← Джавами‘

Джавами‘ · id 7708

دروس الشيخ عائض القرني

عائض القرني

Полный текст (10 391 стр.). Показаны 6126–6165 · переход к 6131.

стр. 6126

لقيا موسى ﵇ الخضر نعم! فلما فقد الحوت، عاد فرأى الخضر ﵇ فسلم عليه، يقول الله في تعريف الخضر: ﴿فَوَجَدَا عَبْداً مِنْ عِبَادِنَا آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَعَلَّمْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْماً﴾ [الكهف:٦٥] علمٌ بلا رحمة قسوة وجبروت، ورحمةٌ بلا علم جهلٌ وتردي، فجمع الله للخضر الاثنين، رحمةٌ وعلم، فالذي ليس عنده علم وعنده رحمة ضعيف، والذي عنده علمٌ بلا رحمة جبار، والذي ليس عنده علمٌ ولا رحمةٌ ضائعٌ ضالٌ في الحياة الدنيا وفي الآخرة. فسلم عليه موسى، فقال الخضر: من أنت؟ قال: أنا موسى. قال: موسى بني إسرائيل؟ قال: نعم. قال: ماذا أتى بك؟ قال: ﴿قَالَ لَهُ مُوسَى هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْداً﴾ [الكهف:٦٦] ما أحسن العرض! وما أحسن الأدب! ما قال: أرافقك، ولا أصاحبك، ولكن عرض نفسه هل ترى ذلك مجدياً؟ أتبعك فأكون تلميذاً وخادماً أتعلم منك، فيقول الخضر ﵇ لموسى، وهو يعرف قوة موسى، وصراحة موسى: ﴿قَالَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً * وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلَى مَا لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْراً﴾ [الكهف:٦٧ - ٦٨]. يقول: أنت سوف يظهر لك أمور لن تصبر أمامها؟ ولن تقف أمامها صابراً؟ قال موسى ﵇: ﴿قَالَ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ صَابِراً﴾ [الكهف:٦٩] ولا يصبر الصابر إلا بعون الله، ولا يوفق الموفق إلا بهداية الله، فلذلك استلهم رشد الله: يا حافظ الآمال أنتت حميتني ورعيتني وعدا الظلوم علي كي يجتاحني فمنعتني فانقاد لي متخشعاً لما رآك نصرتني والله يقول لرسوله ﵊: ﴿وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ﴾ [النحل:١٢٧]. قال: ﴿قَالَ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ صَابِراً وَلا أَعْصِي لَكَ أَمْراً﴾ [الكهف:٦٩] ولكنه لم يصبر ﵇. وكان رسولنا ﷺ يتابع القصة بلهفٍ وبإصغاءٍ وبشوقٍ وفي الأخير لما قال الخضر: ﴿قَالَ هَذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ﴾ [الكهف:٧٨] تبسم رسولنا ﷺ ، وقال: ﴿رحم الله موسى، وددنا أنه صبر حتى يقص علينا من نبأهما﴾. قال الخضر: ﴿قَالَ فَإِنِ اتَّبَعْتَنِي فَلا تَسْأَلْنِي عَنْ شَيْءٍ حَتَّى أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْراً﴾ [الكهف:٧٠]. فمشيا وركبا في السفينة، ومر عصفور فشرب من الماء، فقال الخضر لموسى متواضعاً لجلال الله ولعظمة الله ولعلم الله: يا موسى! ما علمي وعلمك في علم الله إلا كما نقص هذا العصفور لما شرب من هذا البحر؛ فأي نقصان أصاب البحر لما أدخل هذا العصفور منقاره فشرب من الماء.

стр. 6127

بداية سفر موسى ﵇ مع الخضر ومشيا في السفينة، ولما رأى ربان السفينة هذا الرجل الصالح والرسول النبي ورأى الجلالة والنور والوقار رفض أن يأخذ أجراً، وأن يأخذ أعطية على الركوب، فركبا وموسى ينظر في الخضر، فأول شيء قدمه أن أخذ ينزع خشب السفينة، ويكسره، ويلعب فيها، فيقول موسى: ﴿أَخَرَقْتَهَا لِتُغْرِقَ أَهْلَهَا لَقَدْ جِئْتَ شَيْئاً إِمْراً﴾ [الكهف:٧١]. يقول: ما لك تتصرف في مال الناس! أناس أركبونا بلا أجرة، ورعونا، وأحسنوا فينا، ثم تقدم على هذا العمل، أما قال في أول القصة: ﴿إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً﴾ [الكهف:٦٧] إن موسى رجلٌ جرئ، شجاع، يتقدم المواقف العظيمة، لقي الله في طور سيناء، فكلم رب العزة من فوق سبع سموات، فما كفاه هذا التشريف حتى قال: ﴿رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ﴾ [الأعراف:١٤٣] فهو دائماً رجل مجادلة في الحق، وشجاعة وإقدام. فقال الخضر لما اعترض عليه: ﴿قَالَ أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً﴾ [الكهف:٧٢] يقول: أما ذكرتك أن تستمع للدرس ولا تقاطع المحاضرة حتى تنتهي، فإذا انتهيت فأورد ما عندك من إشكالات، فيقول موسى مستحياً معتذراً: ﴿لا تُؤَاخِذْنِي بِمَا نَسِيتُ وَلا تُرْهِقْنِي مِنْ أَمْرِي عُسْراً﴾ [الكهف:٧٣]. يتبسم ابن عباس المفسر العظيم، الصحابي الجليل، ويقول: [[كانت الأولى من موسى نسياناً]] نسي في الأولى، فانطلقا؛ فلما نزلا من البحر مرَّا بقرية من القرى فإذا شباب يلعبون، وفتية يلهون، فتقدم الخضر إلى غلامٍ منهم فصرعه في الأرض، ثم ذبحه بالسكين، وقيل: فصل رأسه عن أكتافه، فثار دم موسى ووقف أمامه، وقال: ﴿أَقَتَلْتَ نَفْساً زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ لَقَدْ جِئْتَ شَيْئاً نُكْراً﴾ [الكهف:٧٤] سامحناك في الأولى، وتغاضينا عنك، وصبرنا، ثم أتيت إلى نفسٍ معصومة فأزهقتها، ﴿لَقَدْ جِئْتَ شَيْئاً نُكْراً﴾ [الكهف:٧٤] لا تطيقه القلوب أبداً، فقال الخضر له: ﴿أَلَمْ أَقُلْ لَكَ﴾ [الكهف:٧٥] وزاد (لَكَ) الجار والمجرور؛ ليذكره مرة ثانية بالعمل، ﴿أَلَمْ أَقُلْ لَكَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً﴾ [الكهف:٧٥] فيستحي موسى ﵇، ويراجع حسابه، ويقول معتذراً: ﴿قَالَ إِنْ سَأَلْتُكَ عَنْ شَيْءٍ بَعْدَهَا فَلا تُصَاحِبْنِي قَدْ بَلَغْتَ مِنْ لَدُنِّي عُذْراً﴾ [الكهف:٧٦] وتقف الأمور على الضربة الثالثة. فانطلقا ودخلا قرية مع الظلام، وكانت القرية بخيلة، لا تطعم ضيفها، ولا تسقي الظمآن إذا ورد فيها، ولا ترحب بوافدها، والقرى تختلف اختلافاً عظيماً، والله هو الذي يكسب الجود لأهل الجود، ويعطي الكرم لأهل الكرم، ويكتب البخل لأهل البخل. دخل النبي موسى ﵇، الذي ذكره الله في كتابه، معه الخضر ﴿اسْتَطْعَمَا أَهْلَهَا﴾ [الكهف:٧٧] زيادة في بخل هذه القرية طلب الإطعام، يقولان: أطعمونا فإننا مسافرون، جهدنا، جعنا، لكن قرية لا يظفر نازلها: إني نزلت بكذابين ضيفهمُ عن القرى وعن الترحال محدودُ جود الرجال من الأيدي وجودهمُ من اللسان فما كانوا ولا الجودُ فامتنعت البيوت أن تضيف النبيين الكريمين الصالحين، فنزلا في مكان في طريق، ورأى الخضر جداراً يريد أن يميل، فقال لموسى عاوني لأبني هذا الجدار، فيقول موسى: يا سبحان الله! قرية لم تطعمنا، تبني جدارها، وسفينة أركبونا بلا عطية خربتها، فقام الخضر فبنى الجدار، وقال لموسى: ﴿هَذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ مَا لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيْهِ صَبْراً﴾ [الكهف:٧٨] وقبل أن نستمع إلى شرح الخضر لموسى قبل أن يفارقه، نعيش لحظات مع موسى وهو يترك بني إسرائيل ليتعلم العلم النافع، العلم الموروث من رب العزة ﵎. والدرس الثاني: شرف العلم قال الله وقال رسوله ﷺ . والدرس الثالث: ما موقفنا نحن كأمة؛ أمة رائدة، تقود معالم التوحيد، وتريد إعطاء البشرية نورها، وتريد حياتها، وتريد مجدها، الكتب طبعت لدينا، وحققت ونشرت.

стр. 6128

اجتهاد السلف في طلب العلم وتحصيله

стр. 6129

أحمد بن حنبل وكتابه المسند مسند الإمام أحمد بقي في جمعه أربعين سنة لا يهدأ له بال، ولا يرتاح له حال، دخل مصر والعراق والشام وخراسان والحجاز وصنعاء اليمن وجمع مسنده حديثاً حديثاً، وصححه وعلله، وجمع طرقه بالأسانيد، ثم جمعه لدينا، وهو في أدراجنا وفي رفوفنا، فهل عنت لنا الهمم أن نقرأ ولو قراءة؟! نقرأ تحت الظل الوارف، ومع الماء البارد، لا سافرنا، ولا تعبنا، ولا أظنينا رحالنا.

стр. 6130

رحلة إسحاق الكوسج لطلب العلم أحد علماء السلف؛ إسحاق الكوسج: سافر إلى خراسان، وأتاه وهو في خراسان مطرٌ عظيم وهو في الصحراء، وكتبه معه التي جمعها في عشر سنوات، فقال: يا ربِ! هذه كتبي تعبت عليها، والمطر الآن ينزل عليها فيمحو كتابتها، يا ربِ! أتضيع جهودي في عشر سنوات؟!! فلما صحا الجو، وكف القطر أخذ يبحث عن كتبه فما وجد حرفاً منها أصابه بلل، ووجد الدنيا من حوله تسيل بالسيول، ولما توفي رآه الصالحون في المنام، قالوا: ما فعل الله بك؟ قال: غفر لي. قالوا: بماذا؟ قال: بتلك الليلة التي أصابني فيها المطر.

