Полный текст (10 391 стр.). Показаны 5566–5605 · переход к 5571.
стр. 5566
نفي التعارض بين جعل الأرض فراشاً ووجود الجبال
قال : ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشاً وَالسَّمَاءَ بِنَاءً﴾ [البقرة:٢٢] لا تعارض بين وجود الجبال في الأرض أن تكون فراشاً ومهاداً، فإن الجبال أقل رقعة من كثير من السهول، بل الجبال جعلها الله سهلة المرتقى في الغالب إلا في النادر منها، ولحكمة جعلها الله أوتاداً في الأرض.
ولذلك ذكر بعض أهل العلم التجريبي: أن الأرض متوازنة فلها في كل مكان كتلة من الجبال تحفظ التوازن في الكرة الأرضية، فالدرع العربي مثلاً: في الجزيرة العربية يمر إلى العقبة وإلى الساحل، وجبال الهملايا في الهند وجبل طارق مثلاً في المغرب، قالوا: فوجد أنها موزعة بالتوازن وأنه لو نقصت كتلة من هذه الجبال لأخذت الأرض تتأرجح بإذنه .
وذكر أهل العلم التجريبي أن هناك أدنى الأرض وأعلاها، والروم كانوا يسكنون في الأردن، فيقول : (الم * غُلِبَتِ الرُّومُ * فِي أَدْنَى الْأَرْضِ) [الروم:١ - ٣] ونحن لا نقر هذا ولكن نستأنس ونذكره للناس، وإلا فالأدنى عند المفسرين: الأقرب، فلان يدنو من فلان، أي: يقرب منه، وسميت الدنيا كذلك لقربها، فقوله: (فِي أَدْنَى الْأَرْضِ) [الروم:٣] أي: قريباً من بحيرة طبرية، أو في نهر الأردن ووجد أن هذه المنطقة هي أدنى منطقة في الأرض، أي: أسفل منطقة، ولله القدرة التامة، فإن آيات القرآن ومعجزاته ما زالت تستنبط.
آياته كلما طال المدى جددٌ يزينهن جلال العتق والقدم
стр. 5567
بيان قوله تعالى: (وَالسَّمَاءَ بِنَاءً)
قال : ﴿وَالسَّمَاءَ بِنَاءً﴾ [البقرة:٢٢] وقد سماها الله سقفاً محفوظاً، وقد بناها ، ولكن يقول: (بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا) [الرعد:٢] فهل للسموات عمد أم لا؟ لأهل العلم في الآية هذه معنيان فينتبه له:
المعنى الأول: يقال بغير عمد ترونها: أي أنكم ترون السماء مرفوعة فليس لها عمد.
المعنى الثاني: وقالوا بغير عمد ترونها: لها أعمدة، لكن لا ترون هذه الأعمدة.
والصحيح: المعنى الأول فسبحان من رفع هذا الجرم الذي سمكه كما بين السماء والأرض بمسافة خمسمائة عام، وذكر في بعض الآثار: أنها سماء من نحاس وسماء من حديد إلى غير تلك الأنواع، فالله أعلم! لكن جرمها وسمكها خمسمائة عام، وقد اخترقها النبي ﷺ مع جبريل في لحظات حتى وصل إلى (سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى * عِنْدَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَى * إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَى * مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى) [النجم:١٤ - ١٧] وقال: ﴿سَقْفاً مَحْفُوظاً﴾ [الأنبياء:٣٢] قالوا: محفوظة بالملائكة من الشياطين لئلا يسترقوا السمع.
يقول ابن عباس: كان الشيطان يأتي على ظهر أخيه، ثم يأتي الثالث على ظهره، ثم الرابع والخامس، ثم السادس حتى يقربا من السماء، فكانوا يلتقطون الكلمات قبل أن يبعث ﷺ فيبثونها للسحرة والكهنة والمشعوذين، فيأخذها الساحر فيزيد عليه مائة كذبة.
فلما بعث ﵊ أصبحت الأجرام السماوية والأرض في حالة استنفار وتأهب وطوارئ، أخذت الشهب تلقى عليهم تلاحقهم وتحرقهم في كل مكان، فلما جاء زعيم نصيبين من اليمن يتفقد بعض أفراده، فقالوا: احترقوا، ونظر وإذا الشهب ترمى في كل مكان.
فقال: ابحثوا في الأرض والتمسوا فقد وقع في الأرض أمر منعنا من التماس خبر السماء، فذهبوا وتفرقوا في الدنيا، فذهبت فرقة تجاه الحجاز، وصادفت أن الرسول ﵊ عند وادي نخلة في الطائف وسط الليل لما رده أهل الطائف وكذبوا به، فجلس يقرأ القرآن، فاستمعوا له، وتداعوا من كل أقطار الأرض، وكانوا يسرعون في لمح البصر، فأخذوا يزفونه حتى امتلأ الوادي بهم وأصبحوا صفاً على صف حتى يقول : (وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ كَادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَداً) [الجن:١٩] ونقل الله المشهد بالصورة والصوت، فقال : ﴿قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ فَقَالُوا إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآناً عَجَباً) [الجن:١].
قال سيد قطب: عجيب! هذا القرآن حتى الجن يتذوقونه ويعرفون أنه عجب، قالوا: (فَقَالُوا إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآناً عَجَباً * يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ وَلَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنَا أَحَداً) [الجن:١ - ٢] إلى أن قال : (وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْهَا مَقَاعِدَ لِلسَّمْعِ فَمَنْ يَسْتَمِعِ الْآنَ يَجِدْ لَهُ شِهَاباً رَصَداً) [الجن:٩] ثم قال الله لرسوله في آخر سورة الأحقاف (وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَراً مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوا أَنْصِتُوا فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلَى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ * قَالُوا يَا قَوْمَنَا إِنَّا سَمِعْنَا كِتَاباً أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى مُصَدِّقاً لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ وَإِلَى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ * يَا قَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ وَآمِنُوا بِهِ يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُجِرْكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ * وَمَنْ لا يُجِبْ دَاعِيَ اللَّهِ فَلَيْسَ بِمُعْجِزٍ فِي الْأَرْضِ وَلَيْسَ لَهُ مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءُ أُولَئِكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ) [الأحقاف:٣٠ - ٣٢] فهذا من حفظ الله للسماء.
стр. 5568
فوائد النجوم
قال قتادة بن دعامة السدوسي: [[خلق الله هذه النجوم لثلاث: زينة للسماء، ورجوماً للشياطين، وعلامات يهتدى بها، فمن تأول فيها غير ذلك أخطأ وأضاع نصيبه، وتكلف ما لا علم له به]].
إذاً فوائد النجوم هي:
الأولى: زينة للسماء قال الله تعالى: ﴿وَزَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ﴾ [فصلت:١٢] قالوا: السماء هذه هي السماء الدنيا التي تليكم، والدنيا: القريبة.
وقال بعض أهل العلم: ومفهوم المخالفة أن تلك السموات ليس فيها مصابيح.
الثانية: يهتدي بها المسافر، قال تعالى: (وَعَلامَاتٍ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ) [النحل:١٦] فإن المسافر إذا أصبح في البحر ولجة الليل وضل به الركبان، ومل الحادي، وحار الدليل نظر إلى النجم، فاهتدى بإذن الله.
يقول الشهرزوري وهو قاضٍ من قضاة الشام:
لمعت نارهم وقد عسعس الليل ومال الحادي وحار الدليل
فتأملته وفكري من البين عليل وطرف عيني كليل
فاهتدى، ولذلك يعرف العرب هذا، فهم يعرفون أن سهيلاً في جهة اليمن، والثريا في وسط السماء، وغيرها من النجوم التي ذكرها أهل العلم، فهي هداية.
الثالثة: رجوماً للشياطين: فهي ترجمهم، فإذا رأيت في آخر الليل -وكلكم رأى- أنه في أول الليل، أو وسطه، أو ينهد النجم بسرعة، ثم ينطفئ، قالوا: ينطفئ بعد أن يحرق الفاسق الفاجر الذي يريد أن يتعلق ليسمع من السماء شيئاً؛ لأن للسماء حركة (كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ) [الرحمن:٢٩] كتبة ومحصون وساجدون وعباد، وما يأتي من رزق وما يأتي من خلق وتصريف، فهم يأخذون أخبار السموات، ولكنهم يحترقون قبل أن يصلوا بها، وبعضهم يسمع كلمة قبل أن يحترق، وبعضهم يسمع كلمة ويفر بها فيعطيها الكاهن، فيزيد عليها مائة كذبة، ولذلك قد تذهب إلى بعض الكهنة، فيقول: اسمك محمد بن علي وسيارتك مواصفاتها كذا وكذا، وأنت تسكن في قرية كذا، فهذه المعلومات أخبره الجان به، وقيل: هذه في أخبار الدنيا، وأما أخبار السماء، فقالوا: إنك تموت في يوم كذا وكذا، أو يأتي لك ابن كذا وكذا، والله أعلم.
стр. 5569
معنى قوله تعالى: (وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً)
قال : (وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقاً لَكُمْ فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَاداً وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ) [البقرة:٢٢] أما الماء فهو أرخص موجود وأغلى مفقود، إذا فقد الماء، دفعت حياتك وملكك وما معك من شيء في شربةٍ واحدةٍ، وأما إذا وجد فهو أرخص موجود.
دخل ابن السماك على هارون الرشيد، فقال هارون الرشيد: يـ ابن السماك -وهو واعظ عابد عالم- أما تريد أن تخالطنا في هذا الملك، فتصيب معنا ويرزقك الله منه؟
قال: والله ليس لي بملكك طرفة عين من عبادة ربي ﵎.
ثم أتى هارون الرشيد في أثناء الجلسة، فقال: علي بشربة من ماء، فأتوا: بالماء، قال ابن السماك: أسألك بالله ألاَّ تشرب حتى أكلمك.
قال: ما هو؟
قال: أسألك بالله لو منعت هذه الشربة بنصف ملكك، أتدفع نصف الملك فيها؟
قال: إي والله.
فلما شربها، قال: أسألك بالله لو منعت إخراج هذه الشربة من جسمك بنصف الملك أتدفع؟
قال: نعم.
قال: ملك لا يساوي شربةً ليس بملك.
لذلك لما حضرت هارون الوفاة في طرطوس وهو هذا الذي تحدى السحاب وهو في قصره في بغداد، وقال للسحابة: أمطري حيث شئت فإن خراجكِ سوف يأتيني، قال: أخرجوا الجنود لي، فأخرجوهم فنظر إلى الجيش، وقال: يا من لا يزول ملكه، ارحم من زال ملكه ﴿إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْداً * لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدّاً * وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْداً) [مريم:٩٣ - ٩٥] بدون شيء إنما يأتي فرداً وعبداً.
قال : ﴿فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقاً لَكُمْ فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَاداً وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة:٢٢] أما الثمرات فهي بين أيديكم، وكل ثمرة تحدثكم عن قدرة الباري الوردة والنرجس والياسمين والرمان والرياحين، فيا سبحان الباري!
والآن اكتشف مع هذا العلم نباتات في كتب منشورة في الأسواق لم تكتشف من قبل!
فسبحان من عدد الأنواع من كل زوج بهيج! لون أصفر وأخضر وأحمر وأسود ومشكل وشيء عجيب تتيه فيه العقول وتدهش، فمن جعل ذلك التعدد؟
إنه الواحد الأحد، يسقى بماء واحد، ولكن الطعم مختلف، ثم قال : ﴿مِنَ الثَّمَرَاتِ﴾ [البقرة:٢٢] ليشمل الحبوب المحصودة، وما لم تحصد، وليشمل الفواكه والخضروات.
قال : ﴿رِزْقاً لَكُمْ فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَاداً وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة:٢٢] أنداداً أي: شركاء، وشبهاء، والمعنى: لا تشركوا بالله، ولأهل العلم فيها ستة أقوال:
القول الأول: تعلمون أنه خالق السماء والأرض.
القول الثاني: تعلمون أنه لا إله إلا الله حتى في التوراة والإنجيل وهذا لليهود.
القول الثالث: تعلمون أنه لا ند له ﵎.
القول الرابع: تعلمون بمعنى تعقلون إن كان عندكم عقول.
القول الخامس: لا يقدر على هذا الذي ذكر في الآية أحد سوى الله ﵎.
القول السادس: تعلمون أن الأصنام حجارة وأنها لا تنفع ولا تضر، ولا تخلق ولا ترزق، قال تعالى: ﴿وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً لا يَخْلُقُونَ شَيْئاً وَهُمْ يُخْلَقُونَ وَلا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ ضَرّاً وَلا نَفْعاً وَلا يَمْلِكُونَ مَوْتاً وَلا حَيَاةً وَلا نُشُوراً) [الفرقان:٣].
