Полный текст (10 391 стр.). Показаны 5986–6025 · переход к 5991.
стр. 5986
الخلاف في الفروع يقبل فيه العذر
وتجد من إساءة الأدب في الخلاف: التعميم في الأحكام، يقول: القبيلة الفلانية كلهم حمقى، والقبيلة الفلانية كلهم بخلاء، والقرية الفلانية كلهم جبناء، سبحان الله! لماذا هذا التعميم؟ التعميم عرضة للخطأ، ولا يجوز للمسلم أن يعمم إلا ما عمم الله ورسوله ﷺ ، وأجد في بعض الشباب يقول: الجامعة الفلانية ما تخرج إلا كسالى سبحان الله! عقليتك الجبارة حكمت على جامعة بأسرها ونحن نعرف فيها فطناء، يقال له: لماذا لم تدخل القسم الفلاني؟ يقول لك: دخلت فوجدتهم أبلد من البلداء، يا درة الزمان ويا قبة الفلك.
ومنها: التعالي في الخطاب تجد الإنسان إذا جادل أو كتب أو رد ولو كان طويلباً، يقول: قلنا وكتبنا ونبهنا، ولنا رد عظيم، وهو الذي نختاره، وهذا الذي يعجبنا؛ سبحان الله! وعمره خمس عشرة سنة، تجده يستطرد أحياناً في الحلقة الصغيرة مع الشباب، ويقول: والذي تطمئن إليه نفسي -ويضرب فخذه- بعد طول بحث وتأمل أن هذه المسألة كذا، وكذا وكنت أرى قبل سنوات هذه المسألة ثم بدا لي! كم عمرك حتى ترى قبل سنوات؟! فالتعالي في الخطاب من العجب وهو مذهب علماء الكلام والمناطقة، أما أهل السنة فهم متواضعون، أتى رجل يمدح ابن تيمية، قال ابن تيمية:
أنا المكدي وابن المكدي وهكذا كان أبي وجدي
يقول ابن تيمية: هكذا كان أبي وجدي فقراء مساكين، وكان يقول ابن تيمية في قصيدة فقرية له:
أنا الفقير إلى رب السماوات أنا المسيكين في مجموع حالاتي
وإذا مدح قال بيده هكذا: لسنا بشيء، ولولا الله ما عندنا شيء، وما لنا شيء، الفضل لله ، لكن تجد بعض الناس دائماً يحب تفخيم نفسه، يختم بنفسه حيث يقول: فضيلة الشيخ ويوقع، وإذا اتصل بالهاتف يقول: معكم الشيخ فلان، والناس العقلاء يستصغرونها، وتجده أحياناً يتفاخر بالمشيخة فتجد عليه عمامة وسط الناس، لكن يريد أن يبرز العمامة والنظارات وعكاز ومسبحة وبالسواك باليسرى ويتنحنح ويقول: السلام عليكم ورحمة الله، ويظهر لك كأنه العز بن عبد السلام.
أخي المسلم: كُنْ غبراء الناس، البس مثلما يلبس الناس، لا بأس أن تنزل منزلتك، إذا كنت عالماً جليلاً أو سلطاناً مقسطاً عادلاً، أو شيخاً موجهاً، أن تنزل منزلتك؛ لأن النزول عن المنزلة فيه شيء من الإسفاف، والتعالي على المنزلة كبر حتى تجد بعض الناس يتواضع تواضعاً بهيتاً ما هو صحيح، تجده في القرن الخامس عشر يحمل الحطب في السوق، تقول له: ما هذا، يقول لك: دعني أتواضع لله، لكن المسلم يكون وقوراً هادئاً، والحركات ليس مسئولاً عنها الإسلام.
стр. 5987
ابن تيمية من أكثر الناس احتراماً لخصومه
الآن تجد احترام أهل العلم في الردود مثل شيخ الإسلام ابن تيمية ما رأيت أكثر احتراماً منه في الردود والمناقشة، تجده يذكر بعض المعتزلة في بعض كتبه يقول: أحسن المعتزلة، لما أدخلوا الملاحدة في الإسلام، وأساءوا لما أوقفوهم في الاعتزال، فما أدخلوهم في مذهب أهل السنة حتى المعتزلة يذكر لهم حسناتهم لأن هذا هو العدل.
تجده مثلاً إذا رد على الصوفية قال: وفلان فيه خير وهو من أقربهم إلى الكتاب والسنة، وكان يدعو الناس إلى خير ولكن فيه كذا وكذا وكذا.
لكن بعض الناس بالعكس إذا قلت: في فلان خير يقول لك: بالعكس فيه كذا وكذا وكذا فذكر مثالبه.
стр. 5988
الأئمة الأربعة والصحابة لا يتعصبون
وذكر عن أبي حنيفة أنه قال: إذا خالف قولي السنة فاضربوا بقولي عرض الحائط، وكان الشافعي يقول: إذا رأيتموني عرفت الدليل وقلت بخلافه فاعلموا أن عقلي قد ذهب، ويؤثر أنه قال: إذا صح الحديث فهو مذهبي، وكان الإمام أحمد يقول: دع عنك رأي سفيان ورأي الأوزاعي وهؤلاء الأئمة ورأي مالك وخذا من حيث أخذ القوم، يعني من الكتاب والسنة.
كان الإمام مالك يقول: ما منا إلا راد ومردود عليه إلا صاحب هذا القبر ﵊؛ لأنه معصوم، فكانوا يتواضعون ولا يريدون أن يصروا على أخطائهم لو تجلت لهم وإلا فقد ظهر لبعضهم الخطأ فعاد.
وهكذا الصحابة، كان عمر ينبه على كثير من المسائل ﵁ وأرضاه فيعود وسوف أذكر لكم أمثلة من ذلك.
طرق أبو موسى على عمر ﵁ وأرضاه الباب واستأذن ثلاثاً فلم يأذن له عمر، فانقلب أبو موسى راجعاً ففتح عمر الباب فرأى أبا موسى مولياً فدعاه فأجاب، قال: مالك؟ قال: يقول ﵊: ﴿إذا استأذن أحدكم ثلاثاً فلم يؤذن له فليرجع﴾ فظن عمر أنه استحضر هذا الحديث -وعمر لم يسمع بهذا الحديث من قبل- قال: [[والله لتأتيني بمن يشهد لك أن الرسول ﷺ قال هذا الحديث أو ليكونن لي ولك شأن، فذهب أبو موسى خائفاً وجلاً إلى مجلس الأنصار وقال: أنقذوني من عمر تلوت له هذا الحديث فقال: ائتني بشاهد، قال له الأنصار: والله لا يأتي معك إلا أصغرنا قم يا أبا سعيد! إلى عمر، فقال: أشهد أن الرسول ﷺ قاله، فعاد عمر ﵁ إلى القول بهذا الحديث]] وغيرها كثير من القضايا، ولا يلزم من المجتهد أن يكون عالماً بكل الشريعة ولا يزال طالب العلم مستفيداً والمسلم عارفاً ما أراد الحق، ويلتمس الحق ويستفيد من كل قوم، والمتكبر أجهل الناس، ولذلك تحرم منه الفائدة ويحرم منه الحق؛ لأن الله يقول: ﴿سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِي الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لا يُؤْمِنُوا بِهَا وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ لا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلاً وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلاً﴾ [الأعراف:١٤٦] فالمتكبر مصروف عن الهداية.
من صور التكبر: أن كثيراً من الناس لا يحضر مجالس الذكر ولا المحاضرات؛ لأن المتكلم أصغر منه سناً، وأقل علماً، وقد ولد قبله بأربعين سنة، ولد في الحرب العالمية الأولى، وهو ولد بعد الحرب العالمية الثانية، فتجده ممنوعاً من الفائدة، والذين يحضرون يستفيدون وهو لا يستفيد، وإذا سمع كلمة صد عنها وقال: ليست صحيحة، همه المعارضة؛ لأنه تكبر فهو من أجهل الناس، والعرب تسمي المتكبر احمق، وهو الخطر الداهم الذي يهدد كثيراً من الناس إن لم يتداركوا أنفسهم.
стр. 5989
مسائل مهمة
أيها الإخوة الفضلاء: سوف يكون قريباً وقد وعدتكم أن يكون هذا الدرس محاضرة بعنوان تسهيل العقيدة.
هناك أمور أريد أن أنبه عليها، أيها الإخوة الفضلاء وهي كالتالي:
١/ مسائل خروج الرجال والنساء، أبواب مخصصة للنساء، لا يجوز للرجال أن يخرجوا منها فهي خاصة بالنساء وهذا من تقوى الله .
٢/ مسائل الأحذية؛ لأن ديننا دين نظافة؛ لأن الرسول ﷺ تحدث عن هذا القضايا لأصحابه، هناك أماكن مخصصة للأحذية توضع فيها لكنا فوجئنا بالناس في كل درس يأتون فيضعون أحذيتهم في هذا البهو الذي يصلى فيه كل جمعة ثم يخرجون ويعلمون أنهم قد أساءوا إلى المسجد، والمسجد إنما هو لذكر الله والطاعات.
٣/ منها أن كثيراًَ من الإخوة يأتي في غضون الدرس ويتخطى الصفوف حتى يقترب ويتخطى أعناق الرجال فيزاحمهم وهم أقدم منه وأفضل في المكان وأتوا من قبله هذا كذلك ليس وارد.
٤/ منها أنه إذا أقمنا للصلاة تزاحم الناس على الصف الأول حتى شق بعضهم على بعض وهذا ليس بوارد لكن تفسحوا ولا يضر المسلم أخاه.
٥/ منها أن كثيراً من الناس لا يعني كثيراً بهذه الدروس، وهذا للغائب وليس لكم، ويقول: ليس فيها جديد ولا أدري ماذا يريد هو من الجديد وعلى كل حال سوف يكون حقها أكثر من باطلها، وخيرها أكثر من شرها، لكن من المكاسب له أن يحضر وأن يأتي بمن يستطيع من زملائه وإخوانه حتى يستفيدوا لو لم تكن هناك فائدة إلا أن الله تعالى يقول في آخر المجلس انصرفوا مغفوراً لكم، وهذا من أعظم الفوائد وأجل المنافع.
стр. 5990
تنبيهات حول الدروس والمسجد والآداب
أيها الإخوة الفضلاء! سوف يكون قريباً وقد وعدتكم أن يكون محاضرة بعنوان تسهيل العقيدة.
هناك أمور أريد أن أنبه عليها، أيها الإخوة الفضلاء وهي كالتالي:
١/ مسائل خروج الرجال والنساء، أبواب مخصصة للنساء، هناك لا يجوز للرجال أن يخرجوا منها فهي خاصة بالنساء وهذه من تقوى الله .
٢/ مسائل الأحذية؛ لأن ديننا دين نظافة؛ لأن الرسول ﷺ تحدث عن هذه القضايا لأصحابه، هناك أماكن مخصصة للأحذية توضع فيها؛ لكنا فوجئنا بالناس في كل درس يأتون فيضعون أحذيتهم في هذا البهو الذي يصلى فيه كل جمعة ثم يخرجون وقد أساءوا إلى المسجد، والمسجد إنما هو لذكر الله والطاعات.
٣/ منها أن كثيراًَ من الإخوة يأتي في غضون الدرس ويتخطى الصفوف حتى يقترب، ويتخطى أعناق الرجال فيزاحمهم وهم أقدم منه وأتوا من قبله، هذا كذلك لا ينبغي.
٤/ منها أنه إذا أقمنا الصلاة تزاحم الناس على الصف الأول حتى شق بعضهم على بعض، وهذا ليس بوارد، لكن تفسحوا ولا يضر المسلم أخاه.
٥/ منها أن كثيراً من الناس لا يعتني كثيراً بهذه الدروس -وهذا للغائب وليس لكم- ويقول: ليس فيها جديد ولا أدري ماذا يريد هو من الجديد، وعلى كل حال سوف يكون حقها أكثر من باطلها، وخيرها أكثر من شرها، لكن من المكاسب له أن يحضر، وأن يأتي بمن يستطيع من زملائه وإخوانه حتى يستفيدوا، لو لم تكن هناك فائدة إلا أن الله تعالى يقول في آخر المجلس: انصرفوا مغفوراً لكم، وهذا من أعظم الفوائد وأجل المنافع.