стр. 6131

الجدية في طلب العلم عند ابن المبارك وعبد الله بن المبارك وقف مع شيخه من صلاة العشاء يسائله إلى صلاة الفجر حتى فصل بينهما المؤذن، فقال له تلاميذه: لو أنك أرحت نفسك؟ قال: لو وقفت شهراً كاملاً في مسألة ما أنصفتها، أولئك الذين قال الله فيهم: ﴿رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾ [البينة:٨] يوم طلبوا العلم لوجه الله؛ فأثمروا وتركوا تراثاً خالداً، فكان لهم قدوة رسول الهدى ﷺ ، يوم قال الله له: ﴿وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْماً﴾ [طه:١١٤] فأخذ يتعلم ﷺ ، وأخذ يحث أصحابه على طلب العلم، وعلى الفائدة. فيا عباد الله يقول الرسول ﷺ : ﴿من يرد الله به خيراً يفقهه في الدين﴾ من يرد الله به خيراً وهدايةً وتوفيقاً يعلمه المسائل في الدين؛ فيعرف كيف يبصر، لأن الغشاوة تزول عنه بطلب العلم: يا متعب الجسم كم تسعى لراحته أتعبت جسمك فيما فيه خسران أقبل على الروح واستكمل فضائلها فأنت بالروح لا بالجسم إنسان يا جامعاً لغرور المال تجمعه أقصر فإن غرور المال أحزان وفقنا الله وإياكم لما يحبه ويرضاه، وعلمنا الله وإياكم علماً نافعاً، وعملاً صالحاً، وجعلنا من ورثة الأنبياء والمرسلين الذين يريدون الله والدار الآخرة. أقول ما تسمعون، وأستغفر الله العظيم الجليل لي ولكم ولجميع المسلمين، فاستغفروه وتوبوا إليه إنه هو التواب الرحيم.

стр. 6132

أجوبة الخضر لما حصل منه الحمد لله رب العالمين ولي الصالحين، ولا عدوان إلا على الظالمين، والصلاة والسلام على سيد المرسلين، وإمام المتقين، وقدوة الناس إلى ربهم أجمعين، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. أمَّا بَعْد: فقبل أن يفارق موسى ﵇ الخضر، يتوقف معه الخضر؛ ليخبره بأجوبة الاستشكالات التي مرت في الرحلة، ويجيب على الأسئلة المضنية التي حيرت موسى ﵇، وجعلته يحتج دائماً وينكر ويتردد في هذا العمل الذي يقوم به الخضر. قال الخضر ﵇: ﴿قَالَ هَذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ مَا لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيْهِ صَبْراً﴾ [الكهف:٧] واسمع إليها مسألة مسألة: أما السفينة يوم خرقت السفينة وأعدمتها: ﴿فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَهَا وَكَانَ وَرَاءَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْباً﴾ [الكهف:٧٩] هذا سرُّ المسألة يا موسى، لما ركبنا في السفينة كانت لمساكين، وكان هؤلاء المساكين يعملون عليها، وعند الشاطئ وعلى الساحل ملكٌ ظالمٌ جبار، يقف بالمرصاد للسفن، فكل سفينة أعجبته أخذها، وسلبها، واغتصبها، فأردتُ أن أعيبها بعض العيب، حتى لا يأخذها ذاك الظالم، عيبٌ لا يعطلها، ولا ينقص قيمتها، ولا يعطل رحلتها، فهل سمعت يا موسى أن هذه حكمة؟ فقنع موسى. قال: ﴿وَأَمَّا الْغُلامُ فَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤْمِنَيْنِ فَخَشِينَا أَنْ يُرْهِقَهُمَا طُغْيَاناً وَكُفْراً * فَأَرَدْنَا أَنْ يُبْدِلَهُمَا رَبُّهُمَا خَيْراً مِنْهُ زَكَاةً وَأَقْرَبَ رُحْماً﴾ [الكهف:٨٠ - ٨١]. أما الغلام الذي اعتديت عليه في الظاهر، والذي قتلته وأعدمته؛ فهذا غلامٌ ينشأ كافراً فاجراً، ينشأ عنيداً لله، كافراً بلا إله إلا الله، عاقاً لوالديه، فخشيت إذا نشأ على هذه النشأة أن يقحم أبويه في الكفر، وأن يخرج أبويه من الإسلام إلى الجاهلية، وأن يكون سبباً في إدخال أبويه النار ﴿فَأَنْذَرْتُكُمْ نَاراً تَلَظَّى * لا يَصْلاهَا إِلَّا الْأَشْقَى﴾ [الليل:١٤ - ١٥] فأردت أن أقتله لعلَّ الله أن يُبدل الأبوين شاباً تقياً، وفتىً ورعاً؛ يكون مؤمناً بالله، ساجداً لله، معترفاً بلا إله إلا الله، فاقتنع موسى. قال: ﴿وَأَمَّا الْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ وَكَانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ لَهُمَا وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحاً فَأَرَادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا وَيَسْتَخْرِجَا كَنْزَهُمَا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي ذَلِكَ تَأْوِيلُ مَا لَمْ تَسْطِعْ عَلَيْهِ صَبْراً﴾ [الكهف:٨٢]. هذا الجدار يريد أن ينقض، وإذا انهدم الجدار؛ خرج الكنز الذي تحت الجدار فأخذه الناس، والجدار هذا ليتيمين، والكنز ليتيمين، والسر أن أباهما كان صالحاً، فانظر إلى رب العزة كيف حفظ هؤلاء الأبناء لصلاح والدهم. ألا لتعلم أن الأب إذا كان صالحاً أصلح الله ذريته، وأصلح الله كل من يمون عليه. ألا تعرف أن الصالح تجري بركته في الذرية، قال تعالى: ﴿ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [آل عمران:٣٤]. ألم تعلم أن الفاجر يجري فجوره في ذريته، ويكون شؤماً على أولاده، وأولاد أولاده إلا أن يعصمهم الله ويتولاهم، فبنى الجدار، وهذا إرادةٌ من الله. لكن قبل أن ننتهي، انظر إلى الخضر يوم قال في السفينة: ﴿فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَهَا وَكَانَ وَرَاءَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْباً﴾ [الكهف:٧٩]. وقال في الغلام: ﴿فَأَرَدْنَا أَنْ يُبْدِلَهُمَا رَبُّهُمَا خَيْراً مِنْهُ زَكَاةً وَأَقْرَبَ رُحْماً﴾ [الكهف:٨١]. وقال في الجدار: ﴿فَأَرَادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا﴾ [الكهف:٨٢]. فكيف تغيرت الإرادة؛ في السفينة أردت، وفي الغلام أردنا، وفي اليتامى فأراد ربك؟ إنه أدب مع الله: أما السفينة فظاهرها الخراب، واستحيا أن يقول لموسى: فأراد الله، أو أردنا، فقال: فأردت أنا لأنني أنا الذي خربت وليس الله، وهذا أدبٌ مع الله. وأما في الغلام ففيه مصلحة ومفسدة في الظاهر، فنسب المصلحة إلى الله والفساد إلى نفسه، فقال: فأردنا. وأما الجدار فصلاحٌ كله، فنسب الصلاح إلى الله، فقال: فأراد ربك. وهذا أدب مع الله، عرفه حتى الجن، فإنهم قالوا في سورة الجن: ﴿وَأَنَّا لا نَدْرِي أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَنْ فِي الْأَرْضِ أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَداً﴾ [الجن:١٠] والذي يريد الشر هو الله يكتبه ، ويكتب الخير لكن تأدبوا مع الله، فقالوا: أريد بهم، وقالوا في الخير: ﴿أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَداً﴾ [الجن:١٠]. وانظر إلى إبراهيم ﵇ يوم ذكر الحياة والإطعام، والشفاء إلى الله، ولما أتى إلى المرض فاستحيا من الله، فقال: ﴿وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ﴾ [الشعراء:٨٠]. فما أحسن الأدب! وفارق التلميذ شيخه، وتوادعا، وعاد موسى متعلماً رائداً في رحلة المغامرة، وفي رحلة طلب الحق والعلم والذكر، وكان محقاً البخاري ﵀ يوم قال: (باب: السفر في البحر لطلب العلم) فإن كان هذا في البحر ففي البر أولى. فيا أيها المسلمون! أدعوكم ونفسي لطلب العلم، وحضور مجالس الذكر، والتفقه في الدين، والسؤال، فإن الله عزوجل لا يهلك أحداً حتى يعلمه ويبصره، فمن أراد الحياة أحياه، ومن أراد الهلاك أهلكه: ﴿ومن يرد الله به خيراً يفقهه في الدين﴾. عباد الله! صلوا وسلموا على من أمركم الله بالصلاة والسلام عليه، فقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ [الأحزاب:٥٦] وقد قال ﷺ : ﴿من صلى عليَّ صلاة واحدة صلى الله عليه بها عشراً﴾ اللهم صلِّ وسلم على نبيك وحبيبك محمد، واعرض عليه صلاتنا وسلامنا في هذه الساعة المباركة يا رب العالمين. وارض اللهم عن أصحابه الأطهار؛ من المهاجرين والأنصار، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وعنا معهم بكرمك ومنِّك يا أكرم الأكرمين. اللهم اجمع كلمة المسلمين، ووحد صفوفهم، وخذ بأيديهم لما تحبه وترضاه يا رب العالمين. اللهم أصلح شباب المسلمين، اللهم ردهم إليك رداً جميلاً، اللهم كفِّر عنهم سيئاتهم وأصلح بالهم، وأخرجهم من الظلمات إلى النور، واهدهم سبل السلام، برحمتك يا أرحم الراحمين. اللهم أصلح أئمتنا وولاة أمورنا، واجعل ولايتنا في عهد من خافك واتقاك واتبع رضاك برحمتك يا أرحم الراحمين. اللهم انصر المجاهدين في كل مكان؛ الذين يجاهدون لإعلاء كلمتك، ولرفع رايتك، ولتأييد سنة نبيك ﵊. اللهم بعلمك الغيب، وبقدرتك على الخلق، أحينا ما كانت الحياة خيراً لنا، وتوفنا إذا كانت الوفاة خيراً لنا. اللهم إنا نسألك خشيتك في الغيب والشهادة، ونسألك كلمة الحق في الغضب والرضا، ونسألك القصد في الغنى والفقر، ونسألك لذة النظر إلى وجهك، والشوق إلى لقائك في غير ضراء مضرة ولا فتنة مضلة برحمتك يا أرحم الراحمين. ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين. ربنا آتنا في الدنيا حسنة، وفي الآخرة حسنة، وقنا عذاب النار. سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين.

стр. 6133

اللهم اهدنا في من هديت أعظم عطاء يعطيه الله للإنسان هو الهداية إلى الطريق المستقيم، وفي هذا الدرس فوائد عظيمة مستنبطة من قول النبي ﷺ : (اللهم اهدنا فيمن هديت). وتعرض الشيخ إلى ذكر أقسام الهداية وطرقها، وبيان الحكمة من طلب النبي ﷺ الهداية من ربه مع أنه سيد المهتدين، إلى غير ذلك من المسائل.

