← Джавами‘

Джавами‘ · id 7708

دروس الشيخ عائض القرني

عائض القرني

Полный текст (10 391 стр.). Показаны 6056–6095 · переход к 6061.

стр. 6056

شرح قوله تعالى: مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ ﴿مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ﴾ [الناس:٦]: الجِنَّة: الجن، فأصل الشيطان ونسبه من الجن: ﴿كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ﴾ [الكهف:٥٠]. فقبيلتُه وأسرتُه ودمُه ونسبُه ودارُه في الجن؛ ولكن له في الإنس إخوان، وأعوان، وأحزاب، وألوية، وجمعيات، ومؤسسات، وزَّعها في العالم. قال : ﴿يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ﴾ [آل عمران:١٧٥] قال أهل العلم: معناها: يخوف بأوليائه، ويرسل بعوثه، حتى إنه نصب عرشه على البحر، فيرسل تلاميذه في أطراف الأرض، فيأتي أحدهم، فيقول له: ماذا فعلتَ؟ فيقول له: أغويتُ العبدَ، قال: ما فعلتَ شيئاً، فيقول للثاني: ماذا فعلتَ؟ فيقول: تركتُه يؤخر الصلاة، قال: ما فعلتَ - أي: لم تفعل شيئاً - فيقول للثالث: ماذا فعلتَ؟ فيقول: ما تركته حتى فرَّقتُ بينه وبين زوجته، قال: أنتَ حبيبي. هكذا في التفسير. وقال : ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوّاً شَيَاطِينَ الْأِنْسِ وَالْجِنِّ﴾ [الأنعام:١١٢] فذكر أن للناس شياطين. وقال ﵊ لـ أبي ذر: ﴿تعوذ يا أبا ذر! من شياطين الإنس والجن، قال: قلت: يا رسول الله! هل للإنس شياطين؟ قال: نعم. لهم شياطين﴾. أما شياطين الإنس: فمنهم أناسٌ لا نراهم، وهم الذين يصدون عن منهج الله، ويوسوسون بالخواطر السقيمة، والهواجس الأثيمة، والأفكار المُرْدِية.

стр. 6057

أنواع وساوس الشيطان والشيطان -أيها الإخوة- يوسوس بأمور: الأمر الأول: الكفر: قال أهل العلم: أول ما يوسوس الشيطان بالكفر، لا يترك العبد حتى يكفر، ويشرك بالله ويلحد، ويحاول دائماً أن يدخل عليه الكفر بأي سبب من الأسباب. الأمر الثاني: البِدْعة:- فإذا لم يستطع في الكفر انتقل إلى البدعة، فلا يزال يزين له البدعة حتى يبتدع في دين الله، والله يقول: ﴿أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَناً﴾ [فاطر:٨] فلا يزال يُحَسِّن له البدعة، ويريه أنه مأجور في فعلها، حتى يبتدع في دين الله، فيحق عليه قوله ﵊: ﴿من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد﴾ -وفي رواية-: ﴿من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد﴾. الأمر الثالث: الكبيرة: فإن لم يستطع في البدعة -وهي أدهى من المعاصي- أتى به من طريق الكبائر: من الزنا، وشرب الخمر، والسرقة، ونحو ذلك، فلا يزال يحسن له الذنب، حتى يرتكب الكبيرة من الكبائر، ثم يقبح له التوبة حتى يعصي الله، ويموت على كبيرته. الأمر الرابع: الصغيرة: فإن لم يستطع على الكبيرة، ابتلاه بالصغائر من الذنوب، وأصابه بالترخُّص، وأفتاه بأنها صغيرة، وأنها لا تضره، حتى يجمع عليه من السيئات الصغار أمثال الجبال، حتى تعادل الكبائر. الأمر الخامس: المباح: فإن لم يستطع على الصغائر، أتاه من طريق المباحات، حتى يسرف في مباح من المباحات، مثل: الأكل، والشرب، واللباس، والسكنى، والخلْطَة حتى يُضَيِّعَ كثيراً من أوقاته. الأمر السادس: المرجوح: فإن لم يستطع بذلك أتاه من طريق المرجوح على الراجح، فيأتي بالعمل المرجوح، حتى يفوت الراجح. فمثلاً: الراجح في مثل هذه الجلسة من المغرب إلى العشاء: أن تحضر مجلس العلم، والدرس والفائدة، فيأتيك الشيطان، ويقول: أفضل لك أن تجلس في زاوية في بيتك تسبح الله، والتسبيح ليس معصية، بل هو أجر ومثوبة؛ لكن يأخذك من الراجح إلى المرجوح، حتى تترك الراجح الذي ينفعك عند الله. وقد ذكر الراجح والمرجوح ابن القيم في: مدارج السالكين. الأمر السابع: اللازم: فإن لم يستطع أتاك بالنفع اللازم عن النفع المتعدي، فيحبب إليك -مثلاً- نفعك اللازم، فإن كنتَ تاجراً غنياً، وعندك أموال قبح إليك الإنفاق، وقال: عليك بالنوافل، بصيام ثلاثة أيام من كل شهر، وركعتي الضحى، ولذلك ما أحسن على التجار من صيام ثلاثة أيام من كل شهر؛ لكن الإنفاق عليهم صعب، فيأتيه بهذا. ويأتي إلى العالم ويقول له: نخاف عليك من الشهرة، ومن حب الظهور، وأخشى عليك أن إذا تكلمتَ أن تفتتن بالناس، فعليك أن تبقى في بيتك، وتقرأ صحيح البخاري وتتنفل، وتسبح الله فيتركه من النفع المتعدي الذي هو الجهاد في سبيل الله، وهو أعظم التضحيات، وهو طريق الأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام إلى طريق أهل التصوف المنقمعين في بيوتهم، المتسترين بلباسهم، وبأستار حجبهم، الماكثين في زواياهم، والإسلام يُذْبح مساءً وصباحاً، ونهاراً وليلاً، ودعاةُ الكفر على المنابر، والدجال اقترب خروجه، والمتكلمون بالإثم ألوف مؤلفة، والأقلام التي تحارب ربها ملء الأرض، والخونة والعملاء ملء الديار، ومع ذلك يأتي إلى الدعاة والأساتذة والفضلاء والعلماء، ويقول: اتقوا الله! اجلسوا في بيوتكم، نخاف عليكم الشهرة، لا تشاركوا، ولا تحاضروا، فيسمعون لداعيه، فيوقعهم في أعظم الورطات. هذه من صنوف حيله ومكره.

стр. 6058

أساليب التغلب على وساوس الشيطان قال أهل العلم: تستطيع أن تتغلب على الشيطان بأمور: الأمر الأول: الاستعاذة: قال : ﴿فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾ [النحل:٩٨]. وقال: ﴿وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [فصلت:٣٦]. فإذا أحسست بالشيطان في غضب، أو شهوة، أو كِبْر، أو غفلة، فالتجئ إلى الواحد الأحد. وقال : ﴿إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ * إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ﴾ [النحل:٩٩ - ١٠٠]. وقال : ﴿وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَنْ يَحْضُرُونِ﴾ [المؤمنون:٩٨]. قالوا في تفسير هذه الآية: أي: مَرَدَة الجن. وقيل: الجن عموماً. وقيل: الفَسَقَة منهم. فعليك أن تلتجئ إلى الله. وعند البخاري في الصحيح عن سليمان بن صرد قال: ﴿تسابَّ رجلان -وليس تسابَّا؛ لأن هذه الأخيرة على لغة (أكلوني البراغيث) وإنما هي تسابَّ؛ لأنها بمعنى: تعدد الفاعل- قال: تسابَّ رجلان على عهد الرسول ﷺ فسبَّ أحدُهما الآخر حتى احمر وجه الآخر، فقال ﷺ : إني أعلم كلمةًَ لو قالها لأذهب الله عنه ما يجد، لو قال: (أعوذ بالله من الشيطان الرجيم). فأُخبر الرجلُ، فقال: أمجنون أنا؟!﴾. أي: تكبَّر ولم يقُلْها. فأول شيء تبدأ به أن تستعيذ. الأمر الثاني: الوضوء: أن تتوضأ، وهو سلاح المؤمن، ولا يطرد الشيطانَ شيءٌ كالوضوء. الأمر الثالث: الإكثار من ذكر الله : فإن الذكر من أعظم الأسلحة، ويسمى: الحصن الحصين، وهو السلاح الفتاك الذي يُقْتَل به أعداء الله فتكون مسبحاً مستغفراً مهللاً مكبراً. الله أكبر! كل هم ينجلي عن قلب كل مكبر ومهللِ وهو من أحسن ما يكون. قال ﵎: ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ﴾ [البقرة:١٥٢]. وقال : ﴿أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ) [الرعد:٢٨]. وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْراً كَثِيراً﴾ [الأحزاب:٤١]. وقال جلَّ شأنه: ﴿الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ [آل عمران:١٩١]. وفي الصحيح: ﴿مثل الذي يذكر ربه والذي لا يذكره كمثل الحي والميت﴾. الأمر الرابع: الإيمان: فالإيمان وترسيخه في القلب من أعظم ما يطرد الشيطان. ويكون ذلك بالتفكر في الآتي: التفكر في آيات الله الكونية: في السماء في الأرض في الذوات في المخلوقات في الكائنات في العجماوات في الجمادات في الزواحف في الحشرات كلها تدلك على رب الأرض والسماوات. التفكر في آيات الله الشرعية: وهو القرآن العظيم، بتدبر وتمهل وتأنٍ؛ ليكتب الله في قلبك الإيمان، ويؤيدك بروح منه. الأمر الخامس: صدق اللجأ: وهو الاستجارة بالله، والدعاء، وتفويض الأمر إليه. الأمر السادس: العلم الشرعي: وهو أعظم ما يُطْرَد به الشيطان، والشيطان يغضب من العلماء وطلبة العلم، ومن مجالس العلم، ولا يُرى أدحر ولا أصغر منه عند مجالس العلم، أو اجتماع أهل الخير، كاجتماعهم في عرفات، أو يوم الجمعة، أو في الدروس العلمية، أو المحاضرات النافعة، فإنه يَصْغُر ويَذِل ويُدْحَر ويَخْنَس ويَخْسأ. الأمر السابع: الجلوس مع الصالحين: ومنها أيضاً -أيها الإخوة الفضلاء- ومما يعمق ذلك: الجلوس مع الصالحين، ومحبتهم، وطلب دعواتهم وزياراتهم. هذه مما يطرد بها الشيطان الرجيم، وكذلك أمثالها من الوسائل المفيدة النافعة، التي بُيِّنت في كثير من المناسبات.