في ختام هذا اللقاء أسأل الله أن يتقبل مني ومنكم صالح الأعمال، ونسأل الله لنا ولكم القبول والإخلاص والصدق معه ، وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.
стр. 5570
مواقف من حياته ﵊
الحديث عن النبي ﷺ يحيي القلوب بنور الحكمة، وذكر معجزاته يزيد الإيمان رسوخاً، والكلام عن شمائله يزيد من حبه، وتذاكر سيرته يزيد المرء ثباتاً على الدين، وفي هذا الدرس شيء من حياة النبي ﷺ ومواقفه العظيمة.
стр. 5571
من البراهين والمعجزات
الحمد لله الذي كان بعباده خبيراً بصيراً، وتبارك الذي جعل في السماء بروجاً وجعل فيها سراجاً وقمراً منيراً، وهو الذي جعل الليل والنهار خلفة لمن أراد أن يذكر أو أراد شكوراً، والصلاة والسلام على من بعثه ربه هادياً ومبشراً ونذيراً، وداعياً إلى الله بإذنه وسراجاً منيراً، بلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وجاهد في الله حتى أتاه اليقين، فصلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.
أمَّا بَعْد:
فسلام الله عليكم ورحمته وبركاته.
سلام لا ينقطع إلا بالدموع، وسلام لا ينتهي إلا بالحب يخلفه، وسلام نلتقي عليه هذا اليوم ويوم يجمع الله الناس ليوم لا ريب فيه، فنسأله كما جمعنا على الحب فيه أن يجمعنا في رضوانه وفي دار كرامته في مقعد صدق عند مليك مقتدر، رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِياً يُنَادِي لِلْإِيمَانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ الْأَبْرَارِ.
لا تعاقبنا فقد عاقبنا قلقٌ أسهرنا طول المنام
أيها المسلمون: معنا هذه الليلة حبيبنا ﵊، معنا رسولنا، معنا قدوتنا، معنا صفوة الخلق ﷺ بحديثه وبسيرته وبقصصه الطيب.
وداعٍ دعا إذ نحن بـ الخيف من منى فهيج أشواق الفؤاد وما يدري
دعا باسم ليلى غيرها فكأنما أهاج بليلى طائراً كان في صدري
قال تعالى: ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ [النساء:٦٥] ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيراً﴾ [الأحزاب:٢١] ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة:١٢٨] ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾ [آل عمران:١٥٩] ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم:٤] ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولاً مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ [الجمعة:٢] ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [آل عمران:٣١]
стр. 5572
انشقاق القمر
عنوان هذه المحاضرة" مواقف من حياته ﵊".
ومن مواقفه ﷺ التي نعيش أنوارها وأسرارها وأخبارها: موقف البراهين التي أثبت الله بها نبوته ﵊، جاء إلى أهل مكة رجل عرفوه فقد تربى معهم، وسار في جبالهم، وتظلل بسمائهم، ومشى على أرضهم، فلما قال: أرسلني الله، قالوا له: كذبت -وهو الصادق- فكان عليه أن يأتي بآيات بينات، فأتى بها من عند حكيم خبير ﴿أَفَسِحْرٌ هَذَا أَمْ أَنْتُمْ لا تُبْصِرُونَ﴾ [الطور:١٥]
خرج على أهل الحرم وقد أطل القمر ليلة أربعة عشر على الناس، وهم في الحرم كما قال الله: ﴿سَامِراً تَهْجُرُونَ﴾ [المؤمنون:٦٧] أي تسمرون بقول فيه فحش وهجر وبذاء، وقلوب ما عرفت الله، قلوب عاقرت الخمر والفاحشة والزنا، وهم في الخمر يطل عليهم عليه الصلاة السلام كالبدر، وهم في ظلام الليل، كما قال الأول:
صبحته عند المساء فقال لي ماذا الصباحُ وظن ذاك مزاحا
فأجبته إشراق وجهك غرني حتى توهمت المساء صباحا
فقال لهم: ﴿قولوا لا إله إلا الله تفلحوا﴾ فقال أبو جهل: آذيتنا وسببت آلهتنا، وسفهت أحلامنا، ثم حلف باللات والعزى لا يقول: لا إله إلا الله حتى يشق له القمر إنها آية عظيمة، إنه امتحان صعب، إنه تحدٍ صارخ، إنها مجازفة سافرة، حلف بلاته وعزاه لا يؤمن ولا يذوق هذا الدين حتى يشق له رسول الله ﷺ بإذن الله القمر، وكان تحدياً أمام الجماهير، فوقف ﵊ موقف الشجاعة والبسالة، وموقف القيادة للعالم، كما يقول المتنبي في ممدوحه:
وقفت وما في الموت شكٌ لواقفٍ كأنك في جفن الردى وهو نائم
تمر بك الأبطال كلمى هزيمةً ووجهك وضاحٌ وثغرك باسم
فالتفت إلى القبلة ودعا الله، وقال لكفار قريش: إن شق الله لي القمر أتسلمون؟ قالوا: نعم - والحديث صحيح من حديث أنس وغيره- فأشار إلى القمر ودعا الله، فشق الله له القمر فلقتين، أما إحداهما فذهبت إلى جبل أبي قبيس، وذهبت الأخرى قيل: إلى عرفات وقيل: إلى مكان آخر، قال: انظروا فنظروا ورأوا القمر قد انشق، ورأوا آية الله وبرهان الله وحجة الله ودليل الله على إرسال رسول الله ﴿أَفَسِحْرٌ هَذَا أَمْ أَنْتُمْ لا تُبْصِرُونَ﴾ [الطور:١٥]
ماذا فعلوا؟ قاموا من المجالس كالحمر ينفضون ثيابهم، ويقولون: سحرنا محمد، سحرنا محمد، ثم تسابقوا وخرجوا من أبواب الحرم.
أليس دليلاً على رسالته وعلى مواقفه الخالدة أن يثبت الله رسالته من السماء بآيات؟! فسبحان ربك! ﴿أَفَسِحْرٌ هَذَا أَمْ أَنْتُمْ لا تُبْصِرُونَ﴾ [الطور:١٥].
стр. 5573
نزول المطر
ويأتي ﵊ والحديث عند البخاري ومسلم من حديث أنس وغيره، فيقف على المنبر يوم الجمعة يخطب الناس، لكن بكلام يحيي به الله القلوب.
ما بنى جملةً من اللفظ إلا وابتنى اللفظ أمةً من عفاء
فهو أصدق الناس، وأخشى الناس وأعلمهم وأخلصهم، يتكلم في خطبة الجمعة، وكان ذاك الجو صائفاً شديد الحر؛ السماء ترسل أشعتها كالنار، ليس في السماء سحاب ولا غيم، والناس في قحط لا يعلمه إلا الله، وبينما هو في أثناء الخطبة- بأبي هو وأمي ﵊ -إذا بأعرابي يدخل من باب نحو دار القضاء-باب من أبواب المسجد- فيقطع هذا الأعرابي خطبة الرسول ﵊، ويقول: ﴿يا رسول الله! ضاع المال، وجاع العيال، وقحطنا، فادع الله أن يغيثنا، فقطع ﷺ الخطبة مباشرة ورفع يديه، وقال: اللهم أغثنا، اللهم أغثنا، اللهم أغثنا قال أنس راوي الحديث: والله ما في السماء من سحاب ولا قزعة، وما بيننا وبين سلع شيء، فثارت من وراء سلع سحابة صغيرة كالترس- والترس مجن يحمله المقاتل يحميه من ضربات السيوف -فانتشرت كالجبال على سماء المسجد وسماء المدينة، ثم أبرقت وأرعدت وأمطرت بإذن الواحد الأحد، فوقع الغيث على المسجد، فخر الماء على الخطيب ﷺ ، وأخذ الماء يتحدر على لحيته، وهو يتبسم ويقول: أشهد أني رسول الله﴾.
ونقول له: نشهد أنك رسول الله، وأنك بلغت الرسالة، وأديت الأمانة، وأنك أخرجت القلوب من ربقة التقليد والتبعية والخرافة والوثنية، وأحييت أمة، ورفعت للعدل منبراً، وأنك سللت للإسلام سيفاً، فصلى الله عليك وسلم تسليماً كثيراً.
ويستمر الغيث أسبوعاً كاملاً، وتسيل الأودية، ويأتي ذاك الأعرابي أو غيره في الجمعة الأخرى، والرسول ﵊ يخطب في الناس والغيث ينزل والمطر يواصل، فيقطع خطبته مرةً ثانيةً، ويقول: يا رسول الله! جاع العيال- أي: جاعوا من كثرة الأمطار، قبل أسبوع جاعوا من القحط والجدب والجوع، واليوم جاعوا من الحصار الذي أحدثه المطر بإذن الله فأصبحوا في البيوت -قال: وتقطعت السبل، وضاع المال، فادع الله أن يرفع عنا الغيث، فتبسم ﵊.
قال بعض أهل العلم: تبسم إما للموافقة لأن هذا الأعرابي يقطعه مرتين في موقفين، وقيل: تبسم من قلة صبر الناس، ما صبروا على الجوع والظمأ، وما صبروا على استمرار المطر والغيث، فيرفع ﵊ كفيه الشريفتين، فهل يقول: يا رب! ارفع عنا الغيث؟ لا، هل النبي يدعو برفع الغيث؟ لا، الرحمة لا يطلب أن ترفع مهما نزلت، فهي بركة وخير ونور، فقال: ﴿اللهم حوالينا ولا علينا، اللهم على الظراب والآكام، وبطون الأودية ومنابت الشجر﴾ قال أنس: والله ما أشار ﷺ إلى مكان إلا أخذ المطر والغيث ينحاز إلى ذاك المكان، وخرج الصحابة والمدينة في مثل الجوبة كأن عليها ثوباً مفصلاً، أما المدينة فشمس وهواء طلق ونسيم عليل، وأما حولها فأمطار غزيرة وسيول جارفة ﴿أَفَسِحْرٌ هَذَا أَمْ أَنْتُمْ لا تُبْصِرُونَ﴾ [الطور:١٥].
إنه برهان على رسالته الخالدة، وهذا القصص يغرس الإيمان في القلوب حتى يصبح كالجبال، ولذلك قال : ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ﴾ [يوسف:٣] وأحسن القصص سيرته ﵊ وما صح عنه.
стр. 5574
بركة الطعام القليل يوم الخندق
وإليكم أيها الأحباب الأخيار قصة ثالثة نُنهي بها هذا الموقف لنصل إلى موقف آخر من مواقفه ﵊: في صحيح مسلم أن جابر ﵁ وأرضاه، قال: والذي أخذ بصري بعد أن أعطانيه
كان جابر بن عبد الله أعمى البصر، وأما قلبه فمبصر، قلبه يرى، قلبه على بصيرة من الله، وأما بصره فأخذ الله نوره ليعوضه جنة عرضها السماوات والأرض ﴿أَفَمَنْ يَعْلَمُ أَنَّمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمَى﴾ [الرعد:١٩] بعضهم عيونه كبيرة ولكن قلبه صغير، بعضهم يرى كل شيء ولكن لا يرى طريق الهداية، يبصر كل معالم الوثنية والفتنة والخرافة، يرى الشاشة والمجلة الخليعة، ويرى الفتاة الداعرة، ويرى الكأس، ويرى الساعات الحمراء، ويرى الإجرام، ولكن لا يرى طريق الهداية والاستقامة، يقول : ﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيراً مِنَ الْجِنِّ وَالْأِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ﴾ [الأعراف:١٧٩] ولسان حال جابر يقول:
إن يأخذ الله من عيني نورهما ففي فؤادي وقلبي منهما نور
قلبي ذكيٌ وعقلي غير ذي عوجٍ وفي فمي صارم كالسيف مشهور
الشاهد: يقسم جابر بمن أخذ بصره بعد أن أعطاه، وهو الله، ولا يقسم إلا بالله، لقد سافر مع الرسول ﵊ -والحديث كما أسلفت في الصحيح- قال: لما خرجت معه في الغزوة أخذني ﵊ بيدي، فخرجت معه إلى الصحراء، وانفرد الرسول ﷺ بـ جابر، ثم قال له ﷺ : ﴿يا جابر! أترى تلك الشجرة؟ قلت: نعم، يا رسول الله قال: اذهب إليها، وقل لها: أيتها الشجرة! إن الرسول ﷺ يقول لك: تعالي فذهب فقال: يا أيتها الشجرة! إن الرسول ﷺ يقول: تعالي قال جابر: فوالذي نفسي بيده لقد أقبلت تشق الأرض شقاً حتى وقفت بجانبه -وسند هذا الحديث في مسلم كنجوم السماء- قال: اذهب إلى الشجرة الأخرى، وقل لها: يقول لك الرسول ﷺ تعالي، فيذهب فيقول لها، قال جابر: فوالذي نفسي بيده لقد أقبلت تشق الأرض شقاً حتى وقفت بجانبه.
