Полный текст (10 391 стр.). Показаны 5601–5640 · переход к 5606.
стр. 5601
طلب الدعاء من الحي وأسباب نسيان القرآن
السؤال
حفظت نصف القرآن ولكني نسيته لكثرة الهموم، ولذلك أطلب منك ومن الإخوان أن تدعو؟
الجواب
أولاً: طلب الدعاء من الرجل الصالح الحي الموجود مطلوب، وليس فيه إن شاء الله خلاف، يقول ﵊ كما عند الترمذي وسنده حسن: ﴿لا تنسني من دعائك يا أخي﴾ وبعضهم يخالف في هذا، لكن بشرط أن يكون حياً موجوداً صالحاً، لا تأتي إلى ميت في قبر وتقول: (لا تنسني من دعائك يا أخي) فإنه لا يدري ولا يسمع ولا يعي ولا يعقل، إما في روضة من رياض الجنة، أو في حفرة من حفر النار، أو تأتي إلى فاجر من أفجر الفجرة، عربيد سكار خمار عدو لله، وتقول: لا تنسي من دعائك يا أخي، لو دعا لك هذا لنزلت عليك صاعقة من السماء، لو دعا لك لانهدم عليك البيت، أو صدمتك سيارة وكذلك أن يكون موجوداً، ولا تأت في المسجد وتصلي وتقول: يا أخي في القاهرة، أو في الفلبين، لا تنسانا من دعائك، لا هذه سفر الأرواح، وهي عند غلاة المبتدعة وليست عند أهل السنة والجماعة، أحدهم يجلس فيغمض عينيه، قالوا: ما لك؟ قال: سافرت روحي إلى الخرطوم -لا أعادها الله عليك- وحدثنا بعض العلماء، قال: سافرت إلى المغرب، فدخلت هناك في مسجد فيه قبر لأحد زعماء هؤلاء المبتدعة، فدخلت فأردت أن أدروش مثلما تدروشوا، قالوا: ألق رداءك، فألقى غترته، قال: فألقوا أرديتهم، قال: فسكتنا، فقلت: ماذا؟ قالوا: فلان قام من قبره يناجي الرسول ﵊ تحت الرداء، قلت: أسألكم بالله أنا بشوق لا يعلمه إلا الله لأرى الرسول ولو مرة، أرجوكم أن تسمحوا لي لأكشف الرداء لعلي أرى الرسول ﷺ ، قالوا: قم يا وهابي يا متشدد يا غالي، حتى أخرجوه من المسجد على كل حال؛ ندعو لك بالخير والثبات، وأما نسيانك للقرآن فعارضان اثنان:
الأول: إما عارض كسبي من الذنوب والخطايا، فأنت تلام على ذلك، نحن كما يقول ابن تيمية: نلام على المعايب، ولا نلام على المصائب، نحتج بالقضاء والقدر في المصائب، ولا نحتج به في المعايب، إنسان يسرق، لماذا سرقت؟ قال: قدر الله وما شاء فعل، صحيح في نفس الأمر، لكن هذا احتجاج يؤدي -والعياذ بالله- إلى استحلال المعاصي، يأتي زاني يزني، قلنا: لماذا تزني؟ قال: قدَّر الله عليَّ أن أزني.
سرق سارق في عهد عمر ﵁ وأرضاه، فقال: لم سرقت؟ قال: قدر الله علي أن أسرق، قال: علي بيدك، فأخذ السكين فقطع يده، فقال: لم قطعت يدي وقد قدر الله عليَّ أن أسرق؟! قال: وأنا قدر الله عليَّ أن أقطع يدك.
وأما في المصائب فنحتج بالقضاء والقدر، رجل رسب ابنه بعدما رسب، يقول: قدر الله وما شاء فعل، أتاه حادث سيارة قدر الله وما شاء فعل، فالكسبي الذي نسيت به القرآن هذا تلام عليه أنت، وهذا -حفظكم الله- مثل: أن تكون أكثرت من الذنوب والخطايا، أو وقعت في فواحش، أو غفلت عن مراجعة القرآن، فتلام عليه، ونسيان العلم من أسبابه المعاصي، قال الله : ﴿فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَنَسُوا حَظّاً مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ﴾ [المائدة:١٣] قال الشافعي:
شكوت إلى وكيع سوء حفظي فأرشدني إلى ترك المعاصي
وقال اعلم بأن العلم نورٌ ونور الله لا يهدى لعاصي
الثاني: وأما الجبلي، فقد يكون أتاك شيء كمرض، فنسيت فتعذر عليه، بعض الناس صالح من الصالحين، لكن لا يعرف شيئاً إلا نسي اسمه، بعض الناس يقولون: إنه أرسله أبوه بريال، قال: تأخذ بريال تميز وبريال فول، فذهب إلى الفران، فنسي أين هو ريال الفول من ريال التميز، هو لا يسجد له سجود السهو لا عند المالكية ولا الحنابلة ولا الشافعية ولا الأحناف، فعاد إلى والده وقال: يا والدي الشيطان لبس علي حتى ما أدري أين هو ريال التميز من ريال الفول، قال: يا ليتني ما رأيتك حتى أشتري التميز أنا وأشتري الفول.
على كل حال الحمق وارد، وليس هذا بحمق، ولكن قد يحدث مرض ينسى به العبد، فإذا نسي فيؤجر، وهذه من المصائب التي يؤجر عليها العبد، وقد يأتيه مرض فينسى جميع المعلومات فعليه أن يقول: إنا لله وإنا إليه راجعون، ونسأل الله أن يغفر لنا ولمن حضر هذا المجلس، وأن يتغمدنا وإياكم برضوانه.
стр. 5602
كشف الحجاب للمرأة
السؤال
كشف الرجل على أخت زوجته وعلى الأجنبيات وعلى بنات العم وبنات الخال، وقال: هذه عادة منتشرة في القبائل، ولا يفهمون السنة، وهم متكبرون إذا دعوا، ويعتقدون أن هذه العادات السيئة تقدم على الكتاب والسنة، فما الحكم؟
الجواب
هذا موجود في بعض القبائل من الجهل، كما قال تعالى: ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْماً لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ [المائدة:٥٠] وهذه الأجنبيات الذي ذكر الأخ يحرم الكشف عليهن، والحجاب واجب شرعي أتى به محمد ﵊، ومن أنكره فقد أخطأ وعارض شرع الله ، وقد أنتج ترك الحجاب والاختلاط في بعض القرى وبعض الأماكن والمدن والخروج الجماعي بهذه الصور إلى وجود الكثير من الفواحش -والعياذ بالله- والوقوع في الزنا، وهذه جريمة نسأل الله أن يكف بأسها، وأن يغفر لنا ولكم، وأن يبصرنا وإياكم بعلم الكتاب والسنة، وسلام الله عليكم ورحمته وبركاته.
стр. 5603
المساجد ودورها في الإسلام
المسجد أول مشروع للنبي ﷺ في المدينة، وبه بدأ بتكوين وبناء المجتمع المسلم والعلمانيون حصروا عمل المسجد في الصلاة والقرآن فقط.
ولكن الناظر إلى المسجد في عهد النبي ﷺ يجد أن المسجد في عهده كان شعلة وهاجة تنير الأرض من حولها، وفي هذا الدرس بيان لدور المسجد في حياة المجتمع المسلم.
стр. 5604
المشروع الأول للنبي ﷺ في المدينة
الحمد لله الذي كان بعباده خبيراً بصيراً، وتبارك الذي جعل في السماء بروجاً وجعل فيها سراجاً منيراً، وهو الذي جعل الليل والنهار خلفة لمن أراد أن يذكر أو أراد شكوراً.
والصلاة والسلام على من بعثه ربه هادياً ومبشراً ونذيراً.
بنى المسجد، وعلَّم الناس في المسجد، وخرَّج الأجيال من المسجد.
صلى الله وسلم على حامل لواء العز في بني لؤي، وصاحب الطود المنيف في بني عبد مناف بن قصي، صاحب الغرة والتحجيل، المذكور في التوراة والإنجيل، وعلى آله وصحبه، وسلم تسليماً كثيراً.
أمَّا بَعْد:
فسلام الله عليكم ورحمته وبركاته.
يا رواد المساجد! ويا جيل المساجد! ويا ضيوف المساجد!!
إن كان لي من شكر في أول هذه المحاضرة، فإني أشكر الله ﵎ على أن أجلسني في هذا المكان، ثم أشكر أهل الفضل على فضلهم، وعلى رأسهم: رئيس النادي الأدبي بـ أبها: الأستاذ الأديب محمد بن عبد الله الحُمَيِّد، ثم الأديب البارع الشيخ محمد بن إبراهيم النعمي، وأشكر كذلك صاحب الفضل وسعادة مدير أوقاف ومساجد منطقة الجنوب.
ثم إنني سعيدٌ جِدُّ سعيد بأن أتكلم عن هذا الموضوع، موضوع المساجد، وما أدراك ما المساجد؟
المساجد التي كانت من أعظم اهتماماته ﷺ .
المساجد التي أثنى الله على عامريها، وبُناتِها، وروَّادها.
المساجد المَعْلَم الحضاري الكبير الذي تركه ﷺ للتاريخ، ولِقُرَّاء التاريخ.
نسمع هذه الليلة حديثاً عن المساجد.
وأنا أشارك إقبال، شاعر الـ باكستان، يوم يعاتب الأمة الإسلامية على أنها أهملت رسالة المسجد، وجعلته زاوية للصلاة فقط، فقد عاتب الأمة الإسلامية في مقطوعة شعرية يقول فيها:
أرى التفكير أدركه خمولٌ ولم تَبْقَ العزائم في اشتعالِ
وأصبح وعظكم من غير نور ولا سحر يطل من المقالِ
وعند الناس فلسفة وفكر ولكن أين تلقين الغزالي؟
منائركم علت في كل ساح ومسجدكم من العباد خالِ
وجلجلة الأذان بكل حي ولكن أين صوت من بلالِ
يقول الله : ﴿إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلاَّ اللَّهَ فَعَسَى أُوْلَئِكَ أَنْ يَكُونُوا مِنْ الْمُهْتَدِينَ﴾ [التوبة:١٨].