стр. 6059

أنواع شياطين الإنس أما شياطين الإنس الموسوسون فهم على ضروب:

стр. 6060

دعاة الكفر أعظم الموسوسين من الناس الآن: دعاة الكفر عليهم لعنة الله وهم محاربو الأنبياء والرسل، وهم أعداء الله وهم خصومه يوم العرض الأكبر، فهم يورثون مللهم ونحلهم في الأرض، ويحامون عنها، ويذبون، وينظرونها في دنيا الناس.

стр. 6061

رفقاء السوء فرفيق السوء من شياطين الإنس ولذا قال تعالى: ﴿الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ﴾ [الزخرف:٦٧] فهو الرفيق الذي يأتيك وأنت مهتدٍ ومتجه إلى الله تريد الاستقامة والاهتداء، فلا يتركك حتى تترك الصلاة، وتلحد في دين الله، أو حتى ترتكب الكبائر. وقد قال النبي ﷺ : ﴿المرء على دين خليله، فلينظر أحدكم من يخالل﴾. ولذلك يُنْصَح هذا الجيل الطاهر الطيب العامر من أمثالكم أن يتقي الله في من يجالس، أو يصاحب، أو من يسافر معه، أو يلعب معه، أو يرحل معه، أو من يزوره، أو يستزيره، أن يحذر كل الحذر من هؤلاء؛ فإن في الساحة أناساً يتجلببون بجلباب شياطين الإنس، وهم يشكلون خطراً على هذا الجيل الذي يتجه إلى الله، وإلى جنة عرضها السماوات والأرض. فنحذر هذا الجيل من هؤلاء أن يحرفوه عن منهج الله. يكمن في ذلك رفقاء السوء الآتي ذكرهم: فمن رفقاء السوء: من يقدم لك السيجارة. ومن رفقاء السوء: من يقدم لك المجلة الخليعة بديلاً عن القرآن. ومن رفقاء السوء: من يقدم لك المقهى بديلاً عن المسجد. ومن رفقاء السوء: من يقدم لك شريط الغناء بديلاً عن الشريط الإسلامي. وعجبتُ وأنا أرى بشرى تُبَثُّ في البلد، بشرى افتتاح تسجيلات غنائية، مُدَّتْ بآلاف الريالات، لتهدم الجيل والبيوت، فتذكرت قول الله في من ينفق أمواله في هذه: ﴿فَسَيُنْفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ﴾ [الأنفال:٣٦] فهذا من رفقاء السوء. ومن رفقاء السوء: من يأتيك وأنت تريد أن تحفظ وقتك، فيضيع عليك وقتك بالغيبة، والنميمة، والوقيعة في أعراض الناس، وتحبيب الفواحش لك. ومن رفقاء السوء: من يدغدغ مشاعرك الغريزية، ويذكرك بالجنس المحرم، ويقدم لك وسائل الإغراء حتى تقع في الفاحشة. ومن رفقاء السوء: من يحبب لك السفر إلى الخارج؛ لتنسى الله وتنسى موعوده، وتترك أهلك ودعاة الإسلام وأهل العلم؛ لتبتعد هناك، ولكن لا تبتعد عن عين الله . ومن رفقاء السوء: من يصدك عن مجالسة أهل العلم والدعوة والخير، ويحذرك من العلماء والدعاة، ويصفهم بالتزمُّت، والتطرف، والتشدد، وأنهم مصدر خطر على الأمة، وأن على الأمة أن تحذرهم، وأنهم يفهمون الدين بالمقلوب، كما قال بعض المرتزقة فيما كتب، قال: هؤلاء يفهمون الدين بالمقلوب! فكيف بفهمه هو؟! ﴿كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ إِنْ يَقُولُونَ إِلَّا كَذِباً﴾ [الكهف:٥]. ومن رفقاء السوء: من يحذرك من مصاحبة أهل الخير في المراكز الإسلامية، والمخيمات النافعة، والجلسات المفيدة، بحجة أنهم سوف يشددون عليك، أو يحرجونك، أو يوصلونك إلى طرق مغلقة, أو نحو ذلك.

стр. 6062

النمامون الثالث: النمامون: والنمام: هو الذي يفسد بين الجيران والأُسَر، وبين القبائل والعشائر، وهذا موجود في كل مجتمع، وفي كل قرية. وشياطين الإنس النمامون هؤلاء من الرجال ومن النساء، وهم كتل بشرية تمشي على الأرض، وتحرق قلوب العالمين، وتقطع الأواصر: ﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ * أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ﴾ [محمد:٢٢ - ٢٣]. قال ﵊: ﴿لا يدخل الجنة نمام﴾ وذلك لما يفسد، قال بعض العلماء: يفسد النمام في ساعة ما لا يفسده الساحر في سنة. وقد وجدنا أثر شياطين الإنس من النمامين في المُقَاتَلَة التي تقع بين القبائل بالسلاح، وإزهاق الأرواح، وسفك الدماء، بسبب نميمة النمام. ورأينا النمام في تقطيع أواصر الجيران، وذهابهم إلى المحاكم الشرعية، والشكايات فيما بينهم بسبب كلام النمام. ورأينا النمام يفعل بين الزملاء والقرناء، والأحبة، فيفسد بين الصاحبين، والحبيبين، والزميلين، والصديقين، فيجعل بينهم ناراً تلظى، وجَبَلاً من رماد في القطيعة والمسبة والغضب. ورأينا النمام يدخل بين الرجل وزوجته، وبين الرجل وأبنائه، وبين الأخ وأخيه، فيهدم البيت فيبقى البيت قاعاً صفصفاً لا ترى فيه عوجاً ولا أمتاً.

стр. 6063

أصحاب الأقلام المغرضة الرابع: أصحاب الأقلام المغرضة: ومن شياطين الإنس -يا معشر الأحبة- أصحاب الأقلام المغرضة الذين يطالعوننا في كل صباح على صفحات الجرائد والصحف، وكأن ذنب الأمة الوحيد أنها أتبعت محمداً ﵊ وكأن على هذه الأقلام حقاً أن تحارب الرسول ﵊ في دعوته، فإذا الاستهزاء بالدين، وإذا التعريض بالقرآن، وإذا السخرية بمعالم وسنن محمد سيد الخلق ﵊ وإذا بالنزول المغرض والطرح العشوائي في قضايا الأمة واللعب بمقدراتها، ومصادر عزتها. إن أصحاب هذه الأقلام من شياطين الإنس، الذين تركوا حرب الكافر، وتوضيح المبادئ للأمة، ونشر الفضيلة بين الناس، وأتوا بالذبذبة الفكرية، والطرح الغثائي، والهامشية في العرض، بل بعضهم وصل به الحال إلى أن تزندق وألحد، وكتب كفراً.

стр. 6064

الشعراء الأفَّاكون ومن شياطين الإنس أيضاً: الشعراء الأفاكون الآثمون، ﴿قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾ [التوبة:٣٠]. فهم في خلواتهم وجلواتهم ونواديهم، يكفرون بالله ويتبجحون، ويُسَمُّون (هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر): شركة صَلُّوا، وأحدهم كتب مقالة يقول في أعلاها: (جاءك الموت يا تارك الصلاة) يشنع بها على الذين يدعون إلى إغلاق المحلات، وإلى ترك التجارات في أوقات الصلاة, والله يقول: ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ * رِجَالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْماً تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ﴾ [النور:٣٦ - ٣٧]. والله يقول: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحاً وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [فصلت:٣٣]. والله يقول: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ [آل عمران:١١٠]. والله يقول: ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرائيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُدَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ * كَانُوا لا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾ [المائدة:٧٨ - ٧٩]. وقد ذكرتُ لكم من هؤلاء الشياطين، من القديم: الدَّشَرَة؛ لأن الدَّشَرَة قديمة، الدَّشَرَة مع إبليس من يوم وضع في الأرض، فأتى الكفر معه، وأتى الخزي معه، وأتى العار معه، وأتت قوى الشر معه، وأتت محاربة المبادئ معه، وأتى الظلم والظلام معه. وأذكر نماذج، لَعَلِّي كررتُها؛ لكن اسمع إلى الكفر القديم الذي أتى به شياطين الإنس: يقول أحدهم، وهو يعترض على الله، ويخاطب ربه؛ لأنه من شياطين الإنس في الأدب: أيا رب تخلق أغصان رَنْدٍ وألحاظ حورٍ وكثبانَ رملِ! وتنهى عبادك أن يعشقوا أيا حكم العدل ذا حكم عدلِ؟! ويقول أبو العلاء المعري، معترضاً على الله : أنَهَيْتَ عن قطع الرءوس تعمداً حتى بعثت لقتلها مَلَكَيْنِ وزعمت أن لها معاداً ثانياً ما كان أغناها عن الحالَينِ! المعنى: يقول: يا رب! أأنت حرمت أن يُقتل الإنسان بالسكين، وأنت ترسل ملَكَين يذبحون الإنسان، فلماذا تعيد الإنسان وتخلقه؟! كان الأفضل ألاَّ تخلقه من أول الطريق، فعليه غضب الله إن لم يكن تاب. ويقول الثالث: أتوب إليك يا رحمن مما جنت نفسي فقد كثرت ذنوبُ وأما من هوى ليلى وتركي زيارتها فإني لا أتوبُ وهذا من شياطين الإنس.

стр. 6065

بائعو الشهوات ومن شياطين الإنس أيضاً: بائعو الشهوات، الذين يروجون المرأة كأنها سلعة، فيجعلونها عارضة أزياء أمام الأمم والشعوب، ويخرجونها من قفصها الذهبي النوراني الرباني إلى أن تكون معروضة على الرصيف لكل من يشتهيها. إذا وقع الذباب على طعامٍِ رفعتُ يدي ونفسي تشتهيهِ وتجتنب الأسودُ ورودَ ماءٍ إذا كنَّ الكلابُ ولغن فيهِ فهؤلاء الشياطين -أهل الشهوات من شياطين الإنس- يريدون أن تخرج المرأة عارية، وأن تكون جندية، وأن تكون المرأة شرطي مرور، وأن تكون بائعة، وأن تكون مباشرة في الفنادق، وعلى أبواب السكك، وفي مجتمعات الناس، وأن تكون في البرلمان. فهؤلاء من شياطين الإنس. قال : ﴿أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلاً﴾ [الفرقان:٤٤]. وقال : ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ﴾ [الجاثية:٢٣].

