Полный текст (10 391 стр.). Показаны 6021–6060 · переход к 6026.
стр. 6021
صحة الانتماء لدين الإسلام
إن المسلم في بعض اللحظات والأيام قد ينسى انتماءه إلى الحي القيوم، وينسى انتماءه إلى الإسلام، وينسى جنسيته المسلمة، ويغتر ببعض المظاهر الخلابة التي تعرضها أمم الأرض الكافرة، ويا سبحان الله!
أسألكم بالله، هل لنا شرف غير الإسلام؟ وهل لنا انتماء غير الرسالة الخالدة؟ من نحن لولا الإسلام؟
والله، ما كانت الأمم تنظر إلينا بعين الرضا ولا بعين الإعظام، وإنما تنظر إلينا كما تنظر إلى البدو رعاة الأغنام والإبل.
стр. 6022
عزة ربعي بن عامر بالإسلام
يدخل قائد من قوادنا، بل جندي من جنودنا في قادسية (لا إله إلا الله) القادسية التي خاضها سعد بن أبي وقاص ضد رستم وكسرى أنو شروان.
فيكتب رستم لـ سعد بن أبي وقاص قبل المعركة بثلاثة أيام ويقول له: أرسل لي جندياً من جنودك أتحدث معه.
ومقصود رستم أن يرى هذا الجندي ويرى انتماءه وجنسيته ويرى كلامه؛ لتكون مصداقية المعركة على هذه المفاوضات.
فاختار سعد ﵁ وأرضاه شاباً زاهداً عابداً ولياً من أولياء الله؛ لأن القلب إذا عمرته (لا إله إلا الله) تحركت الجوارح بمبدأ (لا إله إلا الله) والله يقول في الحديث القدسي: ﴿ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنتُ سمعه الذي يسمع بها، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها﴾.
فاختار سعد ﵁ ربعي بن عامر، وقال: اذهب، وفاوض رستم.
فماذا فعل ربعي بن عامر؟ هل غير من لباسه هيئته؟ لا.
إن الفخر لك أن تكون مسلماً، وأن تكون في هيئتك ولباسك وسنتك، وفي المعالم التي أتى بها رسول الله ﷺ ؛ لأن بعض الناس قد يصيبه خجل وحيرة إذا سافر إلى بلاد أخرى أن ينتسب للإسلام، أو أن تظهر عليه معالم السنة، وقد يجد غضاضة، أما ربعي بن عامر فلم يغير من هيئته أبداً.
أتى برمح في يده ملفوف في لفائف من قماش لأنه ما وجد غمداً له، وأتى بفرس معقور عنده، ودخل على رستم، فصف رستم قواده؛ ليرهب هذا الجندي لعله أن يختلط في الكلام، أو أن يحتار في الحديث، أو أن يضحك عليه القواد والوزراء.
فجلس رستم وعليه التاج من الذهب، وحوله قواده ووزراؤه ومستشاروه، ودخل ربعي بن عامر يقود فرسه على بساط رستم، فيقول له الحارس: اربط الفرس خارج الخيمة، وكان في الصحراء، قال: والله! لأدخلن بفرسي، فإن شاء أن أدخل وإلا عدتُ، فإنه هو الذي دعاني وما طلبت مقابلته، فقال رستم: دعوه يدخل، فدخل وبيده الرمح، فلما رآه رستم ضحك وقهقه، وقال لـ ربعي بن عامر ومعهما الترجمان: جئتم تفتحون الدنيا بهذا الرمح المُثلَّم، وبهذا الفرس المعقور، وبهذه الثياب الممزقة؟
فماذا يقول له ربعي؟ اسمع للذي تربى على القرآن ودرس في مدرسة محمد رسول القرآن ﷺ يقول: نعم.
إن الله ابتعثنا لنخرج العباد من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد، ومن ضيق الدنيا إلى سعة الآخرة، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام.
فاحتار رستم في هذا الجواب الذي كأنه صواعق.
فقال لـ ربعي بعد أن حلف بإلهه: لا تغادر خيمتي حتى تحمل من تراب الخيمة على رأسك -إهانة له- فضحك ربعي بن عامر، وقال: هذا أول النصر إن شاء الله.
وهذا يشير إلى أننا سوف نملك أرضكم وقصوركم ودياركم وأرضاً لم نطأها، فحمله شيئاً من التراب على صحفة وخرج به، فالتفت إليه الوزراء، وقالوا له: أسأت، إن هذا معناه أنهم سوف يملكون أرضنا، قالوا: ردوه إلينا، فذهبوا وراءه فلم يجدوه؛ لأنه قد وصل إلى جيش الإسلام.
فلما رآه سعد أقبل، قال: ماذا على رأسك؟
قال ربعي: تراب سلمنيه من أرضه.
قال سعد: الله أكبر! إنا إذا دخلنا قرية قوم فساء صباح المنذرين، فكبر المسلمون.
فقال رستم في رسالة إلى سعد: أنظرني يومين قبل المعركة، فأنظره سعد يومين، فلما حضرت صلاة الظهر، قال رستم: أخرجوني لأرى هؤلاء البدو كيف يصلون وكيف ينتظمون، فأخرجوه في صلاة الظهر، وكان عدد جيش رستم مائتي ألف، وجيش الإسلام اثنان وثلاثون ألفاً.
انظر إلى البَون الشاسع بينهما؛ ولكن الله ذو القدرة الغالبة، ومن اعتمد على الله انتصر، فإنه الركن.
فاشدد يديك بحبل الله معتصماً فإنه الركن إن خانتك أركانُ
فيأتي سعد يصلي بهم صلاة الظهر وهو القائد، فيكبر فيكبر بعده اثنان وثلاثون ألف مقاتل، ويركع فيركعون بعده، ويرفع فيرفعون بعده.
فيأتي رستم يعض على أصابعه ويقول: علم محمد الكلاب الأدب.
بل علم الأسود الأدب ﵊.
ويأتي صباح نهار المعركة، فما يثبتون أمام (لا إله إلا الله) يزحف عليهم جيش الإسلام، فيتكسرون أمام الزحوف والكتائب.
وبعد ثلاثة أيام يأخذ سعد ﵁ الأرض بما فيها، كنوزاً وذهباً وفضة وجنوداً ومقاتلين وقصوراً ودوراً، ويدخل إيوان كسرى، إيوان العمالة والضلالة، فيبكي سعد ويقول: صدق الله حيث يقول: ﴿كَمْ تَرَكُوا مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ * وَزُرُوعٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ * وَنَعْمَةٍ كَانُوا فِيهَا فَاكِهِينَ * كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا قَوْماً آخَرِينَ * فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ وَمَا كَانُوا مُنْظَرِينَ﴾ [الدخان:٢٥ - ٢٩].
نعم.
كنا ننتصر على الناس، وكانت ترتفع رءوسنا يوم كان انتسابنا حقاً إلى الله، وإلى رسول الهدى ﷺ .
ولذلك يقول الأول:
ومما زادني شرفاً وفخراً وكدت بأخمصي أطأ الثريا
دخولي تحت قولك يا عبادي وأن صيرت أحمد لي نبيا
هل هناك شرف أعظم من أن تنتسب إلى رسالة الإسلام؟ وهل هناك جنسية يمكن أن تفرض نفسك على العالم بها غير الإسلام؟
فالإسلام الرسالة الخالدة.
стр. 6023
دخول علماء الكفار إلى الإسلام
ووالله ثم والله! إن العبد يندهش حينما يجد أبناء الإسلام الذين ولدوا في أرض الإسلام، وتربوا على مبادئ الإسلام، يتخلون عن الإسلام، ويجد أهل الكفر لما بلغوا درجة تفجير الطاقة الذرية يعودون إلى الإسلام ويدخلون في دين الله زرافات ووحداناً.
يقول كريسي موريسون العالم الأمريكي كما ينقل عنه سيد قطب: إنني احترت كيف أعيش؟! فعرفت الله فعشت، ويقول عنه في كتابه أمريكا التي رأيت: "إلى أين تسير البشرية إذا لم تعرف ربها؟ ".
ويقول أليكسس في كتاب الإنسان ذلك المجهول الذي تُرجم إلى عشر لغات، يقول في هذا الكتاب: إن البشرية سوف تبقى حائرة حتى تتعرف على الله.
وهذه هي رسالة محمد ﷺ ؛ فإنه جاء يعرفنا على الواحد الأحد ﵎، وليصل نسبنا بهذا الدين الخالد الذي إذا تركناه ضعنا والله، فإننا لا نباري الأمم بطاقة، ولا بسلاح، ولا بصناعة، ولا بمنتجات، سبقونا في الصناعة، والمنتجات، والمادة، يقول عز من قائل فيهم: ﴿يَعْلَمُونَ ظَاهِراً مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ﴾ [الروم:٧].
أما الحياة فأجادوا فيها كل الإجادة، ولكن: ﴿بل ادَّارَكَ عِلْمُهُمْ فِي الْآخِرَةِ بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْهَا بَلْ هُمْ مِنْهَا عَمُونَ﴾ [النمل:٦٦].
فهم قد انسلخوا من المبادئ والقيم وانتهوا ثم عادوا يراجعون حسابهم، وأما عقلاؤهم فهم يريدون دخول الإسلام الآن.
وفي القناة الثامنة التي يبثها التلفزيون الأمريكي مع أحمد ديدات، العالم الهندي، يقول عالم من علمائهم دايل كارنيجي: الآن عرفت أني مخطئ من خمسين سنة، والآن أهتدي وأعرف طريقي، ويقول في المقابلة الثانية: الآن أولد طفلاً مع الإسلام وأتربى في حجر الإسلام.
علماؤهم وأهل طاقتهم، ومفكروهم عادوا الآن ينتسبون إلى الإسلام، وأبناؤنا وشبابنا إلا من رحم الله إذا سافروا عادوا كأنهم ولدوا هناك وتربوا ورضعوا هناك إلا من رحم الله.
стр. 6024
عزة عمر بدينه
عمر بن الخطاب ﵁ وأرضاه يدخل بيت المقدس، فيستعرض أمامه جيشاً قوامه أربعون ألفاً، وعلى رأسه عمرو بن العاص وشرحبيل بن حسنة ويزيد بن أبي سفيان وأبو عبيدة، وهم يصفون الكتائب أمامه، فيدخل وهم ينتظرونه، ويخرج النصارى على أسطحة المنازل ينتظرون هذا الخليفة الذي دوَّخ الدنيا وهز المعمورة، وأصبح للأرض منه رجة، ينتظرونه، ينظرون ما الذي سوف يقدم عليه من موكب وكيف حرسه ولباسه وقوته وجيشه وجنوده ووزراؤه ومستشاروه، فينتظرون مذهولين؛ لأن عمر دوَّخ العالم، حتى يقول محمود غنيم:
يا من يرى عمراً تكسوه بردته والزيت أدم له والكوخ مأواهُ
البردة: فيها أربع عشرة رقعة.
يهتز كسرى على كرسيه فرقاً من خوفه وملوك الروم تخشاهُ
يا من يرى عمر: يقول: تبصروا في عمر أين كان يسكن؟ في بيت من الطين مساحته ثلاثة أمتار في مترين، وغداؤه زيت في شعير.
يا من يرى عمراً تكسوه بردته والزيت أدم له والكوخ مأواهُ
يهتز كسرى على كرسيه فَرَقاً من خوفه وملوك الروم تخشاه
لماذا؟ لأن الله أخذ على نفسه أن من خاف منه ﵎ خوَّف منه كل شيء، والذي يخاف من غيره؛ خوفه الله من كل شيء؛ ولذلك بعض الناس يخافون من هذه القوى، والكتل والهيئات، فيخوفه الله منها، ولو خافوا منه لخوَّف أولئك منهم، فهذا لزام منه .
يقدم عمر فيأتي إلى بيت المقدس ليفتحه على ناقة، ومعه خادمه ميسرة، يركب عمر مسافة ما يقارب الثلث ساعة، فإذا تعب خادمه نزل وأركب الخادم وقاد هو الجمل، فلما أشرف على الناس والكتائب حول المسجد الأقصى، والأمراء قد وقفوا، والنصارى أطفالاً وشيوخاً وشباباً بأعلامهم على سطوح المنازل، قد عبئوها لقدوم الخليفة الذي دوَّخ الدنيا، فيقدم هذا الرجل الذي يقود الجمل؛ لأن نوبته أتت في قيادة الجمل وقت دخول بيت المقدس، فيقول الخادم: يا أمير المؤمنين! سوف أنزل لأننا وصلنا، قال عمر: أنوبتك أم نوبتي؟ قال: لا.
نوبتي، قال: لا.
نحن قوم أعزنا الله بالإسلام، ومهما ابتغينا العزة في غيره أذلنا الله.
فانتسابنا إلى الحي القيوم منه العزة، فإنه الذي يعز ويهدي، ويوفق ويسدد.
فقال النصارى: أهذا خادم أتى يبشر بقدوم أمير المؤمنين؟ فاحتار القائد عمرو بن العاص وأتى إلى عمر، وقال: فضحتنا يا أمير المؤمنين!
قال عمر: ماذا؟ قال عمرو: أتيت على جمل وقد قامت الدنيا وقعدت لاستقبالك.
قال عمر: يا عمرو! ثكلتك أمك، من كنا قبل الإسلام؟ أما كنا رعاة أغنام؟ قال عمرو: بلى.
قال عمر: فإنا قوم أعزنا الله بالإسلام، فمهما ابتغينا العزة في غيره أذلنا الله.
وبالفعل يحدث هذا، كلما حاول شخص أن يعتز بغير هذا الدين؛ مقته الله وأذله، وأخسأه وهزمه وفضحه أمام العالمين.
فقدم عمر ﵁ فلما قدم كبر القواد فاهتز المسجد بتكبيرهم، ثم قال عمر لـ بلال يا بـ بلال، أسألك بالله أن تسمعنا الأذان، لقد حانت صلاة الظهر.
وبلال بعد أن أذن للرسول ﵊، وتوفي الرسول ﵊ قام تلك الليلة ليؤذن، في أول ليلة بعد وفاة الرسول ﵊ فلما قال: أشهد أن محمداً رسول الله، تذكر الرسالة والرسول فبكى، وقطع الأذان، وحلف بالله لا يؤذن لأحد بعد رسول الله ﷺ .
فلما جاء عمر وحانت صلاة الظهر قال: يا بلال! أسألك بالله أن تؤذن لنا هذا اليوم يريد أن يذكره بالصوت الحبيب الشجي، الذي تألفه الأرواح والذي يسري عذباً في الآذان.
فقام بلال يردد الصوت الخالد الذي فتحنا به المعمورة، يردد صوت السماء، الذي دوخنا به الدنيا، وسرنا به على المحيطات والأبحر، يقول: الله أكبر، الله أكبر فبكى عمر، وبكى المسلمون، وبكى النصارى.
وكان الفتح: فتحها عمر بجمل واحد، لكن (لا إله إلا الله) تمكنت في قلب عمر.
стр. 6025
الإسلام هو مصدر الفخر والاعتزاز
يقول الله وهو يذكر الصحابة والرسول ﵊: ﴿وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ وَسَوْفَ تُسْأَلونَ﴾ [الزخرف:٤٤].
