزال عن المجتمع. وهذا ليس بكثير في قطاع الشباب، لكنه في فئة وفي شريحة من الشباب, أن الواحد منهم إذا استقام فرَّ من المجتمع وهرب إلى بيته واختفى بحجة أن البلد أصبح بلد معاصٍ, وأن الناس مذنبون، وأن الخطايا كثرت, ويقول: فر بدينك فرارك من الأسد. ويقول أحدهم ويستدل بالحديث: ﴿عليك بخاصة نفسك﴾ وأحدهم يستدل أيضاً بقوله ﷺ : ﴿يوشك أن يكون خير مال المرء المسلم غنم يتبع بها شعف الجبال ومواقع القطر يفر بدينه من الفتن﴾ فتجده من بيته إلى المسجد، يترك المجتمع والمسجد والدراسة والكلية والفصل والسوق، وهذا مخطئ.

стр. 5492

المخالطة مع الصبر أفضل قال النبي ﵊ في الحديث الصحيح: ﴿الذي يخالط الناس ويصبر على أذاهم خير من الذي لا يخالط الناس ولا يصبر على أذاهم﴾ رواه أبو داود وغيره بسند صحيح، وهذا أمر واقع, فإن من يخالط الناس يرى منهم النكال والاستهزاء والتشهير، ويرى منهم الغصص, لكنه يصبر ويحتسب، وهذا شأن الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، فإن الأنبياء لم يبعثوا في الكهوف, والذي يريد أن يعتزل بدينه قد يسيء للإسلام إلا في بعض المراحل والأحوال والأشخاص, لكن أن تكون هذه ظاهرة ويكون هذا منهجاً مدروساً فلا نوافق عليه, وليس بصحيح. فيا إخوتي في الله! على العبد أن يتقي ربه، وألا يعتزل إخوانه المؤمنين, وأبشركم أن الحال بخير والحمد لله، وأن الناس مقبلون على الطاعة, وأنهم يقدرون كلماتك, ويرحبون بك إذا أمرت ونهيت, ولم يأتِ زمن لا يقال في الأرض: لا إله إلا الله أو الله الله. بل ما زال هناك مصلون وصائمون وصادقون وعباد وأبرار, فخالطهم، وأمر وانه.

стр. 5493

العزلة مطلوبة أحياناً قال ابن تيمية ﵀: لا بد للعبد من أوقات يعتزل فيها بنفسه، لذكره ودعائه ومحاسبة نفسه. ولكن يجب عليه المخالطة في مثل صلاة الجماعة والجمعة, والأعياد، ثم يستحب أن يخالطهم في الدروس العلمية والمحاضرات العامة. مثلاً: الشاب الذي حضر مثل هذا الدرس أو غيره من الدروس، وشاب غيره يقرأ في بيته القرآن، فرأيي أن من حضر هنا أفضل ممن بقي هناك؛ لأنه حضر ليكسب أربعة أمور ذكرتها، وكثّر سواد المؤمنين، وأرغم الشيطان, وأظهر التضامن مع إخوانه, وقوّى من جانب الدعوة؛ لأن حضوركم تقوية للعلماء والدعاة وطلبة العلم، وانتصار للا إله إلا الله، وإرغام للشيطان وأوليائه.

стр. 5494

الفتاة الداعية أيضاً من القضايا -وهذه للشابات وسوف يأتي حديث للشابات مستفيض إن شاء الله-. فالشابات ابتعدن عن الدعوة والقيام بها؛ بحجة أن الدعوة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر للرجال, والله يقول في محكم كتابه: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ [التوبة:٧١] فالمرأة لا بد أن تكون آمرة ناهية داعية إلى منهج الله , عليها من التكليف بين بنات جنسها ما على الرجل، فمن يدعو النساء إلا المرأة, ومن يعلم ويربي وينصح النساء إلا المرأة؟! وهذه أمانة محمد ﵊ على عواتق النساء.

стр. 5495

من داعيات الإسلام وقد أخرج الإسلام داعيات وآمرات وناهيات، كـ عائشة ﵂، وحفصة بنت عمر ﵂، وكذلك حفصة بنت سيرين وعمرة وفاطمة بنت سعيد بن المسيب وغيرهن كثير، بل على مر التاريخ وجد آلاف النساء من العالمات المحدثات والمفسرات والفقيهات, يعلمن ويدرسن. إني أرى من النقص الكبير في مجتمعنا ألا توجد دروس للنساء، وهذه رسالة أبعثها إلى مركز الدعوة في هذه المنطقة؛ أن يوجدوا دروساً خاصة للنساء، يدرسن النساء ويعلمنهن، وكم أحمد الله أن رأيت في كثير من المدن دروساً خاصة للنساء في التفسير والفقه والحديث؛ لأن المرأة تقبل من المرأة، وتستطيع أن تدخل معها في مسائلها الخاصة، وتحدثها وتبادلها الكلام فهذا أمر مطلوب.