إنما يعمر مساجد الله: إما عمارة بالبناء والرفع والتعمير، أو عمارة بالذكر والصلاة والدعاء والإخبات، هكذا قال أهل العلم.
فالمنافقون والفجرة وأعداء الإسلام لا يعمرون المساجد؛ إنما يعمر المساجد الذي يريد الله ووجهه ولقاءه.
يقول عن الرجال وهو يعرِّفهم بسيماهم وصفاتهم، يقول: ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ﴾ [النور:٣٦].
مَنْ؟ ﴿رِجَالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْماً تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالأَبْصَارُ﴾ [النور:٣٧].
فسلام الله على رواد المساجد، وسلام الله على ضيوف المساجد.
والمساجد سوف أتحدث فيها عن أمور أربعة:
أولها: كيف كان المسجد منتدى، وكيف كان مجلس شورى، وكيف كان محكمة قضائية.
ثانيها: كيف جعل ﷺ من المسجد ثكنة عسكرية، تنطلق منها الرايات، وتُعْقَدُ منها الألوية، وتصَنَّف منها الجيوش، وتُخَرَّج منها الكتائب.
ثالثها: المسجد روضة من رياض الجنة، عبادة وفكر واتصال بالواحد الأحد.
ورابعها: المسجد استقبال للوفود، وإرسال للاهتمامات في الأمة الإسلامية، وبناء للجيل.
ولكن أعود فأنثر ما بنيت؛ ليكون في مسائل منثورة، تُقَدَّم هكذا، بدون تنصيص أو تحديد؛ ليبقى الموضوع متكامل البنية، ولا يبقى سرداً؛ ليكون أخف على الأرواح وأطيب للنفوس.
قَدِم ﷺ المدينة، فما هو مشروعه الأول؟
لقد قدم ﷺ ولم يحمل دنانير ولا دراهم، ولكن حمل عقيدة ومبدأً وأصالة، فكان أول ما بدأ به ﷺ أن وضع حجر الأساس لبناء المسجد الإسلامي الكبير: ﴿لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ﴾ [التوبة:١٠٨].
مسجد بناه على (لا إله إلا الله).
مسجد أسسه لتنطلق منه الكتائب مكبرة في سبيل الله.
مسجد عقده ليكون نادِياً أدبياً يُعْلَن وتُطرَح فيه القصائد الرنانة في خدمة الإسلام.
يوم يأتي ﷺ إلى حسان، شاعر الإسلام، وسيف الأدب الإسلامي، ووزارة الإعلام المتنقلة لخدمة مبادئ الإسلام، فيقدم له المنبر، ويقول له: ﴿اهجُهُم وروح القُدُس معك﴾.
ويستقبل ﷺ الوفود العربية من بني تميم، والأَزْد، وغَطَفان، وأسد، وفَزارة، فيُهَنِّيْهِم ويُهَنُّوْنَه، ويعانقهم ويعانقونه في المسجد.
فبدأ ﷺ هناك، فأتى إلى المسجد فوضع حجر الأساس، ثم تلاه أستاذ الخلافة، ورجل الساعة، والصدِّيق الأكبر أبو بكر الصديق، فنزع حجراً آخر ووضعه بجانب حجره، ثم قام عمر الفاروق.
قد كنتَ أعدى أعاديها فصرتَ لها بفضل ربك حصناً من أعاديها
فأخذ حجراً ثالثاً ووضعه بجانب حجر الصدِّيق، وكأن الثلاثة يقولون للبشرية: هذه نهاية الوثنية، وهذه بداية معالم الإنسانية، وهنا تُخْنَق الوثنية، ويُذْبَح الشرك بإذن الله.
وسُقِّف المسجد؛ لكنه ما كان راقياً في بنائه، بل كان راقياً في مضمونه وعظَمته، وكان مشرقاً في روحانيته، وكان هادٍ في مسيرته.
طينٌ وسَعَفُ نخل وشيءٌ من خشب؛ لكن:
كفاك عن كل قصر شاهق عمد بيتٌ من الطين أو كهف من العلمِ
تبني الفضائل أبراجاً مشيدة نصب الخيام التي من أروع الخيمِ
ودخله ﷺ وقال: الله أكبر، ومن يوم قال فيه: الله أكبر؛ انتهت الوثنية، ودُمِّر الإلحاد والزندقة، ودُمِّر كل مبدأ ضال إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها.
ووقف ﵊ خطيباً يوم الجمعة، يذرف بالكلمات الصادقة من على المنبر؛ ليقول للناس: مسجدنا هنا
стр. 5605
تعاليم الإسلام تعرض على المنبر
وَايْمُ الله لقد أعجبتني واستأسَرَتْني كلمة للأديب البارع الأستاذ علي الطنطاوي في كتابه قصص من التاريخ، وهو يتحدث عن المساجد في لمحة، تحت عنوان: (نحن المسلمون).
يقول في كلمته: سلوا كل سماء في السماء عنا، وسلوا كل أرض في الأرض عنا، سلوا الجزيرة وفيافيها، سلوا دجلة ورياضها وحقولها، سلوا الفرات وواديه، سلوا الشام وأنهارها، سلوا كل إنسان عنا.
ثم قال: مبادئنا تُعلَن كل يوم جمعة من على المنبر، نحن ليس عندنا أسرار ولا ألغاز، لسنا في حقائب فيها ألغام، أسرارنا وألغازنا ننثرها يوم الجمعة على الناس، ونعلن مبادئنا من على المنارة (الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر) وهذه كلمة لا بد أن تُنْشَر للناس.
فمبادئنا وإعلاننا ورسمياتنا وسرائرنا تُعْلَن كل جمعة من على المنبر.
وفَعَلَ ﷺ ، فقد أُخِذ المسجدُ للخطابة؛ فكان يخطب يوم الجمعة، وكان من أبرع من خلق الله في الخطابة.
يقول شوقي:
وإذا خطبت فللمنابر هزة تعرو الندي وللقلوب بكاءُ
إي والله، لا تسمع للمسجد إلا حنيناً ودَوِيَّاً من البكاء؛ لأنه صادق، وتعاليمه صادقة كالفجر، أرأيتَ الفجر؟
أليس الفجرُ واضحاً؟
فتعاليمه ﷺ كالفجر، فهو يعلنها يوم الجمعة من على المنبر ﵊.
يقول جُوْلْد زيهر، هذا المجري الخبيث: أنا لا أعجب من محمد أن يبعثه الله بعد الأربعين نبياً، فقد بعث الله قبله أنبياء وأنبياء؛ لكن أعجب أنه ما تعلم ولا درس ولا كتب ولا قرأ، ثم يقول الله له: سر في الناس واخطب في الناس، فإذا هو أفصح فصيح وأخطب خطيب!
شهد الأنام بصدقه حتى العدا والحق ما شهدت به الأعداءُ
إيْ والله، الضاد على لسانه أجرى من الماء الزلال، يسبي القلوب بعباراته: ﴿إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى * عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى * ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوَى﴾ [النجم:٤ - ٦].
стр. 5606
مكانة الأدب في المسجد
والرسول ﷺ جعل من المسجد منتدىً أدبياًَ:
بِ حَسَّان وجَدَ له ﷺ في دعوته تخصصاً، فنحن أمة التخصص وأمة الشمول، وأمة الأصالة والعمق، لا نقول للأديب: ليس لك مجال عندنا، نحن مصلون صائمون معتكفون، أما الأدب فلا نحسنه!
لا، من يُحسن الأدب إلا نحن، نحن أمة الإيمان والحب والطموح، كما قال إقبال.
ويقول أبو الحسن الندوي: ونحن أمة الفن والحب والجمال.
لكن فننا وحبنا وجمالنا من المسجد، حيث يطلقه ﷺ .
في المسجد يقول لـ حسان: ﴿اهجُهم وروح القُدُس معك﴾ ويقرب المنبر بيديه الشريفتين ﷺ ، فيضع المنبر لـ حسان، ويدلف حسان ويتكلم بقصائده الرنانة التي تقع كالسهام، أو كنضح السهام على وجوه المشركين.
стр. 5607
قصة وفد بني تميم
وفي السير لـ ابن إسحاق وابن هشام، بسَنَدَين جيِّدَين، قالا: أتى وفد بني تميم -بنو تميم قبيلة عملاقة من قبائل العرب الشهيرة- إلى المدينة لتُسْلِم، وقد أتى وفدها في العام العاشر أو التاسع ليُسْلِم، فقدم الوفد وكانوا ثمانية، اختيروا اختياراً في مجالات التخصص، فأخذوا معهم حليم العرب قيس بن عاصم، والأديب الخطيب عطاء بن حاجب بن زرارة وعمرو بن الأهتم المدره، والشاعر الزِّبرقان بن بدر، إلى مجموعة أخرى، وقدموا إلى الرسول ﵊، وقالوا -وهم الذين نادوا من وراء الحجرات -: يا محمد! نحن لا نسلم حتى تبارينا في مسجدك، ونفاخرك وتفاخرنا، ويسمى هذا -كما ذكره ابن قتيبة -: المناثرة، والمناثرة عند العرب: أن يأتي وفد لوفد، فيذكرون مآثرهم وتاريخهم في الجاهلية، فمن غلب أسند له القياد، وسُلِّمَت له الحكومة، فقالوا: نباريك، قال: بماذا؟ قالوا: معنا خطيب وشاعر، ونريد خطيبك وشاعرك.