يقول: هذا القرآن شرف لك، وشرف لقومك ولكل جيل يأتي بعدك إلى قيام الساعة.
وسوف تسألون عن الرسالة الخالدة.
ولذلك لا ينبغي أن ندس رءوسنا، ولا أن نخجل أمام العالم، بل نقول: (لا إله إلا الله) بشجاعة، ونقول: (لا إله إلا الله) بقوة ونعلن انتماءنا وانتسابنا وجنسيتنا أننا عباد لله.
والذي يذهب لينتسب لغير نسبة الإسلام، سوف ينقطع نسبه يوم يجمع الله الأولين والآخرين.
стр. 6026
النسب لا ينفع يوم القيامة
صحَّ في حديث قدسي من حديث أسماء بنت يزيد قالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ﴿إذا جمع الله الأولين والآخرين ليوم لا ريب فيه، دعاهم بصوت يَسْمَعُه مَن بَعُدَ كما يَسْمَعُه مَن قَرُبَ، فيقول جل ذكره: يا أيها الناس! إني رفعت لكم أنساباً في الدنيا؛ فوضعتموها ورفعتم أنسابكم، فاليوم أرفع نسبي وأضع أنسابكم﴾.
فالله وضع لنا نسباً نتناسب به في الحياة وهو: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات:١٣] فرفضنا - إلا من رحم الله - هذا النسب، وقلنا: فلان بن فلان من أسرة آل فلان، وفلان بن فلان من أسرة آل فلان، فيوم القيامة يسقط الله هذه الأوسمة: صاحب السماحة، صاحب السعادة، صاحب الفضيلة ويَرْفَعُ: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات:١٣].
فهذه النسبة حق على المسلم أن ينتسب بها، فإن بلالاً كان قبل الإسلام لا يُنْظَر إليه، وكان مِنْ سَقَطِ المتاع، لا يساوي عند الجاهليين الوثنيين فلساً واحداً، لا ينظرون إليه إلا كما ينظرون إلى الدابة التي تأكل وتشرب، فلما أتى الإسلام جعله ﷺ مؤذن الإسلام.
وقل لـ بلال العزم من قلب صادق أرحنا بها إن كنت حقاً مصليا
توضأ بماء التوبة اليوم مخلصاً به ترقى أبواب الجنان الثمانيا
كان عمر! إذا سمع بلالاً يؤذن بكى، وقال: ﴿أبو بكر سيدُنا وأعتق سيدَنا﴾.
رحمك الله يا عمر - والله - لو كنت في الجاهلية ما قلت هذه الكلمة، كنت وأنت في الجاهلية وبلال في الجاهلية، لا تنظر له ولا تعادله بفلس واحد، فلما أسلمتَ وعرفتَ الله قلتَ: بلالاً سيدُك، فرفعك الله بهذا التواضع، فإن الله يرفع المتواضعين.
стр. 6027
مطلب كل مسلم رضا الله عنه
ومن معالم الإقبال على الله : أن يكون مطلبك العظيم ومطلبي ومطلب كل مسلم رضا الله ﵎، وهذا هو مطلب الصحابة يوم التقوا مع كل كافر في كل معركة، في بدر، وأحد، والأحزاب، ويوم حنين، وتبوك، وفي اليرموك، والقادسية، وفي عين جالوت، وحطين.
كان مطلبهم رضا الله ﵎ عنهم؛ فرفع الله درجاتهم، وعظم أجورهم عنده ﵎.
يقول سعد بن أبي وقاص ﵁ وأرضاه، كما في السيرة لـ ابن هشام، وغيره: [[لما التقينا في أحد مع المشركين ونحن مع رسول الله ﷺ ، وقبل أن تبدأ المعركة قال لي أحد الصحابة]] وهذا الشباب اسمه: عبد الله بن جحش القرشي، شاب باسل، وبطل من أبطال الإسلام، لا يعرف إلا صيام النهار وقيام الليل، تربى على القرآن: [[قال لي: يا سعد بن أبي وقاص، أتريد أن ندعو قبل المعركة؟ قلت: نعم.
فداك أبي وأمي، قال: تعال ندعو الله قبل المعركة، قال: فذهبنا وراء الصخرات، فرفع يديه هو قبلي، قال: اللهم إنك تعلم أني أحبك، اللهم إنك تعلم أني ما خرجت إلا ابتغاء مرضاتك، اللهم إني أسألك مسألة واحدة: أن تنصر رسولك ﷺ ، وأن تلاقي بيني وبين كافر شديد حرجُه، قويٌّ بأسُه، فيقتلني فيك -ما قال: أقتله، قال: يقتلني أنا فيك- ثم يبقر بطني، ويجدع أنفي، ويفقأ عينَيَّ، ويقطع أذنَيَّ، فإذا أتيتك يوم القيامة، تقول: يا عبد الله، لم صُنِعَ بك هذا؟ فأقول: فيك يا رب، قال سعد بن أبي وقاص: فوالله الذي لا إله إلا هو ما انتهت المعركة إلا وقد رأيتُه قد قُتل، وقد بُقِرت بطنُه، وجُدِع أنفُه، وفُقئت عيناه، وقُطعت أذناه، فقلت: أسأل الله أن يلبي له ما سأل]] ولذلك يقول محمد إقبال في قصيدته (شكوى وجواب) شكوى وفيها يتحدث عن الشهداء من أصحاب محمد ﷺ :
من غيرنا هدم التماثيل التي كانت تقدسها خرافات الورى
حتى هوت صور المعابد سجداً لجلال من خلق الوجود وصورا
ومن الألى دكوا بعزم أكفهم باب المدينة يوم غزوة خيبرا
أم من رمى نار المجوس فأطفئت وأبان وجه الصبح أبيض نيرا
ومن الذي باع الحياة رخيصة ورأى رضاك أعز شيء فاشترى
﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْداً عَلَيْهِ حَقّاً فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ﴾ [التوبة:١١١] لا والله، لا أوفى ولا أصدق من الله، ولا أقوى للحق من الله ﵎.
стр. 6028
صور من اعتزاز الصحابة بالإسلام
ولذلك يأتي بطل آخر اسمه: أنس بن النضر قبل معركة أحد، وقد انهزم المسلمون في أول المعركة، فيقول: [[اللهم إني أبرأ إليك مما صنع هؤلاء -أي المشركين- وأعتذر إليك مِن فرار هؤلاء -أي المسلمين-]] ثم أخذ درعه فخلعه من على جنبيه، والله يضحك للعبد إذا لقي العدو حاسراً، أي ضحكاً يليق بجلاله ﵎، إذا لقي العبدُ العدوَّ وليس عليه درع.
فيقول أحد إخوانه: يا أنس بن النضر! لا تخاطر بنفسك.
قال: [[إليك عني يا سعد بن معاذ! - والذي نفسي بيده إني لأجد ريح الجنة من دون أحد]] قال أنس بن مالك: [[فوالله لقد قُتِل، فوجدنا فيه أكثر من ثمانين ضربة، ووالله ما عرفَتْه إلا أخته ببنان أصابعه]].
فيا سبحان الله! أي أمة تلك الأمة؟!
وأي جيل ذاك الجيل؟!
وأي شباب أولئك الشباب؟!
وأي جيش ذاك الجيش؟!
إنهم تربية الله الخالدة وفطرته النيرة، والقداسة التي أنزلها الله على الناس.
إنها الأمة الخالدة الموحدة التي فتحت الدنيا بـ (لا إله إلا الله) وأنقذت الإنسانية بـ (لا إله إلا الله) وعبرت على متون الماء بـ (لا إله إلا الله).
ويأتي عبد الله بن عمرو الأنصاري فيصلي في الليل قبل معركة أحد، فيرى في المنام أنه قتل شهيداً، فيقول: الحمد لله، ويصلي مرة أخرى، فيرى أنه قتل شهيداً فيحمد الله، ثم يُوقِظُ ابنَه وبناتِه، ويقول: أستودعكم الله الذي لا تضيع ودائعه.
قالوا: وماذا حدث؟
قال: رأيت مرتين في منامي أن المعركة قد قامت وأني أول من قُتِل في المعركة.
فقالوا: لا عليك.
قال: هكذا أقول.
فأتى في الصباح، فماذا فعل بعد صلاة الفجر؟ انظر إلى الأمنية، والهمة العالية، أتى إلى الماء فاغتسل، وتحنط، ولبس أكفانه، وخرج صادقاً مريداً لوجه الله: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [العنكبوت:٦٩] ﴿فَلَوْ صَدَقُوا اللَّهَ لَكَانَ خَيْراً لَهُمْ﴾ [محمد:٢١] خرج صادقاً، والرسول ﵊ يقول كما في صحيح مسلم، عن أبي هريرة: ﴿من سأل الله الشهادة بصدق بلغه الله منازل الشهداء ولو مات على فراشه﴾.
فيخرج هذا المجاهد، وتبدأ المعركة فيكون أول مقتول.
ويقول ﵊ لـ جابر: ﴿يا جابر، أتدري ماذا فعل الله بأبيك؟
قال: قلتُ: لا والله يا رسول الله!
قال: والذي نفسي بيده لقد جمعه هو وشهداء أحد، فكلمهم كفاحاً بلا ترجمان - أي: مباشرة - فقال: يا عبادي! تَمَنَّوا علَيَّ، قالوا: نتمنى أن تعيدنا في الدنيا لنُقْتَل فيك ثانيةً -لما رأوا من أجر الشهادة- قال: إني كتبت على نفسي أنهم إليها لا يُرْجَعون، فتَمَنَّوا، قالوا: نتمنى أن ترضى عنا، فإنا قد رضينا عنك، قال: فإني قد أحللتُ عليكم رضواني، لا أسخط عليكم أبداً﴾ ثم قال ﵊: ﴿فأخذ الله أرواحهم فجعلها في حواصل طير خُضْر، تَرِدُ الجنة فتأكل من أشجارها، وتشرب من مياهها، وتأوي إلى قناديل معلقة بالعرش، حتى يرث الله الأرض ومن عليها﴾ قال ابن كثير: سند هذا الحديث حسن، وهو كلام حسن.
فيا سبحان الله! أي هِمَمٍ كانت؟! وأي نفوس عاشت؟! عاشت لله، وقامت له، وانتصرت له .
وليس على الله بعزيز أن يعيد من أمثال هؤلاء، فإن أمة رسول الهدى ﷺ كالمطر، لا يُدرَى الخير في أوله أو في آخره.
وأنتم يا أبناء الإسلام! ويا أحفاد خالد، وسعد! يا أحفاد من رفعوا (لا إله إلا الله) في كل صِقْع! يا أحفاد من دخلوا أسبانيا بـ (لا إله إلا الله) فدخلت الأمم لما رأت العدل والسلام، ويا أحفاد من سار إلى نهر السند والجانج وغيرها من أنهار العالم بـ (لا إله إلا الله)! فدخل الناس في دين الله زرافات ووحداناً، تمسكوا بدينكم يعزكم وينصركم على عدوكم.
стр. 6029
ليس بعزيز على الله أن تعاد أمجادنا
ليس على الله بعزيز أن يعيد من أمثال أسلافنا أمة تعبد الله، وتوحده، وتعيش وتموت له، فوالله الذي لا إله إلا هو، إن الذي يعيش لغير الله لا يوجد أحقر منه في الناس، فهو لا يساوي فلساً واحداً، وأن حقارته قد أجمع عليها العقلاء، ففرق بين أن تعيش وأن تحيا لله، وأن تحيا لشهواتك ولهواك.
يقول ابن تيمية ﵀: "المؤمن يولد مرتين، والكافر يموت مرتين "، فأما ميلادك الأول: فيوم ولدتك أمك، يوم سقط رأسك على هذه الأرض: ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الْأِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئاً مَذْكُوراً * إِنَّا خَلَقْنَا الإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعاً بَصِيراً * إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِراً وَإِمَّا كَفُوراً﴾ [الإنسان:١ - ٣].
ولدتك أمك يابن آدم باكياً والناس حولك يضحكون سرورا
فاعمل لنفسك أن تكون إذا بكوا في يوم موتك ضاحكاً مسرورا
يوم ولدتك أمك ولدتك وأنت تبكي؛ كأنك أتيت من السعة إلى الضيق، وكأنك تبكي من هذه الحياة الدنيا، فيقول القائل: فاعمل لنفسك، أنك إذا أتيت عند سكرات الموت، أن يقلب الله الحال فتضحك وأنت في السكرات ويبكي أهلك من حولك.
ولذلك يقول ابن تيمية: "المؤمن يولد مرتين، والكافر يموت مرتين: فميلادك الأول: يوم أتت بك أمُّك، وميلادك الثاني: يوم ولدت في الإسلام، ويوم اهتديت بهدى القرآن "؛ لأن الشقاء كل الشقاء أن ينصرف القلب عن القرآن، أو أن ينصرف عن ذكر الله، أو أن ينصرف عن بيوت الله ﵎، " والكافر يموت مرتين: مرةًَ يوم أمات الله قلبه، وطبع على قلبه "، فلا يهتدي، ولا يرى النور، ولا يرى طريق الهداية، " ومرةً يوم يموت؛ فيعذبه الله عذاباً ما عذبه أحداً من العالمين ".
ويقول شيخ الإسلام ابن تيمية في الفتاوى: " من اعتقد أنه سوف يهتدي بهدى غير هدى الله، الذي أرسل به محمداً ﷺ ، فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين، لا يقبل الله منه صرفاً ولا عدلاً ولا كلاماً ولا ينظر إليه ولا يزكيه وله عذاب أليم.
стр. 6030
العالم بحاجة إلى الهداية
يا أيها الإخوة الأبرار! يا أيها الأمجاد الأخيار! إن العالم يحتاج منا أن نُهدي له (لا إله إلا الله).
يقول كريسي موريسون في مؤتمر العلماء، وقد حضر مؤتمراً لعلماء المسلمين، وكريسي موريسون هذا عالم جيولوجي أمريكي، من جامعة إنديانا يقول: أهدينا لكم الطائرة، والثلاجة، والصاروخ، وكل متع الحياة، وما أهديتم لنا الإيمان.
إن البشرية التي تنتظر الإيمان، وتتطلب (لا إله إلا الله)؛ وقفت حائرة، فكيف نأتي الآن إليها وهي قد وقفت حائرة؟ ثم ننسلخ -إلا من رحم الله- عن ديننا ومبادئنا، وننسى سنة النبي ﵊، وهم يعترفون أنفسهم أنه ما سكن العالم أعظم ولا أشرف ولا أنبل ولا أكرم منه، واللجنة العالمية التي عقدت في فرنسا، وقررت مائة عظيم في العالم، أتدرون من هو أول عظيم في هذه اللجنة؟ لقد جعلوا العظيم الأول: محمداً رسول الله ﷺ .
ويقول مفكرهم الذي كان يرأس هذه الجلسة: إنني نظرت في سير العظماء، فلم أجد إنساناً يشرب فنجان القهوة ويحل مشاكل العالم إلا محمداً ﷺ ، ونسي أن القهوة لم توجد في عهده ﷺ .
والحق ما شهدت به الأعداء.