стр. 6066

مروجو الأفلام الخليعة ومن شياطين الإنس أيضاً: مروجو الأفلام التي يهدم الفيلم منها شعباً كاملاً، ووجد في بعض النواحي مئات الأفلام في بيت واحد.

стр. 6067

مروجو المجلات الخليعة والدعايات الساقطة ومنهم أيضاً: من يروج المجلة الخليعة، والدعاية الساقطة؛ للخروج عن دين الله ، فهؤلاء من شياطين الإنس.

стр. 6068

رءوس القبائل المتحاكمون إلى غير الله ومن شياطين الإنس: رءوس القبائل الذين يتحاكمون لغير منهج الله وشريعته، فيأتي أحدهم إلى قبيلته، فيرفض الشريعة جملة وتفصيلاً، ويُجْمع معهم على الكفر بالقرآن والسنة، ولو لم يتلفظ بذلك، لكن ربما يقول: سلوكياتنا، وعاداتنا، وأخلاقنا، وتراثنا، وتقاليدنا، وجعلها الشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀ والشيخ محمد بن إبراهيم من رءوس الطواغيت: ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْماً لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ [المائدة:٥٠]. فتجد في بعض القبائل رجلاً متصدراً، وهو شيطان من شياطين الإنس، إذا دعوتَه للشريعة، قال: لا. أنا وقبيلتي على هذا إلى آخر قطرة من دمائنا، فتدعوه إلى الحجاب الشرعي، يقول: لا. قلوبنا نظيفة نشَأْنا على هذا آباؤنا وأجدادنا، ويعترض على الشرع، تدعوه إلى أن يسلم الميراث للمرأة الضعيفة المسكينة الذي ذكره الله في كتابه وفي سنة رسوله ﷺ يقول: لا. عيب عندنا على المرأة أن تطلبت الميراث، وهذه شريعة غير شريعة الله . وتجده يجعل مراسيم لأخذ الأموال ظلماً من الناس، والرشوة، وغير ذلك، وتجده أحياناً قد يحارب الدعاة في قبيلته، فيضطهدهم، ولا يقبل كلامهم، ويعارضهم، ولا يسمح بالندوات والمحاضرات والدروس، فهو شيطان من شياطين الإنس، وتجده أحياناً قد يعترض على فتاوى أهل العلم، كأن تقول له: الاجتماع في وقت العزاء من أمور الجاهلية، وقد حرمه أهل العلم، فيقول: ومن هم أهل العلم؟ وما يدريهم؟ لا بد من هذا! لا تصلح الأمور إلا بهذا، لنا عادات وتقاليد لا بد أن نستمر عليها فهذا طاغوت، وشيطان من شياطين الإنس.

стр. 6069

أهل رءوس الأموال العصاة ومن شياطين الإنس أيضاً: أهل رءوس الأموال العصاة، الذين يصرفون أموالهم فيما يغضب الله ويجعلون أموالهم رصيداً لمحاربة الله ورسوله، ودعاة وعلماء الإسلام، وقلتُ لكم: ﴿فَسَيُنْفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ﴾ [الأنفال:٣٦] وهم الذين يروجون الربا في البلاد، وهم الذين يسببون أزمة مالية، ويضطرون الناس إلى أن يتعاملوا معهم بالربا، وإلاَّ فسوف تقع الأمة في خسارة مالية.

стр. 6070

الأساتذة الضالون المضلون ومن شياطين الإنس أيضاً: الأساتذة الضالون المضلون في كثير من المدارس، الذين لا يحملون مبدأ الرسول ﵊ ولا دعوته، بل يكونون سبباً في غواية هذا الجيل وهذا النشء، فيحببون إليه الفاحشة، والصد عن منهج الله، والجريمة، والمعصية، والمنكر.

стр. 6071

القائمون على الأندية ومن شياطين الإنس: من يقومون على الأندية، فيعرضوا بها إعراضاً عظيماً عن منهج الله: ﴿وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلاً عَظِيماً﴾ [النساء:٢٧] فيجعل ما سخره الله له من الطاقة محاربة لشريعة الله . فيجعل الوقت في المعصية، واللهو، واللغو، والضياع، والمسلسلات، والتمثيليات، والأغنيات، والسخافات، والملهيات، والمشغلات، والساقطات، ثم لا يسمح للصوت الحي النوراني أن يُتَكَلَّم به، أو يقال، أو يُفْرَض، أو يُسْمَع، وهذا من شياطين الإنس.

стр. 6072

أسباب الوقاية من شياطين الإنس أما أسباب الوقاية من شياطين الإنس فأمور:

стр. 6073

الأمر الأول: اتخاذ الصحبة الصالحة وهو أن تتخذ لك أولياء يخافون الله فيكونون أصحابك، قال ﵊ فيما رواه الترمذي بسند لا بأس به: ﴿لا تصاحب إلا مؤمناً، ولا يأكل طعامك إلا تقي﴾ فتحبهم، وتزورهم، وتسأل دعاءهم، وتدعو لهم بظهر الغيب، وتستشيرهم، وتطلب الفائدة منهم، وتتفقد أحوالهم، حتى يحشرك الله في زمرتهم: و ﴿المرء على دين خليله فلينظر أحدكم من يُخالِل﴾ وهذا حديث صحيح، علَّقه مسلم.

стр. 6074

الأمر الثاني: اختيار الجليس الصالح الجليس الصالح يجب أن يكون فيه خصلتان: الأولى: أن يحب الله ورسوله: وذلك بأن يعمل بطاعة الله ورسوله، وينتهي عمَّا نهى الله ورسوله عنه. الثانية: أن يكون ذا مروءة: بأن تكون مروءته ظاهرة في معاملاته بعقل وحكمة. وإن شئتَ قلتَ: يجب أن يكون: ١ - تام الدين. ٢ - كامل المروءة. لأن بعض الناس عنده دين؛ لكن تنقصه المروءة، بقلة عقله، فلا بد من العقل، ولا بد من الدين، حتى تصاحبه على بصيرة.

стр. 6075

الأمر الثالث: التفقه في دين الله - وهذا أعظم ما يحصنك من شياطين الإنس -أن تكون بصيراً بالدين- وأنا أدعو الإخوة، خاصةً شباب الصحوة، أن يتفقهوا في أمور دينهم، وأنا أعتقد أن درساً من دروس الفقه في دين الله أعظم من عشرات المواعظ والخطب، ولا بد من هذا ولا بد من ذاك، ولكن حاجتنا الآن إلى الفقه حاجةٌ مُلِحَّة إلى أن نأمر على بصيرة، وننهى على بصيرة. قال بعض الفضلاء: ليكن أمرك بالمعروف بالمعروف، ونهيك عن المنكر بلا منكر. وفي الصحيحين عنه ﵊ أنه قال: ﴿من يُرِدِ اللهُ به خيراً يفقهه في الدين﴾ ومفهوم المخالفة: أن من لا يريد الله به خيراً لا يفقهه في الدين. فرجائي من الإخوة: أن يجتمع كل مجموعة من الإخوة في كل بلدة، أو قرية، أو مدينة، يجتمعوا في يوم من الأسبوع بدرس في مادة الفقه، فيتدارسوه حتى يكونون على بصيرة من دينهم.

стр. 6076

الأمر الرابع: السماع لأهل العلم ومن وسائل الوقاية من شياطين الإنس: السماع لأهل العلم، والتعرف على الدعاة، والقرب منهم، واستشارتهم، والتعرف عليهم، وزيارتهم، والاتصال بهم، والدعاء لهم بظهر الغيب، فإن صمام الأمان في هذه الأمة: العلماء والدعاة. وإن سفينة النجاة: العلماء والدعاة، وإن نجوم الأمان: العلماء والدعاة، وإن أسباب الخير للأمة وللمسيرة: العلماء والدعاة، الذين يرثون منهج محمد ﵊ ويبلغونه للناس. ولكن من النقص العجيب أن تفاجأ في الحي الذي تسكنُه، وأنت داعية أو طالب علم أن كثيراً من الشباب لا تعرفهم بأسمائهم، وأنت لا تستطيع أن تتعرف على كل شاب، ولكنه هو لم يأتِ يوماً من الأيام، ولم يعرفْكَ على نفسه، أو يسألك سؤالاً، أو يستشيرك في مشورة، أو يعرض عليك اقتراحاً، أو يقدم لك رسالة، وهذا من النقص العجيب، وهو انفصام خطير لابد أن يُتَلافَى.

стр. 6077

الأمر الخامس: إيجاد البدائل الإيمانية ومن وسائل الوقاية من شياطين الإنس: أن نوجد البدائل الإيمانية، فنجعل المسجد منتدىً ونادياً ومحلاً لإلقاء المحاضرات، ومحلاً لإلقاء الندوات، ولعقد المشورات، ولإبداء الآراء والاقتراحات، ولمدارسة شئون المسلمين، حتى يكون بديلاً عن الأماكن اللاغية، التي يُنْتَهَك فيها الدين، ويُذَلُّ فيها شرع رب العالمين.