стр. 5991
الدعوة إلى الله أمانة في أعناقكم
ومن المسائل التي أريد أن أنبهكم عليها، وأمامي فضلاء وطلبة علم ودعاة، والمناطق محتاجة والقرى والبوادي وتهامة محتاجة إلى الدعاة، وداعية وحده لا يفعل شيئاً، ويد واحدة لا تصفق، ولكن يحتاج إلى إخوة، وغالب الإخوة أساتذة وطلبة في الجامعات، فعليهم أن ينطلقوا بهذا الدين، قال تعالى: ﴿فَلَوْلا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ﴾ [التوبة:١٢٢] ولو أن يحتسب المرء مرة في الخميس والجمعة في سبيل دعوة إخوانه إلى القرى فينفعهم ويفيدهم، ويتكلم في المسائل التي تصلحهم، ويعظهم دون استثارات وإثارات، أو مسائل لا داعي لها، أو مسائل ليست من خصوصياتنا، إنما نحدث الناس عن الإيمان والعمل الصالح، وعن البدع والخرافات، ولو أن يأتي مثلاً: رسالة الصلاة أو رسالة الحجاب، أو رسالة التوحيد، أو رسالة ذم الغناء، أو رسالة في اغتنام الوقت، أو رسالة في القبر.
فيا أيها الإخوة: الله الله فقد تكلم من قبل سنة؛ بل من قبل سنتين في هذا الموضوع، لكن نرى أن المنطقة لا زالت بحاجة ماسة إلى الدعوة وفي عشرات القرى يسألون الداعية بالله العظيم حتى بالهاتف يسألونه بالله ويعرضونه وجه الله أن ائتي إلينا في محاضرة، ويقول كثير منهم: والله إنها تمر بنا من السنة إلى السنة ما قام داعية في المسجد إلا يوم الجمعة، وإن الخطيب يوم الجمعة يقرأ علينا من كتاب قديم ولا نستفيد منه معلومة، ولا يصحح لنا خطأ ولا ينهانا عن معصية ولا بدعة، فنسألكم بالله
فأنا أطرح الأمر بين أيديكم والمهمة مشتركة عندنا جميعاً ولا تخص واحداً عن آخر، أذكر على سبيل المثال في العطلة الصيفية يأتينا أناس من الرياض، من الشرقية، من الغربية من القصيم فيلوموننا على التقصير في الدعوة، ونحن نقول لهم: ونحن زملاء ودعاة والبلاد واحدة فنطالبكم بمثل ما تطلبوننا ادعوا واذهبوا أنتم إلى القرى بأنفسكم وتكلموا، فلا بد من التأثير، غالب القرى منها أناس هنا وأريد أن أحملهم مسئولية قراهم قدر المستطاع، ويقول ﵊: ﴿بلغوا عني ولو آية﴾ ويقول ﷺ : ﴿نضر الله امرأ سمع مني مقالة فوعاها فأداها كما سمعها فربَّ مبلغ أوعى من سامع﴾.
لا يصلح البلاد، ولا يستتب الأمن، ولا يرتاح الناس، ولا يجتمع شمل الأمة، إلا بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والدعوة والعلم يقول ﵊ كما في الصحيح: ﴿إن الله لا يقبض العلم انتزاعاً ينتزعه من الناس، ولكن يقبض العلم بقبض العلماء، حتى إذا لم يبق عالم اتخذ الناس رءوساً جهالاً فسئلوا فأفتوا بغير علم، فضلوا وأضلوا﴾.
يوجد في القرى كبار السن يكسرون في الفاتحة ولا يجيدون قراءتها، وتجدهم يمسكون الإمامة ويحرمون طلبة العلم الجامعيين، بل بعضهم خريج الشريعة وأصول الدين، وبعضهم داعية متفوق أو طالب علم جدير يمنعه أن يقف على المنبر، ويبقى على الناس في خطبة مكتوبة من مائة سنة لا تعالج الوضع، ولا تتكلم في قضايا الساعة، ولا تصلح شيئاً، فيميت المنبر والمصلين ويميت قلبه، ويتحمل من الله أمانة لا يحملها يوم القيامة، وقد شكا كثير من الطلبة هذا الأمر بل بعض القرى يمنعون الداعية أن يتلكم، ما نريد القديم هذا فقط، يتحدث لهم في قضايا السلطان عبد الحميد فقط ويتلكم لهم عن أشياء مر بها الدهر وأكل عليها وشرب، وإلا فمسائل الشريعة كلها جديدة؛ لكن نحن نريد من يصلح ومن يتلكم بشيء يدخل إلى القلوب، ومن يتلكم عن الحالة الراهنة ثم قضايا الساعة، هذا هو المطلوب.
على الإخوة أن يتقوا الله في ذلك وعلى الأئمة من لا يحسن الإمامة أن يتركها لطلبة العلم شريطة أن يتركوا له الراتب؛ لأن مسألة الراتب (خطر ممنوع الاقتراب) ولا يمنع كثير من الشباب إلا من أجله فيكتبون له عهداً وميثاقاً ويشهدون عليه اثنين من كبار الحي بالله العظيم أن الراتب لك ولا نأخذ ريالاً، حينها تستتب الأمور.
لا يجوز للمسلم أن يكون سلبياً في حيه ولا في قريته، يذهب ويأتي للتعلم ثم يسأله الله تعالى عن حيه يوم القيامة، لابد أن تكون إيجابياً مؤثراً إذا ما استطعت أن تتكلم اشتر لك مائة شريط وزعها في البيوت، شريط عن العقيدة؛ شريط عن القرآن؛ شريط عن القبر؛ شريط عن الكبائر، يهدي الله بك مائة بيت ويأتون يوم القيامة في ميزان حسناتك، وهذا الإنفاق في أبواب الخير؛ لأن أهل الباطل ينفقون أموالهم وقد قال ذلك: ﴿فَسَيُنْفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ﴾ [الأنفال:٣٦].
يخبرني أحد الشباب المغنين بعد أن هداه الله قال: صاحب استريو لما نزلت لي أغنية بعت لهذه الأغنية فقط بخمسين ألفاً في أسبوع واحد، وهذا يعني أنها أمة بحاجة إلى مغنين ومطبلين، أمة هوى وعشق وهيام، فكيف ينظر إلى من دفع أمواله بل بعضهم يتهادون هذه الأشرطة من حي إلى حي ومن بلد إلى بلد.
الله الله يا أيها الإخوة! في نشر الخير، ونصرة الله ، والله وعد من ينصره بأنه سوف ينصره حيث قال: ﴿إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ﴾ [غافر:٥١].
فأسأل الله لي ولكم التوفيق والهداية، وأن يلهمنا رشدنا ويقينا شر أنفسنا، وبإذن الله تكون المحاضرة التي عن تسهيل ملبية للحاجة إن وجدت القرى والأماكن النائية حاجة ماسة إلى تبسيط العقيدة، وإيصال العقيدة سهلة ميسرة بدون اختلاف علها أن تكون في الأسبوع القادم.
أسأل الله لي ولكم في الأخير التوفيق والمغفرة.
سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين.
وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.
стр. 5992
دفاع عن المرأة
المرأة اليوم مهضومة من المسلمين لا من الإسلام؟
نعم، لأن المسلمين لم يطبقوا أحكام الإسلام، فلم يراعوا حقوقها، بل ربما عاملوها بعكس ما هو لها، كما هو الحال في مسألة الميراث، والناظر في حال سلف الأمة يرى أن الإسلام هو الذي أعطاها حقها، ورفع مكانتها، والمرأة هي التي أنجبت خالداً وعلياً وعمر وغيرهم من الرجال الأبطال.
والواجب على كل مسلم أن يعي ويعرف حقوق المرأة، سواء كانت بنتاً أوأماً أو أختاً.
стр. 5993
أسباب الحديث عن المرأة
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً، أمَّا بَعْد:
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
عنوان هذا الدرس: (دفاع عن المرأة) وعندي ثلاث قضايا قبل أن أبدأ في الموضوع:
الأولى: أعلن لكم هذه الليلة كالليالي التي خلت حبي لكم في الله، فأشهد الله وحملة عرشه وملائكته ثم المؤمنين أني أحبكم في الله حباً صادقاً، أسأل الله أن ينفعني وإياكم بهذا الحب، وأن يجمعنا وإياكم في دار الكرامة، وفي مقعد صدقٍ عند مليك مقتدر.
الثانية: أرحب بأصحاب الفضيلة المشايخ الذين شرفونا بالحضور في هذه الليلة، وكنا ننتظرهم وننتظر غيرهم كثيراً، وإني أرى أن من المسائل التي تنقص المنطقة: عدم مشاركة العلماء والمشايخ والقضاة الندوات والدروس والمحاضرات، وقد رأيت عالم البلاد بل عالم الأمة الإسلامية سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز وهو يحضر الندوات مع علماء الرياض، ويشيد بطلبة العلم ولو كانوا مبتدئين ويشد من أزرهم؛ لأن هذا جهاد، ومرابطة المجاهدين على الصبر مطلبٌ شرعي، ورأيت كذلك علماء القصيم، فإذا هم يحضرون الندوات والمحاضرات لا يغادرون منها شيئاً، فما حقنا إلا أن نحضر وأن نبارك جهد المقل والمقصر، وفي هذا إغاظة للمرتدين والمنافقين، وفي هذا إظهار لعظمة الإسلام والمسلمين، وإظهار للتكاتف والتعاون على البر والتقوى.
أما عنوان هذا الدرس (دفاع عن المرأة) فله سبب.
الثالثة: وقبل أن أبدأ اسمحوا لي أن أقرأ رسالة عاجلة، وإن شئتم سموها برقية مستعجلة.
إلى أخواتي وبناتي في المدرسة التاسعة عشرة الابتدائية (بـ أبها) السلام عليكن ورحمة الله وبركاته، وحماكن الله وستركن، وحفظكن في الدنيا والآخرة.
وبعد:
ربما أسيء فهم ما قلته في درس (بريد المستمعين) عن المدرسة التاسعة عشرة، وربما كان من تدبير المولى جلت قدرته، أن ينشر فضائل الفضلاء والفاضلات عن طريق النقد، قال أبو تمام:
وإذا أراد الله نشر فضيلة طويت أتاح لها لسان حسودِ
لولا اشتعال النار فيما جاورت ما كان يعرف طيب عرف العودِ
وإني أعلم أن هذه المدرسة بالذات فيها ما يقارب عشرين مدرسة كافلات أيتام، وداعيات متحجبات، وكريمات حشيمات:
حور حرائر ما هممن بريبة كظباء مكة صيدهن حرام
وإني أعد تكلم النساء عن قضاياهن من الواجب الشرعي، وإني أدافع أنا وأمثالي عنهن بدمائنا وجماجمنا وأرواحنا، وقد حملني ما وقع في درس (بريد المستمعين) إلى أن ألقي هذا الدرس بعنوان (دفاع عن المرأة) وإنني أهدي من هذا الدرس خمسمائة شريط للابتدائية التاسعة عشرة مع السلام والتحية، فليست مشكلة المسجد عندهن فحسب، بل عند كثير من المدارس، ومن نعمة الله أن رزقني بأربع بنات وأنا بهن سعيد، أسأل الله لهن ولجميع بنات المسلمين الصلاح والسداد والحفظ والرعاية.
أما الجمعية الخيرية النسائية بـ أبها فلا أزال على تخوفي وتحفظي أنا وطلبة العلم والدعاة والمشايخ، وأخذاً بالحديث: ﴿فر من المجذوم فرارك من الأسد﴾.
وأشارك الشاعر -في إصراره لا في أفكاره- فأصر على ما قلت في السبت الماضي نحو الجمعية النسائية الخيرية كإصرار الشاعر لا كفكره يوم يقول:
أتوب إليك يا رحمان مما جنت نفسي فقد كثرت ذنوب
وأما عن هوى ليلى وتركي زيارتها فإني لا أتوبُ
أما أسباب هذا الدرس فثلاثة أسباب:
الأول: لأن المرأة أصبحت طريقاً للغزو ونافذة للتأثير الحضاري، وأصبحت لعبة بيد المهرجين والمروجين ينفذون منها إلى قعر دار الإسلام.
الثاني: اتهام الإسلام من قبل أعدائه بأنه حجر على المرأة حقوق المشاركة، وحجمها، وقلص دورها في الحياة الدنيا، وأنه سبب تعاستها! أتعسهم الله!