والرسول ﷺ لم يتأخر، فعنده الإمكانيات، وعنده القدرات، وفي المسجد ﵊ دعا ابن رواحة، فقال ابن رواحة: أنا شاعر المُهْلَة، أي: لا أستطيع في البداهة أن أنْظِم قصيدة، فدعا حساناً وأتى وفد بني تميم، واجتمع الناس، وارتقى الزِّبرقان بن بدر على المنبر ليقول:
نحن الكرام فلا حي يعادلنا منا الملوك وفينا تُنْصَبُ البِيَعُ
إلى قصيدة تقارب الخمسين.
والرسول ﵊ يستمع إليه والصحابة، ويريدون أن تعتلي قصيدة حسان قصيدة ذاك المشرك الذي يريد الإسلام.
وقام حسان؛ ودعا له الرسول ﵊ أن يؤيَّد بروح القُدُس الذي هو جبريل، فقام في الحال، وألقى قصيدته الفذة البارعة النادرة في تاريخ الأدب، حيث قال:
إن الذوائب مِن فِهْرٍ وإخوانهم قد بينوا سنناً للناس تُتَّبَعُ
يرضى بها كل من كانت سريرته تقوى الإله وبالأمر الذي شرعوا
فلما انتهى قال بنو تميم: غلب شاعرُك شاعرَنا.
وقام خطيبهم وألقى خطبة، فقال ﵊: ﴿أين ثابت بن قيس بن شماس؟﴾ فهو يعطى القوس باريها، وأهل التخصصات تدفع إليهم التخصصات.
فقام ثابت، فألقى خطبة، فغلب خطيبهم، فأسلموا، وأعلنوا إسلامهم.
بهذا العمل يتبين أن المسجد أكبر مما يتصوره كثير من الناس، فهو يصلح أن يكون منتدىً أدبياً، تُلْقَى فيه الأمسيات، وتعقد فيه الندوات.
стр. 5608
حكم إنشاد الشعر في المسجد
وفي صحيح البخاري: باب إنشاد الشعر في المسجد.
هل يُنشَد أم لا؟
يتساءل الإمام الفذ العبقري البخاري: هل يُنشَد الشعر في المسجد؟
قال: [[مرَّ عمر ﵁ وأرضاه وحسان ينشد في المسجد فانتهره، فقال حسان لـ عمر: قد كنتُ أنشد وفيه من هو خير منك -يعني بهذا: رسول الله ﷺ فالتفتَ عمر إلى أبي هريرة كالمستشْهِد، فقال أبو هريرة: نعم]].
стр. 5609
فضل بناء المساحد وبعض أحكامها
والرسول ﷺ فضَّل بناء المساجد:
فقد أعلن أن من بنى مسجداً لله بنى له الله بيتاً في الجنة، ولو كان هذا المسجد في الدنيا، مثل مفحص قطاة، والقطاة: طائر معروف، ولذلك يقول الأول:
أسرب القطا هل من يعير جناحه لعلي إلى من قد هويت أطيرُ
فيقول ﵊: ﴿من بنى لله مسجداً ولو كمفحص قَطاة، بنى له الله بيتاً في الجنة﴾ وفي رواية: ﴿قصراً في الجنة﴾ ﴿إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ﴾ [التوبة:١٨] والمشرك، والرِّعْدِيد، والفاجر، لا يعمرون المساجد: ﴿مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَنْ يَعْمُرُوا مَسَاجِدَ اللَّهِ﴾ [التوبة:١٧] ما لهم وللمساجد، فالمساجد لا يعمرها إلا كل مخلص بالذكر والعبادة والإيمان والحب والطموح.
стр. 5610
حكم اتخاذ القبور مساجد
والرسول ﵊ نهى أن توضع المساجد على المقابر، أو المقابر في المساجد:
لماذا؟
لأن المساجد أُقيمت للتوحيد، وللتأصيل، والتوحيد نقي من الخرافة والتخلف والرجعية.
والخرافيون يجمعون بين القبر والمسجد، والمسجد والقبر.
وهو في سكرات الموت يقول ﵊ في الصحيحين: ﴿لعن الله اليهود والنصارى؛ اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد﴾.
فالمسجد ليس بقبر، بل هو حياة وإشراق، والقبر موت ومحاسبة، إما روضة من رياض الجنة أو حفرة من حفر النار.
لذلك نهى ﷺ عن الصلاة إلى القبور, والجلوس عليها.
стр. 5611
دور المسجد في المجتمع
وأنا أذكر هذا سرداً، وإلاَّ فأصول المحاضرة تنص على قضايا تَرِدُ إن شاء الله.
والرسول ﵊ أمر بالاعتناء بالمساجد:
ففي مسند الإمام أحمد -إمام أهل السنة والجماعة -: عن عائشة ﵂ قالت: ﴿أمر ﷺ أن تُبْنَى المساجد في الدور، وأن تُنَظَّف، وأن تُطَيَّب﴾ هذا الحديث حسن.
والدور: هي الحارات وملتقى الناس ومجامعهم.
فأمر ﷺ بالمساجد أن تبنى هناك، وأن تنظف وتطيب.
وتنظيفها: إخراج ما يشوب أصالتها وعمقها وجمالها وجلالها.
وتنظيفها: إخراج كل ما يكدِّر على المصلين صلاتهم، من غيبة ونميمة وصوت وضجة، فهذه من المقاصد المعنوية للمساجد.
وتطييبها: إدخال الروائح؛ ليجتمع كل من الجلال، والجمال، والكمال، والعظمة، والحب، والإيمان، والطموح.
стр. 5612
المسجد منطلق الكتائب
الرسول ﵊ جعل المسجد ثكنة عسكرية:
يقول أحد الرواة من الصحابة: ﴿دخلتُ المسجد والرسول ﵊ يخطب يوم الجمعة، فلما انتهى من الصلاة قام بأبي هو وأمي على المنبر، فأخذ الراية بيده، وهي راية سوداء اسمها: (راية العُقاب) -أو (راية العِقاب) عند ابن إسحاق - فناولها بلالاً، وناولها بلالُ عمرو بن العاص؛ ليذهب إلى غزوة ذات السلاسل﴾.
من المسجد تنطلق الكتائب، ومن المسجد تَدْلُف الجيوش الإسلامية، ومن المسجد ينطلق الجندي مؤمناً مفادياً عن عقيدته ومبدئه وأصالته، وفي المسجد جعل ﷺ إعلان الحروب على من أنشأها، ومن أراد تدمير الأمة.
وقف يوم الجمعة فندد بمشركين من مكة، وأعلن الحرب على أبي سفيان في الخطبة.
فالمسجد إذاً: تُدار فيه شئون المسلمين، وأمورهم الحربية والعسكرية؛ لأنه ثكنة عسكرية.
وقف ﷺ في خطبة على المنبر يوم أحد، واستشارهم في الخروج أو المكوث في المدينة، فقام كبار الصحابة، وقالوا: نرى أن نبقى في مدينتنا، فنقاتل العدو داخل السكك، وفي زقاق المدينة.
ووقف نعيم بن مالك بن ثعلبة -شاب في الثلاثين من عمره- فقال: يا رسول الله! لا تحرمني دخول الجنة، فوالله الذي لا إله إلا هو، لأدخلن الجنة، فقال ﷺ : بم؟
قال: بخصلتين -هذه المؤهَّلات، مؤهَّلات أهل الإيمان والحب والطموح- بأني أحب الله ورسوله ولا أفر يوم الزحف فقال الرسول ﷺ : صدقت.
وبدأ ﷺ بانطلاقه، لكن من المسجد، من المنبر، وذهب وعقد الراية، ووقعت المعركة.
يقول إقبال:
ومن الذي باع الحياة رخيصة ورأى رضاك أعز شيء فاشترى
أم مَن رَمَى نار المجوس فأُطْفِئت وأبان وجه الصبح أبيض نيرا
ومن الألى دكوا بعزم أكفهم باب المدينة يوم غزوة خيبرا
إنهم ذلك الجيل، جيل المسجد، الذين رضَعُوا أَلْبان الفهم من المسجد وفي المسجد دون غيره.
فهذه قضية.
من المسجد أطْلَق ﷺ صوت الجهاد:
جلس للناس بعد صلاة العصر، ودار الحديث في المسجد بينه وبين الصحابة في مسائل، وإذا برجل يأتي بناقة ومعه عصا، اسمه: عمرو بن سالم، والظاهر: أنه خزاعي -كما قال ابن هشام - فنزل من على راحلته، وأخذ يخترق الصفوف وهو يقول:
يا رب إني ناشدٌ محمدا حِلْف أبينا وأبيه الأتلدا
فانصر هداك الله نصراً أيدا وادعُ عباد الله يأتوا مددا
فيهم رسول الله قد تجردا أبيض مثل البدر يسمو مصعدا
إن قريشاً أخلفوك الموعدا ونقضوا ميثاقك المؤكدا
فهذا رجل يستنصر بالله، ثم بالرسول ﵊، فقد دخل هذا الرجل في حِلْف مع الرسول ﵊، أنه إذا اعتُدِي عليه من قريش، فإن الرسول ﵊ بدولته الإسلامية يتكاتف معه، ويسحق الباطل، فاعتُدِي عليه، فأتى يناشده بالميثاق الأول، وبالحلف الذي نُصَّ عليه في مكة.
فقام ﵊ وقال من على المنبر: ﴿نصرت يا عمرو بن سالم﴾.
стр. 5613
دور المسجد في التعليم والفتيا
من المسجد تُدار الأحاديث العَقَدية، ويُعَلَّم التوحيد:
فقد ثبت ذلك في الأحاديث، وفي الصحيحين: من حديث أنس، قال: كنا جلوساً مع رسول الله ﷺ وهو جالس بين أظهرنا على التراب -بنفسي محمد ﵊ وهو يجلس على التراب؛ لكنه يقود الأرواح إلى الواحد الوهاب .
ويجلس على التراب؛ لكنه يسافر بالأرواح ويخرجها من وثنيتها، ومن رجسها وكفرها.