стр. 6134

وقفات مع الحسن بن علي إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم تسليماً كثيراً. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. أحييكم بعد طول انتظار وشوقٍ إلى أنفاسكم الغالية، وإلى مجالسكم المرفوعة بذكر الله : يا من يعز علينا أن نفارقهم وجداننا كل شيء بعدكم عدمُ إذا ترحلت عن قومٍ وقد قدروا أن لا تفارقهم فالراحلون همُ عنوان هذه المحاضرة "اللهم اهدنا فيمن هديت" وهي من كلام القائد محمد ﵊، كلماتٌ غالية نستمع إليها بشوقٍ ولهفة، وننتظرها وكلنا -يعلم الله- قطرات من الدم على مسيرته الغالية ﷺ . أما الحديث فرواه أحمد وأهل السنن: أبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجة والدارمي والحاكم، قال: ﴿علمني رسول الله ﷺ دعاءً أدعو به فقال: قل: اللهم اهدني في من هديت، وعافني في من عافيت، وتولني في من توليت، واصرف عني شر ما قضيت، إنك تقضي ولا يقضى عليك، إنه لا يعز من عاديت، ولا يذل من واليت، تباركت ربنا وتعاليت﴾ وزاد الحاكم: ﴿اللهم صلِّ على النبي ﷺ ﴾. وفي الحديث أربعٌ وعشرون مسألة: أولها: من هو الحسن؟ ثانيها: "اللهم" ومعناها عند أهل العلم. ثالثها: "اهدني" وكيف يطلب الهداية ﵊. وأقسام الهداية، والهداية العامة والخاصة. رابعها: كيف يطلب ﷺ الهداية وقد اهتدى بهداية الله؟ خامسها: الهداية المجملة والهداية المفصلة. سادسها: طرق الهداية وكيف يصل العبد إلى الله. سابعها: لا يهتدي العبد إلا على يد الرسل عليهم الصلاة والسلام. ثامنها: قوله سبحانه: ﴿وَلَوْ شِئْنَا لَآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا﴾ [السجدة:١٣]. تاسعها: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ﴾ [الأعراف:٤٣]. عاشرها: ما معنى "وعافنا في من عافيت" وما هو العفو؟ الحادية عشرة: ﴿وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ﴾ [آل عمران:١٣٤] من هم؟ الثانية عشرة: معنى: ﴿عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ﴾ [التوبة:٤٣]. الثالثة عشرة: معنى: ﴿اللهم إني أسألك العفو والعافية﴾. الرابعة عشرة: "وتولني في من توليت" من هم أولياء الله؟ وما هي صفاتهم؟ وما هي سماتهم؟ الخامسة عشرة: بم تنال الولاية؟ السادسة عشرة: صفات الأولياء. السابعة عشرة: قوله ﵊ "وبارك لي فيما أعطيت". الثامنة عشرة: "وقني شر ما قضيت" هل ينسب الشر إلى الله عند أهل السنة؟ ومن الذي كتب الشر على الناس؟ وهل يقدر الله الشر؟ التاسعة عشرة: معنى "إنك تقضي ولا يقضى عليك" لا معقب لحكمه سبحانه. العشرون: "إنه لا يذل من واليت" ما هي الذلة؟ وما الفرق بين قوله ولا يذل وبين قوله: ﴿أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ [المائدة:٥٤]؟ الحادية والعشرون: رواية النسائي والبيهقي زادت "ولا يعز من عاديت". الثانية والعشرون: "تباركت ربنا وتعاليت" ما هي البركة؟ وهل يقال للعبد: تباركت؟ وهل فيها اشتقاق أم لا؟ الثالثة والعشرون: زاد النسائي "وصلِّ على النبي ﷺ ". الرابعة والعشرون: زاد الحاكم وابن حبان: ﴿علمني رسول الله ﷺ في وتري إذا رفعت رأسي ولم يبق إلا السجود أن أقول هذا الدعاء﴾. أما راوي الحديث فهو الحسن بن علي بن أبي طالب، جده رسول الله ﵊، وأبوه علي بن أبي طالب، وأمه فاطمة الزهراء البتول، والحسن بن علي سيد الجماعة، وهو الذي دفع الفرقة عن المسلمين، والذي كف سيف القتل قبل أن يودي بحياة الألوف المؤلفة فيما بعد صفين. حسن الذي صان الجماعة بعدما كادت سيوف المؤمنين تثلمُ من جده حمل الشريعة وابتنى صرح العدالة لا يضرجه دمُ يقول أحد الناظمين: وقسموا الحديث عن جد الحسن إلى صحيحٍ وضعيفٍ وحسن فـ الحسن هذا هو الحسن بن علي، أدرك الرسول ﵊ ومات ﵊ وعمر الحسن خمس سنوات، منظر الرسول ﷺ في دمه وعينيه وقلبه: من زار بابك لم تبرح جوانحه تروي أحاديث ما أوليت من مِننِ فالعلم عن قرة والكف عن صلةٍ والقلب عن جابرٍ والسمع عن حسنِ

стр. 6135

النبي يمنع الحسن بن علي من أكل الصدقة رباه ﷺ على الطهر وفطرة الله، أتى يأكل تمرة -والحديث في الصحيحين - من تمر الصدقة، وتمر الصدقة لا يحل لأهل البيت؛ لأن أهل البيت أطهار أبرار لا يأكلون أوساخ الناس، فأتى يأكل التمر فقال ﷺ : ﴿كخْ كخْ﴾ ولفظها المحدثون: كخٍ كخٍ ولفظها أهل اللغة كخٍ كخْ، يعني: اترك اترك، فالتفت الطفل إلى جده سيد البشرية، قال: ﴿أما تعلم أن الصدقة لا تحل لنا، إنما هي أوساخ الناس﴾.

стр. 6136

الحسن يصلح بين فئتين من المسلمين كان يخطب ﵊ -والحديث في صحيح البخاري من حديث أبي بكرة ﵁ كان يخطب ﷺ الجمعة واندفع يتحدث في الخطبة فأتى الحسن -هذا السيد سيد الجماعة- وعمره خمس سنوات وثوبه طويل يعثر بين الصف تارة ويقوم تارة، ولا يلتفت له المصلون؛ لأنهم كلهم آذانهم للمصطفى ﷺ ، فنزل ﷺ من على المنبر، وتخطى الصفوف، واحتضن الحسن وقبَّله ووضعه بجانبه، وقال وهو يتبسم ويلتفت إلى الجماهير: ﴿إن ابني هذا سيد، وسيصلح الله به بين فئتين عظيمتين من المسلمين﴾. فصحت نبوته ﵊ فنشأ سيداً مطاعاً، فلما التقى جيش العراق مائة ألف وجيش الشام ثمانون ألفاً، والسيوف مصلتة والرماح، يريد الحسن ومعاوية الخلافة، قام الحسن فتنازل بالخلافة إلى معاوية فبيض الله وجهه. هذا هو الحسن الذي صان الجماعة، وجمع الكلمة، وابتنى داراً عند الله بتنازله، عن ملك الدنيا: ﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى﴾ [الضحى:٥]. كان ﷺ -كما في الحديث الصحيح- والحسن على ميمنته والحسين على ميسرته فيقبِّل هذا تارة ويقبِّل هذا تارة، ويقول: ﴿اللهم إنهما ريحانتاي من الدنيا﴾. هذا الحسن بن علي ﵁ وأرضاه يروي هذا الحديث وله أحاديث ملاح حسان؛ لأنه ما استمر به الحال فيروي كثيراً، وله حديث: ﴿دع ما يريبك إلى ما لا يريبك﴾ ويروي أيضاً هذا الحديث البديع الذي معنا هذه الليلة.

стр. 6137

معنى قوله: (اللهم) أما قوله (اللهم) فأصلها ياألله، حذفت ياء النداء، وأضيفت الميم اختصاراً واستدراجاً في الدعاء، حتى تكون لذيذة: إني إذا ما حادث ألما أقول يا اللهم يا اللهما ولفظ الجلالة (الله) هو أعظم اسم لله، قالوا: هو الاسم الأعظم، والصفات تضاف إليه، فيقال: الله القدير، الله الرحمن، الله الرحيم، وابتدأ به في كتابه فقال: باسم الله، ولا تعرف العرب هذا الاسم في لغتها، وقيل مشتق وقيل جامد، ولا يهمنا إلا أنه اسم وعى المحاسن والفواضل، والصفات العظيمة. أتى إليه سيبويه في الكتاب العظيم: الكتاب فقال: الله: لفظ الجلالة علم لا يحتاج إلى تعريف، قالوا: فغفر الله له بهذا التعريف، فالله مجمع المحاسن. ومما اشتق، قيل: من ولَهَ، إذا تحير، لأن العقول تحتار في الله، فيصل العقل إلى درجة أن يحتار، فالعقول مشدوهة أمام قدرة الباري . وقيل: من أله إذا سكن واطمأن: ﴿أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ [الرعد:٢٨] فلا تطمئن القلوب إلا إلى الواحد الأحد، ولا تطمئن إلى غيره، لا إلى مال أو منصب أو عشيرة، ولكن تطمئن إلى الله . وقيل: إنه غير مشتق وإنه ركب هكذا وسمي به ، فهذا الاسم. (وقل: اللهم): يعني ياألله، يا ذا الجلال والإكرام، ويا ذا المحاسن. وقيل: يا من تألهه القلوب، وقيل: يا من يستحق العبادة، وكان ابن عباس يقرأ في القرآن: ﴿وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ﴾ [الأعراف:١٢٧] وهذه هي القراءة المشهورة: وقرأ ابن عباس: ﴿وَيَذَرَكَ وَإلاهَتَكَ﴾ [الأعراف:١٢٧] وإله وآلهة مما يعبد، فالله هو المستحق للعبادة ليس إلا هو، وبعث الأنبياء لإثبات العبادة لله، فتوحيد الأنبياء الذي اجتمعوا عليه، هو توحيد الألوهية؛ لأن الأمم أخفقت في توحيد الألوهية، وتوحيد الأسماء والصفات، والربوبية بعضهم أو جملتهم يقرون به.

стр. 6138

أمور تتعلق بالهداية قوله ﷺ : (اهدني).

стр. 6139

الهداية عامة وخاصة أولاً: الهداية عامة وخاصة. فأما الهداية العامة فهي هداية الخلق للخليقة: أن يهدي الله كل مخلوق لما يريده ويحتاجه، فهدى الطفل لثدي أمه، والنملة إلى جحرها، والنحلة إلى خليتها، والطائر أن يأخذ رزقه، والثعبان أن يعيش، والسمك ألا يخرج من الماء، وهدى كل شيء، ولذلك احتج موسى ودمغ فرعون بهذه الكلمة: ﴿قَالَ فَمَنْ رَبُّكُمَا يَا مُوسَى * قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى﴾ [طه:٤٩ - ٥٠] قال الزمخشري: لله دره من جواب. إذ لم يأت له بكلام مشترك، إذ لو قال: ربي عليم، لقال فرعون: وأنا عليم؛ لأن صفة العلم صفة مشتركة بين الخالق والمخلوق، والله أعظم . لكن قال: ﴿قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى﴾ [طه:٥٠] فهذه هداية عامة للخليقة، حتى تجد الكافر، يهتدي للأكل والنوم، ويهتدي لرفع الثدي لطفله، وهذا أمر مشترك. والهداية الخاصة: هداية المؤمنين، وهي الهداية إلى الصراط المستقيم: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ [الفاتحة:٦] الذي من معالمه: أنه موصل وقريب ومتعين ومسلوك، وله إمام وهو الذي نطالب الله بلهفة وحرارة في كل ركعة أن يهدينا الصراط المستقيم.