وفي لفظ آخر لـ مسلم: تخد الأرض خداً، من باب الأخدود ﴿قُتِلَ أَصْحَابُ الْأُخْدُودِ﴾ [البروج:٤] أي: الشقوق في الأرض، فلما انتهى ﷺ من حاجته أخذ بغصنين غصن من شجرة وغصن من شجرة، وقال: يا جابر قل لهما تعودان إلى مكانيهما، فقال لهما، قال جابر: والذي نفسي يبده لقد عادتا تشقان الأرض شقاً حتى وقفتا مكانيهما﴾ ﴿أَفَسِحْرٌ هَذَا أَمْ أَنْتُمْ لا تُبْصِرُونَ﴾ [الطور:١٥] بل هو الحق والبرهان الناصع على أنه رسول من الله.
وقد يقول قائل: سمعنا بهذا وأدركناه فما فائدة عرضه؟ فأقول: ثلاث فوائد نص عليها أهل العلم:
أولاً: تضويع المسجد بذكره ﵊.
إذا مرضنا تداوينا بذكركم ونترك الذكر أحياناً فننتكس
فذكره في المجالس من أحلى ساعات العمر، ومن أغلى حياة المؤمن في الدنيا.
الأمر الثاني: تعميق الإيمان وتأصيله.
الأمر الثالث: الاستغناء بالقصص الصحيح عن القصص الخرافي الباطل الذي لصقه الخرافيون المبتدعون الذين لا يعلمون شيئاً.
أتدري ماذا يقول الخرافيون؟
يقولون: سافر أعرابيٌ إلى المدينة، فوصل إلى قبر الرسول ﷺ ، فوقف في القبر، وقال: يا رسول الله! إن الله يقول: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّاباً رَحِيماً﴾ [النساء:٦٤] وإني يا رسول الله أذنبت وجئت أستغفر الله فاستغفر لي عند الله، قالوا: فانشق القبر فسلم عليه الرسول ﵊!! وهذه خزعبلات ﴿ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُوراً فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ﴾ [النور:٤٠] ويورد مثل هذه الخزعبلات الغزالي القديم والحديث، ولذلك يقولون: الأعرابي هذا لما صافح الرسول ﵊ أنشد بيتين، وقال:
يا خير من دُفنت في القاع أعظمه فطاب من طيبهن القاع والأكم
نفسي الفداء لقبر أنت ساكنه فيه العفاف وفيه الجود والكرم
ويأتي النبهاني، وما أدراك ما النبهاني؟! صاحب الصلاة على سيد الكونين، الخرافي الكبير، والقبوري المبتدع، الذي يقول عنه الألوسي -بيض الله وجه الألوسي - يقول: إن كتب النبهاني وابن حجر الهيتمي وكتب السبكي -ولو أن فيها مجازفة- لا تصلح إلا مخالي يوضع فيها الشعير للحمير، لأنهم يقولون: كتب ابن تيمية لا تصلح للنشر، فقال: سبحان الله! كُتُب ابن تيمية العسل المصفى، والإبريز الخالص، والنور الوهاج ما تصلح لأن تنشر، والله إنها حياة لأمة ونور لقلوب، وإن فيها الأصالة والعمق، والذي لا يفهم كتب ابن تيمية كأنه لا يفهم العمق والأصالة، قال: أما كتبكم فتصلح مخالي يوضع فيها الشعير للحمير، تعلق برءوس الحمير، وتصلح كراتين للعلاجات في الصيدليات، وتصلح كذلك تطييق لأحذية زنوبة وأمثالها.
وهذا من الرد على أهل البدع.
يقول النبهاني: أتى الشيخ/ أحمد الرفاعي - وهو من مشايخ الطرق- قال: فوصل إلى الحرم المدني، فتقدم إلى الرسول ﵊، فقال:
في حالة البعد روحي كنت أرسلها تقبل الأرض عنكم وهي نائبتي
ما عندهم إلا قصائد؛ كأنهم في سوق عكاظ، أو كأنهم في أمسية شعرية
وهذه دولة الأشباح قد حضرت فامدد يمينك كي تحظى بها شفتي
قال: فمد الرسول ﵊ يده، فقبلها الرفاعي ثم عادت إلى القبر.
يقولون في المثل العامي: إذا كذبت فكبر، أي: إذا تعبت في الكذبة فاجعلها كبيرة، لأنك تعبت في أصل الطريق، فلماذا تتعب نفسك ثم تأتي بشيء يسير؟ قالوا: تمخض الجمل فولد فأراً، فمن الحكمة أن إذا تعب - الكاذب في الكذبة أن يجعلها كبيرة ظلماء صلعاء شوهاء حتى تدخل أو لا تدخل أو تقبل أو لا تقبل، فهذه هي الكذبات، وفي صحيح البخاري وصحيح مسلم غنية عن هذا القصص الباطل.
وهذا البرعي شاعر يمني قبوري من الغلاة، أتى إلى قبر الرسول ﵊، فقال:
يا رسول الله يا من ذكره في نهار الحشر رمزاً ومقاما
فأقلني عثرتي يا سيدي في اكتساب الذنب في خمسين عاما
يقول: يا سيدي! أذنبت فاغفر ذنوبي.
هل سمعتم أن الرسول ﷺ يغفر الذنوب؟ هل سمعتم أنه يشافي أو يعافي؟ متى كان طبيباً في قبره عنده صيدلية؟ ﴿وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً لا يَخْلُقُونَ شَيْئاً وَهُمْ يُخْلَقُونَ وَلا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ ضَرّاً وَلا نَفْعاً وَلا يَمْلِكُونَ مَوْتاً وَلا حَيَاةً وَلا نُشُوراً﴾ [الفرقان:٣] إنما هو مبلغ، ولو كان يعلم الغيب لاستكثر من الخير ﵊.
هذه مواقف ومعجزات، ونثني بموقف لـ جابر لنخلص إلى موقف آخر: كان الصحابة يحفرون الخندق، وكانوا يضعون الحجر على بطونهم من الجوع، وهذا دليل على أن من تفَّرخ في الدنيا، أو كبر بطنه في مآكل الدنيا، أو ثقل جنباه، أو كثرت سياراته أو أمواله، أن ذلك ليس بدليل على منزلته عند الله، يقول الشافعي:
تموت الأسد في الغابات جوعاً ولحم الضأن تأكله الكلاب
قال جابر: فحفرنا الخندق فعرضت لنا كدية (صخرة) فنزل ﵊ بالمعول، فأخذه فضرب فشظ له شظية من نار، أو من نور، أو من بارق، فقال: لقد أريت قصور كسرى يفتحها الله علي، فتغامز المنافقون أحدهم دق صاحبه وغمزه، وقال: اسمع يفتح الله عليه قصور كسرى، ونحن أحدنا لا يستطيع أن يبول من الخوف، ثم يضرب ﷺ الضربة الثانية فيلمع نور وهاج، فيقول: لقد أريت قصور الحيرة، وقيل: المناذرة، وقيل: القياصرة يفتحها الله علي، وأُريت الكنزين الأبيض والأحمر، وسوف يفتحها الله على أمتي، فيتغامزون، ويذكر الله هذا القصص عنهم وهم يقولون: ما وعدنا الله ورسوله إلا غروراً، لكن بعد سنوات يفتح الله عليه قصور كسرى وقيصر، وتدخل جيوشه مهللة مكبرة، فاتحة منتصرة، وتعطى أمته الذهب والفضة.
فلما حفروا رأى جابر الجوع بالمصطفى ﵊، وعلى بطنه حجران، فعاد جابر فتذكر هل في بيته طعام، فتذكر عناقاً صغيرةً وشيئاً من شعير، فذهب إلى زوجته، فقال: هل من طعام؟ قالت: هذه العناق -والعناق: ولد الماعز- فرآه جابر فقال لامرأته: اصنعي هذا الشعير طعاماً، وذبح العناق ووضعها في القدر، وعاد إلى الرسول ﵊، وقال: يا رسول الله! معي طعام يكفي اثنين أو ثلاثة.
يقول ذلك في أذني الرسول ﵊، تكلم معه بالسر؛ لأن المسألة لا تتحمل أكثر من أربعة، طعام قليل وأهل الخندق لو سمعوا وانتشر الخبر، لأنت الداهية، سبعمائة أو أكثر من أهل الخندق، وهم في جوع لا يعلمه إلا الله، الواحد منهم يمكنه أن يأكل العناق والشعير ويدعه قاعاً صفصفاً لا ترى فيه عوجاً ولا أمتاً.
قال: يا رسول الله! أريد معك اثنين أو ثلاثة، عندي طعام قليل، فقال ﵊: يا أهل الخندق - ورفع صوته- إن جابر بن عبد الله قد صنع لكم طعاماً فحيهلاً بكم، فوضعوا المساحي وقاموا يمشون إلى بيت جابر، وأما جابر فأسقط في يده، وذهب يفكر، مرةً يقول: يمكن أن الرسول ﵊ ظن أني أريد الناس، ومرةً لا يدري، فوصل إلى امرأته يبشرها بهذا الجيش العرمرم، قالت: الله ورسوله أعلم، فتقدم ﵊ أمام الناس - والحديث عند البخاري ومسلم - وهو يتبسم ﷺ من الواقع والحدث الذي في البيت، ومما في نفس جابر ونفس امرأته، وقال: يا جابر لا تضع البرمة على النار ولا القدر -القدر فيه الطعام، والبرمة فيها اللحم- فتقدم ﷺ إلى اللحم ونفث فيه من ريقه الطيب الطاهر
ألا إن وادي الجزع أضحى ترابه من المسك كافوراً وأعواده رندا
وما ذاك إلا أن هنداً عشيةً تمشت وجرت في جوانبه بردا
نفث في الطعام ﵊، وأمر بإنزاله، ودعا الله بالبركة، وقال: أدخلهم عشرة عشرة، فدخلوا وأنتم تعرفون الحساب، وكل سبعين فيها سبع عشرات، والسبعمائة سبعون عشرة، فقال: أدخلهم عشرة عشرة، فدخلوا فأكلوا وقاموا، ثم أتى الآخرون فأكلوا وقاموا، حتى انتهى الجميع والطعام بحاله ما نقص لقمة، فأتى ﷺ وقال لـ جابر: تعال، وأخذ يأكل، وهو يقول: أشهد أني رسول الله.
ونقول: نشهد أنك رسول الله ﴿أَفَسِحْرٌ هَذَا أَمْ أَنْتُمْ لا تُبْصِرُونَ﴾ [الطور:١٥].
стр. 5575
ضوابط محبة النبي ﷺ
الحب فيض من الله ينزله في القلوب، والحب شجرة، وعلى الحب تبنى البيوت، وعلى الحب تصلح الزوجات والأولاد، وبالحب يسمع الطالب من المعلم، وبالحب تنقاد الرعية للراعي، وبالحب تسير الحياة.
الرسول ﵊ كان يغرس الحب في القلوب، ففي الصحيحين من حديث سهل بن سعد قال: أرسل الرسول ﷺ أبا بكر ليفتح خيبر، فذهب أبو بكر وأخذ الراية يحملها ﵁ وأرضاه، فحاول أن يفتح خيبر فما فتحت له، لسر أراده الله، وإلا فـ أبو بكر أفضل الصحابة بلا شك، فسلم رسول الله ﷺ الراية في اليوم الثاني عمر بن الخطاب، وقال: اذهب لعل الله أن يفتح عليك خيبر، فذهب وحاصر وحاول أن يفتح حصون خيبر فما استطاع، فاغتم الصحابة، وحزنوا رضوان الله عليهم، الحصار امتد وطالت المشقة والجوع والكلفة، فباتوا في ليلة طويلة بطيئة النجوم.
وليلٍ أراح الليل عازب همه تضاعف فيه الحزن من كل جانب
فقال ﵊ وسط الليل: ﴿لأعطين الراية غداً رجلاً يحبه الله ورسوله ويحب الله ورسوله﴾ من الجانبين؛ حب لله ولرسوله، وحبُّ من الله ومن رسول الله، وهنا وقفة -يا أبرار- عند الحب ما هي ضوابطه؟
كان هناك محاضرة ألقيت في المدينة وألقيت في الطائف، لكن أعيد عناصرها على عجالة.