ووالله لو كان رسول الهدى ﷺ في غير هذه الأمة لمجدوه، ولكتبوا كلماته في الشوارع، وفي مفاتح الطرق، وعلى محافل الناس، وفي الميادين، كما فعلوا بـ نابليون الذي قتل الأرواح البريئة، والذي حطم المنازل الهادئة الآمنة، والذي خَرَّب العالم، وسعى بالفساد في المعمورة، لكن محمداً ﵊ أتى بالإسلام، والهدى والنور والإشراق.
إذاً: إقبال الصحابة بعد رسول الله ﷺ على الآخرة كان رضاً بما عند الله ، والذي لا ترضيه جنة عرضها السماوات والأرض فماذا ترضيه؟!
стр. 6031
حقيقة الدنيا
إن الله جعل نعيم المسلم في الآخرة؛ لأن الستين سنة لا تُمَكِّنه من التمتع بالنعيم، ولا تُمَكِّنه من التمتع بالهدوء، والدنيا ما نظر الله إليها منذ خلقها؛ احتقاراً لها، فكيف تجعلها أنت مصيرك وهدفك ومستقبلك؟ يقول جل ذكره: ﴿إِنَّ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا وَرَضُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاطْمَأَنُّوا بِهَا وَالَّذِينَ هُمْ عَنْ آيَاتِنَا غَافِلُونَ * أُولَئِكَ مَأْوَاهُمُ النَّارُ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [يونس:٧ - ٨].
إن الذي يعيش لهذه الستين سنة ويجعل هدفه في الحياة منزلاً، أو زوجة أو سيارة أو شهرة أو منصباً أو أي متعة من متع الحياة؛ إنسان لا همة له ولا مستقبل ولا عزيمة ولا نور ولا إشراق في صدره؛ لأنه باع حياته بأخراه، ونعوذ بالله من الخسارة.
والله أرادك للآخرة، فلماذا تريد نفسك الدنيا؟
يقول بعض الصالحين: "دنيا إذا صحَّ بدنُك فيها خفتَ من السقم، وإذا اغتنيتَ فيها خفتَ من العدم، وإذا اجتمع أبناؤك عندك خفتَ عليهم من التلف، وإذا ارتحتَ خفتَ من الهم، فأين الراحة فيها؟! ".
طُبِعَتْ على كَدَرٍ وأنتَ تريدها سِلْماً من الأوباش والأكدار؟
ويقول أبو الفتح البستي في منظومته الشهيرة، وهو يعظ العالم الإسلامي:
يا متعب الجسم كم تسعى لراحته أتعبتَ نفسك فيما فيه خسرانُ
أقبل على الروح واستكمل فضائلها فأنت بالروح لا بالجسم إنسانُ
يا ساعياً لخراب الدار مجتهداً بالله هل لخراب الدار عُمرانُ
стр. 6032
أين من سكنوا الدنيا وعمروها
أين الذين ملكوا العالم؟ أين الخلفاء؟
إنك إذا قرأت مثلاً البداية والنهاية لـ ابن كثير، أو تاريخ ابن جرير الطبري أو الكامل في التاريخ لـ ابن الأثير، أو المنتظم لـ ابن الجوزي، ستقرأ في ساعة واحدة ثلاثة قرون.
أي ثلاثمائة سنة.
تقرأ ستة وثلاثين خليفة تولوا في العالم وماتوا.
فما كأنهم جمعوا وتهنئوا، وما كأنهم قاموا بمهرجانات، وما كأنهم رفعوا الدور وبنوا القصور!! أين ذهبوا؟ إنهم مُرْتَهَنون بأعمالهم في قبورهم.
ولذلك يقول ابن الجوزي: "يصيب المسلم ذهول يوم يرى بعض الفجرة نسي الله وموعوده فقتل الألوف المؤلفة من البشرية، وسعى في الأرض خراباً، ونسي لقاء الله".
يقول الذهبي: إن أبا مسلم الخرساني قَتَل مليوناً.
يقول ابن الجوزي: "الله أكبر! أما عَلِم هذا أنه سوف يُوضَع على عينيه القطن في القبر".
بل نور الدين محمود زنكي، الشهيد الكبير، السلطان الذي جمع ووحد المسلمين على (لا إله إلا الله) وهو كُرْدِيٌّ وليس عربياً، فلا يظن إنسانٌ أن الإسلام لا يُنْصَر إلا على أيدي العرب، ولا يظن أننا لا نعترف بالأجناس، وأن هناك جنساً غير جنس، فنحن نكفر بالعنصرية العالمية، فإنها صنيعة للصهيونية، وما أتى بها إلا الصهاينة واليهود، فنحن نكفر بالتمايز العنصري الذي أتى به أنذال وقبحاء العالم، الذين انتهكوا حرمة الشعوب وقتلوا الإنسان، وهم يقولون: إنهم هم أهل حقوق الإنسان.
بل هم القتلة والمجرمون حتى يلقون الله ﵎.
فـ نور الدين محمود زنكي رأى تفتت العالم الإسلامي، فهاجر بالأكراد، ودخل دمشق، وجمع الأمة على (لا إله إلا الله).
في أحد الأيام عمل مهرجاناً كبيراً، حضره جيشه الذي قوامه ما يقارب: مائتي ألف، وصفَّ جنوده وحرسه وقواده وأمراءه حوله، فلما اكتمل المهرجان دخل عليه أحد علماء الإسلام اسمه: ابن الواسطي، فوقف أمام السلطان وبيده عصا، وقال: "يا أيها السلطان! اسمع مني كلمات".
قال: "تفضل، قل ما شئتَ"، قال:
مَثِّل لنفسك أيها المغرورُ يوم القيامة والسماء تمورُ
إن قيل: نور الدين جاء مُسَلِّماً فاحذر بأن تأتي وما لك نورُ
حَرَّمْتَ كاسات المدام تعففاً وعليك كاسات الحرام تدورُ
هذا بلا ذنب يخاف لهوله كيف الذي مرت عليه دهورُ
يقول: يوم القيامة يشيب رأس الطفل من الهول، فكيف الذي عاش ستين سنة في الجرائم.
فبكى السلطان حتى سقط مغشياً عليه.
قال ابن كثير: "رحمة الله على تلك العظام، فإنه هو الذي فتح قلاع الإسلام، وجمع كلمة المسلمين على (لا إله إلا الله) ".
فالشاهد أننا نطلب من أنفسنا ألا نرضى بالحياة ثمناً لأنفسنا، والله خلقك لتكون عبداً له، فلا تكن عبداً لغيره.
ولا يظن أحد من الناس أن الشرك معناه عبادة اللات والعزى ومناة الثالثة الأخرى؛ فإن هناك صوراً أخرى للأصنام:
هناك من يعبد الدرهم والدينار.
وهناك من يعبد المنصب؛ تسترضيه الكلمة، وتغضبه الكلمة، ولاؤه وعداؤه لمنصبه.
وهناك مَن يعبد الكافر، نعوذ بالله من ذلك.
ذكر بعض المفكرين المسلمين أن من المسلمين من يعبد الكفار ولا يشعر.
فهو يتولاهم من دون الله ورسوله والمسلمين؟ والله يقول: ﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ﴾ [المائدة:٥٥].
ويقول ﵊: ﴿تَعِسَ عبدُ الدرهم، تَعِسَ عبدُ الخَمِيْصَة، تَعِسَ عبدُ الخَمِيْلَة، تَعِسَ وانْتَكَسَ، وإذا شِيْكَ فلا انْتَقَشَ﴾.
فالإقبال عليه وعلى الدار الآخرة، معناه: أن نتجرد، وأن يكون عملنا لوجهه ، خالصاً له، وصدقاً في سبيله، نرجو الثواب منه ﵎.
стр. 6033
حال الصحابة مع الدنيا
يقول أبو الحسن علي بن أبي طالب ﵁ وأرضاه، وأنتم تعرفون أبا الحسن، فهو صاحب الرايات البيضاء في الإسلام، وصاحب المواقف المشهورة، والأيام الخالدة التي لا تُنْسى أبد الدهر، الزاهد الذي أعرض عن الدنيا، والذي يقول وهو يترنم في بيت مال المسلمين، وقد أنفق بيت مال المسلمين وما أبقى درهماً ولا ديناراً ولا حبة ولا ثوباً ولا زبيبة، يقول:
لا دار للمرء بعد الموت يسكنها إلا التي كان قبل الموت بانيها
فإن بناها بخير طاب مسكنه وإن بناها بشر خاب بانيها
أموالنا لذوي الميراث نجمعها ودورنا لخراب الموت نبنيها
فاعمل لدار غداً رضوانُ خازنها الجار أحمد والرحمن بانيها
قصورها ذهب والمسك تربتها والزعفران حشيش نابت فيها
يقول وهو يتكلم عن يقينه وعن الإيمان الذي في صدره: [[والله الذي لا إله إلا هو، لو كشف الله لي الغطاء فرأيت الجنة والنار؛ ما زاد على ما في قلبي من الإيمان مثقال ذرة]].
فهذا يقينٌ وإيمانٌ واعتقادٌ في الحي القيوم.
والشاهد من قصته: أنه يقول في صحيح البخاري في كتاب الرقاق: [[ارتحلت الآخرة مقبلة، وارتحلت الدنيا مدبرة، فكونوا من أبناء الآخرة، ولا تكونوا من أبناء الدنيا، فإن اليوم عمل ولا حساب، وغداً حساب ولا عمل]].
ثم يأتي الإمام البخاري بجمال أسلوبه وبقلمه السيال بحديث عجيب في تقشف الصحابة، الذين عاشوا في بيوت الطين؛ ولكن كانوا منائر للهدى.
ربَّى ﷺ قواد وعلماء العالم، ومفكري وشعراء العالم، وأدباء وعباد العالم، في مسجد من طين، طوله مائة ذراع.
ربَّى فيه ابن عباس وخالد بن الوليد وأبيَّ بن كعب وسعد بن أبي وقاص وأبا بكر وعمر وعثمان وعلياً وحسان بن ثابت وابن رواحة، وغيرَهم وغيرهم.
خرجوا من هذا المسجد إشعاعاً في العالم، ورسل خير للبشرية.
هذا المسجد تربى فيه أصحاب الرسول ﵊؛ حتى يقول أحد المفكرين والأدباء في الإسلام في مدحه ﷺ :
كفاك عن كل قصر شاهق عمِدٍ بيت من الطين أو كهف من العلمِ
تبني الفضائل أبراجاً مشيدةً نصب الخيام التي من أروع الخيمِ
إذا كرام الورى صفوا موائدهم على شهي من الأكْلات والأدم
صففتَ مائدة للروح مطعمها عذْبٌ من الوحي أو عذْبٌ من الكلمِ
فالرسول ﵊ انطلق بالإنسان من هذا.
فلذلك يأتي البخاري بقصة عن أبي هريرة.
يقول البخاري - والله أكبر! كم لهذا الكتاب من أثر في قلب كل مسلم، سأل سائل ابن تيمية في المجلد العاشر من فتاويه: "أي كتاب بعد كتاب الله تدلني عليه؟ " قال شيخ الإسلام المجدد المجاهد الكبير العبقري الجهبذ: "لا أعلم بعد كتاب الله كتاباً أحسن ولا أنفع من صحيح البخاري ".
يقول البخاري: " باب تقشف رسول الله ﷺ وأصحابه: حدثنا أبو نعيم قال: حدثنا عمر بن ذر قال: حدثنا مجاهد أن أبا هريرة ﵁ وأرضاه قال: ﴿آللهِ الذي لا إله إلا هو لقد كانت تمر بي الأيام مع رسول الله ﷺ ما أجد ما أملأ به بطني، وقد كنت أُصْرَع بين المنبر وبيتي، فيأتي عليَّ الناس وما بي صرع وما بي جنون ولكن الجوع، آللهِ الذي لا إله إلا هو إني كنتُ آتي بالحجر فأجعله على بطني، فأربط عليه رباطاً من شدة الجوع، ومرت بي ليلة من الليالي فاشتد بي الجوع وقد صليت المغرب مع رسول الله ﷺ ، فلما صلى الناس في المسجد خرجت عند باب المسجد﴾ يتعرض للضيافة، علَّ أحد الناس يفتح الله عليه فيدعوه للعشاء، قال: ﴿فمرَّ بي أبو بكر، فسألته عن آية من القرآن، والله ما سألته من أجل الآية؛ ولكن من أجل الطعام، فأخبرني عن الآية، ثم مضى وتركني، ثم مر بي عمر بن الخطاب فسألته عن آية، والله ما سألته عن الآية من أجل الآية؛ لكن ليطعمني، فمر وتركني، ثم رأيتُ أبا القاسم بأبي هو وأمي، ﷺ فلما رآني قبل أن أكلمه تبسم، وأخذ بيده الطاهرة فشبك بها في يدي، ثم أخذني إلى بيته﴾ عرف ﵊ أنه يريد الطعام.
محاسنه هُيُولا كل حُسْن ومغناطيسُ أفئدة القلوب
فذهب به إلى البيت، وقال: ﴿فأجلسني، فقال لأهله: أعندكم شيء من طعام؟﴾ وأهله وراء الستار، رسول البشرية، أكرم الخلق على الله، الذي جعله الله شفيعاً للناس يوم يجمع الله الأولين والآخِرين، ما يجد إلا شيئاً من لبن، فقال لزوجته: ﴿أعندكم شيء من طعام؟ قالت: لا -والله- إلا شيء من لبن، أهداه لنا بنو فلان، قال: يا أبا هريرة! اذهب إلى أهل الصُّفَّة﴾.
وأهل الصُّفَّة: قوم فقراء في مسجد الرسول ﵊ قراء، مجاهدون متعبدون، أما ليلهم فصلاة ودعاء وبكاء حتى الصباح، وأما نهارهم فنصف منه يحتطبون ويبيعون للمعيشة، والنصف الآخر لتعلم القرآن والحديث في المسجد.
قال: ﴿فذهبت إليهم وبي من الجوع ما لا يعلمه إلا الله، وقلت في الطريق: يا سبحان الله! ذهبتُ معه إلى البيت لأتناول هذه المِذْقة من اللبن، فأرسلني إلى أهل الصُّفَّة! وأين يأتي هذا القليل من اللبن على أهل الصُّفَّة جميعاً!﴾ ثم يقول: ﴿ولكن ما مِن أمر رسول الله ﷺ بُدّ، فدعوتُهم، فأتوا ورائي، فاستأذنتُ فأذن لي ﷺ فدخلوا، فأخذوا أماكنهم في المجلس حتى جلسوا عن بكرة أبيهم، فقال ﵊ وهو يتبسَّم:﴾.
فهو يعرف جوع أبي هريرة.
قال: ﴿يا أبا هريرة! قلت: بأبي أنت وأمي يا رسول الله! قال: خذ هذا اللبن ودُر على الناس، قال: فأخذته وأعطيه الأول فيشرب، ثم أناول الثاني فيشرب، والثالث حتى انتهيت إليه ﷺ ، فالتفت إليَّ قبل أن يشرب وقال: بقيتُ أنا وأنتَ يا أبا هريرة! قلتُ: صدقت يا رسول الله! بأبي أنت وأمي، قال: اشرب، فشربتُ، قال: اشرب، فشربتُ، قال: اشرب، قلتُ: والله يا رسول الله! بأبي أنت وأمي ما أجد له مسلكاً﴾: أي: شربتُ حتى امتلأتُ.