стр. 6078

الأمر السادس: التأثير في الغير بالخير من الوسائل أيضاً -أيها الإخوة- أن نكون مؤثرين، بأن لا نكون سلبيين. عجباً للمهتدي كيف اهتدى! وعجيب كيف ضل المستضل! فالعجيب كل العجيب: أن تجد الضال ينحت في أفكار الناس، ويقدم دعوته لهم. والعجيب: أن تجد الضال يسهر إلى الثانية ليلاً يكتب مقالاً يحارب به الله ورسوله، ثم يُنشَر في الصحف والمجلات. والعجيب: أن تجد الألوف تصرف على دبلجة ومونتاج أغنية لتخرج للناس في آخر مونتاجها ودبلجتها وعرضها. والعجيب: أن تجد الألوف وهي تُصْرَف في مسلسل يهدم الأخلاق، ويحرك غرائز الأمة، ويفسد الجيل. والعجيب: أن تجد أماكن يُحارَب فيها المعروفُ، ويُقام فيها المنكرُ، وتُصْرَف فيها الأموال. ثم مع ذلك، تجد أهل الخير سلبيين إلى أبعد الحدود، أحدهم يتوجس خيفة، لا يقول الكلمة، ولا يكتب المقالة، ولا يوزع الشريط الإسلامي، ولا يؤثر بكلمة، ولا يدعو إلى الله، ولا يقدم ضريبة محمد ﵊ التي عليه، هو على الحق وغيره على الباطل، وأهل الباطل أقوى منه، وأشجع منه، وأكثر تأثيراً منه، ومع ذلك تجده خائفاً متأخراً متخلفاً سلبياً لا يقدم شيئاً للإسلام. لا بد لكل واحد منا أن يسأل نفسه في المساء: ماذا قدمتُ لهذا الدين؟ عندما تَنَمْ سَلْ نفسك: ماذا قدَّمت؟ أنا أعرف أنك صليت الصلوات الخمس اليوم، وأنا أدري أنك قرأت شيئاً من القرآن, وأنا أعرف أنك سبَّحت؛ لكن أسألُك بالله! هل سألتَ نفسك هذه الأسئلة: هل كنتُ سبباً في هداية شخص؟ هل أمرتُ اليوم بمعروف؟ هل نهيتُ عن منكر؟ هل أهديتُ لصديق كتيباً نافعاً؟ هل أهديتُ شريطاً إسلامياً؟ هل وقفتُ مع من يرتكب منكراً فنبهته على منكره؟ هل تحدثتُ إلى من خالف سنة بيني وبينه بأدب ولين، ونبهتُه على مخالفته للسنة؟ هل وعظتُ أحداً؟! لا بد أن تسأل نفسك، وإن لَمْ تفعلْ فاعلم أن فيك نقصاً كبيراً، وأنك لا بد أن تركب في مركب محمد ﷺ وهو مركب الدعوة، حتى تكون مؤثراً وداعية إلى سبيل الله. يقال: لماذا ينتشر الباطل أكثر من الحق، والضلال أكثر من الرشد؟ قلنا: سبحان الله! ألفُ هادمٍ وبانٍ واحد، فخطبة جمعة تلقى يوم الجمعة فقط، ودرس أحياناً في الأسبوع في مواجهة آلاف الأغنيات، والمسلسلات، والتمثيليات، والأفلام، والأشرطة، والمجلات، ألا تفْسُد بها الأمةُ، ألا تضيع بها الأمةُ، ألا تضل بها الأمةُ. أرى ألف بانٍ لم يقوموا لهادمٍ فكيف ببانٍ خلفه ألف هادمِ فهذه هي قضايا: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ﴾ [الناس:١].

стр. 6079

المقصود من قراءة القرآن ما المقصود من قراءة هذا القرآن؟ المقصود -أيها الإخوة- من قراءة هذا القرآن أمور: أولاً: التبرك بالقرآن: فمن أعظم الأجور: تلاوة القرآن، والتبرك به. ثانياً: التدبر في القرآن: بأن تُجْعل قراءةُ القرآن طريقاً إلى التدبر والتفهم والتفقه، ليُعْرَف ماذا يريد الله منا بهذا القرآن. ثالثاً: العمل بالقرآن: بأن يُجْعَل التدبر والفقه طريقاً إلى العمل بهذا القرآن، وتطبيقه في الحياة. رابعاً: الصلاح في القرآن: بأن يُعْلَم أن القرآن والسنة فيهما صلاح العباد ظاهراً وباطناً، في كل قضية من قضايا الحياة. خامساً: شمول القرآن: أن لا يُزَوَّى القرآنُ عن حياة الناس، وأدبهم ومشاركتهم، وعن اقتصادهم، وألاَّ يُجعَل في زاوية، أو فقط لافتتاح الحفل، وإذا مات الميت قرئ عليه، أو لصلاة الاستسقاء فقط، وللمآتم، ثم يُنَحَّى عن الحياة. فهذا ظلم ظلمنا به كتاب الله الذي قال في دينه وشرعه: ﴿قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الأنعام:١٦٢]. سادساً: تفهيم القرآن: وأحبذ من الإخوة أن يقربوا أبناءهم إلى القرآن, وإلى التفسير المعروض بالأشرطة أو الكتيبات؛ لأن هناك في المكتبة الإسلامية تقصيراً في جانب الطفل، في كتيبات الطفل وأشرطته، وأن يقربوا له مثل هذا الشرح، أو غيره مما يرون، فإذا حفظ: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ﴾ [الناس:١] سمع ماذا يريد الله من هذا الكلام، حتى يحفظ على بصيرة وعلم ونور. سابعاً: مرونة القرآن: وأحبذ من الإخوة أيضاً أن يربطوا واقع الناس بكتاب الله وأن يعلموا أن هذا القرآن باقٍ لهذه الأمة حتى يُنْهِي الله هذه الأرض ويرثها وأنه ليس خاصاً بفترة من فترات التاريخ قد انتهت ومرت، أو كما يقول العلمانيون: أنه لا يواكب التطور، أو كما يقولون: بأنه لا يواكب الأمور العصرية، أو أنه لا يستطيع أن يواكب هذا الزخَم الهائل القادم من الغزو الفكري وأمثاله، وهم لا يُسَمُّونه غزواً فكرياً، بل رافداً فكرياً، وحواراً عالمياً، ونحن نسمية غزواً. ثامناً: تحفيظ القرآن: وعلينا أيضاً أن نحصن أبناءنا بالقرآن، وأن نحفظهم من الصغر، ولا نستجيب لدعوات بعض الناس، وقد قرأتُ مقالة في مقابلة في مجلة الدعوة قبل ثلاثة أسابيع لأحد الفضلاء، هو فاضل ولكن لكل جواد كبوة. يقترح في هذه المقابلة: ألاَّ يَحْفَظ الطلاب الصغار؛ لأنهم لو حفظوا القرآن صدَّهم حفظُه عن فهمه. قلنا: سبحان الله! تريده أن يكون مثل الفقير اليهودي، حيث لا دين ولا دنيا. الطفل أصلاً لا يعرف أن يفقه أو يفهم، فلو أتيتَ بالطفل الصغير في السابعة أو في السادسة، وحفَّظته السور، وقلتَ له: استنبط، فإنه لا يفهم؛ لكنه يحفظ، ففي سن الحفظ نحفظه، حتى يصل إلى سن الفهم لنفهمَه، ثم إنه إذا حفظ القرآن استدرج النبوة، غير أنه لا يوحى إليه، ثم إنه إذا حفظ القرآن صار رصيده عند الله عظيماً، أن يُغرَس القرآن أو يُمْشَق في لحمه ودمه، أو يسري القرآن في عروقه وشرايينه.

стр. 6080

اقتراح وسائل للاستفادة من الدرس ربما أقترح أنا اقتراحاً بسيطاً: أن من كان عنده من الإخوة نشاطٌ أو قدرة على تفريغ مثل هذا الشريط وتصحيحه وعرضه عليَّ فليفعل، وأنا بدروي أدعو له بظهر الغيب، وفي حضوره، وفي غيابه، بأن يحفظه الله ويأجره ويثيبه، حتى يُقَدَّم هذا في كتيب بعد تصحيحه وعرضه على أهل العلم، يُقَدَّم كتبسيط وتفسير ميسر إلى الناس، وإلاَّ فإن السلف قد كتبوا تفاسير؛ لكنهم أقسام: - فمنهم من اعتنى بالجوانب اللغوية والنحوية. والقرآن مقصده أعظم. - ومنهم من أتى بِخُزَعْبَلات بني إسرائيل وكَذَباتهم وافتراءاتهم. والقرآن أجلُّ. - ومنهم من نحا نحو الواقع، وترك مناهج السلف الصالح، ومنهج أهل السنة والجماعة. ولا بد من عرض ذلك. - ومنهم من تساهل في الأحاديث الضعيفة. ومن أمثل ما يوجد: تفسير ابن كثير؛ لكن ينقصه ربطه بواقع الأمة، فيحتاج من يقرؤه إلى أن يربط تفسير ابن كثير بواقع الناس وحياتهم ومعايشاتهم، حتى إذا قرأ الإنسان السورة في الصلاة تذكَّر واقعَه الذي يعايشه أربعاً وعشرين ساعة، وتذكرَ ماذا يمكن أن يغير إذا خرج من المسجد، وما هي صور الجاهلية التي نعيشها صباح مساء، الجاهلية التي تجدها في السوق، والدكان، والمدرسة، والجامعة، والنادي، والطريق، والبيت. الجاهلية التي تعرض لك في كتيب، أو دعاية، أو برواز، أو لافتة، أو ورقة، أو صحيفة، أو مجلة، أو شريط، أو فيلم. الجاهلية التي تُعْرَض لك في أشخاص، تجدهم من داخلهم مُبَرْمَجِين، أي: بُرْمِجُوا وانتهتْ بَرْمَجَتُهُم (هناك) ثم قُدِّمُوا للأمة لِيُبَرْمِجُوا الأمةَ كما بُرْمِجُوا هُم ليُؤَثِّروا على الأمة كما أُثِّرَ عليهم، فمن داخلهم مُنْتَهون، مُسْتَهَلَكَةٌ في ذواتهم المبادئُ الأصيلة التي أتى بها رسول الله ﷺ فهم يريدون كذلك إغواء الأمة في التالي. تجد الجاهلية في أشخاص يتصورون أن الدين صلاة فقط، وإذا ما خرجتَ فلا تشارك في الحياة ولا تدخل الدين في كل شيء، وينادون بذلك في الصحف والمجلات، ويقولون: تريدون إدخال الدين في كل شيء؟ وما دخل الدين في هذا؟ ما لكم وللدين، الدين لكم، تركنا لكم المسجد اعملوا ما شئتم، أما خارج المسجد فالحذر الحذر، ليس للدين دخل! وبهذا فقد ازدادوا ديناً ما أتى به ﵊، هذا دين ما أراده أبو بكر، وعمر وعثمان، وعلي. هذا دين يخالف دين المسلمين، هذا دين أهل التصوف الهندوكي والهندوسي. وهذا دين الذين وَلَغُوا في شرع الله بالإثم، أو أنكروا معالم الدين. فهذا الدين لا نريده. نحن نريد الدين الذي بُعِث به محمد ﷺ أن يكون في المسجد، والمقهى، والمنتدى، والمكان، والجامعة، والدكان، والبيت، وعلى الرصيف، حتى نعيش الإسلام قضية واحدة. هذا ما يُراد. والدرس المقبل إن شاء الله سوف يكون بعنوان: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ﴾ [الفلق:١] وبعده: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص:١] ونستمر مع هذه السور - كما قلتُ لكم - في زحف مبارك مقدس، سائلين المولى أن يعيد علينا وعليكم بركات القرآن، وأن ينفعنا وهذا الجيل به، وبأسراره وكنوزه. وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه وسلَّم تسليماً كثيراً.