ضوابط حبه ﷺ :
стр. 5576
المتابعة
الضابط الأول: المتابعة فمن رأيته يتمدح بلسانه وليس عنده براهين وأدلة على حب الرسول ﷺ فكذبه ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [آل عمران:٣١] دليل الحب المتابعة في الظاهر والباطن، قال تعالى: ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ [النساء:٦٥] إن كان لا يصلي في المسجد، فإذا سألته لماذا لا تصلي مع الجماعة؟
قال: أنا أحب الله ورسوله قل: كذاب يا لعين، أين حبك؟
الدعاوى ما لم يقيموا عليها بينات أصحابها أدعياء
سنة اللحية، ونحن لا نجعلها مثل بعض الناس الذين يهاجمون شباب الصحوة، ويقولون: هؤلاء متطرفون لا يعرفون إلا اللحية وتقصير الثياب، نقول: اللحية سنة، وليست من أركان الإسلام ولا نضيعها، ولا نفوتها، ومن خالف رسوله ﷺ في اللحية ففي إيمانه شيء وفي متابعته شيء، ولو أنه لا يهتم بالسنة لما حلق لحيته، وبالمناسبة تذكرت قصيدة أوردها ولا بأس بالنبطي، ويجوز الشعر النبطي في المساجد، ولم يخالف في ذلك أحد، وحيا الله وبيا الله من نصر الإسلام بالشعر النبطي وبالخطب وبالكلمات، ولا حيا الله ولا بيا الله من هاجم الإسلام بالشعر العربي الفصيح وبغيره.
هذا داعية من الدعاة، حربي من قبيلة (حرب) وقبيلة (حرب) حرب لأعداء الله، هو شاب، لكنه شاعر بالنبطي، كان في مجتمع من الناس فوجدهم يحلقون لحاهم، فقال بالنبطي أبياتاً جميلة استحسنها حتى العلماء، يقول:
يا ربعنا يا اللي حلقتم لحاكم وايش علمكم ترمونها في القمامه
ذي سنةٍ ما سنها مصطفاكم علامةٍ يا شينها من علامه
ترى اللحى زيناتكم هي حلاكم لها مع الخير وقار وشهامه
شابهتم الكفار شغلة عداكم من شابه الكافر عليه الملامه
ترى اللحى يوصي بها مصطفاكم صفوة قريش اللي رفيع مقامه
عفوا لعل الله يغفر خَطَاكم وتفوزوا يوم اللقا في القيامه
هذي نصيحة إن كان ربي هداكم أقولها يا الربع ومع السلامه
ونحن نقول لكم: السنة ومع السلامة، وسلم الله من اتبع سنة محمد ﵊، وضابط المتابعة قليل.
стр. 5577
نشر السنة
الضابط الثاني: بعضهم يعترض، فأحد الفجرة من أذناب الحداثة -عليهم لعنة الله- فقد استوجبوا السيف، وتقريب دمائهم إلى الله من أعظم القربات، ذكر لنا أحد الدعاة والمشايخ: أنه ثبت على أحد الأشخاص من أفراخ الحداثة وعملاء العلمانية والماسونية والشيوعية أنه يستهزئ بالرسالة والرسول ﵊ أكل نعم الله، وترك الصلاة، واستهزأ بالقرآن، ثم جلس في مجلس معه شباب، ثم قال: تريدون من أحاديث أبي هريرة؟ يقول: تريدون أن أسمر معكم مع أبي هريرة؟ قالوا: أعطنا من حديثه.
قال: حدثتني عمتي، قالت: حدثتها خالتها، أن جدتها حدثتها عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ للصحابة: أتدرون ما البيبسي؟ قال الصحابة: الله ورسوله أعلم، قال: قوموا عني ما تعرفون البيبسي.
إن كان صح عنه ما يقول فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين، لا يقبل الله منه صرفاً ولا عدلاً ولا كلاماً وله عذاب أليم، وقد أعلن كفره وأمثاله، وأباح دمه واستبيح عرضه، وعليه من الله ما يستحقه ﴿قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ * ﴿لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾ [التوبة:٦٥ - ٦٦] فهذه كلمة تخرجه من الملة، وتبيح دمه، تدخله النار خالداً مخلداً، لايقبل الله منه صرفاً ولا كلاماً ولا شفاعة، لأنه كَفَرَ وألحد وتزندق والعياذ بالله.
فمن أسرار الحب: نشر السنة في الناس، أن تنطلق بسنة الرسول ﵊، أن تكون داعية، لا تقل: أنا غير موظف في الهيئة، ولي وظيفة خاصة، فإن وظيفتك الدعوة، وفي عنقك بيعة أن تنشر دعوة الله في الأرض ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ * إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا فَأُولَئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ [البقرة:١٥٩].
وصح عنه ﷺ أنه قال: ﴿نضَّر الله امرأً سمع مني مقالتي فوعاها فأداها كما سمعها، فرب مبلغ أوعى من سامع﴾ وصح عنه ﷺ عند ابن حبان أنه قال: ﴿رحم الله امرأً سمع مني مقالة فوعاها، فأداها كما سمعها، فرب مبلغ أفقه من سامع﴾ أو كما قال ﵊.
стр. 5578
كثرة الصلاة عليه ﷺ
ومن أسرار الحب: كثرة الصلاة والسلام عليه؛ فإنها من أشرف الأعمال، يقول ﵊ كما في سنن أبي داود بسند صحيح من حديث أوس بن أوس: ﴿أكثروا علي من الصلاة ليلة الجمعة، فإن صلاتكم معروضة علي، قالوا: يا رسول الله! وكيف تعرض عليك صلاتنا وقد أرمت؟ - أي: بليت- قال: إن الله حرم على الأرض أن تأكل أجساد الأنبياء﴾ وسجد ﵊ في الأرض ورفع رأسه، وقال للصحابة: ﴿إن جبريل بشرني أن الله قال: من صلىَّ عليك صلاة واحدة صلى الله عليه بها عشراً﴾
اللهم صلِّ وسلم عليه ما تضوع مسك وفاح، وما ترنم حمام وناح، وما شدا بلبل وصاح.
اللهم صلِّ وسلم عليه ما ذكره الذاكرون وغفل عنه الغافلون، عدد الأشجار والأحجار والأمطار وقطرات الأنهار وهديل الأطيار، يا واحد يا غفار.
ليس حبه ﵊ خرافات تمسيح، وصرف للألوهية من الله إلى الرسول ﵊، وغلواً وشركاً ووثنية، ليس هذا بحب، بل هو معاداة صريحة له ﵊.
стр. 5579
دروس من حديث سهل بن سعد
نعود إلى حديث سهل في الصحيحين، قال ﵊: ﴿لأعطين الراية غداً رجلاً يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله، فأمسى الناس يدوكون ليلتهم كلهم يرجو أن يعطى الراية -ليس حباً في الإمارة، لكن في البشرى- قال عمر: ما أحببت الإمرة مثل ليلة أمس -أي: ما أحب الإمرة إلا تلك الليلة وفي الصباح الباكر بعد أن صلى ﵊ الفجر، قال: أين علي بن أبي طالب؟ -هذه مواصفات علي سيف الله المنتضى، الإمام المرتضى أبو الحسن، نتقرب إلى الله بحبه وننزله المنزلة الرابعة بين الخلفاء الراشدين، ونتولاه حباً في الله خالصاً إلى أن نلقى الله - قال: أين علي بن أبي طالب؟ قال الصحابة: يا رسول الله! هو في خيمته به رمد لا يرى شيئاً - في عينه مرض الرمد لا يرى شيئاً- قال ﷺ : عليَّ به، فذهب الصحابة إليه وأتوا يقودونه لا يرى مد يده، فأخذوه إلى الرسول ﵊، فقال: اذهب وخذ الراية، قال: يا رسول الله! والله ما أرى مد يدي.
فنفث ﵊ في عينيه، فأبصر بنور الله، ثم أعطاه الراية، وقال: اذهب فوالذي نفسي بيده لأن يهدي الله بك رجلاً واحداً خير لك من حمر النعم﴾.
وفي هذا دروس:
أولها: أن أعظم مواصفات العبد حب الله وحب الرسول ﵊، ولذلك جاء في السيرة في معركة أحد قبل المعركة، قام ﷺ ، فقال للناس: أتريدون القتال داخل المدينة أو عند أحد؟
فقالوا: في المدينة.
فقام شاب، فقال: اخرج بنا يا رسول الله إلى جبل أحد، لا تمنعني دخول الجنة، فوالذي نفسي بيده لأدخلن الجنة، فتبسم ﵊، وقال: بم تدخل الجنة؟
قال: بخصلتين: بأني أحب الله ورسوله، ولا أفر يوم الزحف.
أتدري ما علامة الحب؟ أتظن أن علامة الحب أن يجلس الإنسان في المجلس ويتمدح بحب الله وبحب رسوله، ثم يترك الصلوات في المسجد ويصلي في البيت؟! أتظن أن حب الرسول ﵊ دعاوى فارغةٍ، وبالوناتٍ منتفخةٍ، وبيته يوسوس فيه الشيطان باللهو وبالغناء الماجن، وبالمسلسلات الخليعة وبالمسرحيات العابثة، وهو معرض عن الله؟! أتظن أن حب الله وحب الرسول كلمة تقال باللسان، وهذا العبد عبد لشهواته ومعاصيه ونزواته وإعراضه عن الله، فأين حب الله وحب رسوله؟!
اسمع إلى نماذج الحب، يقول سعد بن أبي وقاص: حضرنا في معركة أحد مع الصحابة قبل المعركة ومعنا عبد الله بن جحش أحد الشباب في الثلاثين من عمره، قال: فدعوت أنا وإياه قبل المعركة فأما أنا فدعوت بالنصر للمسلمين، وأما عبد الله بن جحش فقال: اللهم لاق بيني وبين عدوٍ لك -أي: من الكفار- شديد حرده، قوي بأسه، فيقتلني، فيبقر بطني -أي: يشق بطني- ويجدع أنفي، ويفقأ عيني، ويقطع أذني، فإذا لقيتك يا رب يوم القيامة في هذه الصورة، تقول: يا عبد الله! لم فعل بك هذا؟ فأقول: فيك يا رب.
إن كان سركم ما قال حاسدنا فما لجرحٍ إذا أرضاكم ألم
وحضرت المعركة وانتهت، قال سعد: وبحثت في القتلى فوجدت عبد الله بن جحش مقتولاً، قد جدع أنفه، وبقر بطنه، وفقئت عيناه، وقطعت أذناه، فسألت الله أن يلبي له سؤله.
أليس هذا هو الحب؟ بل أصدق الحب وأعلى الحب.
يا ضعيف العزم! إن بخلت بركعتين في مسجد، أو بصدقة على مسكين، أو بذكر في الغدوات والعشيات، أو بقراءة القرآن لتنقد نفسك من النار، فإن جعفر الطيار قطعت يمينه، فأخذ الراية باليسرى فقطعت، فاحتضن الراية، فكسروا الرماح والسيوف في صدره، فوقع على الأرض وهو يقول:
يا حبذا الجنة واقترابها طيبة وبارد شرابها
والروم رومٌ قد دنا عذابها كافرةٌ بعيدةٌ أنسابها
عليَّ إن لاقيتها ضرابها
هذا موقف الحب معه ﵊، وعلي بن أبي طالب لا نغلو فيه غلو بعض الناس حتى وصلوا به إلى درجة الألوهية، ولا نجفو فيه جفاء بعض الناس حتى كفروه -والعياذ بالله- لكننا نشهد أنه إمام مرتضى، وأنه أمير المؤمنين، وأنه حبيبنا، وأنه من أصدق الناس، وأخشى الناس، وأتقى الناس لله .
خلَّفه ﵊ في المدينة لما خرج إلى تبوك أميراً على أهل بيته، لأنه كان قوياً أميناً فيه شبه من موسى ﵇، فخرج ﵊، فجاء المنافقون أهل الخرافات، وقالوا: يا علي! تثاقل منك الرسول ﷺ فأخرك مع النساء والأطفال تثاقلاً منه، فخرج علي ولحق بالرسول ﵊ على مشارف المدينة، وهو يبكي ويقول: يا رسول الله! يقول الناس: إنك تثاقلت مني فخلفتني مع النساء والأطفال، فقال ﵊: ﴿يا علي أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي﴾ كان من أحب الناس الى رسول الله ﷺ ، وليست مواصفات علي تؤتى بالخزعبلات التي يوردها الناس الذين يغالون في حبه، يقولون: سبب حبه أنه أخذ رمحاً فضرب به صخرة فخرج الماء مع الصخرة، وأخذ حجراً فرمى به فوقع في جبال الألب، لذلك يقول ابن تيمية في هذه الطائفة: هم من أجهل الناس في المنقولات، ومن أضلهم في المعقولات.