ولذلك أبو دلامة، أحد المتفكهين في تاريخ الإسلام، دخل على هارون الرشيد وهارون الرشيد كان يجمع الأدباء والسُّمَّار والشعراء في مجلسه بعد صلاة العشاء، فالفكاهي المزَّاح أبو دلامة دخل عليه، فقال له هارون الرشيد: "يا أبا دلامة! سمعنا أنك تطلب الحديث النبوي، وأنك تحفظ بعض الأحاديث.
هل حفظت شيئاً؟ قال: نسيتُ كل الأحاديث، وما حفظت إلا ثلاثة أحاديث، قال: وما هي؟ قال: قولهم أن الرسول ﷺ يعجبه الحلوى والعسل، والحديث الآخر: قوله ﷺ : ﴿إذا حضر العَشاء والعِشاء فابدأوا بالعَشاء قبل العِشاء﴾ وقول أبي هريرة في حديثه: ﴿شربتُ اللبن حتى ما وجدتُ له مسلكاً﴾ قال: أما تحفظ إلا أحاديث الطعام؟! أتحفظ من أحاديث الآخرة شيئاً؟ قال: أحفظ حديثاً، قال: وما هو؟ قال: حدثنا فلان بن فلان عن فلان بن فلان عن فلان بن فلان عن عكرمة عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ : مَن حفظ خصلتين دخل الجنة، قال: وما هما الخصلتان؟ قال: نسيتُ واحدة، ونسي عكرمة الثانية! "
فـ أبو هريرة ﵁ وأرضاه قال: ﴿يا رسول الله! والله ما أجد للبن مسلكاً، فأخذ ﷺ الكوب، فسمَّى، قال أبو هريرة: فنظرتُ إلى اللبن، فوالله ما كأنه نقص منه شيءٌ،﴾ وذلك لبركته ﷺ .
والشاهد من القصة: أنه لا عبرة بالتراث، بل هو ابتلاء، وأن الذي يأكل حتى يموت حبطاً، فليس ذلك لدرجته عند الله ، قال تعالى: ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾ [يونس:٥٨].
تموت الأُسْد في الغابات جوعاً ولحم الضأن تأكله الكلابُ
ولذلك تجد بعض أعداء الله مرفه في الدنيا لا يجوع ولا يهتم، لا يظمأ ولا يتعب، كل أموره ميسرة؛ لكن على حساب أجره عند الله، قال تعالى: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لا يُبْخَسُونَ * أُولَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ إِلَّا النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [هود:١٥ - ١٦].
فمن كان يريد الله فأكبر معالم إقباله: أن يخلص عمله لله، والذي ينبغي أن يكون من أعظم الأهداف تحقيقاً في الأربع والعشرين الساعة: الصلوات الخمس.
يقول ابن تيمية وقد شكا له رجل النفاق والشبهات والشهوات في صدره: "أوصيك بعد تقوى الله بإصلاح الصلوات الخمس ظاهراً وباطناً، وأن تخشع فيها، وأن تكثر من الالتجاء والدعاء إلى الله ، فسوف يرزقك الله الصدق والقبول".
وأوصي نفسي وإياكم بالصلوات الخمس: أن نصْدُق فيها؛ فإنها المدرسة الروحية العالية، والقداسة والطهر، وهي العهد والميثاق الذي أخذه الله علينا، والذي سنه رسول الله ﷺ فينا، ويوم نصْدُق مع الله في الصلوات الخمس ونجدد بيعتنا مع الله في كل صلاة يرزقنا الله القبول، ويرزقنا الله الصدق والاطمئنان، ويأخذنا بأيدينا إليه صراطاً مستقيماً.
стр. 6034
المسلمون بين الشبهات
يا معاشر المسلمين! إننا ابتلينا بمعسكرين:
المعسكر الشرقي الشيوعي: صاحب الشبهات.
والمعسكر الغربي الرأسمالي: صاحب الشهوات.
لينين وماركس، ومن اصطفَّ في مسارهم، واعتقد اعتقادهم من أهل الإلحاد حاربوا العالم الإسلامي بالشبهات، أوبالشك والإلحاد والريبة، حتى أغْوَوا كثيراً من شباب الإسلام وصدوهم عن منهج الله.
فالنعرات التي تسمعونها بين الفَيْنة والفَيْنة على مركب الحداثة، أو الأدب الحداثي، أو تحرير المرأة أتت من لينين وماركس، وبثوها في العالم؛ فابتلينا بهذا المرض الخطير، فما هو علاجه؟
وابتلينا من المعسكر الرأسمالي الغربي الأمريكي والأوروبي بالشهوات: بالمرأة الفتانة، وبالمجلة الخليعة، وبالأغنية الماجنة، وبكأس الخمر، وبالضياع.
فأولئك يحاربوننا بالشك والريبة.
وهؤلاء يحاربوننا بالشهوات والأطماع.
فما هو مخرجنا؟
الحل أمام الشبهات: أن نصْدُق مع الله ، وأن نكثر من الأعمال الصالحة، وأن نأتي إلى القرآن الكريم فنتدبره تماماً، ونقرأه كما يريده الله ، ونقف مع آياته طويلاً.
وأيضاً: بالدعاء والتبتل، وصدق الالتجاء إلى الحي القيوم، فهو الذي ينقذنا أمام الإلحاد والزندقة، والشك والريبة والنفاق.
وأما الشهوات: فحلنا وموقفنا أمامها: الزهد وتقوى الله والمراقبة والمحاسبة والصبر.
ولذلك كان الأستاذ سيد قطب عندما سافر إلى أمريكا إنساناً عادياً، عنده الناس سواسية، فلما سافر إلى ولاية كلورادو في أمريكا، وعاش في مدينة دينفر وهو يطلب رسالة في العلوم، قال: "فرأيتُ المجتمع مجتمع الغابة، رأيتُ الضياع، رأيتُ الإنسان وهو يعيش كالحيوان، أجاد في طعامه وشرابه، وأجاد في مسكنه، وأجاد في تنقله؛ ولكنه أخفق في عالم الروح".
فقطع بعثته الدراسية، وعاد إلى القاهرة، وأول ما تناول القرآن، فبكى طويلاً، وعاش مع القرآن خمساً وعشرين سنة.
يقول في أول كتابه الظلال: "عشتُ مع القرآن، والعيش مع القرآن حياة ترفع العمر وتباركه وتزكيه".
فهل لنا أن نعود إلى القرآن، وهل لنا أن نعود إلى المساجد، وقد عدنا -والحمد لله- وعاد الكثير، وهل لنا أن نصدق اللجوء مع الله .
فيا أيتها الأمة التي صاغها الله على سمعٍ وبصرٍ! وأراد لها أن تكون منقذة للعالم، وجعل عنوان موكبها النور والسجود, وجعلها خيِّرة أينما حلًّتْ وارتحلَتْ.
أدعوكم ونفسي إلى الله الحي القيوم، إلى التوبة الصادقة، والمعاملة الحسنة؛ فإنه -والله- لا يمكن أن نصدق مع مرءوسينا، ولا مع مسئولينا ورعاتنا إذا لم نصدق مع الله، ومن خان الله وضيعه فهو لما سوى الله أضيع.
قال عمر ﵁ وأرضاه: [[مَن حفِظ الصلاة فهو لما سواها أحفظ، وقد حفظه الله، ومَن ضيعها فهو لما سواها أضيع، وقد ضيعه الله]].
أسأل الله أن يحفظني وإياكم بحفظه، وأن يتولانا بولايته، وأن يرعانا ويهدينا ويسددنا، ويأخذ بأيدينا.
وإنها لفرصة من فرص العمر أن نعيش مع رسول الهدى ﷺ .
نسينا في ودادك كل غالٍ فأنت اليوم أغلى ما لَدَينا
نُلامُ على محبتكم ويكفي لنا شرفاً نلام وما علَينا
ولم نلقاكمُ لكن شوقاً يذكرنا فكيف إذا التقَينا
تسلى الناس بالدنيا وإنَّا لعَمْرُ الله بعدَك ما سلَينا
فأسأله لي ولكم التوفيق والهداية والسداد.
سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلام على المرسلين, والحمد لله رب العالمين.
وصلى الله على محمد وآله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.
стр. 6035
الأسئلة
стр. 6036
حكم من ذهب ليجاهد بدون إذن والديه
السؤال
ما رأيك في من يذهب للجهاد في بلاد أفغانستان تاركاً وراءه أهله وأولاده ووالدَيه، وهم غير راضين عنه، وهم أحق بالجهاد عليه؟
الجواب
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.
صاحبُ السؤال -مِمَّا عرض في سؤاله- كأنه يجيب نفسه بنفسه.
والحقيقة: الجهاد الأفغاني جهاد إسلامي يفخر به كل مسلم، ونسأل الله أن يمكنهم تحت راية لا إله إلا الله وأن ينصرهم على أعدائهم.
ومسألة الذهاب إلى أرض أفغانستان مسألة طالما تُكُلِّمَ فيها في مناسبات، وتَكَلَّمَ عنها أهل العلم والمفكرون والدعاة كلاماً طويلاً لا يخفى على كثير من الناس.
أما بالنسبة لمن يذهب هناك: فإن مما ظهر من كلام أهل العلم وفتاويهم: أن الجهاد في أفغانستان فرض عين، ولا بد من إذن الوالدين إذا أراد الذهاب إلى هناك، فإن الرسول ﷺ في أكثر من حديث قال لمن سأله: ﴿أحيٌّ والداك، أو أحدهما؟﴾ فإن أجابه بنعم، قال: ﴿ففيهما فجاهد﴾ وقال لليمني لما سأله: ﴿أحيٌّ والداك؟ قال: أمي حية، قال: فالزم رجلها، فإن الجنة عند رجلها﴾ رواه: النسائي.
فإذا عُلِمَ هذا، فإنه لا بد من إذن الوالدين، وهذا الذي دلت عليه النصوص.
والعجيب: أن بعض المفسرين قالوا: أهل الأعراف الذين ذكرهم الله في قوله: ﴿وَعَلَى الْأَعْرَافِ رِجَالٌ يَعْرِفُونَ كُلّاً بِسِيمَاهُمْ﴾ [الأعراف:٤٦] قالوا: هم قوم أسكنهم الله في جبل بين الجنة والنار كجبال الدنيا؛ وهم قوم قُتِلوا في سبيل الله، وما استأذنوا آباءهم وأمهاتهم.
فهم تحت رحمة الله .
فلا بد من إذن الوالدين، ومما ظهر من فتاوى أهل العلم، أن الجهاد هناك فرض عين، ومَن عنده عائلة وأطفال وليس لهم عائل إلا هو، فلا بد من البقاء معهم؛ إلا أن يداهم البلد عدو، أو يكون هناك أمر أخطر من الحادث الذي لا يَجِدْ معه إلا هذا المجاهد، أو لا يجد نفسه إلا في مقام المضطر؛ لأن الرسول ﵊ يقول: ﴿كفى بالمرء إثماً أن يضيع مَن يقوت﴾ وفي رواية: ﴿مَن يعول﴾ وهو حديث صحيح.
فالذي عنده أطفال وزوجة وبنات، وليس لهم عائل بعد الله إلا هو، إذا ذهب إلى الجهاد، ورزقه الله الشهادة، مَن يُرَبِّ هؤلاء الأطفال؟ ومَن يقِف مع هؤلاء البنات؟ ومَن يَحْمِ أعراضهن وأعراض بيته، ويقف معهن ويقوتهن؟ وهذا من الإسلام.
قال تعالى: ﴿بَلِ الْأِنْسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ﴾ [القيامة:١٤].
وهذا ما يحضرني في هذه العُجالة عن هذا الجهاد.
وأدعوكم إلى كثرة الدعاء للمجاهدين، وبذل المال فهم بحاجة إليه، وهم وقفوا في ثغرة طالما كانت مفتوحة حتى وقفوا فيها، فهم يستجدون من الله النصر صباح مساء.
نسأل الله أن ينصرنا وإياهم إنه على ذلك قدير وبالإجابة جدير.
стр. 6037
حكم صلاة الجماعة وحكم المتخلف عن صلاة الصبح
السؤال
ما رأي فضيلتكم في من يتخلفون عن صلاة الجماعة وهم يسمعون الأذان وبيوتهم قريبة من المساجد؟ وهل المتخلف دائماً عن صلاة الصبح من المنافقين؟ أفيدونا أثابكم الله.
الجواب
صلاة الجماعة على الصحيح من أقوال أهل العلم؛ واجبة، وابن تيمية يشترطها شرطاً في صحة الصلاة؛ لأدلة دلت من الكتاب والسنة، كقوله : ﴿وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾ [البقرة:٤٣] وقوله: ﴿وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاةَ﴾ [النساء:١٠٢] وقول الرسول ﵊ كما في الصحيح من حديث أبي هريرة: ﴿لقد هممت بالصلاة أن تقام، ثم أخالف إلى أناس لا يشهدون الصلاة معنا فأحرِّق عليهم بيوتهم بالنار﴾ , ولما سأله الأعمى: ﴿هل تجد لي رخصة؟ قال: أتسمع حيَّ على الصلاة، حي على الفلاح؟ قال: نعم.
قال: فأجب، فإني لا أجد لك رخصة﴾ وصح عنه ﷺ أنه قال في حديث عند الدارقطني: ﴿من سمع النداء فلم يجب، فلا صلاة له إلا من عذر﴾.
ومن تخلف عن الصلاة بلا عذر فهو منافق، لا شك في نفاقه، يقول جل ذكره عن المنافقين وهم يأتون المسجد ويصلون: ﴿وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاؤُونَ النَّاسَ وَلا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلاً﴾ [النساء:١٤٢] وفي صحيح مسلم عن ابن مسعود ﵁ وأرضاه قال: [[لقد رأيتُنا وما يتخلف عن الصلاة إلا منافق معلوم النفاق، ولقد كان يؤتى بالرجل، يُهادَى به بين الرجلين حتى يُقام في الصف]] أي: مِن المرض، ثم ذكر الحديث.
فما كان الصحابة يعرفون المتخلف إلا منافقاً.
ويقول ابن عمر: [[كان الرجل من أصحاب محمد ﷺ إذا رأوه تخلف شَكُّوا في إيمانه]].
فصلاة الجماعة واجبة.
ومن تخلف عن صلاة الفجر وأخذها عادة بلا عذر من غَلَبَة نومٍ أو من مرض، فهذا دليل على نفاقه، نسأل الله العافية.
وعند الترمذي، بسند فيه نظر، يقول ﵊: ﴿من رأيتموه يعتاد المساجد فاشهدوا له بالإيمان﴾
فنحن شهداء الله في أرضه، والله يقول: ﴿وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ﴾ [التوبة:١٠٥] والرسول ﵊ مُر عليه بجنازتين، فأثنَوا على جنازةٍِ خيراً، فقال: ﴿وجَبَتْ لها الجنة، وأثنَوا على الأخرى شراً، فقال: وجَبَتْ لها النار، ثم قال: أنتم شهداء الله في أرضه﴾.