الثالث: تقصير كثير من الناس في حقوق المرأة، والتهاون بشأنها الخطير، ومكانتها السامقة التي أنزلها بها رسول الهدى ﵊.
стр. 5994
المرأة في الكتاب والسنة
يقول المولى جلت قدرته وهو يذكر الناس بتقواه: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً﴾ [النساء:١].
وقال جلت قدرته: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ [الحجرات:١٣].
وقال جل وعلا: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا﴾ [الأعراف:١٨٩].
قال بعض أهل التفسير: وخلق منها زوجها: حواء خُلقت من ضلع آدم، وقال غيره: بل كل زوجٍ من أصل الزوج الآخر ليسكن بعضهم إلى بعض، وسمى الله الأزواج سكناً ولباساً؛ لأنهن سترٌ في الدنيا والآخرة.
стр. 5995
معاملة الرسول للنساء
حثَّ عليه الصلاة السلام على الرحمة بالمرأة ودافع عنها، وهو الذي أعلن حقوقها حتى يوم عرفة، يوم وقف أمامه مائة وأربعة عشر ألفاً، فأوصى بهن ﵊، وقد رزقه الله أربع بنات، وأحيا الله بناته حتى رآهن، وزوجهن ودفن بعضهن، وكان يبدأ بهن قبل أن يسافر، ويبدأ بهن إذا وصل من السفر، من حبه لهن ﵊.
وكان يقول كما في الحديث الصحيح: ﴿إن المرأة خلقت من ضلع﴾ وقال ابن عباس: [[من ضلع آدم]] وقد روى أحمد والترمذي عن عائشة ﵂، ورواه البزار وأبو عوانة عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ : ﴿إنما النساء شقائق الرجال﴾ حديث حسن، والمعنى: أن المرأة شقيقة الرجل، وأنها نصف المجتمع، وأنها المؤدية للرسالة في بنات جنسها، والمرأة عندنا أم، وزوجة، وبنتٌ، وأختٌ، ومعلمةٌ، ومربيةٌ، وداعيةٌ، قال سبحانه وهو يتفضل على عباده بالعمل الصالح: ﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ [الأحزاب:٣٥].
فذكر الله أفعال الخير حتى ختم الآية، ويقول في سورة آل عمران حين ذكر الدعاة والمجاهدين والعاملين والمهاجرين: ﴿فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ﴾ [آل عمران:١٩٥] وقال : (وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ [التوبة:٧١].
فهناك حزب المؤمنين والمؤمنات، وهناك حزب المنافقين والمنافقات، وهناك لواء المسلمين والمسلمات، وهناك لواء المشركين والمشركات، وقال ﵊ وهو يوصي الأمة بالرحمة بهذه المرأة الضعيفة: ﴿إنهن عوان عندكم﴾ وفي لفظ: ﴿الله الله في النساء؛ فإنهن عوان عندكم﴾ قال أهل غريب اللغة: عوان: أسيرات، فالمرأة أسيرة ووجب على المسلم أن يرحمها ويقدرها ويحترمها، وصح عنه ﵊ عند أبي داود وغيره أنه قال: ﴿خيركم خيركم لأهله، وأنا خيركم لأهلي﴾ فخير الناس لأهله محمد ﵊، قالوا لـ عائشة: ﴿كيف كان رسول الله ﷺ إذا دخل عليكن؟ قالت: كان يدخل ضحاكاً بساماً﴾ فكان يضحك ﷺ مع أن المشاكل التي تطوف بأمته والحوادث التي تستقر على رأسه لو وضعت على كثيرٍ من البشرية لما استطاعوا حملها.
في صحيح البخاري في كتاب الأدب قال زيد بن ثابت: [[من السنة المزاح مع الأهل، والوقار خارج البيت]] فبعض الناس عكس الآية، مزاحاً ضحاكاً مع زملائه وأصدقائه، وقطوباً عبوساً مع أهله في بيته.
стр. 5996
المرأة عند أهل الشعر والحكمة
قال بعض الشعراء المسلمين عن المرأة:
سلامٌ أيها الأم الحنون ويا أم الرجال لك الشجون
فأنت ولودة الأبطال يُحمى عفافك بالجماجم لا يهون
معنى البيت: أننا نقدم الجماجم عن أعراضنا وعن بناتنا، وما أظن أحداً سوف يتأخر إذا رأى أن بناته وأخواته سواء في المدارس أو الجامعات، أو المستشفيات يُمس أعراضهن، ولا حيَّا الله الحياة، ولا أسعد الله الدنيا إذا لم تجر في عروقنا حمية المحافظة على البنات والأخوات، كما يقول شاعرنا:
نحن وجه الشمس إسلامٌ وقوه نسبٌ حرٌ ومجدٌ وفتوه
كربٌ عمي وقحطان أبي وهبوا لي المجد من تلك الأبوه
نحن أسد الله في وجه الردى قد وضعنا الكفر في سبعين هوه
والسيوف البيض في وجه الردى يوم ضرب الهام من دون النبوه
وقال أديبٌ عصري يدافع عن المرأة أمام الحضارة الزائفة المزعومة:
أخرجوها من العفاف إلى السو ق وشقوا جلبابها بالمحاجر
جعلوها على المجلات رمزاً للهراء المفضوح في كف فاجر
وادعوا أنهم بها حرروا الجيل وقد مزقوا الحيا بالخناجر
وقد سلف أن كاتباً يسمى الغريافي قبل عشر سنوات كتب قصيدة (مزقيه): ورددت عليه بقصيدة منها:
حين نادى يا بنة الإسلام خدرك مزقيه
دخل أحد الحكماء على ملكٍ من الملوك، فوجد طفلة الملك جالسة عند الملك، فقال الملك: سمعت أن الناس يقولون: إن البنات يقربن البعيد ويبعدن القريب ويقطعن الأرحام، فقال الحكيم: كلا أيها الملك! والله إنهن رياحين القلوب، أتين بالرجال.
أي: إن الرجال من النساء، من أين أتى خالد بن الوليد وعمر وصلاح الدين ونور الدين وعمر بن عبد العزيز؟ من النساء، فهن قد أتين بالرجال، وحملن بالأبطال، دررٌ مكنونة، ومطارف مصونة، يقمن على المريض، ويذكرن الميت، رحيمات بالأولاد، خدومات للأجداد، حجابٌ عن النار وكنزٌ في الدار.
وقد قال ﷺ : ﴿من عال جاريتين فرباهن وأحسن إليهن وزوجهن كن له حجاباً من النار﴾.
فالحجاب من النار تربية البنات في البيت على تعاليم الكتاب والسنة، ولذلك قال : ﴿وَإِذَا الْمَوْؤُودَةُ سُئِلَتْ * بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ﴾ [التكوير:٨ - ٩].
وكان أبو بكر الصديق يقرأ في قراءته ﴿وَإِذَا الْمَوْؤُودَةُ سُئِلَتْ * بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ﴾ [التكوير:٨ - ٩].
وأول من رفع وأد البنات: محمد ﵊، وسوف يسأل الله من وأدهن في الجاهلية.
وعندنا وأدٌ من نوعٍ آخر، فإن الجاهلين كانوا يذبحون الفتاة الطفلة ذبحاً، وينكسونها على وجهها، ونحن في مجتمعات العالم الآن الذي لا يتحاكم إلى الكتاب والسنة، يذبحون عفافها ودينها وحجابها ومكانتها وطهرها، يريدونها عارضة أزياء، ومروجة أحذية، وورقة دعاية في المؤسسات والشركات والمحلات، فحسبنا الله ونعم الوكيل! ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْماً لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ [المائدة:٥٠].
قال أبو الطيب المتنبي وهو يرثي أم سيف الدولة:
فلو كان النساء كمن عرفنا لفضلت النساء على الرجالِ
فما التأنيث لاسم الشمس عيب ولا التذكير فخرٌ للهلالِ
يقول: لو كانت النساء مثل أمك يا سيف الدولة! لفضلت النساء على الرجال، فليس بعيبٍ أن تسمى فاطمة أو عائشة أو زينب أو أسماء أو خديجة فإن الشمس مؤنث وهي أحسن من الهلال، والهلال مذكر، وفي الرجال من لا يساوي قلامة ظفرٍ من امرأة، وفي النساء من تساوي ألف رجل، والواقع والتاريخ يشهد لذلك، ﴿قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْراً﴾ [الطلاق:٣].
стр. 5997
وضع المرأة في المجتمعات المعاصرة
لماذا نهتم بالمرأة؟
لماذا ندافع عن المرأة؟
لأنها مظلومة، ظلمت من المجتمع الجاهلي الوثني الشركي في الجزيرة العربية، فحرموها الميراث والرأي، وجعلوها عقيماً عن حمل المبادئ، واستخفوا بها حتى عاملوها كما عاملتها الحضارة الغربية والثقافة المادية تماماً -ذكر ذلك أبو الحسن الندوي في كتابه ماذا خسر العالم بانحطاط المسلمين - فأي مصيبة دهماء لا يعلمها إلا الله حلّت بالمرأة في جاهليتها المعاصرة؟!
وهي مظلومة من الوضع الكافر الذي نعيشه الآن، يوم أخرج المرأة بعد الحرب العالمية الثانية لتقود الدبابة، وتكون طيارة، وتأخذ السلاح، وتحمل الكلاشنكوف تصارع الأبطال والكتائب، وتقاتل في ساحة المعركة، وتكون جندية مرور، إنها والله أمور تدل على أنهم ما قدَّروا المرأة حق قدرها، وأنهم خذلوها في أعظم شيء تملكه، وهو العفاف والطهر والحياء.
والمرأة مظلومة من بعض الآباء، فإن كثيراً من الآباء لا يعرفون قدر المرأة فلا يستشيرونها، ولا يعتبرون رأيها، ومنهم من كان حجر عثرة في زواج ابنته، فإذا تقدم الكفء رفضه برأيه هو لا برأيها، حتى تعيش العنوسة والأسى.
وهي مظلومة أيضاً من بعض الأزواج فهو يتعامل معها كأنها دابة في البيت، لا احترام لها، ولا رحمة، ولا سماع رأي، ولا مناقشة بالتي هي أحسن، ولا إعطاء حقوق، وإنما يراها أنها من صنفٍ آخر، ويتعامل معها بفظاظة وغلظة، وسوف يأتي شيء من ذلك.
الله يدافع عن المرأة، لأن المرأة من المسلمين المؤمنين، قال : ﴿إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [الحج:٣٨].
فالذي يدافع عن المرأة أولاً؛ هو رب العزة والجلال الله رب العالمين!
والرسول ﵊ يدافع عن المرأة، فقد أعطاها حقوقها، وسن لها ﷺ ما لها من حق في كثيرٍ من المناسبات.
стр. 5998
جواز التكني بأسماء البنات
عندما جهل المجتمع الفقه في الدين -اسمع ماذا حدث حتى في مجتمعاتنا المبسطةوالتي هي قريبة من الفطرة ومن الكتاب والسنة- يقولون في المجالس إذا ذكروا المرأة: المرأة أكرمكم الله!
المرأة كرامة بذاتها وهبة من الله وعطية منه للإنسانية، لكن هذا الجاهل وهذا الأحمق يظن أنه إذا ذكر المرأة فإنه قد دنس الأسماع أو المجلس، فيقول: المرأة أكرمكم الله!! وهذه كلمة خاطئة حرامٌ أن تنطق وأن تقال، وعلى من حضر المجلس وسمع هذا أن ينكر بأشد الإنكار ويقول: لا تذكروا المرأة بهذا التعريض المشين فإنها كريمة محترمة، ولا بأس أن يذكر اسمها (كما سوف يأتي).
ومنها: أن بعض الناس يجد غضاضة واحتقاراً ونقصاً أن يتكنى باسم البنت أو المرأة، فيأنف أن يقال له: يا أبا فاطمة! ويا أبا خديجة! ويا أبا أسماء، وهذا خطأ! فقد تكنى الصالحون والأبطال في المعارك ببناتهم، وسمي الخلفاء والزعماء ونسبوا إلى أمهاتهم لشرف أمهاتهم، وكان كثيرٌ من السلف يكني الرسول ﵊ بأبي الزهراء أي فاطمة البتول بنت الرسول ﵊ التي يقول فيها محمد إقبال شاعر الباكستان:
هي أم من؟ هي بنت من؟ هي زوج من؟ من ذا يساوي في الأنام علاها
أما أبوها فهو أشرف مرسلٍ جبريل بالتوحيد قد رباها
وعلي زوج لا تسل عنه سوى سيفٍ غدا بيمينه تياها
قال شوقي:
أبا الزهراء قد جاوزت قدري بمدحك غير أن لي انتسابا
يخاطب الرسول ﵊.