قال حمار الحكيم توما لو أنصف الدهر كنت أركب
فإنني جاهلٌ بسيطٌ وصاحبي جاهلٌ مركب
ومواقف علي مع الرسول ﷺ إنما هي مواقف الولاء والحب، ومواقف الاتباع له ﵊، وما نبل أحد من المسلمين إلا باتباعه ﵊.
стр. 5580
غنائم حنين وموقف الأنصار منها
بقي هناك موقف أختم به هذه الجلسة، ثم نستمع إلى الأسئلة.
عاش ﷺ مربياً ومعلماً، كان في كل كلمة يربي جيلاً، وفي كل تصرف يحيي أمة ﵊، هاجر إلى الأنصار طريداً وحيداً فريداً فنصروه وآووه وحموه وقطعوا بين يديه، فجزاهم الله عن الإسلام خير الجزاء، ولذلك صح عنه ﷺ أنه قال من حديث أنس: ﴿آية الإيمان حب الأنصار، وآية النفاق بغض الأنصار، الأنصار لا يحبهم إلا مؤمن، ولا يبغضهم إلا منافق﴾.
هاجر إليهم ﷺ فنصروه، وخرج في غزوة حنين، فغنم ﷺ من الإبل ألوفاً مؤلفةً ومن الغنم والمال، فترك الأنصار وأعطى رؤساء العرب من صناديد بني تميم، لأنه يريد أن يتألفهم إلى الإسلام؛ لأنهم لا يريدون إلا مالاً، فهم مسلمون بالترغيب، مثل بعض الناس استقامته للعواطف، يرى المخيم والمركز الإسلامي شاب، فلا يأتي إلا عاطفة، لا يقصد الاستقامة، أو المحافظة على الصلاة، أو قراءة القرآن، لكن يأتي لأن المركز هذا فيه نشيد (لبيك واجعل من جماجمنا لعزك سلما) في الصباح نشيد قبل الصلاة، وبعد الصلاة، وفي الحافلة، وتحت الحافلة، وفوق الحافلة، ونحن لا نقول: حرام، ولكن حنانيك، قصد وقصد، وهو مباح، فبعضهم يهتدي للعواطف، فإذا انتهى المخيم والمركز عاد على عقبيه وانتكس وأعرض عن المسجد، لأنه أقبل ترغيباً فقط، أو رغبةً في هذه العواطف، ثم ترك هذا الدين، وبعضهم يقول: أنا لا أحب الشباب إلا لأنني وجدتهم يذهبون في الرحلات والنزهات، ووجدت عندهم تمارين رياضية ونشيداً، فأنا أحببتهم لذلك، ثم ينتكس.
وكثير من الناس دخل في عهده ﵊ للمال، فأعطى هذا مائة ناقة وهذا خمسين وهذا مائة، وترك الأنصار أيعطي سعد بن عبادة وإيمانه كالجبال؟! أيعطي معاذ بن جبل وقد أسلم لجنة عرضها السماوات والأرض؟! أيعطي أبي بن كعب؟! لقد تركهم لإيمانهم، لكن الأنصار رضوان الله عليهم تأثروا لأنهم ما عرفوا السبب.
سبحان الله! قاتلوا العرب، وذبحوا المشركين، وأخذوا غنائمهم، فأخذ ﷺ الغنائم وأعطاها بعض الناس الذين أسلموا! فقالوا في مجالسهم: غفر الله لرسول الله، أعطى الناس وتركنا، وسيوفنا تقطر من دماء الناس فذهبت المقولة وانتشرت الشائعة، فوصل الخبر رسول الله ﵊، فقال لـ سعد بن عبادة: ﴿اجمع لي جميع الأنصار، ولا يدخل معكم إلا أنصاري، ولا يدخل معكم غيركم، فإذا اجتمعوا فأخبرني، فجمعهم جميعاً كباراً وصغاراً وشيوخاً وعلماءً وأبطالاً، فجلسوا، وأتى ﵊ بحوار مفتوح ساخن، فسلَّم عليهم ﷺ ، وقال: يا معشر الأنصار! جزاكم الله خير الجزاء، أما أتيتكم متفرقين فجمعكم الله بي؟، قالوا: المنة لله ولرسوله، قال: أما أتيتكم متحاربين فألف الله بين قلوبكم بي؟ أما أتيتكم ضلالاً فهداكم الله بي؟ وهم ينكسون رءوسهم حياءً﴾.
أروح وقد ختمت على فؤادي بحبك أن يحل به سواكا
إذا اشتبكت دموع في خدودٍ تبين من بكى ممن تباكى
فرفع صوته، وقال: ﴿يا معشر الأنصار! والذي نفسي بيده لو شئتم لقلتم فصدقتم وصدقتم: أتيتنا طريداً فآويناك، وأتيتنا فقيراً فأغنيناك، وأتيتنا مخذولاً فنصرناك، قالوا: المنة لله ولرسوله، ثم قال: يا معشر الأنصار! ما مقالة بلغتني عنكم؟ قالوا: هو ما سمعت يا رسول الله، قال: يا معشر الأنصار أما ترضون أن يذهب الناس بالشاة والبعير وتذهبون برسول الله ﷺ إلى رحالكم، فوالذي نفسي بيده أن ما تذهبون به أعظم مما يذهب به بالناس يا معشر الأنصار! والذي نفسي بيده لو سلك الناس شعباً ووادياً لسلكت شعب الأنصار ووادي الأنصار، الأنصار شعار والناس دثار، غفر الله للأنصار ولأبناء الأنصار، ولأبناء أبناء الأنصار، يا معشر الأنصار! إنكم ستجدون بعدي أثرةً فاصبروا حتى تلقوني على الحوض﴾ فقابلوه بالدموع، بكوا حتى سالت دموعهم من على لحاهم ﵃ وأرضاهم، وهذا أصدق الحب -والله- وهذا أخلص الولاء، وهذه معاتبة الأصحاب وفي الحديث أمور أربعة:
стр. 5581
صدق النبي وصراحته
أولها: صراحته ﵊؛ فإنه أصدق الناس، وما في قلبه يخرج على لسانه، وما كان له خائنة أعين، ما خان، ولا غدر، ولا كذب، ولا خالف، ولا فجر، بل هو أصدق من خلق الله، وأحشى من خلق الله، فعليه سلام الله وصلاته.
стр. 5582
وفاء الأنصار
الأمر الثاني: وفاء الأنصار، فلم يكونوا منافقين ﵃ وأرضاهم، بل صدقوا في كلامهم، ثم إنهم جعلوا المنة لله - وقد صدقوا- ثم لرسول الله ﷺ ، وقد صدقوا، ليس لك على الله منة، ولكن المنة من الله عليك.
أتى بعض الأعراب لا قاتلوا ولا حضروا بدراً ولا أحداً ولا حنيناً ولا اليرموك ولا القادسية ولا عين جالوت ولا حطين وقالوا: يا رسول الله! الناس أسلموا بالمقاتلة قاتلتهم وأسلموا، ونحن أسلمنا هكذا، وما حاربناك، فأنزل الله قوله: ﴿قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا﴾ [الحجرات:١٤] ويقول : ﴿يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُلْ لا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلامَكُمْ بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلْإِيمَانِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [الحجرات:١٧] فالمنة لله .
ولذلك تجد بعض الناس يتبجح باستقامته، ويقول: والله ما يحافظ على المسجد إلا أنا! ينام أهل الحارة ولا يؤذن إلا أنا! من الذي يدافع عن القضايا الإسلامية إلا أنا! ومن الذي يقف المواقف إلا أنا! ومن الذي فتح المشاريع وأجرى وصنع إلا أنا! نقول له: أتمنُ على الله أن قدمت لنفسك؟! بل المنة لله أن هداك لهذا الفعل.
стр. 5583
ليس العطاء على قدر الإيمان
وفي الحديث أن الرسول ﵊ كان يعطي الناس لا لإيمانهم؛ بل لمقاصد كأن يتألفهم، فليس من أعطي في الدنيا حظاً أو منصباً أو جاهاًَ أن الله رضي عنه الله، بل قد يكون أعدى أعداء الله، ويكون مسخوطاً عليه من الله، أو مغضوباً عليه من الواحد الأحد، فليس له وقار ولا منزلة عند الله، وتجد بعض الناس لا يجد كسرة الخبز، فقيراً مشرداً ذي طمرين، أشعث أغبر لو أقسم على الله لأبره، وهو من أقرب الناس إلى الله.
وفي الحديث -أيضاً- أن على المسلم أن يدرأ التهمة عن نفسه، وأن يدافع عن عرضه، وأن يبين للناس ملابسات القضايا كما فعل ﵊.
هذه مواقف من حياته ﷺ يعيشها الإنسان كلما تأمل السيرة والسنة، وكلما تبحر في الحديث النبوي، والذي أوصي به نفسي وإياكم يا معاشر الأحباب الأخيار، ويا حملة الرسالة الخالدة: أن يكون لكم وردٌ من القرآن الكريم، وحزب في سيرته وسنته ﷺ ، خاصةً في الصحيحين: صحيح البخاري وصحيح مسلم الأسانيد الطرية الغضة، الأحاديث الشائقة الرائعة الرائقة، طلب العلم منها والاستشفاء بها، طلب الهداية والنور منها، حينها نعرف حياته ﵊، حينها ندرك أسراره، حينها نعيش تلك الأيام الغالية، حينها نجعله إماماً لنا نعيش حياة قريبة من حياة أصحابه رضوان الله عليهم.
أسأل الله الذي جمعنا في هذا المكان أن يجمعنا في دار الكرامة في مقعد صدق عند مليك مقتدر، يوم يتقبل الله منا أحسن ما عملنا ويتجاوز عن سيئاتنا في أصحاب الجنة وعد الصدق الذي كانوا يوعدون.
إن كان قد عز في الدنيا اللقاء ففي مواقف الحشر نلقاكم ويكفينا
آخيتمونا على حب الإله وما كان الحطام شريكاً في تآخينا
سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين وإن كان من شكر بعد شكري لله، فأشكر أهل الفضل وأشكركم، ثم أشكر القائمين على التوعية الإسلامية من المشايخ والدعاة وطلبة العلم، وسلام الله عليكم ورحمته وبركاته.
стр. 5584
الأسئلة
стр. 5585
سؤال عن درس البخاري
السؤال
لماذا انقطعت عن درسك في كتاب البخاري؟
الجواب
إن شاء الله يتصل ما انقطع ونعود إن شاء الله لنستفيد منكم ونتضوع برؤيتكم ونستأنس بأنوار وجوهكم.
بنتم وبنا فما ابتلت جوانحنا شوقاً إليكم وما جفت مآقينا
نكاد حين تناجيكم ضمائرنا يقضي علينا الأسى لولا تأسينا
حالت لفقدكم أيامنا فغدت سوداً وكانت بكم بيضاً ليالينا
стр. 5586
الاستغاثة بالرسول ﷺ
السؤال
أورد ابن كثير قصة الذي استغاث بالرسول ﷺ وطلب الاستغفار
الجواب
نعم، أوردها ابن كثير، لكن ما أورد المصافحة، وهي على ما أوردها ابن كثير في كتاب التفسير سندها لا يصح، وليس كل ما في تفسير ابن كثير صحيح، وابن كثير لم يورد المصافحة كما ذكرت أنا، إنما ذكرها علماء بعض الغلاة من المبتدعة بأسانيدهم كـ النبهاني وغيره، أما ابن كثير فأوردها بدون مصافحة، ومع إيرادها فهي لا تصح.
стр. 5587
هداية المبتدع (نصيحة)
السؤال
أرجو تقديم نصيحة لأناس تعلموا السنة في المدارس والجامعات، ومع ذلك لا يغيرون عقائدهم البدعية، ولا عباداتهم الخاطئة، وذلك مجاراة لآبائهم وأقوامهم؟
الجواب
اعلموا -يا أيها الإخوة- أن من أصعب الأمور تغيير المبتدع من بدعته إلى الطريق الصواب (السنة) ولذلك يقول بعض السلف كـ سفيان بن عيينة: المبتدع لا يتوب، ومعناه في الغالب، وإلا فقد تاب الله على كثير من المبتدعة وردهم إليه رداً جميلاً، واستقاموا واستفادوا، ولكن كما قال الله: ﴿أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَناً﴾ [فاطر:٨] وإنني أطلب من نفسي وإخواني ممن علم الحق ألاَّ يختار على الحق شيئاً، وأن يقدم الكتاب والسنة، ولا يقدم أهواءه، ولا أغراضه، ولا تقاليد أهله، فإن فعل ذلك فقد خسر وضل ضلالاً مبيناً، وما معي إلا أن يأتي إلى البرهان ﴿قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا﴾ [الأنعام:١٤٨] ﴿قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [النمل:٦٤] وليطرح المقالات والخرافات، وليتبع الأسانيد الصحيحة الثابتة عنه ﵊.