стр. 6081

الأسئلة بين يدي رسالة خطيرة ومهمة وصعبة، سوف أعرضها بخط صاحبها، وهي من أحد المواطنين من أهل أبها، ولئلا أكون كتوماً للعلم، أو جحوداً للأدلة والبراهين سوف أجيب عليها هذه الليلة بشجاعة، وسوف أعرضها عليكم وأنتم رسل للدعوة في كل مكان، وأنتم حملة للمبادئ في كل زمان، وأنتم مشرفون بخدمة دعوة محمد ﵊ يقول:

стр. 6082

حكم تزويج القبلي لغير القبلي بسم الله الرحمن الرحيم. ثم بدأ بمقدمة يخاطبني، وبَجَّلَ -جزاه الله خيراً- وذكَر وأثنى، ثم قال: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. الحمد لله العلي العظيم، القائل في محكم التنزيل: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات:١٣] وقال ﵊: ﴿لا فضل لعربي على أعجمي، ولا أبيض على أسود إلا بالتقوى﴾ وقال الصادق الأمين ﵊: ﴿إذا جاءكم من ترضون دينه وأمانته فزوجوه، إن لم تفعلوا تكن فتنة في الأرض وفساد كبير﴾. أيها الحبيب الفاضل: أنا أتقدم بسؤالي أريد أن أفهم بعض الأمور الدنيوية من خلال الإجابة، وأرجو أن تجيب ولا تكتم الحق، وأن توضح لنا البرهان، وأن تتقي الله فيما تقول، فقد وثقنا فيما تقول. السؤال هل الإسلام حرم الزواج من المرأة أو الرجل الغير قبلي للقبلي؟ ومقصوده: هل يحرُم أن يتزوج القبلي من غير القبلي؟ -أو العكس، أي: بمعنى أصح: الطرف من الأصل أو العكس وربما سماه بعض الناس خط مائتين وعشرين, وخط مائة وعشرة. وسمعتُ حديثاً عن الرسول ﷺ فيما معناه: ﴿تخيروا لنطفكم فإن العرق دساس﴾ وحديثاً آخر، يقول ﷺ : ﴿تنكح المرأة لأربع: لجمالها، ولمالها، ولنسبها، ولدينها، فاظفر بذات الدين تربت يداك﴾ فهل يعني اختيار النسب هنا: أن نمنع زواج القبليين من غير القبليين من أهل الحرف الموجودين في مجتمعنا المسلم الذين يصلون ويصومون ويتبعون الرسول ﵊؟ وما معنى ذلك إذاً؟ أرجو أن توضح، وأن تتقي الله في التوضيح. الجواب في هذا السؤال صراحة وشجاعة وتهديد. أولاً: قبل أن أبدأ أفصل لكم الحكم على الأحاديث التي وردت في الرسالة: حديث: ﴿لا فضل لعربي على أعجمي﴾ حديث حسن. حديث: ﴿إذا جاءكم من ترضون دينه وأمانته فزوجوه﴾ حديث صحيح، رواه: الترمذي. حديث: ﴿تخيروا لنطفكم فإن العرق دساس﴾ لا يصح عنه ﵊ وليس من كلامه. حديث: ﴿تنكح المرأة لأربع﴾ متفق عليه وهو في الصحيحين. ثانياً: أقول لهذا الأخ: حيَّاك الله وبيَّاك، وأبشر ثم أبشر أني سأقول الحق، الذي أعتقد أنه الصواب، وأقول باختصار، ثم أفصل: من زعم أنه لا يجوز للقبلي أن يتزوج من غير القبلي فقد أخطأ، وقد خالف سنة الرسول ﷺ والنسب هو الدين، وإن من اتقى الله، وعمل بسنة الرسول ﷺ وكان أقرب إلى الله فهو أقربنا إليه وهو أكرمنا وأحبنا إليه، قال سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ [الحجرات:١٣] وقد هدد ﵊ وندد، وشجب التمييز العنصري، وحارب ﷺ من أراد ذلك في الأمة، ونادى يوم عرفة: أن: ﴿لا فضل لعربي على عجمي، ولا لأبيض على أحمر إلا بالتقوى﴾ وقرب ﷺ أجناس الناس بـ (لا إله إلا الله) قال : ﴿وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [الأنفال:٦٣] ودخل بلال وهو عبد حبشي الجنة بـ (لا إله إلا الله) وأما أبو لهب وهو سيد قرشي، وأبو جهل، وهو أصيل قرشي، فقد دخلا النار لأنهما كفرا بهذا الدين. وقد زوج ﷺ بعض الموالي من أسر قريش، وتزوج بعض أسر قريش من الموالي زواجاً شرعياً صحيحاً، على ملة الله وعلى كتابه وسنة رسوله ﷺ . وأما الذين يدعون أن هذا مخالفة شرعية، ويستدلون ببعض الأحاديث الضعيفة، فما صدقوا في هذا، وقد أخطئوا خطأً بيناً، وهذه حرب شعواء يستغلها أعداء الله من الكفرة والملاحدة، فيهجمون على هذا الدين، ويقولوا: انظروا لدين المساواة والعدل والفضيلة، يأتي فيميز بين القبلي وغير القبلي، ومن قال لنا: أن هناك قبلياً وغير قبلي؟! إلى من ينتهي السند؟! من هو الأب الأكبر؟! من أين أتانا القبلي وغير القبلي؟! من آدم وحواء. إذا فخرت بآباء لهم شرف نعم صدقتَ ولكن بئسما ولدوا أتى سلمان وهو فارسي، وتزوج من قريش، ويروى عنه ﷺ أنه قال: ﴿سلمان مِنَّا آل البيت﴾. ولما بُعِثَ محمد ﵊ كانت الأسر تفخر بأسرها، والقبائل تفخر بقبائلها، وأهل المجد يفخرون بأمجادهم، الآثم منهم والجاهلي، فلما أتى ﷺ أتى بشمس: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ [الحجرات:١٣]. فالفضل فضل التقوى، والحسب حسب الدين. فيا أيتها القبائل: اتقي الله في هذه الأسطورة الجاهلية، والطاغوت الذي فعلتموه، ورضيتم به، وهو عدم التزاوج بين القبلي وغير القبلي. أنا أعرف أن الناس يستصعبون ذلك، لكنه لو قام أهل العلم والدعوة والتوجيه والرأي، وأهل الحل والعقد، فإنهم سوف ينهون هذه المسألة التي تخالف الدين الإسلامي الحنيف الذي بعث به الرسول ﷺ حتى لا نُضْحِكَ العالَمَ علينا. العالم الغربي الآن، خاصة الرأسمالي يدعو إلى إنقاذ الإنسان، وإلى محاربة التمييز العنصري، ويحاصرون جنوب أفريقيا، ويسبونها عبر وسائل الإعلام؛ لأنها تمايز بين الجنسين الأسود والأبيض، ونحن نكرر هذه في قبائل اتبعت الرسول ﵊ واعتنق أجدادها الإسلام، بل كانوا في فترة من فترات التاريخ، هم الذين نصروا دين الرسول ﵊. أنا ابن أنصارك الغر الأُلَى سحقوا جيشَ الطغاة بجيش منك جرار فما جزاؤها الآن إلا أن تعود إلى سنته ﵊. قال الإمام مالك ﵀: "الكفاءة في النكاح: الدين". قال أهل العلم: "وصدق الإمام مالك "، ورجح ذلك الشوكاني، وغيره من العلماء الجهابذة الأجلاء، وارتضوه، واعتبروه الصحيح. فيا أيها الإخوة: الكفاءة: الدين، ليس القبلي وغير القبلي، فأرجو أن تزال هذه، وأرجو من الدعاة أو المتكلمين أو الناطقين أو المؤثرين، ألا يجرحوا شعور الناس في المجالس بذكر هذه الجاهليات التي أتى ﷺ بسحقها، وقد سحقها يوم عرفة، وأزالها، واعتبرها لاغية من سجله ﷺ . فهذه المسألة أردتُ أن أعرضها، وقد عرضتُها بما أعتقد أنه الصواب، وأرجو صراحةً أن تُدْرَس دراسة وافية، فلا يكفي فيها مثل هذه الكلمة؛ لكني أطالب العلماء، والدعاة، والمشايخ، والكتبة، ومن يُسْمَع لهم، أن يبحثوها بحثاً إسلامياً شرعياً، ثم ينشرونها بين الناس؛ لئلا نوجِد هذه الطبقية الممقوتة البغيضة، التي أوجدت الحزازيات والحساسات والجراحات بين الناس بشيء لا يرضاه الله ولا رسوله ﵊.