стр. 6038
مشاهد في أمريكا
السؤال
فضيلة الشيخ! سمعنا أنك ذهبت إلى أمريكا من أجل الدعوة، فهل لك أن تعطيَنا بعض المشاهد التي رأيتها، لعله يكون لنا فيها عظة وعبرة، وشكراً لك؟
الجواب
هذا مؤتمر للدعاة المسلمين وللشباب المسلم، حضره ما يقارب أربعة آلاف شاب مسلم، فمن السعوديين ما يقارب الألف أو زيادة، وكان في أوكلاهوما في شمال أمريكا، وحضره الكثير من علماء الإسلام، ما يقارب خمسين عالماً، ووجدنا هناك نماذج تبشر بالخير من شباب الإسلام، خرجوا من هنا وهم عاديون، يظنون أن الإسلام صلاة وذهاب إلى البيت وعودة، ولكن ذهبوا إلى هناك، فرأوا المجتمع -مجتمع جهنم، مجتمع النار، مجتمع الضياع- فعادوا إلى الحي القيوم، والتجئوا إلى الله لما رأوا علماء ومفكري الأمريكان يدخلون في دين الله، فعاد الواحد منهم داعية.
وأذكر أن كثيراً من الشباب الأمريكان الذين حضروا الحفل، وتكلموا فيه، وتُرْجِمَ كلامُهم يشعرون بسعادة ما بعدها سعادة، وكأنهم دخلوا الجنة، وقالوا: إننا نشعر كأننا خرجنا من النار ودخلنا إلى الجنة.
والمرئيات التي يجدها المسلم عجباً من العجاب:
أولها: يشعر المسلم بالمفاصلة مع الكافر: فإنني شعرت - والله الذي لا إله إلا هو - أن التراب الذي نمشي عليه ونحن نعبر ولاياتهم، ما كأنه كالتراب الذي في بلادنا، والشجر الذي نراه ما كأنه بالشجر الذي هنا، والماء الذي نشربه ما كأنه بالماء الذي هنا؛ لأن الله يؤانس بين المسلم وبين ما يخلقه ، وأرض الكافر يجعل بينها وبين المسلم نفرة، حتى يقول ﵊ لما رأى جبل أحد: ﴿أحد جبل يحبنا ونحبه﴾ قال: سيد قطب عن هذا الحديث: يا سبحان الله! حتى المؤمن يحب الجبال وتحبه الجبال.
والشجر يحب المؤمن والمؤمن يحب الشجر.
فلما رأينا المجتمع الضائع، وذاك التعرِّي، وذاك السُّخْف، وجدنا أُناساً يهرعون دائماً مشغولين في أفكارهم، كالآلة ذهاباً وإياباً، لا يطَّلِعون إلى عالم الغيب، ولا يعملون للآخرة، فهم مجتمع ضائع، ولذلك كانت لي منظومة قصيدة اسمها: أمريكا التي رأيتُ منها:
يا أمة كتب الإله لها صحائف من خلودْ
واختارها فجراً جديداً بعد ليل لا يعودْ
وحمى عفاف حيائها من كل كفار عنودْ
هو صاغها من فطرة عنوان موكبها السجودْ
...
ما زرت أمريكا فليـ ست في الورى أهل المزار
بل جئت أنظر كيف ند خل بالكتائب والشعار
لنحرر الإنسان من رق المذلة والصغارْ
وقرارنا فتح مجيد نحن أصحاب القرارْ
...
ورأيت أمريكا التي صاغوا لها أعلى وسامْ
ما أرضهم أرض رأيتُ ولا غمامهمُ غمامْ
ورأيتُ وقتي في ديا رهمُ كألفي ألف عامْ
إلى آخر هذه المنظومة.
إنما هي أحاديث طويلة طويلة، فبشرى للمؤمن يوم يجد شباب الإسلام، وشباب هذه البلاد التي هي مهبط الوحي من السماء، وأرض القبلة، والتي تنزل فيها القرآن، يوم يرفعون لا إله إلا الله هناك، في الجامعات، والبعثات العسكرية، من أهل التخصصات الخاصة، والدعاة والمفكرين، يوم يجدهم يرفعون الرأس، ويوم يسمع الأذان وهو يتردد في الولايات، وفي الأماكن والمدن، يرتفع رأسه؛ ولكنه يستاء يوم يجد هؤلاء الذين ما عرفوا الله، فقد عرفوا كل شيء إلا الله، فقد أُعْمِيَتْ قلوبُهم، وطُبِعَ عليها، وللحديث مجالات ومجالات.
стр. 6039
حكم حلق اللحى وإسبال الثياب وسماع الغناء
السؤال
أشهد الله أنني أحبك في الله، وأسأل الله أن يثبتك ويزيدك علماً أولاً: بين لنا حكم حلق اللحية.
ثانياً: حكم إسبال الثياب.
ثالثاً: حكم سماع الغناء؟
الجواب
أحبكم الله الذي أحببتمونا فيه.
أما هذه المسائل التي عرضتَ لها: وهي اللحية، والغناء، وإسبال الثياب، فما أظنك تجهل، ولا الإخوة الذين حضروا يجهلون هذه الأحكام.
ونحن لا ينقصنا الإفتاء، فالفتوى موجودة، ونور على الدرب نسمعه صباح مساء، بل بعض الناس يسمع في الكلمة الواحدة أو في المسألة الواحدة عشرين عالماً، لكن القناعة القلبية والإيمان واليقين ينبغي أن يتمكن في القلب لنسمع، فـ ﴿إِنَّ اللَّهَ يُسْمِعُ مَنْ يَشَاءُ﴾ [فاطر:٢٢] ﴿وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْراً لَأسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ﴾ [الأنفال:٢٣].
فسماع القلب غير سماع الأذُن.
ولا ينقصنا علم ولا فهم، لسنا نعبد العلم، فإن العلم عُبِد من دون الله.
فـ العلمانية أتى بها أتاتورك في تركيا فعُبِدت من دون الله.
اللحية: حلقها حرام.
وفي عشرة أحاديث أو أكثر للنبي ﷺ فيها نَهْيٌ وتحريمٌ لحلقها.
والرسول ﵊ يقول: ﴿خالفوا المجوس، وفِّروا اللحى، وجزُّوا الشوارب﴾ ﴿أرخوا اللحى﴾ ﴿أعفوا اللحى، وقصوا الشوارب﴾ وفي غيرها من الألفاظ الكثيرة.
والغناء: محرم، كتاباً وسنةً.
يقول : ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّخِذَهَا هُزُواً﴾ [لقمان:٦] قال ابن مسعود: [[أقسم بالله قسماً إنه الغناء]].
وقال ابن مسعود، وقد رفع هذا الكلام بعضُ المحدِّثين إلى الرسول ﵊ قال: [[الغناء ينبت النفاق في القلب كما ينبت البقل من المطر]].
وفي صحيح البخاري عن أبي مالك الأشعري قال: قال رسول الله ﷺ : ﴿ليكونن أقوام من أمتي يستحلون الحر، والحرير، والخمر، والمعازف﴾ واستحلال المعازف إنما هو بعد التحريم.
قال أهل العلم: يدخل في المعازف: الناي والطبل والدف والمزمار والموسيقى بأنواعها، فهي محرمة، ومن استمع إليها في الدنيا حرمه الله سماع غناء الجنة، ففي مسند أحمد عن أبي هريرة ﵁ وأرضاه قال: قال رسول الله ﷺ : ﴿إن في الجنة جوارٍ ينشدن للمؤمنين ويقلن: نحن الناعمات فلا نبأس، نحن الخالدات فلا نبيد، طوبى لمن كنا له وكان لنا﴾ قال ابن القيم وهو يتحدث عن هذا، وغناء أهل الجنة في منظومته:
قال ابن عباس ويرسل ربنا ريحاً تهز ذوائب الأغصانِ
فتثير أصواتاً تَلَذُّ لمسمع الـ إنسان كالنغمات بالأوزانِ
يا خيبة الآذان لا تتعوضي بلذاذة الأوتار والعيدانِ
ومن استمع إلى الغناء صُبَّ في أذنيه الآنُك، وهو الرصاص المذاب يوم القيامة، نعوذ بالله من ذلك.
قال ابن القيم: "الغناء بريد الزنا ".
وهذا كلام من عالم بالنفس محقَّق؛ فإن أهل التجربة وأهل علم النفس قالوا: للصوت تأثير في حركات العبد ومزاولاته.
وما ارتُكِبَتِ الجريمة والفاحشة إلا بعد سماع أصوات العشقِ والوَلَهِ، والمحبةِ والغرامِ، وحبيبي وحبيبتي فترددت، ثم وقع الناس في الزنا والعياذ بالله.
وأتينا إلى الناس بعد ذلك لنخرجهم من السجون بعد أن فُتح لهم مجال الغناء والعُهْر وسماع هذا الفُحْش؟ لا.
إن العلاج يبدأ أولاً بالحمية، ثم بعد ذلك نقول للناس: هذا طريق الهداية.
لا أن نستخرج الناس بعد أن يُحْبَسوا في المخدرات، والفاحشة، والمخالفات، والمعاصي، وهذا الذي نشكو حالنا فيه إلى الله.
стр. 6040
حكم قصر الصلاة في الرحلات
السؤال
يخرج بعض الناس للرحلات أيام الخميس والجمعة، فهل يجوز لهم الجمع والقصر، علماً أن المسافة أكثر من ثمانين كيلو متر، أفيدونا جزاكم الله خيراً؟
الجواب
إذا سافر العبد المسلم سواءً في رحلة أو نزهة أو في سفرِ طاعةٍ حَجَّاً كان أو عمرة أو زيارة المسجد الحرام والمسجد النبوي أو جهاداً فله أن يقصر.
إذا كان هناك مسافة للقصر وهي ما تعارف عليه بأنها مسافة قصر.
أما الكيلومترات والأميال فلا عبرة بها؛ لكن ما سمي في اللغة سفراً فيَقْصُر، سواءً في رحلة أو في غيرها، فإذا خرجت إلى مكانٍ نُزْهةً بأهلك فلك أن تجمع وتَقْصُر إذا كانت مسافة قصر.
стр. 6041
حكم إضاعة الوقت في غير ذكر الله
السؤال
نرجو من فضيلتكم بيان حكم السمر على اللهو ولعب الورق، وترك صلاة الفجر مع الجماعة، وما حكم إضاعة الوقت في غير ذكر الله ؟ والسلام عليكم.
الجواب
وعليكم السلام ورحمة الله، هذه -كما تعرفون - منكرات عظيمة، والله استخلف هذا العبد ليكون عبداً له، وقتُه محسوب عليه، يسأله عن عمره وسمعه وبصره وعن كل قوة زوده بها، ففي صحيح مسلم قال رسول الهدى ﷺ : ﴿لن تزول قدما عبد يوم القيامة حتى يُسأل عن أربع منها: وعن عمره فيما أبلاه﴾.
ويقول جل ذكره: ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لا تُرْجَعُونَ * فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ﴾ [المؤمنون:١١٥ - ١١٦].
فلعب الورق إن لم يكن على قمار، ومال، ولا على مخاطرة؛ فمكروه إذا لم يكن في وقت صلاة، أو شَغَل عن ذكر، أو قراءة قرآن.
وإن شغل عن ذكر، أو قراءة قرآن، أو صلاة فهو محرم، وإن صاحبه مخاطرة، أو مال، أو شيء من الرهان فهو محرم أشد التحريم.
ومن فاتته صلاة الفجر من أجل هذه الأمور فقد ارتكب أمراً محرماً، وقد فعل فعلاً شنيعاً، وأظن أن صلاته -والله أعلم- لا تقع له قضاءً؛ لأنه أخرجها عن وقتها بلا سبب، وسهر دائماً وأخذها عادة، فأخرجها عن وقتها، فالله أعلم بحاله، ونسأل الله أن يتوب علينا وعلى مَن هذه حالُه؛ فإن من يستخدم ليله في اللهو واللعب، ونهاره في الضياع فلا ندري ما مصيره؛ ولكن الله طالبنا بأن نحسن العمل ليحسن لنا الخاتمة: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [العنكبوت:٦٩].
فما أطالَ الليلُ عمراً وما قصَّرَ في الأعمار طولُ السهر
стр. 6042
حكم كشف الخادمة على من تعمل عنده
السؤال
ما هو الرأي الشرعي فيما يتعلق بالخادمات؟ وهل يحق لمن هي عنده الكشف عليها، كأحد محارمها؟ وهل يجوز لها العمرة أو الحج برفقة مستخدمها؟ وهل يجوز له أن يسمح لها أن تخرج إلى الشوارع متكشفة لفتنة الشباب؟
الجواب
إذا استُقْدِمَتْ خادمة لأجل ضرورة أو لخدمة في البيت بشروط فلا بأس بذلك، وقال بعض أهل العلم: لا بد أن تكون مسلمة، والتعامل يكون مع المسلمين، فتكون متحجبة في مكان خاص، لا تتكشف على الرجل في البيت، فلا يراها ولا تراه، فإنها أجنبية وهو أجنبي عنها، ولا يصح له بحال أن ينظر إليها، وليست الخدمة سبباً شرعياً يوجب أن يكشف عليها أو أن تكشف عليه، بل تخدم في بيته مع زوجته وبناته، ولا تكشف على أولاده ولا يكشفون عليها، وإن أخل بهذا الشرط فالخادمات محرمات.
وكذلك الخُدَّام من الرجال، حرام أن يكشفوا على نسائه وبناته، فإن أخل بهذا الشرط فقد ارتكب منكراً عظيماً وفاحشةً وجرماً.
وأما الذهاب بها إلى الحج بلا مَحْرَم: فلا يجوز؛ لأنه ليس مَحْرَماً لها، بل عليها أن تحضر لها مَحْرَماً يستصحبها، فإن الرسول ﵊ قال: ﴿لا يحق لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تسافر مسافة ثلاثة أيام إلا مع ذي مَحْرَم﴾.
وفي رواية في الصحيح: ﴿يوماً وليلة﴾.
وهذا يشمل كل مسلمة، فلا يحق لها إلا مع ذي مَحْرَم من أهلها، أو من قَرابتها.
стр. 6043
حكم ذهاب الخادمة للحج والعمرة مع العائلة التي تخدمها
السؤال
ما رأيكم إذا كانت زوجته معه وأطفاله، وأراد أن يحج بها؟
الجواب
بعض أهل العلم استثنى في هذه المسألة وقال: إن كانت للضرورة فمع أهله وأمه -مثلاً- وأخته وزوجته، بشرط ألا تكشف عليه؛ لكني لا أرى فتح هذا الباب؛ لأنه سوف يكون في السفر أمور، وسوف يُفْتَح الباب للناس على هذا الأمر، وفيه ضرورة، بل تحضر هي ولياً لها أو قريباً لها مَحْرَماً.
стр. 6044
حكم خروج الخادمة إلى الشارع متكشفة
السؤال
وخروجها - أطال الله عمرك - إلى الشارع متكشفة لفتنة الشباب؟
الجواب
هذا بإجماع العلماء لا يجوز، فإنه أفتى نفسه؛ لأنها تفتن الشباب؛ فمُحَرَّمٌ أن تتشكف في بيته عند أبنائه، فكيف إذا خرجت في الشارع!
والخادمة ليس لها حكم خاص، فإنها تأخذ حكم المرأة، فعليها أن تستتر بستر الله، ولا تتكشف، وإن فعلت ذلك فقد ارتكبت إثماً، وارتكب مَن أتى بها إثماً، وكان داعياً إلى الإثمين: إثمها في نفسها يوم أركبها الإثم، وإثمه هو يوم فعل هذا الأمر العظيم.