стр. 5588
قصة أثر بول النبي ﷺ ضعيفة
السؤال
هل صحيح أن الرسول ﵊ من معجزاته أنه ليس لبوله أثرٌ في الأرض عند قضاء حاجته؟
الجواب
هذه القصة أوردها البيهقي صاحب دلائل النبوة، وصاحب الشمائل، وسندها ليس بذاك، فعلى ذلك لا أعتمدها، ولا أذكر منها استنتاجاً، وأحذر من هذه القصص، وما صح من المعجزات فيه خير وبركة، بل ذكر ابن تيمية وغيره أن للرسول ﵊ فيما قيل ما يقارب ألف معجزة، فنحن في غنية عن هذا وأمثاله، إنما أعرف في ساعتي هذه أن سندها لا يصح وفيه نظر.
على كل حال؛ من خصوصياته ﵊ التي ذكرت: أنه لا يتثاءب كما نتثاءب، لأن التثاؤب من الشيطان، وقد سلمه الله من الشيطان، بل عند مسلم في الصحيح أن الرسول ﷺ قال: ﴿ما منكم من أحد إلا معه قرين -يعني: الشيطان- قالوا: حتى أنت يا رسول الله، قال: حتى أنا، ولكن الله أعانني عليه فأسلم﴾ أي أنه: أسلم، وبعضهم يقول: أي: أسلمُ منه، والأول الصحيح.
ومن خصوصياته ﵊ أنه لا يحتلم في المنام، لأن الاحتلام من الشيطان إلى غير ذلك من الخصوصيات.
стр. 5589
قراءة الفاتحة بعد الدعاء للنبي أو الأموات
السؤال
هل يجوز أن نقول لإنسان بعد ذكر الأدعية: اقرأ الفاتحة لحضرة النبي ﵊، أو عند الأموات اقرءوا الفاتحة على ذكر موتاكم؟
الجواب
لا يصح ذلك، وهو بدعة، ولم تؤثر عنه ﷺ ولا عن أصحابه، ولا عن السلف الصالح، ومن فعل ذلك فقد ابتدع، قال ﵊: ﴿من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد﴾ وفي لفظ: ﴿من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد﴾ ولم تثبت هذه فهي بدعة.
стр. 5590
الصلاة على النبي تفريج للهموم
السؤال
هل الصلاة على الرسول ﵊ هي باب لسعة الرزق وتفريج الهموم؟
الجواب
نعم، وقد ذكر ابن القيم في كتاب: جلاء الأفهام في فضل الصلاة والسلام على خيرة الأنام ﷺ أن فيها فوائد ومنافع، منها هذه الفوائد، فإن الله يوسع على الذاكر رزقه، لأنه عابد، ويزيل همومه وغمومه ويشرح صدره.
стр. 5591
دعاء الفاتح وحكمه
السؤال
هل هذه الصفة صحيحة" اللهم صل على محمد الفاتح لما أغلق والخاتم لما سبق"؟
الجواب
هذا اللفظ لم يرد عنه ﷺ ولا عن الصحابة، ولا عن التابعين، والأولى للمؤمن أن يتقيد بالألفاظ الشرعية التي وردت عنه ﷺ ، والحقيقة أن لفظ" الفاتح لما أغلق" موهم، وفيه ريبة ولا ندري بنية أصحابه، فإنه يحتمل وجوهاً، وقد يؤدي إلى أمور لا يفتحها إلا الله، فإن الذي يفتح لما أغلق هو الله وليس الرسول ﵊، وبعضهم إذا وقع، قال: يا محمد، أو يا علي، أو يا فاطمة.
وبعض العوام إذا وقع في عينه شيء من التراب يقول: يا فاطمة بنت النبي، إن كان دقٌ فاتفريه، وإن كان شديد فابسقيه، أو كما يقال باللغات الدارجة عندنا، وبعضهم يأخذ ضرسه إذا سقطت ويلقيها إلى الشمس، ويقول: يا فاطمة بنت النبي، هذا ضرس حمار أعطيني سن غزال! وهو ضرسه أكان حماراً هو؟! إلى غير ذلك من الخزعبلات، وأمور يشيب لها الولدان، فمن فعل ذلك فقد أساء وصرف كثيراً من العبودية لغير الله ، وهذا اللفظ لم يرد عنه ﷺ وليس بصحيح، والأولى اجتنابه.
стр. 5592
تعلم العقيدة فرض عين
السؤال
هل تعلم التوحيد فرض عين أم فرض كفاية، لأن هناك من أهل العلم من يقول: تعلمه فرض كفاية، وإذا قام به البعض سقط عن الآخرين؟
الجواب
تعلم التوحيد فرض عين، ولا بد لكل مسلم ومسلمة أن يعرف التوحيد الذي أتى به محمد ﷺ ، وأن يميز بين أنواع التوحيد الثلاثة:
الأول: توحيد الربوبية.
الثاني: توحيد الألوهية.
الثالث: توحيد الأسماء والصفات.
فإن قوماً عرفوا توحيد الربوبية، فقالوا: هذا هو مقصود الأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام، وقد كذبوا، مثل: أحمد زكي المحرر لـ مجلة العربي، وقد توفي وقد ألف كتاباً سماه: آيات الله في السماء، وأثبت فيه توحيد الربوبية، وقال: هذا هو التوحيد الذي دعا إليه الأنبياء والرسل، فنقول: كذبت يا عدو الله، هذا التوحيد يعرفه أبو جهل، هذا التوحيد يعرفه أبو لهب، عجائز مكة الوثنيين يعرفون هذا التوحيد، فرعون يعرف هذا، قال تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [الزخرف:٨٧] فتوحيد الربوبية شيء وتوحيد الألوهية شيء آخر، توحيد الربوبية أقر به المشركون حتى فرعون، يقول موسى ﵇ لفرعون: ﴿قَالَ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنْزَلَ هَؤُلاءِ إِلَّا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ بَصَائِرَ وَإِنِّي لَأَظُنُّكَ يَا فِرْعَوْنُ مَثْبُوراً﴾ [الإسراء:١٠٢] فبكَّته وبيَّن أنه يعلم ذلك، أما توحيد الألوهية فهو توحيد العبادة والقصد، وإفراد الله بالدعاء والخشية والإنابة والعبادة وأقسامها الكثيرة، وتوحيد الأسماء والصفات، فلا بد لك أن تعرف هذه الأقسام معرفة لا تعفيك من جهلها، أما المعرفة التفصيلية فهي لأهل العلم، المعرفة التفصيلية في الجزئيات التي هي من مباحث أهل العلم، فهي لأهل العلم، وأما تعلم التوحيد الذي أتى به محمد ﷺ فهو فرض عين لا يعفى أحد منه.
стр. 5593
الحداثة
السؤال
ما حكم الحداثة في الإسلام؟
الجواب
الحداثة: مذهب متزندق إلحادي كفري، نشأ في السنوات الأخيرة، ومفاده وفحواه: الثورة على كل قديم وإلغاؤه وتشطيبه بما فيها الرسالة والرسول والقرآن، ولهم مذهب أدبي رمزي يرمزون لمقصوداتهم برموز، يقولون: لا يفهمها إلا هم، وهي ظلمات بعضها فوق بعض، وهؤلاء كفروا بالله في مقاصدهم التي منها الاستهزاء بالله، أو برسوله، أو بالإسلام، أو بسنة محمد ﷺ ، وهؤلاء دماؤهم مهدرة، ويستحقون القتل، يستتابون فإن تابوا وإلا قتلوا، ولا يصلى عليهم، ولا يغسلون، ولا يكفنون، ولا يدفنون في مقابر المسلمين، وهم على كل حال ملاحدة بما قالوا وبما كتبوا وبما شهد الله به عليهم.
стр. 5594
السنة عند أهل الفقه والحديث
السؤال
ما معنى السنة، وهل يثاب فاعلها ولا يعاقب تاركها؟
الجواب
السنة عند الفقهاء هي: ما يثاب فاعلها ولا يعاقب تاركها، لكن السنة في مفهوم السلف هي طريقة الرسول ﵊، ويدخل فيها الفريضة والواجب والمندوب، وما عرف السلف الصالح إلا هذا، وهو التعريف الصحيح لمصطلح السنة، أما هذا فهو عند الفقهاء ليس إلا لأنهم يريدون به ما يقابل الواجب، فالواجب عندهم: ما يثاب فاعله ويعاقب تاركه، فأرادوا أن يميزوا بين السنة والواجب، فقالوا: والسنة ما يثاب فاعلها ولا يعاقب تاركها، أما إطلاق السنة عند الصحابة والسلف، فهو سنة الرسول ﷺ وطريقته.
стр. 5595
سؤال عن اللحية
السؤال
ما حكم اللحية؟
الجواب
أقول: إنها سنة بمعنى أنها من سنته ﵊، لا أن معناها يثاب فاعلها ولا يعاقب تاركها، بل يعاقب، لأن تربيتها واجب، وحلقها حرام كما نص عليه أهل العلم.
стр. 5596
أسباب الانتكاس
السؤال
ما هو السبب الأساسي في رجوع الشباب بعد الالتزام، البعض منهم يعمل في الدعوة إلى الله، والبعض يجاهد في سبيل الله، والبعض يطلب العلم، ومع ذلك كله تركوا الالتزام، فما هو السبب؟
الجواب
إن كان قصد السائل أنهم رجعوا يجاهدون ويدعون ويطلبون العلم، فما رجعوا بل زادوا بصيرة والحمد لله، وإن كان قصده: كانوا يدعون وكانوا يجاهدون وكانوا ملتزمين، ثم رجعوا فالقلوب بيد الله يقلبها كيف يشاء، وللرجوع أسباب أجملها في ثلاثة أسباب:
أولاً: ضعف التربية الروحية، ضعف الرصيد من النوافل والعبادة، يؤخذ الشاب لكن يربى على النشيد والرحلة، وعلى تمارين رياضية؛ على صعود الجبال وشد الحبل، وأكل البيضة، على لعبة التفاحة، الإسلام ينطلق من أطر وينبثق في بوتقة استراتيجية، والدعوة على الكلام المنفوش فأدنى موقف يمر به ينهار؛ لأنه ليس لديه علم شرعي، ولا نوافل، ولا عبادة، هذه مسألة.
ثانياً: أن في نفسه -والعياذ بالله- خبثاً من قبل، ولذلك قال : ﴿وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْراً لَأسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ﴾ [الأنفال:٢٣] ولذلك يقولون: من أعلن إسلامه في مرحلة، ثم ارتد فإن ذلك دليل على خبث في نفسه.
ثالثاً: أنه أمهل نفسه في المعاصي، والمعاصي تبدأ بالنظرة، ثم تتطور إلى الفاحشة، ثم تتطور-والعياذ بالله- إلى التخلي عن الواجبات، ولذلك قال الله في بني إسرائيل: ﴿فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَنَسُوا حَظّاً مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ﴾ [المائدة:١٣].
стр. 5597
حجة واهية في عودة الشمس
السؤال
هل ثبت أن النبي ﷺ سأل الله أن يرجع الشمس من الغروب لكي يصلي بعض الصحابة العصر؟
الجواب
هذه القصة ذكرها الحاكم والطحاوي والبغوي وبعض أهل السير، قالوا: إن علي بن أبي طالب ﵁ وأرضاه نام في مسجد الرسول ﵊ حتى غربت الشمس وما صلى العصر، فما استيقظ إلا وقد غربت الشمس، فقال: يا رسول الله ما صليت العصر، وقد غربت الشمس، فسأل الرسول ﷺ الله، فأعاد الشمس له حتى صلى العصر، وفي لفظ لهم: بل سأل علي ﵁ وأرضاه ربه فأعاد له الشمس، وهذه القصة كذب، ولا يجوز إيرادها والاستدلال لها، وقد ردها ابن تيمية وابن كثير، وهذه القصة من الخرافات التي لام أهل العلم الحاكم صاحب المستدرك والطحاوي وأمثالهما على إيرادها.