стр. 6083

التعاون على البر والتقوى السؤال ما هي الطريقة المثلى في التعاون على البر والتقوى في الدعوة؟ الجواب أقول لهؤلاء: عليهم أن يفعلوا كما فعل كثير من الفضلاء في بعض المدن، كمدن القصيم، وهي أن يوجد مجموعة من الدعاة الفُطَناء النابهين، المحبين لله ورسوله، العقلاء، أهل الحكمة، وأهل الرشد والصواب، فيجتمعوا في تنسيق ندوات في أماكنهم هذه، كأن يكون هناك ندوة في كل أسبوع، في مثل: تنومة والنماص، وسراة عبيدة، ومحايل، وغيرها من المناطق الآهِلَة، كـ الواديين والدرب وبيش، وغيرها الكثير، فيوجدوا محاضرة في كل أسبوع، ثم يكون همهم أن يأتوا بالدعاة من الرياض والقصيم وجدة والشرقية وأبها ومكة المكرمة، ومن كل مكان، وهذا الدرس يكون أسبوعياً في هذا البلد، فهذا من مهمة هذه المجموعة. ومن مهمة هذه المجموعة أيضاً: جمع التبرعات من الناس، أو اشتراك شهري في صندوق يسمى: (صندوق الشريط الإسلامي) سيصرفون في كل شهر، أو في كل أسبوع شريطاً ويوزعونه على أهل هذه البلدة. ومن مهمتهم أيضاً: أن يجتمعوا بالقاضي والأمير في البلدة والمسئولين، فيفهمونهم بعض الأخطاء التي يقع فيها المجتمع، ويناصحونهم، ويكتبون لهم المنكرات. ومن مهمتهم أيضاً: أن يوزعوا الكتاب الإسلامي. ومن مهمتهم أيضاً: أن يُلْقوا دروساً خفيفة، من ربع ساعة إلى ثلث ساعة في المساجد في بلدتهم، يشتغلوا بها، فيعظون الناس ويرشدونهم. ومن مهمتهم أيضاً: أن يكاتبوا العلماء عما يحصل من مشاكل في بلدتهم، ليأتوا بفتاوى ينشرونها بين الناس في المسائل التي تقع فيها الأخطاء. ومن مهمتهم أيضاً: أن يقوم منهم مجموعة تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر، بالحكمة، واللين، والمعروف، فتنبه الناس على أخطائهم. هذه المجموعة، أنا أرى أن لو تُشَكَّل في كل منطقة فسوف يُرَى بعد سنة الخير وقد عَمَّ هذه المنطقة، والفضل، والنور، والفقه، والفهم، أما قضية أن تقف سلبياً وحدك في منطقتك أو قريتك، ثم تجد الناس يتفاعلون في قراهم ومدنهم، وأنت لا تقدم شيئاً لبني قريتك أو مدينتك فإنك تكون سلبياً مخطئاً غير موفٍٍ في أداء رسالتك التي أوكلها الله إليك. هذا اقتراح أكرره وأعيده، عسى أن يكون هناك من يلبي، لأني رأيتُ بعضَ الناس، حتى من سنتين ومن ثلاث سنوات يأتي أحدهم من المناطق المذكورة فيطلب الداعية، فإذا اعتذر الداعية، قال: ماذا نفعل إذاً؟ أتعتذر؟ الذنب ذنبكم والتقصير تقصيركم؛ لأنكم ما جئتمونا. هكذا يقول. وأنتَ والأساتذة الذين معك بالعشرات في المدينة التي أنت فيها، وفي الضاحية، وفي القرية، أنت والقضاة الذين عندك، والمدرسون، والدعاة، والفضلاء، لماذا لا تجمع؟ ولماذا لا تنظر؟ ولماذا لا تؤثر؟ ولماذا لا تتفاعل؟ هذه هي المسئولية. أردتُ أن أعرض هذا الرأي؛ لأنه صراحةً لا يستطيع الإنسان مهما أوتي من قوة أن يصل كل ضاحية وقرية، وكل مكان ليلقي محاضرة، ثم إن المحاضرات العامة إذا أتت في السنة مرة فخير كثير؛ لأنها مثل أسبوع الشجرة، هذه المحاضرات العامة مثل أسبوع الشجرة، تُزْرَع الشجرة في السنة مرة؛ لكن مَن الذي يَسْقِي الشجرة؟ مَن الذي يقلمها؟ مَن الذي يهذبها؟ مَن الذي يمنع الآفات عنها؟ هم أهل المنطقة، وأهل القرية، والضاحية. فهذه أمانة أقدمها بين أيديكم، وليتأمل كل منكم إذا أتى من بلدة، أو من قرية، أو من ضاحية، ليتأمل: ماذا يقدم لقريته وضاحيته، وماذا سوف يجيب الله يوم القيامة، إذا سأله: ماذا فعلتَ بقريتك؟ وليحفظ قوله ﵎: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ [الشعراء:٢١٤]. أسأل الله لي ولكم السداد، والهداية، والرشد، والتوفيق. والإخوة الذين قدموا أسئلتهم -كما يرون- ليس عندنا وقت للإجابة الآن؛ ولكن أعدهم لا كمواعيد عرقوب أن أجيب عنها في المستقبل إن شاء الله. ومواعيد عرقوب: كان لأحد الناس عليه دين، فأتى صاحب الدين، فقال: أعطني مالي. فقال: ما عندي لك مال؛ لكن هذه النخلة تثمر إن شاء الله فإذا أطلعت خذ طلعها. فأطلعت النخلة، قال: اتركها حتى تصبح بُسراً، فتركها، فلما أصبحت بُسراً، قال: أعطني. قال: حتى تصبح بلَحاً، فلما أصبحت بلَحاً (رُطَباً) قال: اتركها حتى تصبح تمراً. فلما أصبحت تمراً اخْتَرَطَها عرقوب في الليل، وترك الدَّيَّان. أعوذ بالله أن أكون مثل عرقوب. كانت مواعيد عرقوب لها مثلاً وما مواعيده إلا الأباطيلُ لكنَّ مواعيدنا مواعيد محمد ﷺ : ﴿يَوْمُ يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ﴾ [المائدة:١١٩]. فإن قُصِّرَ في شيء فالإنسان مصدر نقص؛ لكن الوقت لا يمكن أن يُزاد فيه. قد يضيق العمر إلا ساعةً وتضيق الأرض إلا موضعا فنسأل الله إذا قَصُرَ هنا اللقاء أو ضاق بنا الوقت أن يجمعنا في وقت طويل: ﴿فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ﴾ [القمر:٥٥] يوم يتقبل الله منا ما عملنا، ويتجاوز عن سيئاتنا: ﴿فِي أَصْحَابِ الْجَنَّةِ وَعْدَ الصِّدْقِ الَّذِي كَانُوا يُوعَدُونَ﴾ [الأحقاف:١٦]. وصلى الله على محمد، وعلى آله وصحبه، وسلَّم تسليماً كثيراً.

стр. 6084

سفينة النجاة النبي ﷺ رحمة مهداة لنا، ومن رحمته بنا أنه ترك لنا كنزاً من الوصايا، ومن أهم الوصايا التقوى، وهي رأس كل حسنة وقربة، وفي هذا الدرس تحدث الشيخ حول عدد من وصايا النبي ﷺ وأولها التقوى، وفيها من القصص والعبر ما يشفي الفؤاد.

стр. 6085

مع قائد السفينة إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. أيها الإخوة الفضلاء: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

стр. 6086

حال الناس قبل مجيء النبي ﷺ عنوان هذا الدرس: سفينة النجاة، في الرابع من شهر ذي القعدة لعام (١٤١٢هـ) هذه السفينة -سفينة النجاة- سارت منذ أربعة عشر قرناً في بحر الحياة، وربانها معصوم لا ينطق عن الهوى ولا يضل ﵊، وقد قاربت على وصول الشاطئ ﴿بِسْمِ اللَّهِ مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا﴾ [هود:٤١] سفينة ركب فيها الصالحون فنجوا، وتخلف عنها الهالكون فهلكوا ﴿وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ﴾ [هود:٤٤]. فيا أرض الشهوات! ابلعي ماءك، ويا سماء الظلمات أقلعي، فقد قطع دابر الكفر والخراب في العالم بوصول هذه السفينة، وقد انطلق الهوى مع الإنسان: ﴿حَتَّى إِذَا رَكِبَا فِي السَّفِينَةِ خَرَقَهَا قَالَ أَخَرَقْتَهَا لِتُغْرِقَ أَهْلَهَا﴾ [الكهف:٧١] فأخبره أن السفينة لمساكين يعملون في بحر الشهوات، حتى جاء رسول الهدى ﷺ فأخرجهم من الظلمات إلى النور؛ لأن مهمته أن يخرجهم من الظلمات إلى النور، ومهمة الهوى والشيطان إخراج الناس من النور إلى الظلمات ﴿أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [البقرة:٣٩].

стр. 6087

مدح قائد سفينة النجاة قبل أن أبدأ في شرح سفينة النجاة، نظمت قصيدة، وهي من آخر القصائد لحبيب قلبي ﵊، ولأعظم إنسان أتشرف به وتتشرفون به، ولأعظم رجل جمعنا من أجل مبادئه في هذا المكان، وللمعصوم ﵊ الذي أرسل بالضياء وبالنور، والذي أسجدنا لله وعبدنا لربنا ، عنوان القصيدة: تاريخنا أنت، قلت فيها: من أجل عينيك يروى الشعر والزجل ناديت فيك رجال الصيد يا رجل عساك ترضى وكل الناس غاضبة فدتك هامات من شيكت له الحلل عيب لغيرك أبياتي أرصعها وخيبة إن سرت في غيرك السبل وبسمة منك تكفيني وواطربي فما أبالي أجاد الناس أم بخلوا نشيدة أنا في كف الهوى نسجت من لحن داود في الأحشاء تشتعل دم ودمع وأحلام مسهدة وأنهر من هيام في الهوى عسل ذقت الصبابة في كأس الهوى عجلاً للعاشقين فصاحت مقلتي بجل طرحت في عتبات الغار ملحمتي والغار يعرف من حلوه وارتحلوا غار الهدى وعيون الدهر رانية تغازل الفجر طاب الحب والغزل غار وفي مقلتيه كل أمنية أملودة تتهادى عندها الأسل فالليل فجر وآيات الهدى حلل والمشرفية عند الغار ترتجل واللوح يروي أحاديثاً مرتلة والبيد تسجع في أسماعها الحجل نعم أنا الغار في أرجائه ولدت عقيدتي وشبابي فيه مكتمل فيه اليتيم أبو الأيتام مرتجف والوحي يهتف والأملاك ترتجل اقرأ ولو كنت أمياً فمحبرة في راحتيك مداد النور ينهمل اقرأ ودفترك الدنيا وما حملت واكتب على هامة الصحرا: أنا الأمل اقرأ وأوراقك الأجيال قاطبة أوراق غيرك يمحوها إذا غسلوا اقرأ وأصحابك الأقلام خط بهم وثيقة النصر يروي متنها الأزل هرقت في الغار كأس النوم فاغتسلت بك الدياجي وقام الليل يرتجل وصغت صوت الهدى يسري فراعده يزلزل البغي والأصنام تقتتل والمشرفيات في غار المنى صقلت بكف خالد لم يفلل لها نفل أسقيتها من سلاف النور وانتضيت باسم الهدى وعليها الموت منسدل جردتها في هوى بدر يلاعبها عشاقها من كرام فيه قد قتلوا تراقصت أنفس الكفار من جزع يوم الكريهة والطغيان مبتذل أعداؤك الفدم شادوا الأرض من ذهب وفي صحاف من الإبريز قد أكلوا متّ ودرعك مرهون على شظف من الشعير وأبقى رهنك الأجل لأن فيك حديث اليتم أعذبه حتى دعيت أبا الأيتام يا بطل تاريخنا أنت لا نرضى به بدلاً لو أن تاريخ أمجاد الورى بدل ومنك صحوتنا الكبرى متوجة بصوتك العذب يحدى السادة النبل صلت عليك دموع الحب في لهف وعانقتك شفاه الروح والقبل وباكرتك تحيات معطرة في نفحة من عليل المسك تحتفل كأن زاكيها أنفاسك ائتلفت في الطيب من طيبك المأهول يتصل تغدو إلى طيبة الآمال سافرة يغني عن الكحل في أجفانها الكحل إلى رياضك في قبر ثويت به فيه الهداية والتاريخ والدول بكر القوافي أساحت دمعها خجلاً تشكو إلى الله هذا الجيل ما فعلوا جيل أماتوا أمانيهم فما نظرت إلى رحاب العلا الأجفان والمقل عدوهم سير الأضواء في فلك له عطارد والمريخ أو زحل بساطه الريح والأمواج تحمله فسل أبوللّو حصان تلك أم جمل ونحن من نحن إلا أنت ما فعلت يا أحمدي أمة أودى بها الخلل