стр. 5999
أمثلة لمن افتخر بنسبه إلى أمه
وكان صناديد العرب ينسب الواحد منهم لأمه ليزداد شرفاً وفخراً، فصفتها أنها عفيفة وشريفة وأنها محترمة وهو جرير:
فما كعب بن مامة وابن سعدى بأجود منك يا عمر الجوادا
تعود صالح الأخلاق إني رأيت المرء يلزم ما استعادا
عليكم ذا الندى عمر بن ليلى جواداً سابقاً ورث النجادا
فـ عمر بن ليلى هو عمر بن عبد العزيز، وكان يرتاح إذا قالوا له: ابن ليلى، وكان عثمان ﵁ يرتاح بمجالسه إذا قالوا: يا بن أروى، ودخل النابغة الذبياني على النعمان بن المنذر فمدحه في القصر أمام الناس، وأثنى عليه وعلى حكومته في المناذرة وهم ملوك العرب وقال:-
ولا عيب فيهم غير أن سيوفهم بهن فلولٌ من قراع الكتائبِ
تخيرن من أزمان يوم حليمة إلى اليوم قد جربن كل التجاربِ
يقول: من عهد جدتكم حليمة، وسيوفكم تقطر دماً من أعدائكم، فارتاح الملك واستعاد البيت وأعطاه جائزة.
فلا حرج من عليك أن تتكنى بابنتك، وأن تتشرف بهذا.
وكان قطري بن الفجاءة اسمه أبو نعامة باسم بنته، وقيل: باسم فرسه، والصحيح أن ابنته اسمها نعامة، فكان إذا حمي الوطيس خلع خوذته من رأسه، وقال: أنا أبو نعامة، وهو الذي يقول قصيدته الرائعة الشائقة ولو أنه كان خارجياً جلداً صلباً لكني أذكره لقصيدته يقول:
أقول لها وقد طارت شعاعاً من الأبطال ويحك لن تراعي
فإنك لو سألت بقاء يومٍ على الأجل الذي لك لم تطاعي
فصبراً في مجال الموت صبراً فما نيل الخلود بمستطاع
стр. 6000
شهرة أسماء الصحابيات في مجتمعهن
وكان ﷺ يُسمي النساء بأسمائهن، وكان الصحابة يتداولون أسماء نساء الصحابة وبناتهم وأخواتهم، لأنها مادامت أنها شريفة وعفيفة وطاهرة وجزءاً من المجتمع، فلماذا تكني وترمز لنا رموزاً وتلفف لنا الأسماء؟ وبعضهم يقول: مَكْلَفْ صانكم الله، مَكْلَفْ أكرمكم الله، وهذا لا يقوله إلا السفهاء الحقراء الذين لا يفقهون شيئاًَ.
في الصحيحين: ﴿أن زينب امرأة ابن مسعود استأذنت على الرسول ﵊، وكان بلال بالباب، فقال الرسول ﷺ : من بالباب؟ قال بلال: زينب يا رسول الله! قال: أي الزيانب؟ -لأن الزيانب في المدينة كن كثيرات - قال: امرأة ابن مسعود، قال: فأذن لها﴾.
وفي الصحيحين: ﴿أن أم هانئ أخت علي بن أبي طالب استأذنت، فقال ﷺ : من؟ قالت: أم هانئ، قال: مرحباً بـ أم هانئ﴾ فأجارت ابن هبيرة فأجاره ﷺ .
ونحن نعرف قائمة من نساء الصحابة، نعرف اسم امرأة أبي بكر، وامرأة عمر وامرأة عثمان، وامرأة علي، والعشرة، وأهل بدر وشعراء الصحابة، لكن لما طال الأمد أنف بعض الناس أن يذكر الأسماء، ورأوا أنها من الحرج، وأنه إذا ذكر اسماً إنما يذكر أموراً أخرى، وهذا خطأ لا يصح، بل نذكرها شرفاً، والله قد ذكر في القرآن أسماء نساء، ولله الحمد والشكر!
يقولون: كانت امرأة أبي جعفر المنصور أو المهدي اسمها الخيزران، فدخل أحدهم وبيده عصا من خيزران -التي تصنع منها الرماح- فقال الخليفة وحوله الأمراء والوزراء والعلماء: من أي الشجر صنعت هذه العصا؟
فخشي أن يقول: من الخيزران، فيعرض بامرأته قال: من عروق الرماح، قال له: الخليفة بيض الله وجهك! وهذا جميلٌ ورأي طيب في مثل هذا، وأنا أؤيد مثل هذا الجواب الصحيح لأمرٍ ما؛ لأنه لو قال صنعت العصا من الخيزران لتبسم بعض الناس وأحرج الخليفة؛ لأن الخيزران في البيت!!!
стр. 6001
هضم حق المرأة في الاستشارة
ومن الأمور التي تعيشها المرأة في بعض المجتمعات: أنه لا يُسمع لها رأي ولا يحترم لها فكر، ويرون أن المرأة لا تأتي برأي صائب، ويقولون: إذا أشارت عليك المرأة برأي فخالفها فالصواب معك، فإذا طلبت منك أن تتجه شرقاً فاتجه غرباً، وإذا طلبت منك أن تقوم فاقعد، وإذا قالت اقعد فقم، وهؤلاء مخطئون؛ بل كثيرٌ منهن في رأيهن البركة والخير الكثير.
وبعضهم يوصي بعدم استشارتها أصلاً، وبألا تطرح عليها الأفكار.
والرسول ﵊ كما في الصحيحين استشار الجارية عن عائشة، وفي عفافها، فأشارت على رسول الهدى ﵊، فكيف بالعاقلات الكبيرات المؤمنات الداعيات المحترمات؟!
стр. 6002
حرمانهن من الميراث
ومن الأمور التي تعاني منها المرأة: حرمانها من الميراث، وهذه مأساة اجتماعية تعيشها المجتمعات القروية والبدوية والقبلية، فيرون من العيب أن تذهب المرأة لتطلب ميراثها من أهلها، وينددون بمن يفعل ذلك، وهم المخطئون، وعلى هؤلاء أن يؤدبوا تأديباً رادعاً يزجرهم وأمثالهم، وأن ترفع قضاياهم إلى القضاة الشرعيين حتى يؤخذ بصددهم الإجراء اللازم، لأنهم خالفوا منهج الله، وحكموا بغير حكم الشريعة، ورفضوا الكتاب والسنة.
الميراث حق للمرأة لم يتوله نبيٌ مرسل، ولا ملك مقرب، ولا عالم من العلماء، وإنما تولاه الله بنفسه، فأعطى كل ذي حقٍ حقه، فله الحمد وله الشكر.
وبعض الناس الآن حرم قريبته وخالته وبنته وأخته من الميراث، وإذا ذهبت تأخذ الميراث شنَّع عليها أهل الحي والقبيلة والقرية، وهؤلاء مخطئون، والواجب أن نصحح هذا الخطأ القبيح الذي أصبح وصمة عار في وجوه أهل الإسلام، لا بد أن تعطى مباشرة ولو رفضت تجبر، ويذهب المعصب أو القريب بنفسه ليعرض عليها حقها الذي أحقه الله سبحانه لها.
стр. 6003
تحجيم دورها في الأعمال المضنية
يفهم بعض الجهلاء أن دور المرأة فقط أن تنجب وأن تضع وأن ترضع، أما غير ذلك من الحياة فليس لها مجالٌ فيه، وهذا خطأ، لها التربية ولها أن تعلم بنات جنسها، ولها أن تدعو ولها أن تشارك برأيها وبدعائها، وأن تقوم على أطفالها، وأن تخرج العلماء والزعماء والأدباء والقادة والشهداء والصالحين، إلى غير ذلك مما سوف أذكره.
أما إتعابها بالعمل وتكليفها فوق الطاقة فلا يجوز، وهذا يوجد في المجتمع القروي والبدوي والقبلي، فيجعلونها تكد كداً لا يعلمه إلا الله، حتى كأنهم لا يتصورون أن لها طاقة محدودة، وأنها ضعيفة، وأنها تحمل وتضع، وأنها تعاني الأمرين، فتشارك في الحراثة والزراعة والاحتطاب ورعي الأغنام وحمل الأثقال وصنع الطعام وكنس البيت، وتعمل الساعات الطويلة من العمل المضني الذي لا يعمله إلا عمال المناجم في مناجم الفحم أو مناجم استخراج الذهب والفضة، وهذا لم يقره الإسلام.
فنقول: النساء لهن طاقة محدودة، والمرأة ضعيفة، وكان ﷺ يقول: ﴿الله الله في النساء﴾ والمعنى: في ضعفهن فإنهن ضعيفات لا يستطعن حمل كثيرٍ من الأمور، لكن المجتمع الجاهلي قد يكلف المرأة عملاً من الأعمال، ويجدها مقصرة إذا لم تقم بهذا العمل، فتجد الرجل يفرض على امرأته أن تحرث وتزرع وتحمل الحبوب وترعى الأغنام وتحتطب وتذهب وتأتي وتستقي، وتعمل أعمالاً كثيرة لا يعملها أربعة عمال أو خمسة، والإسلام لم يأت بهذا أبداً، وهذا ظلم لها لا يقره دين الله.
стр. 6004
حرمانها من التعلم
ومما تعاني المرأة: حرمانها من التعليم في بعض الجهات، والتعليم عندنا بمواصفات إسلامية، تحت مظلة (إياك نعبد وإياك نستعين) أن تتعلم المرأة ما يقوم بشئون دينها، ويقربها من الله، ويجعلها خائفة متقية متحجبة محتشمة، في هذا الحدود، وقد علم الرسول ﷺ الصحابيات.
﴿أتت امرأة أظنها أسماء بنت يزيد فقالت: يا رسول الله! ذهب الرجال بك يجاهدون معك، ويحجون معك، ويغزون معك فاجعل لنا يوماً من نفسك﴾ فجعل لهن ﷺ يوم الإثنين يعلمهن في ذاك اليوم ويفتيهن ﵊، والبخاري في صحيحه يقول في كتاب العلم: باب: هل يجعل الإمام يوماً من نفسه للنساء؟ أو كما قال، فكان ﷺ كلما أتى يوم الإثنين كان فيه لقاء مع النساء يتحدث لهن، ومع عصمته كان ﷺ لا يمس امرأة لا تحل له، ولا يصافح امرأة أجنبية.
وفي الصحيحين: أنه خطب الرجال يوم العيد ثم قال لـ بلال: ﴿هيا بنا إلى النساء فخطبهن ووعظهن، وقال: تصدقن ولو من حليكن﴾ أو كما ورد في الحديث.
أما أن تبقى المرأة جاهلة؛ لا تجود القرآن، ولا تحفظ كتاب الله ، ولا تعرف السنة ولا الفقه فذلك أمر مرفوض.
كما أن التعليم الفاضح الذي يدعو المرأة إلى أن تشارك الرجل في البرلمان، وأن تشاركه في حقول الحياة، وأن تخرج متبذلة متكشفة سافرة نرفضه، ونعتبر أنه تعليم جاهلي لا يزيدها إلا سقوطاً ويقودها إلى النار، إنما نريد تعليماً إسلامياً موقراً مقدساً طاهراً يقودها إلى جنة عرضها السماوات والأرض.
كانت عائشة ﵂ عالمة وتحفظ من الشعر، قال الزهري: [[كانت عائشة تحفظ من الشعر ثمانية عشر ألف بيتٍ]] وكانت تفتي الصحابة حتى في معضلات المسائل، وهناك كتاب ألفه بعض المحدثين فيما استدركته عائشة على كبار الصحابة، وفتاويها جمعت في مجلد كبير، وهي مجتهدة مطلقاً وممن يحق لهن حق الاجتهاد في الإسلام.