وبينما هو جالس إذْ قَدِم رجل اسمه: ضِمام بن ثعلبة، أخو بني سعد بن بكر، فقال: أين محمد؟.
يسأل عن الرسول ﵊، قالوا: هو ذاك الرجل الأبيض الأمهق المرتفق، فقدم واخترق الصفوف إليه، وقال: يا بن عبد المطلب، لماذا لا يقول: يا رسول الله؟
لأنه أعرابي من بني سعد، وبنو سعد قبيلة أعرابية من أهل الطائف، والأعراب أهل الجفاء، في الجملة، والله يقول: ﴿لا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضاً﴾ [النور:٦٣].
فَقَدِمَ وقال: يا بن عبد المطلب، قال: ﴿نعم، قال: إني سائلك، فمُشَدِّدٌ عليك في المسألة، قال: سَل ما بدا لك وكان الرسول ﷺ متكئاً في المسجد، قال: من رفع السماء؟
قال: الله.
قال: من بسط الأرض؟ قال: الله.
قال: من نصب الجبال؟ قال: الله.
قال: أسألك بمن رفع السماء وبسط الأرض ونصب الجبال، آللهُ أرسلك إلينا رسولاً؟
وكان متكئاً ﵊، فتربع واحمر وجهه من عِظَم السؤال، أعظم أطروحة في تاريخ الإنسان وقعت في الدنيا هذا السؤال.
شرحه ابن تيمية في مجلدات، كلما مرَّ به شرحه وأعلن وضوح هذا الحديث -قال: اللهم نعم ثم أخذ يسأله عن أركان الإسلام حتى انتهى، فقال: أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أنك رسول الله، والله لا أزيد على ما سمعتُ ولا أنقص، أنا ضِمام بن ثعلبة أخو بني سعد بن بكر، ثم ولَّى، فقال ﵊: من سره أن ينظر إلى رجل من أهل الجنة فلينظر إلى هذا﴾.
والرسول ﵊ جعل المسجد للفُتيا وللدروس العامة:-
فقد كان يعقد الحلقات في المسجد، صباح مساء، وهو ﷺ يدري أن الدروس في المسجد بركة ونور، بل هي إيمان وحب وطموح.
وعلم المسجد يختلف عن أي مكان آخر، إنه أبرك وأنور وأوضح من الجامعة والكلية والمعهد، لا نقول ذلك من باب التفاضل بين المسجد وغيره، فهو أفضل بلا شك؛ ولا ننكر كذلك مسايرة العصر والتطور الحضاري الذي شهدته الدنيا، لتبقى الكليات كليات، والجامعات جامعات، ولكن لنقول للأمة المجاهدة، أمة الرسالة الخالدة، ليبقى المسجد مسجداً وجامعة وثكنة عسكرية ومجلس شورى ومحكمة قضائية ومنتدى، هذا الذي نريد أن نقوله هذه الليلة.
стр. 5614
تمريض المصابين في المسجد
والرسول ﵊ جعل المسجد مستشفى:
ففي صحيح البخاري: أنه ﷺ نصب خيمة لـ سعد بن معاذ، ليعوده من قريب.
وسعد بن معاذ هذا: أنصاري، أَوْسِي، مكث وعاش في الإسلام سبع سنوات، هي خير من سبعة قرون.
فسعد بن معاذ هذا: تاريخه مشرق، رجل فذ، قدم ﵊ المدينة فأسلم على يديه، وكان سيد قومه، أصِيب بسهم في معركة الخندق، فحُمِل إلى المسجد ليداويه ﵊ في المسجد.
ولذلك يتساءل الإمام البخاري مرة ثانية: باب: هل يوضع الجريح في المسجد؟
ثم أتى بهذا الحديث.
وسعد بن معاذ: لا يحتاج إلى تعريف -إيْ والله- بعض الأعلام إذا عُرِّفوا نُكِّروا.
يقول عمرو بن ربيعة المخزومي:
بينما يذكرنني أبصرنني عند قيد الميل يسعى بي الأغرْ
قلن تعرفنَ الفتى قلنَ نعمْ قد عرفناه، وهل يخفى القمرْ؟
مرض ﵁ وأرضاه، فلما أتته سكرات الموت، قال وهو في المسجد: [[اللهم إن كنتَ أبقيت حرباً لرسولك ﷺ مع اليهود فأبقني لها، وإن كنت أنهيت الحرب مع اليهود، فخذني إليك]].
هذا هو الحب، وهذه أمة الحب، لا حب المجون والعشق والوَلَه.
فنحن أمة الحب، لكن حب الله وحب رسوله.
فالحياة الحب، والحب الحياة؛ لكن لمن يستحق الحب، وهو الله ﵎.
والحديث لا بد أن يستطرد ليكون أشهى وأقرب للنفوس.
وهذا عبد الله بن عمرو الأنصاري: في معركة أحد، حضر المعركة وقُتِل، وقال الرسول ﵊ لأهله: ﴿ابك أو لا تبك، والله ما زالت الملائكة تظلله بأجنحتها حتى رفعتموه﴾ وقال: ﴿وقد كلمه الله كفاحاً بلا ترجمان فقال: تَمَنَّ يا عبدي! قال: أن تعيدني إلى الدنيا فأُقتل فيك ثانية، قال: إني كتبت على نفسي أنهم إليها لا يرجعون، فتمنَّ، قال: أتمنى أن ترضى عني، فإني قد رضيتُ عنك، فأحل الله عليه الرضوان، وجعل روحه في حواصل طير تسرح في الجنة، تشرب من أنهارها، وتأكل من ثمارها، وتأوي إلى قناديل معلقة بالعرش، حتى يرث الله الأرض ومن عليها﴾.
ومات سعد في المسجد.
قالت عائشة ﴿نظرتُ إلى الرسول ﵊ من صائر الباب -أي: من شق الباب- هو وأبو بكر وعمر، وقد مات سعد والله إني لأعرف بكاء الرسول ﷺ من بكاء أبي بكر من بكاء عمر﴾.
ولذلك يقول أبو بكر لما مات سعد -كما في سير أعلام النبلاء للذهبي -: [[واكسر ظهراه عليك يا سعد! واكسر ظهراه عليك يا سعد! واكسر ظهراه عليك يا سعد]].
وبعض الناس إذا توفي ماتت بموته أمم، وبعض الناس إذا مات نقص من العدد واحد:
لعمرك ما الرزية فقد مالٍ ولا شاة تموت ولا بعيرُ
ولكن الرزية فقد شهم يموت بموته بشر كثيرُ
قال ﵊ وهو يشهد مراسيم موت سعد بالمسجد: ﴿لقد نزل سبعون ألف ملك لحضور جنازته﴾.
شُيِّعَتْ جنازتُه، وبكى عليها ﷺ طويلاً طويلاً؛ لأنه من أخلص الصحابة، ومن أقربهم لخدمة المبادئ الأصيلة، ومن أحبهم إلى الله، ومضى ﵊ في جنازته وقال بسند جيد: ﴿لقد اهتز عرش الرحمن لموت سعد بن معاذ﴾ قال الذهبي: سنده حسن.
قد اهتز عرش الرحمن لموت سعد ﵁ وأرضاه.
قال حسان يفتخر باهتزاز عرش الرحمن:
وما اهتز عرش الله من موت هالك سمعنا به إلا لـ سعد أبي عمرو
انظر إلى الإنسان كيف يشرف وينبل بالعقيدة والمبادئ الأصيلة، فيهتز له عرش الله .
стр. 5615
بعض منهيات المساجد
والرسول ﵊ أمر ألا يُرْفَع في المسجد الصوت:
ونحن أمة النظام، وإذا لم نكن نحن أمة النظام فمن تكن أمة النظام، لا غوغائية في الإسلام، ولا فوضى في الإسلام.
стр. 5616
حكم البيع والشراء في المسجد
إن بعض المساجد شهدت الخصام والنزاع على أمور الدنيا.
إن بعض المساجد حُوِّلت إلى مكاتب عقار للبيع والشراء وللمقاولات وللمؤسسات.
إن بعض المساجد أصبحت كأنها شقق يعرض فيها المشاكل والغيبة والنميمة.
وهذه مخالفة لمنهج الإسلام في المسجد.
فالمسجد وقار وسكينة، والمسجد قرب من الله .
ولذلك نهى ﷺ عن رفع الصوت في المسجد.
ويظن أعداء الإسلام أن الإسلام لا يعرف النظام.
رستم قائد يزدجرد في معركة القادسية قال: أريد أن أرى المسلمين هذا اليوم، وذلك قبل المعركة بثلاثة أيام، وكان قائد المسلمين سعد بن أبي وقاص أحد العشرة، فأشرف رستم على المسلمين فوجدهم يصلون في مُصَلَّىً، وهم ثلاثون ألفاً، يكبر سعد فيكبرون، ويرفع فيرفعون، ويقرأ فينصتون، فأخذ رستم يعض أصابعه ويقول: علم محمد الكلابَ الأدب، بل علم محمد الأسود الأدب، وأما ذاك فهو الكلب الرِّعْدِيد، الذي أزالته سيوف التوحيد بعد ثلاثة أيام.
فنحن أمة النظام.
ولذلك نهى ﷺ عن التشويش في المسجد، ففي (الصحيح): أنه نهى ﷺ عن البيع والشراء في المسجد، وقال: ﴿من رأيتموه يبيع ويشتري في المسجد فقولوا: لا أربح الله تجارتك، فإن المساجد لم تُبْنَ لهذا﴾ أهذا سوق؟!
أهذا حراج؟!
أهذا مكتب عقار؟!
بل هذا مسجد، ومصلى، وهذا منبع للأرواح، وانطلاق للكلمة، ورفع للمسئولية.