стр. 5496

مجالات الدعوة عند المرأة وتتمثل دعوة المرأة في بيت أهلها وزوجها، وبيوت جيرانها، وشكرًا لتلك المرأة التي هدت زوجها إلى صراط الله المستقيم, وقد ذكرت في كثير من القصص، وهناك عشرات النساء سبب البركة في البيت والهداية فيه أنها دخلت بيت زوجها، فقلبت البيت رأساً على عقب إلى صراط الله المستقيم، ولما دخلت البيت دخلت معها السكينة والرحمة والنور والبركة, وأصبحت تأمر وتنهى وتعلم السنن؛ بسبب استقامتها على منهج الله . المرأة داعية في مجالسها عند جاراتها, وفي فصل دراستها وتدريسها, وفي لقائها مع أخواتها, تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر، فلا ترتع مع النساء في الغيبة -وفواكه النساء الغيبة والنميمة إلا من عصم الله- ولا تذكر معهن الفحش, بل تتدارس معهن كتاب الله ، وكتب أهل العلم وفتاوى العلماء, وتستغفر معهن وتسبح، وتدعوهن إلى ما ينفعهن في الدنيا والآخرة. إنها مهمة عظيمة, وإن مما يؤسفنا أن يكون المكان ضيقاً على النساء في هذا المسجد أو في غيره, ولكن ماذا نفعل؟ ونحن نعتذر كثيراً في كل لقاء, لكن عسى الله أن يأجر من أتى, ولعل في الشريط وفي سماعه عوضاً لمن لم تحضر في هذا اللقاء المبارك، ومن نوى وجه الله وقصد الخير كتب له الأجر, ورب قتيل بين الصفين الله أعلم بنيته، ورب من مات على فراشه وهو شهيد، وقال ﷺ : ﴿من سأل الله الشهادة بصدق بلَّغه الله منازل الشهداء, وإن مات على فراشه﴾ رواه مسلم، وهي النية الصادقة التي يفعلها كثير من المؤمنين ثم لا يدركون الأعمال؛ فيكتب الله لهم بنياتهم. وكما في الخبر: ﴿نية المؤمن خير من عمله﴾.

стр. 5497

قلة الاطلاع عند الشباب من قضايا الشباب: ضحالة المعرفة وقلة الاطلاع. لم يطلب من الرسول ﷺ أن يتزود من شيء إلا من العلم النافع، قال له الله : ﴿وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْماً﴾ [طه:١١٤] والعلم إنما يزيد -يا أيها الشباب- بكثرة الاطلاع, وبمنافسة أهل العلم, والمناقشة, والاستفادة, والمساءلة, يعجب طالب العلم إذا سأل إخوانه في جلسة من الجلسات: هل عندكم أسئلة في أي مجال؟ فيقولون: لا. وذلك ينبي أنهم لا يقرءون. قيل لـ ابن عباس ﵄: [[بم نلت هذا العلم؟ قال: بقلب عقول ولسان سئول]]. وسل الفقيه تكن فقيهاً مثله من يمضِ في علم بحق يمهر فعليك أن تسأل كثيراً, وأن تكون ملحاحاً في الأسئلة.

стр. 5498

السؤال ممقوت إلا في حالتين والسؤال كله ممقوت إلا في بابين: الأول: سؤال الواحد الأحد، فإنه يرضى كلما سألته، قال تعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾ [البقرة:١٨٦]. الثاني: سؤال أهل العلم, فإنهم يفرحون, وتزيد أنت من معلوماتك ومن ثقتك وفقهك. أيها الإخوة! إن كثيراً من كتب أهل العلم التي ألفوها -وهي كنوز في مكتباتنا- لا يعرفها الكثير, ولم يقرءوا فيها, ولم يفتحوها, وهذا خطأ كبير إن أوقات الفراغ عندنا جعلتنا ننفصل عن تراثنا الخالد وتقل معلوماتنا ومعرفتنا, لماذا لا يكون عندنا كتب جيب؟ كل واحد لا يخرج من بيته إلا وهو يحمل كتاب الجيب مع المصحف. إن بعض الناس ختم كتباً بسبب هذه الأوقات الضائعة؛ الانتظار في مكان الرحلة في الطائرة, الانتظار في المطار, ركوب السيارة ونحو ذلك؛ هذه تختم فيها كتباً، أما تضييع الأوقات في غير طائل، أو الانتظار حتى تتهيأ أمورك ويجتمع شملك، فإن الدنيا لا تجمع شمل أحد. فوصيتي لإخواني: أن يكثروا من القراءة والمطالعة الجادة, وأن يكون لأحدنا مكتبة هائلة فيها من كتب أهل العلم, ولا يشترط أن تكون كثيرة الكتب؛ فإن القليل المبارك نفعه عظيم، تكون هناك قائمة مباركة, والعبرة ليست بالكتب, بل العبرة بالقراءة، العبرة أن تكرر وتقرأ وتبحث وتسأل.