стр. 6045
حكم من عمل عملاً لغير الله
السؤال
ما رأي شيخنا الكريم في من تعلم العلم لغير الله، ولم يقصد بعلمه ولا بأكله ولا بشربه ولا بنومه إلا غير الله ؟
الجواب
نسأل الله العافية والسلامة، العلم شيءٌ، وما ذكر من الأكل، والشرب، والنوم شيءٌ آخر، فيه تفصيل:
أما مَن تعلَّم لغير وجه الله فنسأل الله أن يتداركنا وإياه برحمته، وأن يتوب علينا وعليه؛ فإن بعض الناس أول ما يبدأ في طريق العلم يبدأ لغير وجه الله، ثم يحوِّل الله نيته إلى الخير، يقول سفيان الثوري: " تعلمنا العلم لغير الله، فأبى الله إلا أن يكون له".
وذُكِر عن الشافعي أنه يقول: " تعلمنا العلم للدنيا، فأبى الله إلا أن يكون له".
فبعض الناس يبدأ أولاً بطلب العلم للرياء والسمعة والظهور، والمنصب والشهادة، ثم يفيض الله عليه بمنه وكرمه مع الدعاء والتعوذ من الشيطان، ومع كثرة النوافل، فيفتح الله عليه، ويتوب عليه، فيعود، ويخلص نيته لوجه الله.
والتعلم لغير وجه الله حرام: ومن تعلم لغير الله لا يجد عَرْفَ الجنة، وإن عرفها ليوجد من مسافة أربعين عاماً أو كما قال ﵊.
وأما الأكل والشرب والمنام فهذه من الأمور المباحة، وأنت مأجور إذا صرفتها لطاعة الله، فإذا نوَيْت بنومك أن تستعين به على طاعة الله تحولت العادة عبادة، قال معاذ رضي الله وأرضاه: [[والله إني لأحتسب نَوْمَتي كما أحتسب قومتي]].
فمن احتسب أكله كان مأجوراً؛ أما من أكل على غير نية، فليس بمأجور وليس بمأزور؛ إنما هي مباحات، إذا أكل بدون نية ما أظنه يحصل على أجر، ولكنه لا يحصل له إثم ولا ذنب ولا خطيئة إن شاء الله.
стр. 6046
حكم التكشف على بنات العمات والأخوال والخالات
السؤال
هل لبنات الأعمام والعمات والأخوال والخالات أن تكشف على صاحب الدار؟
الجواب
بنات الأعمام أو بنات العمّات أو بنات الأخوال كلهن أجنبيات، فهن لسن كأخته أو أمه أو بنته.
стр. 6047
حكم تطويل الخطبة
السؤال
خطيب الجمعة طوَّل في الخطبة، فقام المسلمون وشتموا الخطيب، وانصرفت هذه المجموعة محتجين بطول الخطبة، فما حكم هذا؟
الجواب
كان الأحسن لهم أن تكون المظاهرة على الخطيب بعد الصلاة؛ لأنه قد يكون خطب بهم ثلاث ساعات أو ما يقاربها، كما يفعل بعض الحمقى من الخطباء؛ فإن الرسول ﷺ أمر بالاقتصاد في الموعظة والمراعاة، وقال كما في صحيح مسلم عن عمار بن ياسر: ﴿إن قِصَر خطبة الرجل وطول صلاته مئنة من فقهه﴾ أي: علامة لفقهه؛ ولكن لا إفراط ولا تفريط.
بعض الناس قد يرتقي المنبر، فيتكلم خمس دقائق، ثم ينهي الخطبة، وماذا سمع المسلمون في الخمس الدقائق؟ والمجتمع يمر بالمشاكل: بالمخدرات، وبالزنا والعُهْر، وتكشف المرأة، والربا وتسيب الشباب، فهذه المشكلات لا بد أن يعرضها فيحررها، ويؤصِّلها، فيأتي بالأدواء والأعراض وبالعلاج، حتى يستفيد الناس، في نصف ساعة - مثلاً - وفيما يقارب، هذه الحدود ولا يطيل.
أما أن يأتي على المنبر فيأتي بسيرة الأولين والآخِرين، ويتحدث عن الأسعار والأمطار والأخبار، وعن كل ما هب ودب، فهذا ليس من حقوقه؛ لأن في الناس من هو مريض وشيخ كبير وطفل صغير، وفي الناس من هو مضطر، وفي الناس من عنده ضيوف بعد الصلاة، ومن عنده مواعيد وأسفار، فلا يحق له في الإسلام أن يفعل ذلك.
ولكن الأحسن للمصلين والواجب ألا يقوموا بهذا؛ لكن يقوم أحدهم فيتكلم معه ويقول: طوَّلْتَ بارك الله فيك اختصر، وانزل؛ ليذكره فهذا، هذا من حقوق المصلي أن يتكلم مع الإمام، ولا يتكلم المصلون مع بعضهم، فإن للإمام أن يكلم الناس، ولهم أن يكلموه على المنبر؛ لكن ليس للمصلين أن يتكلموا بعضهم مع بعض.
стр. 6048
قل أعوذ برب الناس
أورد الشيخ مقطوعة من الشعر العربي لـ (كثير عزة) في مستهل كلامه، ثم انتقل إلى موضوعه الأساس: تفسير سورة الناس، وشرح كلمات هذه السورة باستفاضة، مستدلاً على مدلولات هذه الألفاظ بكلام العرب وأشعارهم، وكلام الرسول ﷺ ، ثم ذكر بعض الأمور التي نستطيع بها أن نتغلب على الشيطان، وتكلم عن أنواع شياطين الإنس، مبيناً ستة أسباب للوقاية منهم.
ثم ذكر ثمانية مقاصد من قراءة القرآن الكريم.
стр. 6049
من روائع الشعر العربي
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له.
وأشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.
أيها الإخوة الفضلاء:
سلام الله عليكم ورحمته وبركاته.
عنوان هذا الدرس: (قل أعوذ برب الناس) وهو الدرس الأول في التفسير، والخطة المتبعة في تفسير القرآن الكريم: أن يُبْدأ بقصار السور، وفي هذا الدرس نبدأ بـ ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ﴾ [الناس:١] ثم السور التي تليها صعوداً، في زحف مقدس مع كتاب الله .
والمقصود من هذا التفسير: أن يقرب كلام الله للناس.
وأسلك في ذلك مستعيناً بالله الأسلوب السهل اليسير المبسط، محتفظاً بكلام أهل السنة والجماعة، حريصاً على معتقد السلف الصالح، رابطاً القرآن بالواقع، والواقع بالقرآن، سائلاً الله أن يعينني وإياكم على أن نهتدي بنور القرآن.
وقبل أن أبدأ في الدرس بـ ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ﴾ [الناس:١] أحب أن أتحفكم، وأتحف من يسمع هذا الدرس بقصيدة بديعة قالها كثير عزة أمام أمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز ﵁ وأرضاه.
وأنتم تعرفون عمر بن عبد العزيز، ولا يجهله مسلم، والكل يعرف من هو الخليفة الراشد الزاهد العابد، الذي كان مجدداً في القرن الأول.
والحقيقة: أن الشاعر أبدع، وأنه قال الحق، وأنه أصاب سواء السبيل، لما تلفظ بكلمات يشيد بهذا الإمام ﵀ رحمة واسعة -.
يقول كثير عزة يمدح عمر بن عبد العزيز ويثني عليه:
تكلمتَ بالحق المبين وإنما تُبَيَّنُ آياتُ الهدى بالتكلُّمِ
وأظهرت نور الحق فاشتد نوره على كل لبس فارق الحق مظلمِ
وعاقبت فيما قد تقدمتَ قبله وأعرضتَ عما كان قبل التقدمِ
ويخاطب الخليفة ويقول:
وليت فلم تَشْتُم علياً ولم تُخِفْ برياً ولم تقبل إشارة مجرمِ
لأن النواصب من بني أمية كانوا يشتمون علياً على المنابر ويسبونه، فلما تولى عمر أبطل ذلك، وأعاض مكان ذلك: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى﴾ [النحل:٩٠].
وصَدَّقتَ بالفعل المقال مع الذي أتيتَ فأمسى راضياً كل مسلمِ
ألا إنما يكفي الفتى بعد زيغه من الأَوَد الباقي ثِقاف المقوِّمِ
وقد لَبِسَتْ لبس الهَلوك ثيابها تراءى لك الدنيا بكف ومعصمِ
وتومض أحياناً بعين مريضة وتَبْسُم عن مثل الجُمَان المُنَظَّمِ
وتومض، أي: الدنيا.
فأعرضتَ عنها مشمئزاً كأنها سَقَتْكَ مَدُوفاً من سَمَام وعلقمِ
وقد كنتَ من أجبالها في مُمَنَّعٍ ومن بحرها في مزبد الموج مفعمِ
وما زلتَ تواقاً إلى كل غايةٍ بلغتَ بها أعلى البناء المقدَّمِ
فلما أتاك المُلْكُ عفواً ولم يكن لطالب دنيا بعده من تَكَلُّمِ
تركتَ الذي يفنى وإن كان مُونقاً وآثرتَ ما يبقى برأيٍ مصَمِّمِ
وأضررت بالفاني وشمرت للذي أمامك في يوم من الشر مظلمِ
سما لك همٌّ في الفؤاد مؤرِّقٌ بلغت به أعلى المعالي بسُلَّمِ
فما بين شرق الأرض والغرب كلها منادٍ ينادي من فصيح وأعجمِ
يقول أمير المؤمنين ظلمتَني بأخذٍ لدينار ولا أخذِ درهمِِ
ولا بسطِ كفٍ لامرئ غير مجرمٍ ولا السفك منه ظالماً ملء مِحْجَمِ
ولو يستطيع المسلمون لقسموا لك الشطر من أعمارهم غير نُدَّمِ
فأَرْبِحْ بها من صفقةِ لمبايِعٍ! وأَعْظِمْ بها أَعْظِمْ بها ثم أَعْظِمِ!
ولعله إن شاء الله يكون في مقدمة كل درس رائعة من الشعر العربي الفصيح، أو بديعة ينفع الله بها؛ ولكن نأتي إلى أحسن الكلام، وأروع الألفاظ، وجوهر المقول، وهو كلام رب العالمين، الذي يقول فيه: ﴿لا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ [فصلت:٤٢].
والذي يقول: ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْأِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً﴾ [الإسراء:٨٨].
стр. 6050
شرح مفردات سورة الناس
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ * مَلِكِ النَّاسِ * إِلَهِ النَّاسِ * مِنْ شَرِّ الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ * الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ * مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ﴾ [الناس:١ - ٦]
هذا درس هذه الليلة، هذا كلام الله ، هذا الكلام المبين الذي أنزله على رسوله ﵊.
فمن يستطيع أن ينظم مثل هذا الكلام، أو أن يقول كهذه العبارات، أو أن يصوغ كهذه الجمل؟!
روى الإمام مسلم في الصحيح عن عقبة بن عامر الجهني ﵁ وأرضاه عن النبي ﷺ أنه قال: ﴿لقد أنزل الله عليَّ آيات لَمْ يُرَ مثلهن: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ﴾ [الناس:١] و ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ﴾ [الفلق:١]﴾ وقرأ السورتين ﵊.
وكان ﵊ يعيذ الحسن بتعاويذ، فلما أنزل الله المُعَوَّذَتَين: (الناس) و (الفلق) قرأهما ﵊ واكتفى بهما.
ويكفي من أراد أن يستعيذ بالله أن يستعيذ بسورة (الناس) وبـ (الفلق).
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
هذه سورة هي آخر سورة في المصحف، فمن أولها إلى آخرها سينات مشتبكة، كأنها حركة الشيطان وهو يوسوس في صدر ابن آدم، أو كأنها حركة الموسوسين الذين يوسوسون من الإنس في آذان الناس.
وسوف تسمعون كلام أهل العلم من العصريين، وسوف تسمعون إن شاء الله بعض الأفكار المطروحة، وبعض كلام أهل الأدب في هذه السورة.
стр. 6051
شرح قوله تعالى: (قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ)
﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ﴾ [الناس:١]: الأمر للرسول ﵊ ولكل مسلم يريد الله والدار الآخرة، فالله يأمر هذا العبد الضعيف أن يلتجئ إليه.
﴿قُلْ﴾ [الناس:١]: قل أيها الضعيف: أعوذ.
﴿أَعُوْذُ﴾ [الناس:١]: ومعنى أعوذ: ألتجئ وأعتصم وأستجير؛ لكن بالله .
قال ابن كثير: ومن كلام المتنبي:
يا من ألوذ به فيما أؤمله وأستعيذ به مما أحاذرهُ
لا يجبر الناسُ عظماً أنت كاسره ولا يهيضون عظماً أنت جابرهُ
يمدح مخلوقاً والله هو المستحق لذلك.
قال ابن كثير: وربما دعا ابن تيمية بمضمون هذين البيتين في سجوده.
وذكر ذلك ابن القيم.
فالذي يُستعاذ به هو الله وهو الذي يُلتجأ إليه في الضائقات.
ومن خصائص وحدانيته وألوهيته: أنه يجيب المضطر إذا دعاه، فيقول : ﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ﴾ [النمل:٦٢].
стр. 6052
توضيح معنى: الرب الملك الإله
﴿بِرَبِّ النَّاسِ * مَلِكِ النَّاسِ * إِلَهِ النَّاسِ﴾ [الناس:١ - ٣]: ذكر الله في أول هذه السورة ثلاث صفات لله :
الأولى: رب.
الثانية: ملِك.
الثالثة: إله.
﴿بِرَبِّ النَّاسِ﴾ [الناس:١]: فأما (رب): فهو توحيد الربوبية الذي أقر به الناس جميعاً، وإن أنكره بعضهم في الظاهر؛ فإن فرعون أنكر الربوبية في الظاهر، فهو يقول لقومه: ﴿مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي﴾ [القصص:٣٨] بينما بَكَّتَه موسى ﵊ وكذَّبه وعنَّفه، وقال: يا عدو الله: ﴿لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنْزَلَ هَؤُلاءِ إِلَّا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ بَصَائِرَ وَإِنِّي لَأَظُنُّكَ يَا فِرْعَوْنُ مَثْبُوراً﴾ [الإسراء:١٠٢].
قال شيخ الإسلام ﵀: لم ينكر أحد من الناس الصانع -أي: الخالق الباري إلا فرعون، فقد أنكره في الظاهر وأقر به في الباطن.
وإلاَّ فالخليقة كلها كافرها ومؤمنها، ضالها ومهتديها؛ يشهدون ويقرون أن هناك رباً، ولكن ما خالف بعض أهل الكفر وأهل الزيغ والإلحاد إلا في مسألة الإله، فخالفوا في توحيد الألوهية، فأتى الرسل عليهم الصلاة والسلام يدعون إلى توحيد الألوهية، الذي ذكره الله في هذه السورة: (رب - ملِك - إله).
والعبد في كل يوم لا بد أن يلتجئ إلى هذا الرب والملِك والإله.