стр. 6140

لماذا يطلب الرسول الهداية ؟ والهداية يطلبها ﵊ وهذا فيه إشكال عند أهل العلم، قال بعضهم: لماذا يقول ﵊: اللهم اهدني، وقد هداه الله بل هدى به: إذا نحن أدلجنا وأنت إمامنا كفى بالمطايا طيب ذكراك حاديا بل هو مهدي ﵊ وهو الذي هدى الله به القلوب، ولذلك يقول : ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الشورى:٥٢] فلماذا يقول: اللهم اهدني؟ أما اهتديت أما وصلت المنزلة العلية؟! قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: وإنما يطلب ﵊ الهداية؛ لأن الهداية منازل ودرجات وأعلاها وآخرها: منزلة الوسيلة، التي يطمع ﷺ أن يبلغها وسوف يبلغها بإذن الله، ولذلك نقول نحن بعد الأذان: ﴿اللهم رب هذه الدعوة التامة والصلاة القائمة، آت محمداً الوسيلة والفضيلة، وابعثه اللهم المقام المحمود الذي وعدته إنك لا تخلف الميعاد﴾. فآخر ما يصل إليه هو هذه الدرجة، فهو يتمناها في كل لحظة. وجواب ثان: أن العبد يزداد هداية كل يوم، فالرسول ﵊ يطلب من الله أن يزيده هداية، فالهداية تتجزأ وهي درجات. وجواب ثالث: أن طرق الهداية كثيرة كعدد الأنفاس، وإذا لم يهدك الله في كل لحظة وحركة وسكنة؛ لا تهتدي، فيطلب ﵊ من ربه أن يهديه وأن يزيده هداية.

стр. 6141

الهداية المجملة والهداية المفصلة وهناك هدايتان، الهداية المجملة: أن يهتدي الإنسان للإسلام وأركان الإسلام والإيمان، فهذا مهتد في الجملة، مثل الأعراب والمقصرين من المؤمنين والأميين الذين لا يعلمون إلا مجمل الإسلام. والهداية المفصلة: هداية أولياء الله؛ الفقهاء في دينه، الذين يعلمون الحكم بدليله، ويعلمون جزئيات الدين، ويكتشفون أسرار الدين، فهذه هداية مفصلة. ومثلها كرجل رأى بيتاً فعرف البيت من خارجه، أبواب البيت ونوافذه ومخارجه ومداخله، فيقولون في هذا: هذا عرف البيت معرفة مجملة، أما المعرفة المفصلة فكأن تعرف طول البيت وعرضه وسمكه وارتفاعه، ومادته ومداخله الخارجية، وأبوابه الداخلية ودواليبه، فهذه هي الهداية المفصلة، فالدين مثل ذلك.

стр. 6142

الكتاب والسنة طريق الهداية وأما قوله: ما هي طرق الهداية؟ فليس للعبد في طرق الهداية إلا الآيات الشرعية التي أتت على يد الأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام، والهداية بالآيات الكونية؛ والآيات الكونية وحدها لا تكفي وقد عرف الكفار أن هناك رباً مدبراً خالقاً: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّه﴾ [لقمان:٢٥] وهذا لا يكفيهم حتى أتت الرسل فأخبرتهم أن هناك إلهاً محاسباً قديراً حكيماً رحيماً فهدوهم. ولذلك تساءل أبو المعالي الجويني صاحب علم الكلام وهو شافعي: ما هو أول واجب على المكلف؟ قال -وهذا في فتح الباري ينقله ابن حجر الجهبذ الحافظ- قال: أول واجب على المكلف النظر والاستدلال، أن ينظر في الكون وأن يقرأ معالم الوحدانية وكتابي الفضاء أقرأ فيه صوراً ما قرأتها في كتابي وهي قوله تعالى: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ [العلق:١] وقال سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز معلقاً على كلام هذا الرجل: لا. بل أول واجب على المكلف أن يقول: لا إله إلا الله محمد رسول الله، وهو الصحيح عند أهل السنة، لا النظر أو الاستدلال، لقوله ﵊ في الصحيحين: ﴿أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله، وأني رسول الله، ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة، فإن فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم﴾ فأول واجب: أن تقول: لا إله إلا الله محمد رسول الله. السابع: لا يهتدي العبد إلا على يد الرسل عليهم الصلاة والسلام، فلا يهتدي على يد المناطقة أو علماء الكلام أو الفلاسفة أو الأطباء أو مشايخ الصوفية ولكن: يهتدي عن طريق الرسل، وخاتمهم محمد ﵊، وهداية لا يأتي عليها خاتم المدنية وشارة محمد ﷺ وعلم أبي القاسم؛ فلا حياها الله ولا بياها، ونسبوا للأستاذ الشهرستاني، صاحب كتاب الفرق أنه تحير في آخر حياته، وقيل: هذا للبغدادي، وقيل لـ ابن الخطيب، الذي يهمنا أن أحد الثلاثة قال هذه الأبيات، لما حضرته الوفاة تحير؛ لأن علمه منطق وفلسفة، ليس فيه (قال الله وقال رسوله ﷺ فقال وهو نادم حائر: لعمري لقد طفت المعالم كلها وقلبت نفسي بين تلك المعالم فلم أر إلا واضعاً كف حائر على ذقن أو قارعاً سن نادم وقد رددت عليه ببيتين، والشهرستاني يسمى عند علماء الكلام الأستاذ، وكان مشهوراً، فكان إذا دخل خراسان يستقبلونه على مرحلتين، قلت: لعلك يا أستاذ زرت أحمدا رسول الهدى المبعوث من خير هاشم فوالله لو زرته الدهر مرة لما كنت نهباً للقصور القشاعم واجتمع البطائحية بشيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ فقالوا: تعال نعلمك من علومنا، قال: لا. علم لا يخرج من كيس محمد ﷺ لا أريده. فالمناهج كلها ضالة إلا منهجه ﵊، والشرائع كلها منسوخة إلا شريعته ﵊: ألم تر أن الله أعطاك سورة ترى كل ملك دونها يتذبذب فإنك شمس والملوك كواكب إذا طلعت لم يبد منهن كوكب فهو الحاشر وهو العاقب وهو الذي نسخ الله به الشرائع، وهو المهتدي والهادي وهو الحجة: في كفك الشهم من حبل الهدى طرف على الصراط وفي أرواحنا طرف فكن شهيداً على بيع النفوس فما تحوي الضمائر منا فوق ما نصف سعد وسلمان والقعقاع قد عبروا إياك نعبد من سلسالها رشفوا وأما قوله: ﴿وَلَوْ شِئْنَا لَآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا﴾ [السجدة:١٣] فليس فيه حجة للجبرية الذين قالوا: العبد مجبور، يقولون لأحدهم: لماذا لا تهتدي؟ قال: لو شاء الله أن يهديني لاهتديت، وقال المشركون: ﴿لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلا آبَاؤُنَا﴾ [الأنعام:١٤٨] قال: فاحتجوا بحجة هي عليهم فقال الله: ﴿قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ﴾ [الأنعام:١٤٩] وقال أحد الزنادقة -عليه غضب الله- لما قالوا: إبليس لم يسجد، قال: من إبليس؟! من الذي أغوى إبليس؟! من هو شيطان إبليس؟! يقول: إذا كان غوى إبليس فمن هو شيطانه. وقال زنديق آخر: وكنت امرأً من جند إبليس فارتقى بي الحال حتى صار إبليس من جندي يقول: كنت تلميذاً عنده فأغواني، حتى صرت أكثر منه فأصبح من جندي، وقال زنديق ثالث: نصب اللحم للبزاة على ذروتي عدن ثم لاموا صبابتي في فتون من افتتن لو أرادوا صيانتي حجبوا وجهك الحسن يقول: كيف يخلق الله وجهاً حسناً ويأمرنا ألا ننظر إليه؟! فإذا نظرنا وافتتنا؛ لامنا. فهو يعترض على الله، وقال ابن الراوندي وعنده كسرة خبز يأكلها وكان فقيراً فيلسوفاً ملحداً، ألف كتاب الدامغ على القرآن وقد وقف على النهر فمر مولى عنده خيول وجمال وبقر، قال: لمن هذه الخيول والجمال والبقر؟ قالوا: لفلان العبد، فالتفت إلى السماء، وقال: أنا فيلسوف الدنيا تعطيني كسرة خبز، والعبد هذا تعطيه هذه الخيل والبقر والغنم ثم رمى بالكسرة في النهر، فكان أهل السنة يترجمون له فيقولون: الكلب المعفر، الذي اعترض على قدرة الباري . وقال زنديق رابع: أيا رب تخلق أغصان رند وألحاظ حور وكثبان رمل وتنهى عبادك أن يعشقوا أيا حكم العدل ذا حكم عدل ﴿قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ﴾ [الأنعام:١٤٩] أما الرد على هؤلاء، فيقال: ﴿وَلَوْ شِئْنَا لَآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا﴾ [السجدة:١٣] فلو شاء الله أن يهتدي من في الأرض؛ لهداهم جميعاً بكلمة كن، ولكن بيَّن طريق الخير، وبيَّن طريق الشر، ولم يجبر أحداً على الضلالة وقال: ﴿إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِراً وَإِمَّا كَفُوراً﴾ [الإنسان:٣] وقال: ﴿وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ﴾ [البلد:١٠] وبين طريق الجنة وطريق النار، وأنزل الكتب وأرسل الرسل، ونصب الصراط على النار، وخلق جنة وناراً، وخلق حواساً للعبد، ثم تركه لينظر ماذا يرى، وإلا ففي علمه سبحانه أنه يعلم من يضل ومن يهتدي. الثاني: نرد عليهم بمنطوق الواقع، فنقول: أنت لا تقبل من زوجتك أو غلامك إذا احتجوا عليك بالقضاء والقدر، فلو قام ابنك وضربك على وجهك كفاً، فقلت له: لمَ ضربتني؟ قال: قدر الله أن أضربك، لما قبلت قوله، ولذلك رد عمر على السارق لما سرق، قال: [[لمَ سرقت؟ قال: قدر الله علي أن أسرق، فقطع يده عمر فقال: لمَ قطعت يدي؟ قال: قدر الله علي أن أقطع يدك]]. وهذه هي الحجة البالغة: ﴿قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ﴾ [الأنعام:١٤٩].