وكانت عمرة بنت عبد الرحمن عالمة من عالمات التابعين، ومعاذة، وكذلك بنت سعيد بن المسيب، وكريمة بنت أحمد شيخة ابن حجر روت لأكثر من ستين ألفاً من الأمة صحيح البخاري، وعالمات كثيرات؛ حملتهن كتبٌ وسيرٌ وتواريخ.
أيضاً وضعها في عمل لا يليق بمكانتها كما أسلفت كرعي الأغنام والخروج للاحتطاب، وكذلك تدريبها على السلاح ودخولها في الجيش، وفي المرور، وفي مواجهة الناس كالعمل في الجوازات، وعلى المنافذ العامة، وفي المستشفيات لمباشرة الرجال، وفي النوادي الطبية، وأماكن التمريض، كل هذا لا يجوز في الإسلام، فلا بد أن يكون عملها في حقلها مع بنات جنسها، لا ترى الرجال ولا يرونها.
وقد سألت صحابية رسول الله ﵊ في حديثٍ حسن: ﴿ما أحسن شيء للمرأة؟ قال: ألا ترى الرجال ولا يرونها﴾ وهي وصيته ﵊ التي تبقى أبد الدهر حلاً للمرأة في دنياها وأخراها.
стр. 6005
نسبة المشاكل إليها
ومما تعانيه المرأة أيضاً: نسبة المشاكل كلها إليها، وأنها مصدر الإزعاج، وعند بعض الناس أن كل عقدة وكل مشكلة في البيت من جانب المرأة، وتجد حتى في القضايا الشرعية عند القضاة إذا أتى الرجل يتحدث بسط لسانه في زوجته، وتكلم عن ظلمها وعن إساءتها، وهي خجولة لا تستطيع أن تبدي حجتها، فيظلمها، وقد قال في كتابه: ﴿أَوَمَنْ يُنَشَّأُ فِي الْحِلْيَةِ وَهُوَ فِي الْخِصَامِ غَيْرُ مُبِينٍ﴾ [الزخرف:١٨].
قالوا: هي المرأة لا تبين في الخصام، ولا تدافع عن نفسها ولا تستطيع أن تعرض حجتها، فيستغل ذلك كثيرٌ من الناس حتى في القضايا الأسرية، فإذا أتوا إلى الحكم من أهلها والحكم من أهله، أتى الرجل يتكلم بالمحاضرات؛ لأنه جريء، ويفتعل الأقاويل، وأتت هي تبكي لا تستطيع أن تدافع عن نفسها، فليتق الله الناس في هذا، ولا ينسبوا المشاكل للنساء، فإنه لا يحدث في البيت أمر إلا وكان للرجل ضلع في ذلك، وربما كانت في الحالات النادرة سبباً رئيسياً، لكن ليس دائماً.
ونريد أن نزيل عقدة نسبة الخطأ دائماً إلى المرأة.
ومنها: عدم فتح مجالات الدعوة للمرأة، وكثيراً ما ينادي الدعاة إلى مراكز الدعوة المحترمة، وأن هناك دروساً للنساء، وتقوم امرأة تدرس بنات جنسها، أو حلقات تعليمية في القرآن وعلم الحديث والتفسير والفقه، وأن تقوم المرأة كذلك في حيها بجمع جاراتها على درسٍ أسبوعي.
وقد وصلني أخٌ فاضلٌ أكرمه الله من آل يزيد باقتراح جيد عجيب رائع للمرأة، وهو ينص على أن يكون هناك مجموعات من الفتيات يتولين في كل قرية إرشاد النساء؛ لأن المرأة تعيش اكتساحاً رهيباً لا يعلمه إلا الله، فهي محاربة ومهددة في عرضها دينها من كل جهة، الجمعيات النسائية، الفيديوهات، الأطروحات، الأشرطة، المجلات، الدوريات، التلفاز، الدعايات المغرضة، ومع ذلك لا بد أن نتواصى وأن نتعاون، ونحن ذهبنا مذهباً جميلاً في مسألة المحاضرات والدروس واللقاءات والندوات للرجال، أما النساء فلا!! فأنا أضع هذا ولكلٍ منكم أن يقترح اقتراحاً يرضاه ويراه، ويشاور زوجته إن كانت من الداعيات، أو طالبات العلم، أو الصالحات.
стр. 6006
الغزو الفكري للمرأة
توجيه الغزو الفكري والخلقي للمرأة بواسطة المجلات والأفلام، والنشرات والأغاني، رأيت في بعض الأسواق هنا في أبها أكثر من ثماني عشرة مجلةً تحمل صورة المرأة الفاتنة على الغلاف، وهم يعرضون المرأة من باب الجمال فقط، لا يعرضونها من باب الدين، أو أنهم يشيدون بعقلها أو بمكانتها، أو بمستواها العلمي أو الثقافي، أو بذكائها وبمصداقيتها وبطهرها، إنما بجانب الجمال المتهتك، وأنا أعتقد اعتقاداً جازماً أن اللواتي صوِّرن في المجلات، قد بعن أنفسهن من قبل هذه الصور في سوق النخاسة العالمي، والتي تضيع فيها المرأة، نعوذ بالله من الفتن!
стр. 6007
المرأة في محلات الأزياء
محلات الأزياء تحمل دفاتر كبرى في تفصيلات الموضات الجديدة، والأشكال والطرازات الحديثة في لباس المرأة وزيها، وهي تهدد المرأة، أيضاً محلات الخياطة والتفصيل، هناك مقاسات كاشفة فاضحة عارية تعرض في البيوت، وبعض الفتيات يرسلن السائق، أو ترسل أخاها إذا كان أحمقاً، فيذهب فيأتي بالمجلات ويعرض عليهن المجلة في البيت، وغير ذلك من هذه الأمور.
أيضاً تعرض في بعض المحلات ما يسمى (السوبر ماركت) صور متهتكة ودعايات، وهذه منتشرة على العلب والكراتين، وأصبحت عند العالم الكافر المتخلف علامة للدعاية والجذب ليس إلا، كذلك بعض الأفلام والدوريات حمانا الله وإياكم!
أيضاً الأغاني التي أمطرت بها الأسواق، وأحرج بها الناس، وكما تعرفون الخبر الذي ورد أن أغنية لمغنٍ واحد وصلت إلى الأسواق وبيع منها في أسبوع واحد بخمسين ألف ريال.
فقل لي بالله، كيف يكون البيت إذا دخل الشريط التسعون دقيقة فيه وهو يحمل خمس أغاني أو أربع أغاني؟! كيف يهتك ذاك البيت ويضيعه، ويصنع هذا أناسٍ لا يخافون الله في الجيل ولا في الأمة.
стр. 6008
تفضيل الأولاد على البنات
ومن الأخطاء الشائعة: تفضيل الأولاد -عند البعض- على البنات في الحب والتقدير والإكرام، فتجد بعض الجهلة يقدم أبناءه بالاحترام ولو كانت البنت أكبر، فيعطي الفنجان الابن وهو أصغر منها، ويسلم على الابن قبل البنت، ويقدم الابن في الركوب، ويقدمه في أشياء من خلالها تشعر البنت إزاءه بالنقص وبالتقصير وبالاحتقار، وهذا لا يقره الإسلام.
وقد أوجب علينا الله سبحانه أن نعدل بين أولادنا، وقال رسول الله ﷺ : ﴿اتقوا الله واعدلوا بين أولادكم﴾ أو كما قال ﵊، فإذا قبَّلت واحداً منهم فقبِّل بقيتهم، وإذا قلت لهذا كلمة طيبة، فقل للجميع مثلها، وما تدري من البركة فيه.
أعرف بعض كبار السن الذين ما احتضنتهم في الأخير بعد عناية الله إلا بناتهم! تمريضاً ورعاية وخدمة، أما الأبناء فلم يستفيدوا منهم شيئاً، وبعض الناس قامت ابنته بما قام به أولاده جميعاً، فتجد البنت أعطف وأرحم، وأحسن وأكثر دعاءً وطاعةً لأبيها، فما تدري مَن الخير فيه، فعليك ألا تحقر هذه البنت، وألا تقدم أولادك عليها بحجة أنهم ذكور، فإنهم كلهم عطايا من الله ، ولهم الأحقية المشتركة في حبك وبرك وعطفك وحنانك.
стр. 6009
استخدام المرأة للدعاية
ومن الأمور التي تعاني منها المرأة: أنها في كثير من الأماكن وسيلة للدعاية -وقد مر شيء من ذلك- ومن المآسي التي تعيشها الأمة، أن تكون المضيفات في الطائرات نساء ولو حجبن شعورهن، فإنها مأساة، ولا يستطيع أن يقول أحد إلا أنها مأساة، أن يركب مائة وخمسون أو مائتان من الركاب المسلمين المصلين الناسكين، فيفاجئون بأربع مضيفات مختارات جميلات.
رأيت في جريدة الأهرام -قطعة أوصلها إلىَّ بعض الإخوان- إعلاناً أن شركة الخطوط تريد مضيفات من بلاد أجنبية، واشترطوا شروطاً أن يكون عمرها من أربعة عشر إلى تسعة عشر لا تزيد ولا تنقص، وأن تكون جميلة إلى غير ذلك، فعرفنا أن المقصد مقصدان:
يوماً يمانٍ إذا لاقيت ذا يمنٍ وإن لقيت معدياً فعدناني
وكذلك سكرتيرات في بعض المكاتب والسفارات، والمنتديات والنوادي، والفنادق والمستشفيات والعيادات وأماكن التمريض، وأماكن تجمع الناس، وهذا من احتقار المرأة، ومن عرضها وتشهيرها للفجرة.
стр. 6010
عدم العدل بين الزوجات
الكثير من الناس يدعون إلى التعدد، ولا يذكرون العدل بين الزوجات الذي هو الأهم، فإن كثيراً من المحاضرين والدعاة يدعون الناس إلى أن يعددوا وأن يكثروا من الزوجات، بينما لم يذكر في محاضرة واحدة العدل بين الزوجات، فإن هذا أهم، وإذا خلت مسألة العدل ارتاح الناس.
وكانت مسألة التعدد سهلة، لكن أن يتحدث عنها بعض الناس، ويقوم بدعوة الناس للتعدد، ثم يترك المشكلة الكبرى وهي عدم العدل فهذا خطأ، ولذلك وجد من تزوج مثلاً بثانية فأهمل الأولى تماماً، وجعلها ليست مطلقة ولا متزوجة وإنما هي معلقة، وجعلها كأنها خلقت هكذا صفراً على الشمال ليس لها اعتبار في الحياة، وهذا من الخطأ، ومنهم من ظلم حتى إنه يعطي هذه ثلاث ليال، وهذه ليلة، ومنهم: من لا يعدل في النفقة، ولا السكنى ولا الإطعام، ولا غير ذلك مما يجب العدل فيه.
стр. 6011
هضم حقوقها الزوجية والقوة عليها
من النقص الذي نعيشه: مطالبة المرأة بحقوق الرجل دون ذكر حقوق المرأة عند الرجل، تجد كثيراً من الناس يطلبون من المرأة أن تؤدي حقوق الرجل، وقد كثرت الأشرطة والمحاضرات في حق الرجل على المرأة، لكننا نحتاج إلى إيضاح حق المرأة على الرجل.
ونحن مثلنا في هذا مثل الشعوب المستضعفة، فإن الشعوب الآن دائماً يقولون: عليكم بالطاعة للقادة والقائمين، وعليكم أن تتقوا الله، وعليكم بالمحافظة، لكن حقوق هؤلاء الشعوب لا تذكر، تجد الشعوب إما مهضومة أو مظلومة، أو محتقرة أو جائعة، أو ترمى على الأرصفة، أو لا مكان لها، فهي بلا رأي ولا احترام، ولا مشاركة ولا تقدير، ومع ذلك وسائل الإعلام صباح مساء تنادي: اتقوا الله وأدوا حقوق الولاة والزعماء؛ فإنكم إن لم تفعلوا خرجتم من الملة وخرجتم من الدين، فهذا مثل ذاك، والمرأة الآن مثل الدول النامية "النائمة".
ومن الخطأ كذلك التعامل معها بعنفٍ وغضاضة إلى درجة الضرب لغير سبب شرعي، حتى إن بعضهم يعلق سوطاً في البيت مهمته زوجته، ويسمي السوط ستر الله، وهذا السوط ليس بستر الله لكنه يغضب الله أحياناً، وقد قال ﷺ في الحديث الصحيح: ﴿لقد طاف بأبيات آل محمد نساء يشتكين من أزواجهن، وإن أولئك ليسوا بخياركم﴾ أو كما قال ﷺ .