стр. 5617
حكم إنشاد الضالة في المسجد
وصح عنه ﷺ أنه قال: ﴿إذا سمعتم الرجل ينشد الضالة في المسجد فقولوا: لا ردها الله عليك﴾ فهل المسجد للإعلانات؟! كلما ضيع أحدٌ حماراً أو ناقة أو دجاجة قام بعد الصلاة يلقي محاضرة على المسلمين أنه ضيعها، فمن وجدها بأوصافها وألوانها فليردها؟!
هذا معناه الفوضى، وإدخال الفوضى في الإسلام، والإسلام بريء من الفوضى والتشويش على المصلين.
فالرسول ﷺ نهى عن هذا، وقطع هذا.
стр. 5618
حكم إقامة الحدود في المسجد
وصح عنه ﷺ عند الحاكم وغيره: أنه ﷺ قال: ﴿لا تقام الحدود في المسجد، ولا يُسْتَقادُ فيها﴾.
فالجلد، والرجم، وقطع يد السارق، لا تقام في المسجد؛ لأن المسجد له مهمات أخرى غير هذه المهمات.
وصحيحٌ أن الأحكام والحدود تُعْلَن من على المنبر، ففي الصحيحين: من حديث عائشة: أن المخزومية لما سرقت أتوا يشفعون فيها، فغضب ﵊ فقام في المسجد على المنبر وقال: ﴿يا أيها الناس! إنما أهلك الذين كانوا من قبلكم أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه، وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد، واَيْمُ الله! لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعتُ يدها﴾.
قال الزهري: حاشا أن تسرق، ونحن نقول: حاشا أن تسرق بنت الرسول ﵊.
فأعلن الرسول ﷺ ولكنه نفذه خارج المسجد.
والمسجد - كما قلتُ - روضة من رياض الجنة:
يقول ﵊: ﴿إذا مررتم برياض الجنة فارتعوا﴾.
стр. 5619
أقسام الصحابة بالنسبة للمسجد
والصحابة كانوا في المسجد على أقسام:
منهم: مصلٍّ خارج أوقات الصلاة.
ومنهم: قارئٌ.
ومنهم مُتَبَتِّل.
ومنهم: عاكف.
ومنهم: مناجٍ لله .
عباد ليل إذا جن الظلام بهم كم عابد دمعه في الخد أجراهُ
وأسد غاب إذا نادى الجهاد بهم هبوا إلى الموت يستجدون لقياهُ
في الصحيح: أنه ﷺ مرَّ في الليل الدامس بمسجده، ومسجده كان قريباً من بيته ﵊ فسمع قارئاً يقرأ في الليل، لكن صوته كان عجيباً.
فقد أوتي أبو موسى مزماراً من مزامير آل داوُد، فصوته يسرى للقلوب، والصوت الجميل من المسجد ومن بيت الله له أثر، ولذلك ينبغي على الأئمة أن يحسنوا من أصواتهم، ليبعثوا هذا القرآن غضاً طرياً يدخل إلى القلوب فسمع ﷺ قراءة أبي موسى فأخذ يبكي معه ويلاحقه في الآيات، ويعيش معه عمق وأصالة القرآن وأثر القرآن.
وفي الصباح: قال: ﴿يا أبا موسى! لو رأيْتَنِي وأنا أستمع إلى قراءتك البارحة، لقد أُوتِيْتَ مزماراً من مزامير آل داوُد، قال: يا رسول الله! أئنَّك كنتَ تستمع لي البارحة؟ قال: إيْ والذي نفسي بيده! قال: -والذي نفسي بيده- لو علمتُ أنك تستمع لي لَحَبَّرْتُه لك تحبيراً﴾ أي: زينتُه وحسنتُه ليكون أبلغ وأوصل وأكثر تأثيراً وإبداعاً.
وهذا فيه دلالة على أن المسجد لا ينقطع دائماً، وأن من أراد أن يتنفل ويقرأ فليأت إلى المسجد.
стр. 5620
دور المسجد في تخريج الأجيال
والرسول ﵊ جعل المسجد جامعة كبرى، يُخَرِّج منها الأجيال:
أسمعتم أعلم من ابن عباس في التفسير، ما هي شهادتُه التي نالها؟
لا شيء، فلا ورق، فالأوراق تنتهي ويبقى العلم النافع، وقد نال ﵁ وأرضاه شهادة تبقى أبد الآبدين، وهي دعوته ﵊، يقول له: ﴿اللهم فقهه في الدين، وعلمه التأويل﴾ وهذا حديثٌ في الصحيحين.
فـ ابن عباس تخرَّج من المسجد، تعلم علماً جماً، حتى إن ابن تيمية يقول: أما ابن عباس فعلمه علم جم: ﴿ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾ [الحديد:٢١].
كان يَدْلِفُ بالعلم كالبحر، أرأيتَ البحرَ إذا دَلَفَ؟
أرأيت الأمواج إذا تكسر بعضها على بعض؟
فهذا مثل علم ابن عباس.
يقول مجاهد وأبو وائل، تلميذاه: [[وقف ابن عباس يوم عرفة بعد صلاة الظهر، فأخذ يشرح ويفسر سورة البقرة، آية آية، حتى غربت الشمس، والله ما تلعثم، ولا توقف، ولا تنحنح، ولا سعل، والله لو سمعه اليهود والنصارى لأسلموا عن بكرة أبيهم]].
بالله لفظك هذا سال من عسل أم قد صببت على أفواهنا العسلا
أمَّا المعاني اللواتي قد أتيت بها أرى بها الدر والياقوت متصلا
فهي جامعة المسجد التي أنشأها ﷺ ، وابن عباس يدخل إلى هذا المسجد ليتعلم علماًَ نافعاً.
يقول أحد تلاميذه: [[رأيتُ ابن عباس من بعد صلاة العشاء إلى صلاة الفجر، يردد آية واحدة، ويبكي حتى الصباح، وهي قوله : ﴿لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ وَلا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيّاً وَلا نَصِيراً﴾ [النساء:١٢٣]]].
دخل عثمان إلى المسجد ليجدد إيمانه في المسجد.
قال المَرْوَزي بسند جيد، وقال ابن حجر في الفتح، في كتاب الوتر: سنده صحيح: ثبت أن عثمان دخل المسجد، فقرأ القرآن في ركعة واحدة من أوله إلى آخره، من بعد صلاة العشاء إلى صلاة الفجر.
فهؤلاء جيل محمد ﵊: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾ [الأنعام:٩٠].
فمن المسجد تخرج ابن عباس، وتخرج عثمان.
من هو أقضى القضاة؟
هو علي بن أبي طالب.
ورَدَ في حديث يقبل التحسين عند الذهبي: أن الرسول ﵊ قال: ﴿أقضاكم علي﴾ علي بن أبي طالب، صاحب الكلمة الحية، والأدب الراقي.
يقول الأستاذ محمد أبو زهرة: لم يوجد بعد الرسول ﵊ أبلغ من علي بن أبي طالب.
علي بن أبي طالب رجل الكلمة، حتى إن ابن كثير يقول: باب في كلماته الحاصلة، التي هي إلى القلوب واصلة.
سئل علي بن أبي طالب: [[كم بين العرش والأرض؟ قال: دعوة مستجابة]].
قالوا: [[كم بين الشرق والغرب؟ قال: مسيرة الشمس يوماً]].
كلامه يصل إلى القلوب، وأنا لستُ في معرض كلامه؛ لكن ربما كانت فوائد هذا الاستطراد أعظم من التأصيل العلمي في المحاضرة.
في صحيح البخاري يقول علي: [[يا أيها الناس! إن الدنيا قد ارتحلت مدبرة، وإن الآخرة قد ارتحلت مقبلة، فكونوا من أبناء الآخرة، ولا تكونوا من أبناء الدنيا؛ فإن اليوم عمل ولا حساب، وغداً حساب ولا عمل]].
يقول علي وهو يمسك بلحيته ويبكي: [[يا دنيا يا دنية! طلقتك ثلاثاً، عمرك قصير، وزادك حقير، وسفرك طويل، آهٍ من وحشة الزاد وبعد السفر ولقاء الموت]].
تخرج علي بن أبي طالب من المسجد، وما درس في جامعة، ولا استقل بمدرسة، وليس له شيخ إلا محمد ﵊؛ ولكن سنده إلى محمد ﷺ إلى جبريل، إلى رب العالمين.
يقول أبو تمام:
سندٌ كأن عليه من شمس الضحى نوراً ومن فلق الصباح عمودا
أيْ والله، هذا هو العلم النافع.
ومن المسجد أتى زيد بن ثابت الفَرَضِي، الذي قال ﵊: ﴿أفرضكم زيد﴾ فهو أعلم الناس بالفرائض.
ومن عجب إهداء تمر لـ خيبر وتعليم زيد بعض علم الفرائضِ
فمن المسجد تعلم.
ومن المسجد تخرج حسان، الأديب الشاعر المُفَلق، الذي علمه ﷺ كيف يهجو المشركين، ودعا له بالتأييد من الله رب العالمين، وقرب له المنبر، وقال له: ﴿اهجهم وروح القُدُس معك﴾.
حسانُ ظَنَّ مَرَّةً أن الإسلام يعارض الشعر لَمَّا أنزل الله قوله: ﴿وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ * أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ * وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لا يَفْعَلُونَ﴾ [الشعراء:٢٢٤ - ٢٢٦] فأتى هو وكعب بن مالك وابن رواحة وتباكوا عند الرسول ﵊، فأنزل الله: ﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَذَكَرُوا اللَّهَ كَثِيراً وَانْتَصَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ﴾ [الشعراء:٢٢٧] فاستثنى المؤمنين الذين يعملون الصالحات، ويذكرون الله كثيراً، وينتصرون من الظالمين.
لا بد للمسلمين من شاعر، تنطلق ثقافته من المسجد، ولا بد لهم من قصصي، وصحفي، ومن ناثر ومن أديب، من خطيب؛ لكن ثقافته من المسجد.