стр. 6143

حقيقة الهداية في الجنة وأما قوله عن المؤمنين لما سكنوا مساكن الجنة: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ لَقَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ وَنُودُوا أَنْ تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الأعراف:٤٣] فقال عامة المفسرين: الحمد الذي هدانا لطريق الجنة بالعمل الصالح فاهتدينا، وقال غيرهم: الحمد لله الذي هدانا منازلنا فعرفناها في الجنة، وصح عنه ﵊ أنه قال: ﴿للمؤمن في الجنة أدل بمنزله منه في الدنيا﴾ فيدخل المؤمن في الجنة فيعرف منزله، تلك المنازل: فحي على جنات عدن فإنها منازلك الأولى وفيها المخيم ولكننا سبي العدو فهل ترى نعود إلى أوطاننا ونسلم أما والذي شق القلوب وأوجد الـ ـمحبة فيها حيث لا تتصرم وحملها جهد المحب وإنه ليضعف عن حمل القميص ويألم لأنتم على بعد الديار وقربها أحبتنا إن غبتم أو حضرتم قال: فالمؤمن يهتدي إلى منزله، كيف يهتدي؟ لأن الجنة واسعة عرضها السماوات والأرض، ومنزلك قد يكون في أقصاها، وأقل من يسكن الجنة له عشرة أمثال الدنيا، فيهتدي إلى منزله دون أن يعرف أو يدل، وذلك بهداية الله سبحانه، والصحيح أن: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا﴾ [الأعراف:٤٣] أي: للعمل الذي أدخلنا الجنة، فإن الجنة تدخل برحمة الله وتنزل بالأعمال، ولذلك قال : ﴿وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الزخرف:٧٢] فظاهر الآية أنه يدخل الجنة بالعمل، بينما قالوا للرسول ﵊ لما قال: ﴿لن يدخل أحدكم الجنة بعمله، قالوا: حتى أنت يا رسول الله؟ قال: حتى أنا، إلا أن يتغمدني الله برحمته﴾ قال ابن القيم: والجواب بين الآية والحديث أن الدخول في الجنة لا يكون إلا برحمة الله، ولا يدخل أحد بعمله، وأما النزول في المنازل والدرجات فبالأعمال، وهذا هو الصحيح المعتبر.

стр. 6144

وقفة مع معاني: العفو والعافية وأما قوله ﷺ : (وعافني في من عافيت) فإن هناك نعيماً في الدنيا ونعيماً في الآخرة، فنعيم الدنيا عافية، ونعيم الآخرة عفو، فلا يتم نعيم الآخرة إلا أن يعفو الله عن ذنوبك، ولا يتم نعيم الدنيا إلا بأن يعافيك الله في جسدك. قالوا لأحد الأطباء: ما هي السعادة؟ قال: أن تعافى، وقالوا لأحد الحكماء: ما هي السعادة؟ قال: عافية في الدنيا وعفو في الآخرة، وعند أحمد في المسند أن العباس قال: ﴿يا رسول الله! علمني دعاءً أدعو الله به، قال: قل: اللهم إني أسألك العفو والعافية﴾ وقال له مرة: ﴿يا عم! سل الله العفو والعافية﴾ فما أوتي العبد بعد العفو خيراً من العافية في الأبدان، فالمريض لا قرار له، ولا صحة ولا عافية له، ملكوا الدنانير والقصور فمرضوا فما وجدوا لها حلاوة، فالمريض لا نعيم له. كان الجاحظ الكاتب الشهير، والبلاغي النحرير، المعتزلي مريضاً وعنده الدنانير التي أعطاه الخلفاء، فيدخل عليه الزوار بأكياس الذهب والفضة، ويقولون: خذ من الخليفة، فيتقلب ويبكي ويقول: أترجو أن تكون وأنت شيخ كما قد كنت في عصر الشباب لقد كذبتك نفسك ليس ثوب جديد كالبلي من الثياب يقول: ماذا أريد بها وأنا في هذا المستوى وفي هذا المرض، وكان أحد أدباء خراسان، يطلب المال في العشرين والثلاثين والأربعين من عمره، فما وجد درهماً واحداً، وكان فقيراً، فلما بلغ الثمانين استدعاه الخليفة وولاه الكتابة وأعطاه راتباً، وجارية له، فبقي يبكي في الليل فقال له أبناؤه: مالك تبكي؟ فنظم قصيدة قال: ما كنت أرجوه إذ كنت ابن عشرينا ملكته بعد أن جاوزت سبعينا تطوف بي من بنات الترك أغزلة مثل الضباء على كثبان يبرينا يحيين بالحب ميتاً لا حراك به وهن يقتلن بالتسعين تسعينا قالوا أنينك طول الليل يزعجنا فما الذي تشتكي قلت الثمانينا

стр. 6145

الفرق بين المغفرة والعفو قال ﷺ : ﴿العفو والعافية﴾ العافية في البدن، والعفو في الآخرة. أيها الإخوة: الفرق بين المغفرة والعفو أن المغفرة أخص والعفو أعم، وذلك كقول الإنسان للطالب: غفرت لك، فمعناها: أنك سامحته من العقاب، ولكنك قد تكون عاتباً عليه، وإذا قلت: عفوت عنك، فمعناه: أنك غفرت له العقاب ولم تعتب عليه، وهذا هو الصحيح، قالوا: عفا الملك، يعني: لم يعاتب ولم يعاقب، وقالوا: غفر أي: لم يعاقب وربما عاتب.

стр. 6146

منزلة العفو وأما قوله : ﴿وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [آل عمران:١٣٤] فهي ثلاث منازل للأولياء. المنزلة الأولى: منزلة الكظم: أن تكظم غيظك عن الناس لكنك قد تحمل في قلبك عليهم غلاً وحسداً وحقداً، وهذه منزلة لا بأس بها. المنزلة الثانية: منزلة أن تعفو عنهم، فلا تعاتبهم ولا تؤذيهم، وهذه منزلة ثانية أحسن. والمنزلة الثالثة: والله يحب المحسنين، أن تعفو عنهم ولا تؤذيهم ولا تحمل عليهم، وتنفعهم وتهدي لهم. وقف خادم على رأس هارون الرشيد ومعه إبريق يصب منه ماءً حاراً، فسقط الإبريق من الخادم على رأس هارون الرشيد، وهو ماء حار كاد أن يذهب صفحة وجهه، فالتفت مغضباً وحوله الأمراء والوزراء والجيش، فقال الخادم وكان ذكياً: ﴿وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ﴾ [آل عمران:١٣٤] قال: قد كظمت، قال: ﴿وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ﴾ [آل عمران:١٣٤] قال: عفوت عنك، قال: ﴿وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [آل عمران:١٣٤] قال: أعتقتك لوجه الله، ذكر ذلك صاحب البداية وصاحب العقد الفريد.

стр. 6147

تفسير قوله تعالى: (عفا الله عنك) وأما قوله: ﴿عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ﴾ [التوبة:٤٣] فهو رفع العتب، فالرسول ﷺ اعتذر المنافقون عنده فصدقهم ﵊ وقَبِل ظاهرهم، فقال الله: ﴿عَفَا اللَّهُ عَنْكَ﴾ [التوبة:٤٣] قالوا: رفع للعتب، يعني: لا نعتب عليك: إن جرى بيننا وبينك عتبٌ وتولتْ بنا عليك قصار فالدموع التي عرفت كثار والدموع التي صحبت غزار فالمعنى: عفا الله عنك لا نعاتبك، أما العقاب، فالرسول ﷺ بعيد منه؛ لأن الله يقول: ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَيَهْدِيَكَ صِرَاطاً مُسْتَقِيماً﴾ [الفتح:٢] إنما لا نعاتبك، لأنه ورد: ﴿عَبَسَ وَتَوَلَّى﴾ [عبس:١] وهذا عتاب، وأما في المنافقين فقال: ﴿عَفَا اللَّهُ عَنْكَ﴾ [التوبة:٤٣] قال أهل التفسير: والملحة في الجملة -يعني: الطريف في الجملة- أنه قدم العفو قبل أن يتكلم مع رسول الله ﷺ . وكان أحد القراء يقرأ ويبكي فيقول: ﴿عَفَا اللَّهُ عَنْكَ﴾ [التوبة:٤٣] ثم يقف، ثم يقول: ﴿لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ﴾ [التوبة:٤٣] ولو نزل جبريل فقال للرسول ﷺ : ﴿لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ﴾ [التوبة:٤٣] لخاف الرسول ﷺ ، لكن قال: ﴿عَفَا اللَّهُ عَنْكَ﴾ [التوبة:٤٣] فما يأتي بعدها سهل، فقال: ﴿لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ﴾ [التوبة:٤٣] هذا هو الوجه البلاغي والملحة في الجملة. وأما قوله: ﴿اللهم إني أسألك العفو والعافية﴾ فإنه من أفضل الدعاء، وهو من جوامع الدعاء، وهناك دعاءان اثنان أوصي نفسي وإياكم بهما، الأول: ﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ [البقرة:٢٠١] والثاني: ﴿اللهم إني أسألك العفو والعافية﴾ فهما يجمعان المحاسن.

стр. 6148

أقسام الولاية وأما قوله: ﴿وتولني في من توليت﴾ فإن الولاية ولايتان: ولاية عامة، وولاية خاصة، فولايته العامة هي لعامة المؤمنين، بما فيهم الظالمين لأنفسهم: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ﴾ [فاطر:٣٢]. وأما الولاية الخاصة فهي: ولاية لأحبابه وأوليائه أهل الليل والتهجد والدعوة والبذل والعطاء، وأهل الغيرة على محارم الله، ونصرة طلبة العلم ونصرة العلماء، والكتاب والسنة، فهؤلاء لهم ولاية خاصة.

стр. 6149

الولي عند الصوفية والولاية ما هي؟ صفة الولي عند الصوفية: هي من صافى فصوفي، وكافى فكوفي. وقال غيرهم: الولي من يلبس العباء ويجلس في الخفاء. وقال غيرهم: الولي من تراه بين الناس كأنه دعي، وتراه بين الأدعياء وكأنه ولي. وهذه خزعبلات لا تجدي، والتعريف الصحيح هو قوله تعالى: ﴿أَلا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ * الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾ [يونس:٦٢ - ٦٣] وقوله : ﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ * وَمَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ﴾ [المائدة:٥٥ - ٥٦].

стр. 6150

كيف تعرف ولي الله وكيف يعرف الولي؟ قالوا: بإقامته للفرائض وتزوده من النوافل، وباجتنابه الكبائر والصغائر، والصحيح أن هذا فيه نظر، وأن الأولياء على قسمين -كما يقول شيخ الإسلام ابن تيمية -: مقتصد، وسابق بالخيرات. فالسابق بالخيرات من يأتي بالفرائض والنوافل ويجتنب الكبائر والصغائر، وهذا في حديث البخاري الذي رواه أبو هريرة عن الرسول ﷺ قال: ﴿يقول الله : من عادى لي ولياً فقد آذنته بالحرب، وما تقرب إلي عبدي بأحب إليَّ مما افترضته عليه، ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه﴾ فانظر كيف قسمهم إلى قسمين؟! وأما المقتصد: فمن يأتي بالفرائض وربما ترك المستحبات، ومن يترك الكبائر وربما وقع في الصغائر، فهذان قسمان في الأولياء.