فمن يفعل ذلك ليس من خيرة الناس وصفوتهم ﴿وأتت فاطمة بنت قيس إلى الرسول ﵊ تريد أن تتزوج -وهي تعلم أن الرسول ﷺ أبر وأنصح وأكرم الأمة، وتعلم أنه يعرف أصحابه- فقال: من تقدم لك؟ قالت: أبو جهم ومعاوية بن أبي سفيان وأسامة بن زيد قال: أما معاوية فرجلٌ صعلوك، لا مال له -وأصبح معاوية فيما بعد خليفة المسلمين - وأما أبو جهم فلا يضع عصاه عن عاتقه -ضراب للنساء- أنكحي أسامة بن زيد، فتزوجت أسامة فاغتبطت به﴾ وهذه مشورته ﵊.
وقالت امرأة: [[طرقت على باب عمر بن الخطاب أمير المؤمنين فقال: مه؟ قالت: أريد أن أستشيرك في رجل تقدم لي، قال: من هو؟ قالت: الزبير بن العوام]] لا إله إلا الله! الزبير أحد العشرة نحبه ونتولاه، نسأل الله أن يجمعنا به في الجنة، والعالم الإسلامي ليس فيه أحدٌ الآن مثل الزبير بن العوام من صفاقس إلى الدار البيضاء فقال عمر: [[أنعم به في دينه ولكن يدٌ بعصا ويدٌ بقرط]]
فالضرب ليس بحلٍ شرعي إلا في مواطن ذكرها الله في كتابه، قال: ﴿وَاضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلاً﴾ [النساء:٣٤]
والضرب غير المبرح: ألا يكون كثيراً مؤذياً، ولا يكون في الوجه ولا على البطن، وإنما العاقل يعرف والحر ميزان.
قالوا لـ شريح القاضي وكان يحب زينب امرأته، وجلست معه أربعين سنة: أضربتها في حياتك؟ قال: والله ما مددت يدي عليها، ثم يقول:
رأيت رجالاً يضربون نساءهم فشلت يميني يوم أضرب زينبا
ولو أني أعلم أن بعض النساء لا ينفعهن لا الكلام ولا الضرب ولا أي شيء، لكن نسأل الله حوالينا ولا علينا، ربنا اكشف عنا العذاب إنا مؤمنون، اللهم على بطون الأودية ومنابت الشجر.
стр. 6012
الاشتغال عن المرأة بأمور الحياة
ومنها أيضاً: اشتغال كثيرٍ من الناس بأمور الحياة وترك المرأة بلا حقوق، تجد أن الرسول ﷺ يقول: ﴿إن لأهلك عليك حقاً﴾ ـ كان ﷺ يشتغل بأعظم أمور الأمة وأدقها ومن ذلك: أمور الجهاد والاقتصاد والإدارة والتوجيه، ومع ذلك يعطي كل امرأة من نسائه -وكن تسعاً- حقها وكلامها ومزحها ووقتها، ولكن تجد البعض عنده زوجة واحدة وقد قصر في وقتها وفي حقها، فتجد التاجر: يخرج الصباح السابعة أو الثامنة، ولا يعود إلا في الثانية عشرة، وقد أصبح ثوباً ملقىً من كثرة ما اتصل وتكلم وغش وخان إلا من رحم ربك، فإذا أتت زوجته تحدثه قال: معاذ الله إنه ربي أحسن مثواي، دعوني أنام، فينام إلى الساعة السابعة ثم يقوم وهكذا، وكأن زوجته ليس لها حق.
وتجد بعض الدعاة يشتغل في المحاضرات والندوات والمشاركات والسفريات، حتى يترك امرأته، فإذا سمعت امرأته الشريط وهو يتكلم عن حقوق المرأة، تقول: لا إله إلا الله! أعطنا بعض هذا الشيء.
وتجد كذلك كثيراً من الشبيبة يسمرون في المقاهي -من الموظفين وأمثالهم- ينطلق الواحد منهم بعد صلاة العشاء، ويغلق على امرأته في بيته، لا هو أطعمها ولا هو تركها تأكل من خشاش الأرض، فيذهب يسمر إلى الثانية عشرة ليلاً أو الواحدة، ثم يدخل عليها في آخر الليل وهو منهك ويلقي نفسه على الفراش.
من يتحدث معها ويمزح معها ويلاطفها؟ وقد أتت شكايات ورسائل كثيرة من هذا الصنف، وبعضهن تطلب الفراق، تقول: أنا مع أمي في بيتي أحسن من مصاحبة هذا، ما أراه إلا نائماً أو غريباً وغير ذلك، وبعضهم مضياف تجد بيته دائماً يستقبل الناس في كل وقت، ويترك امرأته فقط مأمورةً منهية، تصنع الشاي والقهوة والطعام وتجهز البخور وغير ذلك، أما وقته فللأضياف الذين أخذوا عمره عليه، ولا أدعو إلى البخل، لكن دين الله وسط، للضيف وقت، وللأهل وقت، وقد قال رسول الله ﷺ : ﴿إن لأهلك عليك حقاً ولضيفك عليك حقاً﴾.
стр. 6013
تجريح المرأة
التجريح عند البعض يكون بكلمات محرقة كاللعن والعياذ بالله آخرها امرأة في عصر هذا اليوم اتصلت تبكي، تقول: لعنها زوجها -نعوذ بالله- وهذا يدل على قلة دينه وخوفه من الله تعالى، أسأل الله أن يصلحه.
وكثير منهن تتوهم أن اللعن طلاق، وأنها تنفذ وتخرج من عصمته، والصحيح: أن اللعن كبيرة من الكبائر، وعليه أن يتوب وأن يستغفر، وأنا أحذر الأزواج من استخدام اللعن والشتم، بل بعضهم والعياذ بالله إذا غضب عليها قذفها في عرضها، لو وصلت إلى المحكمة لأقيم عليه حد القاذف، وبعضهم يسبها ويسب أهلها، ويلعن والديها أو قبيلتها أو أسرتها والعياذ بالله، وهذا من الجهل ومن قلة مراقبة الله، فاتقوا الله في ذلك، قال تعالى: ﴿فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾ [البقرة:٢٢٩].
عليك أحد الأمرين: إن أحببتها فأمسكها محترمة، وإن لم تحبها وليس لها في قلبك منزلة فخذها بكل احترام وأوصلها إلى أهلها، عارية مضمونة.
стр. 6014
إفشاء سر المرأة أو خصوصياتها مع زوجها
إذا أفضى الرجل إلى زوجته وأفضت إليه بحديثٍ خاص فلا يجوز أن ينشر، تجد بعض الناس لبرودته ولقلة شهامته ولانخلاعه ولقلة غيرته يخبر زملاءه وإخوانه بما قالت له امرأته من حديث خاص، وقد حذر ﵊ من هذا، ووصف أولئك بأنهم من أقل الناس مروءة، أو كما ورد عنه ﵊، وهؤلاء قومٌ ماتت الغيرة عندهم تماماً، وليس عندهم يقظة من إيمان، وإلا فالمرأة سر عندك مكنون، ودرة محفوظة، عليك أن تحفظ سرها، وعليها هي كذلك أن تحفظ سرك، فإنه يوجد بالمقابل من النساء من تذهب إلى زميلاتها وصديقاتها في المجالس فتخبرها بما فعل بها فتخبرهن وبما فعلت هي معه، وبما قالت وبما قال لها من أمورٍ لا يجوز أن تخرج عن البيت، فلينتبه لهذا.
стр. 6015
غيرتنا على محارمنا
أيها الإخوة الكرام: هذا دفاع عن المرأة وأنا أسأل الله أن يجعلنا أكثر دفاعاً عن المرأة، ليس بالمحاضرات ولا بالكلام لكن بالدماء وبالجماجم، فإنه لم يبق معنا إلا ديننا الذي هو عصمة أمرنا وأعراضنا، وأعظم أعراضٍ لنا أخواتنا وبناتنا، فلا تتوهم أختٌ أو بنتٌ في مدرسة أو في كلية أو في جامعة أن الدعاة يريدون التشهير أو التجريح، لا والله.
إننا لا نعتبر أولئك إلا كأخواتنا وبناتنا، ويعلم الله أني لو سمعت أن امرأة مست في كرامتها أو عفافها فإني أنزعج انزعاجاً لا يعلمه إلا الله، ولا خير في الحياة إذا لم يقاتل ويدافع عن هؤلاء الصنف الكريم من النساء.
والحقيقة أن من الغيرة لله ولرسوله الواجبة علينا جميعاً أن نلاحظ الجانب النسائي في قضية الندوات والجمعيات، وأن نقول كلمة الحق، وأن ننقذ الموقف قبل أن يصبح في مرحلة لا نستطيع إنقاذه فيها، ولا أن نقول شيئاً، فلذلك نقول للناس: اتقوا الله في بناتنا، وأخواتنا، وزوجاتنا.
والله ما أحسب أي امرأة مسلمة إلا كأختي أو كابنتي، وإن الإنسان والله يغضب ويصل به درجة البكاء والانهيار إذا سمع أن امرأة وقعت في فاحشة أو نيل من كرامتها، أو أخذت بالتدريج ليوقع بها في مكانٍ لا يحمد عقباه، أو في مصيرٍ يهدد مستقبل الإسلام، كان سعد بن عبادة جالساً عند الرسول ﵊ فقال: ﴿يا رسول الله! لو وجد أحدنا مع امرأته رجلاً -أجنبياً - ماذا يعمل؟ قال ﷺ : يستشهد أربعة من الناس، قال: يا رسول الله! أأتركها معه وأذهب أجمع أربعة؟! والذي لا إله إلا هو لأضربنها هي وإياه بالسيف غير مصفح -أي: بحده- فقال ﵊ وهو يتبسم: أتعجبون من غيرة سعد! والذي نفسي بيده! إني لأغير منه، وإن الله أغير مني﴾.
هذا سعد بن عبادة بن دليم البطل، كان يضيف في اليوم الواحد المائة والثمانين والمائتين في صحفة واحدة، كانت صحفته يحملها أربعة، وكان هذا البطل تزوج امرأة من الأنصار أركبها على الفرس، فلما وصلت نحر الفرس، قالوا: لماذا؟ قال: [[حتى لا يركب الفرس رجلٌ مكان امرأتي]] لله درك!
نسبٌ كأن عليه من شمس الضحى نوراً ومن فلق الصباح عمودا
وفي صحيح مسلم عن ابن مسعود قال: قال رسول الله ﷺ : ﴿إن الله يغار﴾ وفي لفظ: ﴿إن الله غيور﴾ ومن غيرته أنه حرم الفواحش ما ظهر منها وما بطن، ومن غيرته أن يغار على عبده المؤمن أن يزني، وعلى أمته المؤمنة أن تزني، فلا نريد ذلك.
أماتت الغيرة فينا بحجة الهدوء ومصلحة الدعوة وعدم تجريح الجهات؟!! ثم تضيع أعراضنا وبناتنا وأخواتنا! لا! ﴿قل الحق ولو كان مراً﴾ رواه ابن حبان، والحق قد يذهب بالرءوس، لكن إلى جنة عرضها السماوات والأرض: ﴿إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لا يَرْجُونَ﴾ [النساء:١٠٤] ﴿إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ﴾ [آل عمران:١٤٠].
فالواجب على المسلم أن يحيي هذه الغيرة وأن ينبتها، وأن يذكرها في المجالس، وأن يربي الأمة عليها، فإذا نشأ الجيل على الغيرة وجدت جيلاً مسلماً صامداً، فيه من الحمية ما لا يعلمه الله.
أعرابيٌ في القرن الأول رأى امرأته تنظر إلى رجل من النافذة، قال: يا عدوة الله! تنظرين إليه؟ قالت: والله ما أحببته ولا فعلت معه الفاحشة؛ بل نظرت هكذا، قال: هكذا، ثم طلقها، فقالوا له: لماذا؟ قال:
إذا وقع الذباب على طعامٍ رفعت يدي ونفسي تشتهيهِ
وتجتنب الأسود ورود ماءٍ إذا كن الكلاب ولغن فيهِ
ومن الغيرة عند الجاهليين، وهي غيرة محبوبة أصّلها الإسلام، ولكنها غيرة أنبتتها المروءة والشهامة ما عند عنترة بن شداد، قال:
وأغض طرفي إن بدت لي جارتي حتى يواري جارتي مأواها
يقول: إذا بدت الجارة غضضت طرفي حتى تدخل بيتها، وقد قال حاتم الطائي ما هو أحسن من ذلك في أبيات جميلة له! وغيره كـ المقنع الكندي، ذكرها صاحب العقد الفريد، وصاحب عيون الأخبار ابن قتيبة وغيرهم.