فالرب: الذي يربي عباده بالنعم، وهو المربوب، وهو المصرف المدبر الخالق الرازق : ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيّاً﴾ [مريم:٦٥].
والملك: هو الذي يستحق الملك.
قال القرطبي: وإنما ذكر الله الربوبية لجميع الخلق لأمرين:
الأول: لأن الناس معَظمون، فأعْلَمَ أنه لا معَظَّم إلا هو ﵎.
الثاني: لأنه أمر بالاستعاذة من شرهم، فأعْلَمَ بذكره أنه هو وحده الذي يُعِيذ، ولا يعيذ غيره.
وهذا في مسألة (رب).
﴿مَلِكِ النَّاسِ﴾ [الناس:٢]: وأما (ملِك): فإنه انفرد بالملك ولو أن في الناس ملوكاً، ولكن المُلك حقيقة له ولذلك أثنى على نفسه فقال: قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [آل عمران:٢٦].
والله سمى نفسه يوم القيامة: ملكاً؛ لأنه: ﴿يقبض السماوات بيمينه، والأرضين بشماله﴾ هكذا في لفظ مسلم.
وسئل سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز عن هذا اللفظ، هل يطلق عليه بالشمال؟ فأقره سماحة الشيخ، وقال: يقره أهل السنة، وأما حديث: ﴿كلتا يدي الله يمين﴾ فهو من باب التكريم والتبريك، وإلاَّ فـ أهل السنة يقرون لفظ الشمال، كما في صحيح مسلم.
فإذا قبض الله السماوات والأرض نادى: ﴿لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ﴾ [غافر:١٦]؟ ﴿لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ﴾ [غافر:١٦]؟ ﴿لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ﴾ [غافر:١٦]؟ فلا يجيبه ملَك مقرب، ولا نبي مرسل، فيجيب نفسه بنفسه ويقول: ﴿لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ﴾ [غافر:١٦].
فهو ملِك الناس.
﴿إِلَهِ النَّاسِ﴾ [الناس:٣] وأما (إله): فهو المستحق للألوهية والعبودية وقد أُرسل الرسل بذلك، وخاتمهم رسولنا ﵊ فقد أتى بهذا التوحيد، وهو الذي أنكره المشركون، وكان ﵊ يقول لهم: ﴿قولوا: (لا إله إلا الله) تفلحوا﴾ وكل نبي قال لقومه: ﴿يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ [الأعراف:٥٩].
فالمشركون عبدوا مع الله غيره، وسألوا ودعوا مع الله غيره, فضلوا ضلالاً مبيناً.
وعند أبي داود في السنن: أن حصين بن عبيد الخزاعي وفد على الرسول ﵊ فقال له ﵊: ﴿يا حصين! كم تعبد؟ قال: سبعة، قال: أين هم؟ قال: ستة في الأرض، وواحد في السماء، قال: فَمَنْ لِرَغَبِكَ وَلِرَهَبِكَ؟ قال: الذي في السماء، قال: فاترك التي في الأرض، واعبد الذي في السماء﴾.
وعند أحمد في المسند وأبي داود أيضاً: عن أبي جري الهجيمي، قال: ﴿وفدتُ على الرسول ﵊ فقلت: يا رسول الله! إِلامَ تدعو؟ قال: أدعو إلى أن يُعبَد اللهُ لا إله إلا هو، ثم قال: الذي إذا أصابتك سنة فدعوتَه كشفها عنك -أي: قحط وجدب- والذي إذا ضلت ناقتك في الصحراء فدعوتَه ردَّها عليك﴾ فانظر كيف خاطب هذا الأعرابي بمنطوقه ومفهومه، فإنه يفهم القطر في الصحراء، ويفهم الضالة إذا ضلت، فخاطبه بشيئين ﵊.
فالله هو الذي يستحق الألوهية، وإنما يَضِلُّ العبدُ يوم يدعو إلهاًَ غير الله .
وقد وقع الناس في كثير من الشركيات، كشرك المحبة، والرجاء، والخوف، وهذه ليست بظاهرة، بل أجزِمُ جزماً أكيداً أنه حتى من يحمل الشهادات العالية، وربما الشهادات الشرعية منها، يقع في شيء من هذا الشركيات.
وقلتُ أكثر من مرة، وقال غيري ممن هو أفضل: إن كثيراً من الناس لا يعبدون النجم أو الحجر أو الشجر.
لكن منهم من يشرك شرك الخوف.
وقد ذكر الشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀ أن من نواقض (لا إله إلا الله): شرك الخوف، وهو الذي يقع فيه الناس، ومعناه: أنك تخاف من البشر أكثر من خوفك من رب البشر.
وتعتقد أنت في نفسك، ولو أنك تصلي وتصوم وتعبد أن من الناس من يمكن أن يقدم أجلك ساعة، أو ينهي حياتك، أو يقطع رزقك أو يضايقك، دون أن يقدِّر الله ذلك، أو يستطيع أن يضرك دون أن يكتب الله ذلك.
وهذا شرك منك في لا إله إلا الله محمد رسول الله.
قال : ﴿وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ كِتَاباً مُؤَجَّلاً﴾ [آل عمران:١٤٥].
وقال : ﴿إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ﴾ [آل عمران:١٤٠].
وقال : ﴿فَلا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ﴾ [آل عمران:١٧٥].
وقال : ﴿وَيُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِنْ دُونِهِ﴾ [الزمر:٣٦].
وصح عنه ﵊ عند الترمذي وأحمد أنه قال: ﴿واعلم أن ما أصابك لم يكن ليخطئك، وما أخطأك لم يكن ليصيبك، واعلم أن الأمة لو اجتمعوا على أن ينفعوك بشي لم ينفعوك إلا بشي قد كتبه الله لك، وإن اجتمعوا على أن يضروك بشيء لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك، رُفِعَت الأقلام وجفت الصحف﴾.
فهل اعتقدنا هذا؟ وهل عشناه؟ وهل خلَّصنا أنفسنا من هذه الشركيات؛ شرك الخوف، والرجاء، والمحبة؛ أن ترجو غير الله أكثر مما ترجو الله، أو تحب غير الله أكثر من حبك الله؟
стр. 6053
شرح قوله تعالى: (مِنْ شَرِّ الْوَسْوَاسِ)
﴿مِنْ شَرِّ الْوَسْوَاسِ﴾ [الناس:٤]: قال أهل العلم: من شر الشيطان، وإنما حذف المضاف وأتى بالمضاف إليه، للدلالة على ذلك.
فمن هو الوسواس؟
من هو الذي يوسوس؟
ومن هو الذي أغوى أجيال الأمة؟
ومن هو الذي أضل الألوف المؤلفة؟
ومن هو الذي جعل الشاب يتنكر لمبدئه، ويتنكر لمسجده ومصحفه؟
ومن هو الذي جعل طواغيت الأرض يحكمون بغير ما أنزل الله؟
ومن هو الذي جعل الظَّلَمة يستبدون بدماء الناس وأموالهم وأعراضهم؟
ومن هو الذي جعل المرأة تخرج سافرة كاشفة تكفر بالحجاب؟
من هو الذي جعل الأقلام المأجورة تكتب كفراً، وزندقة وحداثة، ورجساً؟
من هو الذي جعل الأديب يرتقي المنبر؛ ليكفر بالدين ويسب الرسول ﵊؟
من هو الذي جعل التاجر يخون في تجارته، ويتعامل بالربا، ويكذب، ويغش، ويخادع؟
من هو الذي جعل الشيخ في السبعين من عمره يختم عمره بشهادة الزور؟
من هو الذي جعل المغني يحمل العود، والطبلة، والكمنجة، والناي، ويُعرض عن القرآن، والدرس، والهداية، والمحاضرة؟
إنه الشيطان!!
فالذي أتى بـ اليهودية العالمية: الشيطان.
الذي أتى بـ النصرانية المحرفة: الشيطان.
الذي أتى بـ الشيوعية الكاذبة: الشيطان.
الذي أتى بـ العلمانية الخاسرة: الشيطان.
إذاً: فالشيطان وراء هذه الأحزاب، والأحلاف، والأنظمة، والاتجاهات، والكفريات في الأرض كلها.
إنها مدرسة الشيطان، والله هو الذي خلقه، فسأل ربه أن يُنْظِرَه، فأنظره الله، ليعيش الصراع العالمي: ﴿وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ﴾ [البقرة:٢٥١] ليكون هناك اتجاه وموكب فيه: نوح، وإبراهيم، وعيسى، وموسى، ومحمد عليهم الصلاة والسلام ويكون هناك اتجاه وموكب آخر فيه: الشيطان، وفرعون، وقارون وهامان وأبو جهل وأبو لهب، إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها.
أولئك إلى الجنة, وأولئك إلى النار: ﴿فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ﴾ [الشورى:٧] فهذا هو الشيطان.
ولم يذكره للعلم به، قال أهل العلم: والمعنى: من قوله تعالى: ﴿مِنْ شَرِّ الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ﴾ [الناس:٤] أي: من شر ذي الوسواس.
فحذف المضاف.
قال هذا الفراء: و ﴿الْوَسْوَاسِ﴾ [الناس:٤] بفتح الواو، بمعنى: الاسم، أي فاسمه: الوَسْواس، أي: الموسوس.
و ﴿الوَسْوَاسِ﴾ [الناس:٤] تُقرأ: ﴿الْوِسْوَاسِ﴾ [الناس:٤] بكسر الواو على المصدر، فقرئت كذلك من الوَسْوَسة، وتنطق: من الوِسْوَسَة.
وكذلك الزَّلزال بفتح الزاي الأولى، والزِّلزال بكسر الزاي نفسها.
والوسوسة: حديث النفس، وهو ما يحدث به الإنسان نفسه.
فالشيطان يأتي للإنسان ويحدثه في نفسه بأحاديث تصل به إلى الكفر، أو البدعة، أو المعصية كبرى كانت أم صغرى، كما سوف يأتي.
يقال: وسوست إليه نفسُه وَسْوَسةً ووِسْوَسهً، ويقال لهمس الصائد والكلاب وأصوات الحلي: وِسْواس.
قال ذو الرمة:
فبات يُشْزِئهُ تَأْدٌ ويُسْهِرُهُ تَذَوُّبُ الريحِ والوسواسُ والهضبُ
وقال الأعشى: وهي في قصيدته الطويلة التي مطلعها:
ودِّعْ هريرةَ إن الركب مرتحلُ وهل تطيق وداعاً أيها الرَّجُلُ
قال:
تسمع للحلي وِسواساً إذا انصرفَتْ كما استعان بريحٍ عشْرقٌ زَجِلُ
الحُلي، أي: حلي المرأة.
وِسواساً، أي: وِسواس الحُلي.
هذه هي الوَسوسة التي يحدثها الشيطان في قلوب كثير من الناس، وسماه الله : وسواساً لهذا السبب.
وسوف يأتي معنا الأثر والأحاديث في هذا الباب، ولكنه يوسوس في حديث النفس.
قال قتادة: أول ما يبدأ به الشيطان: يوسوس للناس في الوضوء.
وصدق فيما قال، فهو أول الأمراض التي تصيب الناس، وهذا ملحوظ في كثير ممن يسأل في مسألة الوضوء، فيتلاعب به الشيطان في مسألة الوضوء إلى أن يعيد وضوءه، فيلعب ويسرف بالماء، ثم يدخله في الشك في العقيدة حتى يخرجه من الملة، والله المستعان.
стр. 6054
بيان معنى (الْخَنَّاسِ)
﴿الْخَنَّاسِ﴾ [الناس:٤]: ووُصِِفَ الشيطان بالخناس؛ لأنه كثير الاختفاء.
ومنه قوله تعالى: ﴿فَلا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ﴾ [التكوير:١٥] والخُنَّس: النجوم؛ لاختفائها بعد ظهورها، وهي تختفي في أبراجها.
وسميت الظباء خوانس؛ لأنها تخنس في الأرض وتختفي.
وسميت الشاعرة الخنساء بـ الخنساء؛ لأنها جميلة كالظبي.
فكل شيء يختفي يقال فيه: خَنَسَ، أي: اختفى، والشيطان اختفى: ﴿إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لا تَرَوْنَهُمْ﴾ [الأعراف:٢٧].
قال أحد التابعين لما قرأ هذه الآية: [[الله المستعان، كيف بعدُوٍ يراك ولا تراه؟!]] بمعنى أنه: ينتصر عليك، تصوَّر أن عدواً يريد أن يصيدك، ومعه سلاحه وعياراته، وهو يريد أن يقتلك، وأنت تريد أن تهرب منه، وهو يراك وأنت لا تره، سوف يصيدك ولو مرة.
والمشكلة التي أوقعت كثيراً من الناس في حبائل الشيطان هو أنه يراهم وهم لا يرونه، وهذه فتنة من الله يقول الشاعر:
تسترتُ من دهري بظل جناحه فعيني ترى دهري وليس يراني
فلو تسأل الأيام عني ما درتْ وأين مكاني؟ ما عرفن مكاني!
وهذا مثل الشيطان الرجيم، فهو خناس، والعجيب: أنه يسكن في القلب، وأنه جاثم على قلب الإنسان، وهو - عند بعض أهل العلم- كـ (الضفدع) ووصفه بعضهم وقال: كـ (السلحفاة) ووصفه بعضهم بقوله: كـ (الحية الرقطاء) وما شئت من الأوصاف، إنما يجري في الإنسان مجرى الدم، كما قال ﵊.
وكلٌ معه قرين -شيطان- خلق معه مصاحباً له يغالبه، فالشيطان يدعوه للفاحشة، ويَعِدُه الفقر، والمسلم بنفسه وواعظ الله في قلبه يدعوه إلى الإيمان والغنى والتصديق بوعود الله، فأيهما غلبَ فهو الغالب، والحرب سجال: ﴿وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [الأعراف:١٢٨].
ولذلك يقول ﵊ كما في: صحيح مسلم: ﴿ما منكم من أحد إلا وُكِلَ به قرينُه من الجن فهو معه، قالوا: حتى أنت يا رسول الله؟ قال: حتى أنا، لكن الله أعانني عليه فَأَسْلَمَ﴾ وضُبِطَتْ كلمةُ: (فأسلم) عند بعض العلماء بمعنى: ﴿فَأَسْلَمُ﴾ أي: فَأَسْلَمُ منه، أي: أعانني الله عليه فغلبتُه، فأنا سالِمٌ منه، وهذا رأي ضعيف، والضبط الأول: ﴿فَأَسْلَمَ﴾ من الإسلام، أي: اعتنق الإسلام هو الصحيح، فلا يأمره إلا بخير.
وفي الحديث: ﴿إن الشيطان جاثم على قلب ابن آدم، فإذا غفل وسوس، وإذا ذكر الله خنس﴾ أي: تأخر وأقْصَرَ.
وقال قتادة بن دعامة السدوسي، وهذا فيه ملعقتان من القدر، وهو من رواة البخاري ومسلم؛ لكن فيه ملعقتان قدر، قال عنه الذهبي: رأس في القراءات رأس في الزهد رأس في الحديث، هذا وفيه بدعة القدر، ولا نبطله، ولا نرد علمه؛ لكن نقبله وننبه على خطئه في القدر، وإذا بلغ الماء قلتين لم يحمل الخبث.
وهذا الكلام هو الإنصاف، وهو العدل.