стр. 6151

ولاية الله تنال بالعبودية لله وولاية الله لا تنال إلا بالعبودية، قال ابن القيم في مدارج السالكين: من أراد السعادة الأبدية فليلازم عتبة العبودية، ولا تنال الولاية إلا بطاعة الله. والأولياء ليس لهم أنساب، بل نسبهم: لا إله إلا الله محمد رسول الله، وسببهم: آية: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة:٥] وبيوتهم: المساجد، وعصيهم التي يتوكئون بها ويهشون بها على أغنامهم: لا حول ولا قوة إلا بالله، وترسهم الذي يحاربون به في المعارك: حسبنا الله ونعم الوكيل، وأحذيتهم: الصبر، وزادهم: الفقر، وإمامهم: محمد ﷺ ، فإذا قال: الله أكبر، قالوا: الله أكبر، وإذا قال: سمع الله لمن حمده، قالوا: ربنا لك الحمد، وأصحابهم وأصدقاؤهم سلمان وأبو عبيدة وعمار ومصعب، قال: ﴿دعها فإن معها حذاءها وسقاءها ترد الماء وتأكل الشجر حتى يلقاها ربها﴾. فهؤلاء أولياء الله ، اسمهم: أهل السنة، قيل لأحد السلف: من هم أهل السنة؟ قال: الذين ليس لهم اسم إلا أهل السنة، قال مالك: السنة سفينة نوح، من ركب فيها سلم، ومن تخلف عنها غرق أو هلك.

стр. 6152

مسائل تتعلق بقوله: وبارك لي فيما أعطيت أما قوله ﷺ : ﴿وبارك لنا فيما أعطيت﴾ فبارك من مادة برك، يعني: كثر، تقول: تبارك الماء يعني: كثر.

стр. 6153

معنى تبارك الله ويقال لله بدون تعدية للفعل: تبارك الله، تبارك الله رب العالمين، يعني: تنزه عن النقائص والعيوب، وقال: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ﴾ [الملك:١] تنزه . والبركة تدخل في الشيء فتجعل القليل كثيراً، والبركة تدخل الجسم فتجعل الضعيف قوياً، وتجعل الذليل عزيزاً، وتجعل البعيد قريباً، والبركة مادة إكسير الحياة، وهي مثل الحب، إذا وضعت في شيء نما وزاد بإذن الله وهي بركة من الله، والبركة إذا نزعت من الشيء لا ينفع كثيره فيصبح خبيثاً، ولا ينفع قويه فيصبح ضعيفاً، ولا ينفع قريبه فيصبح بعيداً، وتتقطع به الحبال. فالبركة من الواحد الأحد، ينزل الغيث بلا بركة فيسيل ماءً لا ينتفع به، وتنزل البركة في الماء القليل فيصبح مدراراً غزيراً وينتفع به.

стр. 6154

الهداية أعظم عطاء من الله فيقول: ﴿وبارك لي فيما أعطيت﴾ والعطاء من الله: عطاء معنوي، وعطاء حسي، وأعظمها عطاءً: الهداية، وعطاء الابن والزوجة، وعطاء المسكن واللباس. قال: ﴿وبارك لي فيما أعطيت﴾ فإذا لم يبارك الله ؛ لا ينفع مال ولا ولد ولا زوجة ولا مسكن، وإذا نزعت البركة أصبح العبد مطروداً عن باب الواحد الأحد، فعلى العبد أن يطلب من الله البركة، ولا يطلب الكثرة بلا بركة، فإنها لا تنفع ولا تجدي، فقد كان كثير من الفجرة والطغاة والخونة على مر التاريخ ولا زالوا؛ يملكون القصور، والدور والملايين والسيارات، ويلعبون بالشيكات، ومع ذلك نزع الله البركة من أموالهم، فما استفادوا منها لا في دنيا ولا آخرة، ولا رفعوا بها معلماً، ولا حاربوا بها أعداء الله، ولا نصروا بها الدين، ولا أنفقوها في سبل الخير، إنما أنفقوها في أغنية ماجنة، أو مطاردة صيد، أو لهو ولعب، أو خمر وسهر، فهذا من نزع البركة -والعياذ بالله- وربما تحمل أنت درهماً واحداً أو ريالاً واحداً، أجدى عند الله ممن يحمل الليلة مليوناً؛ لأنها نزعت منها البركة.

стр. 6155

تقدير الله للخير والشر وأما قوله: ﴿وقني شر ما قضيت﴾ فالله هو الذي كتب الخير والشر، والمانوية قالت: إله الخير النهار، وإله الشر الليل، والمانوية فرقة شمالية شرقية، كانت تسكن فيما يقارب وراء نهر سيحون وجيحون من حدود الصين إلى قرب الاتحاد السوفيتي. وهذه الفرقة ضالة كافرة، تعبد الليل والنهار، فالنهار والنور عندهم إله الخير، والظلمة إله الشر، فرد الله عليهم في أول سورة الأنعام فقال: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ﴾ [الأنعام:١] تقول المانوية: من قاتل في الليل لا ينتصر، وتوصي ملوكها: ألا تقاتل في الليل، وسيف الدولة الحمداني كان والياً في الشمال، قاتل في الليل فغلب الروم أربع عشرة مرة في الليل، فحياه المتنبي -شاعره- وقال: فكم لظلام الليل عندك من يد يحدث أن المانوية تكذب يقول: كم أهدى لك الليل من نصر، وهذا يكذب ما تقول المانوية، فهي تقول: لا تنتصر، وأنت انتصرت أربع عشرة مرة. فرد الله عليهم بأنه خلق الليل والنهار والظلمة والنور، والسماوات والأرض.

стр. 6156

حكم نسبة الشر إلى الله فهل ننسب الشر إلى الله! في صحيح مسلم قال ﷺ : ﴿والخير بيديك، والشرك ليس إليك﴾ وما أحسن هذا الكلام! الخير بيديك وكلتا يديه يمين ، وهي ملأى سحاء في الليل والنهار لا يغيضها منذ خلق السماوات والأرض، قال ﷺ : ﴿أرأيتم ما أنفق الله منذ خلق السموات والأرض فإنه لم يغض﴾ وفي بعض الروايات: ﴿إلا كما ينقص المخيط إذا أدخل البحر﴾. قال: ﴿والشر ليس إليك﴾ فالذي قدر الشر والخير هو الله، لكن لا ينسب الشر إلى الله؛ لأنه من تقديره بالنسبة إليه خير محض، فهو لا يكتب الشر، لكن قد يكون شراً بالنسبة للعبد، ولذلك انظر إلى تأدب الجن، لما أرادوا أن ينسبوا الشر قالوا: (وَأَنَّا لا نَدْرِي أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَنْ فِي الْأَرْضِ أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَداً﴾ [الجن:١٠] فما أحسن المبني للمجهول! قال أحد البلاغيين: لله دركم! حتى أنتم تدركون اللغة العربية. وقال سيد قطب في الظلال عند قوله: ﴿قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ فَقَالُوا إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآناً عَجَباً﴾ [الجن:١]: عجباً! حتى الجن يتذوقون القرآن، حتى أنتم تعيشون مع هذه الأسرار البلاغية، ولذلك قال: قالت الجن لما جلسوا في المناصب والمقاعد يستمعون وينظرون إلى الشهب وهي تحرق المردة، قالوا: ﴿وَأَنَّا لا نَدْرِي أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَنْ فِي الْأَرْضِ أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَداً﴾ [الجن:١٠] تغير الكون، كنا نستمع الكلام فاحترقنا الآن، ولا ندري ما حدث في الكون، قال ابن عباس: اجتمع الجن في نصيبين، فقال شيخهم: انتشروا في الأرض فقد وقع الليلة شيء في الأرض، ما هو الذي وقع؟ هل هو اكتشاف القنبلة الذرية؟ أو بركان أو نزول أبولو على سطح القمر؟ أو انشقاق البحر؟ لا: ﴿عَمَّ يَتَسَاءَلُونَ * عَنِ النَّبَأِ الْعَظِيمِ﴾ [النبأ:١ - ٢] إنه رجل أمي خرج من الصفا في مكة يقود البشرية إلى جنة عرضها السماوات والأرض. فقالوا: أُريد، وهي من أجمل ما أتى! قال: ﴿أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَداً﴾ [الجن:١٠] فهنا أتى بالفاعل وهناك جعل الفعل مبنياً للمجهول وحذف الفاعل. وقال إبراهيم ﵊: ﴿الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ * وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ﴾ [الشعراء:٧٨ - ٧٩] فقال: خلقني الله، ورزقني الله، ويطعمني الله، ويهديني الله، ويسقيني الله، قال: (وإذا مرضت) فالذي يمرض هو الله، ولكن ما قال: والذي أمرضني، فاستحيا من الله وقال: ﴿وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ﴾ [الشعراء:٨٠] قالوا: عليك السلام أيها الخليل كيف تأدبت بأدب الخلة! كذلك يقول أيوب عليه والسلام: ﴿أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾ [الأنبياء:٨٣] ولم يقل مسستني بضر، ولم يقل: أنا مريض أو أمرضتني، بل قال: مسني الضر، ويقول: لا أدري من أين جاء هذا الضر -في ظاهر الخطاب- مع العلم أنه يدري أنه لا يمسه إلا الله ، وهذا من باب التأدب.

стр. 6157

الحكمة من تقدير الشر فقال: ﴿وقني شر ما قضيت﴾ قال أهل العلم من أهل السنة: قد يكون القضاء في حق العبد شر بالنسبة إليه، وأما بالنسبة لقضاء الله المطلق ولقضائه الشرعي الأمري فهو خير كله، فتبارك الله رب العالمين. حتى يتساءل بعض الزنادقة، يقول: ما الفائدة من خلق الذباب والبعوض؟ وما الفائدة من خلق الشوك والطلح الذي لا ثمر فيه؟ وما الفائدة من خلق البحار المالحة، التي مثل بحيرة طبرية؟ وأبو جعفر قال له طبيب وكان زنديقاً: إذا دخل عليك أحد العلماء، فحاول أن تبكته، وقل له: لماذا خلق الله الذباب؟ فدخل ابن السماك الواعظ -واعظ المسلمين- على الخليفة، فجلس وجلس العلماء حول أبي جعفر، فساق الله ذباباً من الكبار، فوقع على أنف أبي جعفر المنصور، فوقع على أنف الخليفة وأحرجه أمام الناس، فقال بالذباب هكذا فطار، ثم رجع إلى قواعده سالماً على أنف أبي جعفر. وأبو جعفر هذا يذبح الملوك كذبح الشياه، قد ذبح أعمامه الأربعة، وذبح أبا مسلم الخراساني، وذبح هرثمة بن أعين، وكان يتصيدهم كصيد الغزلان، داهية من دهاة الدنيا، ومن النادر أن تجد في التاريخ مثله، فهو صنديد من أبناء ابن عباس، حكم الدنيا، وهو الذي بنى مدينة السلام وكان عالماً جهبذاً، يرتجل الخطبة، ولا يفكر في الموضوع إلا إذا جلس على المنبر. فأتى الذباب وأحرجه أمام الناس، فأخذ يضرب بيده اليسرى مرة وباليمنى مرة، فقال: يا بن السماك! لماذا خلق الله الذباب؟ قال ابن السماك: ليذل به أنوف الطغاة. وهذا من أحسن ما قيل! فلله الحكمة البالغة، وقد يكون من أسرار خلق الذباب أن يذل الله به أنوف الطغاة، فإن بعضهم تجده لا يستطيع أن ينظر إلى البشر، وكأنه من طينة أخرى، لا يلتفت إلى الناس ولا يتكلم معهم، وإذا جلس في المهرجان أو العرض العسكري، أتى الذباب وجلس على أنفه، يعني ضاقت الدنيا إلا على هذه القواعد والمطارات الجاهزة.