أيها الناس! أسأل الله أن يتقبل منا ومنكم، وأن يحفظنا وإياكم وأن يرعانا.
стр. 6016
الأسئلة
стр. 6017
كتاب الأسبوع
السؤال
تعودنا على الكتاب الأسبوعي فما كتاب هذا الأسبوع؟
الجواب
كما تعرفون تعودت في كل أسبوع أن أنوه عن كتاب، ومن شروط الكتاب أن يكون تحت مظلة أهل السنة والجماعة، وأن يعايش أحوال الناس، وألا يكون فيه طولٌ مملٌ ولا قصرٌ مخل، والكتاب الذي أقترحه هذه الليلة: " الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي لـ ابن القيم، وسبق أن أشرت إلى كتابين؛ الكتاب الأول صيد الخاطر لـ ابن الجوزي، والكتاب الثاني جامع العلوم والحكم لـ ابن رجب، والكتاب الثالث الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي.
أسأل الله لي ولكم التوفيق والهداية والرشد والسداد، وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
стр. 6018
جنسية المسلم
ربما ظن الإنسان أن العزة والرفعة بالأنساب والأحساب، لكن هذا في ديننا غير وارد، فالعزة فيه لا تكون إلا بالتقوى والطاعة.
فالإسلام رفع بلالاً الحبشي، وسلمان الفارسي، وصهيباً الرومي، ولم ينظر إلى أنسباهم؛ وأذل ونكس أبا جهل وعقبة بن أبي معيط وأبو لهب، ولم يعتبر بأنسابهم؛ لأنهم كفروا وتجبروا على الله.
والله أعز المسلمين بالإسلام مع أنهم كانوا في ضيق العيش وفقر شديد ونحن قوم أعزنا الله بالإسلام فمهما ابتغينا العزة بغيره أذلنا الله.
стр. 6019
قيمة العرب بالإسلام
اللهم لك الحمد خيراً مما نقول، وفوق ما نقول، ومثل ما نقول.
لك الحمد بالإيمان, ولك الحمد بالإسلام، ولك الحمد بمحمد رسول الله ﷺ .
عز جاهك، وجل ثناؤك، وتقدست أسماؤك، ولا إله إلا أنت.
في السماء ملكك، وفي الأرض سلطانك، وفي البحر عظمتك، وفي الجنة رحمتك، وفي النار سطوتك، وفي كل شيء حكمتك وآيتك.
أنت رب الطيبين، وأنت عضد الملتجئين، لك الحمد حتى ترضى، ولك الحمد إذا رضيت، ولك الحمد بعد الرضا.
والصلاة والسلام على من أرسلته معلماً وهادياً ومبشراً ونذيراً، وداعياً إلى الخير بإذنه وسراجاً منيراً.
بلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، هدى الله به الإنسانية، وأنار به أفكار البشرية، وزعزع به كيان الوثنية.
فصلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.
أمَّا بَعْد:
فسلام الله عليكم ورحمته وبركاته.
وإنها لسانحة طيبة، وفرصة عظيمة، أن أرى هذه الوجوه الغالية، وإن كان من شكر، فإني أتوجه بالشكر الجزيل إلى الله الحي القيوم، الذي رفع رءوسنا وأنار قلوبنا بالإسلام، ثم أشكر أهل الفضل: ﴿الذي لا يشكر الناس لا يشكر الله﴾.
فأشكر قائد هذه القاعدة ومساعده، وأشكركم شكراً جماً على حرصكم على الخير، وعلى دعوة الإسلام، والرسالة الخالدة، ومجالس الذكر, وما أشبهكم بقول الأول يوم قال:
هَيْنُون لَيْنُون أيسارٌ بني يَسَرٍِ صِيْدٌ بَهاليل حَفَّاظون للجارِِ
من تلق منهم تقل لاقيت سيدهم مثل النجوم التي يسري بها الساري
وأنتم نجوم من نجوم الإسلام، إذا كانت مظلتكم (لا إله إلا الله)، وعقيدتكم تستضيء بـ (لا إله إلا الله)، ومسيرتكم ترفرف عليها (لا إله إلا الله)؛ فهنيئاً لكم.
معشر المسلمين: نحن الأمة العربية قبل الإسلام لم يكن لنا تاريخ، ولو زعم القوميون وأهل التراب والوطنيون أن لنا تاريخاً فأين تاريخنا؟ بل تاريخنا مبدؤه من رسول الله ﷺ .
نظر الله إلى الأمة العربية فوجدها أمة ضائعة حقيرة، مسكينة متقاتلة، فرحمها من فوق سبع سماوات، قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولاً مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ [الجمعة:٢].
وقد صحَّ عنه ﵊ كما في صحيح مسلم من حديث عياض بن حمار أنه قال: ﴿إن الله نظر إلى أهل الأرض فمقتهم جميعاً عربهم وعجمهم إلا بقايا من أهل الكتاب، ثم بعث محمداً ﵊﴾.
إن البرية يوم مبعث أحمدا نظر الإله لها فبدل حالها
بل كرم الإنسان حين اختار من خير البرية نجمها وهلالها
لبس المرقع وهو قائد أمة جبت الكنوز فكسرت أغلالها
لما رآها الله تمشي نحوه لا تبتغي إلا رضاه سعى لها
فأمدها مدداً وأعلى شأنها وأزال شانئها وأصلح بالها
مَن الذي أصلح بال هذه الأمة، ورفع قيمتها وأتى بمجدها إلا الحي القيوم.
إننا أمة نتعامل بالوحي، وأمة فيها قداسة، قال تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ [آل عمران:١١٠].
إذا فاقنا الآخَرون بالطائرات والصواريخ والصناعات والذرة، فقد فُقْناهم -والله- بـ (لا إله إلا الله).
ديننا مستمد من الحي القيوم، ورسالتنا خالدة، عبرنا بها المحيطات، وسرنا بها على البحور.
ولذلك أقف معكم، مع شاعر الباكستان محمد إقبال، وهو يأتي قبل أربعين سنة ليحج في مكة، وليطوف بالبيت العتيق، كان يسمع بـ الجزيرة العربية، ويظن أنه إذا دخل مكة سوف يرى أبناء الصحابة، وأحفاد التابعين، أحفاد خالد بن الوليد وسعد بن أبي وقاص وطارق بن زياد، الذين فتحوا المعمورة بـ (لا إله إلا الله)، الذين نشروا السلام في بقاع الأرض.
فأتى، ففوجئ بمجتمع غير ذاك المجتمع، مجتمع همه لقمة العيش، والقصر والسيارة والوظيفة والشهرة والمنصب، فبكى طويلاً وسجل مقطوعة شعرية رائعة اسمها: (تاجِكْ مكة) أي: أنا في مكة، يقول وهو يتحدث ويناجي الله وهو يطوف ويبكي:
نحن الذين استيقظت بأذانهم دنيا الخليقة من تهاويل الكرى
ثم يقول:
بمعابد الإفرنج كان أذاننا قبل الكتائب يفتح الأمصارا
لم تنس إفريقيا ولا صحراؤها سجداتنا والأرض تقذف نارا
كنا جبالاً في الجبال وربما صرنا على موج البحار بحارا
ثم يعود فيقول:
كنا نرى الأصنام من ذهب فنهدمها ونهدم فوقها الكفارا
لو كان غير المسلمين لحازها كنزاً وصاغ الحلي والدينارا
يقول: أين تاريخنا المشرق؟ أين أسلافنا الذين أقبلوا على الله وجاهدوا لتكون كلمة الله هي العليا؟!
ويتذكر محمد إقبال تاريخنا القديم، تاريخ محمود بن سبكتكين، السلطان العادل الكبير، الذي فتح ألف ولاية في المشرق، ودخل بستمائة ألف من الجيش، ولما أتى إلى الهند، رأى الأصنام من ذهب، فقال له ملك الهند: خذ هذه الأصنام واتركنا في ديارنا، قال: يا سبحان الله! يدعوني الله يوم القيامة: يا بائع الأصنام! لا.
بل أريد أن أدعى يوم القيامة: يا مكسر الأصنام! والله لا أشتري بـ (لا إله إلا الله) ثمناً، ولو جمعت لي الدنيا وما فيها ذهباً وفضة.
ثم أمر جيشه أن يهرعوا إلى الأصنام ليكسروها.
стр. 6020
معالم الإقبال على الآخرة والإعراض عن الدنيا
стр. 6021
صحة الانتماء لدين الإسلام
إن المسلم في بعض اللحظات والأيام قد ينسى انتماءه إلى الحي القيوم، وينسى انتماءه إلى الإسلام، وينسى جنسيته المسلمة، ويغتر ببعض المظاهر الخلابة التي تعرضها أمم الأرض الكافرة، ويا سبحان الله!
أسألكم بالله، هل لنا شرف غير الإسلام؟ وهل لنا انتماء غير الرسالة الخالدة؟ من نحن لولا الإسلام؟
والله، ما كانت الأمم تنظر إلينا بعين الرضا ولا بعين الإعظام، وإنما تنظر إلينا كما تنظر إلى البدو رعاة الأغنام والإبل.
стр. 6022
عزة ربعي بن عامر بالإسلام
يدخل قائد من قوادنا، بل جندي من جنودنا في قادسية (لا إله إلا الله) القادسية التي خاضها سعد بن أبي وقاص ضد رستم وكسرى أنو شروان.
فيكتب رستم لـ سعد بن أبي وقاص قبل المعركة بثلاثة أيام ويقول له: أرسل لي جندياً من جنودك أتحدث معه.
ومقصود رستم أن يرى هذا الجندي ويرى انتماءه وجنسيته ويرى كلامه؛ لتكون مصداقية المعركة على هذه المفاوضات.
فاختار سعد ﵁ وأرضاه شاباً زاهداً عابداً ولياً من أولياء الله؛ لأن القلب إذا عمرته (لا إله إلا الله) تحركت الجوارح بمبدأ (لا إله إلا الله) والله يقول في الحديث القدسي: ﴿ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنتُ سمعه الذي يسمع بها، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها﴾.
فاختار سعد ﵁ ربعي بن عامر، وقال: اذهب، وفاوض رستم.
فماذا فعل ربعي بن عامر؟ هل غير من لباسه هيئته؟ لا.
إن الفخر لك أن تكون مسلماً، وأن تكون في هيئتك ولباسك وسنتك، وفي المعالم التي أتى بها رسول الله ﷺ ؛ لأن بعض الناس قد يصيبه خجل وحيرة إذا سافر إلى بلاد أخرى أن ينتسب للإسلام، أو أن تظهر عليه معالم السنة، وقد يجد غضاضة، أما ربعي بن عامر فلم يغير من هيئته أبداً.
أتى برمح في يده ملفوف في لفائف من قماش لأنه ما وجد غمداً له، وأتى بفرس معقور عنده، ودخل على رستم، فصف رستم قواده؛ ليرهب هذا الجندي لعله أن يختلط في الكلام، أو أن يحتار في الحديث، أو أن يضحك عليه القواد والوزراء.
فجلس رستم وعليه التاج من الذهب، وحوله قواده ووزراؤه ومستشاروه، ودخل ربعي بن عامر يقود فرسه على بساط رستم، فيقول له الحارس: اربط الفرس خارج الخيمة، وكان في الصحراء، قال: والله! لأدخلن بفرسي، فإن شاء أن أدخل وإلا عدتُ، فإنه هو الذي دعاني وما طلبت مقابلته، فقال رستم: دعوه يدخل، فدخل وبيده الرمح، فلما رآه رستم ضحك وقهقه، وقال لـ ربعي بن عامر ومعهما الترجمان: جئتم تفتحون الدنيا بهذا الرمح المُثلَّم، وبهذا الفرس المعقور، وبهذه الثياب الممزقة؟
فماذا يقول له ربعي؟ اسمع للذي تربى على القرآن ودرس في مدرسة محمد رسول القرآن ﷺ يقول: نعم.