وعلى كل حال؛ أبو تمام الشاعر ذكرها في قصائده ويثبتها ويقويها، لكن حججه كالزجاج إذا تكسر، لأنه شاعر، يقول:
فردت إلينا الشمس والليل راغمٌ بشمسٍ بدت من جانب الخدر تلمع
فوالله ما أدري علي بدا لنا فردت له أم كان في القوم يوشع
والصحيح: أن الله رد الشمس على يوشع، وهو كما قيل: غلام موسى الذي سافر معه، قال لغلامه: آتنا غداءنا لقد لقينا من سفرنا هذا نصبا، فهذا الغلام كان نبياً رد الله له الشمس حتى قاتل والحديث صحيح، أما علي فلم يرد الله له الشمس، والقصة ليست بصحيحة ولا ثابتة عنه ﵊، ولذلك ذكرها ابن كثير في" البداية والنهاية " فقال: وقال شيخنا -يعني: ابن تيمية - إمام الأئمة هذه عادة الطحاوي أي: أن الطحاوي عادة لا يزيف القصص الزائفة، ثم نال ابن تيمية من الطحاوي قليلاً ولو أن الطحاوي حنفي محدث، وكذلك يفعل البغوي أحياناً، لكنهم تساهلوا، وقد لام الأئمة القاضي عياض ﵀ على بعض القصص التي حشا بها كتاب" الشفا " حتى مرض" الشفا " وأصبح فيه حمى بسبب هذه القصص، ولو أنه من أحسن الكتب، حتى الذهبي لما ترجم للقاضي عياض، قال: وفي كتابه" الشفا " شيء، فعليك بـ دلائل النبوة للبيهقي؛ فإنه هدى ونور وشفاء لما في الصدور.
стр. 5598
شفاء القرآن
السؤال
ما معنى الآية: ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ﴾ [الإسراء:٨٢] فهل الشفاء للأبدان أم للأرواح أم يعم جميع الأمراض؟
الجواب
الصحيح أن القرآن صحة للأرواح وللأبدان، وأما ما ذكر في بعض السور فهو بحسب السياق، مرةً يذكر الله الكفر والشك والريبة، فيذكر القرآن فمعناه شفاء لما في الصدور-أي للأرواح- ومرةً يذكر الأمراض، فيذكر الشفاء فيعلم أنه القرآن، والصحيح: أن القرآن يتداوى به من الأمراض العضوية، وأمراض الصرع والجن.
وبالمناسبة من أنكر تلبس الجان بالإنسي فقد أخطأ وضل ولا يكفر بهذا، لأن المسألة ظنية، لكن من أنكر الجن مثل ما فعل بعض المفسرين، وقد علم بآياتهم، فقد كفر بهذا، لأن القرآن ذكر الجن، قال : ﴿قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ﴾ [الجن:١] أما تلبس الجان بالإنسي فلا ينكر، ومن أنكره فقد أخطأ وأسرف على نفسه، لكن لا نكفره بهذا، لأن المسألة ظنية، والدليل على تلبسهم قوله : ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبا لا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ﴾ [البقرة:٢٧٥] ودل على ذلك أن الرسول ﵊ في صحيح مسلم دعا لمصروع فشافاه الله، وقال: ﴿اخسأ عدو الله، اخرج أنا رسول الله﴾ حتى أخرج الجني منه، والواقع يشهد لذلك، وما ينكر هذا إلا رجل مكابر، والأمراض العضوية كذلك يدعى، لأن الرسول ﵊ كان ينفث على جسمه ﵊، ويرقي جسمه بالقرآن؛ لأن فيه شفاء، فلا بأس بهذا بل هو سنة ثابتة، وأما أمراض الأرواح فدواؤها وبلسمها وشفاؤها القرآن.
стр. 5599
موقف الإسلام من أبوي النبي ﵊
السؤال
ما موقف الإسلام من أبوي رسول الله ﵊، هل أسلما أم لا؟
الجواب
أقول: ولو أن هذه مسألة فضولية: لم يسلم أبوه ولم تسلم أمه، وعند مسلم في الصحيح من حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : ﴿استأذنت ربي أن أزور قبر أمي فأذن لي، واستأذنته أن أستغفر لها فلم يأذن لي﴾ وعند مسلم في الصحيح: ﴿أن رجلاً أتى إلى الرسول ﵊، فقال: يا رسول الله أين أبي؟ قال: أبوك في النار، فولى، ثم دعاه، قال: أبي وأبوك في النار﴾ والسند صحيح، وهذا منهج أهل السنة والجماعة، وخالف أهل البدع، فقالوا: أحيا الله أبا الرسول وأمه حتى كلمهم بالدعوة فأسلموا، فنقول لهم: هل عندكم من علم فتخرجوه لنا؟ ﴿قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [النمل:٦٤].
والدعاوى ما لم يقيموا عليها بيناتٍ أصحابها أدعياء
стр. 5600
الاستهزاء باللحية
السؤال
ما حكم الاستهزاء باللحية، حيث أن بعض أصحاب والدي يقولون: إنها تخفف العقل، فما الرد على هؤلاء الجهلة؟
الجواب
أولاً: أنا لا أقول: إن من حلق لحيته كفر، أو خرج من الملة، قد يكون محباً لله ومحافظاً على الصلوات الخمس، وباراً بوالديه، ووفياً، ولكن نقول له: حنانيك أكمل أمرك ما دام أنك كملت أمورك فما بقي عليك إلا بعض التشطيبات السهلة التي تكمل بها في السنة وتكون من أتباع محمد ﵊، وهذه الثلمة إذا بقيت فيك فقد بقي في قلبك ثلمة في حبه ﵊: ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ [النساء:٦٥] أما من استهزأ باللحية، وقال: تخفف العقل، فعقله هو الخفيف، ولو أن عقله كثير لربى لحيته كما فعل محمد ﵊ وأصحابه، وبعض الناس من المفكرين الإسلاميين الذين أدركهم زيغ - والعياذ بالله- أو خفة عقل دائماً يلاحق الشباب المستقيم فيقول: كنت في الإمارات فجاءني شاب كث اللحية، فسألني عن الكالونيا، ونقول: ما علاقة الكالونيا، والسؤال بكث اللحية؟ قال: وكنت في الجزائر فقام لي شاب وهو كث اللحية يسألني عن الحجاب، قلنا: ما علاقة الجزائر والحجاب وكث اللحية؟ قال: وكنت في بلد فقام شاب كث اللحية فسألني سؤالاً عن تقصير الثياب، قلنا: أخطأت نصيبك وأنت تريد أن تتهجم على شباب الإسلام، هذا المفكر نفسه أتى إلى
شنودة و p=١٠٠١٦٩٣>> شنودة صنم في مصر قائد الأقباط الوثنيين، وهو رجل فاجر أتى إليه فقال: الأخ العزيز
شنودة، فقيل له: لماذا تقول: الأخ العزيز
شنوده؟ قال: إنسانية الإسلام وحب الإسلام وتآخي الإسلام، والله يقول في كتابه واسمع ما أحسن الاستدلال: - ﴿وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْناً﴾ [البقرة:٨٣] قلنا له: لماذا لا تقول: لشباب الصحوة وللتائبين ولرواد الرسالة الخالدة ولـ أهل السنة: الإخوان الأعزاء، وإنما تتهجم عليهم بكل مناسبة وبلا مناسبة، بالمكشوف وبغير المكشوف فهذا خطأ منك، فمن يفعل هذا الفعل فقد أساء، وبعض الناس ما عنده إلا أن يستهزئ بالصالحين، يقول: ثيابهم هكذا، وإذا قاموا يصلون يقولون كذا، صحيح أنا معه أن بعض الصور حصلت من بعض الشباب؛ يجعل يديه هنا، وإذا جاء يسجد تفلطح وتبلطح، أي: ما يجافي مجافاة إنما يموت، وإذا جاء يراصك صاقعك مصاقعة، يعني: ضربك بأرجله حتى تتوب أن تصلي بجانبه، والسنة وسط، هذه تأتي صور، لكن في المليون يأتي واحد، فيعممونه على الشباب دائماً، ولكن نقول لهؤلاء: من المسئول عن المخدرات؟
هم المنحرفون، هم المسئولون عن المخدرات، دور الدعارة، المجلات الخليعة، الأغاني الماجنة، إرهاب الأمن في البلاد، زعزعة كيان الأمة، هم المسئولون عنها، أما شباب الصحوة فهم أهل المساجد، وأهل القرآن، وأهل الجهاد، وأهل حسن الخلق، وأهل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وإن شاء الله ببركتهم يحفظ الله علينا كياننا وقداستنا ورسالتنا.
ولو أني بليت بهاشمي خئولته بنو عبد المدان
لهان علي ما ألقى ولكن تعالوا فانظروا بمن ابتلاني
يقول: ليت من يهاجمني بطل من بني هاشم خئولته بنو عبد المدان كنت استرحت، ولكن هذا القزم الحقير يهاجمني وأنا كيت وكيت، فهذا مثل أهل السنة مع المنحرفين، والله المستعان.
стр. 5601
طلب الدعاء من الحي وأسباب نسيان القرآن
السؤال
حفظت نصف القرآن ولكني نسيته لكثرة الهموم، ولذلك أطلب منك ومن الإخوان أن تدعو؟
الجواب
أولاً: طلب الدعاء من الرجل الصالح الحي الموجود مطلوب، وليس فيه إن شاء الله خلاف، يقول ﵊ كما عند الترمذي وسنده حسن: ﴿لا تنسني من دعائك يا أخي﴾ وبعضهم يخالف في هذا، لكن بشرط أن يكون حياً موجوداً صالحاً، لا تأتي إلى ميت في قبر وتقول: (لا تنسني من دعائك يا أخي) فإنه لا يدري ولا يسمع ولا يعي ولا يعقل، إما في روضة من رياض الجنة، أو في حفرة من حفر النار، أو تأتي إلى فاجر من أفجر الفجرة، عربيد سكار خمار عدو لله، وتقول: لا تنسي من دعائك يا أخي، لو دعا لك هذا لنزلت عليك صاعقة من السماء، لو دعا لك لانهدم عليك البيت، أو صدمتك سيارة وكذلك أن يكون موجوداً، ولا تأت في المسجد وتصلي وتقول: يا أخي في القاهرة، أو في الفلبين، لا تنسانا من دعائك، لا هذه سفر الأرواح، وهي عند غلاة المبتدعة وليست عند أهل السنة والجماعة، أحدهم يجلس فيغمض عينيه، قالوا: ما لك؟ قال: سافرت روحي إلى الخرطوم -لا أعادها الله عليك- وحدثنا بعض العلماء، قال: سافرت إلى المغرب، فدخلت هناك في مسجد فيه قبر لأحد زعماء هؤلاء المبتدعة، فدخلت فأردت أن أدروش مثلما تدروشوا، قالوا: ألق رداءك، فألقى غترته، قال: فألقوا أرديتهم، قال: فسكتنا، فقلت: ماذا؟ قالوا: فلان قام من قبره يناجي الرسول ﵊ تحت الرداء، قلت: أسألكم بالله أنا بشوق لا يعلمه إلا الله لأرى الرسول ولو مرة، أرجوكم أن تسمحوا لي لأكشف الرداء لعلي أرى الرسول ﷺ ، قالوا: قم يا وهابي يا متشدد يا غالي، حتى أخرجوه من المسجد على كل حال؛ ندعو لك بالخير والثبات، وأما نسيانك للقرآن فعارضان اثنان:
الأول: إما عارض كسبي من الذنوب والخطايا، فأنت تلام على ذلك، نحن كما يقول ابن تيمية: نلام على المعايب، ولا نلام على المصائب، نحتج بالقضاء والقدر في المصائب، ولا نحتج به في المعايب، إنسان يسرق، لماذا سرقت؟ قال: قدر الله وما شاء فعل، صحيح في نفس الأمر، لكن هذا احتجاج يؤدي -والعياذ بالله- إلى استحلال المعاصي، يأتي زاني يزني، قلنا: لماذا تزني؟ قال: قدَّر الله عليَّ أن أزني.
سرق سارق في عهد عمر ﵁ وأرضاه، فقال: لم سرقت؟ قال: قدر الله علي أن أسرق، قال: علي بيدك، فأخذ السكين فقطع يده، فقال: لم قطعت يدي وقد قدر الله عليَّ أن أسرق؟! قال: وأنا قدر الله عليَّ أن أقطع يدك.
وأما في المصائب فنحتج بالقضاء والقدر، رجل رسب ابنه بعدما رسب، يقول: قدر الله وما شاء فعل، أتاه حادث سيارة قدر الله وما شاء فعل، فالكسبي الذي نسيت به القرآن هذا تلام عليه أنت، وهذا -حفظكم الله- مثل: أن تكون أكثرت من الذنوب والخطايا، أو وقعت في فواحش، أو غفلت عن مراجعة القرآن، فتلام عليه، ونسيان العلم من أسبابه المعاصي، قال الله : ﴿فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَنَسُوا حَظّاً مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ﴾ [المائدة:١٣] قال الشافعي:
شكوت إلى وكيع سوء حفظي فأرشدني إلى ترك المعاصي
وقال اعلم بأن العلم نورٌ ونور الله لا يهدى لعاصي
الثاني: وأما الجبلي، فقد يكون أتاك شيء كمرض، فنسيت فتعذر عليه، بعض الناس صالح من الصالحين، لكن لا يعرف شيئاً إلا نسي اسمه، بعض الناس يقولون: إنه أرسله أبوه بريال، قال: تأخذ بريال تميز وبريال فول، فذهب إلى الفران، فنسي أين هو ريال الفول من ريال التميز، هو لا يسجد له سجود السهو لا عند المالكية ولا الحنابلة ولا الشافعية ولا الأحناف، فعاد إلى والده وقال: يا والدي الشيطان لبس علي حتى ما أدري أين هو ريال التميز من ريال الفول، قال: يا ليتني ما رأيتك حتى أشتري التميز أنا وأشتري الفول.