стр. 6158

بيان معنى قوله: (إنك تقضي ولا يقضى عليك) قوله: ﴿إنك تقضي ولا يقضى عليك﴾ يقول : ﴿لا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ﴾ [الرعد:٤١] اسمع اللطافه، يقول: إذا حكم لا معقب لحكمه، لأن أهل الدول والنظم، يبقى التوقيع الأخير لأكبر مركز في الدولة، فإذا وقع عليه لا يجوز لأحد أن يوقع بعده، فيقول : ﴿لا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ﴾ [الرعد:٤١] يقول: فإذا وقع على قضية وأنهاها، فلا يأتي أحد من البشر سواء من الملوك أو الجبابرة، ولا من الأكاسرة والقياصرة، يوقع عليه بعده، وإن وقع عليه فالنار مثواه: ﴿لا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ وَهُوَ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ [الرعد:٤١]. ولذلك سمى ابن القيم كتابه: إعلام الموقعين، ومعناها: الموقعين عن رب العالمين، فلا يوقع عن الله في الأرض إلا العلماء: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِماً بِالْقِسْطِ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [آل عمران:١٨] فهم يوقعون عن الله الفتاوى، ولذلك فتيا أهل العلم توقيع عن الله. وقوله: ﴿إنك تقضي ولا يقضى عليك﴾ فلا يقضي على الله أحد: ﴿كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ﴾ [الرحمن:٢٩] والناس لا يدرون! تجد الإنسان يسرح ويمرح وقضى الله عليه أن يموت بعد لحظة! تجده في سلطان وقضى الله عليه أن يُخلع بعد وقت، فلا يدري. قال ابن القيم عند قوله تعالى: ﴿كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ﴾ [الرحمن:٢٩] يُغني فقيراً ويجبر كسيراً، ويعافي مبتلى، ويشافي مريضاً، ويرد غائباً، ويميت حياً، ويخلع ويعزل هذا، ويولي ويملك هذا، ويغني هذا ويفقر هذا: ﴿كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ﴾ [الرحمن:٢٩]. فالصحف تصعد وتنزل، والملائكة تعمل، وسفراء الوحي واقفة، والسماء في أمر عجيب، والأرض في نبأ غريب، ومع ذلك لا يلهيه شأن عن شأن. أنا أمام الله فرد واحد، يدري بحياتي ومستقبلي ومعاشي من دقيقة وجليلة، وأنت وكل رجل منذ أن خلق الله آدم إلى قيام الساعة، ثم يخلقهم ويرزقهم ويعافيهم ويبتليهم ويحاسبهم، بل أعظم من ذلك: ﴿وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلا رَطْبٍ وَلا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ [الأنعام:٥٩].

стр. 6159

حقيقة العزة وأما قوله: ﴿إنه لا يذل من واليت﴾ فيقول بعض العلماء: من انتسب إلى الله أعزه بلا عشيرة، ونصره بلا قوة، وأيده بلا تأييد أرضي، وهؤلاء يسمون: المنتسبون إلىالله، ويسمون: الربانيون، ويسمون: المحمديون، أو الأحمديون، أو المؤمنون أو أولياء الله.

стр. 6160

السلف والعزة وقال: ﴿إنه لا يذل من واليت﴾ فمن والى الله لا يذل أبداً، وقد تأتيه ضربات ومصائب لكن قالوا: لا يذل، وتأتيه كوارث قالوا: لا يذل وتأتيه حوادث، قالوا: لا يذل. قال أبو إسماعيل الهروي مؤلف منازل السائرين الذي يسمى شيخ الإسلام وشيخ خراسان قال: عرض عليه من الكرب ما لا يعلمه إلا الله، وأتت عليه من المشكلات ما تدلهم به الليالي السود، يقول: كنت إذا ضاقت الضوائق أضع خدي على التراب وأقول: ﴿إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً﴾ [الشرح:٦] فيكشف عني الله الغمة، قال وهو يتحدث عن نفسه: والله! لقد عرضت على ملك خراسان خمس مرات، يعرض علي السيف ويضع السيف بين أذني فأقول: يا كافي! فيكفيني الله. وخرج ابن تيمية من سجن الإسكندرية، فقالوا: الناس يريدون قتلك وتمزيقك، فنفخ في كفه وقال: والله كأنهم الذبان عندي: رمى بك الله جنبيها فحطمها ولو رمى بك غير الله لم يصب تدبير معتصم بالله منتقم لله مرتقب في الله مرتغب فهذا يقول: إنه لا يذل من واليت.

стр. 6161

أعداء الله لا يجدون العزة أبداً وقوله: ﴿ولا يعز من عاديت﴾: أما من عادى الله فلا يعز أبداً، تقول لي: أناس يعادون الله مع أننا نراهم في عزة، ونراهم في صولة وصولجان وأبهة، ونراهم في مظهر عظيم، دندنة وهمهمة ومع ذلك هم أعداء لله، قال الحسن البصري مجيباً على هذا السؤال، وقد مر به ابن هبيرة أحد الأمراء وقد لبس حريراً وعنده بغال وموكب، قال: [[والله! إن ذل المعصية في قلوبهم ولو هملجت بهم البراذين، وطقطقت بهم البغال، أبى الله إلا أن يذل من عصاه]]. ف الجواب قال أهل السنة: هؤلاء الذين يظهرون بالعزة وهم أعداء لله أو عصاة لله في قلوبهم انكسار وخوف لا يعلمه إلا الله، فقلوبهم مكسورة من داخل، فيها حقارة وشناعة مستترة: من تداجي يا بن الحسين أداجي أوجهاً تستحق ركلاً ولطما

стр. 6162

قصة عطاء مع سليمان بن عبد الملك فمعنى: ﴿لا يعز من عاديت﴾ أنه لا يجد العزة أبداً، فالعزة محصورة لله ولرسوله وللمؤمنين، وهذه العزة يجدها العبيد والموالي في أبسط صور الحياة. عطاء بن أبي رباح مفتي مكة، كان مولى مفلفلاً مهلهلاً أعتق من امرأة، فأتى سليمان بن عبد الملك يريد أن يستفتيه قال لـ سليمان: انتظر مع الناس حتى يأتي دورك، فقال سليمان لأبنائه: تعلموا العلم واتقوا الله، فوالله! ما أذلني أحد من الناس إلا هذا العبد هذا اليوم. لماذا؟ ﴿إنه لا يعز من عاديت﴾ ولماذا؟ ﴿إنه لا يذل من واليت﴾ وهذا أمر معلوم بالفطر والأخبار والواقع والتاريخ: ﴿وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلاً﴾ [الأحزاب:٦٢]. قال وزاد: ﴿وصلى الله على النبي ﵊﴾ ونحن نصلي عليه دائماً، فالدعاء لا بد أن تطعمه بالصلاة عليه، وهذه رواية يضعفها بعض العلماء ولكن: المعنى صحيح، فالصلاة تقدم في أول الدعاء وفي أوسطه وآخره، صلاة على النبي ﷺ . قال الحاكم وابن حبان: في رواية الحسن: ﴿علمني رسول الله ﷺ في وتري إذا رفعت رأسي ولم يبق إلا السجود﴾ والمعنى: في آخر ركعة إذا رفعت من السجود وقلت: سمع الله لمن حمده، ربنا لك الحمد، حمداً طيباً مباركاً فيه، أن ترفع يديك ثم تبدأ بهذا الدعاء العطر، وإذا كان معك أناس وأنت تدعو بهم، فقل: اللهم اهدنا في من هديت، وعافنا في من عافيت، وهو من أجمل الدعاء! ولا يصوغه إلا محمد ﷺ ، ولا يستطيع لهذه الجوامع من الكلم إلا هو، فإنه غذي بهدي النبوة ﷺ وشرب رحيقها، وعاش في حديقتها، وابتنى دارها، فهو يقول: ﴿أوتيت جوامع الكلم وفواتحه وخواتمه، واختصر لي الكلام اختصاراً﴾ أما حديث: ﴿أنا أفصح من نطق بالضاد﴾ فلا يصح: ﴿بيد أني من قريش﴾ لا يصلح، بل هو أفصح من تكلم بالضاد ﵊ وأفصح الناس جميعاً. وفي هذا تتجلى أسرار البلاغة والعمق في كلامه ﵊، فإنك إذا قارنت كلامه بكلام غيره، بان لك الخلل والبون الشاسع، فانظر كيف حوى سعادة الدنيا والآخرة في هذه الكلمات! فبدأ بالهداية، ثم الولاية، ثم الرعاية، ثم الكفاية، ثم أتى ﷺ بالعافية، ثم ذكر الأبدان، ثم الأموال، ثم ذكر المستقبل في الآخرة، ثم أمر الدنيا، ثم ختم ﵊ بالصلاة عليه ليرتفع الدعاء.