стр. 6088

التقوى سفينة النجاة انتهت القصيدة، وأبدأ في الدرس، سفينة النجاة، إنها شرح لحديثه ﵊ وهو يوصي صاحبين من أصحابه، يوصي أبا ذر ويوصي معاذ بن جبل فيما رواه الترمذي وأحمد والدارمي والحاكم والطبراني في الكبير والصغير وأبو نعيم في الحلية، والحديث حسن، ومن أهل العلم من صححه. عن أبي ذر وعن معاذ بن جبل ﵄ قالا: قال رسول الله ﷺ : ﴿اتق الله حيثما كنت، وأتبع السيئة الحسنة تمحها، وخالق الناس بخلق حسن﴾ مرة روي الحديث عن أبي ذر ومرة عن معاذ، وهذا الحديث أصل من أصول الدين وقاعدة كبرى من قواعد الملة، وفيه ثلاث ركائز: تقوى الله، والدواء هو: أتبع السيئة الحسنة تمحها، ولما انتهى من حق الله على الإنسان ثلث بحق الناس على الإنسان فقال: وخالق الناس بخلق حسن.

стр. 6089

من وصايا النبي ﷺ أوصى الرسول ﷺ الصحابة بوصايا متنوعة، فأوصى واحداً منهم -كما في الصحيح- فقال: ﴿لا تغضب﴾ لأن الغضب داءٌ، فأوصاه ﷺ بما يناسب شخصه. قال بعض أهل العلم من المحدثين: إنما اختلفت وصاياه ﵊ لاختلاف الناس وأحوالهم. وأوصى ﷺ رجلاً في حديث رواه عبد الله بن بسر عند الترمذي - قال: ﴿لا يزال لسانك رطباً من ذكر الله﴾. وفي حديث صحيح آخر: ﴿أفشوا السلام، وأطعموا الطعام، وصلوا الأرحام، وصلوا بالليل والناس نيام تدخلوا الجنة بسلام﴾ وراويه ابن سلام، وأوصى ﷺ أبا أمامة فقال: ﴿عليك بالصيام فإنه لا عدل له﴾ رواه أحمد. وأوصى معاذاً لما سأله عن شيء يقربه من الجنة ويباعده عن النار فقال: ﴿تعبد الله لا تشرك به شيئاً﴾ رواه الترمذي. ووصاياه ﵊ كثيرة، مرة في المعتقد فقال لـ أبي ذر: ﴿لا تشرك بالله ولو سحقت وحرقت﴾ وتارة في العبادة فقال لـ معاذ كما في أبي داود: ﴿﴾ ومرة في الدعاء كما قال لـ أبي بكر ﴿أبا بكر! قل: اللهم إني ظلمت نفسي ظلماً كثيراً ولا يغفر الذنوب إلا أنت، فاغفر لي مغفرة من عندك وارحمني إنك أنت الغفور الرحيم﴾. ومرة في الخلق كما مر معنا في حديث أبي هريرة في نهيه ﷺ عن الغضب، ومرة في التفكير في آيات الله يوم قال لـ أبي جري الهجيمي: ﴿أنا رسول لمن إذا أصابتك سنة فدعوته كشف الله عنك هذا القحط﴾ أو كما قال ﵊.

стр. 6090

وصية القرآن بالتقوى الوصاية بتقوى الله وهي وصية الله للأولين والآخرين، ولما سأل أبو القاسم المغربي ابن تيمية أتى بهذه الوصية، وهي في المجلد العاشر كما شرحت من قبل في وصية ابن تيمية، قال سبحانه: ﴿وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ﴾ [النساء:١٣١]. فهي وصيته سبحانه: ﴿أَلا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ * الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾ [يونس:٦٢ - ٦٣] ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ﴾ [الأحزاب:١] ولا يأنف أحد من أن يقال له: اتق الله. قال بعض الفطناء: إذا رأيت الرجل يأنف من قول الناس له: اتق الله، فاعلم أنه قد باع نصيبه من الله. وقال رجل لـ عمر: [[اتق الله يا أمير المؤمنين! فقال: لا خير فيكم إن لم تقولوها ولا خير فيَّ إذا لم أسمعها]]. وتقوى الله نص عليها في الكتاب والسنة بأحاديث وبآيات سوف أشرح بعضها وأستعفيكم من كثير منها؛ لأن المجال لا يتسع والوقت أضيق من ذلك. يقول : ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْإثْمِ﴾ [البقرة:٢٠٦] قالوا: من يكابر إذا نصح فهو من جنس من تأخذه العزة بالإثم أعاذنا الله وإياكم من ذلك!

стр. 6091

تعريف التقوى اختلف أهل العلم في تعريف التقوى على أقوال كثيرة: فمنهم من نظر إلى أصلها في الكتاب والسنة، ومنهم من نظر إلى مردودها، ومنهم من عرفها بمنطق أهل السلوك وأعمال القلوب، ومن التعريفات ما قاله ابن تيمية إذ يقول: هي فعل المأمور واجتناب المحذور. وهذا كلام جيد جميل، وهو كلام علمي شرعي سني، هي فعل المأمور واجتناب المحذور، ولو قال شيخ الإسلام: وتصديق الخبر لتم التعريف. ولكن هذا يدخل -إن شاء الله- في تعريفه. وقال أهل السنة وهو تعريف مشهور لهم: أن تجعل بينك وبين عذاب الله وقاية، وهي أن تعمل بما أمر الله وأمر رسوله ﵊ وأن تنتهي عما نهى الله ونهى رسوله ﷺ . وقال ابن مسعود وقد رفع هذا إلى الرسول ﷺ ، ولا يصح مرفوعاً بل هو من كلام ابن مسعود قال: [[تقوى الله: أن يذكر فلا ينسى، وأن يطاع فلا يعصى، وأن يشكر فلا يكفر]]. سبحان الله! وأي درر هذه؟! أي جواهر؟! من علم هؤلاء الأعراب الذين كانوا قبل الوحي يرعون الغنم في غدير الخضمات وفي حرقات جهينة؟ وقال علي فيما نسب إليه: [[التقوى العمل بالتنزيل -وهو الوحي من الكتاب والسنة- والرضا بالقليل، والخوف من الجليل، والاستعداد ليوم الرحيل]] وهذا الكلام يحتاج إلى محاضرة مستقلة، هذه التقوى فهي ببساطة وهي أن تعمل بالكتاب والسنة أمراً وتنتهي عنها نهياً وأن تصدق خبرها، فإذا فعلت ذلك فقد نجوت من عذاب الله في الدنيا وفي الآخرة، ونجوت من الخزي والشقاء. أما كلام السلف في التقوى فقد امتثل معاذ ﵁ ذلك، وقد شرحه هو كما قال ابن رجب فقال: [[التقوى: هي أن تتجنب الشرك، وأن تطيع الله، وأن تخلص العبادة]]. وقال الحسن البصري في التقوى: [[هي أن تؤدي ما لله عليك وما للناس عليك من حقوق، وأن تجتنب ما نهى الله عنه]] أو كما قال. وذكرها عمر بن عبد العزيز قال: [[أما إنها ليست بقيام آخر الليل ولا بصيام الهواجر والتخليط بين ذلك -أي بالسيئات- ولكنها الانكفاف عن المعاصي]]. وقال طلق بن حبيب -وهذا اعترف بتعريفه شيخ الإسلام - قال: [[هي العمل بطاعة الله على نور من الله ترجو ثواب الله، وترك معصية الله على نور من الله تخاف عقاب الله]]. وقد ذكر أبو الدرداء لها تعريفاً آخر وهي: [[أن تكون مراعياً ما لله عليك من حقوق]]. وكل هذه التعريفات تتداخل. وسئل أبو هريرة عن التقوى فقال للسائل: [[أمررت بواد فيه شوك؟ قال: نعم. قال: ماذا فعلت؟ قال: تحفزت وانتبهت. قال: فهذه التقوى]]. خل الذنوب صغيرها وكبيرها ذاك التقى واصنع كماشٍ فوق أر ض الشوك يحذر ما يرى لا تحقرن صغيرةً إن الجبال من الحصى