إن الله ابتعثنا لنخرج العباد من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد، ومن ضيق الدنيا إلى سعة الآخرة، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام.
فاحتار رستم في هذا الجواب الذي كأنه صواعق.
فقال لـ ربعي بعد أن حلف بإلهه: لا تغادر خيمتي حتى تحمل من تراب الخيمة على رأسك -إهانة له- فضحك ربعي بن عامر، وقال: هذا أول النصر إن شاء الله.
وهذا يشير إلى أننا سوف نملك أرضكم وقصوركم ودياركم وأرضاً لم نطأها، فحمله شيئاً من التراب على صحفة وخرج به، فالتفت إليه الوزراء، وقالوا له: أسأت، إن هذا معناه أنهم سوف يملكون أرضنا، قالوا: ردوه إلينا، فذهبوا وراءه فلم يجدوه؛ لأنه قد وصل إلى جيش الإسلام.
فلما رآه سعد أقبل، قال: ماذا على رأسك؟
قال ربعي: تراب سلمنيه من أرضه.
قال سعد: الله أكبر! إنا إذا دخلنا قرية قوم فساء صباح المنذرين، فكبر المسلمون.
فقال رستم في رسالة إلى سعد: أنظرني يومين قبل المعركة، فأنظره سعد يومين، فلما حضرت صلاة الظهر، قال رستم: أخرجوني لأرى هؤلاء البدو كيف يصلون وكيف ينتظمون، فأخرجوه في صلاة الظهر، وكان عدد جيش رستم مائتي ألف، وجيش الإسلام اثنان وثلاثون ألفاً.
انظر إلى البَون الشاسع بينهما؛ ولكن الله ذو القدرة الغالبة، ومن اعتمد على الله انتصر، فإنه الركن.
فاشدد يديك بحبل الله معتصماً فإنه الركن إن خانتك أركانُ
فيأتي سعد يصلي بهم صلاة الظهر وهو القائد، فيكبر فيكبر بعده اثنان وثلاثون ألف مقاتل، ويركع فيركعون بعده، ويرفع فيرفعون بعده.
فيأتي رستم يعض على أصابعه ويقول: علم محمد الكلاب الأدب.
بل علم الأسود الأدب ﵊.
ويأتي صباح نهار المعركة، فما يثبتون أمام (لا إله إلا الله) يزحف عليهم جيش الإسلام، فيتكسرون أمام الزحوف والكتائب.
وبعد ثلاثة أيام يأخذ سعد ﵁ الأرض بما فيها، كنوزاً وذهباً وفضة وجنوداً ومقاتلين وقصوراً ودوراً، ويدخل إيوان كسرى، إيوان العمالة والضلالة، فيبكي سعد ويقول: صدق الله حيث يقول: ﴿كَمْ تَرَكُوا مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ * وَزُرُوعٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ * وَنَعْمَةٍ كَانُوا فِيهَا فَاكِهِينَ * كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا قَوْماً آخَرِينَ * فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ وَمَا كَانُوا مُنْظَرِينَ﴾ [الدخان:٢٥ - ٢٩].
نعم.
كنا ننتصر على الناس، وكانت ترتفع رءوسنا يوم كان انتسابنا حقاً إلى الله، وإلى رسول الهدى ﷺ .
ولذلك يقول الأول:
ومما زادني شرفاً وفخراً وكدت بأخمصي أطأ الثريا
دخولي تحت قولك يا عبادي وأن صيرت أحمد لي نبيا
هل هناك شرف أعظم من أن تنتسب إلى رسالة الإسلام؟ وهل هناك جنسية يمكن أن تفرض نفسك على العالم بها غير الإسلام؟
فالإسلام الرسالة الخالدة.
стр. 6023
دخول علماء الكفار إلى الإسلام
ووالله ثم والله! إن العبد يندهش حينما يجد أبناء الإسلام الذين ولدوا في أرض الإسلام، وتربوا على مبادئ الإسلام، يتخلون عن الإسلام، ويجد أهل الكفر لما بلغوا درجة تفجير الطاقة الذرية يعودون إلى الإسلام ويدخلون في دين الله زرافات ووحداناً.
يقول كريسي موريسون العالم الأمريكي كما ينقل عنه سيد قطب: إنني احترت كيف أعيش؟! فعرفت الله فعشت، ويقول عنه في كتابه أمريكا التي رأيت: "إلى أين تسير البشرية إذا لم تعرف ربها؟ ".
ويقول أليكسس في كتاب الإنسان ذلك المجهول الذي تُرجم إلى عشر لغات، يقول في هذا الكتاب: إن البشرية سوف تبقى حائرة حتى تتعرف على الله.
وهذه هي رسالة محمد ﷺ ؛ فإنه جاء يعرفنا على الواحد الأحد ﵎، وليصل نسبنا بهذا الدين الخالد الذي إذا تركناه ضعنا والله، فإننا لا نباري الأمم بطاقة، ولا بسلاح، ولا بصناعة، ولا بمنتجات، سبقونا في الصناعة، والمنتجات، والمادة، يقول عز من قائل فيهم: ﴿يَعْلَمُونَ ظَاهِراً مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ﴾ [الروم:٧].
أما الحياة فأجادوا فيها كل الإجادة، ولكن: ﴿بل ادَّارَكَ عِلْمُهُمْ فِي الْآخِرَةِ بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْهَا بَلْ هُمْ مِنْهَا عَمُونَ﴾ [النمل:٦٦].
فهم قد انسلخوا من المبادئ والقيم وانتهوا ثم عادوا يراجعون حسابهم، وأما عقلاؤهم فهم يريدون دخول الإسلام الآن.
وفي القناة الثامنة التي يبثها التلفزيون الأمريكي مع أحمد ديدات، العالم الهندي، يقول عالم من علمائهم دايل كارنيجي: الآن عرفت أني مخطئ من خمسين سنة، والآن أهتدي وأعرف طريقي، ويقول في المقابلة الثانية: الآن أولد طفلاً مع الإسلام وأتربى في حجر الإسلام.
علماؤهم وأهل طاقتهم، ومفكروهم عادوا الآن ينتسبون إلى الإسلام، وأبناؤنا وشبابنا إلا من رحم الله إذا سافروا عادوا كأنهم ولدوا هناك وتربوا ورضعوا هناك إلا من رحم الله.
стр. 6024
عزة عمر بدينه
عمر بن الخطاب ﵁ وأرضاه يدخل بيت المقدس، فيستعرض أمامه جيشاً قوامه أربعون ألفاً، وعلى رأسه عمرو بن العاص وشرحبيل بن حسنة ويزيد بن أبي سفيان وأبو عبيدة، وهم يصفون الكتائب أمامه، فيدخل وهم ينتظرونه، ويخرج النصارى على أسطحة المنازل ينتظرون هذا الخليفة الذي دوَّخ الدنيا وهز المعمورة، وأصبح للأرض منه رجة، ينتظرونه، ينظرون ما الذي سوف يقدم عليه من موكب وكيف حرسه ولباسه وقوته وجيشه وجنوده ووزراؤه ومستشاروه، فينتظرون مذهولين؛ لأن عمر دوَّخ العالم، حتى يقول محمود غنيم:
يا من يرى عمراً تكسوه بردته والزيت أدم له والكوخ مأواهُ
البردة: فيها أربع عشرة رقعة.
يهتز كسرى على كرسيه فرقاً من خوفه وملوك الروم تخشاهُ
يا من يرى عمر: يقول: تبصروا في عمر أين كان يسكن؟ في بيت من الطين مساحته ثلاثة أمتار في مترين، وغداؤه زيت في شعير.
يا من يرى عمراً تكسوه بردته والزيت أدم له والكوخ مأواهُ
يهتز كسرى على كرسيه فَرَقاً من خوفه وملوك الروم تخشاه
لماذا؟ لأن الله أخذ على نفسه أن من خاف منه ﵎ خوَّف منه كل شيء، والذي يخاف من غيره؛ خوفه الله من كل شيء؛ ولذلك بعض الناس يخافون من هذه القوى، والكتل والهيئات، فيخوفه الله منها، ولو خافوا منه لخوَّف أولئك منهم، فهذا لزام منه .
يقدم عمر فيأتي إلى بيت المقدس ليفتحه على ناقة، ومعه خادمه ميسرة، يركب عمر مسافة ما يقارب الثلث ساعة، فإذا تعب خادمه نزل وأركب الخادم وقاد هو الجمل، فلما أشرف على الناس والكتائب حول المسجد الأقصى، والأمراء قد وقفوا، والنصارى أطفالاً وشيوخاً وشباباً بأعلامهم على سطوح المنازل، قد عبئوها لقدوم الخليفة الذي دوَّخ الدنيا، فيقدم هذا الرجل الذي يقود الجمل؛ لأن نوبته أتت في قيادة الجمل وقت دخول بيت المقدس، فيقول الخادم: يا أمير المؤمنين! سوف أنزل لأننا وصلنا، قال عمر: أنوبتك أم نوبتي؟ قال: لا.
نوبتي، قال: لا.
نحن قوم أعزنا الله بالإسلام، ومهما ابتغينا العزة في غيره أذلنا الله.
فانتسابنا إلى الحي القيوم منه العزة، فإنه الذي يعز ويهدي، ويوفق ويسدد.
فقال النصارى: أهذا خادم أتى يبشر بقدوم أمير المؤمنين؟ فاحتار القائد عمرو بن العاص وأتى إلى عمر، وقال: فضحتنا يا أمير المؤمنين!
قال عمر: ماذا؟ قال عمرو: أتيت على جمل وقد قامت الدنيا وقعدت لاستقبالك.
قال عمر: يا عمرو! ثكلتك أمك، من كنا قبل الإسلام؟ أما كنا رعاة أغنام؟ قال عمرو: بلى.
قال عمر: فإنا قوم أعزنا الله بالإسلام، فمهما ابتغينا العزة في غيره أذلنا الله.
وبالفعل يحدث هذا، كلما حاول شخص أن يعتز بغير هذا الدين؛ مقته الله وأذله، وأخسأه وهزمه وفضحه أمام العالمين.
فقدم عمر ﵁ فلما قدم كبر القواد فاهتز المسجد بتكبيرهم، ثم قال عمر لـ بلال يا بـ بلال، أسألك بالله أن تسمعنا الأذان، لقد حانت صلاة الظهر.
وبلال بعد أن أذن للرسول ﵊، وتوفي الرسول ﵊ قام تلك الليلة ليؤذن، في أول ليلة بعد وفاة الرسول ﵊ فلما قال: أشهد أن محمداً رسول الله، تذكر الرسالة والرسول فبكى، وقطع الأذان، وحلف بالله لا يؤذن لأحد بعد رسول الله ﷺ .
فلما جاء عمر وحانت صلاة الظهر قال: يا بلال! أسألك بالله أن تؤذن لنا هذا اليوم يريد أن يذكره بالصوت الحبيب الشجي، الذي تألفه الأرواح والذي يسري عذباً في الآذان.
فقام بلال يردد الصوت الخالد الذي فتحنا به المعمورة، يردد صوت السماء، الذي دوخنا به الدنيا، وسرنا به على المحيطات والأبحر، يقول: الله أكبر، الله أكبر فبكى عمر، وبكى المسلمون، وبكى النصارى.
وكان الفتح: فتحها عمر بجمل واحد، لكن (لا إله إلا الله) تمكنت في قلب عمر.
стр. 6025
الإسلام هو مصدر الفخر والاعتزاز
يقول الله وهو يذكر الصحابة والرسول ﵊: ﴿وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ وَسَوْفَ تُسْأَلونَ﴾ [الزخرف:٤٤].
يقول: هذا القرآن شرف لك، وشرف لقومك ولكل جيل يأتي بعدك إلى قيام الساعة.
وسوف تسألون عن الرسالة الخالدة.
ولذلك لا ينبغي أن ندس رءوسنا، ولا أن نخجل أمام العالم، بل نقول: (لا إله إلا الله) بشجاعة، ونقول: (لا إله إلا الله) بقوة ونعلن انتماءنا وانتسابنا وجنسيتنا أننا عباد لله.
والذي يذهب لينتسب لغير نسبة الإسلام، سوف ينقطع نسبه يوم يجمع الله الأولين والآخرين.
следующие страницы →