فنحن أمة أهل التخصصات، ولا نعلن عجزنا في الساحة، ونقول: نحن للفتيا فقط، ونحن لمسائل الحلال والحرام، لا، مع ذلك نعلن أن في ديننا التكامل، وأننا نستطيع أن نغطي كل واجهة، ونسد كل ثغرة.
فمن المسجد أخرج ﷺ الخطباء والأدباء، كـ حسان وابن رواحة وكعب بن مالك، وثابت بن قيس بن شماس.
стр. 5621
ضرورة تنزيه المسجد عن الأدناس
والرسول ﷺ أمر بالمسجد في الإسلام أن يُنَزَّه من الأدناس:
يقول كما في سنن أبي داوُد بسند جيد: ﴿إني لا أحل المسجد لحائض، ولا جُنُب﴾ فمساجدنا عظيمة ومقدسة، ومساجدنا قريبة من الله.
فلا يدخلها الجنب: إلا عابر سبيل، كما قال فللجنب أن يعبر من المسجد من الباب الأيمن إلى الأيسر، من أوله إلى آخره عابراً لحاجة، ومنتقلاً لغرض بدون أن يتوقف، فله ذلك: ﴿إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ﴾ [النساء:٤٣] أما أن يجلس فلا؛ لأنه على جنابة, فهذه بيوت الله.
والحائض لا تدخل المسجد: ﴿إني لا أحل المسجد لحائض ولا جنب﴾ وفي الصحيح من حديث عائشة قالت: ﴿كان ﷺ يخرج لي رأسه من المسجد فأُرجله وأنا حائض﴾ وهو معتكف ﵊، فلم تدخل إليه ﷺ ؛ لأنها حائض، ولم يخرج إليها؛ لأنه معتكف، فأخرج إليها رأسه الشريف ﷺ .
стр. 5622
دور المسجد في تقوية رابطة الأخوة
روح الإخاء يبثه المسجد:-
الدين هو الذي يجمع الإخاء! فنحن أمة لا يجمعنا الدم، كما قال القوميون!!
وأمة لا يجمعنا اللسان، ولو أن اللسان من ضمن الروابط الطيبة؛ لكن أعظم رابطة؛ الدين.
وأمة لا تجتمع على الجنس، فليس عندنا تمييز عنصري، لا أبيض ولا أسود ولا أحمر ولا بنفسجي.
فنحن أمة ندين بالولاء لـ (لا إله إلا الله).
بلالٌ العبد الحبشي أخونا وحبيبنا، وأبو لهب السيد الأَصْيَد القرشي عدونا وبغيضنا.
يقول أبو تمام، الشاعر المُفَلق في الإخاء بين المسلمين:
إن كِيْد مطرف الإخاء فإننا نغدو ونسري في إخاء تالدِ
أو يختلف ماء الوصال فماؤنا عذب تحدَّر من غمام واحدِ
أو يفترق نسب يؤلف بيننا دين أقمناه مقام الوالدِ
لا فُضَّ فُوك، إي والله:
أو يفترق نسب يؤلف بيننا دين أقمناه مقام الوالدِِ
فمن المسجد نتآخى، ومن المسجد نتعارف، وفي المسجد نتعاون.
نعرف أن فلاناً تخلف؛ فنسأل عنه، إن غائباً حفظناه في أهله، وإن مريضاً عدناه، وإن كان عليه مصيبة واسيناه.
من المسجد نعرف أهل الريادة والأصالة الذين يُصَلُّون.
أصالتنا ديننا، وعمقنا أدبنا، وحسبنا تقوانا.
ولذلك يقول الحسن:
[[لا يُعدَمُ مرتادُ المسجد خمساً: آيةً يفهما، أو حديثاً يتدبره، أو أخاً يستفيده، أو ذنباً يغفر له، أو حسنةً تكتب له]].
إي والله، وإذا لم تكن المساجد هي مزرعة الصالحات، فأي مكان تكون؟
стр. 5623
فضل صلاة الجماعة على صلاة الفرد وأهميتها
قال ابن حجر، وهو يشرح حديث: ﴿تفضل صلاة الجماعة على صلاة الفرد بسبع وعشرين درجة﴾ قال: إنما تفضل بالدرجات لكثرة من مشى ومن سار بتعظيم الحسنات في المسجد.
مشيك إلى المسجد حسنة، ودخولك المسجد وذكرك حسنة، وتحية المسجد حسنة، ووقوفك في الصف لتعلن تضامن المسلمين حسنة، وسماعك الإمام حسنة، تسليمك على الملائكة في الميمنة والميسرة حسنة، ومصافحتك لأخيك حسنة، وسؤالك عن أخيك حسنة، وقهر الكفار، وترغيم أنوفهم برؤية اجتماع المسلمين حسنة إلى سبع وعشرين حسنة.
والذي يصلي في بيته بلا عذر، يعلن الانهزامية، والفشل.
ولذلك يقول : ﴿وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾ [البقرة:٤٣] أي: في المسجد.
ويقول : ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ﴾ [النور:٣٦].
ويقول : ﴿إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ [التوبة:١٨].
وفي سنن الترمذي بسند فيه نظر: يقول ﵊: ﴿إذا رأيتم الرجل يعتاد المسجد، فاشهدوا له بالإيمان﴾.
لكن هذا الحديث في سنده درَّاج أبو السمح، روايته عن أبي الهيثم ضعيفة، لكن معناه صحيح.
﴿إذا رأيتم الرجل يعتاد المسجد، فاشهدوا له بالإيمان﴾ فنحن شهداء الله في أرضه.
قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً﴾ [البقرة:١٤٣].
من رأيناه يعتاد المسجد، ويحب الصلاة، ويداوم على الخمس الصلوات في المسجد، قلنا: نشهد لك أمام الله يوم العرض الأكبر أنك من المؤمنين.
ومن رأيناه يتخلف، أو يقصر، أو يتأخر علمنا أن في قلبه شبهة وشك ونفاق.
في صحيح مسلم عن ابن مسعود ﵁ وأرضاه قال: [[إن رسول الله ﷺ سن لكم سنن الهدى، وإن الصلوات الخمس من سنن الهدى، والذي نفسي بيده! لا يتخلف عن الصلاة إلا منافق معلوم النفاق، ولقد كان يؤتى بالرجل يُهادَى به بين الصفين حتى يقام في الصف]].
أتعرف ما هي الميتة الحسنة؟
الميتة الحسنة: أن يتوفاك الله وأنت ساجد.
قال ثابت بن عامر بن عبد الله بن الزبير -كما ذكر ذلك الذهبي عنه بسند حسن-: [[اللهم إني أسألك الميتة الحسنة، قال له أبناؤه: ما هي الميتة الحسنة؟، قال: أن يتوفاني ربي وأنا ساجد]].
فأتته سكرات الموت، وأذان المغرب يرتفع حَيَّاً على الهواء، على هواء التوحيد إلى آذان الموحدين، فقال: [[احملوني إلى المسجد قالوا: وأنت في سكرات الموت، أنت معذور قال: أسمع حي على الصلاة، حي على الفلاح وأموت في بيتي؟! لا والله]] إنها القلوب، إنه الشوق، إنها حرارة الإيمان.
فحملوه على الأكتفاف، فلما وضعوه، صلى وهو جالس، فلما أصبح في السجدة الأخيرة قبض الله روحه، هذه هي الميتة الحسنة.
أبو ريحانة، التابعي الكبير، مات وهو ساجد لله رب العالمين، إماماً بالناس.
علي بن الفضيل بن عياض، ابن العلامة الكبير والزاهد النحرير الفضيل بن عياض: قرأ أبوه في سورة الصافات: ﴿وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْؤُولُونَ * مَا لَكُمْ لا تَنَاصَرُونَ﴾ [الصافات:٢٤ - ٢٥] فركع علي وقام ثم سجد وقبض الله روحه وهو في السجود.
ذكر ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية.
إنها القلوب التي تأبى أن تتأخر يوم تسمع نداء حي على الصلاة، حي على الفلاح.
يقول محمد إقبال -واسمحوا لي إذا أكثرت من كلام محمد إقبال، فهو شاعر الإيمان والحب والطموح- في وصف المسلمين، يوم يسمعون (الله أكبر) في المعركة، فيتركون السيوف، ويستقبلون الحجاز -أي: الكعبة-:
نحن الذين إذا دعوا لصلاتهم والحرب تسقي الأرض جاماً أحمرا
جعلوا الوجوه إلى الحجاز فكبروا في مسمع الروح الأمين فكبرا
يوم تأتي المعركة، ويدعو داعٍ: (الله أكبر، الله أكبر) توضع السيوف، وتبدأ الصفوف، وتأتي صلاة الفرض، فلا يعذر إلا من عذره الله عن التخلف.
أتى أعمى ذهب بصره، وقال للرسول ﵊: ﴿الوادي بيني وبين المسجد مسيل، والليل مدلهم، والأرض مخيفة ذات سباع، فهل لي من عذر؟ فعذره، ثم عاد فقال: هل تسمع حي على الصلاة، حي على الفلاح، قال: نعم.
قال: فأجب، فإني لا أجد لك رخصة﴾.
وقل لـ بلال العزم من قلب صادق أرحنا بها إن كنتَ حقاً مصليا
توضأ بماء التوبة اليوم مخلصاً به تَرْقَ أبواب الجنان الثمانيا
من المسجد نتعارف، وفي المسجد نتعارف، ومن المسجد يبدأ التعاون والتكاتف والتضامن.
لا نعرف المريض أنه مرض إلا من المسجد فنزوره.
ولا نعرف من فارقنا، ومن سافر من ديارنا إلا من المسجد.
ولا نعرف من أصابه أمر يحزن إلا من المسجد فنواسيه.
ولا نعرف من أتت له بشارة إلا من المسجد فنعيش البشارة معه؛ لأن المؤمن يفرح لفرح أخيه، ويحزن لحزن أخيه.