стр. 6092

وصية النبي ﷺ بالتقوى أما وصيته ﵊ بالتقوى فإنه أوصى بها في أكثر من ثلاثين حديثاً، فقال لـ أبي ذر: ﴿أوصيك بتقوى الله فإنه رأس الأمر كله﴾ رواه ابن حبان في صحيحه، وقال عند أحمد في المسند بسند صحيح عن أبي سعيد أن الرسول ﷺ قال له: ﴿أوصيك بتقوى الله فإنها رأس كل شيء، وعليك بالجهاد فإنه رهبانية الإسلام﴾. وقد امتثل معاذ هذه الوصية منه ﵊، فقد ذهب إلى اليمن فلم يأخذ من مال المسلمين لا قليلاً ولا كثيراً، فلما عاد إلى المدينة قالت له زوجته: أما أخذت مالاً نفعتنا به. قال: إن عليَّ ضاغطاً. قال ابن رجب في جامع العلوم والحكم، يقصد المراقبة والمحاسبة. كأن رقيباً منك يرعى مسامعي وآخر يرعى مسمعي وجناني ورأيت في ترجمة رجل من بني إسرائيل أنه اختفى في غابة، فأراد أن يفعل معصية، فقال: لا يراني أحد ولا يعلم بي أحد، فسمع هاتفاً يقول: ﴿أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ [الملك:١٤]. وأوصى بعض الصالحين ابنه قال: أريد سفراً. فقال له: اتق الذي يراك حين تقوم وتقلبك في الساجدين، فهو لا تخفى عليه خافية، سبحان الله العلي العظيم! هذا محمد ﷺ في بيته الطيني في المدينة تدخل عليه خولة بنت ثعلبة، فتشكو إليه زوجها والله فوق سبع سماوات يخبره بشكواها، ولم تسمع عائشة مع أنها كانت قريبة منهم؛ فيقول الله : ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ﴾ [المجادلة:١] فهذا هو اللطيف الخبير القريب الذي يرى ويسمع ويبصر. أحد العباد اسمه حبيب أبو محمد: كان يبيع ويشتري فكان يبيع الدرهم بالدرهمين -وهذا ربا لكنه ناسك جاهل- فمر بالصبيان فقالوا: أنت حبيب المرابي؟! قال: سبحانك يا رب! فضحتنا أمام الناس! قال: فتاب إلى الله من الربا، وسأل أهل العلم ثم تصدق بأمواله، فعاد إلى الصبيان فقالوا: مرحباً بك يا عابد يا أبا محمد. قال: سبحانك! أنت الذي تمدح وأنت الذي تذم! وهذا كلام جيد ويوصف به ، فإن مدحه زين وذمه شين. أتى بنو تميم إلى الرسول ﷺ بعد الظهر، وطرقوا بابه قالوا: اخرج إلينا يا أبا القاسم؛ فإن مدحنا زين وذمنا شين. يقولون: نحن إذا مدحنا مدحنا واحذر ذمنا، وحاول أن تكسب مدحنا، قال ﵊: ﴿ذلكم هو الله﴾ الذي مدحه زين هو الله، والذي ذمه شين هو الله، فقال الله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِنْ وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ﴾ [الحجرات:٤] وإلا فالمادح حقيقة هو الله، فإذا أثنى الله على العبد بواسطة قلوب العباد فالعبد ممدوح وإذا ذم العبد بواسطة قلوب العباد فالعبد مذموم مسبوب؛ ولذلك يقال في بعضهم آلاف القصائد وهو مذموم عند الله، ويهجى بعضهم بآلاف القصائد وهو ممدوح عند الله، فالحب من عنده والبغض من عنده ، يأتي الحب والبغض من السماء، ولا يأتيان من الأرض.

стр. 6093

مكفرات الذنوب وقوله ﷺ : ﴿وأتبع السيئة الحسنة تمحها﴾ معنى ذلك: أنك إذا قدحت في مسمى التقوى الذي أوصى به الرسول ﷺ فإن عليك بالعلاج. قال علي فيما ذكره الغزالي في الإحياء: عجباً لكم! عندكم الداء والدواء. قالوا: ما هو الدواء والداء؟ قال: الداء الذنوب والدواء الاستغفار، ونحن عندنا دواء لكننا ما استخدمناه، صرف من صيدلية محمد ﷺ ، ولا يتعالج به إلا الربانيون الذين كلما عثروا ومرضوا عرضوا أنفسهم على محمد ﷺ فعالجهم. إذا مرضنا تداوينا بذكركم ونترك الذكر أحياناً فننتكس

стр. 6094

الاستغفار والتوبة فعلاجه ﷺ ، قوله: ﴿وأتبع السيئة الحسنة تمحها﴾ دل على ذلك القرآن الكريم؛ قال المولى سبحانه: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [آل عمران:١٣٣] انظر إلى الخطاب، لم يقل: تعالوا أو هلموا بل قال: سارعوا! يروى عنه ﵊ أنه سئل: كيف تكون الجنة عرضها السماوات والأرض؟ أين السماوات والأرض والجنة عرضها السماوات والأرض؟ فقال: أين الليل إذا أتى النهار؟ وهذا قياس صحيح أصلي مطرد، أين الليل إذا أتى النهار؟ قال: ﴿وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ * الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [آل عمران:١٣٣ - ١٣٤] فمن يكظم ويعفو ويحسن يدخل الجنة، لكن انظر ما قال بعد ذلك: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ * أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ﴾ [آل عمران:١٣٥ - ١٣٦] سبحان الله! يدخلون جنة عرضها السماوات والأرض وهم يرتكبون الفواحش، هذا يجعل الإنسان بلحمه ودمه يفرح ويضحك؛ لأنه يفعل الفاحشة ولكنه يدخل الجنة!! وفي الصحيحين عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : ﴿أذنب عبد ذنباً فقال: يا رب! أذنبت ذنباً فاغفر لي فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت فغفر الله له، ثم أذنب ذنباً فقال: يا رب اغفر لي فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت فغفر له، فأذنب ذنباً فقال: يا رب! اغفر لي ذنوبي فإنه لا يغفر الذنب إلا أنت، قال الله: علم عبدي أنه لا يغفر الذنوب إلا أنا، فليفعل عبدي ما شاء﴾. هذا في الصحيحين بهذا اللفظ، والمعنى عند أهل العلم حتى لا يفهم فهماً خاطئاً معناه كما قال النووي: إن عبدي ما دام أنه كلما أذنب تاب واستغفر فإنه سوف ينجو، أو أنها حادثة عين لسر رآه الله في ذلك العبد، وليس المعنى: أن العبد مهما كان يذنب الذنوب فإن الله سوف يغفر له هذا لا يكون، ومن فعل ذلك أو ظن ذلك أو اعتقد ذلك فقد تمنى على الله الأماني، والله يقول: ﴿لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ وَلا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيّاً وَلا نَصِيراً﴾ [النساء:١٢٣]. سهر ابن عباس ليلة كاملة يقرأ من صلاة العشاء إلى صلاة الفجر في الحرم ويردد قوله تعالى: ﴿لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ وَلا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيّاً وَلا نَصِيراً﴾ [النساء:١٢٣]. قال عطاء: والله لقد رأيت إلى جفنيه كشراك النعلين الباليين من البكاء، لأنه يفهم القرآن. ورأيت في سيرة أبي بكر ﴿أن الرسول ﷺ قرأ عليه الآية والصحابة جلوس، فتلا قوله : ﴿لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ وَلا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيّاً وَلا نَصِيراً﴾ [النساء:١٢٣] فتماط أبو بكر حتى سمع لظهره أطيط، قال: ما لك يا أبا بكر غفر الله لك؟ قال: يا رسول الله! كيف العمل بعد هذه الآية؟ أي كيف النجاة؟ قال: غفر الله لك يا أبا بكر! ألست تمرض؟ قال: بلى يا رسول الله! قال: فوالذي نفسي بيده لا يصيب المؤمن من هم ولا وصب ولا غم ولا حزن ولا مرض حتى الشوكة يشاكها إلا كفر الله له بها من سيئاته﴾.

стр. 6095

فضل الاستغفار وفي الترمذي -والسند ليس بقوي-: ﴿ما أصر من استغفر ولو عاد في اليوم سبعين مرة﴾ ومعناه صحيح لكن سنده ليس بقوي؛ فإن العبد لو ارتكب ذنباً في يوم ثم استغفر وتاب على ألا يعود غفر الله له، ثم إن عاد فكتب عليه الذنب، ثم استغفر وتاب يغفر الله له، ثم إن عاد ثم استغفر وتاب وجزم غفر الله له وهكذا. وليس المعنى أن يضحك على الله كما يضحك على الصبيان، ويلعب على الله كما يلعب على الولدان، فإن بعضهم يقول: أذنب ثم أتوب، فإذا غفر لي أذنبت ثم تبت ثم يغفر لي وهكذا، وهذا من ذكاء بعض الجهلة. يروى في بعض المناطق أن بعض الجهلة في رمضان، كانوا صياماً، ومن جهلهم على الله ، وقلة فقههم في الدين أن نزل منهم اثنان في غدير، واشتد عليهم الحر في الظهيرة وهم صيام في رمضان، فنزل أحدهم وأدخل رأسه ثم أدخل جسمه، ثم لما نزل في أسفل الغدير شرب، وخرج وقال لزميله: الله لا يعرف حيل الرجال! وروى الطبراني وفي سنده ضعف، عن عائشة قالت: قال حبيب بن الحارث يا رسول الله! إني رجل مقراف للذنوب -أي: من طبيعتي أن أقترف الذنوب- وهذا تجده في الإنسان، والله هو الذي خلق الأنفس ، لأنه يقول: ﴿إِنَّ رَبَّكَ وَاسِعُ الْمَغْفِرَةِ هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ إِذْ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ﴾ [النجم:٣٢] فهو أعلم بنا سبحانه. قال: ﴿يا رسول الله! إني رجل مقراف للذنوب. قال: تب إلى الله. قال: فأعود. قال: تب إلى الله. قال: فأعود. قال: تب إلى الله. قال: إلى متى يا رسول الله؟ قال: حتى يكون الشيطان هو المحسور﴾. وأما حديث: ﴿التائب من الذنب كمن لا ذنب له﴾ فقد رواه ابن ماجة وحسنه حافظ الدنيا ابن حجر بشواهده، وشرح هذا الحديث ابن تيمية في مختصر الفتاوى وأيده وقبل الكلام، وكأنه -والله أعلم- يتحمس لمعناه، ومعناه صحيح، فإنه من تاب من الذنب فهو كمن لا ذنب له.
следующие страницы →