стр. 6163

أصناف المهتدين أما قوله: ﴿اللهم اهدني في من هديت﴾ فإن الله هدى أربعة أصناف من الناس لا خامس لهم، والذي لا يسلك مسلكهم فليس من الهداية في شيء: الأنبياء، والشهداء، والصديقون والصالحون. أما الأنبياء والرسل فهم قادة العالم، وهم الذين يسيرون سفينة الحياة، ويوصلون الخلق بالخالق، وهم الذين يعلِّمون أسرار الوحي للبشرية، وهؤلاء انتهى أمرهم وخاتمهم وخيرهم محمد ﷺ ، فلا يجوز لك أن تقول: اللهم اجعلني من الأنبياء أو الرسل، فإن هذا من التعدي في الدعاء. وأما الصديقون: فهم أناس كدرجة أبي بكر الصديق، أصبحت أنفاسهم لله، ودموعهم ودماؤهم وأموالهم لله، فليلهم ونهارهم لله، فهم لله، فبه يسمعون، وبه يبصرون، وبه يبطشون فهم كلهم: حركاتهم وسكناتهم لله: يطالب بالأوراد من كان غافلاً فكيف بشهم كل أيامه ورد إن كان سركم ما قال حاسدنا فما لجرح إذا أرضاكم ألم وقال آخر: متيم بالندى لو قال قائله هب لي فديت كرى عينيك لم ينم وقال آخر في معالي الدنيا فكيف بمعالي الآخرة: أتاني المعالي وهو ضيف أحبه فأطعمته لحمي وأسقيته دمي وهذا من الأولياء كما فعل أبو بكر الصديق، فإنه أطعم الإسلام لحمه، وسقى الإسلام دمه، وكان في كل لحظة مع الإسلام فالإسلام أبو بكر وأبو بكر هو الإسلام، فأصبح صديقاً، رجف جبل أحد ورسول الله ﷺ عليه ومعه أبو بكر وعمر وعثمان، فقال: ﴿اثبت أحد فما عليك إلا نبي أو صديق أو شهيد﴾ فكان النبي هو ﷺ ، والصديق أبو بكر، والشهيد عمر وعثمان. وأما الشهداء فأناس أتوا إلى الله بأرواحهم في أكفهم، فباعوها في سوق الربح، بأغلى الأثمان، فعوضهم الله الجنة، وجازاهم أنه يكلمهم كل جمعة في الجنة، وهم يجلسون إما على منابر من نور أو على كثبان المسك، فيخاطبهم مباشرة ويتعرض لأيامهم في الدنيا، فيذكرهم بأيامهم وأزواجهم وأبنائهم في الدنيا كل يوم جمعة، وهو يوم المزيد. وأما الصالحون فهم: المصلون، الصائمون، العاكفون على طاعة الواحد الأحد، أولياء الله الذين يحبون دينه وأولياءه وينصرونه ويغضبون له، ويغتاظون على محارمه، ويحبون أن ينتشر الإسلام، وأن ترتفع كلمة الله، أما غيرهم فخاسرون. وانقسم الناس أمام الهداية في قوله: ﴿اهدنا فيمن هديت﴾ إلى أربعة أقسام: الأول: قوم فعلوا المأمور وتركوا المحذور وهم أولياء الله. الثاني: قوم فعلوا المأمور والمحذور وهم الذين خلطوا عملاً صالحاً وآخر سيئاً. الثالث: قوم تركوا المأمور والمحذور وهم الصابئة والمجوس. الرابع: قوم تركوا المأمور وفعلوا المحذور وهم الزنادقة والملاحدة. هذا في مسألة: ﴿اهدنا في من هديت﴾.

стр. 6164

كيفية زيادة الهداية وأما مسيرة اهدنا في من هديت، فهي تبدأ من نوح ﵊، بل قال أهل العلم: من آدم ﵇. والله وصف نفسه أنه على صراط مستقيم، فقال: ﴿إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [هود:٥٦] فهو الذي يهدي ومنه الهداية: ﴿إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ [القصص:٥٦] ولتعلم أنه قال للرسول ﷺ في أمور التشريع: ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الشورى:٥٢] ثم قال له: ﴿إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ﴾ [القصص:٥٦] قال أهل العلم: أي: تدل وترشد وتنصح، تقول الجنة من هنا والنار من هنا، الصلاة والمسجد هنا، والمصحف هنا، مع العلم أنك لا تهدي، أي: لا توجه القلوب، فالذي يوجه القلوب هو الله ، وهو الذي يرشدها ويدلها. ومن اللطائف أيضاً: أن رسول الله ﷺ دائماً يصعد في درجات الكمال، قال شيخ الإسلام ابن تيمية: العبرة بكمال النهايات لا بنقص البدايات. فأنت لا تفكر باليوم، فربما تكون الليلة ناقص الإيمان، وربما يكون إيمانك مزعزعاً، ربما تكون عندك شهوات وشبهات، ولكن انتظر يوم تسقي شجرة قلبك بماء الطاعة، كيف تأتي أكلها كل حين بإذن ربها، وانتظر مستقبلك بعد عشر سنوات أو مثلها، فـ أبو بكر لما أسلم لم يكن مثله لما مات، يوم أسلم كان يعرف مجمل الدين، فلما مات كان صديقاً من الصديقين الكبار، وهكذا يبدأ الإيمان يزرع، ويسقى بماء التوبة، وسماع الدروس وحضور المحاضرات وحب الصالحين، ويسقى بماء الغضب لله والوقوف مع (لا إله إلا الله) بماء الانتصار لـ ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة:٥] بماء الغضب على العصاة والفجرة والمردة والفسقة الذين يعادون لا إله إلا الله والعلماء والصالحين والدعاة، فهذه إذا سقيتها آتت أكلها كل حين. ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعاً سُجَّداً يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَاناً سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْأِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْراً عَظِيماً﴾ [الفتح:٢٩] قالوا: زرعوا لا إله إلا الله؛ فأتت بالصلاة والزكاة والصيام والحج، فلما أخرجت شطأها واستوت: آزرت بالنوافل وحب الصالحين، وبالدعوة، وبالفقة في الدين، فلما آزرتها بالثمار، آتت بحلاوة لا إله إلا الله محمد رسول الله وهو الموت في سبيل الله، فلما أتت الحلاوة ذاقوها، قال ﷺ : ﴿ذاق طعم الإيمان: من رضي بالله رباً، وبالإسلام ديناً، وبمحمد نبياً﴾. واختلفوا بين الذوق والحلاوة، قالوا: الحلاوة تأتي بثلاث وهي في أصل الثمرة، يقول ﷺ : ﴿ثلاث من كن فيه وجد بهن حلاوة الإيمان﴾ وقال عند مسلم من حديث العباس: ﴿ذاق طعم الإيمان﴾ فاختلف أهل السنة من الشراح هل يذوق الحلى قبل أن يذوق الوجد أم لا، والصحيح أن الحلى آخر شيء، وأن من بلغ منزلة: ﴿ثلاث من كن فيه وجد بهن حلاوة الإيمان﴾ وعسى أن يكون هناك محاضرة لشرح هذا الحديث الضخم العجيب: ﴿ثلاث من كن فيه وجد بهن حلاوة الإيمان: أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواها، وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله، وأن يكره أن يعود في الكفر كما يكره أن يقذف في النار﴾ متفق عليه من حديث أنس. فالمقصود هنا: أن رسول الله ﷺ بلغ غاية الولاية لله ، وغاية المنزلة، وفي قوله طلب الهداية وأنه سيد المهتدين، رداً على طوائف: كطائفة الصوفية الغلاة، الذين قالوا: إن الولي أعظم من النبي، وكذبوا -لعنهم الله-. وبعض الناس قالوا: الأئمة معصومون وهم أفضل من الأنبياء -عليهم غضب الله- بل الأنبياء أفضل عباد الله، فقد اصطفاهم الله واختارهم واجتباهم وجعلهم قدوة وصفوة للناس. هذه من منازل الهداية ومن منازل: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ [الفاتحة:٦] وتحتاج: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ [الفاتحة:٦] إلى كلمة ومحاضرة وشرح عن هذه الكلمة المباركة وعن الصراط وعن المستقيم ومن هم سالكوه ومن هو إمامه، وهل هناك سبل أخرى؟ وما صفات هذه السبل؟ وكيف يتجنب العبد هذه السبل: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ [الأنعام:١٥٣]. ﴿اللهم اهدنا في من هديت، وعافنا في من عافيت، وتولنا في من توليت، وقنا واصرف عنا شر ما قضيت، إنك تقضي ولا يقضى عليك، إنه لا يذل من واليت، ولا يعز من عاديت، تباركت ربنا وتعاليت﴾ وزاد بعض العلماء: ﴿اللهم لك الحمد على ما قضيت، ولك الشكر على ما أعطيت﴾ إلى غيره من الدعاء، ولكن وقف الحديث الحسن إلى هذا المعنى الحسن، وهي جمل باهرة في معالم التوحيد، وعلى العبد إذا أراد أن يوتر في الليل أن يستفتح وتره بهذه الكلمات بعد حمد الله والصلاة والسلام على رسول الله ﷺ ثم يزيد ما شاء الله له من الكلام الطيب العجيب، وأراد رسول الله ﷺ بهذا للحسن أن يحبوه، فلم يكن ﷺ يملك دنيا ولا ديناراً ولا درهماً، وليس عنده توزيع المناصب، ولكن عنده توزيع الهدايا: المصلحون أصابع جمعت يداً هي أنت بل أنت اليد البيضاء أتته فاطمة ابنته، أمُّ هذا الرجل الصحابي الذي معنا - أم الحسن - أتته في ظلام الليل فقالت: ﴿يا رسول الله! عندك سبي -والسبي الخدم والجواري من بعض المعارك- فأعطني خادماً يخدمني، فردها إلى البيت ثم زارها وزار علياً -والحديث في الترمذي - قال: ألا أدلكما على خير لكما من خادم؟ قالا: بلى. قال: إذا أتيتما مضجعكما -يعني في النوم- فسبحا ثلاثاً وثلاثين، وتحمدان الله ثلاثاً وثلاثين، وتكبران أربعاً وثلاثين فذلكما خير لكما من خادم﴾ فانظر كيف وجههم إلى الذكر. وجاءه العباس يسأله مالاً وعمه العباس هو جد الدولة العباسية، جد ستة وثلاثين خليفة، ملكوا ثلاثة أرباع الكرة الأرضية، يريد مالاً، قال: ﴿يا عم! ألا تريد أن أحبوك؟ قال: بلى، قال: قل: اللهم إني أسألك العفو والعافية﴾. وعند الترمذي أن أعرابياً أتى عنده جمل وعليه عيبة، يريد أن يملأه تمراً وزبيباً ودقيقاً، فقال: ﴿يا رسول الله! أريد سفراً؟ فزودني﴾ ولم يكن عند رسول الله ﷺ شيئاً، فالنبي ﵊ الذي فتح الدنيا لأتباعه، وفتح القصور والذهب والفضة، مات وهو لم يشبع من كسرة خبز، وما شبع من طعام بر ثلاث ليالٍ متتابعات، تقول عائشة: ﴿والذي أخذ رسوله ﵊، ما شبع ﷺ ثلاثة أيام متتابعة من خبز بر، وإنه كان يمر بنا الهلال والهلالان لا يوقد في بيته ﷺ نار -يعني ما يجدون شيئاً يطبخونه- قالوا: فما طعامكم؟ قالت: الأسوادن: التمر والماء﴾ ومع ذلك مات في هذه الحالة. فأتى هذا الأعرابي فقال: ﴿أريد سفراً؟ فزودني، قال: زودك الله التقوى -فترك طلب الزاد لما سمع هذا الكلام- وقال: زدني، قال: وغفر ذنبك، قال: زدني، قال: ويسر لك الخير حيثما كنت﴾ وهذه من أجمل ما قيل! ومن يستطيع أن يصوغ هذه العبارات، فلم يحضر لها ﷺ ولا أعد، ولكن: ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى * عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى﴾ [النجم:٤ - ٥]. أيها الإخوة: هذه محاضرة (اللهم اهدنا فيمن هديت) ونسأل الله لنا ولكم الهداية والتوفيق، وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.

стр. 6165

الأسئلة الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.
следующие страницы →