على كل حال الحمق وارد، وليس هذا بحمق، ولكن قد يحدث مرض ينسى به العبد، فإذا نسي فيؤجر، وهذه من المصائب التي يؤجر عليها العبد، وقد يأتيه مرض فينسى جميع المعلومات فعليه أن يقول: إنا لله وإنا إليه راجعون، ونسأل الله أن يغفر لنا ولمن حضر هذا المجلس، وأن يتغمدنا وإياكم برضوانه.
стр. 5602
كشف الحجاب للمرأة
السؤال
كشف الرجل على أخت زوجته وعلى الأجنبيات وعلى بنات العم وبنات الخال، وقال: هذه عادة منتشرة في القبائل، ولا يفهمون السنة، وهم متكبرون إذا دعوا، ويعتقدون أن هذه العادات السيئة تقدم على الكتاب والسنة، فما الحكم؟
الجواب
هذا موجود في بعض القبائل من الجهل، كما قال تعالى: ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْماً لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ [المائدة:٥٠] وهذه الأجنبيات الذي ذكر الأخ يحرم الكشف عليهن، والحجاب واجب شرعي أتى به محمد ﵊، ومن أنكره فقد أخطأ وعارض شرع الله ، وقد أنتج ترك الحجاب والاختلاط في بعض القرى وبعض الأماكن والمدن والخروج الجماعي بهذه الصور إلى وجود الكثير من الفواحش -والعياذ بالله- والوقوع في الزنا، وهذه جريمة نسأل الله أن يكف بأسها، وأن يغفر لنا ولكم، وأن يبصرنا وإياكم بعلم الكتاب والسنة، وسلام الله عليكم ورحمته وبركاته.
стр. 5603
المساجد ودورها في الإسلام
المسجد أول مشروع للنبي ﷺ في المدينة، وبه بدأ بتكوين وبناء المجتمع المسلم والعلمانيون حصروا عمل المسجد في الصلاة والقرآن فقط.
ولكن الناظر إلى المسجد في عهد النبي ﷺ يجد أن المسجد في عهده كان شعلة وهاجة تنير الأرض من حولها، وفي هذا الدرس بيان لدور المسجد في حياة المجتمع المسلم.
стр. 5604
المشروع الأول للنبي ﷺ في المدينة
الحمد لله الذي كان بعباده خبيراً بصيراً، وتبارك الذي جعل في السماء بروجاً وجعل فيها سراجاً منيراً، وهو الذي جعل الليل والنهار خلفة لمن أراد أن يذكر أو أراد شكوراً.
والصلاة والسلام على من بعثه ربه هادياً ومبشراً ونذيراً.
بنى المسجد، وعلَّم الناس في المسجد، وخرَّج الأجيال من المسجد.
صلى الله وسلم على حامل لواء العز في بني لؤي، وصاحب الطود المنيف في بني عبد مناف بن قصي، صاحب الغرة والتحجيل، المذكور في التوراة والإنجيل، وعلى آله وصحبه، وسلم تسليماً كثيراً.
أمَّا بَعْد:
فسلام الله عليكم ورحمته وبركاته.
يا رواد المساجد! ويا جيل المساجد! ويا ضيوف المساجد!!
إن كان لي من شكر في أول هذه المحاضرة، فإني أشكر الله ﵎ على أن أجلسني في هذا المكان، ثم أشكر أهل الفضل على فضلهم، وعلى رأسهم: رئيس النادي الأدبي بـ أبها: الأستاذ الأديب محمد بن عبد الله الحُمَيِّد، ثم الأديب البارع الشيخ محمد بن إبراهيم النعمي، وأشكر كذلك صاحب الفضل وسعادة مدير أوقاف ومساجد منطقة الجنوب.
ثم إنني سعيدٌ جِدُّ سعيد بأن أتكلم عن هذا الموضوع، موضوع المساجد، وما أدراك ما المساجد؟
المساجد التي كانت من أعظم اهتماماته ﷺ .
المساجد التي أثنى الله على عامريها، وبُناتِها، وروَّادها.
المساجد المَعْلَم الحضاري الكبير الذي تركه ﷺ للتاريخ، ولِقُرَّاء التاريخ.
نسمع هذه الليلة حديثاً عن المساجد.
وأنا أشارك إقبال، شاعر الـ باكستان، يوم يعاتب الأمة الإسلامية على أنها أهملت رسالة المسجد، وجعلته زاوية للصلاة فقط، فقد عاتب الأمة الإسلامية في مقطوعة شعرية يقول فيها:
أرى التفكير أدركه خمولٌ ولم تَبْقَ العزائم في اشتعالِ
وأصبح وعظكم من غير نور ولا سحر يطل من المقالِ
وعند الناس فلسفة وفكر ولكن أين تلقين الغزالي؟
منائركم علت في كل ساح ومسجدكم من العباد خالِ
وجلجلة الأذان بكل حي ولكن أين صوت من بلالِ
يقول الله : ﴿إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلاَّ اللَّهَ فَعَسَى أُوْلَئِكَ أَنْ يَكُونُوا مِنْ الْمُهْتَدِينَ﴾ [التوبة:١٨].
إنما يعمر مساجد الله: إما عمارة بالبناء والرفع والتعمير، أو عمارة بالذكر والصلاة والدعاء والإخبات، هكذا قال أهل العلم.
فالمنافقون والفجرة وأعداء الإسلام لا يعمرون المساجد؛ إنما يعمر المساجد الذي يريد الله ووجهه ولقاءه.
يقول عن الرجال وهو يعرِّفهم بسيماهم وصفاتهم، يقول: ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ﴾ [النور:٣٦].
مَنْ؟ ﴿رِجَالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْماً تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالأَبْصَارُ﴾ [النور:٣٧].
فسلام الله على رواد المساجد، وسلام الله على ضيوف المساجد.
والمساجد سوف أتحدث فيها عن أمور أربعة:
أولها: كيف كان المسجد منتدى، وكيف كان مجلس شورى، وكيف كان محكمة قضائية.
ثانيها: كيف جعل ﷺ من المسجد ثكنة عسكرية، تنطلق منها الرايات، وتُعْقَدُ منها الألوية، وتصَنَّف منها الجيوش، وتُخَرَّج منها الكتائب.
ثالثها: المسجد روضة من رياض الجنة، عبادة وفكر واتصال بالواحد الأحد.
ورابعها: المسجد استقبال للوفود، وإرسال للاهتمامات في الأمة الإسلامية، وبناء للجيل.
ولكن أعود فأنثر ما بنيت؛ ليكون في مسائل منثورة، تُقَدَّم هكذا، بدون تنصيص أو تحديد؛ ليبقى الموضوع متكامل البنية، ولا يبقى سرداً؛ ليكون أخف على الأرواح وأطيب للنفوس.
قَدِم ﷺ المدينة، فما هو مشروعه الأول؟
لقد قدم ﷺ ولم يحمل دنانير ولا دراهم، ولكن حمل عقيدة ومبدأً وأصالة، فكان أول ما بدأ به ﷺ أن وضع حجر الأساس لبناء المسجد الإسلامي الكبير: ﴿لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ﴾ [التوبة:١٠٨].
مسجد بناه على (لا إله إلا الله).
مسجد أسسه لتنطلق منه الكتائب مكبرة في سبيل الله.
مسجد عقده ليكون نادِياً أدبياً يُعْلَن وتُطرَح فيه القصائد الرنانة في خدمة الإسلام.
يوم يأتي ﷺ إلى حسان، شاعر الإسلام، وسيف الأدب الإسلامي، ووزارة الإعلام المتنقلة لخدمة مبادئ الإسلام، فيقدم له المنبر، ويقول له: ﴿اهجُهُم وروح القُدُس معك﴾.
ويستقبل ﷺ الوفود العربية من بني تميم، والأَزْد، وغَطَفان، وأسد، وفَزارة، فيُهَنِّيْهِم ويُهَنُّوْنَه، ويعانقهم ويعانقونه في المسجد.
فبدأ ﷺ هناك، فأتى إلى المسجد فوضع حجر الأساس، ثم تلاه أستاذ الخلافة، ورجل الساعة، والصدِّيق الأكبر أبو بكر الصديق، فنزع حجراً آخر ووضعه بجانب حجره، ثم قام عمر الفاروق.
قد كنتَ أعدى أعاديها فصرتَ لها بفضل ربك حصناً من أعاديها
فأخذ حجراً ثالثاً ووضعه بجانب حجر الصدِّيق، وكأن الثلاثة يقولون للبشرية: هذه نهاية الوثنية، وهذه بداية معالم الإنسانية، وهنا تُخْنَق الوثنية، ويُذْبَح الشرك بإذن الله.
وسُقِّف المسجد؛ لكنه ما كان راقياً في بنائه، بل كان راقياً في مضمونه وعظَمته، وكان مشرقاً في روحانيته، وكان هادٍ في مسيرته.
طينٌ وسَعَفُ نخل وشيءٌ من خشب؛ لكن:
كفاك عن كل قصر شاهق عمد بيتٌ من الطين أو كهف من العلمِ
تبني الفضائل أبراجاً مشيدة نصب الخيام التي من أروع الخيمِ
ودخله ﷺ وقال: الله أكبر، ومن يوم قال فيه: الله أكبر؛ انتهت الوثنية، ودُمِّر الإلحاد والزندقة، ودُمِّر كل مبدأ ضال إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها.
ووقف ﵊ خطيباً يوم الجمعة، يذرف بالكلمات الصادقة من على المنبر؛ ليقول للناس: مسجدنا هنا
стр. 5605
تعاليم الإسلام تعرض على المنبر
وَايْمُ الله لقد أعجبتني واستأسَرَتْني كلمة للأديب البارع الأستاذ علي الطنطاوي في كتابه قصص من التاريخ، وهو يتحدث عن المساجد في لمحة، تحت عنوان: (نحن المسلمون).
يقول في كلمته: سلوا كل سماء في السماء عنا، وسلوا كل أرض في الأرض عنا، سلوا الجزيرة وفيافيها، سلوا دجلة ورياضها وحقولها، سلوا الفرات وواديه، سلوا الشام وأنهارها، سلوا كل إنسان عنا.
ثم قال: مبادئنا تُعلَن كل يوم جمعة من على المنبر، نحن ليس عندنا أسرار ولا ألغاز، لسنا في حقائب فيها ألغام، أسرارنا وألغازنا ننثرها يوم الجمعة على الناس، ونعلن مبادئنا من على المنارة (الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر) وهذه كلمة لا بد أن تُنْشَر للناس.
فمبادئنا وإعلاننا ورسمياتنا وسرائرنا تُعْلَن كل جمعة من على المنبر.
وفَعَلَ ﷺ ، فقد أُخِذ المسجدُ للخطابة؛ فكان يخطب يوم الجمعة، وكان من أبرع من خلق الله في الخطابة.
يقول شوقي:
وإذا خطبت فللمنابر هزة تعرو الندي وللقلوب بكاءُ
إي والله، لا تسمع للمسجد إلا حنيناً ودَوِيَّاً من البكاء؛ لأنه صادق، وتعاليمه صادقة كالفجر، أرأيتَ الفجر؟
أليس الفجرُ واضحاً؟
فتعاليمه ﷺ كالفجر، فهو يعلنها يوم الجمعة من على المنبر ﵊.
يقول جُوْلْد زيهر، هذا المجري الخبيث: أنا لا أعجب من محمد أن يبعثه الله بعد الأربعين نبياً، فقد بعث الله قبله أنبياء وأنبياء؛ لكن أعجب أنه ما تعلم ولا درس ولا كتب ولا قرأ، ثم يقول الله له: سر في الناس واخطب في الناس، فإذا هو أفصح فصيح وأخطب خطيب!
شهد الأنام بصدقه حتى العدا والحق ما شهدت به الأعداءُ
إيْ والله، الضاد على لسانه أجرى من الماء الزلال، يسبي القلوب بعباراته: ﴿إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى * عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى * ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوَى﴾ [النجم:٤ - ٦].
следующие страницы →