ثم قضايا لا تغيب عن البال في المسجد، منها:
الاعتكاف في المسجد:
الحنابلة يقولون: لا حد لأقل الاعتكاف، ومنهم من يقول: ولو ساعة، فالدقائق المعدودة التي تجلسها: اعتكاف، فاليوم: اعتكاف، واليومان: اعتكاف، واليوم والليلة عند المحدثين: هو أقل حد للاعتكاف.
والصحيح: أنه لا حد لأقل الاعتكاف؛ فأنت في جلوسك وأنت تنتظر الصلاة، في المسجد اعتكاف.
صح عنه ﷺ أنه قال: ﴿لا تزال الملائكة تصلي على أحدكم، مادام في مصلاه الذي صلى فيه، تقول: اللهم اغفر له، اللهم ارحمه، اللهم تب عليه﴾ أو كما قال ﵊.
فهنيئاً لرواد المساجد، وهنيئاً لضيوف الله، يوم يأتون في المساجد فيذكرون الله، ويسبحون الله، ويقرءون القرآن.
قال عمر وهو يرسل أبا موسى الأشعري، إلى الكوفة: [[يا أبا موسى! إياك أن تأتي إلى قوم في المساجد يقرءون القرآن، لهم دوي كدوي النحل بالقرآن، فتشغلهم بمسائلك]].
إذاً: فالمسجد من مهماته الاعتكاف، أن تبقى فيه كلما وجدت ساعة أو فراغاً أن تتوضأ في أي وقت وتذهب إلى المسجد لتعتكف فيه.
يقول ابن الوزير، علامة اليمن في القرن الثامن:
فساعة في مجلس واحد أفضل من ملك ملوك الملوكِ
إيْ والله، تعفير الوجه لله، والبكاء من خشية الله، وذكر الله، وتلاوة كتاب الله، أفضل -والله- من ذهب الدنيا، وفضة الدنيا، وقصورها وجاهها.
ولذلك ذكر أهل التراجم عن شيخ الإسلام ابن تيمية الجهبذ العَلَم، ذاك الرجل الذي يُعتبر رجل ألف سنة، ليس مائة سنة، بل ألف سنة، يقول ذاك المجري الذي هاجم السنة: وضع ابن تيمية ألغاماً في الأرض، فجَّر بعضها محمد بن عبد الوهاب، وبقي بعضها لم يفَجَّر حتى الآن.
ابن تيمية يقول عنه الذهبي: كان جده قمراً، وأبوه نجماً، وابن تيمية شمساً، فمحونا آية الليل وجعلنا آية النهار مبصرة.
كان يذهب إلى المسجد، فيعفر وجهه في المسجد، ويقول: يا معلم إبراهيم علمني، ويا مفهم سليمان فهمني.
стр. 5624
من أحكام المسجد
стр. 5625
حكم النوم في المسجد
المسجد من أحكامه: أنه لا بأس من النوم فيه.
لأن هذه لا بد أن نعرفها؛ لكن لا يتخذ المسجد مقهىً ولا فندقاً ولا سكناً للنوم.
لكن يجوز للحاجة: كأن إذا أتى غريب، ولم يجد ما يمكنه من النوم خارج المسجد.
فنقول: إن من أعوزه المبيت فله أن ينام في المسجد بشرط ألا يجد مكاناً آخر.
ولذلك يتساءل البخاري في صحيحه: هل يُنام في المسجد؟
قال: نعم.
ثم أتى بالحديث: قال ابن عمر: ﴿>كنتُ رجلاً أعزب أنام في المسجد﴾.
ولذلك يقول ابن عمر في صحيح البخاري: ﴿تمنيت أن أرى رؤيا﴾.
لأن الصحابة كانوا يرون رؤيا فيلقونها على رسول الله ﷺ ، والرسول ﷺ يفتيهم في الصباح، قال: ﴿تمنيت أن أرى رؤيا، وأنا كنت أعزب أنام في المسجد، فرأيتُ في المنام كأن رجلان أتياني فأخذا بيدي، أحدهما باليمنى، والآخر باليُسرى، فذهبا بي إلى بئر مطوية، فأشرفت عليها ولها قرنان -أي: رعلتان أو خشبتان- فوجدتُ أناساً فيها يتضاغَون -كأنها العذاب، وهي النار نعوذ بالله من النار- فقال لي الملكان: لَمْ تُرَعْ، لَمْ تُرَعْ، ثم ذهبا بي، فرأيت جزيرة خضراء فأعطياني قطعة من إستبرق، لا أشير بها إلى مكان، إلا طارت بي إلى ذاك المكان، فلما أصبحتُ في الصباح أخبرتُ أختي حفصة، فعَرَضَتْها على الرسول ﵊ فقال: نِعْم الرجل عبد الله لو كان يصلي من الليل﴾.
стр. 5626
حكم الكلام في المسجد
كَثُر تداول هذه المسألة بين المسلمين، عن التحدث في المسجد، هل هو جائز أو ممنوع.
وهذه القضية فيها تفصيل.
أما الحديث الذي يقول: ﴿الكلام في المسجد يأكل الحسنات كما تأكل النار الحطب﴾ فلا يصح عنه ﷺ ، وهو باطل.
والرسول ﵊ ثبت أنه تكلم في المسجد في الأمور المباحة.
وفي حديث جابر بن سَمُرة، كما في الحديث الحسن، قال: ﴿كنا نتحدث بعد صلاة الفجر في المسجد بأخبار الجاهلية، والرسول ﷺ معنا، فنضحك ويتبسم﴾.
فلا بأس بالحديث العام في المسجد؛ لكن بشروط:
١ - ألا يكون فيه ذنب كأن يكون فيه غيبة، فيحرم في المسجد، والمجلس، والشارع، وفي كل مكان، فالغيبة تحرم في كل مكان، وبالخصوص في المسجد، أو يكون نميمة أو زوراً أو تجريحاً للناس في أعراضهم، وهذا يدخل في الغيبة.
٢ - وكذلك يحرم الكلام إذا شوش على المصلي: فإنه يوجد من الظواهر عند بعض الناس أنه يجعل المسجد -كما أسلفتُ- بيعاً وشراءً، وخصومة، ومشاكل، وعرض معيشته، وما جرى لأطفاله وزوجته وأولاده وأخواله، وهذا غير ما بُنِيَت له المساجد، فلا بأس بالحديث المباح في المسجد للحاجة؛ كأن تسأل الرجل عن صحته، وعن ولده، وسفره، وقدومه وممتلكاته، فلا بأس بهذا، وقد فعله ﷺ وأصحابه، ولذلك أورد بعض أهل العلم أبواباً منها: الأكل والشرب في المسجد، وهو جائز كذلك؛ لكن بشرط ألا يدنس المسجد، أو لا يكون عرضاً لإهانة المسجد، أو لإدخال الأذى في المسجد.
стр. 5627
حكم تحية المسجد
من القضايا التي أريد التنبيه عليها: تحية المسجد:
السنة في الإسلام أن إذا دخلت المسجد أن تصلي ركعتين، ففي الحديث الذي اتفق عليه البخاري ومسلم عن أبي قتادة قال: قال ﵊: ﴿من دخل منكم المسجد فلا يجلس حتى يصلي ركعتين﴾ وهذا على العموم، ولا يخصصه شيء، بل هذا إن شاء الله هو الحديث الخاص الذي يخصص عموم قوله ﷺ في حديث أبي هريرة: ﴿لا صلاة بعد الفجر حتى تطلع الشمس، ولا صلاة بعد صلاة العصر حتى تغرب الشمس﴾ فمن دخل في أي وقت فله أن يصلي ركعتين، حتى بعد العصر، وحتى بعد الفجر؛ لأن هذه من ذوات الأسباب، وهي فتيا فقهاء المحدثين، حتى كبار علمائنا في هذه البلاد من أهل الحديث قد أفتوا بذلك.
فمن دخل ولو في وقت نهي، فلا يجلس حتى يصلي ركعتين، ولو كان الخطيب واقفاً على المنبر، ففي صحيح مسلم من حديث جابر قال: ﴿قدم سُلَيك الغطفاني والرسول ﵊ يخطب الناس فجلس، فقال: أصليتَ ركعتين؟ قال: لا.
قال: فقم وصلِّ ركعتين وأوجز﴾.
إذاً: فتحية المسجد لا بد منها لمن دخل في المسجد.
стр. 5628
حكم زخرفة المساجد
مما يُنَبَّه عليه في قضايا المسجد: تجميل المساجد، وتجميلها الجمال الذي يخرج بها عن حد العادة، فلا بأس بتنظيفها، فهي معلم حضاري، ولا بأس بتشييدها، ولا بأس برفع بنائها، أما وضع الخطوط التي تشغل المصلين، وكثرة التزيين، والتشطيب، وغيرها من الأمور التي تشغل الناس، فإن هذا منهي عنها.
وقد صح عن أنس من حديثه ﷺ أنه قال: ﴿ما أُمِِرْتُ بتشييد المساجد﴾.
وقال أهل العلم: التشييد: الزخرفة التي تفتن المصلين.
فأما بناؤها وإظهار عظمة المساجد وتوسيعها ورفعها، وكمالها في البناء، فهذا مطلوب في الإسلام، وأما إدخال كثير من الشخوص والشطوب والألوان التي تبهر العين وتأخذ النظر، فإنها تشغل المصلي، وهو أمر منهي عنه، فلْيُتَنَبَّه لذلك.
стр. 5629
واجبنا نحو المساجد
في هذا الأسبوع الذي عقد للمساجد حق علينا أن نعيش مع المساجد في غير هذا الأسبوع، وفيه بالذات.