يقول قتادة، وهو من سادات المفسرين: [[الخناس: الشيطان له خرطوم كخرطوم الكلب، في صدر الإنسان]].
فإذا غفل الإنسان وسوس له، وإذا ذكر العبدُ ربه خنس، يقال: خَنَسْتُه، فَخَنَسَ، أي: أخَّرْتُه فتَأخَّرَ، وأخْنَسْتُه أيضاً، ومنه قول العلاء الحضرمي، وقد أنشد رسولَ الله ﷺ :
وإن دحسوا بالشر فاعفُ تكرماً وإن خنسوا عند الحديث فلا تسلْ
وعن أنس أن الرسول ﷺ قال: ﴿إن الشيطان واضع خطمه على قلب ابن آدم، فإذا ذكر الله خنس، وإذا نسي التقم قلبه فوسوس﴾ والحديث ضعيف، وإنما ذكرتُه؛ لأن كثيراً من المفسرين ذكروه، كـ القرطبي وغيره من أهل العلم، فذكرتُه لأبين أنه ضعيف.
وقال ابن عباس: [[إذا ذكر الله العبد خنس الشيطان من قلبه فذهب، وإذا غفل التقم قلبه فحدثه ومنَّاه]].
وقال إبراهيم التيمي: [[أول ما يبدأ الوسواس من قِبَل الوضوء]].
وقيل: سمي خناساً؛ لأنه يرجع إذا غفل العبد عن ذكر الله، والخَنَس: الرجوع.
هذا عرض موجز لكلام السلف، ثم أعود إلى كلام أهل العلم مفصلاً في قضايا السورة.
стр. 6055
شرح قوله تعالى: الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ
﴿الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ﴾ [الناس:٥] قال المفسرون: الشيطان في الصدر يوسوس، ومكان الوسوسة: الصدر، فمنه تنبعث الخواطر والهموم والإرادات والنيات، فذكر الله الصدر لأنه معترك العبد، بين نيته وبين وسوسة الشيطان.
وأراد أن تكون المعركة في الصدر؛ ليعلم من ينشرح صدره للهداية، ومن يضيق صدره فهو ضيق حرج بالغواية.
قال تعالى: ﴿أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلامِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ﴾ [الزمر:٢٢].
وقال : ﴿فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلامِ﴾ [الأنعام:١٢٥].
وقال حاكياً عن موسى دعاءه ربه: ﴿قَالَ رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي﴾ [طه:٢٥] فسأل أعظم مطلوب في أول السؤال.
وقال لرسولنا ﵊ ممتناً عليه: ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ﴾ [الشرح:١].
فإذا شرح الله للعبد صدره سَلَّمه من الشيطان، وأخرج هواجس ووسوسة الشيطان.
قال مقاتل في: ﴿الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ﴾ [الناس٥]: إن الشيطان في صورة خنزير، يجري من ابن آدم مجرى الدم في العروق، سلطه الله على ذلك، قال تعالى: ﴿الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ﴾ [الناس:٥].
وعن شهر بن حوشب عن أبي ثعلبة الخشني وأبو ثعلبة الخشني أحد الصالحين الكبار، وهو من الصحابة عند كثير من أهل العلم، وقد سأل الرسولَ ﵊ عن الأمر والنهي عن المنكر، فقال: ﴿مُرْ بالمعروف، وانْهَ عن المنكر، فإذا رأيت شحاً مطاعاً وهوىً متبعاً، ودنيا مؤثرَة، وإعجابَ كلِّ ذي رأي برأيه، فعليك خاصة نفسك﴾.
فيقول أبو ثعلبة هذا: [[سألتُ الله أن يريني الشيطان، ومكانه في ابن آدم، فرأيتُه يداه في يديه، ورجلاه في رجليه، ومشاعبه في جسده، غير أن له خطماً كخطم الكلب، فإذا ذكر اللهَ العبدُ خَنَسَ الشيطان ونَكَسَ، وإذا سكتَ عن ذكر الله أخذ بقلبه]].
معنى ذلك: أنه رأى يدَي الشيطان في يدَي الإنسان، ورجلَي الشيطان في رجلَي الإنسان، ومشاعبه أي: أظافره في جسد الإنسان.
فهو -على ما وصف أبو ثعلبة - متشعب في جسم الإنسان، ويصحح ذلك: قوله ﵊: ﴿إن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم﴾.
стр. 6056
شرح قوله تعالى: مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ
﴿مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ﴾ [الناس:٦]: الجِنَّة: الجن، فأصل الشيطان ونسبه من الجن: ﴿كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ﴾ [الكهف:٥٠].
فقبيلتُه وأسرتُه ودمُه ونسبُه ودارُه في الجن؛ ولكن له في الإنس إخوان، وأعوان، وأحزاب، وألوية، وجمعيات، ومؤسسات، وزَّعها في العالم.
قال : ﴿يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ﴾ [آل عمران:١٧٥] قال أهل العلم: معناها: يخوف بأوليائه، ويرسل بعوثه، حتى إنه نصب عرشه على البحر، فيرسل تلاميذه في أطراف الأرض، فيأتي أحدهم، فيقول له: ماذا فعلتَ؟ فيقول له: أغويتُ العبدَ، قال: ما فعلتَ شيئاً، فيقول للثاني: ماذا فعلتَ؟ فيقول: تركتُه يؤخر الصلاة، قال: ما فعلتَ - أي: لم تفعل شيئاً - فيقول للثالث: ماذا فعلتَ؟ فيقول: ما تركته حتى فرَّقتُ بينه وبين زوجته، قال: أنتَ حبيبي.
هكذا في التفسير.
وقال : ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوّاً شَيَاطِينَ الْأِنْسِ وَالْجِنِّ﴾ [الأنعام:١١٢] فذكر أن للناس شياطين.
وقال ﵊ لـ أبي ذر: ﴿تعوذ يا أبا ذر! من شياطين الإنس والجن، قال: قلت: يا رسول الله! هل للإنس شياطين؟ قال: نعم.
لهم شياطين﴾.
أما شياطين الإنس: فمنهم أناسٌ لا نراهم، وهم الذين يصدون عن منهج الله، ويوسوسون بالخواطر السقيمة، والهواجس الأثيمة، والأفكار المُرْدِية.
стр. 6057
أنواع وساوس الشيطان
والشيطان -أيها الإخوة- يوسوس بأمور:
الأمر الأول: الكفر:
قال أهل العلم: أول ما يوسوس الشيطان بالكفر، لا يترك العبد حتى يكفر، ويشرك بالله ويلحد، ويحاول دائماً أن يدخل عليه الكفر بأي سبب من الأسباب.
الأمر الثاني: البِدْعة:-
فإذا لم يستطع في الكفر انتقل إلى البدعة، فلا يزال يزين له البدعة حتى يبتدع في دين الله، والله يقول: ﴿أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَناً﴾ [فاطر:٨] فلا يزال يُحَسِّن له البدعة، ويريه أنه مأجور في فعلها، حتى يبتدع في دين الله، فيحق عليه قوله ﵊: ﴿من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد﴾ -وفي رواية-: ﴿من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد﴾.
الأمر الثالث: الكبيرة:
فإن لم يستطع في البدعة -وهي أدهى من المعاصي- أتى به من طريق الكبائر: من الزنا، وشرب الخمر، والسرقة، ونحو ذلك، فلا يزال يحسن له الذنب، حتى يرتكب الكبيرة من الكبائر، ثم يقبح له التوبة حتى يعصي الله، ويموت على كبيرته.
الأمر الرابع: الصغيرة:
فإن لم يستطع على الكبيرة، ابتلاه بالصغائر من الذنوب، وأصابه بالترخُّص، وأفتاه بأنها صغيرة، وأنها لا تضره، حتى يجمع عليه من السيئات الصغار أمثال الجبال، حتى تعادل الكبائر.
الأمر الخامس: المباح:
فإن لم يستطع على الصغائر، أتاه من طريق المباحات، حتى يسرف في مباح من المباحات، مثل: الأكل، والشرب، واللباس، والسكنى، والخلْطَة حتى يُضَيِّعَ كثيراً من أوقاته.
الأمر السادس: المرجوح:
فإن لم يستطع بذلك أتاه من طريق المرجوح على الراجح، فيأتي بالعمل المرجوح، حتى يفوت الراجح.
فمثلاً: الراجح في مثل هذه الجلسة من المغرب إلى العشاء: أن تحضر مجلس العلم، والدرس والفائدة، فيأتيك الشيطان، ويقول: أفضل لك أن تجلس في زاوية في بيتك تسبح الله، والتسبيح ليس معصية، بل هو أجر ومثوبة؛ لكن يأخذك من الراجح إلى المرجوح، حتى تترك الراجح الذي ينفعك عند الله.
وقد ذكر الراجح والمرجوح ابن القيم في: مدارج السالكين.
الأمر السابع: اللازم:
فإن لم يستطع أتاك بالنفع اللازم عن النفع المتعدي، فيحبب إليك -مثلاً- نفعك اللازم، فإن كنتَ تاجراً غنياً، وعندك أموال قبح إليك الإنفاق، وقال: عليك بالنوافل، بصيام ثلاثة أيام من كل شهر، وركعتي الضحى، ولذلك ما أحسن على التجار من صيام ثلاثة أيام من كل شهر؛ لكن الإنفاق عليهم صعب، فيأتيه بهذا.
ويأتي إلى العالم ويقول له: نخاف عليك من الشهرة، ومن حب الظهور، وأخشى عليك أن إذا تكلمتَ أن تفتتن بالناس، فعليك أن تبقى في بيتك، وتقرأ صحيح البخاري وتتنفل، وتسبح الله فيتركه من النفع المتعدي الذي هو الجهاد في سبيل الله، وهو أعظم التضحيات، وهو طريق الأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام إلى طريق أهل التصوف المنقمعين في بيوتهم، المتسترين بلباسهم، وبأستار حجبهم، الماكثين في زواياهم، والإسلام يُذْبح مساءً وصباحاً، ونهاراً وليلاً، ودعاةُ الكفر على المنابر، والدجال اقترب خروجه، والمتكلمون بالإثم ألوف مؤلفة، والأقلام التي تحارب ربها ملء الأرض، والخونة والعملاء ملء الديار، ومع ذلك يأتي إلى الدعاة والأساتذة والفضلاء والعلماء، ويقول: اتقوا الله! اجلسوا في بيوتكم، نخاف عليكم الشهرة، لا تشاركوا، ولا تحاضروا، فيسمعون لداعيه، فيوقعهم في أعظم الورطات.
هذه من صنوف حيله ومكره.
стр. 6058
أساليب التغلب على وساوس الشيطان
قال أهل العلم: تستطيع أن تتغلب على الشيطان بأمور:
الأمر الأول: الاستعاذة:
قال : ﴿فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾ [النحل:٩٨].
وقال: ﴿وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [فصلت:٣٦].
فإذا أحسست بالشيطان في غضب، أو شهوة، أو كِبْر، أو غفلة، فالتجئ إلى الواحد الأحد.
وقال : ﴿إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ * إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ﴾ [النحل:٩٩ - ١٠٠].
وقال : ﴿وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَنْ يَحْضُرُونِ﴾ [المؤمنون:٩٨].
قالوا في تفسير هذه الآية: أي: مَرَدَة الجن.
وقيل: الجن عموماً.
وقيل: الفَسَقَة منهم.
فعليك أن تلتجئ إلى الله.
وعند البخاري في الصحيح عن سليمان بن صرد قال: ﴿تسابَّ رجلان -وليس تسابَّا؛ لأن هذه الأخيرة على لغة (أكلوني البراغيث) وإنما هي تسابَّ؛ لأنها بمعنى: تعدد الفاعل- قال: تسابَّ رجلان على عهد الرسول ﷺ فسبَّ أحدُهما الآخر حتى احمر وجه الآخر، فقال ﷺ : إني أعلم كلمةًَ لو قالها لأذهب الله عنه ما يجد، لو قال: (أعوذ بالله من الشيطان الرجيم).
فأُخبر الرجلُ، فقال: أمجنون أنا؟!﴾.
أي: تكبَّر ولم يقُلْها.
فأول شيء تبدأ به أن تستعيذ.
الأمر الثاني: الوضوء:
أن تتوضأ، وهو سلاح المؤمن، ولا يطرد الشيطانَ شيءٌ كالوضوء.
الأمر الثالث: الإكثار من ذكر الله :
فإن الذكر من أعظم الأسلحة، ويسمى: الحصن الحصين، وهو السلاح الفتاك الذي يُقْتَل به أعداء الله فتكون مسبحاً مستغفراً مهللاً مكبراً.
الله أكبر! كل هم ينجلي عن قلب كل مكبر ومهللِ
وهو من أحسن ما يكون.
قال ﵎: ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ﴾ [البقرة:١٥٢].
وقال : ﴿أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ) [الرعد:٢٨].
وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْراً كَثِيراً﴾ [الأحزاب:٤١].
وقال جلَّ شأنه: ﴿الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ [آل عمران:١٩١].
وفي الصحيح: ﴿مثل الذي يذكر ربه والذي لا يذكره كمثل الحي والميت﴾.
الأمر الرابع: الإيمان:
فالإيمان وترسيخه في القلب من أعظم ما يطرد الشيطان.
ويكون ذلك بالتفكر في الآتي:
التفكر في آيات الله الكونية: في السماء في الأرض في الذوات في المخلوقات في الكائنات في العجماوات في الجمادات في الزواحف في الحشرات كلها تدلك على رب الأرض والسماوات.
التفكر في آيات الله الشرعية: وهو القرآن العظيم، بتدبر وتمهل وتأنٍ؛ ليكتب الله في قلبك الإيمان، ويؤيدك بروح منه.
الأمر الخامس: صدق اللجأ:
وهو الاستجارة بالله، والدعاء، وتفويض الأمر إليه.
الأمر السادس: العلم الشرعي:
وهو أعظم ما يُطْرَد به الشيطان، والشيطان يغضب من العلماء وطلبة العلم، ومن مجالس العلم، ولا يُرى أدحر ولا أصغر منه عند مجالس العلم، أو اجتماع أهل الخير، كاجتماعهم في عرفات، أو يوم الجمعة، أو في الدروس العلمية، أو المحاضرات النافعة، فإنه يَصْغُر ويَذِل ويُدْحَر ويَخْنَس ويَخْسأ.
الأمر السابع: الجلوس مع الصالحين:
ومنها أيضاً -أيها الإخوة الفضلاء- ومما يعمق ذلك: الجلوس مع الصالحين، ومحبتهم، وطلب دعواتهم وزياراتهم.
هذه مما يطرد بها الشيطان الرجيم، وكذلك أمثالها من الوسائل المفيدة النافعة، التي بُيِّنت في كثير من المناسبات.
стр. 6059
أنواع شياطين الإنس
أما شياطين الإنس الموسوسون فهم على ضروب:
стр. 6060
دعاة الكفر
أعظم الموسوسين من الناس الآن: دعاة الكفر عليهم لعنة الله وهم محاربو الأنبياء والرسل، وهم أعداء الله وهم خصومه يوم العرض الأكبر، فهم يورثون مللهم ونحلهم في الأرض، ويحامون عنها، ويذبون، وينظرونها في دنيا الناس.
следующие страницы →