стр. 5499

اطلع على واقعك أيضاً: يا أيها الإخوة! ينقص كثيراً من الشباب الاطلاع على واقع المسلمين, وما يعيشه المسلم في واقعهم, فتجده ينعزل حتى ولو كان مع علم السلف، العلم المبارك، لكن لا يعفيه هذا أن يطلع على الأطروحات التي في الساحة, وعلى الكتب المؤلفة في هذه المرحلة، والمجلات الإسلامية, والصحف وما يكتب فيها؛ حتى يكون على بصيرة بواقعه وببيئته يعرف كيف يتكلم, وكيف يدعو، ويعرف ماذا يخطط لدينه، أما أن يقف في عزلة عن عالمه وعن واقعه فليس بصحيح, وقد قال الله لرسوله ﵊: ﴿وَكَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآياتِ وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ﴾ [الأنعام:٥٥] فعلى الأقل لا بد أن تقرأ ولو صحيفة في اليوم، ومجلة إسلامية في الأسبوع, وأن تعرف أن هناك خططاً, ووسائل, وأسراراً, وهناك ما يحاك ضد هذا الإسلام, فتكون على بصيرة حتى تعلم أين تضع قدمك. هذا مما يطلب من شباب الإسلام, ومن أهل الحق الذين يحملونه, ويطلب منهم أن يبلغوه للناس. إخوتي في الله! بقيت قضايا كثيرة كثيرة لا تنتهي, ولكني أسأل الله أن يعين على إتمامها، وكما وعدتكم سوف يستقبل هذا المنبر دعاة وعلماء يتحدثون لكم في هذه المسائل مسألة مسألة، ويوم تحضرون ويحضر أصحاب الفضيلة العلماء؛ يكون هناك مجلس مبارك، واجتماع على الحق، والله قد نهى عن التفرق: ﴿وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [آل عمران:١٠٥] ويقول : ﴿وَالْعَصْرِ * إِنَّ الْأِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ * إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ [العصر:١ - ٣]. وهذه المحاضرة مبنية على محاضرة سابقة بعنوان: "فن الدعوة"، وهاتان المحاضرتان متلازمتان تماماً، تفهم هذه بتلك, وتلك كالمقدمة والديباجة لهذه المحاضرة. وشكراً لمن حضر، وكم فرحت، وقد كدت أن أبكي قبل صلاة المغرب, وأنا أرى الشباب في زحمة الليل وزحمة السيارات, وفي وهج البرودة, وفي قطرات الرذاذ, وهي تتقاطر من السماء, وهم يزدحمون يأتون إلى المسجد، تركوا دراستهم وأشغالهم وأهلهم وارتباطهم وضيوفهم ليحضروا في هذا المكان. فيا رب يا أحد يا صمد يا من لم يلد ولم يولد, حضرنا لوجهك ولمرضاتك، أسألك ألا تعيدنا من هذا المكان إلا مقبولين, مغفورة ذنوبنا, مستورة عيوبنا, قد رضيت عنا ورضينا عنك، وقد أسعدتنا بتوبة تجلو عنا الذنوب والهموم والغموم، أسألك أن تحفظنا بالإسلام وأن تحفظ الإسلام بنا، وأسألك أن تجمعنا بحبيبنا في مقعد صدق عند مليك مقتدر، وأسألك أن تنصر هذا الدين، وأن تعلي كلمة المسلمين، وأسألك أن تحفظ العلماء والدعاة، وأن ترفع كلمتهم وأن تؤيدهم بالحق، وتؤيد الحق بهم، وأسألك أن ترد شباب الإسلام إليك رداً جميلاً يا عظيم، وأن تأتي بإخواننا وفلذات أكبادنا من الشباب الذين جلسوا على الأرصفة وفي المقاهي وفي أماكن اللغو أن تأتي بهم لنراهم، فإننا -والله- نحبهم حب الإسلام، ولا نريد يا رب أن تعذبهم بالنار, ونريد يا رب أن تخرجهم من الظلمات إلى النور، هذه مسألتنا ولهذا اجتمعنا. وأما كلامي فأسأل الله أن ينفع به، فإن أصبت فمن الواحد الأحد، فهو منزل الصواب على عباده، وإن أخطأت فمن نفسي ومن الشيطان والله ورسوله بريئان، أسأل الله أن يجمعني بكم مرات كثيرة في مناسبات كثيرة، وأنا أعتبر أن من يدعو لهذا الدرس ولغيره، ويدعو إخوانه وجيرانه والمسلمين؛ أنه داعية إلى منهج الله, وأنه أمين على دعوة الله, وأنه رجل صالح يدعو إلى خير. شكراً لكم، ومرضاةً وقبولاً زائداً من الله . وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.

стр. 5500

حتى لا نتخلف عن الركب التخلف عن ركب محمد ﷺ خسارة كبيرة جداً، فعلى كل من تخلف عن ركبه ﷺ أن يتوب ويستغفر وينيب إلى الله ، وينضم إلى ذلك الركب الجليل، ولا يتخلف عنهم فيصبح من المنافقين، أو يلتفت إلى المغريات فيتأخر عن اللحاق بهم.
следующие страницы →