وواجب المساجد علينا كمسلمين:
стр. 5630
المحافظة على الصلوات فيها
من حقوق المسجد علينا: المحافظة على الصلوات فيه، وهو أعظم واجب، فإنه هو الذي يطالبنا به الإسلام والرسول ﵊، وقد صح عن الرسول ﷺ في حديث صححه الإشبيلي وابن تيمية: ﴿من سمع النداء فلم يأت فلا صلاة له إلا من عذر﴾ وأما حديث: ﴿لا صلاة لجار المسجد إلا في المسجد﴾ فهو حديث ضعيف، وموقوف على علي ﵁.
وصح عنه ﷺ أنه قال: ﴿والذي نفسي بيده! لقد هممت أن آمر بالصلاة فتقام، ثم أخالف إلى أناس لا يشهدون الصلاة معنا فأحرق عليهم بيوتهم بالنار﴾.
فهذا واجبنا، وهو المحافظة على الصلاة في المسجد، لنظهر قوة وعظمة وأصالة الإسلام.
стр. 5631
حفظ القرآن والسنة فيها
ومن حقوق المساجد علينا: ألا تقتصر على هذه المهمة فقط، وهي الصلاة، بل نجعله مكاناً للدروس ومدارس لتحفيظ وتعليم القرآن وتفقيه أبناءنا في القرآن، وكذلك عقد الدروس والحلقات.
ولقد أحسنت إدارة الأوقاف يوم شجعت على إقامة الدروس والمحاضرات واللقاءات في المساجد، وهي انطلاقاً من أهدافنا الأصيلة في ديننا الإسلامي الخالد، الذي ينبني على أن يكون المسجد جامعة كبرى، وتعليماً للناس وتفقيهاً لأمور دينها؛ لأنه إذا بقي المسجد لآداء الصلاة دخل الناس عواماً وخرجوا عواماً، فلا يوجد في المسجد مُفَقِّه، ولا معلم، ولا مُوَعٍّ، ولذلك تقع الأمة في الأخطاء؛ يوم لا ينتصب طلبة العلم والدعاة في المساجد لتوعية الناس بالإسلام وإدخال الفهم في قلوب وأذهان عباد الله.
стр. 5632
عمارتها بالذكر
ومن حقوق المساجد علينا: أن نجتهد في عمارتها بالذكر، وتلاوة القرآن، والمحافظة -كما قلتُ- على النوافل فيها، والاعتكاف الطويل.
стр. 5633
بذل الجهد في عمارتها بالمال
ومن حقوق المسجد علينا: أن نجتهد في عمارتها بالبناء وبذل الجهد ودفع المال؛ ولو أن القائمين وولاة الأمور لم يقصروا في هذا الجانب، نسأل الله أن يزيدهم بصيرة، وعوناً وتسديداً بزيادة المساجد ولتوسعتها وعمارتها؛ لتكون مَعْلَماً حضارياً لهذه الأمة الرائدة، أمة (لا إله إلا الله).
стр. 5634
تنظيف المساجد وترتيبها
من حقوق المسجد علينا: تنظيفه، وترتيبه، ولا يبقى في موقف يزري بنا؛ لأن المسجد هو اللوحة العريضة التي تظهر جمالنا وجلالنا، فيكون منظماً منسقاً مرتباً، فنخرج منه الأذى.
ولذلك صح عنه ﷺ عند البخاري أنه قال: ﴿النخاعة -وفي لفظ: النخامة- في المسجد خطيئة، وكفارتها دفنها﴾ فلا بصاق، ولا أمور أو مخلفات أو فضلات، ولا قصاصات أوراق؛ لأن هذا يعارض رسالة المسجد وواجب المسجد على المسلمين.
وتنظيف المسجد لا يتوقف على فئة، ولو أن المعنيين قائمون بهذا؛ لكن على كل مسلم أن يدفع مهر الحور العين؛ لأنه ورد في كثير من الآثار: أن مهر الحور العين هو إزالة القِمامة من المسجد وتنظيف المساجد.
وفي ختام هذه الكلمة: أسأل الله أن يتقبل مني ومنكم صالح الأعمال، وأن يوفقنا وإياكم إلى سلوك الطريق المستقيم، وأن يهدينا وإياكم سبل السلام، وأن يوفقنا لبناء المساجد، وتعميرها، وإقامة رسالتها لنكون مخلصين قائمين بالمهمة.
ثم أعود فأشكر أهل الفضل على فضلهم، وأشكر النادي الأدبي مرة ثانية، الذي عرف أن من رسالته الدعوة إلى الله والقيام بحقوق المساجد.
стр. 5635
الأسئلة
стр. 5636
حكم المصافحة بعد الصلوات
السؤال
ورد في كلامك: أن مصافحة المسلم لأخيه صدقة، فهل تقصد بها المصافحة يميناً وشمالاً أم أنها بدعة، كما ورد في بعض الكتب؟ فإذا كان ذلك كذلك، فأرجو التنبيه، وجزاكم الله خيراً.
الجواب
المصافحة التي ذكر السائل، ذكر ابن تيمية: أن المصافحة بدعة، وأظن أن السائل يريد هذا.
فأقول: إن المصافحة إذا أتى ليصلي ثم رأى أخاه قادماً من سفر، أو غريباً أو له فترة في غيابه؛ فله أن يصافحه، وفي الحديث: ﴿﴾ أمَّا بَعْد الصلاة كما يفعله كثير من الجاليات من غير هذه البلاد، فهذا بدعة، ولا ينبغي أن يكون بعد كل صلاة يتصافحون، وما فعل السلف ذلك.
أما قبل الصلاة لغريب أو قادم، أو بعد الصلاة للمسافر، فلا بأس به، بل هو من الخير، ويدخل في عموم الأحاديث التي سنت ذلك إن شاء الله.
стр. 5637
حكم البحث عن صاحب الضالة في المسجد
السؤال
فضيلة الشيخ عائض، إذا وُجِدَت ضالة، فهل يجوز السؤال عن صاحبها في المسجد؟
أي: تأخذ حكم السؤال عن هذه الضالة في المسجد؟
الجواب
البحث عن من ينشد الضالة يأخذ حكم من ينشد الضالة؛ لأن المقصود: هو النهي عن التشويش في المسجد، وقد حصل بإنشاد صاحب الضالة، وقد اتفقت في العلة، هذه وهذه، فيُنهى عنه؛ لكن استثنى بعض أهل العلم إذا كان الناس يتجمعون خارج المسجد فله إذا خرج الناس من المسجد أن ينبههم على هذه الضالة، أو يبحث عن صاحب الضالة إن استطاع، أما داخل المسجد، فلا يجوز البحث عن الضالة ولا صاحب الضالة.
стр. 5638
حكم تحية المسجد عند كثرة الدخول والخروج
السؤال
إذا تكرر الدخول في المسجد، فهل تلزم ركعتا تحية المسجد؟
الجواب
يفصل أهل العلم في هذا، فيقولون: إذا خرج الداخل وانفصل انفصالاًَ عرفياً وطال الفصل، فعليه أن يجدد ركعتي الدخول وتحية المسجد، كأن يدخل ثم يخرج لعمل، أو يذهب إلى أمر طويل المدة، فعليه بركعتين.
أما الخروج الذي ليس فيه فصل، وليس فيه في العرف فصل، فتكفيه تحية المسجد الأولى, كأن يدخل فيصلي ركعتين ثم يخرج، ثم يدخل مباشرة فتكفيه الركعتين الأُول.
стр. 5639
حكم المصلى الذي لا تصلى فيه الصلوات الخمس
السؤال
إذا كان المسجد لا تقام فيه الصلوات الخمس، كأن يكون مسجداً في دائرة حكومية أو مدرسة، فهل يأخذ حكم المسجد أو المصلى، وتلزم فيه ركعتا تحية المسجد؟
الجواب
المصلى الذي في الدائرة الحكومية -مثلاً - أو في المدرسة إذا تُعُورِف عليه أنه مصلىً لهؤلاء الشباب، ولهذه الدائرة، وأصبح هو مصلاهم في الصلاة دائماً وأبداً، فإن له حكم المسجد، لكن قال بعض أهل العلم: في الصلوات الخمس، والذي أعرفه من المصليات هنا أنها ليست للصلوات الخمس، بل للظهر أحياناً وللعصر، فإذا كان والحالة هذه فلا يأخذ حكم المسجد، مثل اجتناب الحائض والجنب، وتحية المسجد، فلا يأخذ حكم المسجد، وإنما يسمى مصلى.
فالمسجد أو المصلى الذي يأخذ حكم المسجد هو ما عرف صلاة فيه خمس مرات في اليوم والليلة، وأصبح علماً على الصلاة فيه.
стр. 5640
حكم التشويش على المصلين بالقرآن
السؤال
ما حكم من يقرأ القرآن في المسجد والناس يصلون بصوت مرتفع ويزعج المصلين؟
الجواب
رفع الصوت بقراءة القرآن، قد ورد فيه حديث ضعيف: ﴿لا يُشَوِّش قارئكم على مصليكم، ولا مصليكم على قارئكم﴾ لكن هذا الحديث فيه ضعف، ويغني عنه حديثٌ: ﴿اقرءوا ولا تختلفوا في القرآن﴾ قال بعض أهل العلم: لا تخلتفوا برفع أصواتكم، والمعهود والمقصود من مقاصد الدين هو الخشوع في المسجد، فمن أظهر عليهم التشويش برفع صوته، فإنه يُمْنَع من ذلك، قال الإمام مالك فيما روى عنه ابن القاسم: من رفع صوته وشوش على الناس، أرى أن يُضْرَب بالنعال، ويُخْرَج من المسجد.
فهذه فتوى الإمام مالك، فحق على المسلم ألا يشوش على إخوانه في الصلاة.
لكن استثنى أهل العلم مسألة، قالوا: إذا كان في المسجد رجل يصلي، ورجل يقرأ، وبجانبه أناس لا يقرءون ويريدون الاستماع -كالعوام- فله أن يرفع صوته ليسمعوا ويستفيدوا من كلام الله .
следующие страницы →